منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الهجرة من الدعوة إلى الدولة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49187
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: الهجرة من الدعوة إلى الدولة   الأحد 17 أبريل 2016, 12:13 am

الهجرة من الدعوة إلى الدولة
قديمًا قال أزدشير لابنه: "يا بني إن الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، فالدين أس والملك حارس، ومن لم يكن له أس فمهدوم، ومن لم يكن له حارس فضائع". وقال كعب: "مثل الإسلام والسلطان والناس مثل الفسطاط والعمود والأطناب والأوتاد، فالفسطاط الإسلام والعمود السلطان، والأطناب والأوتاد الناس، لا يصلح بعضها إلا ببعض". وقال بعضهم: "السُّلْطَان يدافع عَن سَواد الْأمة ببياض الدعْوَة".
ضرورة قيام الدولة
من هنا أدرك رسول الله صل الله عليه وسلم أنه لابد من كيان سياسي يحفظ الدعوة وينشرها، وكما قال ابن تيمية: "قِوَامُ الدِّينِ بِكِتَابِ يَهْدِي وَسَيْفٍ يَنْصُرُ".

لهذا كله عاش النبي صلى الله عليه وسلم حلم الدولة الإسلامية، وجعل صل الله عليه وسلم يهيئ أصحابه لتحمل تبعات تلك الدولة ومقوماتها، ويبشرهم أن حالة الاستضعاف التي هم فيها لن تدوم وأن الغاية التي يسعون إليها –إقامة الدولة- ستتحقق قريبًا، كما ورد في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: "أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا". قَالَ: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".
ولأهمية تلك الغاية الكبرى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبحث عن المراكز الداعمة لبناء الدولة الإسلامية الوليدة، فكانت هجرة الحبشة الأولى والثانية حماية للمسلمين من بطش قريش وحفاظًا على الدعوة من الفناء فأرض الله واسعة، ثم تطورت فكرة الدولة في ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضحت معالمها ومقوماتها ورُسمت إستراتيجية الحركة السياسية الإسلامية، واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم أول خطوات بناء الدولة: طلب الحماية والنصرة للدعوة والمسلمين من قريش، فعرض النبي صل الله عليه وسلم نفسه على القبائل في أسواق العرب وأماكنهم ووفودهم، وجعل يقول: "من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟!" وأبو لهب وراءه يقول للناس: "لا تسمعوا منه، فإنه كذاب".
إنها دعوة صريحة بطلب الحماية من القبائل العربية لتبليغ دعوة الله عز وجل، ويفهم من هذه الدعوة أنه ليس من الضروري أن تسلم القبيلة، إنما المطلوب أن تؤمن الحماية اللازمة له لتبليغ دعوة الله عز وجل.
وكان أن عرض نفسه على بني شيبان، فقال أحدهم -وهو مفروق بن عمرو: إلام تدعو يا أخا قريش؟ فتقدم رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: "أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق. والله هو الغني الحميد".
ثم تكلم هانئ بن قيبصة، فقال: "قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لوهن في الرأي وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليه عقدا ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر".
وكأنه أحب أن يشرك في الكلام المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: "قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا إياك في مجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر، وإنا إنما نزلنا بين صريان: اليمامة والسماوة.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما هذان الصريان؟" فقال: "أنهار كسرى ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب فذنبه مغفور، وعذره مقبول، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا، وإني أرى أن هذا الأمر مما تكرهه الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلناه". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق، فإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟" فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذلك، فتلا رسول الله صل الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب:45-46].
بيعة العقبة الأولى
ومع أن مفاوضات النبي صلى الله عليه وسلم مع القبائل والوفود وتكوين التحالفات لم تنجح، إلا أن آمال إقامة دولة الإسلام في الأرض ما زالت قائمة، حيث عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على ستة شباب من الخزرج في العقبة، فواعدوه سنة حتى يكمل اجتماع أهل يثرب، بعد أن فرَّقهم وشتَّت شملهم النزاع في حرب بعاث، وانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما كاملا على الموعد الذي تم بينه وبين النفر الستة من الخزرج، وتم لقاء جديد في العقبة أطلق عليه فيما بعد -بيعة العقبة الأولى، وهو كما رواه ابن إسحاق: "حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا، فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله صل الله عليه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب".

وهنا عدة ملاحظات:
1- توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي البناء الداخلي في المدينة، وإلى بث الفكرة في صفوفها، فكما يقول ابن إسحاق: "فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى فشى فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله صل الله عليه وسلم".

2- حضر بيعة العقبة الأولى سبعة جدد فيهم اثنان من الأوس، وهذا يعني أنهم وفوا بالتزاماتهم التي قطعوها على أنفسهم في محاولة رأب الصدع، وتوجيه التيار لدخول الإسلام في المدينة أوسها وخزرجها وتجاوز الصراعات القبلية القائمة.
3- وكان التطور الجديد الذي أثمرته بيعة العقبة بعث مصعب بن عمير ممثلا شخصيا للرسول صل الله عليه وسلم إلي المدينة، يشرف على تطور الموقف، ويفقه المسلمين بهذا الدين الجديد، وكل هذا ضمن النشاط الفكري والسياسي، والاتجاه للتعبئة وتكوين الأنصار المعتنقين لهذه العقيدة.
4- واستطاع الدبلوماسي الإسلامي الأول في المدينة بحكمته وحصافته وذكائه السياسي أن يجر أكبر قيادات الأوس للإسلام، أسيد بن حضير وسعد بن معاذ، خلال العام الجديد، ولم يبق في بني عبد الأشهل- بطن كبير من الأوس- رجل ولا امرأة ولا طفل إلا ودخل في الإسلام.
لقد أصبح التيار عارما، والاتجاه معبأ لقيام الدولة الإسلامية في المدينة -إذا صح التعبير، وأصبحت مهمة القيادة تنظيم هذه الطاقات كلها لصالح المعركة.

5- وهذا ما خطط له رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بذل كل ما يملك من جهد لتعبئة الطاقات الإسلامية في المدينة. ولم يكن هناك أدنى تقصير في الجهد البشري الممكن في بناء القاعدة الصلبة التي تقوم على أكتافها الدولة الجديدة واحتمل هذا الجهد سنتين كاملتين من الدعوة والتنظيم. وتفرغ رسول الله صل الله عليه وسلم وانصب جهده عليه، تاركا -لفترة مؤقتة- الانشغال في الجهود السياسية الخارجية موجها كل طاقاته عليه الصلاة والسلام لبناء الصف الداخلي الواحد المتراص. من قوم كان بينهم قبل أقل من عام دماء وثارات.
6- وتمت التعبئة الكاملة، حين شعرت القاعدة الصلبة أنه قد آن الأوان لقيام الدولة الجديدة، وكما يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنه وهو يمثل هذه الصورة الرفيعة الرائعة: "حتى متى نترك رسول الله صل الله عليه وسلم يطوف ويطرد في جبال مكة ويخاف؟". لقد أصبحت النفوس جاهزة للانطلاق، وتنتظر إشعال الفتيل للحرب ضد الجاهلية المستحكمة.
7- وصل مصعب رضي الله عنه إلى مكة قبيل الموسم الثالث عشر للبعثة، ونقل الصورة الكاملة التي انتهت إليها أوضاع شباب الإسلام هناك، والقدرات والإمكانات المتاحة، وكيف تغلغل الإسلام في جميع قطاعات الأوس والخزرج، وأن القوم جاهزون لبيعة جديدة قادرة على حماية رسول الله صل الله عليه وسلم ومنعته.
8- كان اللقاء الذي غير مجرى التاريخ في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة، حيث حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعون نفسا من المسلمين من أهل يثرب، فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين النبي صل الله عليه وسلم اتصالات سرية أدت إلي اتفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيام التشريق في الشعب الذي عند العقبة حيث الجمرة الأولى من منى، وأن يتم هذا الاجتماع في سرية تامة في ظلام الليل.
بيعة العقبة الثانية ومباحثات قيام الدولة
جاء موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من النبوة يحمل الخير كله. خرج وفد يثرب للحج، وكان الوفد مكونًا من ثلاثمائة حاج، منهم خمسة وسبعون من المسلمين (ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان). وبعد أن أمَّن رسول الله صل الله عليه وسلم اللقاء بينه وبين الأنصار، تم اللقاء المهيب في هذه البقعة المباركة من أرض مكة، والذي كان من نتائجه أن تغيرت خريطة العالم بعد ذلك وقامت للإسلام دولة، وسقطت عروش عظيمة كعرشي كسرى وقيصر، واستقر دين الإسلام في الأرض.

تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم"، فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (نساءنا) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب، وأبناء الحلقة (السلاح)، ورثناها كابرا عن كابر. فاعترض القول -والبراء يُكَلِّمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم- أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله صل الله عليه وسلم، ثم قال: "بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم".
وروى الإمام أحمد في مسنده والبيهقي في السنن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلاً حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ في الْمَوْسِمِ فَوَعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مَا نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: "تُبَايِعُونِى عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ في النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، والنَّفَقَةِ في الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تَقُولُوا في اللَّهِ لاَ تَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. وَلَكُمُ الْجَنَّةُ". 
يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ، فَقَالَ: رُوَيْدًا، يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، إِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمْ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى السُّيُوفِ إِذَا مَسَّتْكُمْ، وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ، وَعَلَى مُفَارَقَةِ الْعَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً، فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ عِنْدَ اللَّهِ. 
قَالُوا: يَا أَسْعَدُ بْنَ زُرَارَةَ، أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ، وَلَا نَسْتَقِيلُهَا. فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا يَأْخُذُ عَلَيْنَا بِشُرْطَةِ الْعَبَّاسِ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ.
ثم كانت مرحلة تشكيل الحكومة الإسلامية بالانتخاب، فبعد أن تمت بيعة العقبة الثانية طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم انتخاب اثنى عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسؤولية عليهم في تنفيذ بنود هذه البيعة، إذ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يستطيع أن يبايع كل أفراد الأمة المسلمة على ذلك، فلا بد من انتخاب قيادة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذه القواعد. وتم الأمر بانتخاب تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وبعد هذا الانتخاب الحر عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتماعًا مهمًّا على مستوى القمة مع هؤلاء النواب، وأخذ عليهم النبي صل الله عليه وسلم ميثاقا آخر بصفتهم رؤساء مسؤولين، وقال لهم: "أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كُفَلاءُ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى بِنْ مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي". يعني المسلمين من أهل مكة. فقالوا: نعم.
من هنا تكونت ملامح الحكومة الشرعية الأولى للمدينة المنورة، قائد الحكومة هو رسول الله صل الله عليه وسلم، ودستور الحكومة هو الكتاب والسنة، وجند الحكومة هم الأنصار والمهاجرون، عما قليل سيصبح للإسلام دولة !!
الهجرة ميلاد الدولة الإسلامية
قال ابن إسحاق: "فلما أذن الله تعالى له صلى الله عليه وسلم في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن تبعه وآوى إليه من المسلمين، أمر رسول الله أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: "إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها". فخرجوا أرسالًا وأقام رسول الله صل الله عليه وسلم بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة".

إن الهجرة النبوية أهم حدث في تاريخ الدعوة الإسلامية، فبالهجرة ولدت دولة الإسلام على أرض المدينة المنورة، وفي الهجرة ظهرت عبقرية التخطيط البشري من رسول الله صل الله عليه وسلم، معتمدًا فيها على ربه متوكلًا فيها على مولاه عز وجل، حتى نجحت الخطة ووصل القائد الأعلى إلى مقر قيادته في المدينة.
وتجدر الإشارة أن محاولة بناء الدولة الإسلامية لم يقابل بالترحيب أو السكوت من أعداء ا لدين، بل عملوا كل ما في استطاعتهم لإجهاض هذا الحلم، واجتمعوا في دار الندوة، وانتهت كلمتهم بقتل النبي صل الله عليه وسلم إلا أن الله تعالى نجَّاه وعصمه، وقد كانت الهجرة النموذج الأرقى للتضحية ودفع الثمن من أجل أن يصل المسلمون ما ينشدون، حيث كان يضحون بأموالهم وبيوتهم وبلدهم وأهلهم، مثلما كان من أمر أبي بكر الصديق وآل أبي سلمة وصهيب الرومي وأسماء بنت أبي بكر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، فهذه نماذج من التضحيات ليعلم المسلمون كيف قامت دولة الإسلام الأولى وما الثمن الذي دفعه الصحابة في سبيل إقامتها.
وها هو رسول الله صل الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار يحفون بهم، ويفدونه بآبائهم وأمهاتهم، ويضعون دماءهم وأموالهم تحت تصرفه، وقامت دولة الإسلام الأولى في الأرض تحف بها ملائكة السماء، بعد جهاد ضار مضني استمر ثلاثة عشر عاما كاملة، وكانت الخطوة الأولى في هذه المرحلة هي بناء المسجد الذي سيكون مركز انطلاقة لهذه الدولة، ودار الحكم فيها، ومقر قيادة الجيش، ومحضن التربية الأول ودار القضاء العالي.
ثم كان الأساس الثاني الذي أشرف عليه رسول الله صل الله عليه وسلم بنفسه في المدينة، وهو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وضرب الأنصار المثل الرائع والقدوة العملية في معاني الأخوة والتآخي والوحدة والإيثار.
وقد ذكر أصحاب المغازي أن المؤاخاة بين الصحابة وقعت مرتين: الأولى قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة على المواساة والمناصرة، فكان من ذلك إخوة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب، ثم آخى النبي صل الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر، وذلك بعد قدومه المدينة.
ثم كان الأساس الثالث (وثيقة المدينة)، حيث وُضع الدستور الإسلامي بين المسلمين وغيرهم، وهو أول دستور منصف عرفته البشرية، فقد كتب رسول الله صل الله عليه وسلم كتابًا بين المهاجرين والأنصار وَادَع فيه يهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم.
وبعد:
فالهجرة النبوية كانت فيصلًا بين مرحلتين، مرحلة العصبة المؤمنة، ومرحلة الدولة الموحدة، أقام المسلمون بعدها دولة بنت حضارة إنسانية عريقة قوامها الأخلاق وعمادها الإنسان، ولن تقوم للإسلام دولة إلا إذا قامت على ما قامت عليه الهجرة.



المصادر والمراجع:
- ابن هشام: السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، 1375هـ - 1955م.
- أبو بكر الطرطوشي: سراج الملوك، الناشر: من أوائل المطبوعات العربية – مصر، تاريخ النشر: 1289هـ - 1872م.
- ابن كثير: السيرة النبوية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت – لبنان، عام النشر: 1395 هـ - 1976م.
- المقريزي: إمتاع الأسماع، تحقيق: محمد عبد الحميد النميسي، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999م.
- منير الغضبان: المنهج الحركي للسيرة النبوية، الناشر: مكتبة المنار – الزرقاء – الأردن، الطبعة: السادسة، 1411 هـ - 1990م.
- منير الغضبان: التحالف السياسي في الإسلام، الناشر: مكتبة المنار – الزرقاء – الأردن، الطبعة: الأولى، 1402هـ - 1982م. 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49187
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الهجرة من الدعوة إلى الدولة   الخميس 24 مايو 2018, 10:27 pm

1 محرم 1439هـ
نبتدئ هذا العام الجديد بما أمَّتُنا عليه من الحروب والفتن والتطاحن الداخلي، والتآمر والكيد الخارجي؛ فالقتل والذبح وسيل الدماء وتدمير المدن والخوف والرعب كله يقع علينا نحن المسلمين وليس على أحدٍ سوانا. يهل علينا العام الجديد وشعبنا الفلسطيني في غزة ما يزال يئن تحت وطأة الحصار والدمار والأمل بالإعمار، والقدس والمسجد الأقصى المبارك يعيشان المرحلة الأكثر خطرًا عليهما من قبل مشاريع المؤسسة الإسرائيلية الظالمة. 
وإذا كنا اليوم نحتفي بذكرى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فإننا بعد عشرة أيام سنحتفي نحن المسلمين كذلك بيوم العاشر من محرم “يوم عاشوراء”، والذي لما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد الهجرة وجد اليهود هناك يصومونه، فلما عرف أن سبب صومهم ذلك اليوم هو شكرٌ لله أنه نجى في مثل هذا اليوم موسى عليه السلام وقومه من بني إسرائيل من فرعون، وأغرق فيه فرعون في البحر بعد أن شقهُ لمرور موسى وقومه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “نحن أولى بموسى منكم”، فصامه صل الله عليه وسلم وأمرنا وحث إلينا صيامه.
ولما أن الظلم الذي ينزل على شعبنا هذه الأيام، بل وينصب صبًا، فإنه من فعل بني إسرائيل الذي يزعمون الانتماء إلى موسى عليه السلام. فهي إذن المفارقة التي لا بد أن نقف عليها مع مسيرتي الهجرة هاتين؛ هجرة النبي صل الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة فرارًا من ظلم أبي جهل وأبي لهب وكل طواغيت مكة، وهجرة بني إسرائيل من مصر صوب الأرض المقدسة فرارًا من فرعون؛ طاغية ذلك الزمان بل وكل الأزمنة.
وإن المتتبع لآيات القرآن الكريم التي تصور حدث الهجرة من مكة إلى المدينة لرسول الله صل الله عليه وسلم ومن مصر إلى الأرض المقدسة لموسى عليه السلام فإنه سيلمس بلاغة النص القرآني في تصوير الحالتين، فيقول الله سبحانه في الآية 40 من سورة “التوبة” واصفًا حدث الهجرة الشريفة ولحظة لحاق فرسان قريش بهم: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنودٍ لم تروها وجعل كلمةَ الذين كفروا السفلى وكلمةُ الله هي العليا والله عزيز حكيم)، وفي الآيات التي تصور مشهد هجرة بني إسرائيل من مصر ولحظة لحاق فرعون وجنوده بهم: (فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، قال كلا إن معي ربي سيهدين). 
إنها إذن لحظة حاسمة فارقة فيها يوشك فرسان أن يطبقوا على رسول الله صل الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر –رضي الله عنه- في قلب الغار، وفيها يوشك فرعون وجنوده وفرسانه أن يطبقوا على موسى عليه السلام ومعه ستمائة ألف، نعم (600,000) من بني إسرائيل في قلب البحر. 
في هذه اللحظة الفاصلة والهامة استشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم معية الله سبحانه معه ومع صاحبه فقال لأبي بكر: (لا تحزن إن الله معنا). وقد تحدث بلغة الجماعة عن اثنين بعد أن قال له أبو بكر الخائف على رسول الله: (والذي بعثك بالحق يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدمه لرآنا)، فكان جواب رسول الله صل الله عليه وسلم له: (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما) . 
وفي هذه اللحظة الفاصلة والهامة التي عاشها موسى عليه السلام مع وجود أكثر من نصف مليون معه، كان يعلم ترددهم وتشككهم وعدم ثقتهم بالله سبحانه، وهم الذين رأوا البحر ينفلق بعصا موسى فيقف الماء كأنه العمود على الجانبين، بينما هم يمرون على طريق يبس بإذن الله، ومع ذلك وإذا بهم ولضعف ثقتهم بالله سبحانه يقولون يا موسى: “إنا لمدركون”، فكانت اللحظة التي استشعر فيها موسى عليه السلام معية الله سبحانه معه فقال: (كلا إن معي ربي سيهدين)، فتحدث عنها القرآن بلغة الفرد الواحد؛ موسى عليه السلام. إنها كلمة “معنا”، مع أنهما اثنان؛ الرسول وأبو بكر، وإنها كلمة “معي”، مع أنه موسى عليه السلام وحوله أكثر من نصف مليون. 
يا قادة إسرائيل ويا شعب إسرائيل، إننا وكما تقدم نعيش ذكرى هجرة رسول الله صل الله عليه وسلم وبداية عام هجري إسلامي جديد، وأنتم الذين قبل شهر بالتمام يوم 2014/9/24 عشتم بداية عام عبري جديد كان أول ما فعلتموه فيه هو اقتحام المسجد الأقصى والاعتداء على المصلين فيه رجالًا ونساءً. وبعد عشرة أيام سنكون وإياكم مع ذكرى نجاة موسى عليه السلام من فرعون وغرق فرعون في البحر وهو الذي قال: (أنا ربكم الأعلى). 
يا هؤلاء إننا نقول لكم: صحيح أن معكم أمريكا وترسانتها وحقها في قرار النقض في مجلس الأمن المسخّر لصالحكم، ومعكم الغرب، ومعكم غواصات المانيا تأتيكم بأسعار زهيدة، ومعكم مفاعل ديمونا والقنابل الذرية المائتان، بل ولعلها الثلاثمائة وفق بعض التقارير الاستخبارية، وها قد أصبح معكم الآن السيسي والتحالف العربي المعتدل الذي تحدث عنه نتنياهو، وغيرها، ومع ذلك فإنكم تعيشون حالة القلق والخوف من المستقبل.
وأما نحن فإن كل تحالفات الشر هي ضدنا، وكل ذوي القربى يتآمرون علينا، وكل النوازل والفتن تحل بدارنا، ومع ذلك فإننا واثقون مطمئنون، إلى درجة اليقين، أن المستقبل لنا بإذن الله، وأن فرج الله قريب. إنه حبل الناس معكم وحبل الله معنا، ولذلك فإنكم خائفون تقولون: (إنا لمدركون)، ونحن مطمئنون واثقون نقول: (لا تحزن إن الله معنا). 
فوحقه لأُسلمنَّ لأمرهِ في كل ضائقةٍ وسوء خناق
موسى وإبراهيم لما سلما سلِما من الإغراق والإحراق
فيا هؤلاء؛ إننا والله خيرُ من سار على طريق إبراهيم عليه السلام وموسى عليه السلام، وإن زعمتم النسب والنُبُوة. وكما سلم إبراهيم من حريق نار النمرود وسلم موسى من غريق بحر فرعون فإننا بإذن الله حتمًا سننجو من حريقكم وبحر ظلمكم وبطشكم، أنتم الذين تمارسون اليوم نفس سلوك النمرود الذي قال لإبراهيم: (أنا أحيي وأميت)، ونفس سلوك فرعون الذي قال: (أنا ربكم الأعلى)، فاللهم اجعل هذا العام الهجري الجديد 1436عام خلاص ونجاة من الظالمين يا رب العالمين، اللهم اجعله عام فرج وفتح وتمكين ونصر مبين يا رب العالمين. 
تحالف الشر يتجدد

لما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صارت له جماعة وأصحاب ومؤيدون حتى خارج مكة اجتمعوا له في دار الندوة؛ وهي دار قصي بن كلاب، التي كانت قريش لا تقضي أمرًا إلا فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله صل الله عليه وسلم حين خافوه وبدأت ملامح دعوته تظهر ودائرة أنصاره تكبر.
وفي اجتماع دار الندوة هذا، الذي تحدث عنه ابن عباس رضي الله عنهما وورد بتفاصيله في كتب السيرة، ظهر لهم إبليس على هيئة شيخ جليل من أجل نجد، فكان رأي البعض منهم أن احبسوه بالأغلال والحديد. وقال آخرون: نخرجه من بلادنا وننفيه إلى بلاد بعيدة. وكثرت الآراء حتى تقدم أبو جهل بن هشام المعروف بأبي الحكم فقال: (والله إن لي لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد. قالوا: وما هو يا أبا الحكم ؟ فقال: أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نسيبًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه ونستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا فرضوا منا بالعقل (الدية) فعقلناهُ جميعًا. فقال الشيخ النجدي (إبليس): القول ما قال الرجل. هذا الرأي لا رأي غيره !! فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صل الله عليه وسلم فقال: لا تبتْ هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه).
هكذا كانت الظروف التي قادت إلى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة، الهجرة التي نحن اليوم في ذكراها، إنه إذن تحالف الشر من قريش بكافة قبائلها وحلفائها وبتوجيه من الشيطان إبليس. إنهم الذين عزموا على قتل رسول الله صل الله عليه وسلم والخلاص منه ومن دعوته التي راحت تكبر وتتوسع وتنتشر وتكسب أنصارًا هناك في يثرب وهناك في غفار على أطراف اليمن وغيرها من القبائل، التي أسلم بعض أبنائها وراحوا ينشرون دين الإسلام في بلادهم.
إننا نعيش هذه الأيام وفي ذكرى الهجرة هذا التحالف الجديد الذي يقوده الشيطان الأكبر (أمريكا)، وهي التي جندت أكثر من ستين دولة حتى الآن، ومنها دول عربية وإسلامية، ظاهر الأمر هو حرب “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وحقيقته هو حرب على المشروع الإسلامي والصحوة الإسلامية، التي راحت تكبر وتتسع وتنتشر ولها حضور كبير في كل الدنيا، بل إنها التي وصلت عبر صندوق الانتخابات واختيار الشعب إلى الحكم كما حصل في مصر وليبيا واليمن وفلسطين، وإذا بهم ينقلبون عليها ويتآمرون عليها. 
إن تحالف الشر هذا الذي أرادت من خلاله أمريكا إشراك دول كثيرة، ومنها عرب ومسلمون، حتى لا يُقال إن أمريكا هي التي تعادي الإسلام، وإنها التي في ظاهر الأمر قد حيدت تل أبيب عن هذا التحالف، حتى لا يُقال إن هذا التحالف هو كُرمى لعيني إسرائيل والحفاظ على أمنها. 
إنها التي جندت جيوشًا عربية تشارك بطائراتها، وحتمًا ستكون كل نفقات هذا التحالف المالية من ميزانياتها وأرصدتها، حتى لا يُقال إنها حرب ضد الإسلام بدليل وجود دول إسلامية وعربية ضمن هذا التحالف!!! تماما مثلما كان الأمر في تحالف الشر الأول عام 1990، والذي تشكل لتدمير العراق بدعوى تحرير الكويت.
نعم! في ذكرى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحالف الشر، الذي كان يومها للقضاء على الإسلام، وحيث تحالف الشر الذي يتكون اليوم للقضاء على الصحوة الإسلامية وعلى الإسلام العائد بقوة والهادر مثل الطوفان، ولكن أنّى لهم ذلك؟ إنه الله سبحانه الذي كان مع رسوله صلى الله عليه وسلم فنجاهُ من كيدهم ومكرهم: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)، وإنه الله سبحانه الذي هو مع السائرين على طريق رسوله صل الله عليه وسلم، وإنه حتمًا سينجيهم من مكر تحالف الشر الجديد هذا، وإنه حتمًا الإسلام المنتصر، وإنهم حتمًا أعداؤه المنهزمون المدحورون بإذن الله، حتى وإن كان معهم بعض الأدعياء من أذناب الأعداء. 
أسماء ترابط عند باب الغار وأخواتها يرابطن عند بوابات الأقصى 

إنها أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، والتي كان لها الدور الرائع والفريد خلال رحلة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيها أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إنها واحدة من أفراد الخلية الفدائية التي ساهمت في نجاح الهجرة، فأخوها عبد الله يتسمع إلى ردة فعل قريش وحديثها عن اختفاء أبيه ورسول الله صل الله عليه وسلم ثم في المساء يأتي غار ثور ليخبرهما، وعامر بن فهيرة راعي غنم أبي بكر، الذي كان يُسيِّر الغنم خلف آثار قدمي عبد الله ليضيع الأثر فلا يعرفوا أين كان يذهب، والبطلة الفدائية أسماء التي كانت كل مساء وفي عتمة الليل تذهب إليهما بالطعام، حتى إذا كان اليوم الثالث في الغار وأرادوا الخروج لاستمرار السفر جاءت إليهما بالزاد وأرادت أن تعلقه على الراحلة، فلم يكن معها عصام “رباط” فشقت نطاقها اثنين، وعلقت الزاد بواحد وانتطقت بالثاني، فسُميت لذلك بـ”ذات النطاقين”. 
إن أسماء المرابطة على باب الغار تقول: (لما خرج رسول الله صل الله عليه وسلم وأبو بكر -رضي الله عنه- أتانا نفرٌ من قريش فيهم أبو جهل بن هشام فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ فقلت: لا أدري والله أين أبي! قالت: فرفع أبو جهل يدهُ وكان فاحشًا بذيئًا فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي (الحلق الذي يعلق في الأذن للزينة). 
وإننا ونحن في ذكرى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الدور البطولي، الذي أدته أسماء رضي الله عنها في الدفاع عن رسول الله صل الله عليه وسلم وعن أبيها رضي الله عنه، والرباط لثلاثة أيام عند باب الغار توصل الطعام وتراقب سلوك اللئام. 
في هذه الأيام فإنهن أخوات أسماء بنت أبي بكر من البطلات اللاتي يرابطن عند بوابات الأقصى دفاعًا وذودًا عن طهره. فإذا كانت أسماء يومها قد فعلت ما حُجِزَ عن فعله الرجال، فإن ما تفعله اليوم المرأة المسلمة الفلسطينية يفوق بطولات الرجال وتضحياتهم. 
وإذا كانت في مسيرة الهجرة قد امتدت يد السافل الخبيث أبي جهل إلى أسماء البطلة وضربها على وجهها، فإنهم في أيامنا هذه السفلة واللئام والحثالات من جنود الاحتلال، الذين تمتد أيديهم إلى عبير زياد البطلة، ويضربونها على وجهها فيسقط ليس قرطها وإنما كل حجابها ينزع عن رأسها، وإن مثلها غيرها من البطلات المرابطات عند بوابات الأقصى وفي ساحاته ممن طالهن أذى هؤلاء المعتدين المتطاولين من جنود الاحتلال الإسرائيلي. 
وإذا كانت كتب التاريخ والسيرة تتحدث عن أسماء بنت أبي بكر المرابطة عند باب غار ثور، دفاعًا وحماية وخدمة لدين الله، فإنه والله التاريخ والحاضر والمستقبل، وكل الأمة من شرقها وغربها وبكل لغات الدنيا تتحدث اليوم عن أخوات أسماء من المرابطات الماجدات عند بوابات الأقصى وفي ساحاته دفاعًا عنه وعن طهره. 
إنكن يا أخوات أسماء من المرابطات عند بوابات الأقصى قد أصبحتن عنوان الاعتزاز والشموخ والشرف. وكما سجل التاريخ سفالة أبي جهل فإن التاريخ ليس الذي سيسجل سفالة جنود الاحتلال، فهم ليسوا إلا كذلك كانوا وما زالوا، ولكنه سيسجل نذالة وخسة الجبناء من الصامتين والمنخرسين الذين لا يدافعون عن المرابطات، ولا ينتصرون لهن ولا للأقصى المبارك الذي عند بواباته يرابطن. 
فبوركتن يا أخوات أسماء، يا رمز البطولة والإباء، يا أطهر من الطهر، ويا أشرف من الشرف، ألا لا نامت أعين الجبناء. 
اللهم يا من استغاث بك إبراهيم من قلب النار فأغثته، ويا من ناداك موسى من قلب البحر فلبيته، ويا من استعان بك يونس من بطن الحوت فأعنته، ويا من استجار بك محمد من قلب الغار فأجرته، اللهم إنا نستغيث بك ونناديك ونستعين بك ونستجير بك، يا نِعم المولى ونِعم النصير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
الهجرة من الدعوة إلى الدولة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: الدين والحياة :: السيرة النبوية الشريفة-
انتقل الى: