منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداث  المنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 غسّان كنفاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 5:19 pm



مواليد يافا ـ فلسطين
مهندس ميكانيك
أديب وكاتب وصحفي
عضو اتحاد الكتّاب العرب
عضو اتحاد الكتّاب والصحفيين الفلسطينيين "فرع سورية" ومقرّر جمعية القصّة فيه.
 
صدر له:
غسّان كنفاني، صفحات كانت مطويّة.. سيرة
حين يصدأ السلاح.. قصص
قبور الغرباء.. قصص
على هامش المزامير.. مجموعة قصص قصيرة (ومترجمة للإنكليزية)
بِدّو.. رواية "وهو اسم قرية فلسطينية تقع شمال غرب مدينة القدس"
أخاف أن يدركني الصباح.. قصص
رؤى.. قصص مشاركة مع مجموعة قاّصين
بروق.. قصص مشاركة مع مجموعة قاصّين
أطياف.. قصص مشاركة مع مجموعة قاصّين
مسرحيّة وطنية "مونودراما" بعنوان "شمّة زعوط"
رابعة.. رواية
الحرية 313 .. رواية
حبيبتي ما اسمها.. رواية
مجموعات قصصية وروايات وديوان شعر تحت الطبع
ويكتب أيضاً الشعر المقالة والدراسة والبحث وينشر في الصحف والمجلاّت والدوريات المحليّة والعربية والأجنبية.

من أعمال الكاتب

من سرق الكيس الأصفر  

الطابق السابع  

ريختر، ومقاييس أخرى  

أخاف أن يدركني الصباح 

وتطير العصافير  

وجعي هو المكان  

بارود  

وطن وامرأة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 5:20 pm

أخاف أن يدركَني الصباح
 
 
مهداةُ إلى صديقي "أبو عرب"
الذي ما زال في الأسر..
 
هل كان الأمرُ يستحق كلََّ هذا العناء.؟
تحدّثي عنّي يا شهرزاد، فأنا الحكاية..!
أذكر أمي وأغنياتها المخنوقة، تطوي قنباز أبي المقصّب عند عودته قبيل كل مساء، وتسجّيه برفق كأنه قطعة من حكاياتك، فوق صندوق خشبي محدّب.
ثم تغسل حطتّه البيضاء الحريرية، وتبقى واقفةً على عتبة باب الدار تنفضها في وجه الريح حتى تجّف، تعلقُّها على المسمار.. فتنصبّ برّاقةً مثل شفرة سيف مسرور..
تفعلُ كذلك كل مساء..
يجلس والدي على حجر أسود عريض، مزروع منذ قرون في مكانه خارج باب الدار..
يصفق بيديه، فتهبط رفوف حمامِ، تملأ ألوانها الزاهية الساحة الترابية، ينثرُ حبوب الذرة.. ويبدأ صراعُ حميم بين الطيور الأليفة، ويضّج الفضاء بصوت الهديل..
نخرج متراكضين وراء بعضِنا يأخُذنا حماسُ اللعب، فتفزعُ الطيورُ إلى حين، تقفزُ مرتفعةً، تدركُ أن الأمر لا يستحق، تحطُ ثانيةَ بين يديه..
يتبعنا صوتُه الأجش..
- اقلب تقلب ترضع..
فنتوارى بين أشجار الخروب البعيدة حتى نرى شبحه المسربل بالأبيض يغيب داخل الدار، ندركُ أنه سيدخل المضافة، يحمّص القهوة، ويستعدُ لاستقبالِ الرجال..
يحمل بين يديه أخي سعيد وسنوات عمره الثلاث، يسجّيه على فراش رقيق، يحرصُ أن يستقبلَ وجهه الجنوب، ويهيل على جسده حطّتَهُ البيضاء، يغلق باب الغرفة الأخيرة بالمفتاح، تلحقه أمي تضرب على صدرها، يمسكها، يكتم صوتها بكفّ يده الكبيرة..
- إذا سمعتُ صرخةً واحدةً.. أنت طالق..
كان القيد ثقيلاً يا شهرزاد..
كأنني ثور "أبو حسن" الذي جنَّ فجأة، وراح يطعن بقرنيه كل عابر سبيل..
يومها شدّوا قوائمه بقيد واحد. أربعة أساور من حديد، تجمعها جنازير قصيرة.
مطويّ على صندوق أمي المحدّب..
أطرافي الأربعة تتوجّع، وتبصقُ دماً وصديداً أصفر اللون..
كنت مثل قطّة.. أنطوي تحت نافذة غرفة أمي.. يتسرّب لهاثها إلى أذنيّ، أسمع أنينها المكبوت، وتلفحُني بين الفينة والأخرى أنفاسُها الحرّة..
تهمس ولا تجرؤ حتى على الحزن..
- سعيد مات يمّا.. بدال ما يحضروا طهوره، يحضروا جنازته..
وتنهال على صفحة وجهها دموع ما رأيت مثل غزارتها كلَّ عمري.. شممتُ رائحََها ممسّكةً تنبعث سخيّةً من "مناسف" البرغل والرز..
يومها لم أبكِ..
بقيت صاحياً.. لم أنم، وحين شقَّ صوت المؤذن حلكة العتمة، يفسح الطريق أمام زحف فجر جديد، أدركتُ أن الشمس ستستبيح بأشعتها الصفراء الساحات والدور والبيادر كما في كلِّ صباح..
صوته يضرب أذنيّ في اللحظات الحالكات..
- البكا للنسوان يابا..
لو قلتُ آه واحدة، أعطيه انتصاراً ليس له مثيل..
صدّقيني، لقد ضاقت سبل المعركة، ولم يتبقَّ في ساحتِها إلا أنا وهو.. أنا أو هو..
كنت أحمل بارودة، أعلّق على ماسورتها صبوتي، وتحدّثُني كما حكاياتِك، تركّبُ انتصاري ليلة إثر ليلة فأراه بارقاً مشعّاً.. وتحمل همّي وحُلمي..
اليوم أحملُ قيدي..
تحسستُ أطرافي فوجدت فيها بقيةَ من حياة، تقول لي:
- ما زلت هنا، وما زال هنا، والمعركة مفتوحة..
عيناه الزرقاوان الغائرتان، وفمُه الصغير الصارم الخالي من الشفتين كأنه يرجوني، يقسم علي لو أقول آهِ واحدة، ليخلصّني من العذاب..
كيف أعطيه تلك المتعة، وذلك النصر.؟
كان القيد ثقيلاً يا شهرزاد..
حملتُه ثلاثين يوماً، صار قطعةً مني.. مثل يدي وساقي ورأسي..
رفاقي يحشونه خلسةً بالخرق، لتفصل بين حوافيه الحادّة ولحمي..
لو قلت لك لن تصدّقي، لو ينزعونه عني سأفقد إحساساً رائعاً..
أراه يعتصر خيبتَهُ وهو يتابع خطواتي المطّوية تحت ثقل جسدي، تقول لي شفتاهُ المعصورتان حتى الاختفاء..
- لو تقول آهِ واحدة..
كان النطعُ أقرب إليك من الوريد، جمالُك يا شهرزاد ألقى بك تحت شفرةِ السيف..
ذلك المأفونُ يملك كلُّ شيء حتى رقاب الناس، وأنت في ثوبك الشفيف، ورهبَتِك وخوفك..
كيف خلقت سبيل خلاصك.. وأيقظتِ شهوتَهُ ألفَ ليلةِ وليلة.؟ ثم أجهزتِ عليه..
كان الوقتُ مساءً والشمسُ تودّع النهار على حدود الأفق، يركض بفرح، يحسُّ أن الحفلَ وهذا الجمهور يعنيه، تتعثّر خطواته الصغيرة، يسقط في الحفرة المعدّة لشواء الذبائح، يأكُلُهُ الجمر ويموت..
هل يستحق الأمر كل ذلك العناء.؟
يوم غلبني نزيفُ القيدِ واستهلكَ دمي، حملوني إلى المستشفى.. قالوا وهم يحسبون بأنَهم يزّفون لي البشرى، إنهم استبدلوا بمدير السجن الذي لا يحسنُ الترويض، ضابطاً جديداً..
نزعوا القيد من أطرافي، جاهدوا ليقتلعوه من لحمي الذي انغرز فيه، وترك مكانه حتى اليوم ندباً وبثوراً زرقاء وسوداء..
جلس قبالتي ينقر بعصاه القصيرة على الطاولة، ينظر في وجهي بقلق، ويقضم غيظه، ثم همهم:
- تراجعا عن إعلان الإضراب.. أرسلنا طاهر إلى سجن الرملة.. ومحمود إلى مستشفى الهداسا..
ازدادت سرعة نقرات عصاه على الطاولة، كأنه يوصل إلى لهفتي رسالةً واعدة.. ثم دفعها بقوة حتى لامست صدري..
- ماذا عنك..؟
يقولون إن سجن الرملة "للأوادم"، نسمع كثيراً عن حياة الترف التي يعيشُها المعتقلون فيه قياساً إلى المعتقلات الأخرى، ونعرف أيضاً ماذا يعني قضاء مدّة اعتقال في مستشفى..
الناس تنتظر شيخ البلد ليطهّر الصبي..
يومها رأيت أبي يمشي لأول مرة بانكسار وراء نعش سعيد، يخفي قنبازه المقصّب تحت عباءة سميكة، ويلّف رأسه ونصف وجهه بحطّة منقطّة غامقة اللون..
لأنني من أقدم المعتقلين، كنت واحداً من ثلاثة ننظّم حركتهم، اتفقنا على إعلان إضراب شامل واعتصامِ داخل القواويش في الخامس من أيار القادم، المصادف لأول زيارة يقوم بها وزير الأمن، ومدير السجون، والمحافظ ومجموعة من مرافقيهم..
كنت أعلم أن تراجعي يرسلني كما أرسل رفيقيّ إلى سجن "خمس نجوم.." أو إلى مستشفى مكتظّ بملاءات بيضاء ناصعة، وستائر وردية، وحسناوات..
ما قيمةُ لياليك يا شهرزاد.؟ ما قيمة ألف جرعة هوان انسفحت على جسدك، في ألف ليلة..
إن توقفّتْ حكاياتك، تموتين..
كيف أستطيعُ التراجع عن قدري واختياري ومعركتي.؟
هل أجرؤ أن أفعل وأغنيات أمي المخنوقة ببحّتها الجارحة تستحلفني.؟
ظهيرة اليوم التالي، هطلت مع انتشار الخبر المفجع غيمات ذهول فوق رؤوس الناس، وليس لهم والدهشة تمسك بتلابيبهم إلا ثوابُ مرافقة الجنازة.. يوارونه الثرى، ثم ينفضّون.. يعصرهم الحزن إلى بيوتهم وقراهم القريبة..
بعد أيام مات أبي.. قالوا انفطر قلبه.. وقتله..
حملوني فوق أكتافهم.. رفعت يدي، وصرخت:
- صامدون حتى سقوط المشروع الصهيوني..
كان القيد بانتظاري يا شهرزاد..
أخرجي يا شهرزاد من صمتك الأبدي، وتحدّثي عنّي، فأنا الحكاية..
أنا شفرة سيف مسرور المشرعة وراء الحلم، أنا القدر الآتي إذا نضب نبع خرافاتِك..
مثلما انقضوا على قبيلتك الساكنة في قلب السحاب، وانتزعوك.. قالوا أنت من خنت فراشَهُ، واستبحتِ فحولةَ سواه، وأنت أطهر من صهيل مهرة بكر.. عرّوك حتى العظم، ثم صلبوك.. أي ثمن تدفعينه عن خيانة غيرك.؟
أعادوني إلى المعتقل بعد رحلة الشفاء، قادوني مباشرة إلى مكتبه الوثير..
حسبتُه من أبناء العمومة، يحمل سمرتي، ويتحدث لغتي.. بادرني يقول من بين أسنانه:
- أنت "أبو الهيجا" إذن..؟
ضرب على صدره بخيلاء، وأطلق صوتاً كفحيح أفعى:
- يقولون إنني الأفضل..
كان يتحدث بثقة، يحاولُ أن يعصرَ حاجبيه، فيلتويان كعقرب، يضرب بيده الثقيلة على الطاولة، فيهتز شاربه الكثّ، وينفرج عن شفتين غليظتين:
- أستطيع أن أقذفك إلى جهنّم.. هكذا.. (وقذف العصا إلى فوق).. لكنني لن أفعل قبل أن أحطّم هذا الرأس.. (وطعن بإصبعه صدغي).. وأجعل منك أمثولة..
وكأنه رتّب الأمر مسبقاً.. دخل علينا رجال غلاظ، قادوني إلى الزنزانة رقم "خمسة"..
تسع وتسعين ليلةً، يا شهرزاد.. وأنا مطويّ مثل قنباز أبي..
السقف أقرب إلى مستوى كتفيّ.. والمساحة الضيّقة التي تكاد تتسّع لغفوتي، تشاركني فيها حنفية ماء معطوبة وبالوعة صفراء، عرفت لونها من ثلاثة ثقوب في أعلى الباب الحديدي، يراقبونني منها، وأراقبهم..
يا شهرزاد.. وفتحة مربّعة في أسفله لا تتسع لأكثر من دائرة صحن ألألمنيوم الطافح بالبرغل، والمغطى برغيف مقدّد، يزحف نحوي كل مساء، يحمل معه بصيص ضوء تعرفّت منه على مدى تسع وتسعون ليلة تفاصيل أصابعي المتصلّبة، وقشور قبيحة تتعربش أطرافي خلفّتها مقابض القيد القديم..
أسمع وقع خطواته، يدُقّها بقوة على الأرض، فأقفز.. أراقبه من الثقوب حتى يقترب، فأخفي رأسي.. أعرفُ أنه ينظر إلى الداخل ولا يرى شيئاً.. يضرب الباب بعصاه، ليطمئن على وجودي حياً، فأرسل له صوتي..
- يمّا مويل الهوى يمّا مويليا.. ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّا..
تبتعدُ خطواته، فأحسُّ بنسمة انتصار تقبّل وجهي..
صدّقت يا شهرزاد كيف تعودت المكان طيلة ألف ليلة وليلة.. وذلك الأفّاق يسترسل بوعد الخاتمة، والسيفُ مسلط..
صدّقت كيف تراكمين نصرك ليلة إثر ليلة..
همس لي حارس الزنزانة:
- زيارة لك.. 
فجأة فُتح الباب السميك، فأرسل صريراً كثيفاً، كان الضوءُ مبهراً، فأطبقتُ جفنَيّ..
جلستُ أمامه، أكاد لا أرى منه غير بذلته المبرقعة.. وأشعرُ بطيف ابتسامة تتعلّق بوجنتيه المتوردتين، وشاربه الغزير:
- سأسمح لك بزيارة..
سكتَ قليلاً وكأنه ينتظر فرحي، ثم تابع:
- إذا صرت "آدمي" أعدك بتكرار ذلك..
بعد ثلاث عشرة سنة.. تزورني أمي..
هل تفرحين يا شهرزاد.؟
حين تسرّب اسمي بين جداول المعتقلين، ردّتني الحياةُ إليها.. نَزَفَتْ فرحَتَها على عتبات مراكز الصليب الأحمر، وضباط الأمن، وحصلت على تصريح زيارة..
تحسستُ أطرافي ورأسي، وجدتُ أنني ما زلت، ورأيت أنه ما زال أيضاً، والمعركة مفتوحة..
وقفتُ يا شهرزاد..
كنتُ مطويّاّ مثل الحلم الموشّى بالقصب.. لكنني جاهدت ووقفت.. خطوت خطوتين في طريقي إلى الباب..
صوتي ينزلق فوق لساني، صلباً كأنني أبدأُ الآن..
- أمي ماتت من زمان..
 أبي يربّت على كتفي ويتمتم:
- البكا للنسوان يابا..
وقبل أن أغيب وراء الباب.. ركض ورائي صوته المعبأَ بالشك والدهشة:
- آمنة بنت صايل الزينات.؟
تريثت لحظة، حاولت رفع قامتي قدر ما أستطيع، وحرصت على أن يصل صوتي نقياً لا تخالطُه قطرات من عبرات، أحسست بطعمها المرّ يجرح حلقي..
- آمنة بنت صايل الزينات.. أمي.. ماتت من زمان..
*  *  *  *
بيني وبين دارنا وبرج الحمام وغابة الخروب وقبر سعيد.. جدار، وشريط، وحقل ألغام..
على جانبيه بزّات مبرقعة، وبواريد ثقيلة تترصّدني إن تقدمت خطوة..
وأنا طليق..
قالوا.. هنا حدود وطنِك الجديد.!
كيف أفهم هذا الهراء.؟
يلوح لي قنباز أبي المقصّب من نافذة دارنا الشرقية، وصوت أمي المبحوح يزّف أغنية وهي تنفض حطّته الحريرية، وهديل الحمام يشقّ صمت الأفق..
 دلّيني يا شهرزاد..
كيف أنجو من هذا الاختناق.؟
 
 
ريختر، ومقاييس أخرى
 
 
تدور الغرفة بي. أحسب أن السرير يروح ويجيء، فأغرز وجهي في الوسادة..
تقفز أمامي كلمات سمعتها صدفة من عالم  ألمعي استضافته محطة تلفزيونية ليتحدث في ندوة علمية عن الظواهر الطبيعة المختلفة، وذلك بمناسبة يوم الكسوف الكبير.. فاستفاض صاحبنا في سرد تفاصيل دقيقة وصغيرة عن المضار التي يمكن أن تصيب من ينظر ولو للحظة إلى منظر الكسوف نادر الحدوث لأكثر من مرات معدودة في حياة الإنسان..
وقد عرج بحديثه متطوعاً للتحدث عن الزلازل..
يومها أتى على ذكر معلومات كثيرة ودقيقة، وأدلى بنصائح وتعليمات أكثر في سبيل اتخاذ أسباب الحيطة والحذر، لكنه لم يستطع أن يعطي تعريفاً محدداً، ولا تفسيراً مقبولا،ً ولا معلومة واحدة يستدل منها، متى يمكن توقّع حدوث زلزال.
ولم يفته لفت انتباه المستمعين والمشاهدين الكرام إلى أن بعض الحيوانات "الطيور بشكل خاص" تشعر ولأسباب مجهولة "غريزية على الغالب" بوقوع زلزال قبيل لحظات من وقوعه، وليس أكثر، داعماً نظريته بذكر الكثير من الإشارات التي تدلل على ذلك، كالحركة المضطربة وغير المألوفة التي يفتعلها الطير وكأن مساً من الشيطان أفقده صوابه..
بينما لا يستطيع الإنسان برجاحة عقله، وتصنيفه الأرقى بين المخلوقات، التكهن بوقوع زلزال، إلا في اللحظة التي  تهتزّ فيها "الثريا" المعلقة في سقف بيته..
أشار إلى الثريا الثمينة المعلقة فوقهما في الاستديو الفخم..
ثم أطلق ضحكة سخيفة..
ماذا لو أنني أنظر إلى السلك المعلّق في سقف غرفتي، يطبق آخره كحبل مشنقة على عنق مصباح قوة إشعاعه لا تزيد عن 60 شمعة.. أراقبه وهو يهتزّ كذيل إبليس.!
لكنني صممت أن لا أفعل..
أطبقت بقوة أكثر على جفنيّ، وغرزت وجهي في الوسادة..
زلزال قوي سجل ستة درجات على مقياس ريختر ضرب ساحل المكسيك..
زلزال آخر سجل درجة أعلى "لم يعلن عنها لأسباب سياحية على الغالب" ضرب وسط تركيا، وأتى على عشرات القرى..
الضحايا بالمئات، والخسائر تقدّر بملايين الدولارات..
زلزال في جزيرة يابانية، سجل سبع درجات على مقياس ريختر.. الخسائر ماديّة فقط..
حتى الطبيعة تحارب الفقراء.!
فأنا لم أسمع يوماً أن فيضاناً ابتلع قصراً لملك، أو أن حمم أحد البراكين التهمت صالة اجتماعات مجلس رسميّ، ولا صاعقة ضربت هوائي إذاعة تبث على مدار الساعة أخبار الإنجازات الخرافية التي حقّقها هذا الزعيم أو ذاك..
لم أسمع أن غضب الطبيعة بأشكاله المختلفة طال أغنياء أثروا من رشوة أو سرقة، ولم أسمع أنه قضى على أحد من المخططين الاستراتيجيين لدمار الشعوب، ولا على أحد من اللاعبين في ملاعب السياسة وتصاريفها العجيبة والخبيثة..
ترى هل يملكون تلك الحصانة.؟
الآن سيحتدم السباق بين ناقلي الأخبار، ومراسلي وكالات الأنباء العالمية، وملوك الإعلام، أصحاب المحطات التلفزيونية الفضائية واسعة الانتشار في العالم..
يرسلون رجالهم على أجنحة السرعة، يحمّلونهم الكاميرات المتطوّرة، والفتيات الجميلات المغناجات، مع ميكروفوناتهم، وأفلام الدعايات، يتقاطرون خفافاً وثقالاً إلى موقع الحدث الطازج، سعياً محموماً لتحقيق سبق إعلامي، يبثّونه بعد لحظات على الشاشات العالمية بالصوت والصورة..
إشارة تبرز على زاوية الشاشة الفضيّة تقول "خبر عاجل" ويبدأ المذيع الوسيم بالإعلان عن حدوث هزّة أرضية اجتاحت بقعة أرض فقيرة من أرض الله الواسعة، سجلت......... درجة على مقياس ريختر.!
بعد لحظات ستتهاوى الجدران علينا، ويسقط السقف فوقنا، وتتناثر أغراض البيت وحجارته تحمل مزقنا ولحمنا..
ماذا أفعل عندما تأتي زوجتي من الغرفة المجاورة.؟ 
تحمل أطفالها الثلاثة والرعب ينضح من أطرافها، ويقفز الفزع مختلطاً على لسانها مع فيض كلمات متلعثمة ترجوني أن أفعل شيئاً.!
قبل قليل سمعت نشرة الأخبار..
ورأيت حدائق ومنتزهات، وقصور ريفية، وقاعات وردهات..
رأيت عن بعد وكأن عدسات كاميرات المصورين تسرق رؤوسهم من بين فروع الأشجار الكثيفة.. وجوه طافحة بالابتسام، وسواعد تشتدّ على بعضها، وبروتوكولات، ومجاملات..
تساءلت والدهشة تكاد تعقد لساني..
ترى ماذا يفعلون، وعلى أي أمر يتفاوضون، وبلسان من يتحدثون، ومن يمثّلون.؟
لماذا لم يسألني أحد.؟
وأنا في ركني هنا، على بعد شاسع،  أترقّب زلزالاً يشحنني إلى عالم أفضل أو أسوأ أنتظره الآن، وليس لي من أمري شيئاً..
ألا يستطيع هذا الإعلام المعجز، أن يشرح لي حقيقة ما يجري.؟
هذا القادر بوسائله المدهشة على نبش الدودة من قلب الحجر الصلد، والحريص على مطاردة راقصة جميلة ورخيصة، يحصي عليها حركاتها وسكناتها، سهراتها وعشّاقها، آخر مايوه مثير تلبسه، وأحدث صرعات الملابس الفاضحة التي تبتكرها أرقى صالونات "الفضيلة" في العالم..
هذا الإعلام لماذا يحرص على أن يقول ما يجعلني أعيش هموماً جديدة على الدوام ليست لها علاقة بهمّي أو بمشكلتي الأولى وإفرازاتها..
أبو سيّاف يحتجز رهائن.!
طائرات أمريكية وبريطانية تقصف راداراً عراقياً تجرأ ورصد تحرّكها في سمائه الخاصّة.!
متطرفون إسلاميون يذبحون عائلة من سبعة أشخاص في ريف الجزائر.!
فصيل سوداني ديمقراطي يطالب بالانفصال عن السودان.!
ليبيا تدعو لإقامة ولايات متحّدة إفريقية.!
وفود رفيعة المستوى تواصل لليوم العاشر اجتماعاتها المكثّفة تحت مشعل الحريّة.! 
قلت.. النوم أفضل.!
حملت الوسادة رأسي، وبدأت فيضانات كاسحة تهزّني شيئاً فشيئاً..
كأن الأرض تدور بي، كأن الزلزال قادم..
فجأة قفزت من ذاكرتي صورة المساعد "أبو سرّي" رئيس المخفر السابق في حيّنا، ذلك الرجل القصير السمين دائم الابتسام، الذي ابتدع أسلوباً عجيباً لفضّ النزاعات المستفحلة والعميقة بين أفراد عائلات المنطقة التي تقع تحت سلطان مخفره.
فكلما حصلت مشاجرة بين طرف وآخر يرسل دورياته للقبض على رؤوس عائلات المتخاصمين، وهم ليسوا بمتخاصمين بالأصل..
يزجّهم في النظارة، ولن يطلق سراحهم حتى يعلنوا المصالحة وتقبيل الشوارب فيما بينهم، بينما تبقى الخلافات والمشاجرات مستمرّة على أشدّها بين المتشاجرين أنفسهم..
وهكذا في كل مرة..
ما كان يقع في دائرة استغرابي، أن سلوكه ذاك كان على الدوام يلقى الرضا والاستحسان عند رؤسائه، وعند أرباب العائلات أنفسهم..!
تركت زوجتي قبل قليل تتابع الحلقة الـ 120 من مسلسل تلفزيوني مكسيكي فاقت أحداثه العجائبية ما تعودنا على متابعته في المسلسلات العربية والهندية..
يبدو أنها موجة إعلامية عالمية فيّاضة تجتاح عالم الفقراء، وتحملهم في لحظات إلى أحلام حريرية، يعيشون دقائقها على أمل انتظار نقلة سحريّة واسعة تحملهم إليها ورقة يانصيب رابحة..
أو حصول معجزة يتحسسونها حيّة يمكن أن تقفز في ثانية مع سير أحداث المسلسل، وتنبسط بألقها بين أيديهم.. 
يستسلمون في متابعة الأحداث السلسة والشيّقة إلى متعة انتظار مفاجآت لقدر يأتي فجأة بأب غني كان غائباً، أو بثروة من أم أنجبت حراماً..
كأنني أسمع طقطقة السقف، يكاد ينقضّ هو الآخر، والغرفة تدور بي..
ماذا أفعل.؟
- أنقذ الأطفال أولاً.! أحملهم وأخرج بهم مع زوجتي، أبحث لهم عن مكان أمين بعيد عن العمران..
بعد لحظة أبعدت الفكرة عن مخيلتي..
إن أقرب مكان يمكن أن أقصده سيستغرقني أكثر من عشر دقائق، لن تنقذني وأسرتي بأي حال من إطباق جدران البيوت علينا، شوارع الحي الذي أقيم فيه ضيقة، وتكاد أسقف البيوت أن تتشابك..
هؤلاء الفقراء النهمون، يبلغ بهم الأمر إلى استغلال الشبر من الأرض واستعماله لبناء خشّة، غالباً ما تقوم في ظلام ليل، وعلى عجل، فالمنطقة كلها تعتبر منطقة مخالفات  لخرائط التنظيم، ورسومات تجميل المدينة، وتعليمات البلدية، لتجدها مع تباشير الصباح مأهولة بالسكان، تنقذهم إلى حين من قرارات الهدم الفوري، لتسقط وحدها ذات يوم..
يهتزّ السرير تحتي، فأتشبث بالجدار..
أذكر عندما بدأنا في بناء البيت كيف اضطر العمال لاستخدام الديناميت لحفر كتلة الأساس  الصخرية..
وكيف كان والدي رحمه الله يطلب من العمّال إضافة كيس من الإسمنت زيادة فوق كل جبلة، وإضافة قضيب من الحديد بين كل شبكة..
كان الإسمنت والحديد برخص التراب، وكان والدي يردد في كل مرة.. سأجعله قلعة..
ترى هل تستطيع هذه الجدران الصخرية الصمود في وجه القادم العاتي.؟
يوم استقدمت أحد العماّل لتبديل خط سير قصير لأشرطة الكهرباء المهترئة داخل الجدار، لعن الساعة التي جاءت به للحفر في كتلة من الحديد، "كما قال وهو ينظر بحسرة إلى إزميله الرابع المكسور، ويلقّط سيل العرق الناضح من كل جزء فيه.." 
- لو أعطيتني أضعاف الأجرة التي اتفقنا عليها سأبقى ألعن حظي السيء الذي قادني إليك..
قال بنزق وهو يتقاضى أجرته..
أعتقد أن آمن مكان ألجأ إليه مع أسرتي هو هذا الركن بالذات، فلو سقط السقف ستبقى الأعمدة العتيدة والزوايا المتينة التي تحملها.
مساحة ضيقة جداً لكنها تكفينا وتؤمن لنا حداً من الحماية..
- ترى هل نخسر كل شيء.؟
تذكّرت في تلك اللحظة أشياء كثيرة طالما حرصت على الاحتفاظ بها..
إلى جانب ما استطعت توفيره من مال أبيض للأيام السوداء.. العجيب أن الأيام السوداء التي نحرص كل عمرنا على الاستعداد لها، تأخذ في طريق قدومها كل شيء نوفّره لها..
- على كل الأحوال ما قيمة المال عند وقوع المصيبة..
لن أفكر في ذلك الآن..
عندما اندلعت حرب حزيران، واستقبلنا ساعاتها الأولى بالبشر، قلت مع من قالوا أننا نشعل السيجارة هنا، وقبل أن تنتهي نكون على شاطئ بحر يافا..
بعد اليوم الأول بدأت الناس تحزم أغراضها القليلة للانطلاق بأسرع ما يمكن إلى الشرق..
قال والدي يومها ألا يترك البيت أحد..
وكعادته في فلسفة الأمور أتحفنا بمحاضرة طويلة سحب فيها تجربة رحيله الأول، وكيف حملنا مثل الفراخ، وقفز بنا إلى بر السلامة..
ثم بدأ مسيرة الموت البطيء..
قال:
- البقاء والصمود في المكان له احتمالان لا ثالث لهما، إما الموت قتلاً تحت الأنقاض، وإما النجاة..
أما الموت فهو حالة قدرية لا يستطيع أحد الوقوف في وجهها، هكذا تقول الرسالات السماوية..
وأما النجاة رغم الخسائر المحتملة فتبقيك إلى جانب أشيائك، تعيد بناءها يوماً بعد يوم..
سأقول أنا أيضاً، أن لا أحد يترك البيت..
إذا خرجنا أمامنا احتمالان أيضاً، إما الموت وإما النجاة، السؤال الذي يجب أن ندركه..
ماذا يمكن أن نفعل بعد النجاة.؟
هذا الركن الحصين يحمينا..
لن يغادر أحد البيت..
حاولت أن استجمع شجاعتي وأنهض قليلاً لأجمع قدر ما أستطيع من الأغراض التي أحرص على الاحتفاظ بها، لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة، خفت أن يسقط السقف فوقي..
 
يبدو أن زوجتي لم تشعر حتى الآن بالخطر الذي يدهمنا..
ليتها لا تشعر.!
ممتع أن يموت الإنسان هكذا فجأة ولا يعرف كيف أتاه الموت..
كثيراً ما كان جدّي يردد أن الموت ليس سهلاً كما يتصور لكم، بل إنه يتطلب هزّ الأكتاف.!
في العام 1937 وبينما كانت طائرات الانتداب البريطاني تستعرض قوتها في سماء عكا أفلت "قازان" سهوا أو عن قصد من إحداها وسقط تماماً فوق بيت جدّي..
وجدّي يرحمه الله كان رجلاً من فحول الرجال، صالحاً وتقيّاً وقائماً بواجباته الدينية والدنيوية على خير ما يرام..
صلى العصر، واستلقى عل سريره المرتفع ذي القوائم النحاسية، بعد لحظات أخذته القيلولة..
انفجر القازان المرعب، وسقط البيت..
المعجزة التي حصلت أن قوّة الانفجار الهائلة قلبت الخزانة الثقيلة، ووضعتها تماماً فوق قوائم السرير، كأنها شكلّت بوضعها الجديد غطاءً متيناً أمّن الحماية الكاملة لما تحته، فانهال الركام فوقها، ونجا جدّي المستلقي بطمأنينة على فراشه..
أخرجوه بلا خدش واحد من تحت الأنقاض، لكن قوة الانفجار أفقدته غشاء السمع في إحدى أذنيه.. 
زوجته الرابعة التي كانت بعيدة عن البيت في ذلك الوقت، وسمعت صوت الانفجار، وشاهدت بيتها المنهار عن آخره فوق جدّي.. فقدت عقلها..
وماتت بعد سنوات منسية داخل غرفة حقيرة في مستشفى للأمراض العقلية..
ومات جدّي هو الآخر بعد أن بلغ من العمر عتيا..
مات خارج بلده وخارج بيته الذي أعاد بناءه بعد الغارة العفويّة، وبدا في حلة أجمل وأبهى..
ألف مرة سمعته يردد بعد كل صلاة، لو أنه مات ساعة الانفجار..
هل أستطيع أن أضمن بأن الموت سيأتيني من ها هنا.؟
هل أستطيع أن أستمرّ في الحلم بالنجاة..
مات والدي وهو يوصينا أن ننقل رفاته إلى مقبرة النبي صالح في عكا متى حانت عودتنا إلى هناك..
يومها قال:
 
- لأننا غادرنا في المرة الأولى علينا أن نتقن فن الانتظار..
يطلبون منا الآن أن نتقن فن النسيان..
الغرفة تميد تحت قوائم سريري الهشّة، ما زلت أرفض النظر إلى الشريط الذي يحمل المصباح، أخاف أن أراقبه وهو يهتزّ..
بدأ ذلك الارتجاج يدخل رأسي، صوت يقتحم سمعي، أصوات كثيرة آتية من كل الاتجاهات..
لماذا لا تصرخ.؟
لحظتها ربما صرخت، لم أفهم ماذا قلت في صرختي، كل ما أذكره أنني صرخت..
دخلت زوجتي فزعة، أحسست بيدها تمسك يدي، سمعت كلماتها بوضوح وهي تقول:
- مرة أخرى تترك السرير وتنام على الأرض في ذات الركن.؟ الأمر لم يعد يحتمل السكوت عنه، حالتك تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.. غداً نذهب إلى طبيب مختص لمعالجة أمر أذنيك..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 5:21 pm

الطابق السابع.!
 
 
راحتي مستكينة بين كفيها مثل طائر يهدأ من رحلة سفر طويلة..
- لو أنني التقيتها قبل ربع قرن..
حدّثت نفسي، فجاءني همسها كحفيف أوراق الشجر..
- ومن أدراك أن ذلك يرضيني..
واندلقت الكلمات من بين شفتيها مثل انسفاح قارورة عطر..
قفز قلبي من صدري، وركض خلفها خطوتين ثم عاد يسخر مني.. تلحقه كلماتها العذبة:
- مكتبي أول غرفة إلى يسار الدهليز العريض.. أتطلّع لتزورني في أي وقت..
لم أقو على الصمود أكثر وأنا أحدّق بجنة عينيها الخضراوين المطلتين بذبول من بين خصلات شعرها المنسكبة بفوضى على جبينها وأطراف وجهها، لتستقر باطمئنان على كتفيها..
هل كانت تغمز إلى موعد وهي تطلق مع كلماتها المقتضبة ابتسامة اشتعلت مثل سهم ناريّ أذهلني وميضه الخاطف لحظة، ثم اختفى.؟
أفلتت يدي الساخنة، انفلتت.. ومضت..
تراءت لي ثنيات جسدها تتلوّى كحيّة استوائية داخل قماش بنطالها البحري، تنزلق موجة إثر موجة لتصل بسكون إلى شاطئ رملي، تقبّله، تلمسه برقّة، ثم تنفضّ عنه، تنسحب برفق كما تنسحب يدي المعروقة من راحتيها..
تجاهلت المصعد، وأخذني الدرج اللولبي..
ما الفارق بيني وبين الأستاذ "حاتم" مسؤول الصفحة الثقافية.؟
ها أنا ذا الآن أجترّ خيبتي، كما يجترّ بذاءته..
تقتحمني رغبات مراهقة، تقتلعني من وقاري، وتحرضني على سلوك درب خطيئة كنت أرفضها بأشكالها وصورها المختلفة، وكتبت عنها الكثير، وأعملت فيها فلسفتي ونقدي..
حاربتها قديماً وشرحّتها على مئات من الصفحات الورقية، اعتلت أكوامها المكدّسة في أدراج مكتبي صفرة باهتة، وانبعثت منها رائحة رطوبة فجّة..
أضحت مشروعة، في لحظة حمراء التهبت أمام جموحي وراء لحظة كنت أحسبها إن قفزت من صدر غيري.. سخيفة، بل ومزرية..
هل تراني أقترب من ثمني.؟
أليس لكل رجل ثمن.؟
قول لأحد الحكماء العظماء، أو أحد المخمورين، لم أعد أذكر.!
ألهث وراء جمال صاعق..
أتجاوز سنوات عمري الكثيرة.. أشعر أن لهفة انشداد مستعرة تعيدني  إلى الوراء سنوات وسنوات، وتحط بي على شفا رغبة متوقّدة..
- البنات يكبرن بسرعة لا تصدق..
جملة ردّدتها جدّتي في مناسبات كثيرة..
فهل أصدّق أن من تقف أمامي الآن هي تلك الفتاة النحيلة ابنة صديق لي من بعيد..
عرفتها عندما كانت صغيرة، وبدأت أراقبها في زياراتي القليلة تكبر أكثر وأكثر.. أذكر ضفائرها الشقراء، مجدولة في شريطة حمراء.. ترتدي مريلة المدرسة، وكلسات بيضاء طويلة، وتحمل بين يديها محفظة جلدية سوداء عليها صور كثيرة لمطربين وممثلين ورياضيين شباب..
دخلت علينا يوم عرفتها لأول مرة، فجأة، وأطلقت من بين ثنيات لهاثها طلباً لا تشفعه حجّة بحاجتها إلى عشرة ليرات.. تناولتها بسرعة، وانطلقت تقفز فتنحسر مريلتها الزرقاء عن ساقين كقوائم الماعز..
تذكّرتني ولم أتذكّرها، قالت أنها لا تنسى أشكال وجوه أصدقاء أبيها..
واعتلت وجنتاها حمرة شديدة..
*  *  *  *  *
جمعتني مقاعد الدراسة أنا وحاتم أربع سنوات، هي مرحلة دراستنا الإعدادية، في مدرسة فقيرة، تحتل بيتاً من بيوت دمشق القديمة في حي شعبي، مستقرّة في نهاية حارة ليس لها منفذ، ولا تدخلها غير طنابر موزعي المازوت، وحمير الباعة الجوّالين..
كنا نتنافس على الفوز بجائزة مدرّس اللغة العربية، كتاب أو قلم أو دفتر، يقدمّها من ماله الخاص لمن يتفوّق في كتابة موضوع الإنشاء العربي، وكنت أحصدها جميعاً..
يدخل إلى الصف ويكتب على اللوح جملة واحدة.. الموضوع: أكتب ما تشاء..
بعد ذلك أصبحت كاتباً وصحفيّاً أكتب ما يشاؤون..
وأخذني الأمر إلى صيرورة قدرية، فقد أصبحت الكتابة وحدها باب رزقي الضيّق.. وأضحى التسكع بين مكاتب الصحف والمجلاّت ديدني، واسترضاء الممسكين بقدر الثقافة والناشرين هاجسي..
صدفة جمعتني به في مقهى شعبي أرتاده حين تدعوني الرغبة للاقتراب من هموم الناس، أراقبهم كيف يطوون همومهم وفقرهم تحت حجارة الطاولات وبين أوراق اللعب الملونة، ويعلنون لا مبالاتهم..
تعانقنا بحرارة، وتبادلنا الكلام الذي لا ينتهي عن الذكريات وأيام الصبا..
قال وهو ينفض كتفيه زهوّاً:
إنه المسؤول عن الصفحة الثقافية في مجلّة أسبوعية قطاع عام.. وأردف من بين أسنانه:
- أعتقد أنك ما زلت تكتب.؟
- إنها مهنتي..
أجبت وأنا أدفع بين كلماتي لهفتي بأن يعرض علي أنا صديقه القديم النشر في مجلّته.. وقد حصل ما توقعته..
في صباح اليوم التالي كنت أقف على باب مكتبه.. أحمل تحت إبطي مقالاً معقولاً رصيناً حرصت على كتابته ومراجعته باهتمام..
مكتب وثير، وسجاّدة خضراء، طقم كراسي خمس نجوم، وثلاثة أجهزة هاتف وكمبيوتر وفاكس وتلكس، ومكيّف، وفنجان قهوة مرّة احتسيته قبل أن أجلس..
ذكرّني وجه مدير مكتبه النحيل وذقنه العريضة، وشاربه الكثّ بأبي كايد آذن مدرستنا القديمة، وكيف استطاع صديقي حاتم منذ ذلك الزمن البعيد شراءه بثمن بخس، عشرة قروش فقط،  يتناسى في سبيلها أمر باب المدرسة، ويتغاضى عن خروجه من حرمها إذا اشترى من بسطته شطيرة فلافل.. ليس في رغيفها الممسوخ غير الفلافل، والبقدونس والملح..
ولولا يقيني أن "أبا كايد" مات منذ زمن لقلت أنه هو..
تجاهلت الأمر، وعبرت إلى طموحي..
بعد أيام قليلة، وجدت مقالي على موقع ساطع في الصفحة الثقافية، متوّجاً باسمي الكامل، فغمرتني سعادة حقيقية.. وحرضتني فرصة النشر تلك على مضاعفة جهودي في الكتابة..
شهران، ثلاثة، ضلّت كتاباتي طريقها ولم ينشر منها حرف واحد، وكلما راجعت في الأمر تقابلني أعذار شتى..
فقدت المادّة، أو أن المجلة نشرت مقالاً مماثلاً، أو أن القارئ المقرر لصلاحية ما أكتب ويكتبون تأخر في بيان موافقته القدرية على النصّ..
أكاد أنفجر من الغيظ وأنا أبحث في كل عدد جديد يصدر عن اسمي ولا أجده، ويزداد غيظي كلما قرأت اسم "مختار. م" .. الذي لا يخلو عدد من مقالة يكتبها.! وأحسّ بفيض من الحسد والحسرة في آن، أتساءل في سرّي..
من ذلك الشخص الألمعي الذي يمتلك هذه الغزارة، ويخترق اسمه وحظّه ذلك الجدار الذي لم أستطع التسلق عليه قيد أنملة..
*  *  *  *  *
تحملني شجرة سنديان، أقبض بيدي الشابّة على فرع طري ولد الآن، فيرتفع بي عالياً، يزفّني إلى الطابق السابع ويحطّ بي على رواق شرفة، فأرى طيفها من وراء الزجاج..
بيدها مروحة كسولة تعبث نسيماتها برفق بين الفينة والفينة بجدائلها، فتنفضها بخيلاء..
تفرد شعرها الخروبي على كتفيها العاريين إلا من باقة ياسمين نزفت على جلدتها، فأزهرت..
تعبث أصابعها الممسكة بقلم أخضر بأوراق كثيرة مفرودة بفوضى على مكتب أنيق تجلس خلفه..
تنتبه إلى وجودي فتقف.!
يا إلهي..
باسقة مثل سنديانة تعيش في ذاكرتي، تهطل فوقي سحابات طلّ ، تقف شامخة في ركن ساحة جعلناها ملعباً "للرنّة"، أتظلّل تحت أغصانها الوارفة في ظهيرة يوم قائظ.. تناديني أمي وهي تجدّ الخطى، تحمل عروسة أشّم عن بعد رائحة زعتر وزيت تنضح منها.. فتهطل نسيمات باردة أفتح لها صدري، وأستكين..
كأنها تفعل كذلك الآن، تختصر ابتسامتها تلك السنوات الكثيرة التي تمتدّ بيننا.. أكاد أرسل يدي، وأضمّها إلى صدري.. أكاد أنسى خطوط شيبي، وآلام مفاصلي، وغزوات المرض المتعاقبة على صدري حيناً وعلى أحشائي حيناً آخر.. كأنني فتى العشرين، ينبض قلبي وجيباً متلاحقاً، وتلتمع عيناي كلما ومضت ثنية من تفاصيل جسدها الرائع..
هل أحببتها حقّاً.؟
أمسَكت يدي، قالت أنني ضالّتها.. الناضجون فقط يقدّرون قيمة الأشياء، ويجمعون في شخصهم الواحد مزايا نادرة.. ثم قادتني إلى نافذة غرفتها.. تدعوني لأكتشف المنظر..
صحون مجوّفة، تحتلّ أسطحة البيوت والبنايات، والدكاكين الخربة، والإسطبلات، كأنها أكف قبيلة من المتسولين، تمتّد صفوفاً متراصّة، على نسق واحد، وإلى جهة واحدة، تستجدي المعرفة من قمر فولاذي معلّق في مكان ما، يعلن بالصورة والصوت أنه قدر العالم الجديد.
نظرت إليها ببلاهة، فابتسمت، وكزّت على أسنانها فانطلقت من عينيها شهب ملوّنة..
*  *  *  *  *
كنت على وشك ركوب المصعد نازلاً من الطابق السابع بعد مقابلة فاشلة مع صديقي حاتم مسؤول الصفحة الثقافية عندما تقابلنا. نظرت في وجهي نظرة طويلة، ثم أمسكت يدي:
- الأستاذ صلاح.؟
وقبل أن أجد فرصة لتأكيد ظنونها تابعت:
- لا أنسى أسماء ولا وجوه أصدقاء والدي رحمه الله..
شدّت على يدي، وأطلقت ضحكة رقيقة..
- هل تعلم أنني أتابع كتاباتك الرائعة.!
نظرت إلى أصابعي بدلال، وهمست:
- يا لهذه الأصابع الرقيقة.؟
وأرسلت من خضرة عينيها بريقاً أصاب مقتلاً في مجموعة مثل وقيم سامية عششت على مسار عمر طويل  في نسيجي، عاشت في ممارساتي الصغيرة والكبيرة، رسمتها مثالية أسعى إليها..
أراها الآن على قدر من التفاهة..
كيف يمضي العمر رخيصاً فقيراً جافّاً ولا تأتيه فرصة مثل هذه، وعندما تأتي بهذا الدفق والعنفوان، ممتطية الأمواج، تكون السفينة قبالة الشاطئ الأخير..
هل أحببتها حقاً.؟
ويأخذني السؤال إلى وديان شاسعة واسعة تلجم بوحي، لا أجرؤ حتى إلى التحدث مع نفسي..
 هل يمكن أن نلتقي، في شقّة بعيدة عن عيون الفضوليين.؟
أم هل يجمعنا مكان عام.؟ أبحث عنه في أقصى مكان يرتاده الناس، وأختار مقعداً في ركن قصي، أضع وجهي قبالة الفراغ، أو قبالة جذع شجرة ثخين، وتنتفض فرائصي كلما رفّ فوقنا طائر، أو عبرت من جانبنا ذبابة..
أشعر أنني أستبيح ما لا يحق لي، ورغم ذلك يأخذني غروري إلى نهاية الشوط. أسخر من قصائد العشق، وتضحكني قصص الهالكين في سبيله..
هي في متناول يدي، أنا الراشد، المجرّب.. حنكتني الحياة، ووضعت أمامي وتحت أصابعي فرصة لتجربة فحولتي أمام جسد فائر، وإرضاء غروري وذلك الشيطان النهم الذي يستطيع إن تمرّد وانطلق، تدمير كل شيء..
هل يقولون حبيبتي.؟ أم ابنتي.؟ يتغامزون، ويتهامسون.! تفرقع ضحكاتهم وهم يدركون أن هذا الهيكل المطحون، أصغر من صخب أنوثتها الصارخ..
هل أضمّها إلى صدري.؟ ألمس كتفيها وعنقها الرخامي براحتي اليابستين.؟
- لو أنني التقيتك قبل ربع قرن..؟
تمسح على كفيّ برفق، وتدعوني خضرة عينيها لافتراش الحلم، تهمس:
- الآن أفضل.. نشكّل فريقاً استثنائياً، نؤسس حباً من طراز فريد، لا تكبّله قيود، أعطيك وتعطيني حتى نصبح في العطاء سواء..
يا إلهي..
أنظر إلى نفسي ولا أصدّق..
هل أحبتّني حقاً.؟
وكيف تفعل وتردم تلك المساحة الأزلية بين الربيع والخريف.. هل تكفي براعة الكلمات التي يحملها شيطان الشعر إلى شفاه الأدباء للإيقاع بمثلها.؟
وهل تقتصر الحياة على كلمات أكثرها ترّهات شعراء، يقولون ما لا يفعلون، ويعلنون غير ما يخفون.؟
- أتذكر تلك الصحون المتسوّلة الجوفاء، هي دوائر تراها مكتملة أليس كذلك.؟ وتدرك دون أن تحزن أن قدر وجودها ونفعها مرتهن بكتلة فولاذية صمّاء ليس لها قلب، تقتل ببرود إن هي أرادت، وليس لإرادتها منازع..
اقتربت من وجهي، فحملتني موجات أنفاسها إلى ساحة بعيدة، رأيت صبيّاً يركض في أرجائها، يأخذه الجهد والتعب فيستلقي تحت سنديانة تهطل عليه نسيمات رطبة، تحمل مع ريحها روائح الخبز والزعتر.. فيستكين..
هَمَسَت:
- تعلّمت كيف أعثر على مفاتيح الأقفال وأجعلها طيّعة بين أصابعي. وكيف أخترق عصابة الأستاذ حاتم ومدير مكتبه.. نشكل فريقاً.. فتنتقل كتاباتك الرائعة المركونة على مكتبي "للحفظ" إلى صدر الصفحة الأولى..
دخلت حارة ضيّقة..
كان "أبو كايد" يقف بابتسامته الصفراء يمسك مقبض باب عتيق، ويحمل أرغفة ممسوخة، يحثّني على الاقتراب منه، أسنانه المتباعدة تطل من فرجة قبيحة تحت شاربه الكّث، كأنها فك مفترس يكاد يلتهم أصابعي..
في صبيحة اليوم التالي، صدر العدد الأسبوعي من المجلة قطاع عام.. رأيت عنواناً عريضاً لإحدى كتاباتي على الصفحة الثقافية، يزيّنه بخط واضح اسم "مختار. م"
كنت على وشك طلب المصعد ليحملني إلى الطابق السابع، رأيت صورتي مطبوعة على زجاج الباب الصقيل، تأملتها فرأيت فيها شخصاً آخر يسخر مني.. فابتسمت..
حملتني خطواتي الخائبة إلى خارج البناء..
رفعت رأسي فلم أر غير أشرطة متشابكة تتدلى بفوضى من قيعان الصحون المجوّفة، وتدخل في رؤوس الناس..
تغلق أسلاكها المتقاطعة تلك الفرجة الضيّقة التي يمكنني من خلالها وحدها رؤية شرفة غرفة ما زالت تحتل ركناً في الطابق السابع..
تفرّست في قامات الرجال والنساء ووجوههم، رأيتهم يحملون شطائر "أبو كايد".. ويشيرون بأصابعهم الغليظة نحوي ويتهامسون..
فضحكت ملء شدقيّ..
ثم كتمت صرخة صاعقة كادت تفلت مني..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 5:22 pm

من سـرق الكيـس الأصفــر
 
 
تستقبلني كل صباح ابتسامات لئيمة مرسومة بنفاق بالغ على وجوه الرجال المحنّطين أمام دكاكينهم الضيّقة والمكتظّة ببضائع شتى.. برّاقة لامعة.. ومزيّفة..
حتى أنهم يسرقون مساحة من الشارع الضيق بالأصل، يفرشون معروضاتهم الأثرية، الفضيّة والمذهّبة والملوّنة بألوان زاهية ويتزاحمون ويتشاجرون..
في ذلك السوق الضيق، الذي رصفت أرضيته بحجارة سوداء مربّعة ومستطيلة بتناسق جميل. تتراكم الدكاكين الضيقة والمقاهي والمطاعم الشعبية، وباعة العصير والمرطبات والكعك والجرابات..
تختلط أصواتهم النابحة مع ضجيج أنغام رديئة تلفظها أشرطة الكاسيت في وجوه الناس سكّان البيوت القديمة المهلهلة، والعابرين من خلال أزقّته المتشابكة والمنخفضة إلى أكثر أحياء المدينة المحيطة..
وبين أفواج متتالية من السائحين الأجانب بجنسياتهم المختلفة والزائرين  القاصدين التبرّك بحجارة مقامات وقبور الأولياء والصالحين من السلف..
قصدت عندما وصلت إلى دكاني الضيق أيضاً أن أتجاهل النظر إلى صاحب مطعم (الشاورما) القائم قبالة محلي تماماً..
تراه يجلس على كرسي منخفض وراء طاولة صغيرة تحمل مع ما تحمل صندوق المال الآلي.
يطل برأسه الأصلع يراقب بفضول كل شيء يتحرك أمامه..
دخلت متجري النظيف فبادرني "نزار" الشاب النحيل الذي يعمل معي، بجملته المعهودة..
- لا شيء جديد.!
 أضاف هذه المرة بسخرية:
- جاء ياسر وسأل عن دليل هاتف.. قال أنه فقد كيساً فيه ألف ليرة..؟
لم أعر الأمر اهتماماً، كنت أعلم أن رقم الألف عند ياسر هو نهاية الأرقام التي يدركها، وسقف المعرفة المدوّن في تلافيف عقله..
غالباً ما يقول حصلت على ألف سيجارة، أو ألف علبة فارغة.
كأنه ينشد تهويلاً لأمر جلل ينسجه خياله المعتوه، وكنت أكتم سخريتي..
ألاطفه وأجلس معه، أدعوه وأشاركه شرب كأس من الشاي المحلى الذي يحبّه، أدخل عالم خياله الغريب والساخر، أحاول قدر جهدي استخلاص الرؤى التي لا يدركها سواه..
تساءلتُ.. كيف نقيس جدارة العقل.؟
من يملك الحق في الفصل بين عاقل ومخبول.؟
بل ما هي العقلانية أصلاً.؟
هل تكون الصورة المطلقة التي رسمناها لعقولنا وأوصلتنا بغرور مطلق إلى سحق الآخر بمسميات أطلقناها وبمعايير وضعناها.؟
كان ياسر محور تساؤلي الدائم، أقف مشدوهاً أمام حركاته وتصرفاته المضحكة والتي يعبّر من خلالها عن موقف يعيشه أو يحسّه، أو حالة لا يملك القدرة على التعبير عنها بشكل آخر، وأحياناً أمام آراء يطرحها بسلاسة وبساطة رأيت فيها كمال العقلانية والسداد والحكمة..
عرفته منذ زمن، وعرفت الكثير عن ظروف حياته، قد يكون أهم مفصل فيها يوم قفزت به الحياة إلى شكل مثالية نادرة، فكرّس نفسه وقدراته بتفان ليس له مثيل في رعاية زوجة وأبناء شقيقه الوحيد الذي مات فجأة..
كان مجذوباً، هذه حقيقة ولكن من نوع فريد..
استطاع أن يتعلّم بسرعة مذهلة كيف ينتزع قوته ورزقه، يجمع قدر ما يستطيع من علب "الكولا" الفارغة والعبوات البلاستيكية والنايلون والمعادن والأخشاب، وأي شيء يقع تحت يديه، فلكل شيء ثمن..
واستطاع أن يتعرّف إلى أصحاب الجحور التي تشتري وتبيع هذه النفايات..
تعلّم سريعاً كيف يسوق ما يلقّطه من رزق بوسائل شتى، إلى الأسرة الكبيرة، يطعم الأفواه القاصرة التي تنتظره دون سواه ليقيمها على الحياة، ولن يتذوّق لقمة واحدة قبل أن يزجي لهم الكفاية..
وتعلّم فوق ذلك كله كيف يهرب من دوريات مكافحة التسول، والتشرّد..
تعلّم كيف يقبل الحياة ويختصر مسافات السؤال عن قلة الحظ وقلة فهم الآخرين لنا إلى آخر القائمة التي نتعذّب في أتونها كل لحظة لأننا.. عقلاء..
 وهكذا مضى به العمر كائناً وسط دوّامة تدور يوماً بعد يوم حتى تشكّل في قلب الصورة مكمّلاً لهيكل المكان المزدحم، إلى جانب مجموعة ليست قليلة من المعوقين عقلياً وجسدياً تزيد عدداً لسبب ما في مثل هذه الأحياء المغيّبة..
كان دائم الابتسام، يمتلك بين جوانحه روحاً حلوة ووديعة، يطرب للكلمة الرائقة ويحس بالدعابة ويستسيغها..
يبدو أليفاً محبّباً ودوداً وهذه الصفات قرّبته إلى قلوب الناس الذين عاشروه وعرفوه، وأسهمت إلى حدّ كبير في ترسيخ صداقة حميمة بينه وبين عبد القادر صاحب الشاحنة الصغيرة ذات اللون الأخضر الداكن والعجلات الثلاث والذي يقيم أيضاً في بيت إلى جانب بيت ياسر في الزقاق ذاته..
ولعل الاستثناء الوحيد في علاقاته الطيبة مع الآخرين، تلك العلاقة الموتورة بينه وبين (أبو راشد) بائع الشاورما الذي ضربه عندما تجرأ والتقط علبة كولا فارغة من أمام دكانه..
يومها ابتلع ياسر غضبه، وأخرج من كيسه الكبير المعلّق على ظهره علبتين فارغتين وضعهما بهدوء أمام "أبو راشد" وحين ابتعد عنه، أنزل الكيس الذي يحمله، وصرخ بصوت صبّ فيه جام غضبه:
- أبو راشد يا ابن……..
 
ثم ضحك بسخرية، حمل كيسه وهرب، يقفز مثل أرنب..
ومنذ ذلك اليوم اتسعت بينهما فجوة الجفاء، وتحوّلت إلى كراهية متبادلة كنت أحسّها وألمسها من نظرات ياسر وحرصه على الابتعاد قدر ما يستطيع عن خطوط التماس بينهما.. 
وكان عبد القادر على النقيض، يصطحبه إلى معظم الأماكن التي يقصدها في جولة عمله اليومية المقتصرة على نقل حمولات من بضائع مختلفة من مكان إلى آخر..
يحبه وينقذه من مضايقات الأطفال والكبار أحياناً.. مؤكداً أكثر من مرة على تفوق  ياسر عليهم جميعاً (على الأقل) بما يجري في شرايينه من دم زمرته نادرة قلّما يحمل مثلها الكثيرون..
وكان ياسر يبادله الحب، يرتاح إلى رفقته ويعيش أحلى ساعات عمره وأقصى مشاعر سعادته عندما يركب واقفاً في صندوق الشاحنة السريعة التي تجعل الريح تضرب وجهه، وتعبث بشعر رأسه ولحيته المهملة الكثيفة، وتنفخ الثوب الفضفاض الذي يرتديه ويحزمه من وسطه بخيط فوق قمّة كرشه..
ذهلت عندما رأيته يجلس القرفصاء أمام باب بيته حزيناً كما لم أره من قبل..
يدفن رأسه بين راحتيه، ويعتصر دمعة تأبى مغادرة مآقيه..
ما أن رآني حتى هب واقفاً، نظر إلي بحنان جم وضمني بين ذراعيه القصيرين وابتسم بفرح طفل..
سألته أحاول إخراجه من موجة الحزن التي تجتاحه..
- سمعت أنك تفتّش على دليل الهاتف..
لوى رأسه بحسرة وتمتم..
- لم يعد الأمر مهماً.؟
ثم نظر في وجهي وأردف.
- دليل الهاتف فيه ألف رقم.. كلها أرقام الحكومة..
-  الحكومة مرة واحدة..
-  أنت لا تعرف الحكومة.؟ هربتُ منهم، جاؤوا أكثر من ألف شرطي في سيارة.!
فتح عينيه بدهشة وتابع على وتيرة الحماس ذاتها:
- حبسوا كل الناس.. وأنا هربت.. ركضت وركضت حتى وصلت الزقاق.. وضحكت عليهم.؟
ضرب على صدره بحسرة كأنه تذكّر أمراً مهماً وتمتم بحزن:
- سرقوا كيساً فيه أغراض بألف ليرة..
- من.؟ الحكومة.؟
 
نظر إلي باستخفاف وضرب بيده على عرق نافر في ساعد يده الأخرى وأجاب باقتضاب:
- لم يعد الأمر مهماً..
في ذلك الصباح الباكر انطلق ياسر مع عبد القادر في الشاحنة ذاتها لنقل صناديق تحتوي على أطعمة مختلفة إلى أحد المتنزّهات القريبة من المدينة..
وهناك اكتشفت عينه الخبيرة بحكم العادة عدداً لا يستهان به من علب الكولا الفارغة ملقاة بين الطاولات، فاندفع يلتقطها ويدسّها واحدة بعد الأخرى في كيسه الكبير..
وفي طريق العودة توقفت الشاحنة أمام بيت يشبه القصر حوله حدائق غناء وأشجار باسقة..
ثم تتالت الأحداث بسرعة غير متوقعة فقد أخذته سيدة (يبدو أنها كانت في انتظاره) متأنقة وعلى قدر من الجمال، ومضت به إلى داخل البيت، غاب فيه أكثر من ساعة، وعندما خرج كان يحمل بين يديه كيساً أصفر اللون، فيه كثير من الخبز واللحم، وقطعة قطن طّبي ملتصقة على عرق نافر في ساعده الأيسر..
قالت السيدة وهي ترافقه إلى الباب الخارجي:
- كلما طلبناك ستحصل على كيس مثل هذا،
وكلما احتجت شيئاً.. أي شيء، لا تتردد بالاتصال بنا.. نحن الحكومة..
حمل ثروته المعبأة في الكيس الأصفر وكأنه امتلك دنيا جديدة، وركنه بحرص بالغ في زاوية أمينة من صندوق الشاحنة..
قال له عبد القادر:
- لك أن تفرح.. ربحت كيساً فيه ألف ليرة.!
لكن فرحه الكبير لم يدم طويلاً فقد لاحقته لحظة ولوجه ذلك السوق الضيق مجموعة من الرجال المكلّفين قمع المخالفات ومكافحة التسول..
شدّ جلبابه الطويل وانطلق بكل ما أوتي من قوة بين الأزقّة والزواريب، ألقى كيس النفايات الكبير  المعلّق على ظهره، وقبض بإصرار على الكيس الأصفر وهو يركض هارباً..
يتعثر تارة بخطواته المتخبطة، وتارة بأكتاف وأقدام الناس المتزاحمين في السوق..
وقد فوجئ بأبي راشد يغلق أمامه الطريق، ويفتح ذراعيه للإطباق عليه، ولم يجد إلا أن يقذفه بالكيس الأصفر الذي يحمله مغتنماً فرصة المفاجأة ليتجاوزه وينطلق من جديد بقوة وعزم..
في لحظة الانعطاف الأخيرة حانت منه التفاته إلى الوراء، ليشاهد بحزن كيسه الأصفر يغتصب بين أيدي المطاردين..
دخل الزقاق الضيق الأخير ونجا..
 تراكمت أمام عينيه صور كثيرة ومختلطة وهو يطوي وجهه بين يديه، يجلس القرفصاء ويحبس دمعة كادت تفيض من مقلتيه..
تذكّر في اللحظة نفسها تفاصيل الوجوه التي طاردته واغتصبت كيسه الأصفر..
واكتشف أنها ذات الوجوه التي سرقت بعضاً من دمه النادر..
ابتسم ببلاهة، وأرسل ذراعيه القصيرين في الهواء،  وراح يقفز مثل عصفور..
ولم يلبث أن توقف فجأة عن ممارسة حركات مضحكة ليس لها معنى..
ربط كيساً جديداً كبيراً إلى ظهره، وانطلق يبحث في حاويات القمامة عن رزق أسرة تنتظره دون سواه..
كان قد وصل إلى نهاية الزقاق الضيق..
نظر إلي من بعيد ورفع يديه في الهواء كأنه يقول:
- لم يعد الأمر مهماً..؟
عندما غادرت متجري في المساء، وسلكت زقاقاً يطل آخره على ساحة كبيرة تقود إلى عالم لا يمت بصلة إلى عالم المنطقة التي يعيش فيها ياسر مع من يعيش.
شبّه لي أنني رأيت عبد القادر وأبو راشد،  يجلسان في صندوق شاحنة من ثلاث عجلات أخضر داكن يأكلان بنهم وتلذذ ما تبّقى من فتات لحم انتزع من قاع كيس أصفر.
أضيفت في 30/03/2005/ خاص القصة السورية من مجموعته أخاف أن يدركني الصباح الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب
 
 
وتطير العصافير.!
 
القصة الفائزة بجائزة الإمام الخميني للإبداع.. مؤتمر القدس الثالث / دمشق / 2002
 
 
يحملُ بين صخب خطواته بلاهته، وخيبته.. كأنه قضى عمراً ينتظر ورقة صغيرة ينتزعها انتزاعاً من قلب مظروف يأتيه من بلاد بعيدة، يلوّح بها، وينطلق عبر غابة الصنوبر.. يعرف كل شجرة فيها.. يعرف جيداً أقصر الطرقات التي لا بد تقوده إلى قريته..
ينعصر قلبه حزناً وهو يستاف الخيبة يوماً بعد يوم.. يسحب آخر خطواته من ظلّ الغابة الكثيف فتتباطأ.. فجأة ينكشف أمامه الفضاء..
بيوت حجرية تستلقي على السفح الأخضر، وبيوت أخرى تتعربش فوق بعضها وتمتد حتى تقترب من القمّة.. يصل بينها طريق ترابي واحد..
يطالعه وجه "بهاء.." أيّ وجه جميل لفتى لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره.. تلتقي نظراتهما من بعيد فيسمع حشرجة خشنة تصارع ترانيمها لتخرج من بين شفتيه المتصلبتين إلى مسامع الناس، يعرف أنها ضحكة سعيدة يستقبله بإطلاقها..
هي مفردات في لغة عجيبة ابتدعها.. إذا أخرج لسانه وعض عليه، فهو يقول لا.. وإذا أطبق شفتيه يقول نعم.. لم يكن قادراً على الحركة، كل ما فيه ذابل، ميت، مشلول.. مخلوق آدمي رائع الجمال، صافي التقاطيع..
حطام مربوط إلى كرسي.. رأس حيّ فقط وما عداه فهي أشكال أعضاء ميتة، تتأرجح بسخرية كيفما شاءت لها الأقدار، تحرّكها مجموعة إرادات كثيرة ومختلطة لكنّها لا تعنيه.. حتى أحشاؤه فهي تتلاطم وتتشنّج فجأة دون سابق إنذار كلما أصابه شيء من التوتر أو التحفّز..
لكنّه يعرف اسمه وبيته وقريته وأسرته وما يدور حوله.. ويعرف صديقه الأبله الوحيد.. عوض..!
يركض مع إطلالة كل صباح مبتعداً عن بيوت القرية القليلة التي أخذت لها موقعاً بعيداً عن ضجيج المدينة، يشدّ سراويله الفضفاض، ويردد صفير لحنٍ لأغنية لم يسمع بها أحد.. يخترق غابة الصنوبر ويصل لاهثاً إلى مركز البريد في رام الله.. يعرفه الموظف، ينظر إليه بسخرية، ويرفع حاجبيه..
في عصر يوم ربيعي أمسك عصفوراً مكسور الجناح، رآه يقفز مذعوراً بين أشجار الغابة.. احتضنه برفق، وحمله هديّة إلى بهاء..
يجلس عند قدميه المتدليتين بارتخاء، يمسك جناح العصفور المكسور، يثبّته بقطعة خشبية صلبة ومستقيمة، يربط عليها خرقة، ثم يضعه في قفص صغير، يعلّقه على فرع شجرة قبالة بهاء، ويقدّم له الماء والطعام.. لأول مرة يلمس وجه بهاء ذلك الريش النابت على جسد العصفور الضئيل.. كان يحسبه وهو يحلّق أنه سيد الفضاء.. يراقبه بعينيه الثاقبتين ويرافقه في رحلات ذهابه وإيابه التي لا تتوقف، يحطّ على غصن شجرة، يمسّد ريشاته باطمئنان ثم يعاود الانطلاق..
ذلك الحلم بات الآن بين يديه..! لو أنه يستطيع أن يداعبه، يحدّثه عن أحلامه، ينطلق معه عبر الفضاء الرحيب الممتد إلى ما لا نهاية، يعيش معه لحظات الصفاء ولحظات الحرية..
هذا الطائر الصغير يمتلك ذاته، يأمر حواسّه فتطيعه، تأخذه متى أراد إلى أي مكان يريد..
أي خيط واه يربط بينهما..؟ هل يستطيع معتوه يملك حواسّه وقدرته السيطرة على أطرافه إيصال مشاعره إلى مشلول لا يملك من حطام جسده غير جزء حيّ صغير ينبض على قشرة دماغه..؟
لو يستطيعان أن يتبادلا رأساً برأس..!
هل يستطيع هذا العصفور الحبيس نقل وجيب الرسائل..؟
يجلس عوض بينهما.. يراقب بدهشة تلك العلاقة الوليدة التي ربطت بين دماغيهما، جعلتهما يتقاسمان معرفة تلك اللغة الغريبة.. يطلق من حنجرته حشرجة حادّة، فيقفز العصفور، وينظر إليه.. يهزّ رأسه يمنة ويسرة، فيبدأ العصفور بالغناء.. ربما يكون غناء ذلك الصوت الجميل المتقطّع الذي ينبعث صافياً من بين أسلاك القفص..؟ تضحك عينا بهاء، ويطبق شفتيه.. هذه المرّة لا يسكت العصفور، بل تزداد قفزاته على العود الرفيع داخل القفص..
*   *   *
ولدتُ في هذا الفضاء، تعلمتُ الطيران على أغصان تلك الشجرة، لي فيها أعشاش كثيرة..
أذكرُ.. يوم كان الفضاء مفتوحاً حتى ساحل البحر، كنت أمخر عبابه، أسخر من طفل يتذاكى وهو يحاول الإمساك بي، أسقط مستقيماً أقترب منه وقبل أن يفتح صدره لاستقبالي أعاود الصعود..
أذكرُ سنابل القمح الصفراء في موسم حصادها، تغريني وقومي لغزوات مسائية نملأ بحباتها حواصلنا، نغدو إليها خماصاً، ونعود بطاناً إلى سقوف البيوت، نلقّم صغارنا، يأخذنا النعاس فننام..
اليوم.. لم يعد هديل البحر يطرق مسامعي.!
ذبُلت حقول القمح، وجفّت خضرة السهول..
مضيتُ إلى آخر المدى أبحث عن حبيبات الندى الصباحية فلم أجدها.. وحين عدتُ، أبحث مرة أخرى عن سقفي الحبيب، سقط جناحي بين أعمدة كثيرة..! زحفتُ.. زحفتُ حتى تراءت لي غابة الصنوبر، قلت: فيها أموت..  قالوا: فيها تموت..
وقبل أن تغادرني آخر خفقات حياتي.. حملني هذا الأبله الجميل إليك..
يتململ بهاء، يرنو بغيظ إلى الرباط المتين الذي يشدّه إلى كرسيّه.. يدرك أنه يحميه من السقوط في لحظة عبث تفتعلها أعضاؤه.. يميل رأسه يمنة ويسره، فيجاريه العصفور.. يخرج لسانه ويعضّ عليه. يحسّ أن ذلك الشيء المؤلم الذي يجتاحه دون مقدّمات بدأ يغزو أحشاءه فيزداد تدفق الدم إلى أطرافه.. يتسرب لعاب ثخين من فمه، وتنقلب عيناه إلى جمرتين متوقّدتين، تختلج شفتاه، ويتشنّج.. يصرخ عوض.. تركض أم بهاء، ترشّ وجهه بالماء، تفرك صدره، ثم تجبر حلقه على ابتلاع سائل لزج.!
لا بد أنها حكايات ذلك العصفور.!؟
أي حكايات  يمكن لعصفور صغير أن يبدّل في سردها تكوين إنسان.؟ هل كان الأمر كذلك.؟
حَمَلت القفص تريد أن تلقيه بعيداً.. حانت منها التفاتة إلى وجه بهاء، كان يعض على لسانه بقوّة.. أعادت القفص إلى مكانه.. فاستكان..
*   *   *
هذه الأسوار العملاقة تقف بيننا، كنت أستطيع أن أصل بناظري حتى شاطئ البحر، تتخبط أطرافي وأعضائي.. أشعر بدوار وغثيان.. أحس رغبة في التقيؤ.. بعد لحظة يتيبّس كل ما فيّ.. تحملني أمي إلى المدينة.. تلك الأجهزة البرّاقة تبعث في هذه الغرائب الملتصقة بي خدراً ليس لذيذاً لكنّه يحمل كثيراً من مواجعي.. يثبّتونني على السرير، أسمعُ بكاء أمّي.. يرتجف لساني، كأنني أقول لها أنا الآن أفضل، لكنّها لا تكف عن البكاء.. كم كان يعذبني بكاؤها..
أذكرُ يوم رفعنا أربعة جدران من طين، وألقينا فوقها قصباً وقشّاً وحصيراً قديماً سقفاً لحظيرة فقيرة لا أكثر، تظلّل بقرة اقتنتها أمّي.. قالوا إن حليبها يخلق في جسدي الهشّ عظاماً جديدة سليمة.. بعد أيام جاءتنا من كل حدب وصوب خوذات مجنّزرة، وشعور شقراء.. جرفوا الحظيرة، وشجرة التوت، وأحواض البقدونس والنعناع، واقتلعوا عتبة البيت..
اليوم لا تستطيع هذه الحمائم البيضاء الهزيلة أن تحملني إلى أي مكان، ضاقت بين صفير أجنحتها عشرات الدروب التي عاشت معها ومعي دقائق عمرها وعمري..
رصفوا تحت قوائم الكرسي الذي يحمل حطامي طرقات جديدة.. عريضة جداً، تدور وتلتفّ إلى أن قتلت بإسفلتها المحرق الحمام والعصافير وفضاء المسافات، وأغلقت في درب صعودها إلى قمّة التل ركناً من السماء.. ثم أقاموا على تخوم بيتنا هذه الجدران المزيّنة بجدائل سوداء، تحمل على رؤوسها مربّعات خمريّة، ترتفع وترتفع حتى التصقت بحدود الكون، لا أرى من خلالها غير قرميد أحمر جاف لا أستطيع أن ألمسه..
يومها قالوا إنه عالم آخر.. عالم ساحر قادر على بعث الحياة في أطرافي الميتة.. لكنني عند أول نوبة تشنّج يبستّني، لم أجد غير حواجز ودروب مسدودة، وشوارع تقود في منتهاها إلى بيوت حمراء أيضاً.. منذ ذلك اليوم وأمّي تجرّعني هذا السائل اللزج، أتظاهر أنه يشفيني..
تراها تصدّق أن هذا الخليط يستطيع.؟
ينفض العصفور جناحه الكسير.. ويصمت.!
*   *   *
يجلس عوض بينهما، ينظر إليهما بعينيه الصغيرتين، يستجمع في رأسه الأبله ترانيم الحكاية..
ينتظر هو الآخر ذلك الحلم الممتطي ورقة تحمل له نهاية انتظار بدأ مذ سافر أخوته إلى بلاد الله الواسعة.. يومها ودّعوه على مشارف القرية، كانوا يحملون حقائب صغيرة ورهبة.. قالوا وهم يبتعدون شيئاً فشيئاً: سنكتب لكم دائماً.. إحساس غريب كان يصرخ في أذنيه أنهم لن يفعوا ذلك أبداً.. يعرف أن أحلامهم تخشّبت أمام وميضٍ برّاقٍ واحد.. السفر..!
لكنّه ما يزال يحمل إصرار الانتظار.. وينتظر بشارة، لا تأتيه..
تعلّب بين البيوت القليلة التي اختارت سكون الريف القريب، وغابة الصنوبر، ومركز البريد في المدينة القريبة.. تقول له الطرقات الجديدة، والبيوت الجديدة أن العالم يمدّ لك لسانه.. وأنت على عتبات هذه البيوت الكئيبة، لا تملك غير البلاهة، وجناح عصفور مكسور، وطيف جسد أنهكه الشلل..
هي أصوات مكبوتة تتحدّث خارج ألسنتها.. يجلسون ثلاثة في فضاء ضيّق.. ضيّق جداً.. ينظرون إلى بعضهم عبر عيون كستنائية غائبة عن متاهات السرد..
كانت القذائف تحمل أزيزها وألوانها الزرقاء تتساقط على مقربة من البيوت، "بهاء" يسمع عسيسها، ويعلك وجعه.. يعض على لسانه.. يجاهد بذلك الجزء الحي من دماغه للوصول إلى قفص العصفور الحبيس..
هل يقدر أن يطلقَهُ، وينقذه من الهلاك المتساقط عليهما من فرجات السقوف الخمريّة.؟
عوض في طريق عودته.. يسمع هدير انفجارات قويّة، ولا يكترث.. بين أصابعه رسالة من أخوته.. أخيراً يرسلون الرسالة، يفضّها على عجل.. لم يستطع أن يقرأها.. كانت تحمل رسوماً لخرائط جديدة، وأعلاماً جديدة، وفضاءات جديدة.. زاغت حدقات عينيه في زحمة ذلك الجديد..
أنزل سراويله، وبال عليها..
فجأة تتشنّج خطواته.. راح ينقلها وئيدة.. يخرج بها من تحت آخر ظلّ ترسله شجرة صنوبر عملاقة تلفظ أنفاسها تحت أسنان فولاذية تلتهمها، تبعث في مفاصله وهي تموت قوّة لم يعهدها من قبل، فينطلق بأقصى سرعة.. يناضل بأطرافه وأسنانه للوصول إلى قلب الفجيعة..
أطلّ على مواقع البيوت الحجرية، لم ير غير أنقاض متراكمة فوق بعضها..
تباطأت خطواته، اقترب من أول البيوت..
لأول مرة يرى بهاء خارج كرسيّه.. لسانه يطل بإصرار من فرجة بين أسنانه..!
وعلى طرف شفتيه طيف ابتسامة..
بينما كانت يده الضئيلة النحيلة ملقاة على أسلاك القفص الخالي..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 8:14 pm

وجعـــي هــو المكــان
 
أتسألني.؟
حسبتك تفعل عندما سبحت في لحظة سحرية كائناً من لحم ودم بين جفنّي والحدق..
رأيتك.؟ أقسم أنني رأيتك.! تحملني في بياض عينيك المتعبتين وتحمل (كما كنت في كل الأوقات) إرثاً يخصّنا..
تقتلعني من وحدتي وغربتي وشيبي ونزيفي، وتردني في اللحظة نفسها إلى زمن سحيق أنهكنا.
تحملني يا وجعي فوق صدرَك، ثم تبكي بين يدي، تركعُ في محرابنا، تستغفرني، فأغفر..
أتذكر.؟ ما زال هو المحرابْ الذي عرِفت، ينّز رطوبة تقتل حتى الصراصير، ويصفر كلما عبثت بصفائحه الريح.
ما زال معلقاً صامداً بين ضفتين ليس لهما ملامح..
أتذكر.؟ يوم ساقني قدري إليك، وكنت طفلاً لم تزل، تجاوزت بك لحظات خلقك الأولى، ويا لها من لحظات زحفت بطيئة مستحيلة..
من يصدق.؟ طفلةُ ما تخطت ثماني سنوات من عمرها ترعى طفلاً وضعته أمه للتوّ، وغابت وراء غلالة بيضاء قبل أن تتخّلص من حبل سري يربطك إليها.؟
قالوا ماتت.!
 فجأة ولد الفزع.!
هل تمضي الحياة بنا أم تتوقف.؟
هنا في صمت المحرابِ المعلّقِ بين فضائين صحوتُ عليك وعليها، وجدت في شراييني دفعةً واحدةً مدادَ الأب والأم، وكان يجب أن نخترق الحاجز المستحيل.!
ثم حملتك بعد حين والخوف يصرعني كما صرَعك نزيزه المتواصل، المشحون بحبيبات غبار رطبة أتلفت رئتيك فيما أتلفت..
حملتك يا عمري ومضيت بك إلى مكان ما، إلى ركن ما، تحت سماء ما..
صعقتني أحذية في الطريق لم أر غيرها في الزحام، وأنهكتني رحلة طويلة طويلة.
غرزتك خلالها على كتفي، وغرزت سنوات عمري العشر فوق كتفي الثاني..
أتذكر.؟
كم كنت أخاف أن يغلبَني النعاسُ فأنام، وتغفل عيناي ويداي عن أكوام أدوية يجب أن تتجرعّها، قالوا:
- في معجزة خليطها يكمنُ سرُ حياتك..
فأربط ضفيرتي الصغيرة بخيط إلى مسمار في أعلى الجدار، وعندما يغلبني نعاس طفولتي، ويكادُ يميلُ رأسي، يشّدني الخيط، فأصحو..
أنظر إليك، أراقب خلجات جسدك الصغير بوجل، أتابع تردد أنفاسك، أعدّها، أقيس ما بين الواحدة والأخرى، أحسبها تارة تنقص فيعتصرني قلبي، وتارة تزيد فأعتصره.. أقوم فوق صدرك يعلو ويهبط، أخيطه في نسيجي، فيغدو قطعة مني، أُحصي ما يعتمل داخله خفقة خفقة..
كم طال بنا المقام وتكرر قبل أن نعودَ دائماً إلى محرابنا..
يومها رأيتك كبرت أكثر، تشبّثت بكفيّك وركبتيك بي، قالت لي عيناك لأول مرة أنك الآن تعرفني، فحملتني رفوف نوارس إلى دنيا تزيّنت في أحلامي، فرأيتها حقيقة تنبض بالروح.
قلت لي، وضفيرتي تداعب صفاء جبينك، أنك الآن تعرف والحزن يبدأ مع رجفاتك الأولى أن ليس لك سواي، ولم يبق لي سواك..
اليوم فقط بعد غيابك الذي أضنى جسدي، وأعمل فيما تبقى من عظامي تفتيتاً وتمزيقاً، فقوّس بعضها، وأرجف بعضها الآخر، فجأة تقتحم أشعة الشمس محرابنا عن قصد، ربما أشرقت من مكان آخر، من مكان أنت فيه الآن تذكرني أو لا تذكرني، أشعّة شمس رائقة حملتها رّفوف النوارس ذاتها، وحّطت بها تماماً فوق موقع النزيف..
كان الضوء أقوى من جلدي، فأطبقت جفني..
في اللحظة نفسها، رأيتك.؟ أقسم أنني رأيتك.!
كنت تسبح  وتتخبط، رأيتك تكاد تغرق، تمّد لي يدك النحيلة، وسعالك المتواصل، ورشقات من دمك القاني، مددت لك يدي وعمري، وانتشلتك.
أتدري يا عمري.؟ انتشلتك من الوادي السحيق ذاتِه الذي قذفتك إليه بيدّي هاتين ذات يوم.. فأضاءت وجهك ابتسامة.. كما كنت تفعل كلما أتيت ذنباً وأردت لك العقاب..
أتذكر.؟
أقودك إلى المدرسة قسراً، تسألني، لماذا.؟
ولأنني لا أعرف، أقودك بإصرار أكثر، وأنتظر أمام البوّابة ساعات طوال حتى موعد الانصراف لأعود بك إلى المحراب، أطعمك بيدي وأسقيك بكفي، وأراقب لحظة بلحظة بريق عينيك يكاد يغفو فوق الحروف السوداء فأوسدك صدري وأغطيك بعمري..
يا وجعي وأنت تكبر، وتكبر، وبين الحين والحين تصرعك نوبات سعال خلفّها مرض ذلك اليوم، فأحملك إلى فوق، إلى سطح المحراب، هناك حيث السماء أقرب، أجمع بين أصابعي كومات هواء أحشوها في رئتيك، أعطيك أنفاسي، أحسب أنني أنتشلك في لحظة سحريّة من براثن الموت..
حتى عندما كبرت صرت تعرف الطريق، تزحف إلى فوق وحدك، تعّب قدر ما تستطيع من الهواء، بعدها تضيء وجهك ابتسامة رائعة الصفاء..
ولا أملك إلا الصبر والأمل والعمل المنهك، مرّات في مستودعات تغليف الصناديق المحشوة بأصناف من الحلوى في أقبية المرتزقين، ومرّات عاملة على آلة كي الألبسة الجاهزة في مشغل حقير.
وبين هؤلاء يجتّرني عمري، وينساب شبابي، أقاوم ضعفي بضراوة ولا استسلم..
بنيت بيني وبيني صفائح لا تخترقها رغبة ولا هوى، وكنت وحدك الحاضر في كل حين، والعمر يمضي، وأنت تكبر..
أتذكر.؟
يوم سألتني أين أبي وأمي..؟ سألتني، من أنا ومن أنت..؟
أتذكر..؟ لم أكن أجد لأسئلتك أجوبة.. 
يا وجعي.. لم أكن أملك الجواب..
من أنا أو أنت..؟
كل ما أعرفه أننا رفيقا رحم واحدة.. وقد عرفتها، عشت معها، أحببتها، كانت مثلنا لقيطة هذا العمر، معصورة هي الأخرى بين الرحى والطباق، مصهورة كل ليلة كل ليلة في أتون محرق حدثتني عنه طويلاً، كنت صغيرة ولم أدرك..
عندما كبرت قليلاً أدركت أننا أنا وأنت نبتنا في لحظة قاتمة من حجر صلد أصم، جئنا من مكان على خارطة التاريخ، لم أعد أذكر منذ متى ولا من أين.
قالت ألف مرة أننا فتات أب تبخر مثل قطرات الندى، ولم يفارق لا هو ولا المكان حلمها إلا ليلة لفظتك.. وماتت..
مسكينة كانت، وحزينة عاشت، ضيعتّها ذكرى ضبابية مجهولة، وجرفتها طواحين الحياة، ولم تبق لها أكثر من المحراب والمكان والحلم بنا..
من أجلنا، من أجلنا فقط..
سألتني يومها، فسلكت السبيل الهين.
قلت ماتا.. كانا عظيمين وماتا.! وأغلقت باب السؤال..
 تشبثت بك، ورفضت كل الرجال، سمعت نصيحة لأمي ما زالت تضج في رأسي..
- أخوك أخوك ولا كل الرجال.. كلهم في المصيبة سواء، يصهَرون ويمضون، يزفّون شعارات فارغة جوفاء، ويخلّفون وراءهم الفتات وبذور الفجيعة..
علمتني أن أخاف ظلمة الطريق، قالت أن لا شيء يستحق..
كنت صغيرة أول الأمر فلم أدرك، عندما كبرت رفضت كل الرجال إلاّك..
حسبتك أنت دون العالمين تبقى عمري ورفيقي وشبابي..
لم أدرك أن يوماً سيأتي تفزعني فيه أسئلتك ولا أجد لها جواباً، كبرت يا عمري، وكبر السؤال..
من أنا.؟ ومن أنت.؟ من نحن في هذا العالم الزاخر بألوان الطيف فوق سطح المحراب ووراء بابه، هذا الإرث الذي لم تملكّنا الدنيا سواه هذا المعلق في فضاء ما، على رقعة من الزمن، وسط عالم غريب ربما (ليس لنا) وكنت أتعذب.!
كيف لا أقدر أن أكون نبع المعرفة الغزير أمام رؤيا تفتح طفولتك، صدّقني، حتى عندما أصنع جواباً ما أسخر به من نفسي وأقوله، أدرك أن العمر لم يترك لي مساحة للمعرفة، وأن العالم هذا الكبير الذي شّد اهتمامك يريدني ويجعلني أكثر جهلاً من ماعز الجبال.!
فجأة توّقف على لسانك السؤال، أدركتَ أنه يعذبني فكتمته في صدرك.
تساءلت ألف مرة هل يتسع صدرك لأشياء أخرى.؟
أتذكر.؟
هذا الذي أسميته أنت محراباً، كنت أسميه جحراً، كما أسمته أمنا..
عندما كبرت يا عمري أسميته محراباً.. قلت أن الجحر لا يتسّع لأكتاف الموتى.. وأدركت فيما بعد أن المحراب وحده رغم قدسيته قد يتسع لمن يموت راكعاً أو جالساً، لكنه أبداً لن يتسع لمن يملك إرادة الموت واقفاً..
لفظتَ حاضرك الذي بنيته لك إصبعاً بعد إصبع، وحَملتَ همّك دون همّي، ورضيتُ لك الرحيل..
قلتَ:
- بضع سنوات ثم أعود.. أنت أمي وأختي ورفيقتي، أحملكِ عرفاناً على حصان أبيض يخّب بين القارات، نخوض عليه مجاهل العالم، نترك فوق كل معلم فيه أثراً، وأجد معكِ المكان المغّيب، نزيّنه بالنقاء، ونجعله محراباً حقيقياً يتّسع لكلينا واقفين أو ساجدين، ويقدر أن يشحن في صدورنا قدر ما نحتاج من هواء نقي، يطهّرنا، يطهّرنا..
زيّنت لي، وأغريتني، ومضيت..
كتبتَ لي ألف رسالة في ألف يوم، أحفظها تحت جلدي، أفردها ما زلت كل ساعة، أخطّها كحلاً حول جهد عيوني، وأصبغ من مدادها الأسود حلّة شيبي..
فجأة توقف كل شيء، لم أعد أذكر منذ متى، ومنذ متى ضاقت الدنيا وأطبقت الصفائح من حولي.. صمت كل شيء، ونزفت الحياة في جوفي صريراً صدئاً..
توقفت نبضات سعال عشت على صداها، وجفّت مناديل البقع الدامية.. لم أعد أذكر منذ متى.؟
أتذكر.؟
عندما اقتلعوك من المشفى لأننا لا نملك ثمن العلاج.! وعندما اقتلعوك من المدرسة لأنك سألت عن شيء محرم عليك فيه السؤال.! وعندما اقتلعوك من صلب المكان حتى ذلك الجديد، وزرعوك قسراً وأنت تحمل الإرث "يقولون صباح مساء أنك تحمل الإرث" تحت يافطة كبيرة مكتوب عليها بخط رديء "شعبة الأجانب"..
أتذكر يا عمري تلك الزوايا التي حملت بكاءنا ونحن نصارع باللحم خفافيش الخطيئة، ندافع عن حق لنا في الحياة ليس أكثر.. أتذكر.؟
الآن يحاولون اقتلاعي من المحراب.
المحراب يا عمري، حتى هذا الضئيل الضئيل..
أتذكر.؟
فيه فتات أب لنا تبّخر في ليلة ظالمة.. فيه ريح أمنا، مازالت تئن وراء حبل سري يربطها إلي وإليك..
على أرضيته الخشنة سفحت شبابي وعمري.. وعلى جدرانه المذبوحة بشظايا سعالك ما زالت تنزف أسئلتك وحيرتك وآهاتك..
يا وجعي المخبأ في مكان ما.. في زمن ما.. تحت سماء ما.. صمدتُ حتى اللحظة رغم شيخوختي تشدني إلى القاع بعنف..
تشبّثت بأظافري وأسناني..
ترى، لو أنهم يقتلعون المحراب من بين أصابعنا.. أين نمضي..؟
هو المكان.. محراب أو جحر أو سمه ما شئت.. وحده الآن ما تبّقى لك.. وما تبّقى لي..
هو الإرث الوحيد الذي أملك عليه السلطان، وهو الوحيد الذي أستطيع أن أطمئن فيه عليك..
هكذا علمّتني أمي.. وهكذا أعلمّك..
 
 
بــارود.!
- تدفعون الديّة..
قال الرجل السمين، الجالس في صدارة المكان..
- ولكن يا سيدي، لقد تسبب هذا الكلب في قتل ثلاثة من رجالنا، وفي إجهاض امرأتين، كما أن خمسة أشخاص باتوا يحملون بسببه عاهات مختلفة.
أجابه المختار، وهو يستنصر بنظراته المستكينة عاطفة الناس المجتمعين في مضافته. لكن أحداً منهم لم يبد رأياً ولا حراكاً.
فرك الرجل السمين كفيه بعصبية وأردف:
- لو لم تعملوا على استفزازه لما قام بالدفاع عن نفسه، إنه كلب مدرب وله صاحب، وليس من الكلاب الضالّة ولا العادية.
أغمض المختار عينيه قليلاً، وتمتم باستسلام:
- ندفع الديّة..
يهبّ مزعل واقفاً ويقسم برأس أبيه أن يكون ثأره، رأس صفوان..
يقرفص إلى جانب جيفة الكلب الملقاة فوق العشب اليابس، يضرب صدره بقبضة يده، يرفع العقال عن رأسه ويصفقه على الأرض، يحاول أن يلمس الجيفة بأصابعه المرتجفة، لا يصدّق أنه فقد بارود إلى الأبد.. يقوم.. يركض.. يتلفت يمنة ويسرة، يستحضر من أرجاء المكان الخالي أناساً شهوداً على الجريمة، ولمّا يردّه الصمت خائباً وتعجزه الحيلة، يمسك طرف ثوبه الطويل بأسنانه، ويركض، يحاول مرّة أخرى اللحاق بسيارة الجيب ولا يلحقها، يقترب من الجيفة، يتأكد أنها هامدة، ليس فيها نبض حياة، فينتحب من جديد..
طلقة مزدوجة سمعها تدوي في أفق المكان الصامت، خرج من خيمته المكتظّة بالنفائس، كان بارود كلبه المخلص يترنح، ينزف الدم غزيراً من وجهه المهشّم، ولم يلبث أن سقط بلا حراك..
كابوس مرعب ينقض على صفوان كلما أطبق جفنيه، يقف على قمّة التل، يراقب أشباحاً تقترب منه، يتقدمها كلب ضخم، قوائمه طويلة، ووجهه طويل، وأنيابه طويلة، يفتح فكيّة على مقدار حجم رأسه، وقبل أن يباشر افتراسه، تنقذه صرخة رعب تنطلق من حلقه تجعله يهب واقفاً، تنتفض فرائصه هلعاً، ويغوص قلبه إلى أخمص قدميه..
لقد فعلها أخيراً، حمل بندقية الصيد ذات الفوهتين، حشاها بطلقتين ثقيلتين مصنوعتين خصيّصاً لقتل الخنازير، مدّ فوهتها من شق النافذة الجانبي لسيارة الجيب، وحين اقترب من المكان، قفز هذا المسخ أمامه كالقضاء، كبيراً ضخماً، جثتّه تقارب جثة حمار مكتمل النمو. كان يسمع لهاثه، ونبضات لسانه، ويتابع نظرات شرر تقدح من عينيه، حتى أنه يشاهد أظافره يخربش صفيح السيارة المنطلقة كالسهم، يقتنص فرجة من النافذة لينقض منها عليه، يفتح شدقيه ويطرش لعابه الساخن على الإطارات. لا يتعب ولا يستسلم..
كيف يستطيع آدمي أن يربّي مثل هذه الوحش الضاري، يومها اختاره مزعل من بين خمسة جراء بلغوا من العمر شهراً واحداً، تحسس مفاصل أطرافه الأربعة بأصابعه الخبيرة فأدرك أنها ستكون على قدر من الشدّة والقوّة، فتح شدقيه واطمأن إلى صلابة أنيابه، كان لون جلدته أقرب إلى اللون البني منها إلى الأسود، فجأة ينتقل اللون عند بطنه ليصبح أبيضَ ناصعاً، وجهه طويل، وأذناه مستقيمتان، تتوسط جبهته بقعة سوداء..
حمله بين يديه، وانطلق به إلى مضارب عشيرته..
اختار بقعة أرض بعيدة عن مسالك القوم، وحفر فيها حفرة مربّعة عميقة، وجعل لها غطاءً من أخشاب متينة، وأهال فوقها بعض الأغصان والأوراق والحشائش، ثم جعلها بيتاً للكلب، كان يكشفها عندما يحل الظلام، ويلقي له عظاماً نيئة، يجلس ساعة إلى جانبه، يحدثه وكأنه بشر سويّ، ولا بد أن يلقي على مسامعه بين الفينة والأخرى الاسم الذي اختاره له.. بارود..
ستة أشهر كاملة لم ير بارود خلالها بصيص ضوء، ولم يتناول طعاماً غير العظام النيئة، ولا يعرف من المخلوقات غير مزعل..
قبل أن يطلقه من سجنه، كان عليه أن يكمل مهمة تدريبه وتعليمه على الشكل الأمثل، لم يتردد، قطع بسكينه الحادّة نصف ذيله، وطرفاً صغيرة من كل أذن، وحتى تلتئم الجراح سريعاً كان عليه أن يطليها بمحلول القطران المغلي..
كانت أمامه أمور على غاية من الأهمية عليه أن يتعلمّها بأسرع وقت حتى يكون مؤهلاً للعناية بقطيع الأغنام، وردّ أي أذى يمكن أن يتعرض له في تلك البادية الشاسعة، وفي رحلات البحث عن الكلأ التي تقوده إلى أصقاع بعيدة وغريبة ومجهولة..
تعلّم بارود كيف يكون ضارياً، وتعلّم كيف يقوم بعمل أربعة من الرجال الأشداء دون شكوى أو اعتراض، يقود القطيع في رحلة يومية إلى المراعي، ويحافظ على تجمّعه، ثم يعود به في المساء، يطمئن على وصوله سالماً، ويقوم على حراسته ساعات الليل دون كلل، في إحدى ليالي الشتاء الباردة هاجمت القطيع مجموعة من الذئاب الجائعة، عثروا في الصباح على جثث ثلاثة من الذئاب منتّفة وممزقة شر ممزق، وعثروا أيضاً على آثار دماء ممتدّة إلى مسافات بعيدة. تعلّم أن المنطقة المحيطة بالقطيع أينما وجد وعلى دائرة واسعة تحيط به هي حدود سلطته، لا يستطيع أحد الاقتراب منها، وإن حصل ذلك تحت أية ظروف فالويل كل الويل له، لم يكن ينبح، ولم يكن يثير ضجيجاً أو جلبة بل كان ينقض مثل الصاعقة، ويغرز أنيابه دون رحمة، وحين يحقق انتصاره يهزّ ذيله الأزعر، ويستلقي قريراً تحت أقدام مزعل..
في تلك السنة الجدباء، رسم القطيع خط سيره إلى عوالم أخرى أكثر بعداً، سلك طريقاً صعباً يمتدّ على عتبة جبال شاهقة، فجأة أشرف على سهل خصيب ممتد بين جبلين كأنه بلا نهاية، تتخلله أنهار عذاب، فاستقر به المقام، واختار موقعاً في بطن السهل تصادف أن يكون المعبر الوحيد لسكان القرية القائمة على السفح، وطريق ذهاب أهلها وإيابهم من وإلى أراضيهم الخصبة المفرودة على بقعة من السهل..
نصب مزعل بيتاً فقيراً قوامه أكياس خيش مرفوعة على أوتاد خشبية، وأراح القطيع، في اللحظة نفسها كان بارود يستكشف أملاكه الجديدة، واستطاع أن يقرر وهو يضع بوله في أمكنة محددة محيط مملكته..
كان الصباح الأول مفاجأة أذهلت الغادين باطمئنان إلى أراضيهم، فجأة ظهر عليهم بارود كالقضاء الهابط على حين غرّة، وراح يضرب فيهم ذات اليمين وذات الشمال، غرز أنيابه في أطراف بعضهم، وكسّر أوعيتهم ومزق متاعهم، ولم يتوقف حتى اطمأن إلى ابتعادهم خارج حلقته، ومن يومها خلقت في المنطقة حالة جديدة، صار المرور مرهوناً بموافقة سيد الكلب ورضاه، وقد طرب مزعل للأمر فصار يأمر وينهى، ويطلب ويختار، ووصل به الأمر إلى اختيار أفراد من أهالي القرية يخصّهم برعايته، وتسهيل عبورهم إلى أراضيهم، ويخصّونه بأطايب الطعام.
وحين أراد صفوان أن يستجلي حقيقة الأمر، ويجد مخرجاً لهذه الحالة، كان بارود ومن خلفه سيده يقفان له بالمرصاد.. انتظر ظرفاً مناسباً، في لحظة مناسبة، سدد بين عينيه وأطلق الرصاصتين تباعاً، الكلب يعدو ويقفز يسابق السيارة، ويحاول مستميتاً حتى اللحظة الأخيرة النيل منه. كانت معالم وجهه قد تلاشت تماماً، بعد لحظات سقط بلا حراك..
المطلوب رأس القاتل.!
عثروا على صفوان بعد عدة أيام جثة هامدة، مقطوعاً بفعل ضربة فأس حاد..
عندما فرغوا من مراسم دفنه صرخت زوجته بحرقة:
- حسرتي على زمن تتساوى فيه رؤوس الكلاب مع رؤوس الرجال..
مزعل يصنع \"باروداً\" جديداً في حفرته المربّعة، بينما الرجل السمين، يجلس في مكان آخر، يتحسس كرشه المتهدّل، ويهمس لمن حوله بسعادة وانتصار:
- لقد دفعوا الديّة.!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 8:14 pm

وطن وامرأة..!
 
وهل يقودني قلقي الكامن خوفاً متراكماً إلى صورة وطن يغيب.؟
أم إلى طيف امرأة في وجهها تفاصيل الوطن.؟ ويشدّني إلى تصوّرات تبدو ذات أمل ملتصقة بحقيقة.. ثم يصعقني اكتشافي بأنها سراب.؟
تُرى عن أيّهما أبحث.؟
وطن في امرأة.. أم امرأة في وطن..؟
وهل نبضت ينابيع شوقي بخفق جديد إلى امرأة غائبة.؟ ومضت تبحث عنها عبر تلافيف وطن سكن في ذاكرة.؟
أم هي رحلة لم تتوقف مذ بدأتُ أبحث عن وطن.. أخاله سيطفو ذات فجأة بين عيني امرأة.؟
تكتسحني رعشات السؤال فترجف أطرافي.؟
ألف امرأة من رياح الوطن حولي.. خصيبات.. ثراؤهن جمال ودلال.. ودعوات توشك على الصراخ.. كيف لم تشدّني واحدة منهنّ..؟
وآثرت بل ارتميت كعاشق غبيّ بين أحضان حب مستحيل جاءتني رياحه أخيراً على جناح نورس حملها وصرّها أمام لهفتي من أرض الوطن.. الذاكرة..!
وكم حاولوا وأرادوا أن يصوّروه لي ولأبنائه بأنه عين المستحيل.؟
ما أعذب الغوص في بحور المستحيل.!
ها أنا ذا أغوص فيها حتى قيعانها.. ترفرف الأجساد الشهيّة فوق لهاث شوقي.. تقترب أكثر.. تكاد تلمس أصابعي.. فأعزف عنها..!
ولا أكفّ عن عشقي لـ مستحيل..!
أرتمي مثل طفل غرير في أحضان عذابات أعرف أنها لن تتوقّف.. تروح وتجيء تحمل لي على جناح النورس ذاته ريح الوطن.. تقرّبه من حلمي.. وتبعد عن شوقي لهفة اللقاء.!
وأعرف أنه مستحيل.. فأستمرئ عذابي.؟
أيهما.. امرأة في وطن.؟
أم وطن في وجه امرأة.؟
أمام أيهما أنا قعيد..؟
امرأة تذرف جسدها وروحها تحت طيّات لهاثي.؟
أم أمام عذابات اللقاء المستحيل بامرأة من فضاء بلادي..؟
أم تراني فتى لا أملّ حلم نشوة مستحيلة.. مع امرأة مستحيلة.؟
يااااه..
وأيّ قدر هذا..؟
جاءني على موجةٍ من بحريّ الأبيض الغائب.. ثم ألقى أحماله فوق طيف حلمي.!
أكاد ألمس أصغر تفاصيله.. وكنت أحسبه يقيناً ذروة حب بين روحين تسكنان في حطام آدميين..؟
سحابة هو السؤال..!
 سحابة عاقر أقامت حدوداً شائكة بين روحين.. شَطَرتْهُما إلى نصفين لو جمعتهما ثانية ما تطابقا.!
فمن أين جاء الوهم..؟
جلدني السؤال فتحسّست جسدي.!
عجباً..! هل هو جسدي يهرب من أصابعي..؟
أم أنني الوهم..؟
دعني من السؤال.! واعبر معي إلى مصير الشطرين..!
سألقي بشطرٍ في متاهات مجرّات أعرف أن ليس لها قرار..!
وأتشبث بالأخر وأعرفه هو.. هو المستحيل..
أعشّقه روحي.. وأربّيه.. أحسّه يكبر.. يكبر..!
فهل تراه يكبر حقّاً..؟
امرأة أم وطن.؟
يااااااه..
وامرأة حلمي مستحيلة.. لكنّها ظلّ أمل..!
التقيتها ذات حقيقة.. أو ربما ذات حلم.؟ لم أعد أذكر..!
والوطن.. وطني.. حريص على حلمي.. يأتيني في وجه امرأة نبتت من أرضه..!
أكاد أسمع هديل موجات بحري الأبيض ينبض في وجهها..
كأنني لا أصحو من الحلم..!
فهل أجد فيهما ذات الأمل في اللقاء.؟
أم أواصل رحلة المستحيل معهما.؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 8:36 pm


[rtl]الشخصية الفلسطينية والسلاح[/rtl]

لدى غسان كنفاني
 بقلم الكاتبة: د. ماجدة حمود


[rtl]يعترف غسان كنفاني في إحدى رسائله لغادة السمان قائلا "كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه عن غياب السلاح، وأنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون من أجل شيء أحترمه."(1)[/rtl]

[rtl]لم يجد كنفاني مع تفتح وعيه السلاح الذي يحرر به فلسطين، فبحث عن سلاح يمهد السبيل إليها، ولم يجد أمامه سوى الكلمة يلجأ إليها، لكنه رغم ما قدّمه من إنجازات إبداعية لم يكن راضيا عن ذلك الطريق الذي اختاره تعويضا عن السلاح، لذلك وصف كلماته بتلك الصفات السلبية (الصفيقة، التافهة، المنحدرة)  [/rtl]

[rtl]وقد عايش كنفاني حلم الثورة الفلسطينية منذ تفتّح فكرتها إلى أن صارت وليدا، عبر الكلمة الأدبية والسياسية، ثم التحم بشكل عملي بأحد أهم رموزها (السلاح) إذ كان هدّافا![/rtl]

[rtl]حين نتأمل في إبداع كنفاني نلمس أهمية السلاح لديه، فقد رآه الدم الذي يمدّ الثورة بالحياة! ويعيد الأمل في عودة الوطن، لذلك لن نستغرب أن  يجعل عنوان بعض قصصه مرتبطا بالسلاح "المدفع" "السلاح المحرم" بل يجعله عنوانا لمجموعته القصصية "عن الرجال والبنادق" حيث تقترن الرجولة بالبندقية، ويخص الكاتب في هذه المجموعة الفلاح الفلسطيني ليبرز علاقته الحميمة بالسلاح![/rtl]

[rtl]وقد نجد عنوانا رمزيا ذا دلالة جمالية مدهشة كعنوان إحدى قصصه "العروس" التي هي البندقية، فجعلها معادلا رمزيا لفرح الإنسان واستقراره في الحياة، بل جعلها سفينة إنقاذ حين يشتدّ طوفان الحرب "تستطيع أن تحمل الإنسان عبر ذلك الموج إلى شاطئ النجاة، أو شاطئ موت شريف". فهي التي تنقذ كرامة الإنسان حيا وميتا! لذلك لن نستغرب أن يفقد الفلسطيني عقله حين تسرق منه![/rtl]

[rtl]إن المتأمل يلاحظ أن كنفاني أرّخ للإرادة الفلسطينية في لحظة انهيارها ونهوضها! حين أرّخ لعلاقتها بالسلاح! فقد ابتعد الفلسطيني عنه، إثر النكبة، حيث كان يعيش زمن اشتباك مع الجوع، الذي صار العدو الأول له في المخيم، إذ غاب السلاح ليحلّ محلّه الرغيف، فالجائع لا يملك القوة الجسدية لحمله كما لا يملك الإمكانية المادية لشرائه! وقد بيّن لنا الكاتب عبر إبداعه كيف عاش الفلسطيني الذل والهوان حين ابتعد عن سلاحه! لذلك حين عاد لحمله أزهر حلم العودة ثانية في المخيم، وعاد إليه شعور الكرامة![/rtl]

[rtl]وقد رصد لنا كنفاني علاقة الفلسطيني بالسلاح سفي فترة ما قبل النكبة، أي في تلك الفترة التي واجه الفلسطيني عدوه الصهيوني والإنكليزي، كما رصد علاقة الفلسطيني بالسلاح إثر النكبة فلم نجد ذكرا له في رواياته، إلا بعد مرور حوالي ستة عشر عاما من حدوثها في رواية "ما تبقى لكم" عام (1964) في حين لم نجد ذكرا له في روايته الأولى "رجال في الشمس" لذلك سنتناول هاتين الفترتين بالدراسة.[/rtl]
 

[rtl]الفلسطيني والسلاح قبل النكبة: [/rtl]

[rtl]لقد أرّخ لنا إبداع كنفاني لمكانة السلاح لدى الفلسطيني، وسلط الأضواء على فترة قبل النكبة، فأبرز معاناة الفلاح الفقير في الحصول عليه، خاصة في مجموعته القصصية التي ظهرت إثر حزيران (1969) فربط بين الفلسطيني والسلاح ربطا مدهشا في جمالياته، ظهر ذلك منذ الرسالة الأولى التي أرسلها الكاتب للمتلقي (العنوان) "عن الرجال والبنادق" فيربط بين حمل السلاح والرجولة، فيصبح السلاح رديفا للقيم والمثل العليا بكل ما تعنيه من قيم العزة والكرامة والحرية، فهو يريد أن يحفّز اللاجئ الفلسطيني على حمل السلاح متخذا من أبطاله قدوة له، كما يدافع عن الإنسان الفلسطيني المفترى عليه بأنه باع أرضه الفلسطينية ولم يدافع عنها![/rtl]

[rtl]ففي قصة "المدفع" يحس البطل الفلاح (سعيد الحمضوني) بأن الأرض ستضيع دون سلاح، مما يعني ضياع الفرح والأمان، لذلك حاول الحصول عليه، وشعر أن البندقية لن تقوى على مواجهة العدو الصهيوني لذلك يقرر شراء مدفع، وهو الفلاح الفقير، فيبيع كل ما يملك ويجمع من أهل قريته (السلمة) وحين لا يكفي المال المجموع ثمنا له، نجده يبيع دمه في إحدى المستشفيات ليكمل ثمنه! وحين يستشهد قبل إيفاء ثمنه نجده يورّث أولاده ذلك الدين! فيوصيهم بأن يبيعوا دمهم ليوفوا ثمن المدفع![/rtl]

[rtl]إننا أمام علاقة استثنائية بين الإنسان والسلاح والأرض، لذلك ربطها الكاتب برابطة الدم، إذ جعل دم البطل ثمنا له، لذلك حين يصيبه مكروه يحس سعيد أن قوى جبارة تنتزع عزيزا من داخله، شيئا يمتزج بقلبه، فيستمد الحياة من وجوده "كان يشعر بكل هذا وهو منطلق عبر الحقول الباهتة النائمة في آخر الليل، ووصل إلى حيث كان (المدفع) يتكئ كالطفل على الأغصان …وهزّ سعيد الحمضوني رأسه وكأنه يواسي نفسه بمصاب ابنه."(2) وبذلك لم يكن المدفع آلة جامدة، بل جسّده الكاتب لنا في هيئة إنسان عزيز (الابن) فتعمّد أن يشبه المدفع المعطّل بالطفل المريض، ليبرز قلق والده (الفلسطيني) على مصيره![/rtl]

[rtl]تدهشنا هذه الرابطة الدموية بين الفلسطيني والسلاح، حتى إنه أثناء المعركة يحاول أن ينقذه، بعد أن يتعطل، بعضو من أعضائه: اليد! وذلك "حين احتاج المدفع إلى شيء قوي لا يملكه، يمسك الفوهة الهاربة إلى بطن المدفع" يقول لرفيقه في المعركة "اسمع سأشدّ الماسورة إلى بطن المدفع …وحاول أن تطلق…لا يوجد أية دقيقة لتضيع في الكلام…دعنا نجرب."(3)[/rtl]

[rtl]إذاً كما يفدي الأب ابنه بروحه حين يتعرض لخطر، كذلك نجد الفلسطيني يفدي المدفع! فتصبح يده آلة من آلاته، ويغذي دمه حركته، عندئذ تتحول روحه إلى قذائف في وجه الأعداء! وبذلك يتوّج كنفاني هذه العلاقة الاستثنائية بفداء الفلسطيني المدفع بدمه![/rtl]

[rtl]إن هذه الرابطة الدموية بالسلاح تمنح الفلسطيني "شعورا هائلا بالطمأنينة، شعورا يوحي بالمتعة…" لذلك بدا هذا السلاح لنا مرادفا لمشاعر الأمن والطمأنينة، لدى الكبار (من أمثال سعيد الحمضوني) ولدى الصغار (من أمثال المراهق منصور) الذي أحس بالرعب في طريقه الوعر إلى صفد "انتابه رعب مفاجئ إلا أن البندقية كانت هناك مستريحة وراء فخذيه، مثل شيء أسطوري يبعث في صدر الإنسان اطمئنانا مجهولا." يبدد كل رعب يمكن أن يحس به وهو يسير وحيدا في العراء والجبال![/rtl]


[rtl]تعمّد الكاتب ألا يجعل هذه العلاقة بين الفلسطيني والسلاح علاقة فردية، بل أضفى عليها طابعا جماعيا، لذلك امتدت العلاقة بين سعيد الحمضوني لتشمل أبناء القرية جميعا!، فنسمعه يقول: تكاد لا تراه إلا وهو يدرب شباب القرية على استعماله…" لهذا أصبح المدفع الذي اشتراه (سعيد الحمضوني) قوة هائلة تكمن في نفوس أبناء قريته.    [/rtl]

[rtl]رغم حرص كنفاني على الكتابة باللغة الفصيحة وجدناه يدعو البندقية أحيانا بالعامية الفلسطينية، أي بلغة البسطاء الفلاحين (المرتينة)[/rtl]

[rtl]كيفية الحصول على السلاح:[/rtl]

[rtl]وقد بيّن لنا أن أمر الحصول على السلاح لدى الفلسطيني الفقير لم يكن سهلا، فعايشنا معاناته في البحث عمن يعيره سلاحا، كما فعل منصور في مجموعة "عن الرجال والبنادق" وكان هذا البحث يشعره بالعار، إذ يتخيل نفسه يستجدي بندقية من خاله كالشحاذ! لذلك قرر الحصول على بندقية خاصة به، مهما كان الثمن "رأسمال المرتينة لحظة شجاعة واحدة، ربما جرح من الحربة المثبتة فوقها أيضا، ولكن من قال أن السماء تمطر بنادق كما أمطرت منا وسلوى…إنها الثورة وأنت لا تستطيع أن تعرف معنى ذلك إلا إذا كنت تعلق على كتفك بندقية…"(4)[/rtl]

[rtl]يلاحظ المتأمل في هذين السطرين فقط ورود لفظة البندقية أو أحد أجزائها أربع مرات (مرتينة، حربة، بنادق، بندقية) مما يدل على إلحاح هم السلاح على ذهن الكاتب والشخصية معا، إذ لا يمكن أن نعرف المعنى الحقيقي للثورة دون أن يقترن بها السلاح، فتهجس به الشخصية حتى تجد وسيلة للحصول عليه.[/rtl]

[rtl]نجد شخصية أخرى (في قصة "العروس") تغامر بحياتها من أجل الحصول على بندقية، فيتقدم خطوط العدو الأمامية، ويحصل عليها من قتلى العدو، أما من يملك قطعة أرض كأبي القاسم (والد منصور) فإنه يرهنها، أي يرهن أشجار زيتونه التي هي مورد عيشه الوحيد، كي يدفع جنيها أجرة لها عن كل يوم، فهو بذلك يرهن من أجلها قوته وقوت عياله (أشجار الزيتون) فيلقي بنفسه طواعية بين مخالب المرابي المستغل الحاج عباس!(5)[/rtl]

[rtl]وقد يبيع أرضه من أجل شراء السلاح، كما فعل أبو عثمان في قصة "ورقة من الطيرة" وقد أخذ يوزعه على أقاربه، ليقوموا بواجبهم في المعركة، لذلك انقلبت دكانه إلى مخزن للمتفجرات والأسلحة، وحين يكتشف الصهاينة أمره يفجّر نفسه بالأعداء كاستشهاديي اليوم.[/rtl]

[rtl]أما في قصة "العروس" فيبلغ حب السلاح والتعلق به أقصاه، حين يبيع الإنسان ابتنه الوحيدة، من أجله، فيقبل بتزويجها من عجوز نتن، رفض طوال عمره أن يزوجه، إياها، ليدفع مهر البندقية، وتستحق اسم (العروس)[/rtl]

[rtl]وقد بدت لنا شخصية الفلاح (شكيب) في مجموعة "عن الرجال والبنادق" تتميز بميزة نادرة: هي أنه كان باستطاعته الحصول على السلاح في كل وقت من عدوه الإنكليزي، حتى في أكثر أيام الإنكليز تعسفا في ملاحقة الأسلحة، كان بوسع شكيب أن يظل محتفظا "بمسدس أو بندقية أو رشاش." في حين وجدنا (سعيد الحمضوني) قبل قليل يبيع دمه ليدفع ثمن المدفع! ويوّرث أبناءه ديون المدفع، كما يوّرثهم طريقته في إيفائها![/rtl]

[rtl]وعندما تسدّ كل أبواب السلاح في وجه الفلسطينيين، نجدهم يلوذون بالفؤوس والرفوش وغير ذلك من الأدوات التي يستعملها الفلاحون في الزراعة (كما رأينا في قصة "البومة" و"القميص المسروق" و"ورقة من الطيرة") فالعمال العرب مثلا يصطدمون بالعمال اليهود، بعد قتلهم للحارس العربي، كان سلاحهم الرفش والفأس، وكان معظمهم جديد على هذا النوع من القتال!    [/rtl]

[rtl]الفلسطيني والسلاح إثر النكبة:[/rtl]

[rtl]عاش الفلسطيني معاناة التشرد في المخيم، يقهره الجوع، لذلك قدّم شخصياته الثلاثة في "رجال في الشمس" بعيدا عن السلاح، لأن أحلامهم كانت بعيدة عن فلسطين، فكانت قمامة الصحراء قبرا لهم![/rtl]

[rtl]وفي الفترة نفسها التي كتب فيها روايته السابقة كتب قصته القصيرة "السلاح المحرم" عام (1961) يبدو لنا كنفاني قبل بزوغ الثورة مهموما بكيفية تأمين السلاح للثوار، لذلك جعل (أبو علي) بحاجة للسلاح لرد الضباع عن بيته وقريته (التي لا نعرف لها اسما لكنها تصلح أن تكون معادلا فنيا لفلسطين) وحين يرى في ساحة القرية جنديا غريبا (ذا عينين زرقاوين:يرمز للآخر المعتدي) ينتزع منه بندقيته، فيأتي اثنان من أهل قريته لانتزاعها منه! عندئذ يمسك الفلسطيني البندقية، وتصبح امتدادا ليده، ويقرر عدم تركها حتى لو اجتمعت كل قوى الأرض لتخليصه إياها، وهو يفضل التخلي عن حياته على تركها "كان واثقا من أن يده القابضة على البندقية لن تفلتها شياطين الأرض مجتمعة إلا إذا أفلتت يده من أعلى الكتف…" فقد أحس السلاح وكأنه امتداد لجسده، وعضو من أعضائه![/rtl]

[rtl]يلمح كنفاني إلى أن السلاح بات لدى  الفلسطيني يشكل ضرورة لا غنى عنها (لرد الأعداء: الضباع) لكن المشكلة في بعض أبناء القرية (المعادل الفني لزعماء بعض البلاد العربية) الذين يحاولون انتزاعه منه، كأن السلاح محرّم عليه، وهذا ما يذكرنا بقصة "العروس" حين ينتزع البندقية أحد الضباط العرب في جيش الإنقاذ من الفلسطيني (الذي غامر بحياته، وتقدم الصفوف الأمامية للعدو من أجل الحصول عليها) بدعوى إخبار القيادة عن ورود أسلحة جديدة للعدو، لذلك بدا الفلسطيني أشبه بمجنون وهو يبحث عنها في قرى فلسطين راكضا وراء الضابط الذي ترك القرية ومعه البندقية! التي يبيعها لفلسطيني آخر![/rtl]

[rtl]أما صاحب البندقية الأصلي فقد بدا لنا إنسانا متميزا (طويل جدا، صلب جدا، محاط بما يشبه الغبار المضيء) يرتدي ملابس القتال (الخاكية) فقريته (شعب) تقاتل الصهاينة وهو أحوج ما يكون للبندقية للدفاع عنها، سينهي كنفاني هذه القصة التي كتبت (1965) بخاتمة موحية، إذ يقول الراوي لصديقه "ابحث معي عنه، حيث أنت، فلدي أخبار جديدة عن العروس…" فقد حدثت الثورة، ووجد الفلسطينيون مع بدايتها السلاح الذي يقاتلون به الأعداء.[/rtl]

[rtl]في رواية "ما تبقى لكم" يمرّ (حامد) في الصحراء، فيحس خواءها وبؤسها إذ "ليس بوسع المرء أن يحصل على حجر أو على عصا."(6)[/rtl]

[rtl]ومع ذلك يستطيع (حامد) الحصول على سلاحه بأن ينتزعه من عدوه أثناء تلاحم مباشر معه، فيرمي بمسدسه بعيدا، ويمسك بسكينه استعدادا لقتله، وفي الوقت نفسه تمسك (مريم) بسكين المطبخ لتقتل زكريا النتن (المتعاون مع العدو) ترى لِمَ ركّز كنفاني على استخدام هذا السلاح البسيط، مع أن المسدس كان في متناول حامد؟[/rtl]

[rtl]لعل الكاتب يريد أن يلمح أن الفلسطيني حين يقف على أرضه الفلسطينية، يستطيع أن يواجه عدوه بشجاعة وينتصر عليه، رغم بساطة السلاح، وإن كان استخدامه يحتاج إلى شجاعة أكبر، كما يحتاج إلى التحام مباشر مع العدو! فيحقق إحساسا قويا بفعل القتل والقضاء على العدو! كما أن استخدام السلاح البسيط في مواجهة العدو له دلالة إيجابية، إذ باستطاعة كل إنسان  الحصول عليه، وبالتالي ممارسة الفعل النضالي ضد الصهاينة وضد الأعداء الداخليين الذين يخونون الفدائيين (زكريا)[/rtl]

[rtl]في قصة "صديق سليمان يتعلم أشياء كثيرة في ليلة واحدة" يقدم لنا الكاتب، إثر نكسة حزيران، مشهدين مختلفين لعلاقة الفلسطيني بالسلاح، الأول سلاح العدو (البندقية) المصوبة إلى ظهر الفلسطيني، رغم ذلك فقد اكتشف "أنه يضحي أكثر أمانا كلما اقترب من البندقية، وأكثر عرضة للموت كلما ابتعد عنها." ومثل هذه الجملة ذات دلالة مزدوجة، فبندقية العدو الملتصقة بظهر الفلسطيني أكثر أمنا من محاولته الهرب منها! كما أن إحساس الفلسطيني بالأمن حين يمسك ببندقيته أكبر من تركه لها![/rtl]

[rtl]وفي مشهد آخر نجد الفلسطيني نفسه فدائيا يتدرب على التعامل مع القنبلة، مازال يعيش مرحلة التردد والخوف، لذلك حين يقذفها دون أن تنفجر لا يجرؤ على التقاطها أو التخلص منها، فينقذه صديقه (سليمان) بأن يصوب عليها بندقيته! [/rtl]

[rtl]أما في قصة "حامد يكفّ عن سماع قصص الأعمام" فنجد الفدائي يقذف دبابة العدو بقذيفة، فيقضي دوي الانفجار على سمعه، يقول له صديقه الذي سئم نصائح الكبار والكلمات "لا عليك سيمرّ يومان أو أسبوع وسيعود إليك سمعك، ولكنك لن تنسى أبدا ذلك الصوت، إنه الصوت الوحيد الذي يطمر ما عداه ويدفنه."[/rtl]

[rtl]يصبح صوت السلاح هو الصوت الوحيد الذي يستحق السماع، أما الأصوات الباقية (صوت العم الذي ينصح بالابتعاد عن المشاكل، صوت أحذية العدو التي تثير الرعب لدى العم…)  فلا أهمية لها![/rtl]

[rtl]وفي رواية "أم سعد" تتحول ساحات المخيم إلى مراكز تدريبية على السلاح، فنجد الفتى الصغير (سعيد: ابن أم سعد) وغيره يتدربون على السلاح والقفز فوق النار، لهذا نسمع أحد العجائز يقول: لو فعلنا ذلك من الأول لما ضاعت فلسطين![/rtl]

[rtl]كما تتغير اهتمامات الأب السكير (أبو سعد) فصار يتحدث عن (الكلاشنكوف) ويفضل أن يطلق عليه الاسم الذي يطلقه ابنه الفدائي عليه (كلاشن) أي نجده يفضل استعمال لغة المقاتلين! والأسماء التي يطلقونها على السلاح![/rtl]

[rtl]جماليات السلاح لدى كنفاني:[/rtl]

[rtl]بعد هزيمة حزيران بدا إبداع كنفاني أكثر التصاقا بهم الثورة الفلسطينية، وبأهم تجلياتها: الإنسان والسلاح، وحين نتأمل رواية "أم سعد" نلاحظ حضور أوجاع المخيم إلى جانب السلاح في معظم فصولها، إذ بات يستخدم لغة جديدة تبدع وتجسد امتزاج الإنسان بالسلاح بصورة فريدة![/rtl]
 

[rtl]يصف لنا نظرة (أم سعد) المرأة البسيطة التي بدأت تعيش وعي الثورة "ونظرت إلي مباشرة: ذلك الرمح الذي تسدده في لحظات النبوءة بسرعة الرصاصة وتصويب الحقيقة."[/rtl]

[rtl]عرفت أم سعد الطريق الصحيح لفلسطين، لذلك استحقت هذا الوصف الموحي لنظرتها، الذي يجمع بين النبوءة والحقيقة والسلاح، إنها نظرة المرأة التي بدأت تدرك حقائق الثورة التي  تجتمع فيها التضحية والسلاح! لذلك قدّم لنا لوحة تشكيلية لنظرتها مستمدة من الرمح الذي ينطلق ليحقق نبوءة جديدة، والرصاصة التي تنطلق بسرعة في طريقها دون أن تهتم بالمعوقات، ودقة تصويب البندقية نحو الهدف (الحقيقة) تتحول هذه الأسلحة إلى معادل جمالي لنظرة الإنسان الصائبة! التي رأت في الثورة طريقا لتحرير الأرض والإنسان![/rtl]

[rtl]تتحلّى مثل هذه المرأة بعقد مبتكر يتناسب والزمن الجديد الذي بدأت تلوح أفقه، إن ذلك العقد هو رصاصة نسيها ابنها الفدائي، ونجدها تدعوه بـ(الحجاب) بعد أن تحلّت عن ذلك الحجاب الذي كتبه لها الشيخ، ولم ينفعها في شيء! وبذلك تتحول إحدى أدوات الثورة (الرصاصة) إلى قوة روحية وجمالية، لن يستغني عنها الفلسطيني سواء أكان امرأة أم رجلا فيحياته الجديدة![/rtl]

[rtl]إن المعاناة التي عاشتها المرأة في المخيم أسهمت في تطور وعيها، فباتت تؤمن بأهمية السلاح في إنقاذ الإنسان والوطن معا! وقد سبقها إلى ذلك الجيل الجديد الذي حمل السلاح وبدأ يواجه الصهاينة، لهذا وجدنا (أم سعد) تتبنى وجهة نظر ابنها (سعد) في ضرورة الثورة، وصارت ترى الإنسان الفلسطيني، الذي لا يحمل سلاحا، ويرضى بحياة الذل! يعيش في سجن سواء أكان ذلك في المخيم أم في البيت! ولن يستطيع أن يعرف معنى الكرامة والحرية إلا إذا غيّر حياة الذل التي استمرت مدة عشرين عاما (كتبت رواية "أم سعد" (1969) أي بعد عشرين سنة من النكبة) لهذا تقول (أم سعد) "أعمارنا حبس، العشرون سنة الماضية حبس، والمختار حبس…"[/rtl]

[rtl]إن الحياة الذليلة التي يعيشها الفلسطيني في المخيم سجن لن يخرج منه إلا من التمس طريقا إلى السلاح ليعود إلى فلسطين! وبذلك يتحول السلاح عند كنفاني إلى معادل جمالي للحياة الحرة!  [/rtl]


[rtl]وبما أن "أم سعد" امرأة فلاحة لذلك تصف لنا أهمية البندقية (البارودة ) بلغة الفلاحين وأمثالهم الشعبية "البارودة مثل الحصبة، تعدي، وعندنا بالفلح كانوا يقولون إن الحصبة إذا أصابت الولد فهذا يعني أنه بدأ يعيش، وأنه صار مضمونا…"(7) [/rtl]

[rtl]المرأة البسيطة لا تجد طريقة للتعبير عن انتشار السلاح في المخيم سوى تجاربها اليومية، لذلك كانت البندقية لديها تصيب بالعدوى شباب المخيم كمرض الحصبة، وكي ينفي الكاتب التداعيات السلبية للحصبة يبرز أهمية هذا المرض معتمدا على الحكمة الشعبية، إذ يمنح الإنسان القدرة على مواصلة الحياة ويكسبه مناعة، تضمن له الاستمرار في العيش دون أمراض! عندئذ يطمئن قلب الأم على أولادها الذين يحملون السلاح، لأنهم بدؤوا يعيشون الحياة الحقيقية محصّنين من الضعف كما حصّنتهم الحصبة من المرض![/rtl]

[rtl]يرتبط حضور السلاح لدى كنفاني بالإنسان البسيط وخاصة الفلاح، لذلك وجدنا مفرداته وأعماله في الحقل تشكل جزءا من جماليات العلاقة بين الإنسان والسلاح! فحين يعيد منصور البندقية إلى خاله الفلاح (أبي الحسن) نجده يحملها بشيء من الحنين يشوبه القلق على سلامتها، يتفقدها كأنها إنسان عزيز عليه، وهو لا يكتفي بذلك بل يعاملها "كما تعامل أشجار حقله الصغير يقصقص عروقها ويسلخ فروعها عنها ليطعّم فيها فروعا أخرى، ويرقعها ويشذبها ويملأ نواقصها حتى تعود كتلة واحدة من جديد."(Cool [/rtl]

[rtl]يرى كنفاني أن أكثر الناس نضالا ضد الصهاينة والإنكليز، قبل النكبة، هو الفلاح الفلسطيني لذلك أصبحت البندقية جزءا من كيانه، ومصدرا لحياته، نجده يعتني بها، كما يعتني بأشجاره، يدهشنا في هذا التصوير تلك النظرة الفريدة للبندقية التي تنطلق من عالم الفلاح الذي يتعامل معها كما يتعامل مع مصدر عيشه (أشجار الزيتون) وهذا ليس مستغربا على الفلاح الذي صار يجد فيها مصدرا لكرامته![/rtl]

كما تلفت نظرنا تلك الصور البسيطة التي تبدعها مخيلة كنفاني التي تستمد عناصرها من مفردات حياة الفلاحين، بل حياة الإنسان اليومية، فرائحة الرشاش حين يسقى بماء المطر تذكر الفدائي (سعد) برائحة الخبز وقد خرج لتوه من الفرن، تبتكر لنا مخيلة المبدع صورة مؤثرة للسلاح، إذ يتحول، لدى الفلاح (الفدائي) الذي يحمله، إلى معادل لرغيف الخبز لا يمكن الاستغناء عنه! ومما شكّل جماليات هذه الصورة أيضا أنها اعتمدت على حاسة البصر (الرغيف الشهي) وحاسة الشمّ (وقد خرج لتوه من الفرن) وهي تلبي حاجة أساسية لدى الإنسان (الجوع) وبذلك يلبي السلاح لدى الفلسطيني حاجة أساسية تعادل الحاجة للطعام هي الحاجة إلى الكرامة! فيمتزج لديه  ما هو حياتي بما هو جمالي، ليصنع إبداعا متميزا!
[rtl]لعل أنسنة السلاح من أبرز الجماليات التي جسّد عبرها كنفاني العلاقة بين الفلسطيني وسلاحه، إذ لم تعد البندقية أداة جامدة بيد الفلاح، بل إنسانا صديقا يحاوره، يقول منصور لها: "أنت مرتينة طيبة، وتصويبك لا يخطئ…المهم في الأمر أنك أمينة، فأنت لا تخرجين رصاصك إلا من مكان واحد."(9)[/rtl]

[rtl]يحيط منصور البندقية بجملة أوصاف تلتصق بالإنسان عادة (الطيبة، الدقة في التصويب، الأمانة…) فهي ليست آلة للقتل وإنما إنسان صديق يؤنس الفلسطيني في وحشته أثناء سيره في الطريق الوعر إلى قلعة جدين، كما يمد يد العون في ساعة الخطر، فيصيب العدو وينقذ صديقه (الأستاذ معروف) وهي أمينة لا تخون صاحبها![/rtl]

[rtl]لعل أنسنة السلاح تبلغ أقصى جمالية ممكنة في هذه الصورة، حين يتحول عضو من أعضاء الإنسان إلى أداة من أدوات المدفع، كما حصل لسعيد الحمضوني حين وضع يده في ماسورة المدفع ليصلحه فيصبح قادرا على العمل بعد أن تعطل أثناء قتال الصهاينة! لذلك لن نستغرب أن يربط "الناس صورة المدفع بوجه سعيد الحمضوني المربع، ولم تعد تجد من يفصل هذا عن ذاك في حديث الدفاع عن (قرية سلمة) بأن أصبح الآن ضرورة مكملة…بل أساسية للمدفع، وعندما يتحدث الناس عن سعيد كانوا يشعرون أنه أداة من أدوات المدفع المعقدة."(10)  [/rtl]

[rtl]تبدو عناصر الصورة شكلية تجسد تلاحما خارجيا بين الإنسان والمدفع! ما إن ينظر الناس في وجه سعيد المربع حتى يذكرهم بالمدفع! كما نجد تلاحما عضويا آخر بينه وبين المدفع أقرب إلى التلاحم الداخلي، فقد أصبح الإنسان جزءا أساسيا من أجزاء المدفع، وبذلك يتوحد الإنسان بالسلاح توحدا فريدا من نوعه!   [/rtl]

[rtl]نستطيع القول بأن كنفاني جسّد لنا الروح الفلسطينية في لحظة همودها، إثر النكبة، وهي تبحث عن ذاتها وعن السلاح! وفي لحظة تألقها وهي تثبت ذاتها ممسكة به! لذلك ختم القسم الأول من مجموعة "عن الرجال والبنادق" (التي كتبها مع بزوغ الثورة الفلسطينية (1965) بهذه الخاتمة الموحية التي تجسّد لحظة استشهاد والد منصور "في ذلك الخلاء المبتل كان منصور يقف عاجزا وهو يرى إلى أبيه يموت رويدا رويدا دون حركة واحدة، إلا ذلك النبض العميق الذي كان يرجفه، فتبدو عروقه كأسلاك مشدودة تخرج من كفه وتتوزع في بدن البندقية أيضا، وأخيرا انتفضوا جميعا معا: الشجرة والرجل والمرتينة، ومن وراء غبش المطر الغاضب، ودموعه، خيل لمنصور أنهم، ليسوا سوى جثة هامدة."(11)[/rtl]

[rtl]يقدّم لنا كنفاني عبر هذا المشهد عدة دلالات موحية، فالدم الذي ينـزفه الشهيد يغذي جسد البندقية، ليمدّها بالحياة، وتتوحد مع الشهيد، فتنتفض في صحوة الموت معه، بعد أن امتزجت بدمه! ويدخل الكاتب إلى عنصري الصورة (الشهيد والسلاح) عنصرا هاما يتوحد بهما هو الأرض الفلسطينية، التي اختزلها الكاتب بأحد رموزها الأساسية (الشجرة) لذلك نجد الصحوة تجمع الفلسطيني والسلاح والأرض كما تجمعهم لحظة الموت! فلا حياة للفلسطيني بعيدا عن الأرض والسلاح! كما أنه لا حياة لهما بعيدا عن الشهيد! [/rtl]

[rtl]الحواشي:[/rtl]

[rtl]1.غسان كنفاني "رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان" دار الطليعة، بيروت، ط2، 1993، ص40[/rtl]
[rtl]2.غسان كنفاني (الآثار الكاملة: القصص القصيرة) المجلد (2) لجنة تخليد غسان كنفاني، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1973، ص808[/rtl]
[rtl]3.المصدر السابق، ص809[/rtl]
[rtl]4.المصدر السابق نفسه، ص705[/rtl]
[rtl]5.نفسه، ص663[/rtl]
[rtl]6.غسان كنفاني (الآثار الكاملة: الروايات) المجلد (1) دار الطليعة، بيروت، ط1، 1972، ص204[/rtl]
[rtl]7.المصدر السابق، ص335[/rtl]
[rtl]8.غسان كنفاني (الآثار الكاملة: القصص القصيرة) ص636[/rtl]
[rtl]9.المصدر السابق نفسه، الصفحة نفسها[/rtl]
[rtl]10.نفسه، ص807[/rtl]
[rtl]11.نفسه، ص710[/rtl]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 8:43 pm

دلالات المكان في الرواية الفلسطينية
 
 بقلم الكاتب: زرياف المقداد
 
المكان رائحة التكوين الأولى في رحم الحياة‏
المكان ذاكرة الجمرة الأولى للجسد‏
المكان رائحة الأرض والبرد في ليالي الشتاء‏
دبيب الأرجل الصغيرة على الحصى‏
خطوات الريح فوق تراب البيادر‏
وصوت أمي إذ يغشاني البرد والحزن والأسى‏
المكان هو دلالة الوجود الإنساني.‏
ولأنهم يعون معنى ارتباط الإنسان بالمكان، فإنهم منذ الأزل يساومون الشعوب على أوطانهم...‏
هكذا هم أكلة الحجارة والناس...‏
يرتبط الإنسان بالمكان ارتباطاً وثيقاً... شعورياً ولا شعورياً، ويترجم هذا الارتباط بوسائل عدّة... فيبني على غرار من سبقوه في أرضه، ويزرع كزرع من مروا قبله فوق وجه الأرض، يودع رحم الأرض ذكرياته... ويرسم على جدران بيته آهاته، تلحق به شوارع المدن والقرى أنى ارتحل.‏
ورائحة الحضارة الإنسانية لشعبه تعلق بثيابه وتعشش في أفكاره ووجدانه.‏
فهو ابن مكان ما من هذه الأرض.‏
 
لذلك فإن أكلة الشعوب الذين يعون معنى ارتباط الإنسان بالمكان مارسوا كل الوسائل التي يعيها ولا يعيها العقل البشري لترحيل الإنسان عن وطنه، وفي حالات أخرى يعمدون على إبقاء الشعوب في أوطانهم ومع محاصرتهم في أفقر المناطق من أجل استغلال الموارد الطبيعية، ولكن الأخطر من ذلك هو سياسة تغيير المعالم الخاصة للأمكنة حسب ما ترتئيه أطماعهم.‏
ومن هنا كنا نلاحظ أنهم عندما غزوا الشعوب الآسيوية والأفريقية والهندية سلبوهم أعواد القصب، والأكواخ والقش والحيوانات... دمروا قواربهم في الأنهار، وحاربوهم بأسلحة متطورة أمام أسلحتهم البيضاء...‏
وعلى مر السنين عمدوا إلى تغيير معالم الشخصية الفردية للإنسان في محاولة لدمجها في المجتمع الذي يبغون...‏
مجتمع مبني على أساس التفاوت والطبقية مع الاستفادة القصوى من طاقات العقول البشرية النيّرة، وهذا هو الملاحظ...‏
فالإحصاءات تكشف عن أرقام حقيقية لنخبة هم صفوة العقول البشرية وهم بالتأكيد علماء وأطباء ونخبة علمية متميزة من تلك الشعوب وهم في جامعات المجتمع الجديد الذي يفرضونه.‏
 
ومع ذلك فإننا نلاحظ أنه حتّى العالم فيهم الذي غُرِّب عن وطنه وهو لم يعيه إلا في ذاكرته وربما الذاكرة هي من نسج الحكاية... لديه طقوسه الإنسانية الخاصة والتي تعبر عن حضارة شعبه كطقوس الزنوج في إحياء القصدير أو شوارع أوروبا أو كطقوس الهندي في الشوارع الأمريكية.‏
أمَّا أشرس أكلة الشعوب فهم العقل المدبر لكل هؤلاء.‏
إنهم الصهاينة.‏
نهج معاصر يحكم ويقرر معتمداً على دراسات منهجية وعلمية في محاولة لسلخ الشعوب ولسحقها في كافة أصقاع الأرض وتخويل كل ممتلكات الشعوب في الأرض لخدمتهم.‏
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يعتمدون على شعب حقيقي له جذوره وتاريخه وأصالته له حضارته وأمكنته الخاصة به؟‏
والإجابة بكل بساطة لا تتعدى أنهم يدفعون المال لمن يعتنق الديانة اليهودية التي أصبحت صهيونية وليست ديانة سماوية، ويدفعون المال ليرحِّلوا المرتزقة عن أمكنة خاصة بهم ليس لديهم أي ارتباط بها في محاولة لخلق ارتباط جديد لهم بالأمكنة الجديدة وهي مكان محصور حالياً في فلسطين، ومستقبلاً واضحاً هي أطماع في المنطقة العربية بأسرها. هم يعملون لتسخير كل ما فيها لصالحهم.‏
 
إن الحدود التي يبغون وجودها يخلقونها خلقاً في الأرض بتغيير معالمها "في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقاً قائلاً "لنسلك أعطي هذه الأرض من مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات"(1) وهنا أحاول بإشارات سريعة أن أحدد فيها معالم الشخصية الصهيونية التي بنوها منذ عمدوا إلى تغيير ما في كتبهم المقدسة إلى اليوم الحاضر وما هي علاقتها بالمكان.‏
"مبارك الرب إله إسرائيل من الأزل إلى الأبد" المزمور 106.‏
"الذي ضرب أمماً كثيرة وقتل ملوكاً أعزاء" المزمور 135.‏
"وأعطاهم أراضي الأمم وتعب الشعوب وورثوه" المزمور 105.‏
لا داعي لأنَّ أضيف شرحاً فوق ما يقولونه صراحة، بل لأن حكاية حضارتهم المزعومة تعتمد على أساطير شعبية متوارثة لدى معظم الشعوب. إذاً الشخصية الصهيونية مبنية على أساس استلاب الأرض، وادعاء الحق فيها.‏
 
وهم يعمدون إلى بث أيديولوجيا عنصرية فاضحة... ولا أدل على ذلك ممَّا يفعلونه اليوم في فلسطين. وكما تشير استطلاعات الرأي العام في أغلب دول العالم فإن الشعوب تعتبر إسرائيل أكبر قوة مهددة للسلام في العالم. "والوجود الإسرائيلي العدواني ليس مجرد حصيلة للانحطاط العربي المزمن والعلاقات الدولية المعاصرة بل هو في شكل تعبيره المجتمعي عن ذاته نمط تكيف الظاهرة اليهودية"(2).‏
 
إنه شكل صريح من أشكال محاربة الوجود الآخر مهما يكن، وترحيله عن مكانه وسلبه معالم شخصيته الفردية والجمعية.‏
وهذا الصراع لم يكن صريحاً على أرض الواقع إلا عام 1948 عندما انتقل حيّز المشروع من المفاوضات والأسهم الموزعة والحصص في الأرض الفلسطينية إلى التطبيق العملي باستخدام السلاح وإعلان الوجود الصهيوني صراحة أمام العالم في الأرض الفلسطينية وفرضه على الرأي العام العالمي.‏
 
المشروع كان ورقاً في الأزقة المعلنة وغير المعلنة للساسة الغرب وبذلك عمدوا إلى سلب الأرض والمكان وبدأ الصراع يأخذ أوجهاً حقيقية.‏
لا نستطيع أن نقول ماذا فعل الناس هناك ولا كيف سحب البساط من تحت أرجلهم وكيف دفعوا بقوة هائلة نحو الزوارق المنتظرة على الشاطئ.‏
 
ما يمكن أن يقال أن التسجيل الواقعي الذي زخر به الأدب هو الذي أعطى الصورة الحقيقية عمَّا جرى...‏
فالأديب الفلسطيني هنا لا يروي حكاية عاشها، ولا يبدع قصة متخيلة للقارئ أنه يعيش ذاتية مجتمعه... كيف كان وماذا أصبح الحال عليه.‏
إن من أبرز خصائص الشخصية الفردية هي المكان، وتعتبر وحدة المكان هي من أبرز خصائص الشخصية القومية العربية، التي يراهنون عليها منذ الأزل.‏
إذ يقوم الغزو الصهيوني على استلاب المكان وتغيير معالمه والخطورة تكمن في أنهم يعملون على مسح هوية المكان وتغيير معالم المدن والآثار الإسلامية، بصورة معلنة أو خفية.‏
وهذا ما نراه اليوم على أرض الواقع... تغيير معالم القدس والأقصى يافا حيفا... كيف كانت وكيف أصبحت...‏
والسؤال الذي يطرح نفسه هل اشتغل الكاتب الفلسطيني على المكان في وعيه أم في لا وعيه؟‏
 
أهو وعي حقيقي ظاهر يعتمد على موضوعية متكاملة في العمل الأدبي المقدّم؟ أم هو حالة فردية يطرحها كل كاتب بصورة محايدة؟‏
وهذا يقودنا إلى التأكيد على أن المكان المستلب في الرواية هو حالة عفوية مقصودة تعبر عن ظاهرة نفسية وعقلانية تعيش في وعي الإنسان الفلسطيني وهي بصورة جلية تعتمد على فكرية ثورية لدى الكاتب الفلسطيني، وتعالج ظاهرة المكان ودلالاتها النفسية والإجتماعية والسياسية والاقتصادية على المجتمع كظاهرة عامة وعلى الفرد كظاهرة خاصة. هي بالتأكيد جزء من الظاهرة العامة وتتحمل بجدارة تأثيرات الاستلاب والغربة والتشرّد على الظاهرة المجتمعية.‏
 
هناك أمكنة لا واعية في ذاكرة طفولية للكاتب قد تكون معاشاة للذين ولدوا هناك ورحلوا، وقد تكون ذاكرة فردية هي جزء حميم من ذاكرة جمعية لشعب وحضارة واحدة.‏
وهنا وعي آخر هو محاولة استرجاع المكان ومعالجة سيرورته في العمل الأدبي.‏
 
فإذا حاولنا تتبع أشكال المكان في الروايات ودلالات العرض والتناول فإننا نجد أنفسنا أمام أمكنة صريحة وأخرى مضمرة، وكل له دلالاته الخاصة في تحريك العمل الأدبي وبالتالي التعبير عن ذاتية المجتمع التي يحاول الصهاينة طمسها...‏
هناك حالات في ترميز المكان وأخرى في وصفه وثالثة في آلية الحركة المكانية، وربما الأجمل هو جماليات المكان في وعي الكاتب وعلى ألسنة أبطاله وشخوصه.‏
يتناول هذا البحث معالم المكان ودلالاته في ثلاث روايات غسان كنفاني وروايتين ليحيى يخلف كأنموذج عن الرواية الفلسطينية.‏
اعترف لغسان كنفاني بخصوصية رائحة المكان في أعماله الروائية، ومع ذلك أجد ذلك التماهي والتناغم العظيم بين ما هو فردي وما هو عام.‏
ماذا يطرح غسان كنفاني في رواياته الثلاث عن علاقة الإنسان الفلسطيني بمكانه؟‏
والروايات هي: رجال في الشمس... صدرت عام 1963 في بيروت.‏
رواية ما تبقى لكم... صدرت عام 1966 في بيروت.‏
رواية عائد إلى حيفا... صدرت عام 1969 في بيروت.‏
رجال في الشمس ليست مجرد ظاهرة البحث في التشرّد والابتعاد عن المكان، ومحاولة البحث عن الأمان في أمكنة جديدة... إنَّما هي تساءل صريح كيف يموت الفلسطيني على عتبات التشرّد والضياع.‏
وتبدو أحداث الرواية ضمن حيز مكاني مجرد واضح هو /الخزان/ صريح التعبير واضح الحدود والمعالم.‏
ولكن ما هي دلالة هذا المكان؟‏
الخزان مكان رمزي يتسع لكل أشكال المكان حسب تداعيات الشخصيات الثلاث المحصورة فيه الخزان كمكان مجرد هو بكل بساطة صهريج ماء ولكنه في نص الرواية ينطوي على دلالات عدّة.‏
فهو تارة يمثل السجن الكبير الذي حوصر فيه الفلسطيني إثر التشرّد واستلاب كل شيء منه.‏
وتارة يمثل الضياع والتشرّد بحد ذاته ضمن حدود ضيّقة... محصورة تكتم على أنفاس بشرية تتطلع نحو الحلم بالخلاص من الاستلاب والغربة... وتارة هو الأمل بالخلاص الوهمي...‏
ولكنه في النهاية حقيقة مرّة واقعة...‏
وهو خزان ضيّق الحدود... يخزن كل أشكال التشرّد والضياع للإنسان ولا يتسع لهذا المد المترامي من الغضب الحقيقي داخل تلك النفوس البشرية التي قدم منها غسان كنفاني ثلاث نماذج هي أسعد ومروان وأبو قيس.‏
وهي تمثل شرائح المجتمع الفلسطيني المر إثر النكبة...‏
والسؤال الشرعي الذي يطرحه غسان كنفاني على لسان أبو الخيزران "لماذا لم تدقوا جدران الخزان"(3).‏
إن هذه الجدران التي التصقت بها قطرات الندى للرجال الثلاث والذين ماتوا بصمت فاضح هادر عبر صحراء عربية ممتدة تبتلع كل شيء بصمت نازف... هذه الجدران كان يجب أن تدق، ليعلن منها عن الموت الذي هو حقيقة حتمية داخل هذا المكان الرمزي والذي يمثل أماكن التشرد والضياع محصورة في حدود ضيّقة بائسة.‏
لماذا يقبل الفلسطيني به كمكان آني في محاولة يائسة للبحث عن مكان بديل لأشجار الزيتون أو للكوخ الطيني أو لحياة أفضل ممَّا هي عليه، وكأنه قَبِلَ بواقع الهزيمة وعليه أن يدفع الثمن، بأن يبحث عن بديل لمكانه. عندئذ يكون مصيره المحتوم هو الموت!!‏
 
"هذا صوت قلبك أنت تسمعه حين تلصق صدرك بالأرض، الأرض التي تركتها منذ عشرات سنوات"(4).‏
إن المكان هنا إشارة حميمة عن حالة يرتبط فيها الإنسان بمكانه في الماضي(5)، والأرض هنا ندية كأنها امرأة ندية تتسع لكل التعب المضني، ولكل العذاب والتشرّد والقلق الذي يساور الإنسان، ولا يجده إلا في امرأة منتشرة وندية تماماً مثلما هي الأرض.‏
وفي موضع آخر يشير إلى القرية، وإلى موت الأستاذ سليم الذي كان له الحظوة عند ربه، ولأنه مات في أرضه قبل يوم واحد من سقوط القرية بأيدي اليهود "وبذلك وفّرت عليك الذل والمسكنة وأنقذت شيخوختك من العار، يا رحمة الله عليك يا أستاذ سليم، ترى لو عشت، ترى لو أغرقك الفقر كما أغرقني، أكنت تفعل ما أفعل الآن، أكنت تقبل بأن تحمل سنيك كلها على كتفيك وتهرب عبر الصحراء إلى الكويت كي تجد لقمة خبز"(6).‏
 
ثمَّ في موضع آخر يستند إلى ذكريات القرية والأستاذ وابنه ومدرسته وأم قيس، وثم يتوج هذا الحنين لذاك المكان بقوله "احتجت عشر سنوات كي تصدق أنك خرجت من بيتك"(7).‏
هنا كما نلاحظ القرية مكان له دلالات متعددة أهمها دلالة المكان الشامل الذي يضم الماضي والحاضر والمستقبل والعلاقات الوشيجة بينها الحالات الثلاث للإنسان في مثل هذا المكان.‏
وهو في الواقع مكان ثابت ولكن حالة ارتباط الإنسان فيه في المتغيرة حسب الزمن.‏
والكويت والصحراء هما مكانان رمزيان عن الغربة والضياع.‏
الشخصيات الثلاث محصورة في داخل الخزان والخزان في وسط الصحراء، وهي مكان واسع مترامي الأطراف والكويت نهاية الصحراء والخزان. وكلّها سجن صغير فأكبر فأكبر في سبيل الأمان الذي يبحث عنه الإنسان دوماً في حال تغرَّب عن مكانه الرحم.‏
"وراء هذا الشط فقط توجد كل الأشياء التي حرمها، هناك توجد الكويت، الشيء الوحيد الذي لم يعش في ذهنه إلا مثل الحلم والتصوير يوجد هناك"(Cool.‏
إذاً الكويت مكان حلم ليس له علاقة بالواقع، وعلاقته تبدو ذهنية بحتة لأنها تدل في إطار التصوير الذهني البعيد عن الواقع الذي عاشه أو يأمل أن يعيشه، أيضاً نلاحظ محاولة مقارنة هذا المكان في الواقع مع ذات المكان في ذهنه، ويبدو أن المكان في الواقع والمكان المأمول في حالته الذهنية كلاهما ما زال في ذهنه كفكرة خيالية تعبر عن كبت داخلي يحاول به التخلص من واقعه المرير.‏
"لابدَّ أنها شيء موجود، من حجر وتراب وماء، سماء ليست مثلما تحوم في رأسه المكدود، لابدَّ أن ثمَّة أزقة وشوارع ورجالاً ونساء وصغاراً يركضون بين الأشجار... لا... لا توجد أشجار هناك"(9).‏
أصبحت حالة المكان المقارن بين ما هو متوقع "الكويت، وبين ما هو حقيقي"، مكان الماضي القرية"، "فقال أنه لا توجد هناك أية شجرة، الأشجار موجودة في رأسك يا أبا قيس، في رأسك العجوز التعب. يا أبا قيس عشر أشجار ذات جذوع معقدة كانت تساقط زيتوناً وخيراً كل ربيع ليس ثمَّة أشجار في الكويت(10).‏
هنا يعطي تفاصيل للأشجار... ليست كأي أشجار هي فقط أشجار خاصة بقريته. بل أشجاره هو، أشجار من الجنة تساقط زيتوناً وخيراً.‏
الكويت قفر، وعطش وصحراء قاحلة. الكويت فقط أرض سوداء للنفط ولا تزرع شجراً ولا تنبت خيراً.‏
المكان عند الرجل العجوز مكان تتمثل بدلالة أشجار الزيتون.‏
إن محاولة تتبع مفاصل الحوار التالي ترشدنا إلى أنها دائماً في حالة تيه منذ خرج من بيته. ما زال في حالة البحث عن مكان مستقبلي يشبه تماماً مكان الماضي، والمكان في الماضي لا يمكن أن يصبح لديه مكان للذكرى لأنَّه ما زال حيّاً فيه.‏
"ماذا ترين يا أم قيس"؟.‏
حدقت إليه وهمست "كما ترى أنت".‏
سيكون بوسعنا أن نعلم قيس "نعم"، و"قد نشتري عرق زيتون".‏
"طبعاً".‏
"وربما نبني غرفة في مكان ما".‏
"أجل"(11)‏
ولكن فجأة ينقطع حبل الحلم لديه، ويصطدم بالخوف والمرارة. بالواقع المرير "إذا وصلت... إذا وصلت..."(12).‏
وكأنه واثق من النهاية.‏
وربما نتساءل هل تختلف دلالات الأمكنة باختلاف الشخصيات الروائية؟‏
ماذا تمثل الكويت بالنسبة لمروان، ولأسعد الشريكان الآخران في رحلة الموت هل كذلك تمثل الخلاص.‏
تقول أم مروان عن أخيه زكريا "إن زكريا لن يفهم قط معنى أن يتعلّم الإنسان لأنَّه ترك المدرسة حين ترك فلسطين"(13).‏
إن الرحيل عن الوطن الذي يتمثل بالبيت والمدرسة والأم هو تخلي عن الذات والغوص في المجهول.‏
وهذا ما فعله زكريا... ترى هل يلحق به مروان ليجد مستقبله هنا؟‏
مروان لا يريد التخلص من بيته، ولا يريد التخلي عن أمه لأنَّ أمه تعني الوطن لديه وزكريا تخلى عن أمه، فهو قد تخلى عن وطنه، لكن المرارة أنه تخلّى عنه أبوه وأخوه... وما زالت أمه تنتظر رجوعهم. لذلك عليه أن يتحمل المسؤولية.‏
هل يستطيع برحيله إلى الكويت هل تمثل الكويت بالنسبة له حلاً لمشاكله؟‏
هو يعتقد مثل أبا الخيزران أن كل شيء ضاع.‏
"عشر سنوات طوال وهو يحاول أن يتقبل الأمور، ولكن أية أمور؟ أن يعترف ببساطة بأنه قد ضيّع رجولته في سبيل الوطن وما النفع؟ لقد ضاعت رجولته وضاع الوطن وتباً لكل شيء في هذا الكون الملعون"(14).‏
وهنا إشارة إلى أن الضياع الحقيقي هو ضياع الإنسان عن وطنه.‏
وهو يدفع ثمناً لضياع الاثنين بابتلاع الصحراء له.‏
كما نلاحظ في موقع آخر إشارات واضحة إلى سياسة التقسيم التي مزّقت الأرض الواحدة "كان قد بدا رحلته مع صديقين من أصدقاء شبابه ومن غزة، عبر إسرائيل، عبر الأردن، عبر العراق... ثمَّ تركهم في المهرب في الصحراء"(15).‏
وتطرق الكاتب إلى بعض الأمكنة الوظيفية التي يمكن اعتبارها أمكنة ظرفية تخدم الحدث الروائي وتسلسله مثل البصرة وفندق الشط.‏
وفي تطور الحالة الروائية واقترابها من حالة التوهّج نلاحظ أن المكان أصبح مرهوناً بواقع الزمن الخارجي وتطوّر الأحداث التاريخية وبين الزمن الداخلي الذي يحسب بالثواني والدقائق، وكأنها ساعات داخل الخزان.‏
 
ما مدى توافق الحالة الزمانية الخارجية للمكان مع الحالة الزمانية الداخلية للمكان؟ في الواقع أصبح المكان واحداً وآلية الزمن متحركة بفعل الحدث الذي يتوج بزمن مستنزف لمن هم داخل الخزان داخل السجن المحصور في صحراء كبرى هي واقع الأنظمة العربية.‏
هو زمن مستقطع، مستعرض لا يعرف كيف يمضي لمن هم خارج الخزان زمن مقتول في الداخل والخارج.‏
الزمن العربي كما يقدمه غسان كنفاني في رواية رجال في الشمس.‏
(رواية ما تبقى لكم)‏
عندما تصبح الشخصيات أمكنة رمزية متداخلة دون حدود جغرافية.‏
لا يوجد في رواية ما تبقى لكم انتقال فعلي للمكان محسوس من قبل القارئ... إذ إن تغيرات المكان فجائية ولا تسقط القارئ في بحر المفاجأة بقدر ما تنقله انتقالاً هادئاً يتبع حالة البطل أو الراوي أحياناً. وهذه الحالة إما نفسية أو جسدية متغيرة بتغير طقوس حالة الجسد تبعاً للمكان وصفاته.‏
ما تبقى لكم أبطالها الخمسة هم حامد وزكريا ومريم كائنات بشرية، أمَّا الصحراء والساعة فهي كائنات غير بشرية لها صفات بشرية في كثير من المواقع... إذ اعتبر الساعة والصحراء كائنات حيّة تارة وأخرى أمكنة لها صفاتها وتفاعلها مع البطل في حالته الراهنة.‏
أيضاً سواء أكان اعتبار الصحراء والساعة أمكنة رئيسة، أو البيت والشوارع والمعسكر أمكنة مساعدة. كلّها كانت تفرز الحدث المبرر للشخصية، وتصبح الشخصيات هنا أمكنة رمزية متداخلة، دون حدود.‏
قادرة على استيعاب الآخر، ولكل شخصية أبعادها الإنسانية التي تصب في خانة الهدف الروائي.‏
إن كل من الأبطال الثلاثة هو مكان رمزي بالنسبة للآخر.‏
إذ يمثل زكريا سجن لمريم ولحامد...‏
وتكون مريم سجن لحامد...‏
وكذلك حامد هو سجن لمريم...‏
كيف يكون التداخل بينهم والتناغم الحقيقي الذي حققه غسان كنفاني في هذه الرواية.‏
يقول غسان كنفاني "لا يبدو هناك أي فارق محدد بين الأمكنة المتباعدة أو الأزمنة المتباينة، وأحياناً بين الأزمنة والأمكنة في وقت واحد"(16).‏
هذه إشارة إلى توحّد الزمان والمكان عند البطل، وإلى أن عملية الانتقال بين الأمكنة ليست ظاهرية، وإنما هي عملية داخلية تتبع دلالة الحدث في المكان.‏
الصحراء: مكان صفاته العامة: الامتداد، الضياع، الشمس الحارقة الأهداف.‏
أمَّا الصفات الروائية الخاصة لهذا المكان أي الصحراء فهي بثلاث حالات عبر ثلاث مراحل، وتبدو كمقدمة لعلاقة حامد بالصحراء.‏
 
والحالات الثلاث هي الرؤية الظاهرية ـ المشاركة والتواشج ـ الاندماج.‏
وبتتبع الحالات الثلاث نجد‏
 
الحالة الأولى ـ الرؤية الظاهرية:‏
"وفجأة جاءت الصحراء... رآها لأول مرة مخلوقاً يتنفس على امتداد البصر، غامضاً مريعاً وأليفاً في وقت واحد، يتقلّب في تموّج الضوء الذي أخذ يرمد منسحباً خطوة خطوة أمام نزول السماء السوداء من فوق"(17).‏
الصحراء هنا مخلوق عجيب /ممتد/ الامتداد هنا تقاطع مع الصفة العامة. غامض ومريع وأليف... تناقض في الصفات، يصلح لكائن بشري يشبهه ويشاركه وحدته عبر الامتداد.‏
 
الحالة الثانية ـ المشاركة والتواشج:‏
تتحوّل الرؤية الظاهرية لهذا الامتداد إلى إحساس بمشاركته وتواشجه وتناغمه مع البطل والاحتواء/ لقدرة الصحراء على احتوائه بتناقضاته... "واسعة وغامضة، ولكنها أكبر من تحبها أو تكرهها"(18).‏
لم تكن صامتة تماماً (وقد أحسّ بها جسداً هائلاً يتنفس بصوت مسموع)(19).‏
 
المرحلة الثالثة ـ الاندماج‏
"وأمامه على مد البصر، تنفس جسد الصحراء، فأحس طأح بدنه يعلو ويهبط فوق صدرها"(20).‏
والاندماج يأخذ هنا شكلين:‏
1 ـ جسده كجسد الصحراء كائن ممتد واسع غامض.‏
2 ـ جسده وروحه داخل الصحراء وخارجها "طأح بدنه يعلو ويهبط فوق صدرها".‏
والحالة الثانية هي التي تنبئ منذ بدء الرواية عن مصير حامد.‏
فالصحراء ستقتله أو تحتويه أو تبتلعه أو يصبح هو هي...‏
هنا دلالة عن احتواء المكان الممتد وهو الصحراء لحامد المسجون. حامد يخرج من سجنه إلى فضاء الصحراء رغم أنها ستأكله ولن يعود "عندها فقط عرف أنه لن يعود" وهي وحدها خلاصه.‏
والصحراء المكان تتبدى بوجوه عدّة حسب الشخصية. فهي لزكريا ستقتل حامد "إن الصحراء تبتلع عشرة من أمثاله في ليلة واحدة"(21).‏
نعود لحامد الذي يعتبر الشخصية المحورية في الصحراء. إذ نجد أن الصحراء تتغير حالتها متواشجة مع حامد وتلك تعتبر صفات جمالية للصحراء، فقد كانت في البدء مخيفة والآن هي كائن بشري "سقط الظلام تماماً الآن، سقطت معه ريح باردة، صفرت فوق صدر الصحراء كأنها لهاث مخلوق ميت، ولم يعد يدري ما إذا كان خائفاً، فثمة قلب واحد كان ينبض ملء السماء في ذلك الجسد المترامي على حافة الأفق"(22).‏
الآن يدرك أن المكان الذي يحتويه أصبح هو، ولم يعد ثمَّة إلا هو والمخلوق الموجود معه "وفجأة ذاب الخوف وسقط، ولم يعد ثمَّة إلا هو والمخلوق الموجود تحته، وفيه ويتنفس بصفير مسموع، ويسبح بجلال في بحر من العتمة المرصعة"(23).‏
إذاً الصحراء كمكان انطوى على دلالات عدة. فهي تارة قادرة على الاحتواء /التحام جسده بالصحراء/.‏
وقادرة على الحماية /تخلصه من الخطر القادم/.‏
وهي امرأة عذراء يعب جسده رائحة نداها.‏
وهي الموت.‏
ولكنه يختار حبها وسجنها الكبير لأنها حريته من سجنه الأكبر وهو ذاته، وتراكمات التهجير والغربة التي عانى منها بفقدان أمه من ناحية، وبفقدان مريم من ناحية أخرى. على الرغم من رغبته التخلّص منها "ليس ثمَّة من تبقى لي غيرك"(24).‏
 
وحامد مسجون بحدود كثيرة. على لسان زكريا "عليه أولاً أن يجتاز حدودنا ثمَّ عليه أن يجتاز حدودهم، ثمَّ حدودهم، ثمَّ حدود الأردن، وبين هذه الميتات الأربع توجد ميتة من الميتات الأربع هي الصحراء"(25).‏
مريم كشخصية محورية في الرواية هي سجن حامد "أين ستذهب" قالتها وتركت فمها مفتوحاً كأنها تريد أن تقول له أنه لا يستطيع ـ سأذهب إلى الأردن عن طريق الصحراء".‏
 
ـ تهرب مني؟(26).‏
ممَّا يهرب الإنسان؟ أليس من سجنه يهرب!!‏
مريم سجن حامد لأنَّه تحمّل مسؤوليتها على حساب أحلامه ومستقبله لضياع أمه ورحيلها واستشهاد والده وهو الصغير.‏
الصغير الذي سيكبر ويدرك ماذا حلّ به وبها. لماذا؟ لأنَّ الاحتلال واستلاب المكان لم يبقِ له شيئاً.‏
"لو كانت أمك هنا".‏
لو... لو... منذ ستة عشر عاماً وهو يقول لها الصبية... الصبية"(27).‏
إن الخيارات الطبيعية تتبدى للإنسان عندما يعيش حالته الإنسانية الطبيعية دون ضغوط خارجية فرضها التشرّد والاغتراب. ومريم بقية أنثى مسجونة في حقيبة حامد.‏
 
ومسجونة في نظرة زكريا الخائن.‏
لماذا يفرض هذا السجن القسري عليهم جميعاً؟‏
لأنَّ الخيارات أصبحت معدومة. والحياة بالنسبة لهم جميعاً تسير باتجاه واحد... وهو الخيار الوحيد لهم جميعاً "ما تبقى لكم".‏
أظنه الموت كما أراد غسان كنفاني أن يقول.‏
لقد أجبر حامد على الخروج إلى الصحراء، وأحسّ أنه دفع لذلك بفعلة مريم "لقد خدعاني معاً، ثمَّ طرداني وأنا غارق في عارها"(28).‏
زكريا خائن، وهو سجن مريم حين غدر بها. وسجن حامد، إذ غدر به وبسالم من قبل.‏
وقد طرد حامد من أماته. من بيته. وهو لم يطرد صراحة بل أجبر على ترك المأمن بفعل العار الذي لحق به فيه وهو غير قادر على حماية نفسه أو غيره أو شرفه في ظل احتلال المكان من قبل زكريا الخائن الأكبر ومريم الخائن الأصغر لماذا؟‏
لأنَّ الإنسان عندما يستلب منه مكانه يفقد الأمان وهذه البيوت أصبحت لا تحمل معناه الحقيقي أصبحت بيوتاً واقعة في العراء مكشوفة للريح.‏
"أنت زوجنيها أو لا تفعل، فلست أنا الذي أخسر"(29).‏
"أنت لا تريد طردي أليس كذلك، سيقولون أنك طردت الرجل الذي..."(30).‏
"أنا أدلكما على سالم "وقبل أن يفعل تقدم سالم، وهي طلقة واحدة فقط فيما أخذنا ننظر إلى‏
زكريا" (31).‏
لماذا يجعل الكاتب تداخل الحالتين. أي بين اكتشاف حامد لخيانته من قبل زكريا حين وشى بسالم، وحين اكتشف أنه خانه بفعلته مع مريم؟.‏
إن مبدأ الخيانة هنا واحد...‏
إن خيانته للمكان الذي يحتويهم جميعاً /أي للوطن/ تساوي خيانته للبيت الذي كان سكانه يستقبلونه باطمئنان له.‏
إلا أن سالماً فوّت الفرصة عليه وتركه ينضح بعاره. فماذا فعل حامد؟‏
في موقعين متباعدين في الرواية يذكر غسان كنفاني "وهي طلقة واحدة. فيما أخذنا ننظر إلى‏
زكريا" (32).‏
"وهي طلقة واحدة وراء أنفاس الجدار"(33).‏
أهي ما تبقى لي ولكم؟‏
أجل الموت ما تبقى لي ولكم. زكريا يُقتل بيد مريم لأنَّه خائن حتّى العظم، حتّى لذاك الذي زرعه في أحشائها، وحامد يقتل الجندي في الصحراء كناية عن قتله لزكريا وانتقاماً لقتل سالم.‏
ماذا عن ارتباط الزمان بالمكان في رواية ما تبقى لكم؟‏
الزمان مرهون بالساعة، والساعة تساوي الوقت وتساوي السجن وتساوي الموت البطيء.‏
وهي ليست أكثر من نعش علقه حامد على الجدار في البيت الواقف في العراء. البيت الذي فقد ركيزتيه الأب والأم. فماذا بقي فيه؟‏
"لقد منحتني هذا النعش علقته أمامي"(34).‏
الزمن رتيب ويكاد يكون ثابتاً حتّى رحيل حامد حيث قتل رتابة الزمن المرهون بالمكان وهو البيت "ولكن خطواتك هي التي ستظل إلى الأبد تقرع حوله، هذا هو النعش الصغير المعلق سيحتوينا‏
جميعاً" (35).‏
من الملاحظ أن الوقت كان مقتلاً للجميع إلى أن بدأ حامد رحلته باتجاه المجهول.‏
أصبح الزمن في يافا في البيت بين زكريا ومريم له طعم خاص والزمن لحامد له طعم آخر مرهون لكل منهم بمكانه.‏
ولكن النهاية ربَّما هي الموت للجميع والموت عن الموت يختلف.‏
فالمكان كان رهين اللحظة الزمنية وماذا تخبئ.‏
ثمَّ عندما التقى الغريب أصبح الزمن لا أهمية له عنده "والقصة كما ترى، قصة مسافة ليس غير، وربما زمن آخر أيضاً وحسناً ولكنني لا أكترث كثيراً بالزمن كما ترى"(36).‏
"لقد تحول انتظاره إلى مستنقع بلا قرار، وأضحى الزمن خصماً فيما بدا حامد جامداً عاقداً العزم على البقاء ها هنا حتّى النهاية"(37).‏
إذا الموت ولا الرحيل.‏
الرواية الثالثة في التسلسل الزمني هي عائد إلى حيفا.‏
نلاحظ هنا المباشرة في الطرح والحلول والأمكنة واضحة والانتقال ليس فجائياً بين الأمكنة أو الأزمنة.‏
كما نلاحظ أن الدلالة المكانية واسعة الأبعاد.‏
كنا في أمكنة رمزية وتأويلية في رجال في الشمس وما تبقى لكم، ونحن الآن نتتبع خطوط المدن والشوارع والبيوت وتفاصيلها في ذاكرة حيّة تروّي تفاصيل المكان.‏
مدينة تملأ أنف سعيد وزوجته، وتعلّق تفاصيلها في ثيابهما.‏
"حيفا هذه إذن بعد عشرين سنة". للمدينة وصف مباشر في زمنين متعاقبين. قبل وبعد عشرين سنة.‏
والرهان على التغيير إلى أن أقسموا على إحداثه في المدينة لتغيير معالمها، وكأنهم أكثر قدرة على الإحساس بالمكان وجماليته وأكثر أمناً على المدن من أصحابها.‏
 
لكن الأمر يبدو مختلف هنا تماماً "فالأبواب يجب أن تفتح من جهة واحدة وإن تعددت الجهات يجب اعتبارها مغلقة "وعندما ترغب برؤية مكانك الأول لا يمنعونك من ذلك فأنت ليس لديك الحرية أو الخيار في ذلك "أنت لا ترينه، إنهم يرونه لك" لأنَّ التخلي عن المكان مهما كانت الأسباب مدعاة للاعتراف بعدم أحقية الرجوع إليه إلا بانتزاعه ممَّن سلبوه لأنهم يفرضون عليك حتّى حدود الرؤية.‏
ومع ذلك لا يستطيعون أن يروا لك ما يريدون فقط. ذاكرتك تنعق بما تريد أنت وتعيش فيها أسماء الشوارع كما هي وكذلك الأمكنة الصغرى منها والكبرى "وادي النسناس، شارع الملك فيصل، ساحة الحناطير... الحليصة، الهادار"(40).‏
 
وهذه الأسماء لأمكنة حقيقية واقعية من ذاكرة أمة وقد ذكرها غسان كنفاني على سبيل التأكيد، أن المكان في الداخل لا في الخارج كما يريدون هم.‏
 
فالأمكنة هي ذاكرة شعوب وأمم لا مجرد ذاكرة أشخاص. هنا لا تستطيع كل قوى العالم محو ذاكرة الشعوب، فالشوارع ليست مجرد أسماء مجردة بل ذاكرة الشعوب فوقها مهما تغيرت معالمها "فالشوارع بالنسبة له لم تتغير أسماؤها بعد"(41).‏
وهنا نلاحظ في هذه الرواية أن الكاتب يتعرّض إلى تفاصيل دقيقة وحميمة في المكان لأنَّه الانتماء الحقيقي، هو ظاهرة الوجود الإنساني. وإذا فقدَ الإنسان تفاصيل مكانه من الذاكرة فقدَ انتماءه وبالتالي فقدَ هويته، وهذا ما يراهن عليه الاحتلال /تغيير معالم المكان بكل الوسائل كي يختفي من ذاكرة الإنسان العائد/.‏
 
والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا عن تفاصيل المكان لعائد مثل خالد لم يلد أصلاً في المكان حتّى تتشكل لديه ذاكرة فيه أو عنه؟‏
 
إلى ماذا يعود خالد... ماذا لديه في ذاكرته كي يعود باحثاً عنه.‏
هل يعرف مثلما يعرف أبواه عن تفاصيل البيت عن الدرج عن خربشات أقلام الرصاص؟ ماذا يعرف عن أعواد ريش الطاووس التي بقيت شامخة؟ هل رآها؟‏
أمَّا خلدون فقد ولد هناك "ولكنهم هم الذين صنعوه، لقد علموه عشرين سنة كيف يكون يوماً بعد يوم ساعة بعد ساعة مع الأكل والشراب والفراش... انتهى الأمر لقد سرقوه"(42).‏
 
إذاً المقارنة واضحة. والأمر يتعلّق بقضية كبرى هي محاولة سرقة الإنسان، لأنَّ الإنسان ليس هو وليد المكان فقط بل الإنسان وليد قضية مرتبطة بالمكان.‏
 
لقد سرقوا ولده خلدون وأحسنوا تربيته بما يتوافق مع تطلعاتهم وزرعوا فيه مستقبلاً خاصاً بهم.‏
وأما خالد فالغربة والضياع وفقدان الهوية المرتبطة بالمكان والتاريخ ورائحة الإنسان في مكانه كل ذلك هو ما يحمله في ذاكرته.‏
 
يحمل ذاكرة والديه وذاكرة الشهداء وذاكرة المدن المهجرة. لذلك عليه أن يعود بحثاً عن الدرج الذي يصعد به إلى البيت والشرفات المطلة على الفناء الخارجي نحن هنا أمام مسألة هامة تنطوي على إمكانية البحث. إذاً يمكننا البحث عن جماليات المكان وعن رائحة المكان وعن الزمان كيف يشكل المكان.‏
 
1 ـ هناك وصف لحركية المكان قبل عشرين عاماً ويقارنها مع نفس آلية الحركة بعد عشرين عاماً.‏
2 ـ وهنا كناية عن أن العائد سعيد لا يقبل التخلّي عن تفاصيل الحركة في مكانه كدلالة عن وجوده الحي فيه وإن غادره "ومثلما كان يفعل قبل عشرين سنة تماماً، خفّف سرعة سيارته إلى الحد الأدنى قبل أن يصل إلى ذلك المنعطف، الذي يعرف تماماً أن سفحاً صعباً يكمن وراءه... وانعطف بسيارته كما كان يفعل دائماً، وتسلّق السفح محتفظاً بالموقع الصحيح في الطريق الذي أخذ يضيق. وكانت أشجار السرو الثلاث التي تنحني قليلاً فوق الشارع قد مدّت أغصاناً جديدة، ورغب أن يتوقف لحظة كي يقرأ على جذوعها أسماء محفورة منذ زمن، ويكاد يتذكرها واحداً واحداً"(43) إذاً العودة تعني عودة المكان بنفس آلية الحركة المعبّرة عن وجوده كإنسان في مكان مرتبط فيه نفسياً وعاطفياً وجسدياً.‏
 
3 ـ وهناك الصورة الحية لذاكرة المكان بساكنيه كما كان. فهو يطل عليه بعد زمن ويجده كما هو "وفجأة أطل المنزل، المنزل ذاته، ذلك الذي عاش فيه، ثمَّ عيشه في ذاكرته طويلاً، وها هو الآن يطل بمقدّمة شرفاته المطلية باللون الأصفر. ولوهلة خيّل إليه أن صفية، شابة وذات شعر مجدّل طويل، ستطل عليه من هناك، كان حبلاً جديداً للغسيل قد دق على وتدين خارج الشرفة، وتدلّت منه قطع بيضاء لغسيل جديد. وفجأة أخذت صفية تبكي بصوت مسموع، أمَّا هو فقد انحرف إلى اليمين، وترك عجلات سيارته تصعد الرصيف الوطيء. ثمَّ أوقف السيارة في المكان الذي لها، كما كان يفعل ـ تماماً ـ منذ عشرين سنة"(44) هنا إصرار واضح على أن ذاكرة المهجر مازالت تحتفظ بالصورة الحية ذاتها للمكان.‏
 
4 ـ عندما يصاب الإنسان بالعمى فإنه يضيع في أمكنة لا يعرفها، أمَّا مكانه الذي يعرفه فهو يدركه ببصيرته ويحفظ تفاصيله الصغيرة. وبذلك هو يعرف اتجاه الباب، ومكان الجرس وعدد الدرجات وإن فقدَ أحدها اختل توازنه.‏
 
5 ـ وهذا ما يحاول غسان كنفاني الإشارة إليه هنا بأن الأشياء الصغيرة في المكان بقدر ما نعرفها تعرفنا هي ولا تنكرنا إذا تخلينا عنها وأنكرناها، وفقدانها يعني فقدان التوازن والمعرفة برائحة المكان وهويته. وهو يؤكد على خصوصية هذا البيت في ذاكرة سعيد وزوجته صفية "أمسك بذراعها، وإذ يقطع بها الشارع: الرصيف، البوابة الحديدية الخضراء، الدرج. وبدأا يصعدان، دون أن يترك لنفسه أو لها فرصة النظر إلى الأشياء الصغيرة التي كان يعرف أنها ستضعه تفقده اتزانه: الجرس، ولاقطة الباب النحاسية، وخربشات أقلام الرصاص على الحائط، وصندوق الكهرباء، والدرجة الرابعة المكسورة من وسطها، وحاجز السلَّم المقوس الناعم الذي تنزلق عليه الكف، وشبابيك المصاطب ذات الحديد المتصالب، والطابق الأول حيث كان محجوب السعدي يعيش، وحيث كان الباب يظل موارباً دائماً، والأطفال يلعبون أمام الدار دائماً، ويملأون الدرج صراخاً، إلى الباب الخشبي المغلق، المدهون حديثاً، والمغلق بإحكام"(45).‏
 
إن المسألة التي يطرحها غسان كنفاني هنا في غاية الأهمية، إن علاقة الإنسان بالمكان ليست مجرد ملكية الأشياء التي يحتويها المكان بل الأمر يتعدى ذلك إلى قضايا أكثر جوهرية، فالمكان مرتبط بجماليته الخاصة عند كل فرد إذ يرى الكثيرون أن أجمل البيوت هي القصور والبعض يرى الخيام فلماذا هذا التفاوت بالنظر إلى جماليات المكان.‏
 
الأمر بكل بساطة هو خصوصية المكان بذكرياته وربما بالأحلام على جدرانه لأنَّ الرؤية هي داخل وجدان الفرد"... واستطاع أن يرى أشياء كثيرة اعتبرها ذات يوم وما يزال، أشياءه الحميمة الخاصة التي تصورها دائماً ملكية غامضة مقدّسة لم يستطع أي كان أن يتعرّف عليها أو أن يلمسها أو أن يراها حقاً. ثمَّة صورة للقدس يتذكرها جيداً ما تزال معلّقة حيث كانت، حين كان يعيش هنا. وعلى الجدار المقابل سجادة شامية صغيرة كانت دائماً هناك أيضاً. وأخذ يخطو ناظراً حواليه، مكتشفاً الأمور شيئاً فشيئاً، ودفعة واحدة، كمن يصحو من إغماء طويل. وحين صارا في غرفة الجلوس استطاع أن يرى أن مقعدين من أصل خمسة مقاعد هما من الطقم الذي كان له. أمَّا المقاعد الثلاثة الجديدة فقد كانت جديدة، وبدت هناك فظّة غير متّسقة مع الأثاث. وفي الوسط كانت الطاولة المرصعة بالصدف هي نفسها. وإن كان لونها قد صار باهتاً، وفوقها استبدلت المزهرية الزجاجية بأخرى مصنوعة من الخشب، وفيها تكومت أعواد من ريش الطاووس، كان يعرف أنها سبعة أعواد. وحاول أن يعدّها وهو جالس مكانه إلا أنه لم يستطع، فقام واقترب من المزهرية وأخذ يعدها واحدة واحدة، كانت خمسة فقط"(46).‏
يتطرق غسان إلى قضية فارس اللبدة.‏
والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا أراد غسان كنفاني من سياق القصة في تسلسل الرواية؟!‏
 
ينطوي ذكر قصة فارس اللبدة على لسان سعيد لزوجته على دلالات عدّة سنأتي على ذكرها لاحقاً والحكاية تقول أن فارس اللبدة عاد إلى بيته وظنّ أنَّ يهودياً استولى على بيته، إلا أنه وجد عربياً فيه. وذلك العربي كان قد وجد نفسه محاطاً بالمكان القفر من البشر الذي رحلوا، ولكن صورة بدر الشهيد وهو شقيق فارس اللبدة كانت قد أجبرته على الوفاء لبيت دون سواه بعد أن دمّر بيته "يبدو لي أن يكون الإنسان مع رفيق له حمل السلاح ومات في سبيل الوطن شيئاً ثميناً لا يمكن الاستغناء عنه. ربَّما كان نوعاً من الوفاء لأولئك الذين قاتلوا. كنت أشعر أنني لو تركته لكنت ارتكبت خيانة لا أغتفرها لنفسي. لقد ساعدني ذلك ليس على الرفض فقط، ولكن البقاء... هكذا ظلت الصورة هنا. ظلت جزءاً من حياتنا أنا وزوجتي لمياء وابني بدر وابني سعد وهو، أخوك بدر، عائلة واحدة عشنا عشرين سنة معاً. كان ذلك شيئاً مهماً بالنسبة لنا..."(47).‏
 
وأراد فارس اللبدة أن يستعيد البيت فوجده بيد من هو أحق منه به. بيد عربي رفض الرحيل ولو على جثته. فقرر استعادة الصورة من باب الوفاء لأخيه... ومع ذلك وجد أنه لا يحق له الاحتفاظ بتلك الصورة لأنَّ مكانها الحقيقي حيث يرقد صاحبها "وصار على الطريق المتّجه نحو رام الله وعندها فقط انتابه شعور مفاجئ بأنه لا يملك الحق بتلك الصورة"(48).‏
 
وأما الرجل الذي كان قد احتفظ بالصورة والبيت طوال تلك الفترة فقد أصابه الندم لأنَّه تخلّى عنها فقال له حين أعاد الصورة "شعرت بفراغ مروّع حين نظرت إلى ذلك المستطيل الذي خلفته على الحائط. وقد بكت زوجتي، وأصيب طفلاي بذهول أدهشني. لقد ندمت لأنني سمحت لك باسترداد الصورة، ففي نهاية المطاف هذا الرجل لنا نحن. عشنا معه وعاش معنا وصار جزءاً منا. وفي الليل قلت لزوجتي أنه كان يتعيّن عليكم، إن أردتم استرداده، أن تستردوا البيت ويافا، ونحن... الصورة لا تحل مشكلتكم، ولكنها بالنسبة لنا جسركم إلينا وجسرنا إليكم"(49).‏
إن تقاطع حكاية فارس اللبدة مع حكاية سعيد فيها الكثير من الدلالات والتي تؤكد على أن:‏
1 ـ المكان لا يكون بأشيائه في الذاكرة وليس بقدسية الذكريات فيه بل بناسه المصلوبين أحياء أو أمواتاً في انتظار أحبتهم.‏
2 ـ المكان لمن يدافع عنه ويبقى فيه وإن اضطر لأن يبقى فيه حياً كالرجل الذي بقي في بيت فارس اللبدة أو ميتاً كبدر المصلوب على الجدار الواقف في العراء في انتظار الأحبة كي يغمضوا عينيه المرهقتين انتظاراً.‏
3 ـ المكان ضرورة الوجود الإنساني وشرعية هذا الوجود. وهذا حق يدافع عنه بقوّة السلاح وأن يسترد بقوة السلاح "فارس اللبدة، لو تعرفين... وهمس بصوت لا يكاد يسمع: إنه يحمل السلاح الآن"(50).‏
إن استرجاع الإنسان مسألة قضية لا تقتصر على الإنسان فقط بل على المكان لأن سعيداً لا يستطيع استرجاع ابنه خلدون لأنَّ الإنسان هو في نهاية الأمر قضية مرتبطة بالمكان، والمكان الذي رحل عنه سعيد مكاناً ـ أصبح الآن لدوف اليهودي "ولهذا يقف سعيد طويلاً أمام السؤال المصيري" ما هو الوطن؟ أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة؟ الطاولة، ريش الطاووس؟ صورة القدس على الجدار؟ المزلاج النحاسي؟ شجرة البلوط؟ الشرفة؟ ما هو الوطن؟ خلدون؟ أوهامنا عنه؟ الأبوة؟ البنوة؟ ما هو الوطن بالنسبة لبدر اللبدة ما هو الوطن؟ أهو صورة أخيه معلّقة على الجدار؟ أنني أسأل فقط. "إذاً ماذا كان يترتب عليهم أن يفعلوا" كان عليكم ألا تخرجوا من حيفا" لذلك عليكم أن تدفعوا الثمن كان عليكم ألا تبكوا ألا تضيعوا عشرين سنة في البكاء عليكم استرداد بلادكم بقوة السلاح".‏
إذاً الأمكنة في رجال في الشمس رمزية، وفي رواية ما تبقى لكم تأويلية وليست تصريحية، أمَّا في رواية عائد إلى حيفا فالأمكنة صريحة واضحة. والتدرج من التأويل إلى الرمز والتصريح هو كناية عن مرحلة الوعي الذي حاولوا استلابه من الإنسان بتغريبه عن جذوره في المكان، ومحاولة تغيير معالمه.‏
في النهاية لا يمكننا اعتبار أي من الأمكنة في رواية المقاومة هي أمكنة ثانوية وأخرى رئيسة. والسبب هو أن رواية المقاومة عمل إبداعي يعتمد بالدرجة الأولى على ظاهرة المكان بكل تفاصيلها، وما تعنيه من اغتراب أو مستقبل أو ضياع.‏
فلسطين في كل الروايات هي مكان متوهّج كالجمرة لا مباشرة ولا تقريرية في طرحه.‏
وإنما يبقى كجمرة متوهّجة في ثنايا العمل الروائي وفي كل شكل من أشكال طرح المكان.‏
مكان لا تمحوه الآلام المريرة والواقع المذل الذي عايشه أبطال الروايات أدباء الإنسان الفلسطيني واقعاً.‏
هو مكان في الماضي لم يصبح للذكرى أبداً بل تحوّل بفعل المعاناة وعقلنة المقاومة ورد الفعل الطبيعي عند الإنسان إلى مكان للمستقبل يجب البحث عن طريق العودة إليه.‏
الهوامش:‏
1 ـ (خياطة، محمد وليد) وعود آلهة بني إسرائيل الكاذبة، المعرفة، العدد 347 - أيلول ـ 1982 ـ‏
ص154- 164.‏
2 ـ (داود، أحمد يوسف) الظاهرة اليهودية في التاريخ ـ المعرفة، العدد 245 ـ تموز 1982 ـ‏
ص39- .67.‏
3 ـ (كنفاني، غسان) (1963) رجال في الشمس، رواية، بيروت، لبنان، ص93.‏
4 ـ المصدر نفسه، ص11.‏
5 ـ لابدَّ من الإشارة هنا إلى أنني استعنت في بعض مفاصل هذه الدراسة بكتاب جماليات المكان في الرواية العربية، شاكر النابلسي ـ صادر عن المؤسسة للدراسة والنشر، الطبعة الأولى 1994.‏
وهناك دراسة عن جماليات المكان في الأدب ـ ملحق الأسبوع الأدبي رقم 126 ـ العدد 846، قدّم عدداً من الأبحاث المتعلقة بالمكان في الرواية العربية منها بحث جماليات المكان في النقد الأدبي العربي المعاصر د. عبد الله أبو هيف. وبحث د. قاسم المقداد، جماليات المكان في الدراسات الغربية الحديثة.‏
مع التأكيد هنا على خصوصية البحث هنا والذي اعتمد تأويل المكان تبعاً لحالة الأبطال ثمَّ مناقشة دلالة المكان للشخصية الروائية ورصد حركة المكان تبعاً للزمان، وتبعاً للحالة الروائية للشخصيات الروائية.‏
16 ـ كنفاني. غسان. (1996)، ما تبقى لكم، رواية، بيروت، لبنان، ص11.‏
38 ـ (كنفاني. غسان) عائد إلى حيفا، رواية، بيروت، لبنان، ص7.‏
39 ـ المصدر نفسه، ص8.‏
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 8:45 pm

طقوس العودة في المتخيل الروائي
نموذج: "عائد إلى حيفا"، "نهر يستحم في البحيرة"
 
 بقلم الكاتبة: نجمة خليل حبيب
 
بين "عائد الى حيفا" و"نهر يستحم في البحيرة" ثلاثين عاما من الزمن قام خلالها اختلاف في الخطاب السياسي وجنوح في الرؤى والمعايير الجمالية أدى الى اختلاف في نبرة الروايتين وانتسابهما الابداعي، إلا ان كلا النصين سقطا في الغيبة وعمهما إحباط وخيبة وانكسار  
 
يقول غلين باومن في دراسته وطن من الكلمات: تفحصت خطاب الهوية لدى الفلسطينيين في مخيمات اللجوء في لبنان وفي انتلجنسيا الدياسبورا الفلسطينية في بلاد الغرب وكذلك لدى الناس في الداخل، قصد تقييم الطرق المختلفة التي شكلت بها ثلاث جماعات مختلفة من الفلسطينين هويتها . . . وقد تبين لي أنه في الحالات الثلاث كان يجري تصور العودة الى فلسطين كلحظة يمكن خلالها تحقيق هويات أعاقتها اشكال متنوعة من القمع والاضطهاد.  وليس هذا بالامر المستهجن، فالعودة هاجس في الضمير الجمعي الفلسطيني لأجله قاوم الفلسطينيون كل اغراءات الدمج والتدجين وأصروا ولا يزالون على اعتبار وضعهم الحالي وضعا مؤقتا. فقد قاوم فلسطينيو المخيمات كل المحاولات التي تهدف الى جعلهم حالة إنسانية، مجرد لاجئين. وفي الغرب, ورغم أنهم يحملون جنسيات الدول التي تأويهم، لا يزالون يعتبرون انفسهم فلسطينيين قلبا وقالبا. وفلسطينو الداخل، الذين حملوا الجنسية الاسرائيلية مرغمين، يعبرون عن رفضهم للامر الواقع بالاصرار على رفض التسميات التي اطلقها العبرانيون على الامكنة ويصرون على تداول أسمائها العربية التي كانت لها من قديم ويحرصون كل الحرص على غبقائها حية في نفوس أبنائهم.  وحتى بعد اتفاق اوسلو فان الفلسطينيين لا يزالون مقتنعين في صميم قلوبهم ان الارض كلها لهم, فهم وان ابدوا القابلية والرغبة الصادقة للفصل بين ما يكنه القلب وما تسمح به السياسة على ارض الواقع فمن قبيل ايمانهم بانهم في النهاية "ام الصبي" مستعدين للمشاركة بالارض خوف ضياعها كلها. . . بل إن العودة في الذاكرة الجمعية الفلسطينية مفهوم مقدس متغلغل ليس فقط في الخطاب السياسي والادبي فحسب بل في صلب الخطاب الشعبي. فقد استبدل الفلسطينيون الكثير من التعابير اليومية التي تقال في المناسبات الاجتماعية بتعابير تحمل معنى العودة كمثل : "بالبلاد", ب"النصر" , عيدنا يوم عودتنا. . إلا ان أحدا لم يكن ليتوقع ان تكون هذه العودة على طريقة سعيد س. في "عائد الى حيفا" او يقنع بها على طريقة يحيى يخلف في "نهر يستحم في البحيرة"
 
كتب غسان كنفاني روايته بعد انتكاسة 67 في حين كتبها يحيى يخلف بعد اتفاق أسلو عام 98. إلا ان العودة في كل منهما لم تكن مما أمله الفلسطيني بل كانتا، في كلا الحالتين، عودة منقوصة مخيبة للامال والاحلام رغم ما بينهما من فوراق.
يقوم الفارق الرئيسي بينن الروتيتين على كون العائد في الاولى (سعيد س.) عاد إثر هزيمة عسكرية في حين كانت عودة الثاني (صاحب نهر يستحم في البحيرة) إثر معادلة سياسية.
 
تنتمي الروايتان الى مناخ ادبي مختلف لذلك نرى أنهما تنحيان منحى مختلفا في كثير من الوجوه.
لقد كتب كنفاني روايته أيام كان الالتزام والواقعية الاجتماعية في الادب تخوضان معركتهما ضد نظرية الفن للفن, أيام كانت الذاكرة الادبية تعيش مناظرة طه حسين ورئيف خورى فتنحاز اقلية خجولة للاول وتتتصر الاكثرية للثاني. أيام كان القارئ العربي يأمل من مبدعيه ان يكونوا أصحاب رسالة وانبياء رؤيويين, وفي مناخ كهذا، إضافة الى ما نعرفه عن انتماء المؤلف الايديولوجي ومن ثم تبنيه لقيم الرؤية الواقعية في الادب  جاءت روايته متسمة بطابع زمانها فكان اول ما ميزها انها عكست واقع الحال في النفس العربية, فكانت رواية محكومة بالغضب وبالنبرة العالية الصاخبة الضاجة بالاعتراض الى درجة يحس معها القارئ ان ضربات قلبه تزداد ودمه يعلو ويثور, سواء كان ذلك أثناء وصف الكاتب لحالة حيفا قبل واثناء معركة نيسان 1948 المصيرية أو لعذابات الام المفجوعة التي اضاعت ولدها وظلت تعيش هاجس هذا الضياع على مدى عشرين سنة "عذابا ينتصب عملاقا في احشائها ورأسها وقلبها وذاكرتها وتصوراتها ويهيمن على كل مستقبلها". بل إن هذا الغضب يقتحم الرواية منذ اسطرها الاولى "حين وصل سعيد س. الى مشارف حيفا, قادما اليها عن طريق القدس, احس ان شيئا ما ربط لسانه, فالتزم الصمت وشعر بالاسى يتسلقه من الداخل, ودون ان ينظر اليها كان يعرف انها آخذة بالبكاء, وفجأة جاء صوت البحر, تماما كما كان, كلا لم تعد اليه الذاكرة شيئا فشيئا بل انهالت في داخل راسه كما يتساقط جدار من حجارة ويتراكم بعضه فوق بعض  . وهي الى ذلك تدين إدانة فجة وتوجه اصبع اتهامها للهاربين والذين جبنوا وتصرفوا بقدرية و لامبالاة. " كيف يستطيع الاب والام ان يتركا ابنهما وهو في شهره الخامس ويهربان . . . كان عليكم إلا تخرجوا من حيفا . وإذا لم يكن ذلك ممكنا فقد كان عليكم باي ثمن ان لا تتركوا طفلا رضيعا في السرير واذا كان هذا ايضا مستحيلا فقد كان عليكم الا تكفوا عن محاولة العودة . . . . لقد مضت عشرون سنة يا سيدي ! عشرون سنة ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك ؟ لو كنت مكانك لحملت السلاح من اجل ذلك . . . (406-09)
 
أما رواية يخلف فجاءت في زمن تنكر فيه الادب لصاحبه وتبنى الكثيرون نظرية موت المؤلف وسلخ النص عن بيئته وحاضنته الاجتماعية والسياسية وتنكره لاي صفة تعليمية او رسولية او رؤية سياسية او قومية او اجتماعية. نظرية تقول بقدر ما يبتعد الكاتب عن قضايا مجتمعه بقدر ما يكون مبدعا، وبقدر ما يغرق في الصمت ويكتب الهامش بقدر ما يكون مجليا في ابداعه. لذا غاب الغضب من الرواية وتملكها حزن هادئ رزين وخفتت نبرتها فقاربت الهمس الشعري. "صباح من ندى ومن كلوروفيل ومن تداعيات ومن اضغاث احلام وفرح ناقص وابتسامة تشبه البكاء" . وترافقها هذه النبرة حتى في اشد فصول الرواية تأزما عندما علم الرواي ان جثة خاله لا تزال محفوظة في الثلاجة, لم يستصرخ ضمير العالم ولا أنّب ولا أدان بل قال: يا عبد الكريم الحمد . . كيف تحملت كل هذا الصقيع طوال هذه المدة وكيف قضيت عمرا آخر في الثلاجة. ألم ترتعد فرائصك, ألم يقشعر بدنك وانت الذي عشت عمرك كله في الاغوار الحارة؟ انت الذي هرب من البرد والصقيع من اجل نهاية اكثر دفئا . . . كيف داهمك هذا البرد الذي لا يكف عن التسلل الى عظامك ليلا نهارا هذا البرد الذي يخز الروح ويحز الوريد والاعصاب؟ (120) وهي عكس "عائد الى حيفا", تدين ضمنا ودونما صراخ، الطرف الاخر، فهو الذي افشل كل مشاريع العودة. لقد اقتحم العائد حصن عدوه ومد له يدا مسالمة ولكنه رفض اليد الممدودة. رفضها عندما رفض تسليم جثة الشهيد الموجودة في البراد منذ اربعين سنة, وعندما رفض صاحب النزل إيواء الفلسطينيين لانهما من "المناطق "واخيرا عندما فشلت الهيئة الاذاعية من اقامة برنامجها التوفيقي بعرض قصة الطيار وعبدالكريم
 
تدور احداث عائد الى حيفا في معظمها في الطريق الى حيفا عندما يقرر سعيد س. وزوجته الذهاب "الى هناك", وتفقد بيتهما الذي تركاه وفيه طفل رضيع أثناء معركة حيفا عام 1948 . وتعطي الرواية حيزا كبيرا للمفهوم الذهني للوطنية والمواطنة وتبين من خلال التداعي قسوة الظروف التي أدت الى مأساة عائلة سعيد س. وتطرح مفهوما مختلفا عما كان سائداً لمعنى الوطن في الخطاب الفلسطيني. فالوطن ليس ريشات الطاووس المشكوكة في المزهرية ولا بالابن المتروك في السرير ولا هي لحم ودم، بل هو المستقبل المتمثل بالابن الاخر خالد. ورغم ان مشهد الرواية الرئيسي هو في المحاورة التي دارت بين دوف المولود خلدون وابيه البيولوجي وتنكر الولد لهذا الاب وانتمائه الى التربية وليس الى الدم، إلا ان ما يدور حول هذا المشهد هو الذي يصنع فنية الرواية ويرقى بها فوق مستوى الخطابي والدعائي, ولعل أهم ما يميز نص كنفاني هذا هو نجاحه في قول الذهني بقالب فني تمسي معه المقولات الذهنية نتيجة حتمية لمسار الحدث الروائي. فسعيد س. الذاهب الى بيته تحت إلحاح زوجته صفية يستعيد ماضيه كله. يستعيد احداث حيفا في نيسان 48 وما كان من امر خروجهما الاضطراري, وهو إذ يصل الى المنعطف المؤدي الى البيت يقفز امامه الماضي مؤلما موجعا: الدرجة المكسورة, وريشات الطاووس, الكنبة الوحيدة الباقية, ومسكة الباب, ورنة الجرس. اذن، فالحدث هو العنصر الاهم في الرواية فبسببه قامت الرحلة وبسببه نسي الطفل الرضيع في السرير وبسببه ايضا ملكت مريام وزوجها بيت سعيد وصفية وابنهما الرضيع. لذا تنتهي الرواية وهي تنتظر الحدث (التحاق خالد بالفدائيين) لتعمل التغيير المرجو.
 
تروي رواية نهر يستحم في البحيرة قصة فلسطيني عائد من منفاه ـ تونس ـ الى غزة فلسطين ومنها الى قريته الجليلية سمخ التي تقع ضمن الاراضي المحتلة منذ عام 1948 وعكس ما هي عليه الحال في عائد الى حيفا فان العائد هنا يعيش جميع تفاصيل رحلته يستذكر الماضي وليس اللحظة الحرجة فقط كما هي الحال مع سعيد س.، يستحضر الارض ويعطيها حيزا كبيرا في السرد وفي الحدث: يعرض ما اصابها من تغييرات وما ابقت عليه من ملامحها كما انه يعرض للكثير من المشاهد الغرائبية الغنية بالدلالات السياسية والوطنية كمثل الشائعة التي تقول بوجود التماسيح في البحيرة، وان واحدها خرج واكل اطراف رجل. ثم يتبين كذب الاشاعة وتضخيمها فما التمساح الا تمساح صغير سئم البركة الصغيرة فهوجم وحوصر ومورست عليه قوة كبيرة "جاؤوا بالدبابات والجنازير والسلاسل لتكبيله". ثم إشاعة الاحداث الجيولوجية التي غيرت مجرى النهر والتي تعني ان تغييرا جوهريا سيحصل بسبب هذا، فالمياه ستمسي مالحة وستموت كل الاحياء في النهر. ثم الحواجز والخوذ والتوقيفات، امور وإن جعلت العودة كابوساً بعد ان كانت حلماً، إلا أنها ترمز في العمق الى هشاشة هذا الكيان ونشاذه وخروجه عن المألوف.
 
وفي الرواية أيضاً عائدان فيهما الكثير من الرمز هما: الطيار اليهودي الذي سقط في البحيرة وظل يحتفظ بملامحه على مدى ستة وثلاثين سنة والفلاح الفلسطيني الذي حفظ في الثلاجة مثل هذه المدة. وعائد ثالث هو الفلسطيني المغترب القادم من اميركا، الباحث عن السلام من خلال بحثه عن حبيبة خاله(اليهودية) وما مني به من خيبة عندما تنكرت الحبيبة لهذا الماضي ووقفت إزاءه عمياء خرساء طرشاء. 
      
في نهر يستحم في البحيرة يكون الدافع حنين العائد الى بلدته واسترجاعه لذكريات حميمة، وفيها فرحة العائد بانتقال المقاتل من وضعية المنفي الى وضعية المواطن ـ الشرطي ـ يقف على ارض هي ارضه ويلبس بذلة كاكية تعطيه هويته واتنماءه ألا ان هذا الفرح الطفولي لا يلبث ان ينقلب حزنا هادئا، وعكس ما تبثه فينا رواية كنفاني من توتر وانفعال تغرقنا رواية يخلف بشحن يشبه الغيبوبة  . إلا أن كلا الروايتين يفاجئها التغيير الذي احدثه الاحتلال. سعيد س. يرى التغيير جذريا انقلابيا, فشخصية الابن خلدون تحولت الى العدو دوف,  في حين رأى يحيى التغيير تغييرا فيزيولوجيا أحدثته السنون كأمر لا بد منه:  الحبيبة وعد التي كبرت ورحل بريق خاص من عينيها وبدأت التجاعيد تحبو تحت جفنيها, هي الحبيبة القادمة "من  وراء الريح والضباب وبوابات الغربة والضياع ومن وجع  سبعة وعشرين عاما ومن اخاديد وشقوق السنين الهرمة, إلا ان كلا التغيرين قاد الى نتائج متقاربة فقد ادت في الحالة الاولى الى خبو عاطفة الابوة بل تحولت الى عداء, وهي في الثانية وان لم تتحول الى عداء ألا انها خبت وجنحت الى حبيبة أخرى هي عائشة 
 
جمالية المكان
لا يحفل كنفاني كثيرا بالمكان في روايته، فهو عنده ليس اكثر من ظرف لاحتواء الحدث، في حين خصص يخلف حيزا كبيرا له حتى كاد يكون الشخصية الرئيسية في الرواية. فهو حاضر منذ اللحظة الاولى ينفعل ويتفاعل بالحدث، ولا غرو في ذلك فالمكان في الذاكرة الجمعية الفلسطينية كان وسيبقى, فعل وجد واشياق دائمين, واغلظ الايمان انما تحلف بتراب فلسطين .
وللمكان، عند يخلف، ميزة يتفوق بهاعلى جميع الشخصيات والادوار الاخرى, ميزته في ديمومته وصموده. فقد استطاع المحتل ان يغير معالم بعض الامكنة فامست القرية "سمخ" "تسيمخ", وبني على انقاض القرى العربية مستعمرات مختلفة شكلا, وحتى انه تدخل في عمل البحيرة فغير انواع سمكها, ولكن هذا لم يمس إلا القشرة الخارجية فيما بقى كنه الاشياء على حاله لم تستطع ان تطاله يد التغيير وإن  جهدت 
"إنه بحر غزة المتوسط الحنون الذي لم يستطع احد ان يبعده عن مكانه, وعلى الرغم من سبعة وعشرين عاما لم يستطيعوا ان ياخذوا معهم البحر. سحبوا معداتهم ودباباتهم واسلحتهم الثقيلة, ولكنهم لم يستطيعوا ان يسحبوا معهم البحر" (21).   وها هو النهر رغم كل الاقاويل والاشاعات التي صيغت حوله لم يزل ينبع من البحيرة. البحيرة التي لها سمة التطهير. فهي تستقبله من الجنوب وتغسله من كل ما علق به من شوائب وادران ليخرج من الطرف الاخر نقيا فحلا يتدثر بزرقة داكنة تلقيها الاشجار الكثيفة التي ما انفكت تنبت على جانبيه 
وتشتد لغة المكان ويعبق جوه كلما اشتدت ازمة البطل وضيقت عليه الحقيقة التاريخية الخناق. فعندما تضيع سمخ بين الماضي والحاضر ويقوم على انقاض بيوتها تلال من الاسمنت ويتغير اسمها الى تسيمخ , عندما تتأزم الامور في نفس العائد وفيما هو يحدق بعيون هنا وهناك علّه يقبض على اثر ما, عله يجد شيئا من مزق الايام الماضية . . . عندما ينسحب البطل الى حقيقته الداخلية,  تأتي عناصر الطبيعة (المكان) لتكون همزة وصل بين الداخل والخارج. "وامسكت فجأة خصوصية الرائحة, شممت رائحة البحيرة, رائحة المياه تختلط برائحة الاعشاب التي تنمو على حوافها, رائحة قادمة من ستة واربعين عاما, مثلما يتذكر المرء رائحة الحليب وهي تقطر من ثدي امه, او مثلما يتذكر فجأة رائحة الصابون الذي كانوا يغسلون به شعر راسه . . . يا لتلك الرائحة الكامنة في اعماقي مثل النار الكامنة في قلب حجارة الصوان (31) 
 
يأخذ بطل الرواية في قصة عائد الى حيفا الدور القيادي فيها فهو الذي يقود الرحلة وهو الذي يتصدى لدوف ويجيب على تساؤلات مريام وهو الذي يقرر متى يبدأون ومتى يتوقفون اما في رواية يخلف فإن الراوي, بطل القصة, يبقى في منطقة الظل شأنه شان اي مهزوم في هذه الحياة. يكاد يقتصر دوره على المشاهدة او رواية الخبر دونما اي تدخل فاعل، والكاتب في ذلك كان منسجما مع بطله وخط سيره, فالشخصية مهزومة ضائعة بين موقفين: قبول الهزيمة او رفضها, لذا فان دورها في الاحداث لا بد ان يكون هامشيا. وهذه السلبية ـ اللاموقف ـ تسبغ الشخصية في جميع تصرفاتها, فهو يترك للاخرين كي يقرروا له ( لقد قررت مجد اين ومتى وكيف يلتقيان, وقرر له اكرم اين يقضي ليلته ووقت يتابع السير وساعة التوقف وحتى نوع طعامه وشرابه . . . ) فكأن الكاتب اراد ان يقول, لقد انتهى دور المقاتل المشرد ليبدا دور المغترب التاجر . . .  مرة واحدة تدخل الراوي بالحدث وكان فاعلا فيه عندما قرر الاخرون العدول عن متابعة الرحلة فاصر هو على اكمالها ـ وللحدث دلالة سياسية بالغة الاهمية ولكنها خارج اطار هذا البحث ـ
وكنتيجة لهذا التهميش الذي يصيب الشخصية تنسحب الى الداخل , تعيش همومها وتتغذى حزنها وذكرياتها , الاليم منها والمفرح , فتكثر اسماء محطات من الماضي : العرقوب, جنوب لبنان, الاغوار الجنوبية ممر العمل الفدائي ايام مرحلة الشباب المبكر والضحايا التي سقطت دون ثمن . . . وتلك القرية التي تذكر ببؤس الدونكيشوتية التي اضاعت فلسطين عام 84 . . . ثم القرية الحلم، سمخ، بعيدة وقريبة . . . كما لو انها هناك في بقعة ما في ذلك الكوكب الذي يسكن السديم (7) 
 
يتمثل الاخر في رواية كنفاني بدرجة كبيرة ب"دوف" الابن المولود عربيا "خلدون" والمحول الى اسرائلي بالتربية وهو في رواية كنفاني موجود بقوة, إما عدوا يواجِه او مضللا وضعته الظروف في مواجهة لم يكن يريدها، كما أن في المشهد ظاهرة لعلها الاولى في تاريخ الرواية العربية، عنيت بها أنسنة العدو. جاء ذلك من خلال عرض شخصية مريام والاحداث التي ادت بها الى فلسطين، فإذ هي ضحية ومضلَلة، لا غازية ومعتدية بل امرأة مرهفة الاحساس يسيئها ما تقوم به المنظمات اليهودية من اعمال اجرامية فتتالم لرؤية طفل عربي يلقى في الشاحنة كحطبة وفيما يفرح زوجها لانه يشاهد سبتا يهوديا تبكي هي لانه لم يعد هنالك جمعة حقيقية ولا احدا حقيقيا (377) . وللعدو عند كنفاني اليد العليا، فهو يدين ويعطي دروسا في الوطنية لا يستطيع إزاءه الفلسطيني إلا الغضب, في حين تقف رواية يخلف على مسافة من الاخر، فلا تسمه باية سمات خاصة فلا هو صديق ولا هو عدو صريح, بل هو واقع يفرض على العائد التعامل معه وتقبل اسقاطاته. إلا انه كما في عائد الى حيفا له اليد العليا ايضا، فهو المسؤول عن فشل التواصل واقامة الحوار. وتشمل المسؤولية المجتمع بجميع فئاته: فها هو صاحب النزل يتخوف من استقبال الفلسطينيين في نزله لانهم من "المناطق". وها هو اكرم العائد من منفاه ليحي التعايش, ليعيد للزوجة اليهودية التي فصلت عن زوجها قبل خمسين عاما, خاتم زواجها يرى انها قد انكرته. فهي عمياء صماء خرساء. ويفشل البطل أيضاً في استعادة جثة خاله المحتفظة في الثلاجة منذ ثلاثين سنة. كما تفشل البعثة التلفزيونية في احياء مهرجانها التوفيقي الذي حشدت له كل الامكانيات. رغم كل ذلك فقد علمته التجربة ان الوطن ليس مجرد ارض وتاريخ بل هو مواطنة, اي فعل ايمان دائم لا يهن امام الهزائم مهما كان وقعها قاسيا ومتتاليا, والمواطنة تقتضي منه ان يناضل, ان يظل يحلم ويعمل لتغيير الواقع واعادة صياغة الوطن والارض والانسان . . . كما انه تعلم ايضا ان يده الممدودة وحدها لا تستطيع شيئا ان لم تقابلها ارادة التغيير من الاخر الذي لم ينتقل بعد بمفهوم الوطن الى عمقه الاشمل، المواطنة. وقد لجأ يخلف الى الغرائبي والمدهش ليلفت الى ما في هذا "النسيج المسمى وطنا" من تناقضات وعدم انسجام: ففيه يتحول مجري النهر ويتغير منبعه ومصبه وتمسي مياهه مالحة . . . وفيه تنقلب دورة الحياة فيكون الاب في العشرين والابن في الاربعين والزوجة في الستين. وفيه ايضا تتمرد التماسيح على انهارها . . . هذه هي اسرائيل: إشاعات واكاذيب وحواجز نفسية تقام كل يوم بينها وبين الفلسطيني. لذا انتهت قاذفة السلام بقنبلة، معلنة مسؤولية الاخر عن هذه النتيجة، فهو ما زال  يفتعل المخاوف ويقيم الحواجز بينه وبين الفلسطيني، خائف ان يطلع له حوت من بحر غزة وعلى الحواجز يفتشون عن ضبع له انياب, عن كركدن عن وحيد القرن , وفي طبريا إشاعة تقول ان تغييرا جيولوجيا ضرب البحيرة ونكّر تماسيحها فخرجت هائجة تتعقب الناس وتفترسهم ثم ينكشف الامر, ويتبين انه لا يعدو عن مجرد هروب تمساح صغير لا اسنان له من حديقة الحيوانات وقد تم تقييده واعادته الى قفصه بحركة استعراضية دعائية فيها الكثير من اصطناع الخوف
 
ونلاحظ في عودة سعيد س. اختفاء للسلطة المحتلة، فلا حواجز ولا عوائق على الطريق ولا اشاعات تسري هنا وهناك فقد قام سعيد س. في رحلته كمن يقوم برحلة من بيروت الى صيدا لم تعترضه حواجز تفتيش ولا نقاط حدود ولا تشكيك ولا مشككين, في حين كانت طريق صاحب نهر يستحم في البحيرة مليئة بالعقبات بل ان اكثر احداث الرواية وصورها الرمزية انما تتم في الطريق من رام الله الى سمخ.
 
لا تاتي رواية كنفاني على ذكر المنفى إلا عرضا في حين يخصص يخلف مكانة خاصة له ويعليه على الوطن. ففي مقارنة بين وعد الحبيبة الفلسطينية وعائشة التونسية, تتغلب الثانية على الاولى, فما عائشة في بهائها وعطرها وثوبها المطرز إلا المنفى الرحب الذي حضن الفلسطيني وعطف عليه في حين كان الوطن مثخنا بالجراح والذكريات الاليمة
 ـ عائشة قطعة من روحي  (الراوي)
 ـ عائشة هي جنون الفلسطيني التائه  (وعد)
 ـ عائشة دمعتي وابتسامتي . . . عائشة قمري ووردتي
 ـ لعلها وردة الجرح
 ـ بل هي وردة الدفء العربي(Cool
في حين كانت وعد الحبيبة  التي كبرت ورحل بريق خاص من عينيها وبدأت التجاعيد تحبو تحت خفنيها , هي الحبيبة القادمة "من  وراء الريح والضباب وبوابات الغربة والضياع ومن وجع سبعة وعشرين عاما ومن اخاديد وشقوق السنين الهرمة " (9)
ومما تجدر ملاحظته هنا, ان الكاتب في نظرته هذه خالف ما هو شائع في الادب الفلسطيني, فنحن قليلا ما قرأنا في هذا الادب تمجيدا للمنفى بل نقمة وأدانة له: فمن قصص" سميرة عزام" الى روايات "غسان كنفاني" الى اعمال "الياس الخوري" وصولا الى زميلة الكاتب في تجربة تونس "ليانه بدر", نقرأ مرارة غربة واغتراب وصعوبة تقبل. فالمنافي باستثناء دولة عربية واحدة او اثنتين ,كانت اطرافا تتجاذب الفلسطيني فهذا ينبذه وذاك ينفيه وثالث يقمعه وكل يجد التبرير الملائم لفعلته. فالفلسطيني ناكر للجميل حينا ومتآمر حينا اخر وطامع بالحكم  في ثالثة . . .  ولطالما سمعنا قصصا عن فلسطينيين بقوا لايام في الجو وتبادلتهم المطارات عشرات المرات، واخرين ظلوا لاسابيع في البواخرلان الموانئ لا تستقبلهم وذاك يرميهم على الحدود في العراء الى ما شاء الله. إلا أننا لا يمكننا أن نتجاهل ما رمى اليه الكاتب من هذه المقارنة فهو حتماً رمى الى القول انه عاد الى وطن ليجده منفى اشد مرارة وقسوة من المنافي الاخرى التي شكونا منها. منفى يرفضك بكل فئاته, الرسمية منها والشعبية. في حين كان المنفى العربي حضنا شعبيا دافئا يعوض ما تلحقه الجهات الرسمية من رفض وتنكر وإسآة . . . ومما يرجح هذا التأويل ان موقف الشخصية كان مختلفا في اول الرحلة . لقد فرح لمشاهدة الوطن وغّلبه على المنفى, واشار ضمنا الى مرارة الحياة المتشردة .  فها هو بطل القصة ( الراوي , المؤلف) يفرح لمشاهدة الشرطة الفلسطينية في غزة ويترجم لمشاعر الشرطي فيقول: هو سعيد بما امنته له الاتفاقية فهو يشعر بسعادة غامرة عندما يقارن بين وضعه الجديد ووضعه السابق إذ كان يعيش في معسكر السنكات مع قبائل الهدندو , "لقد خلع بذلته الكاكية المرقطة ولبس ثياب الشرطة واستمتع باستقبال حافل من الجماهير عشية دخوله من معبر رفح "(1) وما هذه المواقف القلقة إلا انعكاس للبلبلة الحاصلة في ضمير الكاتب ومن ثم ضمير الانا الجمعي إزاء التحولات الدراماتيكية التي طرأت على القضية وابنائها, فزعزعت ما كان ثابتا لديها من قناعات
 
اما من ناحية الاسلوب فقد اتبع كنفاني الاسلوب الواقعي المباشر فقد كانت رحلة العودة لسبب ذاتي مباشر هي رغبة الام في الاستفسار عن ابنها المفقود وكانت الاحداث طبيعية كمثل ما يمكن ان يحدث لأي كان. أما يخلف فقد اعتمد رمزية تكاد تصل حد السريالية احيانا, فهو مثلا اعتمد على  شخصية خارجة عن نطاق الحدث, مستلة من التاريخ القريب, يستدعيها حين يتأزم النص لتنفث عما في الصدر من رفض لامنطقي لسير الاحداث. هذه الشخصية هي الجندي الياباني اونودو الذي بقي لعدة قرون بعد هزيمة بلاده  ثابتا في كمينه يرفض كل الدلائل التي تشير الى الهزيمة . . . لقد انتظر اونودو المتماهي بالفلسطيني المهزوم في متراسه ثلاثين سنة ينتظر عدوا لا ياتي ويرفض تصديق المنشورات التي القتها الطائرات المعادية معلنة استسلام بلاده . . . ثم يرفض تسليم سلاحه عندما  يتحقق له صدق هذه المنشورات . ورغم ذلك اصر على البقاء في كمينه.  وعندما اضطر لمواجهة الواقع  الاليم اصيب بصدمة نفسية حادة : فقد وجد نفسه فجأة رجلا بلا قضية  
 
وبكلمة، فان نص "نهر يستحم في بحيرة " وإن نحى في كثير من ظواهره منحى مختلفاً عن كلاسيكيات الادب الفلسطيني, إلا أنه أبقى على الميزة الرئيسية لهذا الادب لناحية كونه ادبا قلقا مشحونا دوما بالرفض والغضب, ولكنه وليد المرحلة التونسية متفاعل مع الحدث المستجد (اتفاق اوسلو) يتقدم فيه الحزن والانكسارعلى الرفض والغضب, وفيه يتراجع دور المقاوم المنفي ليفسح في المجال  لدور المهاجر المؤمرك. والنص في مجمله رحلة عبور حزين عكس منطق الاشياء, من المنفى الى وطن لم يحرر . . . تحكمه رؤيا ضبابية للمستقبل , اللهم إلا تلك الصرخة الغاضبة التي تختتم فيها القصة : "القنبلة موجودة داخل  صدري . . . في اعماقي . . . حذار من الاقتراب فقد تنفجر بين لحظة واخرى (41)
 
أما رواية كنفاني فهي على حد تعبير د. فيصل دراج تأمل لحوار العدل والقوة العقيم. وفيها يضيء كنفاني انفعال الانسان الموجود في قلب الظاهرة . وفيها يقف كنفاني لاول مرة في الرواية العربية, امام صهيوني محدد الاسم والعمل والمسار بعيدا عن التجريد التبسيطي العربي المسيط . فكأن كنفاني يعترف بالوجود الصهيوني كي يعرف وبشكل مشخص سبل مواجهته دون شعاراتية وفائض لغوي. ولأن كنفاني تعامل مع عسكري صهيوني مشخص لا ترديه لغة الوعيد قتيلا فهو لم يقف على "الشرفة العالية" بل كتب مرتبكا وارتبك وهو يتمرد على مقاياسات مجردة 
سدني استراليا3/10/06
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 8:46 pm

تعدد الأصوات في القصة القصيرة
"لو كنت حصانا" غسان كنفاني مصداقا
 
 بقلم الكاتب: د.عبد الهادي أحمد الفرطوسي
 
يرد العنوان بصورة جملة شرطية حذف جوابها فخرجت من الشرط الى التمني، غير أنها تعود الى اكتساب صفتها الشرطية بعودة جوابها إليها في الجملة الأولى من العمل، وبذلك تكون العلاقة بين العمل وعنوانه من النوع الثاني بحسب تقسيمات د. محمد فخري الجزار، أي أن إعلام العنوان يصير " جزءا من كل ، هو إعلام العمل أي أنها علاقة عضوية "  ، غير أن هذه العلاقة لا تمنع من البحث عن الدلالة التي تخلقها المفارقة القائمة بين العنوان والجملة الأولى من العمل، وليؤجل الحديث في هذه النقطة الى الحيز الأخير من البحث ، لكن ما يترك أثره على امتداد العمل هو التقابل الذي يحدثه العنوان بين البطل مشارا إليه بضمير المخاطب وبين الحصان ، والعلاقة التي تقيمها بين الاثنين الأداة " لو" التي تمنح العلاقة بين الشخص والحصان صفة مزدوجة ، ففي الوقت الذي تنفي الأداة " لو"  اتصاف البطل بالتماهي بالحصان ، بوصفها أصلا حرف امتناع لامتناع ، تمنح العنوان – بصيرورتها حرف تمنّ - دلالة أخرى وهي الرغبة في أن يتماهى البطل بالحصان.
 
تستهلّ القصة بالجملة الآنية :
"– لو كنتَ حصانا لأطلقت رصاصة في دماغك"، وتختم بـ "وكان يقرع بلاط الشارع المبلول بقدميه الكبيرتين فيرجع الصدى كأنه خبب حصان" 
وبين هاتين الجملتين عشر صفحات من الأحداث تدور حول الرجل والحصان اللذين تأسس عليهما متن حكائي مركب من ثلاث قصص صغيرة يضمها مبنى حكائي واحد ، تدور الأولى حول حصان يحمل في بطنه بقعة حمراء ، يقول عنها أبو محمد أنها دم الضحية ، وأن هذا الحصان سيقتل عزيزا ، ويدعو إلى قتل الحصان أو بيعه … وتنتهي القصة الصغيرة بأن يقتل الحصان أمّ الرجل ويرميها في النهر.
أما القصة الصغيرة الثانية فتدور حول رجل ولد وفي جنبه الأيمن شامة كبيرة حمراء تشكل عند الأب – صاحب الحصان - علامة على دم الضحية التي سيقتلها حامل هذه الشامة ؛ لذلك كان الأب خائفا من ابنه منذ ولادته ، وتنتهي القصة الثانية بأن يموت الأب تحت مبضع طبيب غير كفوء ؛ لأن ابنه الجراح الأكفأ امتنع عن القيام بعملية الزائدة الدودية تنفيذا لرغبة أبيه.
تتداخل الحكايتان بمهارة فائقة مشكلتين نصا سرديا محكم النسج.
 
*    *    *
 
يبيّن الوصف البنائي – تقول شلوميت كنعان- كيفية تنظيم الأحداث لخلق مساقات صغيرة، تتحد بدورها لتشكل مساقات كبيرة ، والقصة التي بين أيدينا تتشكل من ثلاثة مساقات صغيرة ، أو ثلاث قصص صغيرة باصطلاح برنس، الذي يعرّف القصة الصغيرة بأنها تتألف من ثلاثة أحداث موحدة يكون الثالث عكس الأول، ويسبب الثاني ا  لثالث، ويكون الأول سابقا الثاني ، والثاني سابقا الثالث .
واستنادا إلى ذلك فإن القصة الصغيرة الأولى ، والتي سنطلق عليها القصة أ تتشكل من الأحداث الآتية:
1 ولد الحصان وفي جنبه بقعة حمراء ؛ فتنبأ له أبو محمد أن سيقتل عزيزا.
2كبر الحصان واستخدم.
3 رمى الحصان زوجة صاحبه من على ظهره فقتلها ؛ لأن صاحبه تركه يكبر دون ان يقتله.
 
اما القصة الصغيرة الثانية والتي سنطلق عليها ب ، فإنها تتشكل من الأحداث الآتية:
1ولد البطل  وفي جنبه بقعة حمراء.
2كبر وصار جراحا ماهرا.
3 انصاع البطل لرغبة أبيه فترك زميله الفاشل يجري العملية تلبية لرغبة أبيه ؛ فمات الأب .
أما القصة الصغيرة الثالثة فتتكون من الأحداث الآتية:
1 اكتشف البطل لماذا كان أبوه يخافه.(بسبب خرافة البقعة الحمراء)
2 حلل البطل الأحداث كلها.
3 اقتنع بخرافة البقعة الحمراء وأنه كان السبب في موت أبيه.
قبل الانتقال إلى الموضوع اللاحق لا بد من طرح السؤالين الآتيين:
1 هل كان الحدث الثاني سببا للحدث الثالث في القصة ب؟
2 هل كان الثالث عكس الأول في القصة ج ؟
أأجل الأجابة إلى نهاية البحث.
*    *    *
 
تحصل أحداث القصة ب في المدة التي تنتهي بها أحداث القصة أ ، وبكلام أدق ان نهاية القصة أ هي بداية القصة ب ، لكن ورودها في النص  لا يخضع لهذا التسلسل، وإنما تتداخل أحداث القصتين وتتشابكان في أكثر من موضع ، وتبدأ القصة ج بعد انتهاء القصتين ونتيجة منطقية لهما ، تعرض الأحداث جميعا من خلال منلوج داخلي كبير يستغرق النص بأكمله، يمارسه بطل القصة ب؛ فيكون بذلك الشخصية المركزية المبأ ّرة، حيث يمرّ كل شيء من خلال شخصية واحدة – بحسب جينيت- .
   وبوساطة هذا المنلوج الداخلي تتناثر أحداث القصتين أ و ب تناثرا غير خاضع لمبدأي الزمنية والسببية، ولعل اختيار المنلوج الداخلي لعرض الأحداث خير وسيلة تبرر لنا هذا اللعب بالزمن وتكسير خطيته في القصتين أ و ب ، ويثير الحفاظ على خطية الزمن في القصة ج  تساؤلا.
 
ويوّضح الجدول الآتي تسلسل كل من أحداث القصتين أ و ب في النص  وفي المتن الحكائي وعدد مرات التكرار:
جدول 1
يبين تسلسل الأحداث في النص والقصتين ا و ب
 
الحدث تسلسله
في النصتسلسله
في القصة اتسلسله
في القصة بالتكرار الصفحة
لو كنت حصانا
ان أباه لم يهجر الخيل
إلاّ لما هجر الريف
كانت زوجته قد ماتت
بعد ان وضعت له ابنا
باع خيوله
ذهب وواله إلى الريف
سحب دفترا وقرأ
20 –4 - 1929 قالوا لي ان  أبيعه أو أقتله (مولد الحصان) 
1-12 – 1929 لن أفرط به
20 – 3 – 1930 لن أقتله
28 – 7 – 1930 القاها عن  
ظهره 
اطلق أبو محمد الرصاص في  دماغه
كان يجب ان يقتل حينما سقط 
على القش
قبل ان يطوح بها الحصان
سمع صيحة الم من غرفة والده
يتحمل مسؤولية موتها
ولد الحصان في ليلة عاصفة
كما حمل برق دم أمه
لماذا قتلها برق؟
ايكون قد قتله (أباه)بإهماله؟
      
*     *     *
 
يقول روبرت شولز "ان ازدواج السياقات هو البداية لذلك النوع من الأدبية التي تميز الخيال القصصي"  ، وكان قبل ذلك قد أسس نظرته هذه على ثلاثة تقابلات ، من بينها الحاضر في مقابل الغائب  ، وفي هذا النص المدروس ، وعلى الرغم من ان القصتين أ و ب تنتميان إلى الغائب باعتبارهما احداثا ماضية ، لكن المؤلف قد جعل عالم القصة ب حاضرأ ؛ لأن الراوي الرئيس بطلها فأحداثها حاضرة في ذاكرته ، أما أحداث القصة أ فقد مثلت الغياب التام ، وظلّ  الراوي يسعى إلى اكتشافها بوساطة استذكاره لأحداث القصة ب و تحليلها،  وهنا لا بد من العودة الى العنوان بوصفه " يتوجه الى المستقبـِل حاملا  مرسلته في دلاليته، وهذا الحمل هو قصد المرسل"  لإدراك حضور بطل القصة ب بالتعبير عنه بضمير الخطاب ، وغياب بطل القصة أ بالتعبير عنه باسم الجنس  والإيغال في تغييبه بذكره مجردا من أداة التعريف .
 
*     *      *
 
يؤدي التكرار في - هذا النص – وظيفة سردية مهمة في تكسير خطية الزمن ، ويسم النص بالحكاية التكرارية باصطلاح جينيت ، فقد تكررت ثلاثة أحداث كما يبين الجدول السابق ، هي: ولادة الحصان و مقتل الأم وبيع الخيول، فالحدث الأول (مقتل الحصان ) يبرز أول مرة في الصفحة الرابعة مدونا في دفتر مذكرات يقرؤه البطل الراوي معلنا تاريخ ولادته دون ذكره صراحة: "20 –4 –1929 قالوا لي أن أبيعه أو أقتله…"  ، ثم يتكرر الحدث في المقطع الثاني على لسان أبي محمد حاملا وجهة نظره: "الحصان كان يجب ان يقتل عندما ولد وفي نفس اللحظة التي سقط فيها على القش …"  ، وثالثة على لسان الطبيب الذي أجرى العملية للأب في المقطع الرابع وبتفصيل أشد يستغرق 14 سطرا :"وحكى والدك أيضا عن حصان كان عنده منذ ثلاثين سنة ، لقد ولد في ليلة عاصفة من أمّ أصيلة وأب صحراوي جلبه بدوي معه من قلب البادية ، كان أجمل حصان في العالم، في نظر أبيك ، كان ذا لون أبيض فضي صاف لا تشوبه أية شائبة…..حاول أن يوقف الحصان على قوائمه……"  .
أما مقتل الأم فإنه يرد أولا في عبارة عابرة ضمن مجمل سريع في المقطع الأول :" كانت زوجته قد ماتت بعد ان وضعت له ابنا"  ، ثم ترد في دفتر المذكرات المشار إليه : " 28 –7 – 1930 ألقاها عن ظهره بوحشية على شاطئ النهر تم حطّم جمجمتها بحوافره وبقي يدفعها بقائمتيه الأماميتين حتى أسقطها في النهر….." .
وثالثة على لسان أبي محمد في المقطع الثاني ، "عاش معها سنة واحدة وضعتك في أواخرها قبل ان يطوح بها الحصان على حافة ذلك النهر"، والتكرار الرابع على لسان الطبيب:"حكى عن أمك…ثمّ قال أنه يتحمّل مسؤولية  موتها مع برق بالمناصفة " .
 
هكذا يؤدي التكرار إلى تكسير خطية زمن القصتين أ و ب ؛ فينتج عن ذلك نوع من العتامة – كما يقول سعيد يقطين-  ، التي تؤدي بالقارئ إلى التوتر.
 
*    *   *
 
يرتبط التكرار هنا بتعدد وجهات النظر ، فإن اتصاف النص بالتبئير الداخلي الثابت – كما سبق – لا يلغي تعدد زوايا النظر، فمن المنلوج الداخلي الذي يسرده الراوي الرئيس بطل القصة ب ينبثق ثلاثة رواة ثانويون  ، هم : الأب وأبو محمد والطبيب ، ومنها تنبثق ثلاث زوايا نظر جديدة.، فتعدد الرواة يؤدي الى تعدد وجهات النظر، كما يرى الدكتور حميد لحمداني
ترتبط زوايا النظر هنا بالتشكيل الخارجي للنص، فهو مقسّم على خمسة أقسام لم يعمد المؤلف إلى عنونتها أو ترقيمها، يتبنى القسم الأول والقسم الثالث والقسم الخامس وجهة نظر بطل القصة ب بوصفه راويا لها ، أما القسم الثاني فأن البطل الراوي يصير مرويا له ويكون أبو محمد راويا ، وفي القسم الرابع يأخذ الطبيب موقع الراوي الذي يوجه الخطاب إلى البطل.
بهذا التشكيل نكون إزاء حالة تقابل ضدي بين وجهتي نظر ثابتتين ، تتطور بتأثيرهما وجهة نظر البطل السارد : الأولى وجهة نظر أبي محمد الممثلة للاتجاه الغيبي تقابلها وجهة نظر الطبيب المادية ، ويتمظهر التقابل الضدي داخل النص بالصور الآتية:
1تقدّم وجهة النظر الأولى البقعة الحمراء على جنب الحصان علامة على قتل عزيز، أما وجهة النظر الثانية فترى في البقعة الحمراء حالة عضوية لها تفسيرها البايولوجي ، ويسمّي راويها أفكار أبي محمد بالخزعبلات والخرافات.
2ينتمي أبو محمد إلى الماضي الغابر فيملي حكمته على الأب ، أما الطبيب فهو شاب من جيل الابن .
3يقدم المؤلف أبا محمد مكتفيا بكنيته ، وتلك تتضمن دلالتين الأولى أن الكنية علامة على الاحترام والتبجيل ، والثانية أن المسمّى معروف لنا لا يحتاج تعريفه إلى أسم او لقب ، أما الآخر فهو مجهول ، لا نعرف له اسما ولا كنية ولا لقبا ، يكتفي المؤلف بذكر مهنته فقط ، يقول اسبنسكي ان من الوسائل الخاصة للتعبير عن وجهة النظر على المستوى الأيديولوجي الاستفادة من النعوت والألقاب الراسخة بالموروث الشعبي …. والتي تنسجم مع موقف المؤلف من الموضوع الذي يصفه .
هكذا تؤدي النعوت والألقاب وظيفة دلالية ، فيشير أبو محمد بفضلها إلى الموروث الغيبي ، بينما يشير الطبيب إلى الفكر المادي الوافد من الغرب ،
 
4يعرض النص وجهة نظر أبي محمد مضمرة متداخلة بوجهة نظر الأب ابتداء من العنوان الذي تحقق بصورة جملة شرطية حذف جوابها ، فتحوّلت الدلالة بفضل هذا الحذف من الشرط إلى التمنّي ، ثمّ يتكرر عرضه إيماءات منسوبة إلى أبي محمد ،  فضلا عن  وجهة نظره المروية على لسانه في المقطع الثاني بأكمله.
أما وجهة نظر الطبيب فتبقى مغيبة على امتداد المقاطع الثلاثة الأولى ، حتى إذا جاء المقطع الرابع كانت رواية الطبيب تنقل وجهة نظر أبي محمد مبطنة بعلامات السخرية والتهكم ، ولا تبرز وجهة نظره صريحة  إلا في جملة استفهامية في آخر المقطع : "وأنا أعجب … ألم تناقشه أبدا في أمر هذه الخزعبلات ؟ " .
تشكل هيمنة وجهة النظر الأولى وضمور وجهة النظر الثانية علامة سيميائية على تأصل الفكر الغيبي في التكوين النفسي والثقافي والأبستميولوجي العربي ومدى ضمور الفكر المادي وهامشيته  ، فيكون  نتيجة َ ذلك التحوّلُ في وجهة نظر البطل وقبله الأب من الفكر الرافض للغيبيات إلى اعتناقها  ، ولا يعني ذلك التحول تعبيرا عن وجهة نظر المؤلف .
وبين هذين الاتجاهين يصطرع الأب ومن بعده الابن ، وتتحول وجهة نظرهما، يقاوم الأب غيبية أبي محمد ساعيا إلى تحطيم الأسطورة ، لكنه في النهاية ينحني أمامها ، ويصير غيبيا خرافيا ، متى حصل هذا التغير في وجهة النظر ؟ حصل ذلك في 28- 7 –1930   .
يرافق هذا التحول الهجرة من الريف إلى المدينة ، وقطع كل صلة تربط الأب بعالم الخيول ، إذاً فعالم الخيول جزء من وجهة النظر تقف على الضد من وجهة نظر أبي محمد.
 
*     *      *
من بين الوظائف التي أداها التكرار في هذا النص وظيفة التضخيم - باصطلاح إمبرتو أيكو – الذي يرى في التضخيم  إسهاما في تأويل المظهر الخطي للنص ، لقد اقتصر التكرار على شخصية الحصان من دون غيرها من الشخصيات ، فكان ان تكررت ولادته ثلاث مرات ، وقتله الأم ست مرات، والإشارة إلى بيع الخيول مرتين – كما بين الجدول السابق – وبذلك فقد تضخمت شخصية الحصان ، وهذا التضخيم يدفع المحلل إلى ان يتعامل معه بوصفه علامة سيميائية مهيمنة .
أول ذكر للحصان يرد مدونا في دفتر أسهب المؤلف في وصفه ، وبذلك  الوصف أومأ لنا بأنه مدونة تاريخية ، تكشف تلك المدونة أربعة تواريخ متعلقة بالحصان ، تنحصر بين 20 – 4 –1929  مولد الحصان و28 – 7 – 1930 قتله الأم ، وهذه التواريخ الأربعة  تفتح نافذة على متفاعل نصي تاريخي ، والمتفاعل النصي – بتعريف سعيد يقطين – هو "البنية النصية أيا كان نوعها التي تستوعبها "بنية النص" وتصبح جزء منها ضمن عملية التفاعل النصي" .
تشير المصادر التاريخية إلى انتفاضة عارمة عمّت فلسطين عام 1929 وبقيت آثارها حتى أواسط  1930   ، يطلق عليها اسم ثورة البراق ، فيتناص الاسم المذكور مع برق اسم الحصان بطل القصة أ؛ فتتعزز بذلك فاعلية المتفاعل النصي التاريخي ، تقول المصادر ان تلك الانتفاضة قد اندلعت في صيف 1929 وعمّت المدن الفلسطينية كافة ، وكان من نتائجها ان تضافرت جميع القوى والأحزاب السياسية الفلسطينية ونسيت خلافاتها ، كما أنـّها قد كسبت الرأي العام العالمي فجاء الكابتن الإنجليزي كانتنغ ، متعاطفا مع القضية الفلسطينية ، وأدان سياسة بريطانيا الاستعمارية ، ومثله فعل الانجليزي جون فليبي  ، ونتج عن ذلك ان أصدرت الحكومة البريطانية كتابها الذي كان لصالح العرب.
    سميت تلك الثورة بثورة البراق لأن سبب اندلاعها يتعلق بخلاف بين العرب واليهود على مكان ملاصق لجدار الحرم الشريف يحمل هذا الاسم ، لأنه يتضمّن الباب الذي دخل منه الرسول في إسرائه   ، وهذا الأمر – وبتناص البراق ببرق – يفتح نافذة جديدة على متفاعل نصي آخر ، ذلك هو الإسراء والمعراج .
 
مخطط لاشتغال المتفاعلين النصيين 
يشتغل المتفاعلان النصيان داخل النص وخارجه على وفق ما تشير إليه الخطاطة السابقة وعلى الصورة الآتية :
1 ترد لفظة برق في المقطع الأول اسم علم للحصان ؛ فتحيلنا إلى البراق وليلة الإسراء والمعراج:
كان برق " ذا لون أبيض صاف لا تشوبه شائبة"   ، مثل البراق تماما ، " لكن ما ان وقف حتى لاحظ الجميع ان بقعة كبيرة متعرجة من اللون البني الميال للاحمرار تشغل كل جنبه الأيمن"   ، وتلك أولى الانزياحات عن النمط الأصلي ، وهو " سهل الركوب ، وكان مطواعا"  ، أما البراق فقد انتفض حين اقترب منه الرسول الكريم فنهره جبريل قائلا :  "ما يحملك على هذا؟ فوالله ما ركبك قط أكرم على الله منه"  .
ترد أوصاف برق الإيجابية الجميلة برواية الطبيب الحامل لوجهة النظر المادية ، أما النبوءة بكون البقعة الحمراء تعني ان الحصان سيكون سببا في مصرع عزيز فترد على لسان أبي محمد حامل وجهة النظر المضادة .
أما الانزياح الأهم عن النمط الأصلي فيتمثل في ان برق يرمي بالأم أرضا ، ويهشم جمجمتها بحافره ثمّ يدفعها إلى النهر، بينما يحمل البراق رسول الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم يعرج به إلى السماوات السبع ، ويجتازها  إلى قاب قوسين أو أدنى.
وأخيرا فإن البراق كائن سماوي جاء به جبريل  من السماء ليؤدي مهمة مقدسة  ، أما برق فهو كائن أرضي " ولد في ليلة عاصفة ، من أم أصيلة وأب صحراوي"  ، ولما كانت المخيلة الإنسانية قد رسمت الكون الأدبي على ثلاث مستويات: العالم الفوقي والعالم التحتي والعالم الترابي   ، فإن البراق ينتمي إلى العالم الفوقي المقدس النوراني الذي يقدم الخير للبشرية ، والذي بدخول كائناته عالمنا الترابي تجلب معها أدوات الحضارة  وتحقق التقدم والرفاهية للبشرية .
أما برق ولكونه ولد في ليلة عاصفة من أب صحراوي  فهو ينتمي إلى العالم السفلي عالم الظلمة والشياطين ، عالم الشر الذي تسكن كائناته الصحارى والأماكن المقفرة   .
2 ترد في المقطع الأول سلسلة التواريخ فتحيلنا إلى انتفاضة 29 – 1930 ؛ فينزاح جانب من إيحاء برق من الإسراء والمعراج إلى الثورة المذكورة ، وبورود لفظة برق اسما للحصان يحصل التقابل بين الحدث الداخل – نصي متمثلا بالحصان برق والحدث الخارج – نصي متمثلا بتاريخ الانتفاضة.
كان برق هجينا من أب صحراوي وأم أصيلة ، وكذا كانت الانتفاضة تحركها اتجاهات مختلفة : أصولية إسلامية وقومية ويسارية ماركسية ما زالت في نعومة أظفارها ، تمثلت بتنظيمات وأحزاب مختلفة ، لكنها تضافرت فيما بينها ناسية كل خلافاتها في سبيل الثورة  ، ونتيجة ذلك كان أن اضطر الإنجليز في ربيع  1930 إلى إصدار بيان لصالح العرب والمسلمين ، هكذا كان  " 20 –3 -  1929 هو أروع حصان شهدته في حياتي "  ، لكن الأمور لم تسر على ما يرام ، فبعد أشهر قليلة كان الانجليز يبعثون بالأسلحة إلى الصهاينة ، ويعدون بشكل جدي إلى إجلاء الفلسطينيين عن أرضهم .
3 يشكل الخال الأحمر في جنب البطل الراوي علامة على الجريمة التي سيرتكبها ، من وجهة نظر الأب ، وتتقابل العلامة وحاملها ومدلولها داخل النص تقابلا ضديا مع خال – خارج النص – على كتف رسول الله كان قد شكل علامة من علاما ت النبوة.
 وتؤدي آليات السرد دورا مهما في اشتغال المتفاعلين النصيين ، حيث يتوجه المعنى الدقيق  بفعل تلك الآليات .
بحضور شخصية أبي محمد  حاملا لوجهة النظر المهيمنة يحصل التقابل بين أبي محمد بوصفه علامة سيميائية داخل النص  وبين شرائح اجتماعية معينة بوصفها مرجعا خارج النص ، وتشكل العلامة ومرجعها قطبا موحدا يتقابل مع شخصية النبي محمد (ص) .
لا يحدد النص هوية أبي محمد الطبقية و لا يشير إلى موقعه الاجتماعي ، لكن معجمه اللغوي يكشف عبارات مثل "رحمها الله " و " سامحه الله " التي تكررت ثلاث مرات تكشف عن الموقف الديني التقليدي الذي كان مهيمنا على المجتمع ، والذي كان يبشر بالغيبيات والخرافات على الصعيد المعرفي ، ويخدم مصالح طبقة الإقطاع على الصعيد السياسي الاجتماعي ، ويقف بوجه كل تقدم علمي وحضاري ، ولعل رسم مواقع الراويين الثانويين أبي محمد والطبيب وحجم كل من وجهتي نظريهما صورة رمزية للصراع الذي كان قائما أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بين مجلتي المقتطف والمقطم من جهة والرأي العام التقليدي من جهة أخرى  .
بفعل العوامل السابقة يحصل التقابل بين الواقع التاريخي في بدايات القرن العشرين والواقع التاريخي في عصر الرسالة الإسلامية .
    
ان صورة الفكر الغيبي الخرافي مرموزا لها بأبي محمد تجرّ إلى تقابل ضدي جديد مع عصر الرسالة، ويحيلنا هذا التقابل إلى تقابل آخر كشفته الماركسية بين  المسيحية الأولى والمسيحية المتأخرة ، فقد توصّل ماركس وانجلز إلى أن الإيمان الديني في ظروف تاريخية يمكن أن يؤدي دورا إيجابيا وتقدميا ، وهما قد ميّزا بين المسيحية قبل قصطنطين والمسيحية بعده ، فكانت المسيحية الأولى ذات روح ثورية ديمقراطية تستنكر السيطرة الأجنبية والدينية وتستنكر اضطهاد الطبقات المهيمنة ، اما بعد قصطنطين فقد صار كهان المسيحية يقولون " ان الله قد أدخل الرق في العالم عقابا على الخطيئة ، وسيكون تمردا على إرادته أن نحاول إلغاء هذا الرق" .
والأمر يقترب كثيرا من  حال الإسلام ، فقد جاءت الرسالة الإسلامية للإنسانية كافة لتنشر العدل والمساواة بين الناس منادية  " وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5) القصص  " ، كما وقفت بشدة ضد تراكم الثروات " وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) التوبة  " : فكان أن امتدّ نور الإسلام خلال عقود قليلة ليضيئ مساحات شاسعة من المعمورة ، ويحقق بفضل فكره النيّر قفزات حضارية وعلمية كبيرة.
 أما في العصور المتأخرة فقد صار الفكر المهيمن يحمل يافطة الإسلام ، لكنه يقف بوجه التطور العلمي والرقي الحضاري ، ويمارس تحت شعارات إسلامية الاضطهاد الطبقي … هكذا يكون واقع القرن العشرين صورة ضدية لعصر الرسالة الإسلامية.
6يذيل النص بعبارة " بيروت 1961"والرقم يشير إلى تاريخ كتابة تلك القصة ، ويفتح هذا التاريخ نافذة أخرى على متفاعل نصي ثالث ، ذلك هو الحركة الانفصالية التي أطاحت بالتجربة الوحدوية بين مصر وسوريا  ، ان نهاية القصة ب المتمثلة بموت الأب تحدث  بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على نهاية القصة أ المتمثلة بموت الأم في 1930  برواية الطبيب :" وحكى والدك عن حصان كان عنده منذ ثلاثين سنة"  ، تعزز هذه الواقعة التقابل الحاصل بين موت الأب داخل النص  والحركة الانفصالية خارجه.
يؤدي هذا التقابل إلى تأويل جديد للبقعة الحمراء على جنب الحصان ، فهي تشكل في هذا السياق كناية عن الراية الحمراء وبذلك تتحول الدلالة إلى سياق آخر.
لقد كانت فكرة الوحدة العربية حلما عظيما يراود الجماهير العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وخلال الخمسينات تحققت جملة إنجازات تقدمية بدءاً بثورة 23 تموز في مصر ثم تأميم قناة السويس وانتصار العرب في معركة بور سعيد …. ثم جاءت التجربة الوحدوية مع مطلع 1958 التتويج الأعظم لهذه الانتصارات.
غير ان مسار الانتصارات لم  يأخذ الخط البياني نفسه ، فسرعان ما تبددت الخصومات داخل الحركة الوطنية والقومية التقدمية ، وكان في مقدمتها الصراع بين القوميين والشيوعيين حول التطبيق الكيفي للوحدة العربية، والذي امتد ليشمل التنظيمات القومية ذاتها، فكان من بينها من يجد في وحدة عبد الناصر توسعا استعماريا.
هنا يتغير مسار التأويل ، وتتحول دلالة الحصان ذي البقعة الحمراء إلى اليسار الماركسي ، وبناء على ذلك  نجد التفسير المقنع لكون المطالبة بقتل الحصان منذ ولادته لا تصدر إلا عن أبي محمد ، بينما لا تروى الأوصاف الجميلة للحصان إلا عن الطبيب
7 . استنادا إلى ما سبق فإن الخال الكبير الأحمر الذي في جنب الرجل بطل القصة ب داخل النص يتقابل خارج النص مع خال على ظهر الرسول الكريم ، وإذا كان خال رسول الله علامة من علامات النبوة ، فإن خال بطل القصة ب علامة على ارتكاب جريمة – كما يقول أبو محمد - ، بهذا نعود إلى المتفاعل النصي الثاني  ؛ فيتحقق التقابل بين الثورة المحمدية في عصر الرسالة الإسلامية وبين ثورة العرب اليوم … كيف حققت الأولى أهدافها فكانت ثورة جذرية على كل المستويات ، وكيف تسير الثانية إلى طريق مسدود
تحيلنا هذه الدلالة إلى قصيدة خليل حاوي الموسومة " لعازر 1961 " والتي كتبها تحت وطأة الإحساس بالهزيمة الذي تركته نكسة الانفصال ، والحقيقة ان الحركة الانفصالية قد أسهمت مع عوامل أخرى في خلق اتجاه العبث الوجودي والإحساس باللاجدوى الذي هيمن على الأدب العربي خلال الستينيات.
 
*     *     *
وبعد… فأين وجهة نظر المؤلف ؟ وماذا أراد أن يقول ؟
يتمثل في هذا النص القصير نموذج لتعدد الأصوات داخل العمل الواحد ، وتعدد الأصوات يعني "ظهور وجهات النظر المتعددة على المستوى الأيديولوجي"  ، ومن أبرز ملامح العمل المتعدد الأصوات :
1-أن يكون البطل فيه وجهةَ نظر محددة عن العالم وعن نفسه فقط – كما يقول باختين عن أدب دستوفسكي -   ، وهذا ما نجده في الشخصيات الأربع من النص المدروس ، فأبو محمد والطبيب والأب حاملون لثلاث وجهات نظر ايديولوجية ، وللبطل الراوي وجهة نظره المتحولة، انهم جميعا بلا ملامح مادية : الصفات الجسمية والأزياء وما شابهها مفقودة كلها من النص ، كل ما عرفناه عنهم وجهات نظرهم.
2-من العلامات الأخرى للعمل المتعدد الأصوات الحوار المجهري باصطلاح باختين : حيث كل كلمة تكون ذات صوتين ، وفي كل كلمة  يجري جدل بين صوتين ، ونجد هذه الظاهرة في المقطع الرابع من النص ، إذ يروى السرد على لسان الطبيب ناقلا قناعات الأب وأبي محمد حول الحصان  ، ان ذلك الجزء من النص بقدر ما يحمل من الصدق والجدية في وصف الحصان والموقف منه يحمل ملامح السخرية والتهكم التي يتبناها الطبيب والتي يجسدها بعبارات وأوصاف وجمل اعتراضية مثل: "قال انه يتحمل مسؤولية موتها مع برق بالمناصفة، من هو برق هذا؟" ونحو: "حكى والدك أشياء مضحكة لا يفهمها الشيطان نفسه"  .
3-مرّ تقسيم المتن الحكائي لهذا النص إلى ثلاث قصص صغيرة: أ وب وج  ، ونجد هذه التقنية عند دستوفسكي علامة على تعددية الأصوات ، يقول جروسمان في كتابه "دستوفسكي فنانا" ان في كل روايات دستوفسكي يتجسد مبدأ التقاء قصتين أو  أكثر تغني بعضها بعضا من خلال تضادها ، والتي ترتبط ببعضها من خلال تعدد الأصوات الموسيقي  ، ان موسيقية تعدد الأصوات التي أشار لها جروسمان عند دستوفسكي نلمسها في النص المدروس متمثلة بتناوب السرد بين السارد الرئيسس والساردين الثانويين.
لقد دار الكلام السابق عن بطل القصة أ وبطل القصة ب  ، أما عن بطل النص فلم يرد ذكر، ومثلما وجد باختين ان الفكرة هي البطل الرئيس في أعمال دستوفسكي ، نجد الفكرة هي البطل الحقيقي للنص المدروس، فهي تبرز مع الجملة الأولى " لو كنت حصانا "، وتتولد بصورة هم يجثم على صدر بطل القصة ب ، وتساؤلات تراوده ليل نهار،  وتتجلّى عند أبي محمد بوصفها مبدأ يقينيا لا يقبل الخطأ، وبوصفها خرافة مرفوضة عند الطبيب، وأخيرا بوصفها أمرا واقعا يفرض نفسه – بعد رفض شديد – على قناعات الأب ومن بعده الابن.
 
*      *      *
 
أما وجهة نظر المؤلف الذي لا يؤدي السرد بصوته ، ولا يقدّم شخصية تحمل وجهة نظره فهي مغيبة في بنية النص  ويتطلب الوصول إليها عملية تحليل خاصة .
قد يتبادر إلى الذهن عند القراءة الأولى أن وجهة نظر المؤلف محمولة على صوت الراوي الرئيس بطل القصة ب  ، وأن المؤلف تبنـّى هذا الصوت الأيديولوجي تحت وطأة الظرف التاريخي الذي جرت الإشارة إليه ، أسوة بالشاعر خليل حاوي  وغيره.
لكننا ، وحينما نتذكر ان النص الذي أمامنا متعدد الأصوات وأن المؤلف فيه " ليس موجودا لكي يختار من بين الأيديولوجيات ما يلائمه، ولكنه موجود ليمتحن جميع الأيديولوجيات ويشاكسها "   ، وحينما نتذكر أيضا وأن من شروطه أن يحافظ – يقول باختين – على مسافة تفصل بين المؤلف والبطل ، وما لم يقطع الحبل السري الذي يربط البطل بمؤلفه، فلن نجد أمامنا عملا أدبيا  وإنما وثيقة شخصية .
حين نتذكر ذلك تسقط تلك الفرضية من أذهاننا ، ونبدأ البحث من جديد عن وجهة نظر المؤلف ، ، أي النظر الى العمل كأيديولوجيا  ، وذلك البحث يتطلب الانتظار الى نهاية الصراع بين وجهات النظر جميعا داخل العمل ، يقول حميد لحمداني : " عندما ينتهي الصراع بين الأيديولوجيات في الرواية تبدأ معالم أيديولوجية الرواية ككل في الظهور"  ، لذلك فإن غايتنا سنجدها في المقطع الأخير من النص.
لعل في  التساؤل المطروح في بداية البحث عن السبب في الحفاظ على خطية الزمن في القصة ج  وتكسير خطيته في  القصتين أ و ب طريقا للوصول إلى هدفنا المنشود.
مرّ بنا ان تكسير خطية الزمن يؤدي إلى العتامة ، والعتامة تقود القارئ إلى التوتر ، وقد حققت العتامة غايتها الجمالية ، على امتداد الجزء الأكبر من النص وبعد أن بلغ التوتر أقصاه في المقطع الرابع ، الذي تميز بالحوار المجهري ذي الدلالات المزدوجة ، آن لنا ان نحصل على الشفافية في المقطع الأخير بوساطة الحفاظ على خطية الزمن ؛ فتساعدنا على توضيح الرؤية لإدراك وجهة نظر المؤلف .
 
يتشكل المقطع الأخير من سبع وحدات سردية ، يتناوب فيها المجمل والمنلوج الداخلي ،  وإذا كان رولان بارت قد صنف الوحدات السردية صنفين: نوى ومحفزات ، فإن النوى في هذا المقطع- بوصفها مفاصل حقيقية للقصة 
- قد توزعت على المنلوجات الثلاثة ، أما المحفزات ، وهي الوحدات التي تملأ الفسح الواقعة بين النوى  ، فقد توزعت على المجملات الأربعة.
وإذا كان رولان بارت قد نسب إلى المحفزات جملة وظائف : من بينها أنها توقظ التوتر المعنوي  للنص وإنها تحافظ على الاتصال بين الراوي والمتلقي ، فإن المحفزات في هذا المقطع تتجاوز الوظائف المذكورة لتكون شفرات دلالية لا تفك أسرارها الا ضمن قراءة تكاملية يرتبط فيها مستوى المحفزات بمستوى النوى ضمن سياق سردي متسلسل …. هكذا يسهّل علينا الحفاظ على خطية زمن القراءةَ َ المشار إليها.
1-أول المحفزات: "انطلق عائدا إلى داره" يسبقه تحديد زماني " كانت الشمس على وشك ان تشرق"  أما النواة فهي " حديث زميله الطبيب ما زال يدور في رأسه….." ، حصل ذلك الانطلاق  بعد وفاة الأب ، التي كانت نافذة إلى المتفاعل النصي الثالث ، وكان الزمان اللحظات الأخيرة من الليل ، والمكان هو الطريق بين الدار والمستشفى ، بين مكان النوم ومكان العمل ، هناك يبدأ البطل بتحليل الأحداث تحليلا منطقيا .
2-"وقف فجأة  في منتصف الطريق " ذلك هو المحفز الثاني يأتي علامة على الاتجاه الذي يسير به التحليل المنطقي ، فالمنلوج الثاني يقود إلى انتصار أبي محمد على أبيه، انتصار الخرافة على المنطق العلمي.
3-ويأتي المحفز الثالث " سار قليلا ثم وقف" … لماذا وقف ؟؟ لأن التحليل قاد البطل إلى الردة الفكرية ، لقد اقتنع بصدق الخرافة.
4-ويأتي المحفز الرابع علامة على تلك النهاية :" وقف هنيهة" 
 
مما لا بد من الانتباه إليه الاقتصاد الشديد في سرد المحفزات ، واقتصار الأفعال على فعلي السير والوقوف فقط  ، لقد جعل الراوي اتجاهين  للطريق : اتجاه البيت طريقا للردة ، واتجاه المستشفى طريقا للثورة ، السير علامة الثورة والوقوف علامة الاستسلام ، وقد وصلت أحداث القصة ج  إلى ردة البطل واستسلامه داخل النص ؛ لأن الأحداث خارج النص وصلت إلى ردة الانفصال ودفعت الشرائح القصيرة النفس إلى الاستسلام.
إلى هنا ينتهي كلام الراوي وتبدأ وجهة نظر المؤلف: " ثم استدار وأخذ يركض عائدا إلى المستشفى " ، ليست الجملة المذكورة محفزا أوجزءا من المحفز ، ولا علاقة منطقية لها بالأحداث السابقة يفرضها سياق السرد تبرر هذا التحول ، بهذه الانعطافة ينكشف المعنى العميق للتحديد الزماني الذي افتتح به المقطع : " كانت الشمس على وشك ان تشرق " ظرفا لانطلاق البطل عائدا إلى داره ، لقد شكلت هذه الجملة استباقا لحدث قادم هو عودة البطل إلى المستشفى ، وبعودته " كانت الشمس قد بدأت تشرق".
كان البطل على امتداد الأحداث السابقة متماهيا بالحصان باشتراكه وإيّاه بالبقعة الحمراء ، أما في السطور الثلاثة الأخيرة فإنه يظل متماهيا بالحصان أيضا ، ولكن ليس بوساطة البقعة الحمراء ، وإنما باشتراكهما بمشية الخبب :" كان يقرع بلاط الشارع المبلول بقدميه الكبيرتين فيرجع الصدى وكأنه خبب حصان " ، هكذا يحصل التحول الجذري في صورة البطل بين وجهات نظر الرواة ووجهة نظر المؤلف .
وهنا لا بد من العودة الى المفارقة القائمة بين العنوان والجملة الأولى من العمل، والتي  جرت الإشارة إليها في بداية البحث، فإن بتر الجملة الشرطية - في العنوان- وتحويل دلالتها الى التمني تشكل تعبيرا قصديا عن وجهة نظر المؤلف المتضمنة رغبته في تماهي البطل بالحصان، ولكنها رغبة مغايرة لرغبة الأب الذي كثيرا ما ترددت جملة الشرط على لسانه، فإن رغبة المؤلف التي عبر عنها تعبيرا قصديا واعيا في العنوان تعني رغبته في التماهي بين الإثنين في مشية الخبب بما تحمله من دلالات كنائية، "هكذا يكون العنوان – بحسب د. محمد فكري الجزار  - صلة قائمة بين مقاصد المرسل وتجلياتها الدلالية في العمل "  .
وآن لنا أن نعود إلى الإجابة على السؤالين المؤجلين : هل كان الحدث الثاني سببا للحدث الثالث في القصة ب ؟  وهل كان الثالث عكس الأول في القصة ج ؟ ( لقد كبر البطل وصار جراحا ماهرا) ذلك هو الحدث الثاني ، ويترتب على ذلك حين يصاب الأب بالزائدة الدودية وابنه يشاركه الدار أن ينقله إلى المستشفى ويجري له العملية بنفسه ، وإذ يموت الأب تحت مبضع ابنه تكون العلاقة سببية ، أما في سياق القصة فإن الأب مات تحت مبضع طبيب غريب ، إذاً لا يشكلّ كون الابن قد صار طبيبا أثرا في الأحداث ، ومن ثمّ فإن العلاقة السببية بين الحدثين الثاني والثالث مفقودة من القصة ب ، ويترتب على ذلك انتفاء العلاقة الضدية بين تحليل البطل للأحداث وبين اقتناعه بأنه هو القاتل.
إن انتفاء العلاقة السببية في القصة ب والعلاقة الضدية في القصة ج انزياحان عن قواعد الصرف السردي ، يشكلان علامتين سيميائيتين على وهمية النتائج التي توصل إليها البطل السارد ، هكذا يكون انقطاع الحبل السري بين البطل والمؤلف كما ذكر باختين.
 
*     *      *
 
ومما لا بد من الوقوف عنده في نهاية هذا البحث الحضور المزدوج للأسطورة والأيديولوجيا في النص المدروس ، فهما تتداخلان فيما بينهما ضمن النسيج الكلي للنص  ، فالعقل المتحضر ، لا يستبعد الأسطورة ، وإنما يؤدلجها ويؤسطر أيديولوجيته في آن واحد .
الأسطورة هنا لا تقدم لوحة متناغمة من الماهيات خالية من المتناقضات   - كما يرى رولان بارت في الأسطورة - بل تقدم عالما متناقضا فالحصان الذي قتل الأم ودفعها إلى النهر لم يكن قبيحا ولا شرسا ، وانما كان جميلا ومسالما ومطواعا وهادئا ، وتلك وظيفة الأيديولوجيا . وهذا هو المظهر الأول لأدلجة الأسطورة .
قد تحيلنا القراءة الأولى للنص إلى أكثر من نمط أصلي ، فنجد في العلامة التي على جنب البطل واقترانها بموت الأب في نهاية القصة الصغيرة ب إحالة على أسطورة أوديب ،  وقد نجد في كون الحصان هجينا ولد من أم أصيلة وأب صحراوي تناصا مقلوبا مع سلبنير حصان أودن - في الميثولوجيا الاسكندنافية ، إذ ولد الأخير من أب يدعى سفاديلفاري وفرس كانت بالأصل لوكي المخادع   وقد تحيلنا الهجنة ذاتها إلى السنتوس في الميثولوجيا الأغريقية  ،  لكن الأيديولوجيا سرعان ما تبادر إلى إغلاق  هذه النوافذ  ، بوساطة الاسم "برق" وسلسلة التواريخ فتنحصر القصة بنمط أصلي واحد هو البراق وقصة الإسراء والمعراج  وذلك مظهر آخر لأدلجة الأسطورة.
 
لا يقتصر فعل الأدلجة على الأحداث الحاضرة داخل النص ، وانما يمتد إلى الأحداث الغائبة والخارج- نصية ، فقصة الإسراء والمعراج ، وبفعل اشتغال المتفاعلات النصية الثلاثة مجتمعة ، تنفتح على قراءة جديدة  ، فتصير بشارة بانتصار الإسلام ورقي المجتمع الإسلامي وتطوره ، وذلك مظهر ثالث من مظاهر الأدلجة .
ان ابتداء القصة بنبوءة  مظهر من مظاهر الأسطورة ، وإذ تبدأ القصة الصغيرة أ بنبوءة البقعة الحمراء لتتحقق في نهايتها ، وإذ تتكرر النبوءة والنهاية في القصة ب ، فذلك يعني أننا أمام عمل أسطوري  ، وقد مرّ بنا أن النصّ المدروس كان نموذجا لتعدد الأصوات داخل العمل الواحد ، و كيف كانت الشخصيات لا تزيد  على  وجهات نظر متعددة على المستوى الأيديولوجي ، وكيف كان البطل الحقيقي للنص هو الفكرة دون غيرها ،  كل ذلك يعني أن الكاتب هنا قد أسطر الأيديولوجيا أسطرة واعية .
مر بنا - في دراسة سابقة - أن العقل المتحضر ؛ ولأجل أن يحقق الالتحام بينه وبين الرمز الغريزي ، قد أجرى تحريفات على النمط الأصلي في قصيدة " يغير الوانه البحر" لنازك الملائكة  ، وان العقل المتحضر - في أنشودة المطر ؛ ولأنه عقل ثوري ، لم يكتف بتحريف الأسطورة وإنما سعى إلى استبعادها ؛ لأن الثورة تستبعد الأسطورة بحسب رولان بارت ، أما هنا، ولأن العقل المتحضر عقل ثوري أيضا، لم يكتف بتحريفها ، ولم يصطرع معها ، ولم يعمل على استبعادها ، بل طوّعها لمشيئته  موظـِّفا إيّاها في خدمة الأيديولوجيا ، جاعلا من اللغة الأسطورية لغة ثورية ، خلافا لرولان بارت .
يقول بارت: "ما يقدمه العالم للأسطورة هو واقع تاريخي محدد بالشكل الذي أنتجه البشر أو استخدموه، وما تحييه الأسطورة هو الصورة الطبيعية لهذا الواقع"  ، وما حصل في هذا النص أن الأسطورة فيه قد استقبلت الواقع كما هو عليه، ولكنها لم تقدم صورة طبيعية له، كما تفعل الأسطورة التي تنتجها البرجوازية ، وإنما قدمته بتناقضاته المعهودة دونما تطبيع ، فكانت تلك الصورة مسوغا للثورة عليه.
 
*    *    *
 مصادر البحث:
- الآثار ااكاملة : 2 : غسان كنفاني : بيروت - دار الطليعة : ط1 -  1973 .
- أسطوريات : رولان بارت : ت / د. قاسم المقداد : حلب : 1996 .
- انفتاح النصّ الروائي : سعيد يقطين : بيروت- المركز الثقافي العربي : ط1 : 1989 .
- بنية النص السردي ( من منظور النقد الأدبي) : د.حميد لحمداني : المركز الثقافي العربي: ط2 : 1993 .
- التحليل البنيوي للقصة القصيرة : رولان بارت : ت / نزار صبري : بغداد : دار الشؤون الثقافية - الموسوعة الصغيرة 259 .
- التخييل القصصي : شلوميت ريمون كنعان : ت / لحسن احمامة :الدار البيضاء - دار الثقافة : ط1 - 1995 .
- تفسير القرأن الكريم : ج 5 : أبو الفداء اسماعيل ابن كثير القرشي الدشقي : دار احياء الكتب العربية القاهرة.
- خطاب الحكاية : جيرار جينيت : ت / محمد المعتصم وآخران :القاهرة - المجلس الأعلى للثقافة : ط2 / 1997 .
- السيمياء والتأويل : روبرت شولز : ت سعيد الغانمي : بيروت : ط 1/  1994 .
- شعرية التأليف : بنية النص الفني وأنماط الشكل التأليفي : بوريس أوسبنسكي : ت/ سعيد الغانمي و د ناصر حلاوي : القاهرة - المجلس الأعلى للثقافة : 1999.   
 - العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي : د. محمد فخري الجزار : الهيئة المصرية العامة للكتاب : 1988 .
- فلسطين والغزو الصهيوني : عادل حامد الجادر و عزيز عبد المهدي ردام  : جامعة بغداد  :1984 .
- الفلسفة في معركة الأيديولوجية: ناصيف نصار : بيروت - دار الطليعة :ط2 : 1986 .
- قضايا الفن والإبداع عند دستوفسكي : م .باختين : ت / د.جميل انصيف التكريتي : بغداد - دار الشؤون الثقافية -  سلسلة المائة كتاب: 1986 .
- القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها: محمد عزة دروزة: صيدا - المكتبة العصرية:1959 .
- ماركسية القرن العشرين: روجيه غارودي :ت / نزيه الحكيم : بيروت - دار الاداب : ط2 - 1968 .
- محنة فلسطين : صالح صائب الجبوري : بيروت :ط1 / 1970 .
- معجم الأساطير : لطفي الخوري : بغداد :1990 .
- المعنى الأدبي من الظاهراتية إلى التفكيكية  : وليم فراي : ت/ يوئيل  يوسف عزيز : بغداد - دار المأمون :1987 .
- موجز تاريخ فلسطين الحديث: د.عبد الوهاب الكيالي:المؤسسة العربية للدراسات والنشر : 1971 .
- النظرية الأدبية الحديثة والنقد الأسطوري:حنا عبود: دمشق - اتحاد  الكتاب العرب : 1999 .
- النقد الروائي كأيديولوجيا ( من سوسيولوجيا الرواية الى سوسيولوجيا النص الأدبي): حميد لحمداني : المركز الثقافي العربي : ط1 : 1990.
 
*    *     *
الخلاصة:
هدف هذه الدراسة الوصول الى البنية العميقة للنص السردي بوساطة التحليل السيميائي لآليات السرد ، وقد جرى تطبيق ذلك على قصة قصيرة لغسان كنفاني بعنوان " لو كنتَ حصانا " ، فابتدأ البحث بدراسة المتن الحكائي للنص فوجده مكونا من ثلاث قصص صغيرة حدد الأحداث الرئيسة لكل منها ، ثم انتقل الى تحليل المبنى الحكائي متناولا تكسير خطية الزمن في القصتين الأولى والثانية والحفاظ على الخطية في الثالثة ، مركزا على وظيفة التكرار في تكسير هذه الخطية  ، ثم تناول وظائفه الأخرى : وفي مقدمتها تحديد وجهات النظر فتوصل الى وجود حالة تقابل ضدي بين وجهتي نظر ثابتتين ، تتطور بتأثيرهما وجهة نظر البطل السارد : الأولى وجهة نظر أبي محمد الممثلة للاتجاه الغيبي  تقابلها وجهة نظر الطبيب المادية ، ووجد في هيمنة وجهة النظر الأولى وضمور الثانية علامة سيميائية على تأصل الفكر الغيبي في التكوين الأستميولوجي العربي ومدى ضمور الفكر المادي وهامشيته   مما أدى الى التحوّلُ في وجهة نظر البطل وقبله الأب من الفكر الرافض للغيبيات إلى اعتناقها .
وقد وجد البحث أنّ البنية السردية للنص تفتح نوافذ على ثلاث متفاعلات نصية تاريخية هي : ثورة البراق 1929 -1930 والثورة المحمدية في عصر الرسالة الإسلامية والحركة الانفصالية في 1961 ، كاشفا عن كيفية اشتغالها داخل النص وخارجه ، وكان من أبرز صور التناص التي رصدها التناص بين البراق والحصان بطل القصة الصغيرة الأولى ، والتناص بين خال رسول الله وخال بطل القصة الصغيرة الثانية.
كما تناول البحث الحضور المزدوج للأسطورة والأيديولوجيا ، استمرارا لثلاثة أبحاث سابقة للباحث عالج فيها هذا الموضوع ،  وقد توصل الى أن اشتغالهما في النص المدروس  كانت له خصوصيته ، إذ ان الكاتب قد أدلج الأسطورة وأسطر الأيديولوجيا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 9:55 pm

[rtl]تماهي النص بالايقونة[/rtl]
[rtl]نموذج اسماعيل شموط وغسان كنفاني[/rtl]
 
[rtl] بقلم الكاتبة: نجمة خليل حبيب[/rtl]
 
[rtl]لك ان تتصور دهشة فتاة في عمر السذاجة والمراهقة حين يتسنى لها دخول صومعة فنان احبته وزينت جدران غرفتها برسوماته حيث كانت "عروسان على الحدود "آخر ما تنطبق عليه عيناها و"فلسطين على الصليب" أول ما تنفتحان عليه. كان ذلك ايام كان العمل الفلسطيني لا يزال سريا حيث ضمني والفنانة تمام شموط خلية واحدة. كنت يومها أتخيل صاحب هذه الرسوم شيخاً جليلاً بلحية منفوشة وغليون عابق لا ينطفئ  ونظرة متعالية ترمق من مقعدها الوثير الواقع وترسمه على مزاجها، إلا انني صدمت عندما رأيت اسماعيل بجسده النحيل، يومها، وتواضعه الذي لا تصنع فيه ونظرته الخجولة، وصدمت أكثر عندما جاء يقدم لرفيقات زوجته القهوة بيديه التي كنت أظن انهما لا تصلحان إلا لحمل الريشة والالوان. انكمشت خجلاً وكدت أذوب في مقعدي، ملت نحو أمي الروحية الاديبة سميرة عزام متسائلة بسذاجة: اهذا هو اسماعيل شموط صاحب عروسان على الحدود وفلسطين على الصليب؟ ظلت سميرة متكئة على عصاها واكتفت بهز رأسها إيجابا. لست أدري لماذا يومها تراءات لي صورة يسوع الناصري وهو يغسل أقدام تلاميذه في خميس الاسرار.[/rtl]
 
[rtl]لا ادعي انني قارئة لوحات موهوبة. وأشعر بالاحراج في كثير من الاحيان عندما يدور الحديث حول فنية هذه اللوحة او تلك، إلا انني أمام لوحات اسماعيل أشعر بالارتياح، فهي عندي كتاب أو قصيدة تقرأ بعيداً عن فذلكات المتأولين، وقد تعلمت فيما بعد ان اتثقف على قراءة اسماعيل شموط تماماً كما كنت أتثقف على مقالات غسان كنفاني وشفيق الحوت. ما ان أقف أمام لوحة حتى تأخذني الى رواية او قصة قرأتها لغسان او سميرة أو مقالة لشفيق. وإذ وقفت أول مرة أمام لوحة "الربيع الذي كان" حضرني واضحا قوياً نص سميرة عزام في "وجدانيات فلسطينية" فقد كانت اللوحة هازجة بليغة مؤثرة تأثير النص المكتوب إن لم يكن أكثر. ولطالما جاب في خيالي أطفال كنفاني، من بائع الكعك حميد، الى طفل المنزلق، الى أطفال زمن الاشتباك، في الكثير من أعمال شموط كمثل: :أطفال مخيم الدهيشة"، "وهم أيضاً أطفال" أو "الكمين". وإذ اقول في الكثير فلأن اطفال شموط اقرب الى المفهوم العالمي الكلاسيكي للطفولة: البراءة، الضعف، الاستغلال، والشقاوة البريئة. في حين كان أطفال كنفاني رجالاً كبروا قبل الاوان، فيهم الكذاب (كعك على الرصيف) والمحتال على معاشه (زمن الاشتباك) والثوري الذي يتفوق على الكبار في صموده وشموخه ( كان يوم ذاك طفلاً) والمبدع الخلاق صاحب الرؤيا (المنزلق)[/rtl]
 
[rtl]وإذ أن المجال لا يتسع الى استعراض جميع هذه المواقف أو تناول جميع أعمال الفنان وهي كثيرة فساكتفي بنماذج ثلاث علها تفي بالغرض[/rtl]
[rtl]بين قصة "العروس" ولوحة  "القيد"[/rtl]
[rtl]  [/rtl]
[rtl]يتماهى هذان العملان في رؤية واحدة  تهدف الى تصوير ما في الشخصية الفلسطينية من عزم وثبات واصرار على المواجهة رغم  كل ما في هذه المواجهة من عدم تكافؤ ولامعقولية التي هي على حد تعبير الباحث سامي اليوسف بطولة ترعش بالمأساة. رعشة المأساة هذه نحسها في اصرار صاحب "العروس" على البحث عن بندقيته رغم كل المعوقات التي اعترضته. تابعها وجرى وراءها من معركة الى معركة ومن قرية الى قرية. من الدامون الى شعب الى ترشيحا الى غيرها.....متحديا كل ما لخصمه عليه من تفوق ولم ييأس حتى بعد سقوط كل فلسطين. وهي الرعشة ذاتها في  لوحة شموط؛  يقول بها هذا التحفز في وقفة الشاب والعضلات المتوثبة رغم القيود التي تسربل اليدين والرجلين. الخطوة الواسعة التي كأنها لا تعترف بالقيد وتصر على متابعة المسير. الصدر المنفوخ كبرياء والرأس الذي يرفض أن ينحني والذي برفضه هذا يتغلب على قيوده، والشمس المشرقة التي تنير الوجه فكأنها تهزأ بالواقع وتنبئ بتغييره. وقد تماهى النص بالقصة حتى لجهة الصفات الجسدية للبطلين،  فصاحب العروس: رجل طويل جدا،ً صلب جداً، يسيرمحنيا بعض الشئ بكفين مفتوحتين متحفزتين وله عينان تنقبان وجوه الناس كأنهما محراثين عتيقين....كان محاطا بما يشبه الضوء. كان محاطا بشيء يشبه الغبار المضيء  كما رسمه فنانو عصر النهضة حول جسد الاله وهو يقدم عونه للفقراء. نظرة ولو عابرة تجعلنا نرى ان ما في صفات بطل اللوحة يطابق ما رسمته كلمات الاقصوصة فهو ايضا يحمل صفات إله يوناني. إله الخصب، ربما، لما في ملامحه من فحولة، او الإله سيزيف الذي حمل صخره قدراً لا مناص للهروب منه  [/rtl]
[rtl]رغم كل ما في العملين من تماه، إلا ان المتعة التي يحدثها احدهما عند التلقي لا تغني عن الاخر ولا تلغيه، فان كان النص متعة للخيال فاللوحة متعة للعين ودعوة للخيال ليحلق ويستمتع وينسج على هواه الف معنى ومعنى[/rtl]
[rtl]"ما تبقى لكم" و "هذا ما بقي"[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]رغم تقارب العنوان في كلا الرواية واللوحة إلا ان كل منهما تلتزم برؤية مختلفة. اقرأ في اللوحة، وهو اجتهاد شخصي بحت، قد يخطى وقد يصيب، ملاح غير واضحة، لا تقول صراحة بالغضب او الحياد او الحيرة ورغم ان نظرة العينين وإطباق الشفتين الى الداخل تحيل الى غضب مبهم، ولكنه ليس الغضب الفاعل، فهو إن وجد يبقى غضباً هجيناً، لم يتفلتَ بعد من مرحلة الذهول والانتظار. قد توحي الشفتان المزموتان عزما ما ولكنه عزم غير واضح، فقد غابت عن اللوحة دلائل العزم واتخاذ القرار كأن تكون العينين تتجهان بنظرتهما الى البعيد, أو انحناء الجسم الى الامام او اظهار توتر في وضع الذراعين يشي بالانفعال. أما أن تكون اليدان مضموتين على الشكل الذي هما عليه فانما هو ايحاء بالرضوخ والطاعة  لذا تراني أقرأ في اللوحة مجرد عرض حالة، تسجيل موقف، ولك كمتلقي ان تستشف ما وراء هذا الموقف، فخلفية اللوحة تعرض الخسارات ومقدمها يعرض "ما تبقى" هذا الوجه المفتوح على كل الاحتمالات التي لم يشأ الفنان أن يحصرها بواحدة فترك الخيار للمستقبل ليقول كلمته. وهذا برأي المتواضع، إعلاء لقيمة اللوحة الفنية، فهي لا تفرض نفسها ورؤية صاحبها، ولا تتنصب واعظة مبشرة ، ولا هي داعية في المحافل الساسية. هي حسب مقولات النقد الادبي، لوحة مفتوحة النهايات، وسؤالها يحتمل عدة اجابات. هي حالة فنية راقية تطلق العنان للذهن ليس فقط  في طرح الاسئلة بل في الاجابة عنها أيضاً [/rtl]
 
[rtl]أما حامد، بطل كنفاني في "ما تبقى لكم"، فقد صهرته المرارة، أوصلته الخسارات (خسارة يافا وامه وابيه وشرف اخته) الى حزم امره بعد طول تردد. فأخذ قراره برفض اللجوء والمنفى المتمثلين بالمخيم والتوجه نحو الوطن، جاهزاً لكل ما يستلزمه هذا التوجه من تضحيات. ولأن مجال النص أوسع من مجال اللوحة فقد تمكن الكاتب ان يرسم لحامد شخصية متطورة يزيد عليها او ينقص منها تطور الحدث. فنتعَّرف على حامد الضعيف العاجز طفلاً والغاضب الناقم على عجزه يافعا،ً ثم  الشاب الذي انضجته المأساة فعرف طريق خلاصه: واخذ يغوص في الليل مثل كرة من خيوط الصوف مربوط اولها الى بيته في غزة، طوال ستة عشر عاما لفوا فوقه خيطان الصوف حتى تحول الى كرة وهو الان يفكها تاركا نفسه يتدحرج في الليل. ثم نراه خاشعاً أمام خطورة الخطوة التي اتخذها  "وقف فجأة. نظر الى السماء فجأة ثم الى ساعته وعرفت الصحراء أنه يفكر مثلهم كلهم . . . ولكنه مثلهم كلهم خاف من الانبساط الى ما لا نهاية . . . ثم نراه يتخطى هذه الرهبة فيسير فجأة، شاباً كما كان دائما مملوءاً بالغيظ والاختناق والحزن. الى ان ينتهي ممتلئاً ثقة بالنفس عند اول مواجهة له مع العدو فقد كشفت له هذه المواجهة مكامن القوة التي كانت غائبة عنه: "كنت مسلحاً بقدرتي على مفاجأته فقط ....وفي اللحظة التي امسكت بها عضديه بكفي وانا اضغط جسدي فوقه، تيقنت انني اقوى منه". الى أن انتهى وقد وضحت رؤيته ووثقت خطوته وصار بوسعه ان ينظر مباشرة الى قرص الشمس معلقا على سطح الافق[/rtl]
[rtl]أرض البرتقال الحزين وأوديسة الشتات (الى المجهول)[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]في هذه اللوحة التي تحمل عنوان "إلى المجهول" وقصة "أرض البرتقال الحزين" تكامل لا يخفى على عين. فالنظرات الذاهلة التي ترتسم في عيون الطفلين اللذين على يسار الرسم، ليس إلا رسم بالالوان لما قالته الرواية بالكلمات: مجرد أن أفكر في أنني سأقضي الليل على الرصيف كان يستثير في نفسي شتى المخاوف . . . ولكنه خوف قاسٍ جاف. . . لم يكن أحد على استعداد لان يشفق علي. . . لم أكن استطيع ان اجد بشراً ألتجئ اليه. . . وأن نظرة والدك الصامتة تلقي رعباً جديداً في صدري والبرتقالة في يد أمك تبعث في رأسي النار. نظرة التيه والقلق وحشود الناس هي ذاتها والامهات الملتاعات وحراس الحدود الذين عبر عنهم كنفاني بجيش الانقاذ، هم نفسهم في مؤخرة اللوحة بثيابهم السود ورماحهم المرفوعة في وجه الذاهلين، يحاصرونهم من وراء وأمام ليسدوا طريق الرجوع على من اراده وتوجيه الذاهلين الذين اخذتهم المفاجأة الى حيث يراد لهم التوجه.  إلا ان لوحة شموط تفترق عن قصة كنفاني في ان هذه الاخيرة جعل الاب ينهار ويفكر بقتل نفسه وابنائه، فيما جعله شموط السند واليد القوية التي تحضن وتجمع، فحركة الاصابع فوق كتفي الولدين تكاد تنغرس فيهما لدرئ ما يمكن ان يحدثه الشتات من تمزق وفرقة وضياع. ورغم ما في قسمات هذا الاب من اسى وهرم (الاكتاف المحنية والعينين الغائرتين والفمم المزموم) إلا انه يصر ولا يفرط ويستمر في لعب دوره الابوي الذي اوكلته اليه الطبيعة، دور الحامي والمؤازر ودارئ الخطر. وفي حين تغرق "أرض البرتقال الحزين" في الغيبة والجنون فتنتهي والاب يرى خلاصه باشهار مسدس يريد ان يطلقه على نفسه واولاده، يضيئ لوحة شموط  خلفية بيضاء رمز التفاؤل والامل بالمستقبل رغم كل السواد الذي يحيطها[/rtl]
 
[rtl]ما يلفت في رسومات شموط اصراره على ابقاء المرأة في دورها التقليدي، فهي جميلة دائما في ملمحها وفي قدها. قل أن نرى امراة سمينة او قبيحة. وهي في معظم ما رسم، كي لا أقول كله، إما اماً أو حبيبة او جزءاً من حالة فولكلورية. لقد بحثت طويلا عن امرأة كأم السعد المراة التي تشققت يديها من العمل في تنظيف بيوت الاغنياء، التي تلحق بابنها الى المعركة، أو التي تشارك في المعركة على قدر طاقتها، ولكني لم اجدها. كما أنني بحثت عن "سعاد"، بطلة برقوق نيسان، الرفيقة الملتزمة، المناضلة الندية التي لا يقل ولا يتميز دورها عن دور الرجل فلم ار لها إلا رؤيا ضبابية كأن نستشف بعض تلك الملامح في لوحة "رنده" أو "وجه فلسطيني"[/rtl]
[rtl] [/rtl]
[rtl]والجدير بالقول ان تماهي الاعمال الفنية لا يغمط اي من هذه الاعمال حقها ولا يضيع خصوصيتها وأن مقالتي هذه لا تنتصر لعمل على آخر بل تهدف الى لفت الانتباه الى شيء جميل في ثقافتنا الجمعية. فنحن، الفلسطينيين، مهما باعدت بيننا المسافات والاعمار والاجناس الادبية وربما حتى الخلافات العقائدية يظل يجمعنا هم أساسي ورؤية واحدة. ورغم ذلك فنحن لسنا نسخاً كربونية، بل لكل عمل فني عندنا رؤيته وخصوصيته ولا يعيبه ان تماهى او تشابه مع أي عمل آخر[/rtl]
[rtl]ويبقى اسماعيل شموط الفنان التشكيلي الكبير في فنه، وربما الرائد أيضاً، الذي نذرموهبته وصحته الجسدية في سبيل قضيته وقضية شعبه وما هذه المقالة الا تحية احترام وتقدير في ذكرى رحيله الذي يعد خسارة للفن والثقافتين العربية والعالمية[/rtl]
[rtl]نجمه خليل حبيب سدني استراليا[/rtl]
[rtl]31 آب 2006[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الثلاثاء 15 مارس 2016, 9:57 pm

بحثا عن المنطلقات الفكرية في النص القصصي
"موت سرير رقم 12" مصداقا لغسان كنفاني
 
 بقلم الكاتب: د.عبد الهادي أحمد الفرطوسي
 
مدخل
ابتداء تفتح لفظة "موت" من العنوان نافذة على التجلي الدلالي  الأول  للنص ، ونلمس علاماته من خلال حضور الراوي شخصية مشاركة في الأحداث مقابل حضور المروي له شخصية واضحة المعالم ، يبرز الأول بوصفه مريضا راقدا في المستشفى وتلك حالة وسطى بين الحياة والموت أو طريق من الحياة إلى الموت ، اما الثاني فهو شخص معافى لكن الموت يظهر في أدائه اللغوي بوصفه الذروة العليا للحياة.   ثم يأخذ الراوي  الواحد موقعين متقابلين: الأول موقع الراوي العليم الذي يرصد البطل من الداخل والخارج ، والثاني موقع الراوي الخارجي ، وبازدواج الموقعين تولد وجهة النظر المزدوجة إلى الموت .
وتحيل  عبارة "رقم 12" من العنوان على مقولة آلان روب غرييه ومفادها ان الحقبة الحالية هي حقبة الشخص المرقم  ، الذي أنتجه المجتمع الرأسمالي المتطور ، فتنشأ  بذلك الموضوعة الأهم في النص التي تحقق حضورها عبر عدة مفارقات:
أولها أن في الوقت الذي يبشر غرييه في هذه المقولة بموت قصة الشخصية "باعتبارها أصبحت ملك الماضي"  ، فإن النص الذي  أمامنا هو قصة شخصية لا قصة حدث.
والثانية أن سبب موت الشخصية عند غرييه هو وصول المجتمع إلى عصر الرأسمالية ، أما قصة غسان كنفاني فتدور أحداثها في مجتمع متخلف ، كما يتضح من سياق النص ووصف الأمكنة وتصوير العلاقات الاجتماعية.
 والثالثة ، وهي مرتبطة بالثانية اختيار النصف الثاني من القرن العشرين ، وهو عصر الإمبريالة بوصفها أعلى مراحل الرأسمالية، زمانا لأحداث القصة واختيار منطقة الخليج بما يحمله من تخلف حضاري في خمسينيات القرن العشرين مكانا للأحداث .
وتجر هذه المفارقة إلى مفارقة رابعة ، هي أن المكان ينقسـم على موضعين ، فتبدأ الأحداث في مدينة أبخا العمانية الأشد تخلفا ، وتنتهي في الكويت البلد النفطي الذي يتجه مسرعا نحو الرأسمالية.
تشكل النقاط الأربع الآنفة الذكر علامات أولى على التجلي الدلالي  الثاني الذي تشي به عبارة "رقم 12 " من العنوان .
ويتحقق التجلي الدلالي الثالث بعبارة "سرير" التي تتوسط مساحة الفضاء النصي للعنوان واقعة بين لفظة "موت " وعبارة "رقم 12" ، والتي تدل على النوم ، ولعل النوم حالة وسطى بين الموت والحياة ، ولما كانت اللفظة المذكورة متضمنة الدلالة على الظرفية المكانية ، وبإحالتها على النوم فهي تومئ إلى الفضاء الوسطي الذي يقترب كثيرا من فضاء العتبة الذي أشار إليه باختين في دراسته عن دستوفسكي.
هكذا تتشابك التجليات الدلالية الثلاثة التي أوحى بها العنوان ، وبتشابكها في النص تقودنا إلى المعنى العميق للعمل.
*     *      *
الراوي والمروي له
يأخذ العمل شكل رسالتين يبعثهما الراوي إلى صديقه المروي له ، وبهذه التقنية يحقق المؤلف جملة أهداف أهمها أنه يضع الراوي وجها لوجه مقابل المروي له، وبالحوار بينهما يكشف لنا عن علاقة كل منهما بموضوعة الموت : فالراوي يقول : " إنني أقضي شهري الثاني في هذه المستشفى، إنني أشكو من قرحة في أمعائي" ، وهو بهذا المكان يرى بعينه قبح الموت وبشاعته ، والفرق بين من يرى الموت بعينه وبين من يسمع عنه " فرق شاسع لا يستطيع أن يدركه إلا من يشاهد إنسانا ينكمش على سريره …. " .
أما المروي له فلا يرى قبح الموت ولا يشعر ببشاعته ؛ لذلك يجده الطرفَ الآخرَ لكل شيء  ، او هو ذروة كل شيء ، هكذا يقدمه الراوي : " كنت تستعمل كلمة الموت ، للتدليل على التطرف ، لطالما سمعت منك أمثال هذه الجمل : كاد يموت من الضحك ، وإني تعب حتى الموت ، وإن الموت لا يستطيع أن يسكت حبي …"  ، وفي الرسالة الثانية يرفض المروي له الرؤيا التراجيدية للموت بالطريقة التي قدمها الراوي :" الناس يموتون ببساطة أشد ، ذلك الذي وقع عند الرصيف فانطلق مسدسه المحشو ومزقت الرصاصة عنقه ، كان ذاهبا مع فتاة رائعة الجمال ، والذي قتلته نوبة قلبية في الطريق …. "  .
يتكررهذا التقابل بين الراوي والمروي له في أكثر من موضع مسلطا الضوء على كلا الشخصيتين :" لقد كان فقيرا ، فقيرا جدا أكثر مما تتصوّر أنت بخيالك الباذخ المتسكع في المقهى"  ، تقابله صورة الراوي :" حينما استطعت أن أسير على قدمي لأول مرة بعد عملية الترقيع"
بين وجهة نظر الراوي ووجهة نظر المروي له ينشطر البطل إلى شخصيتين : واقعية ومتخيلة ، وقبل ذلك ينشطر الراوي إلى راويين بموقعين مختلفين أحدهما راو خارجي يتابع الأحداث من خلال الوثائق ، والآخر راو عليم يعرف كل شيء عن البطل القابع في زاوية من مخيلته، وبانشطاره ينشطر المتن الحكائي إلى متنين : متن واقعي وآخر متخيل .
يقدم الراوي البطل الواقعي من خلا ل بطاقة معلقة على سريره فيقرأ :" الإسم : محمد علي اكبر . العمر : 25 عاما ، الجنسية عماني (….) سرطان في الدم"   ، ثم تتضح شخصيته في الصفحات الأخيرة من العمل ، من خلال التقرير الذي كتبه الطبيب عنه : كان أبا لخمسة أطفال وكان بحارا …. وصل قبل أربع سنوات إلى الكويت باحثا عن عمل ، وقبل شهرين فتح شبه دكان على الرصيف  ، ثم مرض ورقد في المستشفى شاغلا السرير رقم 12 ، وكان أن عميت عيناه قبل خمس ساعات من موته .
ذلك هو المتن الحكائي الأول ، أما المتن الثاني فهو فرع يتشعب عن المتن الأساسي الأول مقدما الشخصية المتخيلة بوصفه سقاء في مدينة أبخا ، يقع في حب فتاة سمراء فيكلف أخته ان تخطبها له ، لكن أهلها يرفضون تزويجها إياه ؛ بسبب تشابه في الاسم بينه وبين لص يحمل اسم محمد علي ؛ لذلك تضيق أبخا بعين البطل ، وتبزغ في ذهنه فكرة تعوض عن إحساسه بالخيبة هي فكرة جمع الثروة الكبيرة ، هكذا يقرر الرحيل إلى الكويت ، ويعمل فراشا في إحدى الدوائر.
 في هذين المتنين يعرض المؤلف رؤيتين متباينتين للموت :
الموت بوصفه مأساة انطولوجية كما يصورها المتن الحكائي المتخيل ، والموت بوصفه حدثا يوميا مألوفا  يشكل نهاية منطقية لحياة كل فرد ، كما يعرضه المتن الحكائي الواقعي .
*     *     *
بؤرة الحكي
تتشكل الدلالة  الكلية للنص من خلال تشابك المتنين المذكورين في مبنى حكائي واحد ، يستفيد من تقنيات تيار الوعي ، فيبدأ عرض المتن الحكائي من نهاية الأحداث، بتصوير لحظة الموت :" ينكمّش بغطاء سريره بكل ما في أصابعه الراجفة من قوة كي يقاوم انزلاقا رهيبا إلى الفناء …" ، وبعد خمسة أسطر : " عدت أحدق إلى الوجه النحيل الأسمر والعيون الراعفة (….) لقد دارت العيون حتى استقرت على وجهي وخيّل الي أنه يستغيث بي ، لماذا ؟ … لقد بقي يحدق الي تم ببساطة مات" .
بهذه السطور القليلة يعرض وجهة النظر الأولى تجاه الموت بوصفه مأساة أنطولوجية ، لكنه سرعان ما ينتقل إلى تقديم وجهة النظر الثانية باستكماله لتصوير الموت ذاته : " سمعت صوت الممرض يقول ببساطة في الممر المجاور للباب :
-مات سرير رقم 12 "  .
لن نجانب الصواب إذا اعتبرنا هذه السطور نموذجا لما أسماه سعيد يقطين بـ " بؤرة الحكي" والتي وصفها بالوظيفة الأم والنواة المركزية ، وهي فعل واحد تظل كل الأفعال متصلة به ، فإن السطور الآنفة الذكر تتسم بالظواهر الآتية:
1 في الوقت الذي تعرض وجهتي النظر المتضادتين ، يبدأ منها تشعب المتن الحكائي المتخيل : " لقد دارت العيون حتى استقرت على وجهي وخيل إلي  أنه يستغيث بي ، لماذا؟ ألأنني كنت أطرح السلام عليه كل صباح ؟ أم لأنه شاهد في وجهي فهما للرعب الذي يعانيه ؟ لقد بقي يحدق إلي …"  .
لا نكتشف ارتباط هذا الكلام بالمتن المتخيل حتى نصل إلى نهاية النص : " لقد قرأت في التقرير الذي وضعه الطبيب ان المريض قد عميت عيناه قبل موته بست ساعات"  .
2من هذه البؤرة ينهض التجلي الدلالي الآخر " الإنسان المرقم " معانقا التجلي الأول ، ففي الوقت الذي نقرأ اسم محمد علي أكبر كاملا غير قابل للتجزئة مقترنا بجنسه وعمره في البطاقة المعلقة على سريره ، نسمع صوت الممرض يعلن موت سرير رقم 12 .
في بؤرة الحكي الممتدة على ستة عشر سطرا ، من قوله :" وحين كان ينهض …" إلى قوله : - مات سرير رقم 12 "   تتجلى التقابلات الآتية:
1 التقابل الرئيس بين النظرة المأساوية إلى الموت والنظرة الهامشية، فتعرض الأولى على امتداد الأسطر الأحد عشر الأولى ، وتعرض الثانية في سياق السطور الخمسة الأخيرة .
2 الزمان : تتجسد الرؤية الأولى في اللحظات الأخيرة من عمر البطل وتختم بموته ، بينما تأتي الثانية بعد تحقق الموت فعلا.
3 المكان : ترد الأحداث المعبرة عن الرؤية الأولى ، أمام أنظار الراوي في غرفة البطل ، وهو يشارك الأطباء والممرضين الوقوف حول سريره ، أما الرؤية الثانية فتأتي في مكان بعيد عن المكان الذي يجري عليه الموت ، يسمعها الراوي بصورة خبر عابر من مكان آخر. 0
4تتحقق الرؤيا المأساوية للموت مقترنة بالاتصال بين الراوي والبطل ، فالراوي كان يرى موت البطل بأمّ عينيه وكانت عينا البطل تستقر عليه و تتشبث به مستنجدة ، أما الرؤية الثانية فتتحقق والراوي منفصل عن البطل في غرفة أخرى : " اكتشفني الطبيب جرني غاضبا إلى غرفتي …." . 5  يولد التجلي الدلالي الآخر بصورة التقابل بين الاسم الكامل للبطل ورقم سريره ، مقترنا بالتقابل بين طرفي التجلي الدلالي الأول ، وعلى وفق الثنائيات الآتية :
أ - الاسم كاملا في الجزء الأول من النص الذي يمثل بؤرة الحكي ، أما الشخص المرقم فلم يرد إلا في السطر الأخير من النص.
ب - ورد الاسم موثقا على بطاقة مكتوبة ومعلقة على سرير البطل ، أما الرقم فقد ورد مسموعا بصورة عابرة.
ج - جرى تدوين الاسم والمعلومات المرافقة له من قبل الطبيب المختص ، أما الرقم فقد ذكر من قبل الممرض.
د - صورة الاسم الكامل للبطل توجد في الردهة التي تمثل مسرح الأحداث ، أما رقمه فيذكر في ممر جانبي.
 
تشكل التقابلات المذكورة في بؤرة الحكي علامات سيميائية على ثلاثة أمور:
الأول التواشج الوثيق بين التجليين الدلاليين المذكورين.
الثاني: ارتباط الطرف الأول من التجلي الثاني ( الفرد المسمى) بالطرف الأول من التجلي الأول (الموت المأساوي)  وارتباط الطرف الثاني من التجلي الثاني (الفرد المرقم) بالطرف الثاني من التجلي الأول ( مجانية الموت).
الثالث :هيمنة الرؤيا الأولى التي يجسدها الطرف الأول على المستوى الدلالي العام للنص مقابل هامشية الرؤيا الثانية.
*    *    *
من الشخصيات التي أنتجها النص نقف أمام شخصيتين متقابلتين : شخصية الأخت ، و شخصية  الممرضة :
الأولى تبرز من المتن المتخيل ، بوصفها أخت البطل الذي أفقده الموت أمه ، و أقعد العجز أباه ، فصارت تلك الأخت أبا وأما للبطل ، وكانت المعين له في الوصول إلى هدفه الأسمى الزواج ، لقد أدى فشلها في تحقيق الهدف إلى انفصال البطل عنها برحيله بعيدا ، كان  سبب الفشل هو تجزئة الاسم : " - حدث خطأ قلت لهم في أول مرة أن اسمك محمدعلي، لم أقل محمد علي أكبر لأني لم أشعر بحاجة لكي أقول.. "  .
يتأكد ذلك على لسان الراوي:
"كلمة واحدة وقفت في حلق القضية فماتت" .
هكذا يتشابك التجليان الدلاليان ببعضهما ، ففشل الزواج ( العلامة الأقوى على الحياة) يأتي نتيجة تجزئة الأسم .
على هذا الحدث الذي تكون شخصية الأخت بطلة له تنعقد حبكة المتن الحكائي المتخيل، فهو يمثل - بحسب بروب -  وظيفة الإساءة  ، التي لا تنتهي الحبكة إلإ بإصلاحها ، يمنح ذلك شخصية الأخت وظيفة سيميائية مهمة في النص ، فإذا تذكرنا أن المشكلة من وجهة نظر الراوي هي " مشكلة انعدام أو خلود"  فإن وظيفة الأخت ستكون مزدوجة بين الأمرين ، فهي بسعيها في سبيل زواج البطل تسهم في تحقيق الخلود ، وبخطئها الذي أدى إلى منع الزواج تسهم في إيصال البطل إلى الفناء ،  وتبقى شخصيتها المزدوجة  تهيمن على أحداث المتن المتخيل، فالبطل في مواجهته للعالم الجديد لا يستطيع أن يراه أنيسا الا حين ينظر إليه بعيني أخته سبيكة وأهل قريته : " بدأت ملامح الشوارع ومعاني الجدران تدخل إلى رأسه…أحسّ بشيء من الألفة ولكنها ألفة ملصوقة على خلفية من شعور قاتم بأنه إنما يلاحق  بعيون أخته سبيكة" ، هكذا تجمع سبيكة بين الألفة والشعور القاتم . وتبقى محفوظة في ذاكرته علامة من الماضي الجميل في أبخا مشيرة إلى مستقبل اجمل :
" كان ثمة في الصندوق حلق خزفي لأخته سبيكة تزين به أذنيها إذ يعود لأبخا" ، وهنا لا بد من الانتباه إلى أن الأخت التي تحمل الاسم "سبيكة"، الذي يحيل على الذهب والفضة ، لا  تتزيّن الا بالخزف، لأن البطل جاء  حاملا في ذاكرته أسم سبيكة من مدينة ابخا الفقيرة البدائية إلى مجتمع الذهب والفضة ، أما القرط الخزفي فهو يحمله  من العالم الثري المتطوّر إلى مجتمع أبخا البدائي الفقير ، هكذا يؤدي التقابل بين لفظة سبيكة والحلق الخزفي وظيفة كنائية  تكشف عن توق المجتمع البدائي متمثلا بالبطل إلى التطور السريع وصولا إلى المجتمع الرأسمالي الذي تحكمه سبائك الذهب ،  ثم يكشف عن توق الفقراء في المجتمع الرأسمالي إلى الوصول إلى المجتمع اللاطبقي الذي يكون كل الناس فيه سواء : "كلنا في أبخا سواء"  .
وأخيرا فإن الأخت سبيكة لا يقتصر حضورها على المتن الحكائي المتخيل، وإنما نجدها في خاتمة النص تقفز إلى المتن الحكائي الواقعي متمثلة بالحلق الخزفي الذي يكتشفه الراوي في صندوق البطل بعد موته، وتتأكد واقعية ذلك الحلق باعتماد الراوي حاسة اللمس إلى جانب حاسة البصر :
" قبل أن أخرج من الغرفة شاهدت ما صعقني ، لقد أزاحت الممرضة فواتير محمد علي أكبر جانبا، فبرق في قاع الصندوق حلق خزفي طويل.. شعرت بالدوار وتقدمت إلى الصندوق ورفعت الحلق بإصبعي" ، ولعل انتقال سبيكة وحلقها الخزفي من المتن المتخيل  إلى المتن الواقعي تعبير عن واقعية حلم الفقراء في الانتقال  إلى المجتمع اللا طبقي ، ولعل وجود الحلق تحت  الفواتير في ذلك الصندوق تعبير كنائي عن القانون الجدلي في أن الظاهرة تحمل نقيضها في داخلها.
أما الثانية فتبرز من المتن الحكائي الواقعي، عجوزا قبيحة يتكئ الراوي على ذراعها  أثناء سيره في المستشفى ، تضحك "عن أسنان ناقصة مسودة"   ، ولعل في صورة هذه العجوز القبيحة ذات الأسنان المتآكلة دلالة رمزية على الموت
وإذا كانت الأخت قد جزّأت اسم البطل مرة واحدة عن غير قصد، فحصلت الإساءة - كما مر- فإن الممرضة كانت تمارس ذلك دائما بقصد مسبق:
" كانت الممرضة تسأله في كل صباح : - كيف حالك يا محمد علي ؟ وكان محمد علي لا يجيب ، إذ أنه كان يعتبر أن اسمه هو محمد علي أكبر"  ، وهنا تتأكد الدلالة السلبية للممرضة، ويترسخ الارتباط بين الموت و ترقيم البطل ، وفي ذلك تأكيد لوجهة النظر التي يصرح بها الراوي بعد موت البطل وإعلان الممرض عن ذلك :" لقد فقد محمد علي أكبر اسمه ، إنه سرير رقم 12!"
وإذا كانت الأخت تقدم رؤيا مشرقة لمجتمع الفقراء اللاطبقي - كما مر قبل قليل- فإن الممرضة تقدم نظرة طبقية متحاملة على الفقراء ، مشككة بما يعلنونه، فحين يسألها الراوي عن محتويات البطل تجيبه :
"قالت الممرضة وهي تضحك :
-لا أحد يدري، إنه يرفض أن يتخلى عن هذا الصندوق لحظة واحدة. ثم مالت عليه وهمست :
-هؤلاء الفقراء المظهر يخفون عادة ثروة ما ، قد تكون  هي ثروته! "
بهذا التقابل يتحقق الارتباط بين الحياة والطبقات الفقيرة، وبين الموت والطبقات الغنية المستغلة التي تعبر الممرضة عن وجهة نظرهم .
وأخيرا يختم النص بالتقابل بين شخصية الأخت وشخصية الممرضة : " لا أدري لماذا نظرت إلى الممرضة وقلت فجأة :
-هذا الحلق كان اشتراه لأخته سبيكة ..أنا أعرف هذا جيدا..
 لقد حدقت إلي مستغربة بعض الشيء ، ثمّ ضحكت بعنف ، وضحك الطبيب للنكتة"  ، واستكمالا للتحليل السابق فإن سخرية الممرضة تشكل تعبيرا كنائيا عن رفض  الطبقات االمستغـِلـّة ، للفكر التقدمي الذي ينشد الوصول إلى المجتمع اللاطبقي .
 
*     *     *
الفضاء
يرى باختين أن الفضاء الروائي يكتسي من خلال تداخل مكوناته طابعا رمزيا  ، إن قراءة متفحصة للفضاء في هذه القصة تؤيد بشدة ما قاله باختين وتكشف عن الأبعاد الرمزية لصور الأمكنة ، وتسلط الضوء على عملية التحويل - باصطلاح سيزا قاسم - التي ينتقل وصف المكان بموجبها من معناه الحرفي إلى معنى خيالي  .
عطفا على ما جاء في مدخل هذه الدراسة ، وانطلاقا من النافذة التي تفتحها لفظة "سرير" من العنوان على فضاء النص ، نجد المكان الذي يختاره الراوي موقعا له في رصد الأحداث يؤيد الدلالة التي تضمنتها لفظة "سرير"، فهو يتوسط المسافة بين مكانين متضادين :"إن غرفتي تطل من ناحية بابها على الممر الرئيس لجناح الأمراض الداخلية ، وتطل نافذتها على حديقة المستشفى الصغيرة ، وهكذا فإنني أستطيع أن ألاحظ وأنا متكئ على وسادتي : المرضى الذين يمرون بلا انقطاع أمام الباب والعصافير التي تطير بلا انقطاع أمام النافذة"  ، هكذا اختار الراوي موقعا وسطا بين مكانين :الأول يحيل على الموت والآخر يحيل على الحياة، وبهذا التقابل بين عالمين متضادين وبالوصف الدقيق للعصافير التي تطير أمام النافذة ،و المرضى الذين يمرون أمام الباب "آتين على أقدامهم (…) مغادرين  على عربة الموت ملفوفين بغطاء أبيض"  … بهذا الاستقصاء الدقيق والتضاد العنيف تترسخ نظرة الراوي إلى الموت بوصفه مأساة انطولوجية،  و تتهمش نظرة المروي له المضادة التي ترى إلى الموت بوصفه حدثا يوميا مألوفا  يشكل نهاية منطقية لحياة كل فرد.ويتأكد ارتباط عالم ما وراء النافذة على الحياة  في الرسالة الثانية من النص، فالبطل يقيس درجة شفائه بطول مسافة الأرض المعشبة التي يبلغها عقب السيجارة  حين يرميه البطل .
يأتي هذا التقابل بين عالمي العصافير والمرضى صورة مكثفة ترادف التقابل الأوسع بين عالم أبخا المنبثق عن المتن المتخيل وعالم الكويت في المتن الواقعي:
تنبثق من خيال الراوي صورة لمدينة أبخا العُمانية التي لم يرها ولم يعرف الكثير عن جغرافيتها وأوضاعها العامة : فيراها مدينة فقيرة يشح فيها الماء ، ولم تصلها الحضارة بعد ، يجلس أهلها على الحصران المصنوعة من القشّ ويسيرون في طرقات متربة. وعلى الرغم من ان الراوي لم يعتمد الاستقصاء في وصف المدينة لكن ملامح الألفة كانت تطفح على الأحداث والشخصيات التي تتحرك في فضائها ( الأخت ، والحبيبة ، وقربتا الماء …) ، فهي بحق المكان الأليف الذي وصفه باشلار، إنها بيت الطفولة الذي لم يبذل الراوي جهدا في وصف ملامحه الدقيقة ليترك للقارئ حرية تخيله كما يشتهي، وليفسح في المجال لسيلان أحلام يقظته .
أما الكويت فأول ما يظهر من صورتها: " زبد البحر الكبير" ومنه : " أطلت صواري المراكب مستلقية في ميناء الكويت الهادئ"  ، لكنها لن تظل هادئة فسرعان ما :" بدت له الشوارع الغاصة والأبنية ذات الجدران الصلبة ، والسماء الرمادية، والقيظ ، والهواء الشمالي الساخن ، والطرق المزدحمة بالسيارات، والوجوه الجادة .. " ، ذلك هو المكان المعادي، ملامح الكويت تصير "سدودا تقف بينه وبين حلمه" ،  كل شيء فيها "بلا بدء بلا نهاية بلا ملامح" ، إنها صور مرادفة للإنسان المرقم.
بهذا التقابل بين أبخا والكويت يتحقق التقابل بين المكان الأليف والمكان المعادي، ومن رحم المكان المعادي تنفتح عين الذاكرة ، فيرى البطل بيت طفولته: " كانت أبخا هناك ملفوفة بالهدوء..موجودة على أي حال.. كل حي فيها له بدء وله نهاية .. وكل جدار يحمل ملامحه الخاصة"  ، يقول باشلار: " ان حلم اليقظة يتعمق إلى حد أن منطقة من التاريخ البعيد جدا تنفتح أمام الحالم بالبيت ، منطقة تتجاوز أقدام ذكريات الانسانية " ، فأبخا إذاً هي صورة الإنسانية في طفولتها الباكرة ،  بينما تقف الكويت على الطرف الآخر من الزمن ، انها تمثل آخر ما وصلت اليه الحضارة ، الحضارة المبنية على استغلال الإنسان للإنسان ، البحر الكبير ذو الزبد ، الذي رآه البطل وهو يقترب من الكويت، كان عنوانا لجوهرها ، وحين توغل إلى أعماقها ، لم يجد غير"الضياع العميق الذي يشبه الدوار" ، والذي انتهى به إلى الموت ، ومن ثم "الانزلاق إلى الفناء" والانعدام بفقدانه اسمه وتحوله إلى رقم 12.
*     *     *
من العلامات السيميائية الأساسية في هذا النص الصندوق ، فهو  كأي شيء آخر له حقيقة واقعة في العالم الخارجي ، ويحمل دلالة خاصة في النص، وقد يتحول إلى رمز ، وتكمن أهمية الصندوق هنا في حضوره المتواصل على مستوى المتنين الحكائيين معا ، مما يجعل منه دالا مهيمنا ، وفي الوصف المستقصي الدقيق له، وفي الغموض والإبهام الذين يحيطانه ، فيبدأ ظهوره عند أول لقاء بين الراوي والبطل :" يضع إلى جانب وسادته صندوقا خشبيا عتيقا منقوشا عليه اسمه بحروف نصف فارسية مربوطا ربطا محكما بخيط من القنب" ، ولعل في الحروف نصف الفارسية علامة على الغموض والإبهام والعجمة، ويزداد ذلك الغموض بالحوار الذي يدور بين الراوي والممرضة حول محتوياته والتكهن بماهيتها ، فيكون ذلك من المسوّغات المنطقية لولادة المتن الحكائي المتخيل، فما المعنى الذي يحمله هذا الصندوق ؟
الصناديق - بحسب باشلار- أدوات لحياتنا النفسية الخفية ، وهي " ملأى بضجيج الذكريات الأخرس"  ، وهي "مساحة أليفة لأنها مساحة غير متاحة للجميع"  ، لكن المساحة الأليفة هنا تولد في المكان المعادي بعيدة عن المكان الأليف ، ففي الكويت ، وبعد أن بدأت الثروة ترد ، نبعت فكرة محمد علي أكبر "في أن يصنع صندوقا خشبيا متماسكا يحفظ فيه ثروته"  فما مفردات تلك الثروة؟ … إنها - كما هو الأمر في كل الصناديق - تحوي أحلام يقظة صاحبها(عباءة مذهبة .. حلق خزفي .. زجاجة عطر .. وصرة نقود ، لكنها معقودة على أمل أن تزداد، ذلك الأمل هو حلم يقظة آخر) ، يقول باشلار:" هنا يتكشف الماضي والحاضر والمستقبل، فالعلبة هي ذكرى ما لا تعيه الذاكرة من الزمن" ، هكذا تكون العباءة المذهبة خارطة للزمن بكل تعرجاته وانحناءاته، فنرى فيها "هناك في ركن من العباءة كان الماضي منزويا…" ، ونرى حاضر البطل وهو في منفاه  يمرر أصابعه فوق العباءة وينشرها أمام عينيه فيمنح المكان المعادي ألفة، كما نرى فيها مستقبل أبخا بكل شوارعها ونوافذها الواطئة … تطل من خلفها عيون الصبايا على محمد علي أكبر وهو يرفل بالعباءة المذهبة، هكذا " يكون بيت المستقبل أحسن بناء وأكثر ضوءا وأكبر من كل بيوت الماضي ، فتصبح صورة بيت الحلم مواجهة ومعارضة لبيت الطفولة" ، تتعزز هذه الأحلام بحضور الحلق الخزفي مشيرا إلى سبيكة، وزجاجة العطر التي تومئ إلى الفتاة السمراء ..
تلك هي محتويات الصندوق العائد إلى البطل المتخيل، وهو شخصية مركبة تتماهى فيها شخصية الراوي بشخصية البطل الواقعي، أما الصندوق الذي رافق البطل الواقعي فحين تم فتحه، لم ينته جدل الخارج والداخل لأن جوّا من الألفة فاض من الداخل إلى الخارج - كما توقع باشلار - وإنما فاض المكان المعادي إلى الداخل ، فحين تكشفت الفواتير التي تملأ الصندوق،غامت على المكان روائح البنوك والأرباح ورأس المال وفائض القيمة ، وفي النهاية حين بزغ الحلق الخزفي أمام عيني الراوي فاضت عليه نفحة من الألفة ، لكن سرعان ما ذبحتها الضحكة الجشاء للممرضة العجوز.
ترتبط بالصندوق شخصية شبحية ،  تبرز في المتن المتخيل في اللحظات التي تسبق موت البطل، ثم تختفي:
" سمع صوتا إلى جانبه :
-ماذا في هذا الصندوق العتيق ؟
نظر إلى مصدر الصوت وشاهد كمن يحلم ، وجها لشاب حليق بشعر أشقر يشير إلى الصندوق وينظر إلى شيء ما"  .
يغيب الأشقر الحليق بضع سطور تم يعود ليكون الصورة الأخيرة التي يراها البطل قبل موته ، فيشعر بالخوف منه على صندوقه ، وفي داخل الصندوق وبعد فتحه من قبل الطبيب نكتشف بين أكوام الفواتير صورة قديمة لوجه ملتح، وحين يتقابل الداخل والخارج تتضح العلامات السيميائية ، وتتكشف دلالاتها ، فلم يعد الصندوق مخزنا لذكريات البطل وأحلام يقظته وحده ، وإنما يصير مخزنا لموروث أمة بأكملها: عقائدها وتاريخها وقيمها الضاربة في العمق، متمثلة بالصورة القديمة للرجل الملتحي ، بينما تومئ صورة الأشقر الحليق إلى ذلك القادم من وراء البحار ليمحق الأمة بكل خصائصها الحضارية عن الوجود.
 
*    *    *
 
وللبحر حضوره المهيمن  بوصفه علامة سيميائية أيضا ، فأوّل ما يبرز في النص متشابكا بالموت ضمن صورة بيانية يكون التشبيه أداتها " الشفاه التي ترتجف كبحر من مياه بنفسجية" ، تأتي هذه الجملة في سياق تصوير لحظات موت البطل، ويستمر هذا التشابك قائما بين البحر والموت على امتداد النص، حتى يصل مداه الأقصى في نهاية الرسالة الأولى، إذ يصير البحر صورة للموت، فحين أحس البطل بأعراض المرض "تصور نفسه للحظة واقفا على شاطئ البحر ووهج الشمس …يكاد يعميه"   ، وحين وقع في غيبوبة " كان يحس أن مد البحر يعلو قدميه شيئا  فشيئا"  ، وحين حانت ساعة الموت " أحس فجأة بأن الماء قد على حتى وسطه وأن الماء برد إلى درجة لا تحتمل (…) فيما استمر الماء يعلو ويعلو حتى حجب عن عينيه ذلك الوجه الأشقر الحليق ..
-لقد مات سرير رقم 12
هتف الممرض"
ولما كان النص - كما يراه السيميائيون - " لا يمكن أن يقرأ أو يفهم الا من خلال إدخاله في شبكة أعم من النصوص " ، فإن هذا التشابك يفتح النص على أكثر من متفاعل نصي ميثولوجي :
أوّلها أسطورة لإيكير سيد الماء في الميثولوجيا السكندنافية الذي يبتلع الكنوز إذ تتجمع في قعره عند تحطم السفن ، نتذكر ذلك ونحن نقرأ السطور الآتية : " صار البحر يمتزج بنوافذ مشبكة الخشب واطئه على طرف الطريق ، وبحلق من الخزف وبعباءة مبلولة بماء مالح ، وبمركب معلق فوق الموج لا يتحرك وبصندوق خشبي عتيق "  ، هكذا يبتلع لايكير الحضارةِ الرأسماليةِ كنزَ ذكريات البطل وأحلامه وموروثه التاريخي ، وتتحدد هوية البحر أكثر بتماهيه بشخصية الأشقر الحليق الذي  جرت الإشارة إليه.
والمتفاعل النصي الآخر هو ملحمة بعل وعناة الفينيقية ، إذ يتناصّ البحر بالإله الشرير يم إله مياه البحر المتمردة الذي يرمز له بالتنين الخرافي ، وهو سيد العالم السفلي عالم الأموات ، ويترسخ هذا التناص بالتقابل القائم في النص الجديد بين البحر والماء العذب ، والذي يتحقق حضوره على عدة مستويات، أهمها:
1 - أن المكان الأليف  يقترن بالماء العذب محمولا بقربتين على كتف البطل يجوب بهما أزقة أبخا  ، أما المكان المعادي فأول ما يظهر منه زبد البحر الكبير وصواري المراكب مستلقية في ميناء الكويت
2- أن البطل في المتن المتخيل يأتي سقاء ، أما في المتن الواقعي فهو بحار.
 
أما في النص الفينيقي فإن التقابل يقوم بين يم إله البحر  وبعل إله المطر ، إذ يقع بين الإثنين صراع عنيف ينتهي بموت يم وانتصار بعل وتتويجه ملكا .
يأتي التناص هنا مقلوبا ، وبهذا القلب يتحقق التحريف الأسطوري الذي يفرضه العقل المتحضر ، فينتصر البحر (وسيده الأشقر الحليق) ويغرق الصندوق (صندوق أحلام يقظة البطل السقـّاء) ، وتتلوث محتوياته بماء البحر ، ومن بينها صورة الرجل الملتحي ، هكذا تأتي وجهة نظر المؤلف متخفية وراء طيـّات رموزها ، تشي بموت  الأفكار الرومانسية التي كان ينادي بها رواد الفكر القومي في بعث المجد العربي من جديد ، والتي ورثها عنهم غسان كنفاني وحركة القوميين العرب.
أن النهاية المأساوية التي تختم بها القصة - حيث تصير أفكار الراوي مثارا للسخرية - تعبّر عن نهاية لمرحلة مهمة في تاريخ الفكر العربي الحديث ، وبذلك فأن التناص المقلوب مع أسطورة بعل وعناة  قد حقق هدما لأيديولوجية قائمة ، تمهيدا لبناء أيديولوجية جديدة تظهر ملامحها في قصة " لو كنت حصانا" من مجموعة أرض البرتقال الحزين ، والتي كتبها بعد عام واحد من كتابة " موت سرير رقم 12" ، وقد جرى تحليلها في بحثتا الموسوم بـ " تعدد الأصوات في القصة القصيرة"  .
 
مصادر البحث:
الآثار الكاملة : 2 : غسان كنفاني: دار الطليعة : 1973 .
بناء الرواية : د .سيزا قاسم : الهيئة المصرية العامة للكتاب: 1984 .
التفاعل النصي : نهلة فيصل الأحمد :مؤ سسة اليمامة الصحفية : كتاب الرياض 104 - 1319 هـ .
•جماليات المكان : جاستون باشلار : ت غالب هلسا :بغداد :1980 .
•الفضاء الروائي في الغربة : منيب محمد البوريمي :بغداد :
*  قال الراوي : سعيد يقطين : المركز الثقافي العربي : ط1 : 1997 .
•معجم الأساطير : 2 :
•ملاحم وأساطير من أوغاريت : أنيس فريح : بيروت : دار النهار :
•مورفولوجيا الخرافة : فلادمير بروب :ت ابراهيم الخطيب : الدار البيضاء : 1986 .
•نحو رواية جديدة : آلان روب غرييه :  مصطفى ابراهيم مصطفى :دار المعارف - مصر .
•خلاصات البحوث للمؤتمر العلمي السنوي لكلية الآداب - جامعة المستنصرية 2003.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الأربعاء 23 مارس 2016, 7:03 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الأربعاء 23 مارس 2016, 7:04 am

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47525
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غسّان كنفاني   الخميس 01 فبراير 2018, 6:17 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
غسّان كنفاني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: فلسطين الحبيبة :: شخصيات من فلسطين-
انتقل الى: