منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 مقالات تاريخية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: مقالات تاريخية   السبت 16 أبريل 2016, 11:48 pm

مجموعة من المقالات التاريخية التي تركز على التاريخ بوجه عام والتاريخ الإسلامي بوجه خاص؛

لينفتح الباب واسعا أمام الكثير من الأقلام المتميزة والمبدعة في الكتابات التاريخية،




والتي تحلل وتدرس الكثير من الأحداث والظواهر التاريخية







الخلفاء الراشدون




الخلفاء الراشدون هم الأئمة الأربعة، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وهم الذين خلفوا رسول الله صل الله عليه وسلم في قيادة الأمة، ومدة خلافتهم من انتقاله صل الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في 12ربيع الأول سنة 11هـ إلى مقتل علي بن أبي طالب في 17 رمضان سنة 40 هـ[1]: تسع وعشرون سنة وستة أشهر وخمسة أيام.

وإذا أضيفت لها خلافة الحسن بن علي (من مقتل أبيه وحتى تنازله لمعاوية بن أبي سفيان 25 ربيع الأول سنة41هـ)[2] تكون ثلاثين سنة بالتمام، وقد اختصوا بوصف الراشدين لصفات تميزوا بها في سلوكهم الذاتي وفي إدارتهم لشؤون الأمة ورعايتهم لدينها وعقيدتها وحفاظهم على النهج الذي جاء به رسول الله صل الله عليه وسلم من الدعوة، والجهاد، وإقامة العدل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.[3].

والرشد ضد الغي والهوى وهو الاستقامة الكاملة على المنهاج النبوي، وقد جاء وصفهم بهذه الصفة في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: فعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صل الله عليه وسلم صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ وَوَعَظَنَا بِمَوْعِظَةٍ بَلِيغَةٍ ذَرَفَتْ مِنْهَا الأَعْيُنُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدَّعٍ فَأَوْصِنَا، قالَ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"[4].

كما جاء وصف خلافتهم في بعض الأحاديث النبوية: فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كُنَّا قُعُودًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صل الله عليه وسلم، وَكَانَ بَشِيرٌ رَجُلاً يَكُفُّ حَدِيثَهُ، فَجَاءَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، فَقَالَ: يَا بَشِيرُ بْنَ سَعْدٍ أَتَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صل الله عليه وسلم، فِي الأُمَرَاءِ ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا أَحْفَظُ خُطْبَتَهُ، فَجَلَسَ أَبُو ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ حذيفَة: قَالَ رَسُولُ اللهِ صل الله عليه وسلم: تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ ثُمَّ سَكَتَ[5]..

وعَنْ سفينةَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى النَّبِيِّ صل الله عليه وسلم، أَنَّ النَّبِيَّ صل الله عليه وسلم قَالَ: خِلافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلاثُونَ سَنَةً قَالَ سَعِيدٌ: أَمْسَكَ أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَشْرَ سِنِينَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَعَلِيٌّ سِتَّ سِنِينَ"[6].

وقد تميز عصرهم من بين سائر عصور الدول الإسلامية بجملة من المميزات التي تميزه عن غيره، وصار العصر الراشدي مع عصر النبوة معلماً بارزاً ونموذجاً مكتملاً، تسعى الأمة الإسلامية وكل مصلح إلى محاولة الوصول إلى ذلك المستوى السامق الرفيع، ويجعله كل داعية نصب عينيه فيحاول في دعوته رفع الأمة إلى مستوى ذلك العصر أو قريبًا منه، ويجعله معلمًا من معالم التأسي والقدوة للأجيال الإسلامية، ومن ثم صار كل مصلح وكل حاكم عادل وكل إمام مجتهد يقاس بهذا العصر ويوزن بميزانه، حتى لقب كثير من العلماء الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز (خامس الخلفاء الراشدين)[7]، ونسبوه إليهم، وذلك لأنه سار بسيرتهم، وسلك طريقهم، وأعاد في خلافته رغم قصرها (99-101هـ) معالم نهجهم، وأحيا طريقتهم في الحكم والإدارة وسياسة الرعية.



[1] تاريخ الطبري 3/217، 5/143، ويذكر قولاً للمدائني في تاريخ قتل علي مقارب لهذا.

[2] تاريخ الطبري 5/163 ويذكر ذلك عن بن شبة عن المدائني قال: سلم الحسن بن علي الكوفة إلى معاوية، ودخلها معاوية لخمس بقين من ربيع الأول، ويقال: من جماد الأول.

[3] انظر التفاصيل في كتابي (( الخلاصة في حياة الخلفاء الراشدين ))

[4] شعب الإيمان - (10 / 22) (7110 ) صحيح

[5] مسند أحمد (عالم الكتب) - (6 / 285)(18406) 18596- صحيح

[6] المستدرك للحاكم (4697) صحيح

[7] انظر سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي (باب في أنه من الخلفاء الراشدين المهديين) ، والنووي تهذيب الأسماء واللغات 2/17، والذهبي سير أعلام النبلاء 5/120.










تاريخ الخلفاء




الشيخ: جلال الدين السيوطي

هذا الكتاب متخصص بطبقة معينة وهم الخلفاء من بداية العهد الراشدي إلى نهاية العباسيين حيث يترجم للخلفاء ترجمة موسعة ويذكر بداية خلافة كل منهم وأعماله وآثاره في أيام خلافته وعماله في البلاد والولايات الإسلامية ثم يذكر تاريخ وفاته ومدفنه وقد توسع في الخلفاء الراشدين ، ويعتبر هذا الكتاب وثيقة هامة جدا حيث أنه من تصنيف رجل حافظ كبير (السيوطي) يتمحص الأخبار ويتحرى في نقلها




تحميل الكتاب




http://www.islamstory.com/books/-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8_%D8%AA%D8%A

7%D8%B1%D9%8A%D8%AE_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%A1
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات تاريخية   الأحد 17 أبريل 2016, 12:57 am

القادة العشرة الأبرز في التاريخ الاستراتيجي الإسلامي
ليس ثمة شك أن اختزال مئات الأسماء والقادة في عشرة فقط (من غير الصحابة الكرام) مهمة عسيرة، وليست بالضرورة يقينية؛ وقد يرى البعض إضافة أسماء أو حذف أخرى، وهذا بالطبع ممكن وضروري، فالتاريخ ليس علمًا طبيعيًا محدد المدخلات والقوانين والنتائج بصورة قاطعة.
حددنا في اختيارنا لهذه الأسماء العشرة جملة معايير؛ أهمها دور القائد في صناعة واقع استراتيجي جديد في التاريخ الإسلامي، أو منع واقع كان على وشك أن يتشكل، وراعينا في هذا الاختيار الجانب الاستراتيجي والسياسي، ولم نركز كثيرا على إنجازات أخرى كالعلوم والفنون والآداب. وهذا الاختيار لَيس حكمًا أخلاقيًا، بل مقاربة سياسية - استراتيجية وحسب.
المهم في مثل هذه الاختيارات أنها رسمت معالم جيوسياسية للعالم الإسلامي على مدار ثلاثة عشر قرنًا.
أبو جعفر المنصور
الرجل القوي في تأسيس الدولة العباسية، ابن محمد بن علي، مؤسس الدعوة العباسية، والعقل المدبر لجهود أخيه أبو العباس السفاح الخليفة العباسي الأول. بحلول عام 132هـ، الذي تمت فيه مبايعة أبو العباس خليفة من قبل أهل الكوفة، كانت الأراضي التي تدين بالإسلام تمتد من الأندلس إلى آسيا الوسطى، والغالب كما يذهب معظم المؤرخين أن فشل الأمويين في التعامل مع التنوع العرقي والثقافي الذي مثله هذا التوسع هو أساس سقوط دولتهم، ومن ثم بروز الدعوة العباسية، التي اعتمدت على المعارضة القوية الموجودة في مُدن خراسان للحُكم الأموي.
على عكس سلفه، علم أبو جعفر المنصور  أن أي دور لعبه أهل فارس وآسيا الوسطى في وصول أبو العباس للحكم، وأدرك أن الاستمرار في اعتماد الهويات العرقية داخل دولة قوامها الإسلام لن يؤدي سوى إلى النزاع. في الدولة التي طمح إليها أبو جعفر، لم يكن هناك مكان لهوية أساسها العرق، بل هوية أساسها الانتماء للدين الإسلامي فقط، وفي هذا السياق يمكن فهم جهوده في دمج الثقافتين العربية والفارسية عبر دعم الترجمة والتعليم، والتي استمرت تحت حُكمه الممتد لأكثر من عقدين، بين عامي (137 – 158هـ / 754 -775م)، أسس فيها بنيان الدولة العباسية الذي ورثه من بعده خلفاؤه، حتى تضاءلت سلطة الخلافة بعد صعود سلطنات الجند، مثل البويهيين والسلاجقة، إلى أن سقط تمامًا بعد الغزو المغولي عام 656هـ / 1258م.
عبد الرحمن الداخل
ربما تكون قصة وصول عبد الرحمن الداخل إلى الحكم في الأندلس أقرب للقصص الخيالية، فهو حفيد الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، ومع تأسيس الخلافة العباسية بدأ رجالها في تعقب نسل بني أمية للقضاء عليهم تمامًا. شهدت رحلة هروب عبد الرحمن مقتل اثنين من إخوته، فاتجه من الشام إلى مصر ومن ثَم إلى المغرب.
كان لدخول عبد الرحمن إلى شبه الجزيرة الإيبيرية (الأندلس)، حيث عرف بعده بالداخل، أكبر الأثر على الواقع السياسي للأندلس والأراضي الإسلامية بشكل عام؛ فمنذ بداية الفتح الإسلامي لها عام 92هـ وحتى وصول الداخل إليها عام 138هـ، لم يتمكن العرب في الأندلس من تخطي نزاعات الأمراء إلى مرحلة تكوين دولة أو إمارة جامعة في الأراضي الإيبيرية تتصف بثبات واتزان سياسي وثقافي يأخذ طبيعة المنطقة في الاعتبار.
تمكن عبد الرحمن الداخل من السيطرة على قرطبة في عام وصوله، واستخدامها كقاعدة للسيطرة على مساحات حكم الأمراء العرب في سرقسطة وبرشلونة رغم اعتمادهم على العون العسكري من شارلمان إمبراطور الفرنك. وتجدر الإشارة هنا إلى الأهمية الاستراتيجية لدحر الداخل قوات شارلمان في معركتي سرقسطة وباب الشرزي، حيث رسم هذا الانتصار حدود السيادة الأموية التي بناها الداخل وسمح له بالوصول إلى مرحلة تعضيد التواجد الإسلامي في الأندلس على الصعيدين الاجتماعي والثقافي في ظل دولة تربع على عرشها لأكثر من ثلاثين عامًا حتى وفاته في 172هـ.
ألب أرسلان السلجوقي
اتسع نطاق سيطرة السلطنة السلاجوقية -تركمانية الأصل- بصورة سريعة من وسط أسيا إلى عاصمة الخلافة العباسية في بغداد، واستمرت قوتها في النمو حتى صارت السلالة السلجوقية هي الحاكم الفعلي لكافة الأراضي الإسلامية شرق مصر. قضى السلاجقة على البويهيين، وحافظوا على الخلافة العباسية لرمزيتها الدينية، خاصة أنها وفرت لهم مظلة شرعية في ظل التوسع الفاطمي إلى غربهم تحت راية العقيدة الشيعية الإسماعيلية. وظل شخص الخليفة العباسي هو ممثل العقيدة السنية التي دان بها السلاجقة.
تكمن محورية ألب أرسلان في سياسات التغيير السكاني الجذرية التي أتاحتها فتوحاته في الأناضول، وأدت لواحدة من أبرز الأحداث السياسية والثقافية في المنطقة، وهي هيمنة العرق التركي على المنطقة المعروفة بتركيا حاليًا. كانت الأناضول مع بداية حكم ألب أرسلان جزءًا من الإمبراطورية الرومانية الشرقية (البيزنطية)، ومع التوسع التدريجي في الفتح من شمال العراق ووسط آسيا إلى قلب الأناضول، استخدم ألب أرسلان تقنيات الهجوم السريع والهرب التركمانية المعروفة بين قبائل آسيا الوسطى في السيطرة على مساحات كبيرة في الأناضول. 
وتعتبر معركة ملاذكرد عام 463هـ / 1071م أبرز معارك ألب أرسلان، والتي فتح بعدها الأناضول لاستيطان القبائل التركية، التي ستظهر منها الخلافة العثمانية فيما بعد. وإذا تم أخذ سياسات التغيير السكاني السابق ذكرها في الاعتبار؛ يمكن فهم تمكن السلاجقة في غضون سنتين من الوصول إلى قونية في قلب الأناضول، ومن ثم أنقرة عام 467هـ / 1075م، لينتهوا من السيطرة على الأناضول بالكامل بفتح نيقية عام 470هـ / 1077م؛ أي خلال أقل من عقد.
نور الدين زنكي
بعد أن خلف أبيه عام 541هـ / 1146م كحاكم حلب أو أتابِك حلب كما كان معروفًا آنذاك، وهي سلالة حكمت تحت سلطان السلاجقة، بدأ نور الدين زنكي جهوده في مواجهة الحملات الصليبية التي حققت الكثير من النجاحات في تلك الفترة نتيجة تفكك الإمارات الإسلامية وضعف الخلافة العباسية. وقد نجح نور الدين بالفعل في طرد الصليبيين من سوريا وفلسطين ليبزغ نجمه، ثم تبدأ رحلة بناء دولته الكبرى، سيما بعد دخوله دمشق عام 549هـ / 1154م ومصر بين عامي (564 - 566هـ / 1169 -1171م).
تركزت جهود نور الدين محمود الأساسية في بدايات عهده في توحيد مدن الشام تحت إمرته، لينجح بالفعل في السيطرة على دمشق وبعلبك والرها وحران والموصل، ثم يتجه ناحية فلسطين لمواجهة الصليبيين أثناء حملتهم الثانية على المشرق، ليخوض معارك عدة معهم، ثم يتجه إلى مصر بعد أن قرر الصليبيون دخولها كظهير جنوبي لهم في وجه مُلك نور الدين بالشمال، ليقود ثلاث حملات قبل أن ينجح بالفعل في ضمها إلى مُلكه في أواخر عهده.
عُرِف عن نور الدين عدله وزُهدِه ودهائه العسكري، وقد شهد له بذلك مؤرخون مسلمون ومسيحيون على السواء، كما اشتهر باستخدام الغنائم التي اغتنمها في المعارك لبناء المساجد والمدارس والمستشفيات وبيوت المسافرين، ليترك عند وفاته عام 569هـ / 1174م دولة كبرى في مصر والشام قُدر لصلاح الدين الأيوبي أن يرثها ليستكمل مسيرته في الوقوف بوجه الصليبيين وحملاتهم المستمرة القادمة من أوروبا.
صلاح الدين الأيوبي
وُلِد صلاح الدين الأيوبي لأسرة كردية معروفة، وقد نشأ في الشام بعد أن انتقل مع أبيه إلى حلب لخدمة عماد الدين زنكي، والد نور الدين زنكي، وتلقى تعليمًا دينيًا وعسكريًا رفيعًا، ثم دخل إلى جيش عمه أسد الدين شيركوه، أحد قادة الأمير نور الدين آنذاك، حتى أثبت جدارته وأصبح على رأس القوات الشامية في مصر، ثم وزيرًا للخليفة الفاطمي هناك بعد وفاة شيركوه، ليقوم بإسقاط المُلك الفاطمي كله خلال أعوام، وإعادة الإسلام السُني إلى موقعه السابق في مصر، والعمل تحت راية نور الدين زنكي.
بوفاة نور الدين استحوذ صلاح الدين الأيوبي على سلطته، وأصبح له سلطانه الخاص في مصر والشام، الذي انطلق منه لمواجهة الصليبيين في فلسطين، وهي المواجهة التي وصلت ذروتها في معركة حطين عام 583هـ / 1187م. نجح صلاح الدين في محاصرة وهزيمة جيوش الصليبيين في حطين، واسترد من ثم عكا وبيروت وصيدا ونابلس ويافا وعسقلان خلال ثلاثة أشهر من المعركة، وأخيرًا القدس، التي سلمها له الصليبيون في أكتوبر من العام نفسه، بعد 88 عامًا من حكم الفرنج لها.
لم تبق تلك المدن طويلًا في أيدي المسلمين رُغم ذلك، حيث ظلت تتأرجح بين حكم الأيوبيين والصليبيين، بفعل تنازع أبناء صلاح الدين على تركته في مصر والشام بعد وفاته. انتهى ملك الأيوبيين إلى التفسخ، وآلت ممتلكاتهم إلى سلطان المماليك؛ القوة الجديدة الصاعدة في مصر والشام.
سيف الدين قطز
ليس من الواضح كيف كانت حياة سيف الدين قطز في بدايتها، والذي يُقال أنه بيع لأحد تجار الرقيق في القاهرة قبل أن يشتريه السلطان المعز عز الدين أيبك في القاهرة، حيث أثبت جدارته مع الوقت وأصبح يده اليمنى، ثم مساعد ابنه السلطان المنصور علي، قبل أن ينحيه عن العرش ويصبح هو السلطان في العام التالي على دخول التتار لمدينة بغداد. باقتراب خطر المغول في المشرق، رأى قطز أن من الضروري وجود قائد قوي في السلطنة بدلًا من المنصور علي.
كما هو متوقع، حين وصل المغول إلى الشام قاموا بإيفاد رُسُلَهم إلى قطز ونصحوه بالاستسلام للزحف المغولي الذي لم يُبقِ على دولة من دول الشرق. وطبقًا لروايات تاريخية عدة، قام قطز بقطع رؤوس الرسل وتعليقها على باب زويلة، في إعلان صريح لموقف الدولة المملوكية من غزو المغول، لتبدأ إرهاصات معركة عين جالوت، التي تعتبر واحدة من أبرز المعارك العسكرية في تاريخ المنطقة، والتي كان لها ربما الدور الرئيس في إنقاذ الحضارة الإسلامية من السيطرة المغولية الهوجاء.
لم يدم حُكم قطز طويلًا بعد انتصاره في عين جالوت، حيث قُتِل بتدبير من بيبرس، أحد قادة الجيش المملوكي، انتقامًا لأحد قيادات المماليك البحرية الذين قتله قطز أثناء حُكم السلطان أيبك، أو كما يقول آخرون لأنه منح حُكم حلب للملك علاء الدين أمير الموصل بدلًا منه كما وعده سابقًا.
يوسف بن تاشفين
في عام 453هـ / 1061م، وبينما اتجه أبو بكر زعيم المرابطين في المغرب العربي لقمع إحدى الثورات القبلية في الصحراء الأفريقية، أوكل مهام قيادة جيشه إلى يوسف بن تاشفين أحد أقاربه، والذي ذاع صيته وزادت شعبيته بسهولة إلى أن قرر أبو بكر نقل مُلكه إليه بعد عودته، ليبدأ العصر الذهبي لدولة المرابطين تحت حُكمه الذي استمر خمسة وأربعين عامًا.
بدأ يوسف بن تاشفين، ذو الأصول الأمازيغية، عهده بتأسيس مدينة مراكش المعروفة الآن في المملكة المغربية، ثم توسع ليستحوذ على المغرب والجزائر بالكامل، ويبدأ حملاته في الأندلس بعد أن استغاث به المسلمون هناك جراء تزايد الهجمات المسيحية الأوروبية وسقوط طليطلة عام 478هـ / 1085م. اتجه بن تاشفين بالفعل إلى الأندلس وأوقع الهزيمة بالملك ألفونسو القشتالي عام 479هـ / 1086م، ونجح في توسيع ملكه ليشمل معظم شبه الجزيرة الأيبيرية.
محمد الفاتح
هو القائد العثماني الأشهر، الذي جلس على عرش الدولة العثمانية عام 855هـ / 1451م وقاد فتح القسطنطينية عام 857هـ / 1453م. وقد استمر حكمه ثلاثين عامًا، أطلق على نفسه فيها لقب "قيصرِ الروم"، باعتباره وارثًا للمُلك الروماني والبيزنطي، و"سيد الأرضين والبحرين"؛ الأناضول والبلقان وبحر إيجه والبحر الأسود. وقد عُرِف عهد محمد الفاتح بإعادة تنظيم الحكومة العثمانية، ووضع قوانين عامة للسلطنة. وتعتبر امتيازات الحماية التي وفرها لمجتمعات تجار البندقية وفلورنسا في إسطنبول السابقة الأولى لمؤسسة السفارة الأجنبية في التاريخ الدبلوماسي.
بالإضافة إلى معركة فتح القسطنطينية، تعتبر معركة باشكنت في مدينة أرزينجان عام 877هـ / 1473م، والتي خاضها في مواجهة قائد التركمان المنافس للعثمانيين أوزون حسن، واحدة من أبرز معارك محمد الفاتح، والتي أتاحت له توطيد مُلك العثمانيين في الأناضول بشكل نهائي. هذا، علاوة على حملات عسكرية في البلقان والمجر ورومانيا ومولدوفا وجزيرة رودس وشبه جزيرة القرم ومدينة أوترانتو في جنوب إيطاليا، التي دخلها في أواخر عهده عام 885هـ / 1480م.
عُرِف عن محمد الفاتح تسامحه مع كل الفئات التي سكنت القسطنطينية، إذ قام بجمع المفكرين الإيطاليين واليونانيين في بلاطه بعد الفتح، وأمر بترجمة العقائد المسيحية للتُركية، كما حرص على جمع الكتب اليونانية واللاتينية؛ وظلت كنيسة الروم الأرثوذكس تعمل بشكل طبيعي من بعده حتى أغلقت بعد إعلان الجمهورية التركية في القرن العشرين.
السلطان سليم الأول
ثماني سنوات فقط هي الفترة التي حكم فيها سليم الأول السلطنة العثمانية، ولكنها شهدت ذروة فتوحاتها وحصولها على لقب الخلافة، حيث نجح السلطان المعروف بشدته في دخول مصر وسوريا والحجاز، ليؤول حكم معظم أراضي المسلمين إلى العثمانيين في أقل من عقد.
خلال سنوات حكم السلطان سليم الأول، بزع نجم إسماعيل الأول الصفوي في إيران، وهو ما دفع بسليم للالتفات نحو الشرق لتأمين حدود الدولة العثمانية، لا سيما وأن قبائل القزلباش الموالية لإسماعيل كانت تثير الاضطرابات في الأناضول. خاض سليم أولى معاركه الشرقية ضد الصفويين في جالديران شرقي نهر الفرات عام 920هـ / 1514م، ثم ضم الولايات التركمانية والكردية للمُلك العثماني.
فيما بعد، وبينما بدأت حدود العثمانيين تتجاوز كردستان وتقارب على الشام، نشب النزاع بينهم وبين المماليك حكام مصر والشام حتى ذلك الوقت، لينجح سليم في هزيمتهم في معركتي مرج دابق والريدانية عامي 922 و 923هـ / 1516م و1517م، لتنتقل كل أراضيهم رسميًا للدولة العثمانية، وإن بقيت سلطتهم على الأرض كولاة. وطبقًا للرواية العثمانية، تخلى آخر الخلفاء العباسيين في القاهرة عن منصب الخلافة لسليم الأول، ليصبح بذلك أول الخلفاء العثمانيين؛ وهو ما دفع شريف مكة إلى تسليم مفاتيح المدينة للسلطان سليم أثناء وجوده في القاهرة.
سليمان القانوني
بعد وفاة سليم الأول، انتقل الحكم بعده لابنه سليمان القانوني (حكم من 926 – 974هـ / 1520 – 1566م). استمر سليمان في سياسة التوسع العسكري التي اتبعها أسلافه، وأضاف لها أبرز ما عُرِف به فيما بعد: الاهتمام بالمجالات القانونية والثقافية والعمرانية، ليشهد عهده تميز الحضارة العثمانية، بل وربما تشكل بصمة خاصة للثقافة العثمانية.
بدأ سليمان القانوني حملاته العسكرية فور جلوسه على العرش باستحواذه على بلغراد، عاصمة صربيا اليوم، ثم رودس والمجر، وأخيرًا وصل إلى أبواب فيينا عاصمة النمسا، والتي لم ينجح في السيطرة عليها نتيجة لعوامل شتى منها سوء الأحوال الجوية وقلة المؤن والمقاومة الأوروبية المنيعة في المدينة، وهو ما دفعه للتخلي عنها والاكتفاء بالمجر، لا سيما وأن الحدود الشرقية عادت لتؤرق الأستانة من جديد.
وجه سليمان ثلاث حملات كبرى ضد الدولة الصفوية، أولها عام 941هـ / 1534م، عندما استحوذ على مدينة أرضروم ودخلت أثنائها قوات العثمانيين العراق؛ وثانيها عام 955هـ / 1548م، حيث هيمن بها على معظم الأراضي المحيطة ببحيرة وان (فان)؛ وآخرها عام 961هـ / 1554م، التي لم تحقق أهدافها المرجوة، وكانت تنطوي على هدف صعب هو اختراق فارس نفسها.
برز في عهد سليمان القانوني القائد البحري المعروف خير الدين بارباروسا، قبودان الأسطول العثماني، وكُتب له أن يكون واحدًا من أبرز القيادات البحرية في التاريخ الإسلامي بجهوده في البحر المتوسط وعلى سواحل اليونان والبندقية وأسبانيا، التي رسخت من هيمنة العثمانيين على البحر المتوسط.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات تاريخية   الأحد 17 أبريل 2016, 1:04 am

زيد بن عمرو بن نفيل .. أمة وحده




زيد بن عمرو بن نفيل، أشهر الموحدين قبل الإسلام، أصحاب العقول الناضجة، الذين لم يستسيغوا تلك الحجارة الموضوعة فوق الكعبة، ولا ما ينسج حولها من أساطير وخرافات، وأحد الذين عبروا الروابي والهضاب والصحاري، سير حثيث بحثًا عن الحق، فلم تستمله اليهودية ولا النصرانية، فعاد إلى مكة يعبد الله على دين إبراهيم عليه السلام حتى مات.

زيد بن عمرو بن نفيل
هو زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك القرشي العدوي، والد سعيد بن زيد رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وابن عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يجتمع هو وعمر في نفيل، وكان حنيفيًا على دين الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وكان لا يأكل ما ذبح على الأنصاب.


زيد بن عمرو بن نفيل .. الباحث عن الدين
في مكة كان زيد بن عمرو بن نفيل يحدق في الأصنام يتأملها وهي منصوبة فوق بيت الله، فلا تزيده الأيام إلا اقتناعًا بتفاهتها وتخلف عقول أتباعها وعابديها، إنها في نظره لا تعدو كونها حجارة صماء بكماء خرساء لا تقدم ولا تؤخر، ضاقت بها مكة وضاق زيد بها، فبحث له عن فسحة بين الفيافي والبطاح، يتنفس فيها الحرية والتوحيد، يبحث عن الحقيقة، يفتش عنها أديرة العباد وصوامع الرهبان، يسأل ويسأل ولا يكف عن السؤال.


خَرَجَ إِلَى الشام يَسْأَلُ عَنْ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ الْيَهُودِ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ.

فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي.

فَقَالَ: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ.

قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ.

فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ.

قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا.

قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ.

قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ.

فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النَّصَارَى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ.

قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ.

قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا.

قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ.

قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ ،لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ.

فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ [1].

وهذا الحديث يبيّن مقدار الحيرة التي سادت الدنيا، وغطّت بضبابها الكثيف على الأديان الظاهرة؛ اليهود يشعرون بأنّهم مطاردون في الأرض، منبوذون من أقطارها، فعلى الداخل في دينهم أن يحمل وزرا من المقت المكتوب عليهم.

والنصارى وقع بينهم شقاق رهيب في طبيعة المسيح ووضعه، ووضع أمّه، من الإله الكبير، وقد أثار هذا الخلاف بينهم الحروب المهلكة، وقسمهم فرقا يلعن بعضها بعضا.

ومن حقّ زيد أن يدع هؤلاء وأولئك، ويرجع إلى دين إبراهيم عليه السّلام يبحث عن أصوله وفروعه.

ويعود زيد إلى مكة غريبًا كيوم غادرهم، يرمق مكة ويرمق جموعها، أحقًا كانت هذه الأرض أرض التوحيد، ما بالهم يشركون، ينظر نظرة من ملأ قلبه الأسى واللهف، رأته أسماء بنت أبي بكر على هذه الحال: (مسندًا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بيده، ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللَّهم لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم) [2].

ثم يؤدي حركة غريبة كغربته تتوهج شوقًا إلى الله، وشوقًا يعبر به عما في قلبه، تقول أسماء: (ثم يسجد على راحته، وكان يصلي إلى الكعبة ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم) [3].

لقد كان هذا الغريب إنسانًا عظيمًا في زمنه، لا يتفوق عليه في سلامة الفطرة وصفاء الفكر إلا محمد صل الله عليه وسلم. لقد كان يرى الرجل يحمل ابنته الصغيرة على ذراعيه مسرعًا بها نحو حفرة تلتهب بالرمضاء ليدسها فيها، فينهض مسرعًا ويعترض طريقه، ويتوسل إليه ألا يفعل، فإذا أصر "أن يقتل ابنته قال له: لا تقتلها ادفعها إليَّ أكفلها، فإذا ترعرعت فخذها، وإن شئت فادفعها" [4]. ثم يأخذ تلك البريئة الضعيفة، يحملها إلى بيته يرعاها ويحنو عليها، لأنه يعرف أن الله أرحم من عباده، وأنه لم يخلقها لتدفن بعد مولدها.

إنّ زيدا واحد من المفكّرين القلائل الذين سخطوا ما عليه الجاهلية من نكر، وإنه ليشكر على تحرّيه الحقّ، ولا يغمط هو ولا غيره أقدارهم بين قومهم.

ولم تكن عودة زيد بن عمرو لمكة ليأسه مما ملأ الأرض من رموز الشرك، بل عاد لينتظر، فلقد أرشده بعض الرهبان إلى قرب مخرج نبي مرسل، في أرض الحجاز، زيد نفسه يقول: "شَامَمْتُ النَّصْرَانِيَّةَ وَالْيَهُودِيَّةَ فَكَرِهْتُهُمَا، فَكُنْتُ بِالشَّامِ وَمَا وَالَاهُ حَتَّى أَتَيْتُ رَاهِبًا فِي صَوْمَعَةٍ، فَوَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ اغْتِرَابِي عَنْ قَوْمِي وَكَرَاهَتِي عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، فَقَالَ لِي: أَرَاكَ تُرِيدُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ يَا أَخَا أَهْلِ مَكَّةَ، إِنَّكَ لَتَطْلُبُ دِينًا مَا يُؤْخَذُ الْيَوْمَ بِهِ، وَهُوَ دِينُ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ كَانَ حَنِيفًا لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا كَانَ يُصَلِّي وَيَسْجُدُ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي بِبِلَادِكَ فَالْحَقْ بِبَلَدِكَ، فَإِنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنْ قَوْمِكَ فِي بَلَدِكَ يَأْتِي بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ بِالْحَنِيفِيَّةِ، وَهُوَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ" [5].

زيد بن عمرو بن نفيل .. الموحد
قال ابن إسحاق: "وَأَمَّا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَوَقَفَ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ، وَفَارَقَ دِينَ قَوْمِهِ، فَاعْتَزَلَ الْأَوْثَانَ وَالْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَالذَّبَائِحَ الَّتِي"تُذْبَحُ عَلَى الْأَوْثَانِ وَنَهَى عَنْ قَتْلِ الْمَوْءُودَةِ، وَقَالَ: أَعْبُدُ رَبَّ إبْرَاهِيمَ، وَبَادَى قَوْمَهُ بِعَيْبِ مَا هُمْ عَلَيْهِ".


وهو صاحب البيت المشهور، الذي قاله يعيب على قومه عبادة الأصنام:

أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ *** أَدِينُ إذَا تُقُسِّمَتْ الْأُمُورُ

وجاهر بعداء الأوثان، فتألب عليه جمع من قريش، فأخرجوه من مكة، فانصرف إلى حراء، فسلّط عليه عمه الخطاب شبانا لا يدعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا.

وفي الحديث أَنَّ زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، خَرَجَا يَلْتَمِسَانِ الدِّينَ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَاهِبٍ بِالْمَوْصِلِ، فَقَالَ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا صَاحِبَ الْبَعِيرِ؟ قَالَ: مِنْ بَيْتِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: وَمَا تَلْتَمِسُ؟ قَالَ: أَلْتَمِسُ الدِّينَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْهَرَ الَّذِي تَطْلُبُ فِي أَرْضِكَ.

 فَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَتَنَصَّرَ، وَأَمَّا زَيْدٌ فَعُرِضَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ فَلَمْ تُوَافِقْهُ فَرَجَعَ، وهو يقول:

لَبَّيْـــكَ حَقًّـــا حَقًّـــا *** تَـعَـبُّـــــــدًا وَرِقًّــــــــا
الْبِرُّ أَبْغِي لَا الْخَــالُ *** وَهَلْ مُهَجِّـرٌ كَمَنْ قَــالَ
آمَنْـــــتُ بِمَـــــــا آمَـــــنَ بِـــــهِ إِبْرَاهِيــــــــمُ

و يقول:

أَنْفِي لَكَ عَانٍ رَاغِمُ *** مَهْمَا تُجَشِّمْنِي فَإِنِّي جَاشِمُ

ثم يخرُّ، فيسجد [6].

زيد بن عمرو بن نفيل ورسول الله
روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح (اسم موضع بالحجاز قرب مكة)، قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدمت إلى النبي صل الله عليه وسلم سفرة فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: "إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه". وأن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: "الشاة خلقها الله وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله"، إنكارا لذلك وإعظاما له [7].


وفاة زيد بن عمرو بن نفيل
أمة وحده زيد بن عمرو بن نفيل، هكذا عاش وهكذا سيبعث عندما تبعث الأمم (أمة وحده يوم القيامة)، توفي زيد بن عمرو بن نفيل قبل المبعث بخمس سنين، أي في عام 19 قبل الهجرة، الموافق 615 م، وقد جاء ابنه سعيد بن زيد رضي الله عنه إلى النبي صل الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أبي كان كما رأيت وكما بلغك، فاستغفر له، قال: "نعم، فإنه يكون يوم القيامة أمة وحده" [8].


وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَيَقُولُ: إِلَهِي إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ وَدِينِي دِينُ إِبْرَاهِيمَ وَيَسْجُدُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُحْشَرُ ذَاكَ أُمَّةً وَحْدَهُ بَيْنِي وَبَين عِيسَى بن مَرْيَم".

وكان سعيد بن المسيب يذكر زيد بن عمرو بن نفيل، فقال: توفى وقريش تَبْنِي الْكَعْبَةَ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَلَقَدْ نَزَلَ بِهِ (الموت) وَإِنَّهُ لَيَقُولُ: أَنَا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ [9].




[1] البخاري: صحيح البخاري، باب (54) حديث زيد بن عمرو بن نفيل (ترقيم البغا: 3615).
[2] ما بين الأقواس: سنده صحيح. رواه ابن إسحاق. (سيرة ابن كثير 1/ 154)، فقد قال ابن إسحاق: حدثني هشام بن عروة عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، وابن إسحاق ثقة مدلس، وهو هنا لم يدلس بل صرح بالسماع من شيخه: هشام بن عروة بن الزبير، أما شيخه، فهو ثقة معروف، ووالد عروة إمام المغازي والتابي الثقة العظيم، عروة بن الزبير ابن العوام، ووالدته هي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين.
[3] و [4] ما بين الأقواس: سنده صحيح. رواه ابن إسحاق. (سيرة ابن كثير 1/ 154)، فقد قال ابن إسحاق: حدثني هشام بن عروة عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، وابن إسحاق ثقة مدلس، وهو هنا لم يدلس بل صرح بالسماع من شيخه: هشام ابن عروة بن الزبير، أما شيخه، فهو ثقة معروف، ووالد عروة إمام المغازي والتابعي الثقة العظيم، عروة بن الزبير بن العوام، ووالدته هي أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين.
[5] حديثٌ حسنٌ رواه ابن سعد (1/ 162)، أخبرنا علي بن محمد القرشى، عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، قال: قال زيد بن عمر،. وعلي ثقة رغم ما قاله ابن عدي (اللسان 4/ 253) وقد قال عنه ابن معين: ثقة، ثقة، ثقة، وإسماعيل حسن الحديث: التقريب (1/ 73) وعلة الحديث من والده، ففيه ضعف وحديثه جيد بالشواهد والحديث يشهد له حديث البخاري السابق، وحديث آخر عند الطيالسي (2/ 161)، وفيه جهالة حال نفيل، ولا ينفعه قول ابن حبان، روى عنه المدنيون فلا بد من التوثيق اللفظى لكن حديثه جيد في الشواهد.
[6] العاني: الْأَسير. وتجشمنى: تكلفني. الْخَال: الْخُيَلَاء وَالْكبر. المهجر: الّذي يسير فِي الهاجرة: أَي القائلة، وَقَالَ يقيل: إِذا نَام فِي القائلة: أَي لَيْسَ من هجر كمن آثر الرَّاحَة فِي القائلة وَالنَّوْم.
- انظر: ابن هشام: السيرة النبوية (ت: السقا)، 1/ 230.
- البيهقي: دلائل النبوة، 2/ 124.
[7] البخاري: صحيح البخاري، ترقيم: البغا، (3614).
[8] حديث صحيح، رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة (سيرة ابن كثير 1/ 56) من طريق تابعي ضعيف هو عطية بن سعد العوفي، لكن له شواهد قوية، عند الباغندي (سيرة ابن كثير 1/ 162) وعند أبي داود الطيالسي (2/ 161)، كما رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة (سيرة ابن كثير 1/ 161) وسند الباغندى قال عنه ابن كثير: صحيح وهو كما قال، وطريق ابن أبي شيبة قال عنه ابن كثير أيضًا: إسناده جيد حسن، لكنه ليس كما قال: ففيه مجالد وفيه ضعف، والحديث بهذه الطرق صحيح.
[9] ابن كثير: السيرة النبوية، وقال في الحديث: إسناده جيد حسن، 1/ 161- 162.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات تاريخية   الأحد 17 أبريل 2016, 1:07 am

من تاريخ البحرية في الحضارة العربية الإسلامية


نبذة تاريخية
قبل ظهور الإسلام عرف الرحالة اليوناني (هيبا لوس) من البحارة العرب الرياح الموسمية وهذه الرياح تمثل في رحلة الشتاء و الصيف عند العرب.كان البحارة العرب ينتظرون موعد الرياح القوية والقادمة من الشمال لتدفع مراكبهم الشراعية باتجاه الجنوب من البحر الأحمر إلى الهند وشرق آسيا ثم الانتظار لحين موعد الرياح المعاكسة لتعود بهم إلى ديارهم.

وقد أخذ العرب من اليونانيون جهاز الإسطرلاب لقياس ارتفاع النجوم والكواكب ولقد جعله العرب أكثر دقة وأسهل استعمالا حتى اشتهر العرب بصناعته.
وقد استعمل البحارة العرب أجهزة أخرى مثل السدس (التيودوليت)، استعمل البحارة العرب البوصلة في عهد الإدريسي، أما المنظار المقرب فلم يعرفه العرب إلا في القرن السابع عشر بعد ما ابتكره جاليلو الإيطالي.
معرفة العرب بالبحار
وكان البحارة العرب على معرفة جيدة بطبيعة البحار، سواء في قيادة سفنهم للرحلات الطويلة أو الأحوال المناخية المتقلبة والموسمية وكانوا يستعملون (الدليل البحري) ويسمى الرهماني أو الرحماني، ويسمى أيضا دفتر الإرشاد البحري، وكانوا يستعملون تقويم خاص بالبحارة يسمى (النيروز)، وكانوا يحسبون طلوع المنازل ومواسم الرياح وأوقات الأسفار وسرعة مراكبهم و المسافة وطرق تمييز الجزر والوقت المتوقع وصولهم.

لقد كان العرب يسيرون رحلاتهم البحرية بانتظام من شبة الجزيرة العربية إلي الهند وشرق آسيا حتى وصلوا الصين حيث يذكر أن هناك جاليات من أصل عربي تعيش هناك.
وعندما بدأ انتشار الإسلام كان الحماس الشديد عند المسلمين للمشاركة في نشر الدعوة الإسلامية وبالتالي ازداد نشاط الرحلات البحرية الطويلة إلى أفريقيا والهند وشرق أسيا لاكتشاف بلاد جديدة لم يصلها الإسلام.
ـ من أشهر البحارة العرب
- الملاح سليمان التاجر: الذي يعتبر من المصادر الهامة في المعرفة الجغرافية والتاريخية لبحار آسيا، ويرى كثيرون أن قصة السندباد البحري ما هي إلا نسج للأوصاف هذا الملاح العربي في القرن التاسع ميلادي.
- كذلك سجل الملاح البحري أحمد بن ماجد عدد كبير من الكتب في القرن الخامس عشر بعد القيام برحلات واسعة في البحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الهندي، ولقد لمع اسم ابن ماجد والبحار سليمان المهري في الأوساط العلمية الغربية بعد عثور المستشرق الفرنسي جبريل فيران على مخطوطات ومؤلفات في علم الملاحة.
- وورد في كتاب البيروني أوصاف للبحار الشمالية المتجمدة والكائنات البحرية.
- البتاني وابن حوقل: قام كل منهما في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي بعمل خرائط بحرية عن البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي وكانت خرائط المسعودى أقرب إلى الواقع.
- المسعودي: وقد عمل المسعودي عدة كتابات وصف فيها بحر الروم (الأبيض المتوسط) وصفاً جيداً من ناحية الطول والعرض وحدده. وكذلك وصف الحيوانات البحرية مثل: الحوت، وقال عنه: أن اسمه (الفال)، ويصل طوله (400 ذراع) ويهز البحر وينفث الماء إلى ارتفاع أكثر من ممر سهم.
- أما وصف الدمشقي لسمك القرش بأنه موجود ببحر اليمن، وأن جلده خشن وله خرطوم طويل مثل المنشار، وطوله أربعة اذرع.
- رحلات ابن بطوطة في القرن الرابع عشر.
- رحلات العمانيين إلى زنجبار وإلى إندونيسيا حيث جلبوا القرنفل ونقلوه إلى زنجبار القريبة من الساحل الأفريقي وأصبحت زنجبار مشهورة بزراعته وتصديره. وكانت الرحلة من عمان إلى زنجبار تستغرق شهر ونصف.
- أصدرت تركيا عام (1864م) أيام الإمبراطورية العثمانية أول مجموعة قانونية تتضمن قواعد القانون البحري مستوحاة من الشريعة الإسلامية ويعتبر أكثر إنسانية من القانون البحري العالمي لأن الفقهاء المسلمين فرضوا الالتزام بالمساعدة لأي سفينة معرضة للخطر، على العكس من القانون البحري المعاصر الذي يسمح بالمساعدة مقابل المطالبة بمبالغ هائلة. هذا البند يجعل من قادة السفن لا يطلبون المساعدة من السفن الأخرى إلا بعد استنفاذ جميع المحاولات مما يؤدي إلى سوء الحالة.
- قام الأميرال العثماني محي الدين الريس بكتابة "كتاب البحرية"، وصف فيه خرائط تفصيلية للبحر الأبيض المتوسط وكان ذلك سنة 1554م.
- أما الأميرال العثماني الكابتن سيد علي قام بكتابة "كتاب المحيط"، وصف فيه المحيط الهندي وكان ذلك سنة 1562م.
- وصدر عن الملاح الكويتي عيسى القطاني كتاب "دليل المحتار في علم البحار"، شرح فيه عن الملاحة والغوص وتجارة اللؤلؤ وبعض العادات والتقاليد في الخليج العربي وكان ذلك سنة 1915م.

وقد عمل الغزاة والمستعمرين من البرتغال بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح بملاحقة المراكب العربية وقطع الطريق عليها ومهاجمتها بغرض القرصنة و النهب. كما فرضوا حصار على مدخل الخليج العربي والبحر الأحمر لغرض شل الحركة التجارية، وبعد هذه الحوادث لم تعد المراكب العربية على أن تجرؤ على الابتعاد عن السواحل، وبعد هذه السيطرة البرتغالية مائة سنة كانت هذه المدة كافية لفقد الملاحة العربية للمعلمين والربابنة الذين يجيدون فن الملاحة الليلية بقياس النجوم والرحلات الطويلة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات تاريخية   الأحد 17 أبريل 2016, 1:08 am

حقيقة القتال في الإسلام


الرد على أكذوبة انتشار الإسلام بحد السيف
وإذا كان بعض المفترين لا يزال يردد أكذوبة انتشار الإسلام بحد السيف والقتل والقتال، فإننا نلفت أنظارهم إلى أن كل المعارك التي دارت في الفتوحات الإسلامية إنما كانت ضد جيوش الغزو والاحتلال الرومانية والفارسية، ولم تدُر معركة واحدة بين جيوش الفتح التحريري الإسلامية وبين أهل البلاد المفتوحة، بل لقد قاتل أهل البلاد المفتوحة مع الجيوش الإسلامية -وهم على دياناتهم القديمة- ضد الروم والفرس.

وشهد أساقفتهم الذين عاصروا هذه الفتوحات وشهدوها، على أن الفتوحات الإسلامية قد كانت إنقاذًا لهم ولدياناتهم من الإبادة التي مارسها ضدهم المستعمرون الرومان، فقال الأسقف يوحنا النقيوسي، وهو شاهد على الفتح الإسلامي لمصر:

"إن الله الذي يصون الحق، لم يهمل العالم، وحكم على الظالمين، ولم يرحم تجرؤهم عليه، وردهم إلى يد الإسماعيليين (العرب المسلمين، أبناء إسماعيل عليه السلام)، ثم نهض المسلمون وحازوا كل مصر، وكان عمرو بن العاص (50ق هـ - 43هـ/ 574 - 664م) يقوى كل يوم في عمله، ويأخذ الضرائب التي حددها، ولم يأخذ شيئًا من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئًا ما سلبًا أو نهبًا، وحافظ على الكنائس طوال الأيام..." [1].

ويؤكد هذه الحقيقة أن القتال في الفتوحات الإسلامية إنما كان ضد الجيوش الغازية التي استعمرت الشرق وقهرته عشرة قرون، وأنه كان تحريرًا لأوطان الشرق وضمائر شعوبه، الأسقف ميخائيل السرياني يشير إلى أن الكنيسة المصرية -اليعقوبية- كانت سرية، لا يعترف بها الرومان، كما كانت كنائسها مغتصبة من قبل المذهب البيزنطي –الملكاني، وأنها قد ظلت كذلك حتى حررها الفتح الإسلامي، فكان بقاؤها وحياتها هبة الإسلام!

يشهد هذا الأسقف على ذلك فيقول: "إن الإمبراطور الروماني لم يسمح لكنيستنا بالظهور (أي لم يكن معترفًا بها!)، ولم يصغ إلى شكاوى الأساقفة فيما يتعلق بالكنائس التي نهبت، ولهذا، فقد انتقم الرب منه، لقد نهب الرومان الأشرار كنائسنا وأديرتنا بقسوة بالغة، واتهمونا دون شفقة، ولهذا جاء إلينا من الجنوب أبناء إسماعيل لينقذونا من أيدي الرومان، وتركنا العرب نمارس عقائدنا بحرية، وعشنا في سلام" [2].

المسلمون وتحرير الكنائس من الاغتصاب
ولقد حرر الفتح الإسلامي كنائس مصر من الاغتصاب البيزنطي، لا ليجعلها مساجد إسلامية، وإنما ردها إلى نصارى مصر، وأعطى عمرو بن العاص رضي الله عنه الأمان للبطرك الوطني بنيامين (39هـ/ 659م) فعاد بعد ثلاثة عشر عامًا من الهرب!


عاد إلى شعبه، وتسلم كنائسه، وطاف بها في فرح عبَّر عنه الأسقف يوحنا النقيوسي بقوله: "ودخل الأنبا بنيامين بطرك المصريين مدينة الإسكندرية، بعد هربه من الرومان ثلاثة عشر عامًا، وسار إلى كنائسه، وزارها كلها، وكان كل الناس يقولون: هذا النفي، وانتصار الإسلام كان بسبب ظلم هرقل الملك، وبسبب اضطهاد الأرثوذكس، وهلك الروم لهذا السبب، وساد المسلمون مصر" [3].

شهادات الغربيين حول مقاصد القتال في الإسلام
وغير شهادات هؤلاء الشهود الثقات على مقاصد القتال في الفتوحات الإسلامية، شهد الكثيرون من علماء الغرب على الانتشار السلمي للإسلام، ومن هؤلاء العلماء المستشرقة الألمانية الحجة د. سيجريد هونكة، التي كتبت تقول:


"اليوم، وبعد مضي أكثر من ألف عام، لا يزال الغرب النصراني متمسكًا بالحكايات المختلقة الخرافية التي كانت الجدات يروينها، حيث زعم مختلقوها أن الجيوش العربية، بعد موت محمد، نشرت الإسلام "بالنار وبحد السيف البتار" من الهند إلى المحيط الأطلنطي، ويلح الغرب على ذلك بكافة الوسائل: بالكلمة المنطوقة، أو المكتوبة، والجرائد والمجلات، والكتب والمنشورات، وفي الرأي العام، بل في أحداث حملات الدعاية ضد الإسلام.

لكن منهج الإسلام: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة:256]، تلك هي كلمة القرآن الملزمة، فلم يكن الهدف أو المغزى للفتوحات العربية نشر الدين الإسلامي، وإنما بسط سلطان الله في أرضه، فكان للنصراني أن يظل نصرانيًا، ولليهودي أن يظل يهوديًا، كما كانوا من قبل، ولم يمنعهم أحد أن يؤدوا شعائر دينهم، وما كان الإسلام يبيح لأحد أن يفعل ذلك، ولم يكن أحد لينزل أذى أو ضررًا بأحبارهم أو قساوستهم ومراجعهم، وبيعهم وصوامعهم وكنائسهم".

حضارة الفاتحين
لقد كان أتباع الملل الأخرى -وبطبيعة الحال من النصارى واليهود- هم الذين سعوا سعيًا لاعتناق الإسلام والأخذ بحضارة الفاتحين، ولقد ألحوا في ذلك شغفًا وافتنانًا، أكثر مما أحب العرب أنفسهم، فاتخذوا أسماء عربية وثيابًا عربية، وعادات وتقاليد عربية، واللسان العربي، وتزوجوا على الطريقة العربية، ونطقوا بالشهادتين، لقد كانت الروعة كامنة في أسلوب الحياة العربية، والتمدن العربي، والمروءة والجمال.


وباختصار: السحر الأصيل الذي تتميز به الحضارة العربية، بغض النظر عن الكرم العربي والتسامح وسماحة النفس، كانت هذه كلها قوة جذب لا تقاوم، إن سحر أسلوب المعيشة العربي ذاك قد اجتذب إلى فلكه الصليبيين إبان وقت قصير، كما تؤكد شهادة الفارس الفرنسي "فونشير الشاروني": "وها نحن الذين كنا أبناء الغرب قد صرنا شرقيين! أفبعد كل هذا ننقلب إلى الغرب الكئيب؟! بعدما أفاء الله علينا، وبدل الغرب إلى الشرق؟!" بهذا انتشر الإسلام، وليس بالسيف أو الإكراه" [4].

وشهد بذلك أيضًا المستشرق الإنجليزي البارز ألفريد جيوم (1888م - 1965م) فقال: "لقد استُقبل العرب على الأغلب في سوريا ومصر والعراق بترحاب، لأنهم قضوا القضاء المبرم على الابتزاز الإمبراطوري، وأنقذوا البِيَعَ المسيحية المنشقة من الضغط الكريه الذي كانت تعانيه من الحكومة المركزية (البيزنطية)، وبرهنوا بذلك على معرفة بالمشاعر والأحاسيس المحلية أكثر من معرفة الأحزاب" [5].

حقيقة القتال في الإسلام
تلك هي حقيقة القتال في الإسلام، وتلك هي مقاصده:
- رد العدوان عن حرية الاعتقاد والضمير، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين والتدين كله لله.
- رد العدوان عن حرية الوطن، الذي بدون حريته لا يمكن أن يكون هناك مواطن حر، والذي بدون حريته لا يمكن أن تتحقق حرية إقامة فرائض الإسلام.


إنه مجرد شعبة من شعب الجهاد، وهو الاستثناء لا القاعدة، والضرورة التي تُقَدَّر بقدرها، وهو الفريضة المكروهة، وليس الجِبِلَّة التي تقود إلى التقدم، كما زعمت فلسفات وثقافات خارج نطاق الإسلام!




[1] يوحنا النقيوسي: "تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي، رؤية قبطية للفتح الإسلامي"، ص201، 202، ترجمة ودراسة: د. عمر صابر عبد الجليل، طبعة القاهرة، سنة 2000م.
[2] د. صبري أبو الخير سليم: تاريخ مصر في العصر البيزنطي، ص62، طبعة القاهرة، سنة 2001م.
[3] تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي، ص220.
[4] الله ليس كذلك، ص40 - 43.
[5] جيوم: الفلسفة وعلم الكلام، دراسة منشورة بكتاب تراث الإسلام، تصنيف أرنولد، ص363، ترجمة: جرجيس فتح الله، طبعة بيروت سنة 1972م.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات تاريخية   الأحد 17 أبريل 2016, 1:13 am

مصطفى كمال أتاتورك



هو طاغية العصر، وإمام العلمانيين، وقدوة العملاء والخائنين، صار مثالاً لكل كاره ومبغض لدين الإسلام، ونموذجًا يحتذى به في كيفية إختراق الصف المسلم والتغلغل بداخلة من أجل تفريقه وتمزيقه، وبالجملة فهو أشر خلق الله في عصره، ولا يعلم أحد كان نكبة على أمة الإسلام مثلما كان هذا المجرم اللعين، ولكن هذا لا ينفي أن الجو المحيط بأمة الإسلام هو الذي أسهم وبشدة في ظهور مثل هذا الشيطان الرجيم، الذي أسقط الخلافة وأصبح مثل الصنم يطوف حوله كل كاره ومبغض للدين، إنه مصطفى كمال الملقب بـ أتاتورك أي: أبو الأتراك.
وُلد مصطفى كمال أتاتورك في مدينة سلانيك «ضمت لليونان الآن» عام 1298هـ - 1881م، من سفاح، وتسمى أمه زبيدة، وقد نسبت مصطفى لأحد موظفي الدولة في سلانيك واسمه "علي رضا"، وينتمي مصطفى كمال لأصول صربية، وأجداده من طائفة يهود الدونمة [1]، وهم طائفة من اليهود أظهروا الإسلام وأبطنوا اليهودية من أجل العمل على إسقاط الدولة العثمانية، وإفساد عقائد المسلمين.
انتقل مصطفى كمال أتاتورك من سلانيك إلى إستانبول سنة 1318هـ للالتحاق بالكلية الحربية، وتخرج فيها سنة 1322هـ برتبة رائد، وعين في لواء الفرسان الثلاثين التابع للجيش الخامس في الشام، وهناك حاول تأسيس جمعية سرية من الأتراك المنفيين بالشام، لينافس بها جمعية الاتحاد والترقي ولكنه فشل، وكان رجال الاتحاد والترقي خاصة أنور باشا يكرهونه بشدة بسبب انحلاله وفجوره.
أخذ مصطفى كمال أتاتورك في البحث عن أي وسيلة للاشتهار حتى يلمع نجمه وسط رجال الاتحاد والترقي، فانضم لجيش محمود شوكت الذي توجه لإستانبول من سلانيك ليخلع السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1327هـ وذهب إلى ليبيا لمحاربة الإيطاليين كنوع من الدعاية، ولكن مع أول مواجهة حقيقية على خط النار فر مثل الفأر المذعور، وكانت بداية شهرة مصطفى كمال الحقيقية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث فرَّ معظم رجال الاتحاد والترقي بسبب هزيمة الدولة العثمانية وضياع معظم أملاكها في الحرب، وأصبح الطريق خاليًا أمام مصطفى كمال أتاتورك، ومن حسن طالعه أنه كان على علاقة وثيقة بالخليفة الجديد "وحيد الدين" قبل أن يلي الخلافة، فرقاه لرتبة مفتش عام للجيوش وزوده بصلاحيات واسعة، وعندها بدأ الإنجليز في الاتصال به والتنسيق معه للعمل على إسقاط الخلافة العثمانية، وبالأسلوب الإنجليزي المعروف بدأت عملية تلميع مصطفى كمال أتاتورك وإظهاره بصورة البطل القومي وأنه أشد الرجال خطورة على أوروبا والإنجليز، والأسد الثائر الذي يقلق مضاجع الاستعمار، وإمعانًا في التضليل أخذ مصطفى كمال أتاتورك في الظهور بالمظهر الإسلامي وإلقاء الخطب في المناسبات الدينية ويدافع عن الخلافة في كل موطن، مع أنه غارق لأذنيه في الزنا والفواحش والخمر.
وبعد أن انتصر الأتراك على اليونانيين في معركة سقاريا سنة 1345هـ، أصبح مصطفى كمال أتاتورك بطل الأمة القومي، والمتحكم الفعلي في البلاد، وأنصاره يسيطرون على مجلس النواب والمجالس المحلية، وبعد سلسلة طويلة من المناورات وبمساعدة قوية من الإنجليز تخلص مصطفى كمال أتاتورك من جميع معارضيه، وشوه صورة الخليفة وحيد الدين عندما أظهر للناس بنود معاهدة سيفر التي أُجبر وحيد الدين على توقيعها تحت التهديد الإنجليزي باحتلال إستانبول، واضطر وحيد الدين للاستقالة، وحل مكانه عبد المجيد الثاني والذي لم يمكث سوى ثلاثة أيام وأعلن مصطفى كمال أتاتورك بعدها وفي 27 رجب1341هـ إلغاء الخلافة العثمانية وقيام الجمهورية التركية.
تولى مصطفى كمال رياسة الجمهورية التركية وتلقب بـ أتاتورك، وبدأ يوفي لأسياده الإنجليز وأستاذه الخفي الذي لا يعرفه معظم الناس ألا وهو الحاخام نعوم كبير حاخامي تركيا منفذ الخطة اليهودية لهدم الخلافة العثمانية.
كما عمل على هدم الإسلام بكل قوة في تركيا، وبدأت عملية بشعة لسلخ الأتراك من هويتهم الإسلامية بإشراف كامل من الإنجليز، فألغى وزارة الأوقاف والمدارس الدينية وحول الجوامع إلى متاحف ومنع رحلات الحج والعمرة، وألغى الحجاب والحروف العربية، وألزم الأتراك بالتعبد باللغة التركية، ونقل الإجازة الأسبوعية ليوم الأحد مثل النصارى، وألزم الناس لبس القبعة الفرنجية[2]، وألغى الأعياد والمناسبات الدينية، وباع أذربيجان للروس، وقضى على الحريات والمعارضين لسياساته وجعل وسائل الإعلام لا تتحدث إلا عن بطولاته وفتوحاته وأخباره وكلها مكذوبة.
ولم يكتفِ أتاتورك بذلك بل ألغى الحروف العربية واستعمل الأحرف اللاتينية وأعلن العلمانية دينًا جديدًا للبلاد , وكان يخطب في الناس قائلاً: لقد انتهى العهد الذي كان الشعب فيه يخدع بكلمات هي خاصة بالطبقات الدنيا أمثال: كربلاء, حفيد الرسول, الإيمان, القدس.
أخلاق أتاتورك:
كما قلنا من قبل إن أتاتورك كان ولد زنا وولد الزنا شر الثلاثة إذا فعل فعلة أبويه كما ورد ذلك في الأثر فلقد كان أتاتورك فاسقًا ماجنًا شروبًا للخمر لا يكاد يفيق من شربه.
واشتهر أتاتورك بركوب الفواحش وكان مجاهرًا بها، كما اشتهر بشذوذه مع رغم أنه عُدِم الرجولة[3].
أما عن عشيقاته فحدث ولا حرج فقد كان يستمعل وزير خارجيته توفيق رشدي سمسارًا لشهواته، وكان عنده ثلاثون فتاة أطلق عليهن بناته بالتبني وأوصى لهن بمقادير ثابتة طيلة حياتهن وكن يقمن بالرقص في حفلاته وهن شبه عاريات, وبلغ به الشذوذ أنه كان يلبس الخدم في قصره ملابس النساء ويرقص معهم وهو مخمور.
كان أتاتورك من أكثر الناس جبنًا وهلعًا، وحقًا من خاف الله أخاف منه كل شئ، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شئ.
كان أتاتورك من أشد الناس عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان في فندق بارك، وكان المؤذن يؤذن في المسجد الصغير الكائن أمام الفندق مباشرة فإذا بـ أتاتورك يلتفت لمن حوله قائلاًَ: "من قال بأننا مشهورون؟ وما شهرتنا نحن؟ انظروا إلى هذا الرجل، -يعنى: النبي صل الله عليه وسلم- كيف أن اسمه يتكرر في كل لحظة في جميع أنحاء العالم" ثم أمر بهدم المنارة.
أتاتورك وخاتمة السوء :
كان أتاتورك شديد الخوف على نفسه؛ لذلك فقد أحاط نفسه بكبار الأطباء، ومع ذلك لم يكتشفوا أنه كان مريضًا بالكبد حتى وصل لمرحلة التليف الذي أصابه بالاستسقاء، واحتاج إلى سحب الماء من بطنه بالإبر ثم أصابه الله بمرض الزهري نتيجة شذوذه وفحشه.
وفي مرض موته ابتلاه الله بحشرات صغيرة حمراء لا تُرى بالعين سببت له الحكة والهرش حتى أمام زواره من السفراء والكبراء حتى ظهرت على وجهه ويكتشف أن السبب وراء ذلك نوع من النمل الأحمر الذي لا يوجد إلا في الصين !!
سبحان الله -من الصين إلى تركيا- ليذل الله عز وجل به هذا المجرم الهالك، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}[المدثر:31] ويظل على عذابه من سنة 1356هـ حتى سنة 1358هـ حيث يهلك ويرحل إلى مزبلة التاريخ في 16 شعبان 1358هـ.
وبعد موته أختلف الناس في الصلاة عليه فرأى رئيس الوزراء عدم الصلاة عليه ويصمم رئيس الجيش على الصلاة عليه، فيصلي عليه شرف الدين أفندي مدير الأوقاف الذي كان أخبث وأسوء من أتاتورك نفسه.
وإذا كان الغراب دليل قوم .. فلا فلحوا ولا فلح الغراب
والعجيب أن مصطفى كمال أتاتورك قد رشح سفير إنجلترا بتركيا ليخلفه في حكم تركيا بعد وفاته ليثبت لأسياده الإنجليز مدى وفائه وثباته على ذلك حتى النهاية.


[1] يهود الدونمة هم اليهود الذين خرجوا من الأندلس عند سقوطها في يد الصليبيين الذين اضطهدوا اليهود فخرجوا منها هائمين على وجوههم ولفظتهم كل البلاد لسمعتم الشهيرة في الشر والفساد حتى توسطت لهم الأفعى روكسلان اليهودية زوجة الخليفة العثماني سليمان القانوني فوافق على استضافتهم في بلاد المسلمين، وكان لهم الدور الأكبر في خلع السلطان عبد الحميد وإسقاط الخلافة.
[2] القبعة هي العلامة الثالثة عند النصارى بعد الصليب والزنار وكانت علامة دينية وضعت من قبل الصليبيين أثناء الحروب الصليبية ثم أصبحت بعدها قومية وقد اعتبرت القبعة كعلامة للكفر كما قال النووي رحمه الله.
[3] جاء ذلك على لسان زوجته لطيفة هانم التي فضحته وكشف كثيرًا من شذوذه ومحاولاته المتكررة للاعتداء على محارمه، حتى إنه حاول مرة الاعتداء على شقيقة زوجته الصغرى ولما هربت منه كاد أن يقتلها هي وزوجته لطيفة.





خيانة مصطفى كمال أتاتورك واتفاقه مع الإنجليز على الانسحاب من فلسطين بمائة ألف جندي تركي معرضًا حياتهم للخطر في سبيل مساعدة الإنجليز له وتمكينه من رياسة تركيا، وبالتالي فقد احتل الإنجليز فلسطين، وساهموا في إسقاط الخلافة العثمانية وتم تلميع أتاتورك إعلاميًا حتى تولى رياسة تركيا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات تاريخية   الأحد 17 أبريل 2016, 1:14 am

كيف تحرر الأقصى على يد صلاح الدين؟




تمر بنا كل عام ذكرى تحرير المسجد الأقصى المبارك على يد صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين الملاعين الذين دنسوه عام 492هـ. واستطاع صلاح الدين أن يحرره بعد 91 عامًا وذلك في عام 583هـ. تمر هذه الذكرى من سنين وأرض الأقصى تحت احتلال جديد، وهذه المرة على يد اليهود لعنهم الله.

وقد شهدت أرض فلسطين انتفاضات مباركة -إن شاء الله- سميت إحداها بانتفاضة الأقصى المبارك، ومساهمة في دفع العدوان عن هذا المسجد المبارك، وتخليدًا لذكرى هذا البطل المجاهد أحاول أن أبين الجهود العظيمة والخطوات المهمة التي أثمرت بإذن الله عودة الأقصى للمسلمين أول مرة، وليعود إن شاء الله مرةً أخرى إلى حوزتهم.


أولًا: استعادة بيت المقدس كانت ثمرة جهود متعددة ولأجيال متلاحقة

يقول الأستاذ وليد نويهض: "لم تأت إذن انتصارات صلاح الدين من فراغ، ولم تكن النتائج العسكرية التي حققها من دون مقدمات سياسية وتنظيمية وإدارية وإصلاحية وإحيائية امتدت على أكثر من قرن إلى أن بدأ قطف ثمارها في عهدي عماد الدين زنكي ونور الدين محمود الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للتحولات الكبرى التي شهدتها بلاد الشام ثم مصر" [1].

ويقول: "فالتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة في نهاية القرن السادس الهجري سبقتها حركات إصلاحية تمثلت في مسألتين: إحياء علوم الدين واسترداد الدولة "الخلافة العباسية" مواقعها، ونتج عن المسألتين والجهود التأسيسية التي قام بها الجيل الإصلاحي الأول من العلماء والفقهاء إطلاق حركة سياسية دينية، رغم حالات الإرباك والإحباط التي واجهته لحظة بدء حملات الفرنجة الأولى، فبين مرحلة التأسيس (460هـ) وإلغاء الدولة الفاطمية في مصر وإعادة توحيد مصر والشام (567هـ) أكثر من قرن شهدت خلاله المنطقة حالات من الصعود والهبوط والهجوم المضاد، إلى أن أخذت تستقر الأمور في مطلع القرن الهجري السادس.

فالجيل الأول أسس لظهور الجيل الثاني (ولد نور الدين محمود 511هـ) ومهد الجيل الثاني طريق تحرير القدس للجيل الثالث (ولد صلاح الدين 532هـ) واحتاجت الحركة الإصلاحية الإحيائية مئة سنة لتثمر النتائج السياسية التي أدت إليها، وتصد هجمات الإفرنج وتبدأ بهزيمتهم" [2].

ويقول الأستاذ محمد العبدة: "فمثل صلاح الدين ومن قبله نور الدين لا يأتيان بدون تمهيدات وإرهاصات" [3]. ويقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني: "إن صلاح الدين لم يكن في بدايته سوى خامة من خامات جيل جديد مر في عملية تغيير غيرت ما بأنفس القوم من أفكار وتصورات وقيم وتقاليد وعادات، ثم بوأتهم أماكنهم التي تتناسب مع استعدادات كل فرد وقدراته النفسية والعقلية والجسدية، فانعكست آثار هذا التغيير على أحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية" [4].

ثانيًا: لماذا احتاجت عملية تحرير الأقصى كل هذه الجهود الضخمة والأجيال المتعاقبة؟

لم تكن الحاجة إلى كل هذه الجهود إلا بسبب تردي أحوال المسلمين قبيل الغزو الصليبي على كل الأصعدة السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بسبب الجهل بأحكام الدين، وعدم القيام بأحكامه وأوامره، لأن العلم بالدين والقيام به يحقق للمسلمين رضا الله والسعادة في الدنيا. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النمل: 97].

وهذه نبذة سريعة مختصرة عن أحوال المسلمين في ذلك العصر:

1- من الناحية الدينية: لقد ساد الجهل والبعد عن أحكام الدين وانتشار البدع والخرافات والفرق الضالة والباطنية التي كوّنت إمارات ودول مستقلة [5].

2- ومن الناحية السياسية: كان هناك خلافتان: عباسية سنية في بغداد، وفاطمية شيعية في مصر، وكانت بينهما حروب استعان الفاطميون فيها بالصليبيين على العباسيين! وأعاقوا تحرير القدس وحرب الصليبيين، وقاموا باغتيال كثير من الأمراء والعلماء الذين كانوا ضد الصليبيين [6].

3- أما الحالة الاقتصادية: فقد عمّ الغلاء واحتكار الأقوات وترف الأغنياء وشيوع الفقر وكثرة الضرائب حتى (بيعت البيضة بدينار) [7].

4- يقول المؤرخ أبو شامة عن أحوال الناس في ذلك الزمان: "كانوا كالجاهلية، همة أحدهم بطنه وفرجه، ولا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا" [8]. ويقول الرحالة ابن جبير عن أهل المشرق: "وما سوى ذلك مما بهذه الجهات الشرقية فأهواء وبدع، وفرق ضالة وشيع؛ إلا من عصمه الله عز وجل من أهلها" [9].

وبعد هذا الاستعراض السريع لحال المسلمين في القرن الخامس الهجري؛ هل سيكون بإمكان المسلمين منع الصليبيين من احتلال بيت المقدس عام 492هـ؟

وهل يمكن أن تكون استعادة بيت المقدس على يد صلاح الدين عام 583هـ بعد 91عامًا من الاحتلال نتيجة جهد فردي لقائد، أم أنه لا بد أن يكون ثمرة جهود ضخمة لأجيال متعددة وعلى مستويات مختلفة؟ هذا ما سنعرفه عبر بعض المحطات المهمة من تاريخ إعادة بيت المقدس على يد صلاح الدين.

ثالثًا: ماذا كانت ردة الفعل عند المسلمين حين سقطت بين المقدس؟

للأسف لم يتحرك أحد لنصرة الإسلام وبيت المقدس، وذلك بسبب ما قدمنا من أحوال المسلمين، ولذلك قال القاضي أبو المظفر الآبيوري يرثي القدس: 

وَإِخْوَانُكُمْ بِالشَّـــــــــــامِ يُضْحَى مَقِيلُهُمْ *** ظُهُورَ الْمَذَاكِي أَوْ بُطُونَ الْقَشَاعِمِ
تَسُومُـــــــــــــــهُمُ الرُّومُ الْهَوَانَ وَأَنْتَمْ *** تَجُرُّونَ ذَيْلَ الْخَفْضِ فِعْلَ الْمُسَالِمِ
أَرَى أُمَّتِي لــــــَا يَشْرَعُونَ إِلَى الْعِدَا *** رِمَـــاحَهُمْ وَالدِّينُ وَاهِي الدَّعَائِمِ
فَلَيْتَهُمْ إِذْ لَـــــــــــــــــــــــــمْ يَذُودُوا حَمِيَّةً *** عَنِ الدِّينِ ضَنُّوا غَيْرَةً بِالْمَحَارِم [10]
رابعًا: إذًا كيف تحوّل المجتمع الإسلامي من هذه الحالة السيئة على كل الأصعدة إلى حالة الوحدة والنصر على يد صلاح الدين؟

أ- لا بد من اليقين دائمًا أن هذا الدين هو الدين الحق الذي سيظهره الله على سائر الأديان، ولكن لا يكون ذلك إلا بالأخذ بالأسباب الشرعية والكونية، ومن ذلك أنه حين بدأت الدولة الفاطمية (الشيعية) تهاجم وتحارب الخلافة العباسية (السنيّة) حتى أنها حرضت على قيام انقلاب عسكري في بغداد عاصمة الخلافة عام 450هـ بقيادة البساسيري الذي عزل الخليفة العباسي (السني) ودعا للخليفة الفاطمي (الشيعي)، وبدأ بقتل العلماء والأمراء السنيين [11].

كان أثر هذا الاعتداء على الخليفة والخلافة والعلماء السنيين أن هبت الدولة السلجوقية (التي تأسست عام 430هـ في بلاد الترك) لنجدة الخلافة العباسية عام 451هـ، فدخلها طغرل بك وقتل البساسيري وأشاع العدل والأمن في بغداد، وهنا بدأت الخلافة تعود لها الهيبة والقوة شيئًا فشيئًا؛ وذلك بالاستناد على قوة الدولة السلجوقية الصاعدة.

ب- كان من أعظم حسنات الدولة السلجوقية وزيرها نظام الملك، الذي كان وزيرًا عند السلطان السلجوقي ألب أرسلان وعند ابنه من بعده السلطان ملكشاه مدة 30 عام، وكان الوزير نظام الملك صاحب دين وذكاء وعلم، وكان من أهم مآثره أنه أنشأ المدارس وجعل للطلبة مرتبات وعرفت هذه المدارس بالمدارس النظامية عام 459هـ. ودرس بها كبار العلماء في ذلك العصر وألفوا كثيرًا من الكتب التي عالجت أمراض المسلمين في زمانهم مثل (أدب الدنيا والدين) للإمام الماوردي، وله أيضًا كتاب (الأحكام السلطانية)، وألّف الجويني (غياث الأمم في التياث الظلم) وكان لهذه الكتب والمدارس دور كبير في إخراج المسلمين من الجهل والبعد عن الدين والفرقة والوقوع في شبهات الفرق الضالة الباطنية.

وكانت العلاقة بين العلماء والأمراء علاقة طيبة، ولذلك سعت القوى الباطنية للقضاء على هذه العلاقة المتينة بين العلماء والأمراء، عن طريق اغتيال المشرف والمؤسس لها؛ وقد نجحوا في اغتيال الوزير نظام الملك عام 485هـ، قبل سقوط القدس بسبعة أعوام!! وقام بعده ابنه فخر الدين على نفس النهج فقتلوه أيضًا عام 500هـ [12].

ج- ومن أعظم الأشياء التي قام بها أيضًا الوزير نظام الملك أنه كان يعين النابغين من طلاب المدارس النظامية، وغيرهم من أصحاب الكفاءة في الأماكن القيادية والإدارية، ومن ذلك أنه أشار على السلطان ملك شاه بتولية قسيم الدولة آق سنقر مدينة حلب وحماة ومنبج واللاذقية، وذلك بسبب جهوده في الجهاد وحسن سياسته في إدارة البلاد التي حكمها، ولما قتل في عام 487هـ خلّفه ابنه عماد الدين زنكي الذي سار على خطى والده وأظهر الكفاءة والشجاعة في حروب الصليبيين [13].

ولما عين عماد الدين على ولاية الموصل واجه تحديات الصليبيين فبدأ في بناء دولته، وتفرغ لحرب الصليبيين، ولم يهتم بالصراع الدائر بين المسلمين! واستعان بتلاميذ المدارس النظامية؛ فكان وزيره مروان الطنزي ممن درس في بغداد على يد علمائها الذين دعمهم نظام الملك، بدأ عماد الدين بتوحيد أكثر أقاليم الجزيرة ثم بلاد الشام، واستعان بالسلطان السلجوقي في الدفاع عن بغداد، ثم بدأ بحرب الصليبيين وتحقيق الانتصارات عليهم، وتوجّه بعد ذلك لفتح الرها وهي أول إمارة صليبية في بلاد المسلمين ففتحها عام 539هـ. وكان ينوي مواصلة حرب الصليبيين لكنه قتل عام 541هـ [14].

وبعد وفاة عماد الدين زنكي حمل الراية ابنه نور الدين محمود، وكان نعم الخلف لخير سلف، فلقد استمر في حرب الصليبيين والدفاع عن أرض المسلمين، والعمل على توحيد الصف الإسلامي، ولذلك عمل على إنهاء الخلافة الفاطمية في مصر وقال في ذلك: "وما قصدنا بفتحها (مصر) إلا فتح الساحل وقلع الكفار" [15].

وقد طلب من صلاح الدين القضاء على الدولة الفاطمية، وذلك بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه الذي أرسله على رأس جيش إلى مصر وقت دبّ الخلاف والنزاع بين الفاطميين ليكون عونًا لأحد الأطراف، فكان لصلاح الدين شرف القضاء عليها وهي التي حاربت الخلافة وناصرت الصليبيين ونشرت البدعة والضلالة قبل أن ينال شرف فتح بيت المقدس عام 583هـ. واستمر نور الدين في حرب الصليبيين حتى أرجع أكثر من 50 مدينة من الصليبيين، وعزم على فتح بيت المقدس فأمر ببناء منبر للمسجد الأقصى، ولكنه توفي عام 569هـ قبل أن تقرّ عينه بالأقصى، وكان لتوحّد الشام ومصر تحت قيادته أثر هائل في المسلمين والصليبيين.

هـ-ـ وبعد وفاة نور الدين تسلم الراية صلاح الدين أكبر قواد نور الدين، والذي حقق الله على يديه فتح بيت المقدس عام 583هـ بعد 14 عامًا من تسلمه القيادة العامة وتأسيس الدولة الأيوبية. ولقد قام صلاح الدين الأيوبي بالعديد من الأعمال والحيل التي مكّنته من فتح بيت المقدس؛ ومن ذلك:

1- القضاء على الدولة الفاطمية عام 564هـ.

2- لم يبدأ من اليوم الأول في الهجوم على الصليبيين بل تأخر من أجل الإعداد والمراقبة وتصفية الخلافات مع ورثة نور الدين والخلافة العباسية وبعض الأمراء في نواحي الفرات والجزيرة.

3- عمل على تحصين مصر وتجهيزها للدفاع برًا وبحرًا، ولذلك أرسل قوات إلى اليمن لتأمين خطوط المواصلات البحرية والتجارية، وقطع الطريق على الصليبيين.

4- استغل اختلاف المصالح التجارية بين الدول الصليبية، فعقد اتفاقات تجارية مع التجار الأوروبيين لوقف تمويلهم حروب الصليبيين مقابل امتيازات وإعفاءات جمركية.

5- استغل التناقضات الداخلية بين الدولة البيزنطية والدول الأوروبية اللاتينية، وكذلك الاختلاف بين المسيحيين العرب والمسيحيين الأوروبيين.

6- اهتم ببناء أسطول بحري [16].

ومما لا يعلمه كثير من الناس أن صلاح الدين لم يكن يستطيع أن يبقى 14 عامًا في حرب مستمرة مع الصليبيين، لذلك كانت هناك الكثير من فترات الصلح والسلم التي شهدت رخاء اقتصاديًا من أجل تغطية ما يلزم للحرب القادمة [17].

وتوالت انتصارات صلاح الدين حتى توّجت بمعركة حطين 583هـ، وبعدها دخل بيت المقدس عنوة، ولم يبق للصليبين إلا مدينة صور وكانت مركزًا لتجمعهم ومدينة طرابلس ومدينة أنطاكية وبعض الحصون الصغيرة حولهم، عندها حشد الصليبيون الحملة الصليبية الثالثة والتي حققت بعض الانتصارات حتى وصلت أسوار القدس وانتهت بعقد الصلح مع صلاح الدين عام 588هـ وتوفي بعدها صلاح الدين عام 589هـ [18].

و- ويجب أن نعرف أن العمل العسكري ليس هو الجهد الوحيد الذي قام به هؤلاء القادة (عماد الدين، ونور الدين، وصلاح الدين) بل لقد كانت لهم جهود مهمة جدًا على الأصعدة الأخرى هي التي جعلت العمل العسكري يصل لمبتغاه، ومن هذه الجهود:

1- القضاء على الدولة الفاطمية والحركات الباطنية لما لها من أثر سيئ في دين ودنيا المسلمين والتعاون مع الأعداء [19].

2- مواصلة مسيرة الوزير المخلص نظام الملك في بناء المدارس ورعاية العلماء وطلبة العلم ونشر حلقات التدريس؛ لبناء جيل جديد يتحمل أعباء الجهاد ومشاقه، ومحاربة الأفكار الضالة والبدع والخرافات في حياة المسلمين [20].

3- بناء المساجد والحصون والأسوار والأوقاف ورعاية الأيتام والفقراء [21].

4- دعم القضاء وزيادة سلطانه وعدم التعدي عليه من الأمراء والقادة [22].

5- الاهتمام بإخراج القيادات ذات الصبغة الإسلامية السليمة ومنها للفائدة: القائد الأمير بهاء الدين قراقوش الذي كان عالمًا فقيهًا؛ فقد كان والي صلاح الدين على عكا وكانت له مآثر عظيمة؛ منها أنه بنى سور القاهرة وقلعة الجبل فيها، وكان له جهود مشكورة في

القضاء على الدولة الفاطمية الشيعية، ولذلك كان الشيعة وراء الإشاعات والأكاذيب عليه وألّفوا فيه كتاب "الفاشوش في أحكام قراقوش" [23].

6- كان من أهم الجهود في استعادة بيت المقدس هو إعداد أبناء النازحين من بيت المقدس للجهاد؛ فكانت توفر لهم الإقامة والتعليم، ثم يعودون إلى الثغور والمرابطة، وكانوا يعرفون باسم المقادسة [24].

7- الاهتمام بالناحية الاقتصادية فأزالوا الضرائب والتزموا الشرع فيها، فأخرج التجار أموالهم، وازدهرت الحياة، واهتموا بإعمار المدن، وصرفوا عليها الملايين، وتركوا حياة الترف، وأقاموا الفنادق وخزانات الماء والجسور [25].

8- اهتموا بالصناعات الحربية ودعمها، ومن ذلك إنشاء ديوان للأسطول البحري ودور لصناعة السفن في ثلاث مدن هي: القاهرة، الإسكندرية، دمياط [26].

وأخيرًا، هذه لمحات سريعة من تاريخ استعادة الأقصى أول مرة - فك الله أسره -؛ لنعرف أمورًا عدة:

1- {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30].

2- إن كثيرًا مما جرى بالأمس يجري اليوم.

3- إن الطريق لعودة الأقصى هو العودة إلى الله عن طريق العلم الصحيح والعمل به، والتعاون بين الأمراء المخلصين والعلماء الصادقين، والجهد الشاق الطويل.



[1] وليد نويهض، صلاح الدين الأيوبي .. سقوط القدس وتحريرها: قراءة معاصرة، ص78، ص74.

[2]  وليد نويهض، صلاح الدين الأيوبي .. سقوط القدس وتحريرها: قراءة معاصرة، ص78، ص74.

[3]  محمدة العبدة، أيعيد التاريخ نفسه، ص6.

[4]  د. ماجد الكيلاني، هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص16.

[5]  المصدر السابق، ص27.

[6]  هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص91، قبل أن يهدم الأقصى ص 54، أيعيد التاريخ نفسه ص75. ولمزيد من التوسع في معرفة دور الفاطميين والباطنية انظر كتاب "أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين" يوسف إبراهيم ص139.

[7]  النجوم الزاهرة لأبن تغري بردي (5/213) عن هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص77، أيعيد التاريخ نفسه ص18.

[8]  كتاب الروضتين ص7 عن هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص84.

[9]  رحلة ابن جبير ص55 عن هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص85.

[10]  الكامل لأبن الأثير (10/284) عن أيعيد التاريخ نفسه ص 34.

[11]  هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص89، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر (6/201)، أيعيد التاريخ نفسه ص 67.

[12]  أيعيد التاريخ نفسه ص68، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 103، سير أعلام النبلاء للذهبي (19/94)، صلاح الدين قراءة ماصرة ص47.

[13]  هكذا ظهر صلاح الدين ص 285.

[14]  التاريخ الإسلامي (6/282)، أيعيد التاريخ نفسه ص79، هكذا ظهر جيل صلاح الدين 287.

[15]  النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (5/336) بواسطة مقومات حركة الجهاد ضد الصليبيين، د. عبد الله الغامدي ص21.

[16]  لمزيد من التوسع في تفاصيل هذه الخطوات انظر: صلاح الدين قراءة معاصرة (ص94 ـ 111)، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 343.

[17]  صلاح الدين قراءة معاصرة ص 110.

[18]  التاريخ الإسلامي (6/332).

[19]  انظر هامش 6.

[20]  أيعيد التاريخ نفسه ص70، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص291.

[21]  أيعيد التاريخ نفسه ص 80، صلاح الدين قراءة معاصرة ص 94.

[22]  أيعيد التاريخ نفسه ص 83.

[23]  هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص301.

[24]  المصدر السابق ص319.

[25]  المصدر السابق ص 331.

[26] ـ المصدر السابق 341.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات تاريخية   الأحد 17 أبريل 2016, 1:16 am

سقوط بغداد بأيدي التتار من كتاب البداية والنهاية


أولاً: منهج ابن كثير رحمه الله في سرْد الحادثة
إنَّ مِن أعظم ما أُصيبت به الأمةُ الإسلامية -بعد القرون الثلاثة المفَضَّلة- اجتماعَ جحافل المغول على مركز الخلافة العباسية (بغداد) وتدميرها، بعد أن طافوا على بلاد الإسلام كالسيل الجارف، يُسقطون الواحدة تلو الأخرى، يقتلون ويسفكون وينهبون، دون أن يجترئ أحدٌ مِن قادة المسلمين وجُيُوشهم على الوُقُوف في وُجُوهِهم، أو التفكير في صدِّهم، بل إنَّ بعْضهم سلَّم حاضنة الأمة ومركز إشعاعها وحضارتها إلى المغول؛ بل وأعانهم خوفًا مِن بطشهم وطغيانهم، حتى حلَّ ما حلَّ ببغداد، مما يشيب له الولدان من أهوال وفظائع وجرائم، ما زالتْ حيَّة في ذاكرة التاريخ.

ولَم تكنْ تلك الحادِثة المؤلِمة لتَمُر على المؤرِّخ ابن كثير رحمه الله الغَيور على وطنِه ودِينه -وهو من الشام- دون أن يسجلَ في تاريخه الكبير، وبقلمه السَّيَّال مُلاحظاتِه ومشاعره تجاه أعظم مصيبة حلَّتْ بالإسلام وأهله ليُعَبِّر عن حزنه وتألُّمه، وحيث لَم يكن بينه وبينها سِوى نصف قرن من الزمن، فقد سمع أخبارها -ربما ممن عاصَرُوها أو من بعدهم- وهو مُحَدِّث أكثر مما هو مؤرخ، وإنِ اشْتهر بكونه مفسرًا، وأصابه ما أصاب غيره من علماء ومفكرين من تألُّم وحسْرة على ما تعرَّضتْ له بلاد الإسلام مِن احتلال همَجي.
وقد اتبَع المؤَرِّخ ابن كثير رحمه الله أُسلوبًا ومنْهجًا علْميًّا في تدْوين تلك الحادثة المؤلِمة، نُلَخِّصها في نقاطٍ عدَّة؛ منها:
1- تتبع الحادثة وجعلَها كالقصة وربط بين أجزائها؛ حيث إنَّه لَم يتركْ صغيرةً ولا كبيرة إلا ذكرها؛ نظرًا لأهمية الموقف وخطورته، واستَوْعَب جميع ما قيلَ فيها، وأحصى ما ذكر فيها من أعداد؛ من وفيات، وتراجم لمن مات مِنْ عُلمائها، دون تخرُّص أو تخمينٍ، ولَم يكتفِ بالسَّرْد التاريخي دون تَمْحيصٍ أوْ نقْدٍ، كما يفْعلُ بعضُ المؤرِّخينَ.

2- استِخلاص العِبَر وأخْذ الدُّروس والموْعِظة، مِنْ خلال توْجيهات سريعة في ثنايا السرْد التاريخي؛ لأنه هو المقصود من التاريخ؛ لئلا يَتَكَرَّر الخطأ، والمقصود: تنْبيه الأمة الإسلامية إلى معرفة مَوَاطِن الخَلل؛ مِن أجْل الإصْلاح والنهوض، ومعرفة الأمة لعدوها الحقيقي.
3- العدْل والإنْصاف، وعدم التحيُّز والميْل للهَوَى، حتى في نقْد الخُصُوم، ويَتَبَيَّن بجلاءٍ عنْد المُقارَنة بيْن مذْهب أهلِ السُّنة وغيرهم عمومًا وخصوصًا، ثُم مع ذلك هو لا يُجامل أحدًا، بل يُصَرِّح بصحةِ مذْهبه، وما يعتقده ويدين لله به، مِن خلال إطلاق عبارة اللعْن والغضب على مَن ينقم على الإسلام وأهله وممن يكيدون له.
4- لَم ينسَ ابن كثير رحمه الله -وهو المصلح والعالم الرباني- أن يُذَكِّر عند سرْدِه للحادثة، أن يُنَبِّه إلى أسباب وعوامل السقوط، والانحطاط الذي أصاب الأمة الإسلامية، وهو تقاعُسها عن واجب النصرة، والجهاد في سبيل الله، وتفرُّقها أحزابًا وشيَعًا، حتى آل بهم الأمر إلى تسليم بغداد -حاضرة الأمة، ومركز خلافتها، وكعبة العلم والعلماء- إلى المغول والتتار على طبق من ذهب.
ثم نبَّه بعدها إلى عوامل النهوض بالأمة إلى مجْدِها وعِزِّها ورِفعتها، وهي الوحدة والاجتماع على أساسٍ متينٍ من العقيدة السليمة، وإعداد العدَّة المعنويَّة والمادية في سبيل مواجهة خطر أعدائها، وكما قيل: فالتاريخ يُعيد نفسه.
وقد جعلتُ لكلِّ موضوعٍ عنْوانًا يدل على المضمون، ويُنبه إلى ما فيه مِن عبَرٍ وعظات، وقمْتُ أحيانًا بالجمع والتأليف -تصرُّف- بين النُّصوص لنفس الغرض المقصود الذي كان ابن كثير رحمه الله يحاول إظهاره وبيانه، ومن الله الإعانة والسداد.
ثانيًا: عرض "البداية والنهاية"
الناشر: دار إحياء التراث العربي، الطبعة: الأولى 1408هـ  / 1988م، ج13/ ص233 – 236.

التخَلِّي عن واجب النصرة يوجب التفرُّق وتسلُّط الأعداء
استهلتْ هذه السنة -سنة ست وخمسين وستمائة- وجنود التتار قد نازلتْ بغداد، صُحبةَ الأميرَيْن اللذين على مُقدِّمة عساكر سلطان التتار هولاكو خان، وجاءتْ إليهم أمْداد صاحب الموْصل، يساعدونهم على البغاددة ومِيرَته وهداياه وتُحَفه، وكلُّ ذلك خوفًا على نفسِه من التتار، ومُصانَعة لهم قبَّحَهُم الله تعالى.

إذا حقَّ وعْدُ اللهِ فلنْ يدفع قضاءَه شيءٌ
وقد سُترت بغدادُ، ونُصبت فيها المجانيق والعرَّادات وغيرُها من آلات الممانَعة التي لا ترُدُّ مِنْ قدَرِ الله سبحانه وتعالى شيئًا، كما ورد في الأثر: "لن يغنيَ حذَرٌ من قدر". وكما قال تعالى: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ} [نوح: 4]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11].

البطَر والانشغال بملَّذات الدنيا وملذاتها يُوجب الهلاك
وأحاطتِ التتارُ بدار الخلافة يرشُقونها بالنِّبال مِن كل جانب، حتى أُصيبَتْ جاريةٌ كانتْ تلعب بين يدي الخليفة وتُضْحِكه، وكانتْ من جملة حظاياه، وكانتْ مُوَلَّدة تُسمى: عرفة، جاءَها سَهْم مِن بعض الشبابيك فقتَلَها وهي ترقُص بين يدي الخليفة، فانْزَعَجَ الخليفة من ذلك وفزع فزعًا شديدًا، وأحضر السهمَ الذي أصابَها بين يديه، فإذا عليه مكتوبٌ: "إذا أراد اللهُ إنفاذَ قضائِه وقدره أذْهَبَ مِن ذوي العقول عقولهم".

الغفْلة عن الاستعداد لِمُواجهة أيِّ طارئ
فأمر الخليفةُ عند ذلك بزيادةِ الاحتِرازِ، وكثْرَة الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها -وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل- إلى بغداد، في ثاني عشر المحرَّم من هذه السنة، وهو شديد الحَنَق على الخليفة؛ بسبب ما كان تقدَّم مِنَ الأمر الذي قدَّرَهُ الله وقضاه، وأنْفَذَه وأمْضاهُ.

سُوء التصرُّف في مُعالجة الأمور
وهو أن هولاكو لَمَّا كان أولُ بروزِه من همَدان مُتوجِّها إلى العراق، أشار الوزيرُ مؤيد الدين محمد بن العلقمي على الخليفة بأنْ يبعَثَ إليه بهدايا سنية؛ ليكونَ ذلك مُداراةً له عما يُريدُه من قصْد بلادِهم، فخذَّل الخليفةَ عن ذلك دُوَيْداره الصغير أَيْبَك وغيرُه، وقالوا: إنَّ الوزير إنما يُريد بهذا مصانعةَ ملِك التتار بما يبْعثُه إليه من الأموال، وأشاروا بأن يبعَثَ بشيءٍ يسير، فأرْسلَ شيئًا من الهدايا، فاحْتَقَرَهَا هولاكو خان، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دُوَيْداره المذكور، وسليمان شاه، فلم يبعثْهما إليه، ولا بالى به حتى أزِف قُدُومُه.

مُعاملة السُّنَّة للرافضة خيرٌ مِن معاملة بعضهم البعض
ومعامَلة الخلفاء وأمراء أهل السنة خير دليل، ومعاملة المستعصم نموذج؛ فقد كان حسَن الصورةِ، جيد السيرة، صحيح السريرة، صحيح العقيدة، مقتديًا بأبيه المستنصر في المعْدلة وكثرة الصدقات، وإكرام العلماء والعباد، وقد استجاز له الحافظ ابن النجَّار من جماعة من مشايخ خراسان؛ منهم: المؤيد الطوسي، وأبو روح عبد المعز بن محمد الهروي، وأبو بكر القاسم بن عبد الله بن الصفار وغيرهم، وحدّث عنه جماعة؛ منهم: مؤدِّبه شيخ الشيوخ صدر الدين أبو الحسن علي بن محمد بن النَّيَّار، وأجاز هو للإمام محيي الدين بن الجوزي، وللشيخ نجم الدين الباذَرائي، وحدثا عنه بهذه الإجازة.

وقد كان رحمه الله سُنيًّا على طريقة السلَف واعتقادِ الجماعة، كما كان أبوه وجدُّه، ولكن كان فيه لين وعدم تيقُّظ ومحبةٌ للمال وجمعه، وكانتْ مدة خلافته خمسَ عشرةَ سنة وثمانية أشهرٍ وأيامًا، فرحمه الله، وأكرم مثواه، وبَلَّ بالرأفة ثَراه.
شبكات تجسُّس وخلايا نائمة تنخُر في جسد الأمة
وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرْفِ الجيوش، وإسقاط أَسْهُمِهِمْ من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبًا من مائة ألف مقاتل؛ فيهم من الأمراء مَن هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزلْ يجتهد في تقليلهم إلى أن لَم يبقَ سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار، وأطمعهم في أخْذ البلاد، وسهَّل عليهم ذلك، وجَلَّى لهم حقيقةَ الحال، وكشَف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعًا منه أن يزيلَ السُّنَّة بالكلية، وأن يظهِرَ البدعة الرافضيَّة، وأن يُقيم خليفةً مِنَ الفاطميين، وأن يُبيدَ العلماء والمُفْتِينَ.

ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد مِن ناحيتها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلَّة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس -قارن بين جيش المغول وجيش الخليفة- وهم وبقية الجيش كلهم قد صُرِفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثيرٌ منهم في الأسواق وأبواب المساجد.
الرافضة من سهَّل دخول المحتل
وأنشد فيهم الشُّعراء قصائد يرْثون لهم، ويحزنون على الإسلام وأهله، وذلك كلُّه عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لَمَّا كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حربٌ عظيمة، نُهِبَتْ فيها الكرْخ مَحَلَّة الرافضة، حتى نُهِبَتْ دور قراباتِ الوزير.

والسبب الذي دعى ابن العلقمي للانتقام سبَب شخْصي وطائفي
فاشْتَدَّ حَنَقُه على ذلك، فكان هذا مما أهاجَه على أن دبَّر على الإسلام وأهله ما وقَع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرَّخْ أبْشع منه منذ بُنِيَتْ بغداد، وإلى هذه الأوقات، ولهذا كان أول مَن برز إلى التتار هو، فخَرَج بأهله وأصحابه وخدمِه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هولاكو خان لعنه الله.

ثُمَّ عاد فأشار على الخليفةِ بالخُرُوج إليه، والمُثُول بين يديه؛ لتَقَع المصالحة، على أن يكون نصفُ خراج العراق لهم، ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفُقهاء والصوفيَّة ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا مِنْ منزل السلطان هولاكو خان، حُجِبوا عن الخليفة إلا سبعةَ عشر نفسًا، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأُنْزِل الباقون عن مراكبِهم ونُهِبتْ، وقُتِلوا عن آخرهم، وأُحْضر الخليفة بين يدي هولاكو، فسأله عن أشياء كثيرةٍ، فيقال: إنه اضطرب كلام الخليفة من هوْل ما رأى من الإهانة والجبروت!
كاد الأمرُ ينتهي بالصُّلح لوْلا خذلان الرافضة
ثم عاد إلى بغداد، وفي صُحبته خوجة نصير الدين الطوسي والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر مِن دار الخلافة شيئًا كثيرًا مِنَ الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو ألا يُصالح الخليفة، وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصَفة لا يستمر هذا إلا عامًا أو عامين، ثم يعود الأمرُ إلى ما كان عليْه قبل ذلك، وحسَّنوا له قتْل الخليفة، فلمَّا عاد الخليفةُ إلى السلطان هولاكو أمَر بقَتْله.

عُلماء الرافضة قدَّمُوا خدمات جليلة للتتَر
ويقال: إنَّ الذي أشار بقتْله الوزيرُ ابن العلقمي والمولى نصير الدين الطوسي، وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الأَلْموت، وانتزعها مِن أيدي الإسماعيلية، وكان النصير وزيرًا لشمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين ابن جلال الدين، وكانوا ينسبون إلى نِزار بن المستنصر العُبَيْدي، وانتخب هولاكو النصير ليكونَ في خدمتِه كالوزير المشير، فلما قدم هولاكو وتَهَيَّب مِن قتل الخليفة هوَّن عليه الوزير ذلك، فقتلوه رفسًا، وهو في جوالق؛ لئلا يقع على الأرض شيءٌ من دمه، خافوا أن يؤخَذ بثأره فيما قيل لهم، وقيل: بل خُنِق، ويُقال: بل أغرق، فالله أعلم.

إثْم مَن قُتل في عُنُق العلقمي والطوسي
فباؤُوا بإثمه وإثمِ مَن كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء وأولي الحل والعقد ببلاده ومالوا على البلد، فقتَلُوا جميع مَن قدروا عليه من الرجال والنساء والوِلْدان والمشايخ والكُهُول والشُّبَّان، ودخل كثيرٌ من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقُنِيِّ الوَسَخ، وكمنوا كذلك أيامًا لا يظْهَرون.

الفزَع والهلَع والخوْفُ الذي أصابَ أهل بغداد
وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات، ويُغلِقون عليهم الأبواب، فتفتحها التتار، إمَّا بالكسر وإما بالنار، ثُم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة، فيقتلونهم في الأسطحة، حتى تجري الميازِيبُ من الدماء في الأزِقَّة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقُتل الخطباءُ والأئمة وحَمَلَةُ القرآن، وتعطلتِ المساجد والجماعات والجمُعات مدة شهور ببغداد.

الرافضة يعطون الأمان حتى لعباد الشيطان، إلا أهل السنة، فلا أمان لهم
وكذلك في المساجد والجوامع والرُّبُط، ولم ينجُ منهم أحدٌ سوى أهلِ الذِّمَّة من اليهود والنصارى، ومَن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي، وطائفة من التجار أخَذوا لهم أمانًا، بذلوا عليه أموالاً جزيلةً حتى سلِموا وسلِمَتْ أموالهم.

منظر بغداد البهي كيف أصْبَح في زمن حكم الرافضة قبحهم الله
وعادتْ بغداد بعدما كانتْ آنَسَ المدنِ كلِّها كأنها خرابٌ، ليس فيها إلا القليلُ من الناس، وهم في خوفٍ وجوع، وذلة وقلة. ولَمَّا انقضى أمَد الأمْر المقدور، وانقضت الأربعون يومًا، بقيتْ بغدادُ خاويةً على عروشِها، ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التُّلول، وقد سقط عليهم المطر، فتَغَيَّرَتْ صورُهم، وأنْتَنَتْ مِن جِيَفِهم البلَدُ، وتغيَّر الهواء، فحصل بسببه الوباءُ الشديد، حتى تعدَّى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلْقٌ كثير من تغيُّر الجوِّ، وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاءُ والوباء، والفناء والطعن والطاعون، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.

ما الثمن الذي قبضه العلقمي؟ تأمل
والله غالبٌ على أمره، وقد ردَّ كيدَه في نَحْره، وأذَلَّه بعد العِزَّة القعْساء، وجعلَه حوشكاشًا للتتار بعدما كان وزيرًا للخلفاء، واكْتَسَب إثْمَ مَن قُتِل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال، فالحكمُ لله العلي الكبير ربِّ الأرض والسماء.

وأراد الوزيرُ ابن العلقمي قبَّحَه الله ولعنه أنْ يُعَطِّلَ المساجد والمدارس والرُّبُط ببغداد، ويستمر بالمشاهد ومحال الرَّفْض، وأن يبنيَ للرافضة مدرسةً هائلةً، ينْشُرون علْمهم بها وعليها، فلم يُقدره الله تعالى على ذلك، بل أزال نعْمتَه عنه، وقصف عمره بعد شهورٍ يسيرة مِنْ هذه الحادثة، وأتْبعه بولدِه فاجتمعا والله أعلم بالدَّرْك الأسفل من النار.
فمات جهدًا وغمًّا، وحزنًا وندمًا، إلى حيث ألْقَتْ رحلَها أمُّ قشْعَم، فوَلِي بعده الوزارة ولدُه عزُّ الدين أبو الفضل محمد، فألحقه الله بأبيه في بقيةِ هذا العام ولله الحمدُ والمنة.
بعد ركوب العلقمي مراكب السلطان ركب كديشا ومات غمًّا وكمدًا
وقد رأتْه امرأةٌ وهو في الذُّلِّ والهوان وهو راكب في أيام التتار بِرْذونًا -وهو مرسم عليه- وسائق يسوق به ويضرب فرسَه، فوقفتْ إلى جانبه، وقالت له: يا ابن العلقمي، هكذا كان بنو العباس يعاملونك؟ فوقعتْ كلمتُها في قلبه، وانْقَطَع في دارِه إلى أن مات كمَدًا وغبينة وضيقًا، وقلة وذلة، في مستهل جُمادى الآخرة من هذه السنة، وله من العمر ثلاث وستون سنة، ودُفِن في قُبور الروافض، وقد سمع بأذنيه، ورأى بعينيه من الإهانةِ من التتار والمسلمين ما لا يُحَدُّ ولا يوصَف. وتوَلَّى بعده ولدُه الخبيث الوزارة، ثم أخذَه الله أخْذ القُرى وهي ظالمة سريعًا.

أنهلك وفينا الصالحون
وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريبٌ مما جرى على أهْل بغداد، كما قصَّ الله تعالى علينا ذلك في كتابه العزيز؛ حيث يقول: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} [الإسراء: 4 - 5]، وقد قُتل من بني إسرائيل خَلْق مِن الصُّلَحاء، وأُسِر جماعة من أولاد الأنبياء، وخُرِّب بيت المقدس بعدما كان معمورًا بالعبَّاد والزُّهَّاد، والأحبار والأنبياء، فصار خاويًا على عروشه، واهيَ البناء.

عدد مَن قُتل من المسلمين حتى من الشيعة يشيب له الرأس
وقد اختلف الناسُ في كمية مَن قُتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل: بلغت القتْلى ألفي ألف نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يومًا، وكان قتلُ الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر، وعفَى قبْرُه.
قتل أفضل عباد الله ورعًا وزهدًا وعبادة وتقوى
وقُتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وكان عدو الوزير، وقُتل أولاده الثلاثة: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحدًا بعد واحد، منهم الدُّوَيْدار الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد.

وأخيرًا
لكن بغداد عادتْ تنفض عنها غبار الموت، وازدهرت من جديد بعلمائها وفقهائها ومفكّريها، بل وأصبحت منارة علم تستهوي إليها أفئدة العلماء، ومنارة أدب تستقطب الشعراء والأدباء، كما كانت، وقيض الله لأهل الإسلام من بلاد الشام ومصر من يأخذ بالثأر وينصر دين الله، ويهزم التتار شر هزيمة في التاريخ -معركة عين جالوت.

ولكن تلك الحادثة المؤلمة ستبقى في الذاكرة لتنبِّه المسلمين في كل زمان ومكان إلى أخذ الحذر والحيطة؛ لئلا يقعوا في الخطأ نفسِه، وأن يحْذروا من الفرقة والانقسام، وأن يأخذوا بأسباب القوة المادية والمعنوية، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات تاريخية   الأحد 17 أبريل 2016, 1:24 am

تفاؤل في الأسوأ (2)
 (1)
العالم الإسلامي قبيل هجمات التتار
لكي تهون عليك مصيبة المسلمين الآن تخيل معي كم كانت مصيبة المسلمين في ذلك الزمان ؟!!

لكي نقرب لك المسافة أكثر، تساءل: كم كانت مساحة المسلمين في ذلك الحين (القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي)، وكم كان يسكنها من البشر ؟!
ربما يصيبك العجب والانبهار إذا علمت أن حدود الدولة الإسلامية وقت هجمات المغول تمتد من غرب الصين عبر آسيا وأفريقيا إلى بلاد الأندلس جنوب وغرب أوروبا.
تخيَّل معي هذه الأعداد الهائلة وهذه الإمكانيات البشرية والمادية والعلمية، غير أنها ما أغنت عنهم شيئا أمام جحافل همجية أكلت الأخضر واليابس !!

فأما الخلافة العباسية في بغداد فوصلت إلى مرحلة من الضعف والهوان ما لا يخفى على ناظر، ولم يكن بوسع الخليفة المستعصم (640 ـ 656هـ 1242 ـ 1258م) آخر خلفاء بني العباس -وهو الرجل الضعيف الذي سيطر عليه رجال السوء- أن يفعل شيئاً ضد هذا الخطر الجارف. وأما الأيوبيون في مصر والشام والحجاز واليمن فقد تفككت أملاكهم بعد وفاة صلاح الدين، وصار النزاع بين أبناء البيت الأيوبي على أشده، وكثيراً ما كان يحتدم النزاع بين حكام هذه البلاد فيستعين الواحد منهم على الآخر، بعدو ثالث، بل وصل الأمر إلى استعانة بعضهم بالصليبيين على أقاربهم من الأيوبيين، وعلى هذا فإن بلاد الشام أيضاً كانت في حالة من الانقسام والتباغض والشحناء أشد مما كانت عليه إيران، وخراسان والعراق.

shape1.jpg


 
(2)
التتار .. جيوش تهلك الحرث والنسل !!
في الحقيقة ليس غرضنا في هذه السطور أن نستعرض تاريخ الغزو التتري على بلاد المسلمين، بقدر ما نهدف إلى إبراز تلك الحالة النفسية التي كان عليها حكام المسلمين ومحكوميهم، تلك الحالة التي ربما تتشابه كثيرا إلى حد قريب مع حالتنا الآن، بل ربما –-يما أرى- هي الأبشع والأكثر سوءًا لقد كانت حالة مستفزة نفسيًا وسياسيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا !

ففي أوائل القرن السابع الهجري ظهرت دولة التتار (في سنة 603 هـ تقريبًا)، وكان ظهورها الأول في "منغوليا" في شمال الصين، وكان أول زعمائها هو جنكيز خان (قاهر العالم، أو ملك ملوك العالم).
بدأ جنكيزخان في التوسع تدريجيًّا في المناطق المحيطة به، وسرعان ما اتسعت مملكته حتى بلغت حدودها من كوريا شرقًا إلى حدود الدولة الخوارزمية الإسلامية غربًا، ومن سهول سيبريا شمالًا إلى بحر الصين جنوبًا .. أي أنها كانت تضم من دول العالم حاليًا: (الصين ومنغوليا وفيتنام وكوريا وتايلاند وأجزاء من سيبيريا.. إلى جانب مملكة لاوس وميانمار ونيبال وبوتان)!!
هذا هو ملخص للقوى الموجودة على الساحة في أوائل القرن السابع الهجري، إذ كانت هناك ثلاث قوى رئيسية: قوة الأمة الإسلامية والصليبيين والتتار، ومن سنة الله تعالى أن الباطل -مهما تعددت صوره– لا بد أن يجتمع لحرب الحق .. ومن سنة الله تعالى كذلك أن الحرب بين الحق والباطل لا بد أن تستمر إلى يوم القيامة.
تخيل معي أخي الكريم .. انظر ماذا حدث !
أرسل الصليبيون وفدًا رفيع المستوى من أوربا إلى منغوليا (مسافة تزيد على اثني عشر ألف كيلو متر ذهابًا فقط!!) يحفزونهم على غزو بلاد المسلمين، وعلى إسقاط الخلافة العباسيةواقتحام بغداد، وأنهم سيكونون لهم خير معين. لا تتعجب بعد ذلك عندما ترى ذلك التحالف العجيب بين أمريكا وروسيا والكيان الصهيوني وإيران ودول الكفر جميعا ضد المشروع الإسلامي سواء في مصر أو سوريا على الخصوص، فها نحن رأيناه في القديم !!

وهكذا بدأ التتار يأخذون جديًّا في إسقاط الخلافة العباسية !!
بدأت الهجمة التترية الأولى على الدولة الخوارزمية سنة 616هـ، والتقى الفريقان على مقربة من مدينة أترار، وذلك شرق نهر سيحون (وهو يعرف الآن بنهر  سرداريا، ويقع في دولة كازاخستان المسلمة)، وقتل من الفريقين خلق كثير .. لقد استُشهد من المسلمين في هذه الموقعة عشرون ألفاً، وذلك بعد حصار دام خمسة أشهر !!

ماذا فعل التتار في بلدان العالم الإسلامي ؟ تعالوا نتتبع خطواتهم في البلاد المسلمة!! تعالوا لنتتبع حجم المأساة التي كان يعيشها المسلمون حكاما ومحكومين !!
لنرى !!

بدأت هجمات التتار الأولى على العالم الإسلامي منذ سنة 616هـ، وفيها أسقطوا أقاليم خوارزم جميعها (بخارى وسمرقند وبلاد ما وراء النهر) وأقاليم خراسان (مرو ونيسابور وهراة) وأذربيجان (مراغة وقزوين) وأقاليم إيران (همذان وأردويل وتبريز).
وبعد أن تملك التتار إقليم خوارزم وخراسان بكاملهما، استحوذوا على إقليم أذربيجان المسلم ومملكتي أرمينية وجورجيا النصرانيتين. ثم توجهوا صوب أوروبا الشرقية، فاستولوا على روسيا بكاملها وأحرق مدينة موسكو، ومع أن مساحة روسيا سبعة عشر مليون كيلومتر مربع .. إلى جانب أعداد سكانها الهائلة وأحوالها المناخية القاسية إلا أن التتار احتلوها بالكامل في عامين فقط، وذلك في سنتي 635 و 636هـ!! ثم أسقطوا مملكة أوكرانيا وبولندا والمجر، وتقدموا في أوروبا حتى مدينة برلين، بعد أنزلوا بالسكان الفناء والهلاك وبالمدن الخراب والدمار وفي هذا الإقليم وحده، جمعوا أكياساً ملأوها بآذان ضحاياهم وقتلاهم فبلغ مجموعها 270000 أذن أخذوها معهم دليلاً على ما كانوا يفخرون به من بأس وسطوة.
ولم تأت سنة 639هـ حتى وصلت حدود دولة التتار في هذه السنةمن كوريا شرقًا إلى بولندا غربًا، ومن سيبيريا شمالًا إلى بحر الصين جنوبًا .. وهو اتساع رهيب في وقت محدود .. وأصبحت قوة التتار في ذلك الوقت هي القوة الأولى في العالم بلا منازع !!
سأسرد لكم بعض الأرقام المفزعة لتعرفوا حجم المأساة التي عاشتها الأمة حينًا من الدهر !!
مأساة بخارى
لقد جهَّز جنكيزخان جيشه واخترق كل إقليم كازاخستان الكبير، ووصل في تقدمه إلى مدينة بخارى المسلمة (في دولة أوزبكستان الآن)، وذلك في أواخر عام 616هـ/1219م، واستمر الهجوم على بخارى ثلاثة أيام، ودخل جنكيز خان المدينة ومر أمام مسجد هاشم دخله ممتطياً جواده، وأحضر الفقهاء الأجلاء ليسوسوا البغال، يقول ابن كثير: "فقتلوا من أهلها خلقاً لا يعلمهم إلا الله عز وجل وأسروا الذرية، والنساء، وفعلوا مع النساء الفواحش في حضرة أهلهن، فمن الناس من قاتل دون حريمه حتى قتل، ومنهم من أسر فعذب بأنواع العذاب وكثر البكاء والضجيج بالبلد".

تصبَّر يا أخي ! لم تكن تلك آخر المآسي .. بل كانت بداية الطوفان وأول الإعصار .. نحن في مبتدأ القصة !!
مأساة سمرقند
لقد دخلت سنة 617هـ، وفيها اجتاح التتار سمرقند (في أوزباكستان حاليًا) فخرج 70 ألفا من المسلمين لقتالهم، ودارت المعركة، ويا ويح قلبي !! يقول ابن الأثير: "وأخذهم السيف من كل جانب، فلم يسلم منهم أحد، قتلوا عن آخرهم شهداء، رضي الله عنهم، وكانوا سبعين ألفا على ما قيل".

مأساة خراسان ومرو
ثم توالت مذابح التتار الشنيعة في بلاد المسلمين، فقتلوا في خراسان سنة 617هـ جميع النساء والرجال والأطفال حتى قيل إن عدد من قتل من سكان هذه المدينة بلغ أكثر من سبعين ألفاً، وأما مدينة مرو (تقع الآن في دولة تركمنستان المسلمة) فدخلها التتار في المحرم سنة 618هـ وأصبحت أثراً بعد عين وهلك سكانها أجمعين الذين قدرهم ابن الأثير بسبعمائة ألف، وأما الجويني فقدر هذا العدد في كتابه تاريخ جهان كشاي فذكر أنه بلغ مليوناً وثلاثمائة ألف رجل، عدا الجثث التي كانت في أماكن خفية.

مأساة نيسابور وهراة
وأما نيسابور (شمال شرقي إيران) فلما دخلها التتار سنة 618هـ قتلوا كل من صادفهم من رجال ونساء وأطفال، ولم يتركوا حتى القطط والكلاب، وأما مدينة هراة (شمال غربي أفغانستان) فلم تسلم من التتار وقتلوا من أهلها نحو اثني عشر ألف مسلم.

مأساة أقاليم إيران
ثم بدأت جحافل التتار في غزو أقاليم إيران، فتم اجتياح همذان وأردويل وتبريز، وقتلوا في قزوين -حيث إقليم أذربيجان المسلم- أربعين ألف نفس. ثم دخل التتار بيلقان، يقول ابن الأثير: "ووضعوا فيهم السيف، فلم يبقوا على صغير ولا كبير، ولا امرأة، حتى إنهم كانوا يشقون بطون الحبالى، ويقتلون الأجنة، وكانوا يفجرون بالمرأة ثم يقتلونها، وكان الإنسان منهم يدخل الدرب فيه الجماعة، فيقتلهم واحدا بعد واحد حتى يفرغ من الجميع لا يمد أحد منهم إليه يدا".

وهكذا دواليك من المذابح والمجازر الفظيعة في كل بلد مسلم، والغريب في حال المسلمين حكاما ومحكومين كما يقول ابن الأثير رحمه الله: "فما نرى في ملوك الإسلام من له رغبة في الجهاد، ولا في نصرة الدين، بل كل منهم مقبل على لهوه ولعبه وظلم رعيته، وهذا أخوف عندي من العدو، وقال الله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25]".
(3)
صور مخزية وواقع مرير
ونتيجة سوء التربية، وغياب الفهم الصحيح للإسلام، والتمسك بالدنيا إلى أقصى درجة، وعدم وضوح الرؤية عند الناس، فلا يعلمون العدو من الصديق، ونتيجة الحروب التترية السابقة، والتاريخ الأسود في كل مدينة وقرية مر عليها التتار .. نتيجة كل هذه العوامل فقد دبت الهزيمة النفسية الرهيبة في داخل قلوب المسلمين، فما استطاعوا أن يحملوا سيفًا، ولا أن يركبوا خيلًا، بل ذهب عن أذهانهم أصلًا التفكير في المقاومة .. وهذا ولا شك سهّل جدًا من مهمة التتار الذين وجدوا أبوابًا مفتوحة، ورقابًا جاهزة للقطع!!
وهذه صور يرويها لك مؤرخو الإسلام، صور مخزية تصور واقع مرير، ولن أجد أبلغ حديثًا من ابن الأثير في تصوير تلك الحالة، يقول: "ولقد حكي لي عنهم حكايات يكاد سامعها يكذب بها من الخوف الذي ألقى الله سبحانه وتعالى في قلوب الناس منهم".
تخيل معي هذه الحالة النفسية لمسلمي مدينة مراغة بأذربيجان المسلمة عندما دخلها التتار في الرابع صفر سنة 618هـ، ووضعوا السيف في أهلها، يذكر ابن الأثير مأساة الخنوع والذلة والمهانة وانعدام الرجولة، فيقول: "وبلغني أن امرأة من التتر دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها وهم يظنونها رجلا، فوضعت السلاح وإذا هي امرأة، فقتلها رجل أخذته أسيرا، وسمعت من بعض أهلها أن رجلا من التتر دخل دربا فيه مائة رجل، فما زال يقتلهم واحدا واحدا حتى أفناهم، ولم يمد أحد يده إليه بسوء، ووضعت الذلة على الناس فلا يدفعون عن نفوسهم قليلا ولا كثيرا، نعوذ بالله من الخذلان".
لا تعقيب !!!
ويروي ابن الأثير بعض الصور التي استمع إليها بأذنه من بعض الذين كُتبت لهم نجاة أثناء حملات التتار على المدن الإسلامية خاصة في ديار بكر والجزيرة الفراتية بالعراق، وكان قريبا منها لأنها من أهل الموصل، فيقول: - إن الرجل الواحد منهم كان يدخل القرية أو الدرب وبه جمع كثير من الناس، فلا يزال يقتلهم واحدا بعد واحد، لا يتجاسر أحد أن يمد يده إلى ذلك الفارس بهجوم أو بدفاع!!. - ولقد بلغني أن إنسانا منهم أخذ رجلا، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح، فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتري فأحضر سيفا وقتله به. ويحكي رجل من المسلمين لابن الأثير فيقول: كنت أنا ومعي سبعة عشر رجلًا في طريق، فجاءنا فارس واحد من التتر، وأمرنا أن يقيد بعضنا بعضًا، فشرع أصحابي يفعلون ما أمرهم، فقلت لهم: هذا واحد فلم لا نقتله ونهرب؟!! فقالوا: نخاف، فقلت: هذا يريد قتلكم الساعة فنحن نقتله، فلعل الله يخلصنا، فوالله ما جسر أحد أن يفعل ذلك، فأخذت سكينًا وقتلته، وهربنا فنجونا، وأمثال هذا كثير !! - ويذكر ابن كثير فيقول: "كان كل مسلم قبل أن يُقتل يستحلف التتري بالله ألا يقتله .. يقول له: "لا بالله لا تقتلني"، فمن كثرة ما سمعها التتار، أخذوا يتغنون بكلمة "لا بالله".. يقول رجل من المسلمين اختبأ في دار مهجورة ولم يظفر به التتار: إني كنت أرى التتر من نافذة البيت بعد أن يقتلوا الرجال ويسبوا النساء، يركبون على خيولهم وهم يلعبون ويضحكون يغنون قائلين: "لا بالله .. لا بالله، وهذه طامة عظمى وداهية كبرى فإنا لله وإنا إليه راجعون".
 

shape2.jpg


(4)
سقوط بغداد .. الفجيعة الكبرى
هذه المآسـي الموجعة وهذه الأحداث المزلزلة لم تكن نهاية المطاف لمصائب التتار في بلاد المسلمين؛ فقد أعقبتها الكارثـة الكبرى والفتنة العظمى بوصول التتار إلى بغداد وسقوطها في أيديهم وقتل الخليفة العباسي المستعصم بالله.

ويحيط بنا الأسى ويكاد الألم يقطع قلبي وأنا أذكر لك أحداث هذه الفترة بآلامها وكوارثها وآثارها ونتائجها. وسأترك لك أخي الكريم لتقرأ كلام ابن الأثير رحمه الله، لتتخيل حجم المأساة التي عاشتها الأمة في تلك المحنة، يقول: "لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها، كارها لذكرها، فأنا أقدم إليه رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا منسيا، إلا أنني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعا، فنقول: هذا الفعل يتضمن ذكر الحادثة العظمى، والمصيبة الكبرى التي عقت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق، وخصت المسلمين، فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم، إلى الآن، لم يبتلوا بمثلها، لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها".
نسوا الله فنسيهم
وفي يوم الثلاثاء 22 من المحرم 656هـ/1258م أحكم الحصار حول مدينة بغداد، وبدأ القصف التتري في الأول من صفر سنة 656هـ، واستمر أربعة أيام متصلة.. ولم تكن هناك مقاومة تذكر !!
ولما رأى الخليفة حرج موقفه، خرج بوفد تعداده سبعمائة من أكابر بغداد، وكان فيه بالطبع وزيره الرافضي مؤيد الدين ابن العلقمي، وهنا كانت الفاجعة، لقد قُتل الوفد بكامله، وقُتل ولديِّ الخليفة أمام عينيه، وقُيِّد الخليفة وسيق إلى بغداد يرسف في أغلاله، فأمر هولاكو أن يداس بأرجل الخيل، ففعل به ذلك حتى مات. وكان ذلك في يوم 14 صفر سنة 656هـ. ثم
أمر هولاكو جنوده باستباحة بغداد، واستمر القتل في المدينة أربعين يوماً كاملة منذ سقوطها، وتخيلوا كم قتل في بغداد من المسلمين؟!
لقد قتل هناك ألف ألف مسلم (مليون مسلم ..!!) ما بين رجال ونساء وأطفال!!! .. وتخيل أمة فقدت من أهلها مليوناً في غضون أربعين يوماً فقط!!! لقد وصل هولاكو في تحالفاته إلى كبير الوزراء في الخلافة العباسية مؤيد الدين ابن العلقمي الشيعي وكان رجلاً فاسدًا خبيثًا رافضيًّا، وقد قام الوزير الفاسد بدوره على أكمل ما يكون، وكان له أثر بارز على قرارات الخليفة، وعلى الأحداث التي مرت بالمنطقة في تلك الأوقات.
ثم كانت الطامة الكبرى حرق مكتبة بغداد، فقد حمل التتار الكتب الثمينة، ملايين الكتب القيمة، وألقوا بها جميعاً في نهر دجلة، وألقى المغول بمجهود القرون الماضية في نهر دجلة، وتحول لون المياه إلى اللون الأسود من أثر مداد الكتب حتى قيل الفارس المغولي كان يعبر فوق المجلدات الضخمة من ضفة إلى ضفة أخرى.
(5)
تلك كانت مراحل المأساة الكبرى التي مرت بالأمة خلال محنة التتار، وهي مأساة بلا شك تظهر فيها حالة الأمة الخواء أخلاقيًا وسياسيًا واجتماعيًا وعسكريًا، وهي حالة لا تختلف كثيرًا عما نحن فيه، وإن كانت هي الأسوأ، غير أن الأمة خرجت منها منتصرة مظفرة، فمن رحم تلك الأزمة الكبرى كان ظهور المماليك، ومن بينهم كان المظفر سيف الدين قطز، وركن الدين بيبرس، وكان حامل لواء الجهاد وإيقاظ ضمير الأمة في تلك الفترة سلطان العلماء العز بن عبد السلام، الذي مدَّ قطز بالإعداد النفسي والمادي لجيوش المسلمين، حتى كانت وقعة عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرون من رمضان سنة 658هـ/ 1260م، والتي كُسر فيها التتار، ورد الله كيدهم في نحورهم وأعاد الله للأمة عزها.
لقد كانت محنة التتار صفحات دامية في تاريخ الأمة الإسلامية، دفعت فيها ثمن الابتعاد عن تطبيق شرع الله ، ولكنها من خلال تلك المحنة عرفت سبيل النصر، وسلكت سبيل الرُّشد مرَّة أخرى.


* الجزء الأول بعنوان:[تفاؤل في الأسوأ (1) العالم الإسلامي والحروب الصليبية].
- المصادر والمراجع:
ابن الأثير: الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1417هـ / 1997م.
- ابن كثير: البداية والنهاية، الناشر: دار الفكر، عام النشر: 1407 هـ - 1986م.
- راغب السرجاني: مقالات قصة التتار - موقع قصة الإسلام.
- علي الصلابي: المغول (التتار) بين الانتشار والانكسار، الناشر: الأندلس الجديدة، مصر، الطبعة: الأولى، 1430 هـ - 2009م.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44766
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات تاريخية   الأحد 17 أبريل 2016, 1:25 am

الطاغية جنكيز خان

يُعد جنكيز خان واحدًا من أطغى طغاة البشرية، حيث سفك دماء الملايين -أغلبهم من المسلمين-، من أجل بناء إمبراطوريته، ومجد شخصي، يهدف به لأن يتسيد العالم، ويصير الزعيم الأوحد للمعمورة كلها؛ فأصبح اسمه مرادفًا لكل معاني الوحشية والبربرية والهمجية الدموية والدمار الشامل.
لكن هذه الصورة القاتمة تخفي جانبًا آخر من حياة جنكيز خان، حيث كان يتمتع بصواب الرأي، وقوة العزيمة، ونفاذ البصيرة. وكان يُجلّ العلماء ويلحقهم بحاشيته، وكان له مستشارون من الأمم التي اجتاحها من ذوي الخبرة، وكان لهؤلاء أثر لا يُنكَر في تنظيم الدولة، والنهوض بها، والارتقاء بنواحيها الإدارية والحضارية.
جنكيز خان .. المولد والنشأة
شهدت منغوليا مولد جنكيز خان أو "تيموجين بن يسوكاي بهادر" في سنة (549هـ = 1155م)، وكان أبوه رئيسًا لقبيلة مغولية تُدعى "قيات"، وعُرف بالشدة والبأس؛ فكانت تخشاه القبائل الأخرى، وقد سمّى ابنه "تيموجين" بهذا الاسم تيمنًا بمولده في يوم انتصاره على إحدى القبائل التي كان يتنازع معها، وتمكنه من القضاء على زعيمهم الذي كان يحمل هذا الاسم.

ولم تطُل الحياة بأبيه؛ فقد توفِّي في سنة (561 هـ= 1167م)، تاركًا حملا ثقيلا ومسئولية جسيمة لـ"تيموجين" الابن الأكبر الذي كان غض الإهاب لم يتجاوز الثالثة عشرة من عمره، وما كان ليقوى على حمل تبعات قبيلة كبيرة مثل "قيات"، فانفض عنه حلفاء أبيه، وانصرف عنه الأنصار والأتباع، واستغلت قبيلته صغر سنه فرفضت الدخول في طاعته، على الرغم من كونه الوريث الشرعي لرئاسة قبيلته، والتفَّت حول زعيم آخر، وفقدت أسرته الجاه والسلطان، وهامت في الأرض تعيش حياة قاسية، وتذوق مرارة الجوع والفقر والحرمان.
جنكيز خان وتأسيس الدولة
توفي والد جنكيز خان في سنة (561 هـ= 1167م)، تاركًا حملا ثقيلا ومسئولية جسيمة لـ"تيموجين" الابن الأكبر، وقد ساعدته أمه كثيرًا حتى بدت عليه أمارات القيادة، والنزوع إلى الرئاسة، مع التمتع ببنيان قوي جعله المصارع الأول بين أقرانه.

فتمكن تيموجين بشجاعته من المحافظة على مراعي أسرته؛ فتحسنت أحوالها، وبدأ يتوافد عليه بعض القبائل التي توسمت فيه القيادة والزعامة، كما تمكن هو من إجبار المنشقين من الأتباع والأقارب على العودة إلى قبيلتهم، ودخل في صراع مع الرافضين للانضواء تحت قيادته، حسمه لصالحه في آخر الأمر، حتى نجح في أن تدين قبيلته "قيات" كلها بالولاء له، وهو دون العشرين من عمره.
وواصل تيموجين خطته في التوسع على حساب جيرانه، فبسط سيطرته على منطقة شاسعة من إقليم منغوليا، تمتد حتى صحراء جوبي، حيث مضارب عدد كبير من قبائل التتار، ثم دخل في صراع مع حليفه رئيس قبيلة الكراييت، وكانت العلاقات قد ساءت بينهما بسبب الدسائس والوشايات، وتوجس "أونك خان" زعيم الكراييت من تنامي قوة تيموجين وازدياد نفوذه؛ فانقلب حلفاء الأمس إلى أعداء وخصوم، واحتكما إلى السيف، وكان الظفر في صالح تيموجين سنة (600هـ= 1203م)، فاستولى على عاصمته "قره قورم" وجعلها قاعدة لملكه، وأصبح تيموجين بعد انتصاره أقوى شخصية مغولية، فنودي به خاقانا، وعُرف باسم "جنكيز خان"؛ أي إمبراطور العالم.
وبعد ذلك قضى ثلاث سنوات عُني فيها بتوطيد سلطانه، والسيطرة على المناطق التي يسكنها المغول، حتى تمكن من توحيد منغوليا بأكملها تحت سلطانه، ودخل في طاعته الأويغوريون.
الياسا الجنكيزية
بعد أن استتب الأمر لجنكيزخان اتجه إلى إصلاح الشئون الداخلية، فأنشأ مجلسًا للحكم يسمّى "قوريلتاي" سنة (603هـ=1206م) ودعاه للاجتماع، وفيه تحددت لأول مرة شارات ملكه، ونظم إمبراطوريته، ووضع لشعبه دستورًا محكمًا يسمى "قانون الياسا" لتنظيم الحياة، بعد أن رأى أن الآداب والأعراف والتقاليد المغولية لا تفي بمتطلبات الدولة الجديدة، ولم تكن مدونة، فأعاد النظر في بعضها، وقبل بعضها الآخر، ورد ما رآه غير ملائم، وتناول الدستور أمورًا متعددة لتنظيم الحياة بالدولة الناشئة، وألزم أجهزة الدولة بتطبيق بنودها والعمل بموجبها، وشدد على معاقبة المخطئين.

جنكيزخان وإخضاع الصين
اصطدم جنكيز خان بإمبراطورية الصين التي كانت تحكمها أسرة "سونج"، وكانت لا تكف عن تحريض القبائل التركية والمغولية ضد بعضها؛ كي ينشغلوا بأنفسهم وتأمن هي شرهم، فأراد جنكيز خان أن يضع حدًا لتدخل الصينيين في شئون القبائل المغولية، وفي الوقت نفسه تطلع إلى ثروة الصين وكنوزها، فاشتبك معها لأول مرة في سنة (608هـ= 1211م)، واستطاع أن يحرز عددًا من الانتصارات على القوات الصينية، ويُخضع البلاد الواقعة في داخل سور الصين العظيم، ويعين عليها حكامًا من قِبله.

ثم كرر غزو الصين مرة ثانية بعد أن حشد لذلك جموعًا هائلة سنة (610هـ = 1213م)، لكنه لم يحرز نصرًا حاسمًا، ثم جرت محاولة للصلح بين الطرفين، لكنها لم تفلح، فعاود جنكيز خان القتال، واستدار بجيشه الذي كان عائدًا إلى بلاده، واشتبك مع جحافل الصين التي لم تكن قد استعدت للقتال، وانتصر عليها في معركة فاصلة، سقطت على إثرها العاصمة بكين في سنة (612هـ= 1215م) وكان لسقوطها دوي هائل، ونذير للممالك الإسلامية التي آوت الفارين من أعدائه، وأظهرت ما كان يتمتع به الرجل من مواهب عسكرية في ميادين الحرب والقتال.
تعقب جنكيز خان لأعدائه
بعد أن فرغ جنكيز خان من حربه مع الصين اتجه ببصره إلى الغرب، وعزم على القضاء على أعدائه من قبائل النايمان والماركييت، وكان كوجلك خان بن تايانك زعيم النايمان قد تمكن بالتعاون مع السلطان محمد خوارزم شاه سلطان الدولة الخوارزمية من اقتسام الدولة القراخطائية سنة (607هـ= 1210م)، وأقام دولة امتدت من بلاد التبت حتى حدود الدولة الخوارزمية، لكنه لم ينعم كثيرًا بما أقام وأنشأ، فقد أرسل إليه جنكيز خان جيشًا كبيرًا، يقوده أحد رجاله الأكفاء، تمكن من القضاء على كوجلك وجيشه في سنة (615هـ= 1218م)، كما أرسل ابنه جوجي لتعقب زعيم قبيلة المركيت، فتمكن من القضاء عليه وعلى أتباعه.

مقدمات الصدام مع الدولة الخوارزمية
لم يكن جنكيز خان بعد أن اتسع سلطانه، وامتد نفوذه يسعى للصدام مع السلطان محمد بن خوارزم شاه بل كان يرغب في إقامة علاقة طيبة، وإبرام معاهدات تجارية معه، فأرسل إليه ثلاثة من التجار المسلمين لهذا الغرض، فوافق السلطان محمد على ذلك، وتوجه عقب ذلك وفد تجاري كبير من المغول يبلغ نحو 450 تاجرًا، كانوا كلهم من المسلمين، يحملون أصنافًا مختلفة من البضائع، واتجهوا إلى مدينة "أترار"، وبدلا من أن يمارسوا عملهم في البيع والشراء، اتهمهم حاكم المدينة "ينال خان" بأنهم جواسيس يرتدون زيَّ التجار، وبعث إلى السلطان يخبره بذلك، فصدقه وطلب منه مراقبتهم حتى يرى رأيه في شأنهم، لكن "ينال خان" قتلهم، وصادر تجارتهم، واستولى على ما معهم، ويذكر بعض المؤرخين أن السلطان محمد هو الذي أمر بهذا، وأن واليه لم يقدم على هذا التصرف الأحمق من تلقاء نفسه.

غزو التتار للدولة الخوارزمية
غضب جنكيز خان، واحتج على هذا العمل الطائش، وأرسل إلى السلطان محمد يطلب منه تسليم "ينال خان" ليعاقبه على جريمته، لكن السلطان رفض الطلب، ولم يكتفِ بذلك بل قتل الوفد الذي حمل الرسالة، قاطعًا كل أمل في التفاهم مع المغول، وكان ذلك في سنة (615 هـ= 1218م).

جنكيز خان والإعصار الهائج
استعد جنكيز خان لحملة كبيرة على الدولة الخوارزمية، وتحرك بجيوشه الجرَّارة إلى بلاد ما وراء النهر، فلما بلغها قسَم جيوشه عليها، وتمكن بسهولة من السيطرة على المدن الكبرى مثل "أترار" وبخارى، وسمرقند، ولم يجد ما كان ينتظره من مقاومة ودفاع، وأقدم على ارتكاب ما تقشعر لهوله الأبدان من القتل والحرق والتدمير، قتلت جيوشه سكان مدينة أترار عن بكرة أبيهم، وأحرق جنكيزخان بخارى عن آخرها، واستباحوا حرمة مسجدها الجامع الكبير، وقتلوا الآلاف من سكانها الأبرياء، وواصل الزحف بجيوشه متعقبًا السلطان محمد الذي زلزل الخوف قلبه، وفقد القدرة على المقاومة والصمود، فظل ينتقل من بلد إلى آخر، حتى لجأ إلى إحدى الجزر الصغيرة، في بحر قزوين، حيث اشتد به المرض، وتوفي سنة (617هـ = 1220م).

جنكيز خان وجلال الدين بن خوارزم شاه
تحمل جلال الدين منكبرتي لواء المقاومة بعد أبيه، وكان أثبت جنانًا، وأقوى قلبًا، فنجح في المقاومة، وجمع الأتباع، وحشد الأنصار، وألحق الهزيمة بالمغول في معركة "براون" سنة ( 618هـ= 1221م)، فلما سمع الناس بهذا النصر فرحوا فرحًا شديدًا بعد أن استبد بهم اليأس، وثارت بعض المدن على حاميتها من المغول، وكان يمكن لهذا النصر أن تتلوه انتصارات أخرى لو خلصت النية وصدقت العزيمة، لكن سرعان ما نشب خلاف بين قادة جيوش جلال الدين، وانسحب أحدهم بمن معه غير مدرك عظم المسئولية، فانهار حلم الدفاع، وتهاوى جلال الدين الخوارزمي أمام جحافل المغول، وتوالت الهزائم بعدما خارت العزائم، واضطر جلال الدين الخوارزمي إلى الانسحاب والفرار إلى الهند.

وعندما اطمأن جنكيز خان إلى ما حقق عاد إلى منغوليا لإخماد ثورة قامت ضده هناك، وتمكن من إخمادها.
وفاة جنكيز خان
وبعد أن قام جنكيز خان دولة مترامية الأطراف مرهوبة الجانب، توفي بالقرب من مدينة "تس جو" في (11 من رمضان 624هـ = 25 من أغسطس 1227م)، ودُفن في منغوليا، وخلفه على الإمبراطورية ابنه "أوكتاي".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
مقالات تاريخية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: التاريخ-
انتقل الى: