منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
هذا منتدى ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 عبد القادر موسى الحسيني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 8:57 am

الشهيد عبد القادر موسى الحسيني


 
    ها هي القدس الرائعة التي تنبض بأحلام التاريخ، وبعبق أمجاد الأمة العربية، تستقبل في أحد أشهر الصيف من عام 1910 م، (1325) رومي(1) أحد ابنائها الابطال، وتحضنه بحنان غامر كما تحضن قباب المساجد والكنائس، وكأن قدر هذه المدينة المقدسة، أن تتعانق فيها روحانيات الشرق العربي كله.
   كانت الشمس تتسلل عبر شوارع القدس وأرقتها، وفي الحي الذي يتواجد فيه الحسينيون، نسمع صوت طفل خرج من طلمة الوجود، وجال ببصره في الشعاع السماوي، الذي يلف العاصمة المقدسة وارهف سمعه الى صوت الأذان من على مآذن القدس الشريف، والى تراتيل أجراس الكنائس، في سمفونية مقدسة رائعة. ذلكم هو البطل المجاهد (عبد القادر موسى الحسيني)
   علم من أعلام الثورة الفلسطينية الكبرى وأحد أبرز صانعيها، ولد عبد القادر بن (موسى كاظم) بن سليم الحسيني في القدس عام 1910 م، وتربى في بيت صلاح وتقوى من أعرق البيوتات العربية وأقئمها، وكان هذا البيت مركز زعامة العرب في فلسطين، ومصدر الحركات الشعبيه والوطنيه علي اختلافها، ولما اختارت الامة (موسى كاظم باشا) لزعامتها ولرئاسة مؤتمراتها، ازدادت آل الحسيني قوة، وأصبح بيت موسى كاظم باشا مركز النشاط السياسي العربي الجديد ومعقله، يكتظ بوفود البلاد ورجالاتها، وأهل الرأي والمكانة فيها، فيه ترسم الخطط ومن علي شرفاته تلقى الخطب، وبين جدرانه تجري المباحثات.
   كان موسى كاظم باشا (شيخ مجاهدي فلسطين) قد شغل بعض المناصب العالية في عهد الئوله العثمانية- كما اسلفنا- ونظرا لخدماته الجليلة للدولة الاسلامية العثمانية، أنعمت عليه الحكومه بلقب (باشا).
   فقد عبد القادر أمه المرحومة (رقية بنت مصطفي هلال الحسيني) بعد ميلاده بعام ونصف، فكلفته جدته لأمه (نزهه بنت علي النقيب الحسيني)، وكانت السيدة (ثليجه) هي التي تشرف علي تربيته، وكانت تحظى بحبه لها وكان يناديها دائما (بالوالدة).
   كانت جدته لأمه تثني عليه ثناء عاطرا وتقول عنه (انه طفل شهم ذكي الفؤاد، يأبى الضيم ويعاف الذل، وله مستقبل باهر وأمر خطير)(2). وما لبثت هي الاخرى أن فارقت الحياة. فنشأ في كنف والده الشيخ مع اخوته الاربعة: (فؤاد الذي كان يعمل في الزراعة ورفيق الذي يعمل مهندسا، وسامي الذي كان يعمل مدرسا في الروضة، وفريد الذي كان يعمل محاميا في القدس، وأخوته الثلاث).
    كان عبد القادر أصغر اخوته، ومنذ نعومه أظفاره، تتلمذ في منتدي والده الشيخ، الذي كانت تجتمع فيه رجالات القدس وزعماء البلاد، من مناضلين وكتاب ورجال فكر، فوعى الأبجديه الوطنيه قبل وعيه الأبجدية اللغوية، واذا كان القدر قد أحرم قلبه حنان أمه، فقد تعلق ذا القلب الابي بحب فلسطين (الأم الكبرى) وبحانها.
   وما كاد عبد القادر يبلغ السادسة من عمره، حتى نشبت الثورة العربية الكبرى التي أعلنها الشريف (حسين بن علي) في حزيران 1916م، وكانت مناشير الحريه والاستقلال تملأ سماء بلاد العرب، وكانت الثقه بوعود الحلفاء تتغلغل في مختلف طبقات الشعب، وكان الجميع يتطلعون بشوق عظيم الى ذلك اليوم، الذين كانوا يرون فيه الرايات العربيه تخفق فوق رؤوسهم رمزا لاستقلالهم وحريتهم.
   واعلنت الهدنه ووضعت الحرب العالمية الاولى اوزارها بانتصار الحلفاء، واستيقظ العالم العربي على خيانه هؤلاء، تلك الخيانة التي تمثلت في تصريح وعد بلفور ومعاهدة سايكس - بيكو وسائر الاتفاقات السرية والعلنية، التي تمت بين الحلفاء، لتقسيم الاقطار العربية، فانهارت آمال العرب وأمانيهم التي كانت تجيش في صدورهم وتنمو.
    هاج العرب وماجوا لما رأوه من الخيانه والنكث بالوعود، وصعقوا عندما علموا بأن حلفاءهم قد عملوا على تمزيق اقطار العرب، ووضعها تحت السيطره الاجنبيه، فقرروا العمل ضد ذلك العدوان واستئناف الجهاد في سبيل الحرية والاستقلال، فعقد المؤتمر العربي الاول والثاني- كما اسلفنا- واتخذت فيهما القرارات اللازمه لمقاومة السياسة الاستعمارية، وتألفت في دمشق (الجمعيه العربية للذب عن حياض الوطن)(3)
    اما في داخل فلسطين، فقد تألفت الجمعيات الاسلامية- المسيحية والنوادي والمنتديات العربية، وعقدت الاجتماعات الشعبية، وقامت المظاهرات العظيمة، وأخذ النشاط السياسي يعم البلاد لتذكية روح النقمة على الحلفاء، وكان فتيان فلسطين ومنهم عبد القادر الحسيني (12) عاما يشتركون في المظاهرات، وينشدون في الاجتماعات الشعبية، ويهتفون ضد الظلم والعدوان.
   «وأبرز ما أذكره في تلك الفترة عن المرحوم، هو شعوره الوطني الملتهب الى حد التهور، اذ كان سنة آنذاك لا تزيد عن 12 - 13 عاما، فكان يقتني المسدسات التي يشتريها مما يجمعه من مصروفة الخاص، ويشترك في المظاهرات والاضطرابات، التي كانت تحتاج البلاد بالمناسبات الخاصة، كذكرى وعد بلفور أو قدوم أحد اساطين الاستعمار الى البلاد، كالسير هربرت صموئيل واللورد بلفور وخلافهما، كما كان في المدرسة دائبا علي بث روح الوطنية والتمرد بين زملائه، وكثيرا ما كانت له اليد الطولى في اضراب الطلاب ومظاهراتهم»(4)
   «والى جانب وطنية المرحوم الرائعة، وشجاعته النادرة، كان متواضع النفس مسايرا لزملائه، لا يعرف الأنانية، ويشتهر دوما بالتضحية، كنت أذهب واياه الى بيت جدتنا (الحاجه ام محيي الدين)، وهي التي ربته واحتضنته بعد موت والدته، وذلك في أيام السبت والأحد من كل أول شهر، وكانت عند جدتنا خادمة اسمها (ثليجة) وهي التي ربت المرحوم وهي بحكم تربيتها له، كانت تحب دوما أن تخصه بأكلات شهية، ولذا فانها كانت عندما تسنح لها الفرصه، تستدعيه خفيه لتخصه بما تكون قد خبأته له، الا أنه كان يثور ويصيح بها قائلا: (من قال لك أنني أستسيغ الأكل خفية عن ابن خالي، فوالله لا آكل مما خصصتني به، الا بالاشتراك مع ابن خالي»(5).
   «كما كان في صغره ميالا للكسل مع ذكاء شديد، وكان مهملا بكل ما يتعلق بشخصيته وهندامه وملابسه»(6).
   «كما كان في صغره مشاكسا، قوي النفس جريئا، مندفعا سريع التأثر طموحا الى العلا والمجد محبا للعروبة والاسلام مجنونا بحبهما فكان لهذه الصفات، وللجو الذي عاش فيه الأثر الكبير في تكوينه وفي توجيهه»(7).
   كان والده خاصة وأسلافه عامة، أهل دين وتقوى، وأصحاب جهاد وجلاد، وأناس لم يؤمنوا بمسبة الخنوع والخضوع، فورث عبد القادر هذه الصفات كاملة شاملة مباشرة نقية، ثم جاءت عوامل بيئته فحددت هذه الخلال وأبرزت هذه الخصال، فلقد كان وجوده في هذا البيت الكريم المجاهد، وهذا العصر الذي انبثق فيه الوعي العربي، وكذلك رؤية عبد القادر لوالده على رأس ذلك قدوة حية ومثلا كريما، عندما قام حلفاء العرب بسجنه عام 1920 فكان لذلك وقع عظيم في نفسه وحافزا قويا حدد طريقه.
   ولهذا شب عبد القادر علي الأفكار والمبادىء الوطنية، التي عمل والده من أجلها طيلة حياته، وكان كل ما يجري في فلسطين يجري تحت بصر عبد القادر الصبي المتأجج بالاباء، فكان يري الاجتماعات الخطيره التي تعقد في بيت والده، وكان يسترق السمع الى كل ما يدور فيها من ابحاث فيهما من ابحاث ومناقشات وينصت الى الخطب النارية والاشعار الحماسية، ويشاهد جموع المتظاهرين ووالده الشيخ في مقدمتهم، يملأون الشوارع والطرقات وهم يهتفون لفلسطين والعروبة ويعلنون سخطهم على الاستعمار والصهيونية.
 تعليمه:-
  تلقى عبد القادر دروسه الابتدائية في المدرسه الرشيدية بالقدس، ثم التحق بمدرسة المطران (بيشوب غوباط) الانجليزية القائمة على جبل صهيون في القدس (بجوار مقام النبي داود عليه السلام)، وقد عرفت بمدرسة صهيون بسبب موقعها.
   وفي هذه المدرسة- وبالرغم من قيامه بواجباته المدرسية على أحسن وجه ونجاحه في دروسه وفي الالعاب الرياضية- فان جو تلك المدرسة لم تطب له نفسه، بل أن ذلك الجو زاده بغضا للمستعمرين ونقمة على أساليبهم ووسائلهم، بسبب ما كان يراه في تلك المدرسة التبشيرية من دس السم في الدسم، واستخدام دور العلم لقتل الروح الوطنية ووأدها، ومحاربه الطموح وقتل النفس وتمجيد الأجانب على انقاض الكرامة العربية، وكثيرا ما كان يقول: (لقد تعلمت في مدرسة صهيون، كيف أبغض الانجليز)(Cool.
   قضى عبد القادر ثلاث سنوات في هذه المدرسة، ثم التحق بكلية (روضة المعارف الوطنيه) ليلتقى تعليمه الثانوي في هذه المدرسة التي لا تخضع لنظام ادارة المعارف، وهي التي خرجت للبلاد نخبة ممتازة من الشباب القوي المؤمن من فلسطين وغير فلسطين(9) وكانت تعتبر بحق مصدرذ التوجيه الوطني الصحيح للناشئه العربيه، كما كان جو التدريس في هذه المدرسة قريبا من نفس عبد القادر وشعوره فارتاح اليهاجدا واستفاد منها كثيرا.
   لم يدخل عبد القادر مدرسة صيهون حبا في علمها، وانما كان ذلك بسبب التأخر في تأسيس كلية روضة المعارف، التي اسسها الحاج أمين(10) سنة 1922 تقريبا، وكانت هذه الكلية تهدف الى تخريج الشباب المؤمن المجاهد أولا، ولتقف ضد المدارس الحكومية البريطانية ومنها، المدرسة الرشيدية ومدرسة التمرين والمدرسة الغالية للبنات، وكذلك ضد المعاهد التبشيرية ومنها: جمعية الشبان المسيحية وسانت جورج وتراسنطة والمطران وشميدت الالمانية للبنات، وغيرها من المؤسسات والمعاهد الحكومية والتبشيرية.
  كان المجلس الاسلامي الأعلى هو الذي يتعهد هذه الكلية، وفيها تم انشاء فريق لكرة القدم كما تم اعداد فريق للأشبال واخر للكشافة، اللذين كانا يدربان وفق نظام عسكري منظم وكان من مدرائها: الشيخ محمد الصالح والشيخ حسن ابو السعود والاستاذ اسحق درويش، والاستاذ عبد اللطيف الحسيني ومن بين مدرسيها: السيد نديم الملاح وخير الدين الزركلي وسامي السراج وغيرهم.(11)
   وكثيرا ما كانت هذه المدرسة تغلق بسبب نشاطها، وتصدي القائمين عليها، لمؤامرات الانجليز والصهاينة، ومع ذلك فقد ظلت مركز اشعاع فكري وسياسي ونضالي حتي عام 1948م.
  ولم يقف عبد القادر عند شهادة الدراسة الثانوية (المترك). بل أزمع على مواصلة تعليمه الجامعي، لأنه وعى قيمة التعليم واعتبره سلاحا حادا من أسلحة النضال ضد المستعمر الجاثم على صدر امته ووطنه، فدخل الجامعة الامريكية في بيروت، وقضى فيها سنة كاملة في كلية العلوم، وقبل رحيله الى بيروت قال له أبوه مودعا:
   «على بركة الله يا بني، كن حريصا على كرامة دينك وعزة وطنك، والله يرعاك حيثما تكون واينما تقيم» وقبله قبلات الوداع، ثم اعطاه شيئا في يده وقال له: «ليكن هذا دستورك في الحياة يابني». نظر عبد القادر في يده، فاذا هو القرآن الكريم فقبله وأودعه في جيب سترته، ويمم وجهه نحو أعتاب الجامعة فانفتحت فيها صفحة جديدة في كتاب حياته.
  في الجامعة الامريكية في بيروت والقاهرة.
   أنهى عبد القادر سنة دراسية كاملة في الجامعة الامريكية في بيروت، (ولما كان منذ شبابه شديد الوعي علي قوميته، عظيم التقادير لما يصبه الاستعمار من مصائب ونكبات، وكان من نشاطه القومي وهو في الجامعة في بيروت، أن رأت الجامعة فصله لأنه وطني متطرف في رأيها(12) (وما كان يتحلى به من أنفة وعزة نفس، وعدم سكوته عما يراه حقا قد سبب له متاعب جمة في مدرسة صهيون ومدرسة الروضة الوطنية في الجامعة الامريكية في بيروت ومصر)(13)
   وبعد أن طرد من الجامعة في بيروت التحق بالجامعة الأمريكية في القاهرة، (كلية العلوم - قسم الكيمياء) في العام الدراسي 1929/1930م، فانكب علي الدراسة في همة ونشاط.
   كان عبد القادر يرى في الجامعة الامريكية من الاساليب والوسائل، ما ذكره بمدرسة صهيون في القدس، اذ أنها لا تختلف في حقيقة أهدافها، وما ترمي اليه عن المدارس التبشيرية في قليل أو كثير، وان اختلفت الأساليب (فالكفر ملة واحدة كما يقولون). 
   وهنا رأى عبد القادر وقد أيفعت سنه، ورشد عقله، اسلوبا جديدا من أساليب هذه الحرب الصليبية الدائبة، للقضاة على العروبة والاسلام، ورأى بأم عينه وسائل جديدة في محاربة الاسلام، والقضاء على الوعي القومي وفسخ التاريخ العربي، والاستهانة بالتقاليد العربية والتهكم من الموروث من الآباء والاجداد، فزادت نفسه ثورة الي ثورتها، لكنه تحمل السكوت على ذلك كله ارضاء لوالده، الذي كان يطلب منه المرة تلو المرة، ان يتغاضى عن كل ما يراه، خوفا من أن تحمل نفس عبد القادر الثائرة الوثابة، على ترك الجامعة قبل الحصول على شهادة علمية جرى في عصره احترامها وتقديرها.
   عندما وصل عبد القادر الي القاهرة، رأى الاستعمار البريطاني يجثم على كاهل الشعب المصري، مثلما يجثم على صدر فلسطين، ورأى المؤامرة واحدة والاستعمار واحد، ومن هنا وضحت رؤياه الوطنية والقومية والهم المشترك، ولما كانت مصر في قمة حركتها الاستقلالية، اغتنمها عبد القادر فرصة والهم المشترك، ولما كانت مصر في قمة حركتها الاستقلالية، اغتنمها عبد القادر فرصة سانحة لاشباع رغبته في الكفاح والنضال، خاصة سنة 1929 حين اصبحت فلسطين تغلي بالثورات والاضطرابات، وبدأ يحاول أن يعمل شيئا، وقد شحن قلبه بكل المشاعر الوطنية الغالية، فانتدب نفسه للعمل الوطني تطوعا، وأصبح داعية للقضية الفلسطينية في قلب الجامعة، وبدأ يشرح لرفاقه المأساة التي تتوالد في فلسطين، ولم يترك مظاهرة أو محاضرة أو ندوة الا وشارك فيها، وكان دائم التردد على (بيت الأمة) والاتصال بأعضاء ومؤيدي (حزب الوفد) وينتهز كل فرصة للتحدث عن قضية فلسطين من خلال ذاته فترة، ومن خلال (رابطة الطلبة الشرقيين) تارة اخرى(14) وقد عرف من بين رفاقه في تلك الاونة:
  (رشاد الشوا وعفيف طرزي «غزة» كمال حنون وصلاح حنون «طولكرم» ومحمد رفيق اللبابيدي «عكا» ومحيي الدين قطينة «صفد» وعبد اللطيف الحسيني وبرهان الحسيني وصادق الحسيني «القدس» ومحمد علي الطاهر(15) صاحب جريرة الشوري التي كانت تصدر في القاهرة «نابلس» واكرم الخالدي «القدس»).
   راح عبد القادر ينظم الطلبة في القاهرة، فأنشأ معهم أول رابطة كان غرضه منها تحويلها الى منظمة او حركة سياسية، تتولي قيادة الحركة الوطنية، وكان يعمل في السر والخفاء ويؤلب الافكار في حيطة وحذر، ليصل بأفكاره الى أكبر عدد ممكن من الناس، دون ان تدري به السلطات وبالتالي تبعده عن مصر، وتقطع صلته بالدراسة.
   (كانت روح عبد القادر ممراحة ساعة المرح، عنيفة صاخبة في الحق، يشعر  أنه جندي مستنفر من جنود الوطن، وحياته حياة ايثار مع زملائه، لشخصيته نكهة محببة متواضعة، زاهد في مطعمه ومظهره، عفيف شريف في مسلكه، واضافة الى كل هذا، فلم تكن عنده نزعة اعتداد بالأصل، مع ان والده العظيم كان زعيم البلاد برمتها، ولم أذكر يوما أن ذكره بوصف الزعامة، ونتيجة لذلك لم يكن من الصعب أن يدرك المرء بأن وراء كل هذه الصفات، شخصية عظيمة تنبئك عن عبقرية خفية(16)
  انصرف عبد القادر بكليته الى اتقان علمه الذي جاء ليتخصص فيه، وهو الكيمياء، راجيا ان يأتي ذلك اليوم الذي يحيل فيه هذه النظريات العلمية الى حقائق وأرقام ناطقة، وكان اثناء السنوات التي قضاها في الجامعة الامريكية موضع اعجاب رفاقه، لما امتاز به من روح التعاون.. لم يكن يتدخل في شؤون غيره، عل يأنه كان أبدا على استعداد لمساعدة أي شخص اذا طلب منه العون بشغف وعناية، (وكان رحمه الله في كثير من الأوقات، يعطي جميع ما يملك من دراهم الى بعض زملائه الذين تكون قد ضاقت بهم الحياة، ونضب ما معهم من دراهم، ويبقى صفر اليدين وعندما يقول له زميله المذكور: ماذا أبقيت لأكلك واحتياجاتك؟ كان يجيب:- «يرزقني علام الغيوب».(17)
  كان أهم ما يستهويه من الدروس «الرياضيات والدين الاسلامي والتاريخ العربي»، كما كان حبه للمناقشة الحية سببا اكسبه الشهرة بين الطلبة، لأنه (كان معروفا بالميل الى الجدل والكفاح، يكون رأيه ثم يقف عنده في صلابة وعناد، ومع هذا فقد كان لطيف العشرة خفيف الظل والروح متواضعا بعيدا عن الادعاء والغرور قريبا الى قلوب زملائه وأصدقائه)(18)
   كان عبد القادر خلال سني دراسته، يعمل علي مقاومة التيارات السياسية الخبيثة، وغير الاصيلة، ويفضح كل الاتجاهات التي تخدم الاستعمار، ويقاوم الجهد الذي تبذله الجامعة، في تليين الشباب العربي وابعاده عن روحه القومية.
   واستطاع ان يكشف الدور المريب الذي تقوم به الجامعة الامريكية في مصر، ذلك الدور المقنع بالعلم والمعرفة، والذي يحمل وراءه بعض أوبئة الاستعمار الخبيثة، ولكنه لم يعلن عن احاسيسه بصورة علنية اثناء فترة الدراسة حتى كان يوم حفل التخرج.
  موقفه الرائع في حفلة التخرج عام 1932م
   أنهى عبد القادر تعليمه الجامعي عام 1932م، ونال شهادة البكالوريا في العلوم، وفي حفلة توزيع الشهادات السنوية، وقف عبد القادر موقفا رائعا ومشرفا.. ولما نودي على الطالب الخريج عبد القادر موسى  الحسيني ليتسلم شهادته في الحفل السنوي التقليدي، الذي شهده كبار المصريين والشرقيين والأجانب، بالاضافة الى بعض الوزراء والعلماء والباشاوات، وألوف من الطلبة والطالبات، وهيئة التدريس، وعلى رأسها مدير الجامعة (المستر واطسون) و (جوفري) رئيس مدرسة اللغات الشرقية والمستر (مولر) والمستر (بطرس عيان)... تقدم عبد القادر بخطى موزونة ثابتة نحو منصة الاحتفال، وبعد أن تسلم شهادته من رئيس الجامعة «شارلز واطسون» استأذن من الحضور بالقاء كلمة فسمح له.
  وقف عبد القادر خطيبا مصقعا - ولم يكن يعرف عنه أنه خطيب - رافع الرأس غير هياب ولا وجل، وراح يندد بالسياسة الأمريكية والى ما تقوم به بين جدران الجامعة، من دعوات تبشيرية، وان الجامعة تظهر أمام الناس بمظهر المعهد العلمي، ولكنها في الحقيقة بؤورة افساد للعقائد الدينية، لأنها تطعن في الدين الاسلامي وتشوه الدين المسيحي، وأنه يطلب من الحكومة المصرية أن تنتبه الى خطوة هذا الموقع المسمى بالجامعة الامريكية، وأنه ما لزم الصمت الا لانه يريد ان ينهي دراسته، اما الآن فان واجبه الوطني والقومي، يدعوه الى ان يقول هذا، وأن يبلغ دعواه الى المسلمين والمسيحيين العرب على حد سواء، حتى لا تحدث فتنة طائفية بين ابناء الوطن الواحد، ثم مزق شهادته أمام ااحفل الكبير، ورمى بنتفها أمام رويس الجامعة وعمدائها قائلا: (هذه شهادتكم فخذوها فاني لفي غنى عنها، وانه ليس مما يشرفني أن أحملها او ان أنتسب اليها... أنا لست بحاجة الى شهادة من معهدكم الاستعماري التبشيري).
   ثم هتف بسقوط الاستعمار والأجانب، وحيا العروبة والأمة العربية، ودعا الجيل الجديد الى الثورة ضد الاجنبي ووسائله ومعاهده التعليمية، وقوبل خطابه بحماس منقطع القادر.
   اضطربت الجامعة لهذا الحادث اضطرابا هزكيانها وأركانها، فعقدت سدنتها اجتماعا طارئا في نفس ليلة الحادث، وقررت سحب الشهادة من الطالب (المشاغب) بشطب اسمه كما اتصلت ببعض الصحف والصحفيين، وسألتهم التعتيم علي أخبار الحادث، وعدم التعرض والكتابة حفاظا على سمعة الجامعة، وقدمت لهم الرشاوى، كما سلطت بعض الطلبة للطعن في شخصية عبد القادر واتهامه بالخبل لدى بعض ادارات الصحف، الا ان بعض اصحاب الضمير الحي رووا القصة وغطوا أنباء الحادث، فمنهم من أشاد  بموقف الشاب الجريء - كما حدث في جريدة الشورى التي يصدرها محمد علي الطاهر (المجاهد الكبير) ومنهم من وبخ الطلبة الذين قصدوا الجرائد للطعن فيه، كما حدث مع ادارة جريدة (البلاغ).
   جن جنون الجامعة، وهالها مما رأته يملأ صفحات الجرائد والصحف، وحاولت تزوير الحقائق الا أن عبد القادر أسرع ووجه رسالة مركزة الى كل الصحف في القاهرة يروي ما حدث: واليك البيان كاملا:
   «تدعى ادارة الجامعة الامريكية بالقاهرة، أنها علمية محضة، وليس لها أدنى علاقة بالتبشير، وهي تتبرأ مما حصل في المعادي حيث يسكن اساتذتها المبشرون، وفيهم من ارسل خصيصا على حساب أحد المثرين الكبار للتبشير، وادعاء الجامعة أنها علمية ليس صحيحا واليك حجتي وادلتي الواضحة:- من هو رئيس الجامعة؟
  رئيس الجامعة هو الدكتور (شارلز واطسون) مبشر ووالده مبشر وأمه مبشرة، فهو من سلالة مبشرين واني أستشهد على ذلك بكتابه المسمى (حروب صليبية مسيحية في مصر) ويعني بهذه الحروب الحملة التبشيرية وقد قال في مقدمة ذلك الكتاب: (أهديه لأمي وأبي اللذين قضيا حياتهما مبشرين في مصر)، ويوجه فيه الدعوة الى أهل الخير والاحسان، ليروا الانتصار الباهر لاعمال التبشير في مصر، كما أنه يوجه الي المبشرين كلمة مؤداها (أنهم هم الذين سوف يتم تنصير مصر بأكلمها على أيديهم)، وبذلك يتوجون رؤوسهم بأكاليل الظفر والفخار، جزاء لهم على جهادهم المقدس.
   أو تدري ماذا يقول هذا المبشر أيضا في كتابه المشار اليه؟ انه يقول:
    (ان للمسلمين طقسا دينيا هو أساس الاسلام، وهذا الطقس هو الحج، ويجب على كل مقتدر ان يؤديه وهو عبارة عن الذهاب الى اللكعبة، حيث تقام طقوس دينية مخزية، وهذا المكان - الكعبة - قلب العالم الاسلامي، وكر لصوص تؤتى به جميع انواع المخازي الاخلاقية (كذا)، ولكنه يجعل بين المسلمين رابطة متينة يخاف منها.
   وبعد.... فهذا هو رئيس الجامعة الامريكية الدكتور شارلز واطسون كما تراه في كتاب واحد من كتبه والآن... اليك غير هذا الرجل من أقطاب الجامعة:
   هناك قسم في الجامعة الامريكية يسمونه (مدرسة اللغات الشرقية) يؤمه الاجانب، ويرأسه الدكتور (جوفري) وهو رجل لاهوتي، وهذا القسم، ان هو الا معهد لتدريب المبشرين وتعليمهم اللغة العربية، وكيفية مهاجمة الاسلام مهاجمة علمية فنية، ومن يزر مكتبة الجامعة ويرى الكتب التي نقلت من هذا القسم اليها يحقق صدق قولي.
   وهذه الكتب تؤلف الآن قسما كبيرا من المكتبة، وكلها تبشيرية، بعضها يبحث الحركات التبشيرية وتاريخها ونجاحها وأعمالها في الشرقين الأدنى والأقصى، وبعضها يبحث في كيفية اذلتنصير، والبعض الاخر- وهو أكثرها- يحتوي على شتائم في الاسلام والمسلمين.
   والدكتور جوفري رئيس هذا القسم هو مبشر الجامعة الأكبر، ويليه المستر مولر، وكلاهما قاطن بالمعادي، حيث المبشر (بطرس عيان) صديقهم الأعز وبطل الحادثة المشهورة.
   والدكتور جوفري يصلي بطلبة الجامعة أيام الآحاد وهم مجبرون علي الاستماع لطعنه في الاسلام والمسلمين ونبيهم بل في المذاهب المسيحية، التي لا تتفق مع مذهبه، وأذكر أنه قال يوما في احدي عظاته وعنوانها: (النبي الكاذب) أن محمدا لا يمكن ان يكون نبيا، لأن مستوي أخلاقه العادي (كذا) اذ أباح لنفسه أن يتزوج من عدة نساء (كذا) كما اختص نفسه بأثمن أسلاب الحرب فهو رجل شهواني (كذا).
   وفي وعظة اخرى ألقاها هذه السنة، أتانا ببراهين واهية ليقنعنا بأن القران ليس من كلام الله، كما أنه ليس كله من كلام محمد، لأنه ادخل عليه كثير من الآيات التي ثبت علميا أنها لا يمكن ان اكون من روح محمد.
   هذا عدد ما يقوله في الدروس اليومية التي يسمونها (علم الاخلاق وفلسفة الديانات، وعلم النفس وعلم الاجتماع) من الافتراءات والشتائم، مما لا يلتفظ به مسيحي، لأن الدين المسيحي نفسه دين سماحة ولطف. أما ما يفعله هؤلاء فتحامل وشتائم وسباب وبث كراهية واشعال حروب، فالاسلام في رأيهم دين وحشي بربري، يحث علي القتال والسلب والنهب، ولن يرتقي الشرق ويسعد حالا الا اذا تخلص من هذا الدين، والكثلكة لديهم عبادة أوثان وخرافات وأساطير مضرة مخلة بالآداب.. الخ.
   اكتفى بهذا القدر الآن مشيرا الي أن هذه الحركة التي تقوم بها الجامعة الامريكية غير محمودة، بل هي تخلق روحا سيئة في البلاد، فالواجب على كل وطني مسلما كان أم مسيحيا أن يحارب هذه الفكرة ليعيش المسلمون والمسيحيون أهل هذا البلد وغيره من الاقطار هانئين آمنين(19))
عبد القادر الحسيني
خريج الجامعة الامريكية بمصر
  وعلى اثر ذلك اتصلت ادارة الجامعة بالانجليز والامريكان، الذين اتصلوا بدورهم بالحكومة المصرية وأخبروها بالأمر، وطلبوا منها اخراج عبد القادر من مصر، فما كان من الحكومة المصرية الا ان اصدرت قرارا يقضي بوقفه في سجن الاجانب كاجراء احترازي(20)، ثم بطرده من مصر خلال اربع وعشرين ساعة، وبعد ذلك أصدرت الحكومة المصرية قرارا موقعا من رئيس الوزراء الطاغية (اسماعيل صدقي) باخراج عبد القادر وترحيله الي فلسطين في تموز 1932م.
   وهناك في القاهرة (في باب الحديد) وقف الفلسطينيون والمصريون في انتظار توديع هذا الشاب الجريء، وما أن وصل عبد القادر مخفورا بالشرطة والجند، حتى انقلب الوداع في محطة سكة الحديد الى مظاهرة وطنية صاخبة.


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الجمعة 13 مايو 2016, 9:01 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 8:58 am

الفصل الثاني
عبد القادر في معترك الحياة العملية
    سبقت عبد القادر أخباره وموقفه في الجامعة الامريكية الى فلسطين، فاستبقلها شباب البلاد ومعارف عبد القادر بالتهليل والتكبير، وما أن وصل الى القدس، حتى توافد عليه الشباب العربي المجاهد يهنئونه على موقفه العظيم، ويرجون الكثير على يديه، ووضعوا أنفسهم تحت تصرفه للتعاون معه على ما يعود على الأمة والوطن بالخير والفائدة.
   وجه عبد القادر همه الاكبر نحو تنظيم الشباب وتكتيله، فتعاون مع اخوانه على تأليف النوادي والجمعيات على اختلاف أنواعها، ودعا زملاءه الى مقاطعة الأجانب والمصنوعات والمتاجر اليهودية.
   وما أن عاد عبد القادر حتي تلفقته السلطات البريطانية، ووضعت بين يديه عدة وظائف رفيعة المستوى، وعليه انتقاء ما يلائمه منها، محاولة منها أن تضمه تحت جناحها.
   ولكن عبد القادر أبى أن يوقع نفسه في هذا الشرك، مهما ازداد بريق المال ورفعة الجاه، فآثر العمل في مجال أكثر رحابة، يستطيع به ومن خلاله، أن يعبر عن آرائه ويغذي الشبيه الفلسطينية بثمرات علمه وثقافته، فالتحق بسلك الصحافة، فحرر في الصحف الوطنية التي كانت تصدر في ذلك الوقت.
   اشتغل عبد القادر محررا في جريرة الجامعة الاسلامية مدة سته شهور، ثم أصبح سكرتيرا لها(21)، وكان الاتجاه الوطني الذي نهجته الجريدة، من أهم العوامل التي دفعته للعمل بها، والمشاركة في تحريرها، وهنا اكتشف عبد القادر أن الحرية التي يمنحها الاستعمار هي حرية زائفة، وأن الحرية التي تكشف الاستعمار وتفضح شروره، لابد أن يصادرها  الاستعمار نفسه وباسم الحرية نفسها.
   راح عبد القادر يكتب، ليكشف أبعاد المؤامرة ضد الشعب الفلسطيني، ويحرر المقالات الجريئة،- لا يبالي في سبيل الحق انجليزا ولا يهودا- التي تنتقد الدولة البريطانية المنتدبة، وتندد بالسياسة الصهيونية، وتنبه لما يحاك للفلسطينيين في الظلام، فراح الاستعمار وأعوانه ومندوبوه يراقبونه، وبدأت مع الكتابة عملية التطويق والمطاردة.
   لقد راع الانجليز هذا التحدي لسلطتهم، فبدأوا يتوجسون خيفة من عبد القادر، وهم يعلمون ابن من هو، وموقفه من الجامعة الامريكية، فأنذروا المشرف علي الجريدة «بألا يسمح لعبد القادر بالكتابة، فلما رفض انذارهم، أصدروا أمرا بتعطيلها»(1).
   وعندما تكرر التعطيل، ترك عبد القادر العمل في هذه الجريدة، وانصرف الى الكتابة في جريدة الجامعة العربية(23) بالقدس فراح يلهب الشباب العربي بآرائه وافكاره وحماسه، ويعمل علي توجيه الصحافة العربية الوطنية، الوجهة القومية الصحيحة.
  ثم عمل محررا لصيحفة اللواء (24) لسان الحزب العربي الفلسطيني، وبنفس الاسلوب بالاضافة الى قسم الترجمة، ولم يكن موقف المستعمر من هذه الجريدة، بأحسن من موقفها من جريدة الجامعة الاسلامية، فحوربت بالتعطيل حتي لم يجد عبد القادر جريدة يجاهد فيها بقلمه فكف الى حين.
   على أن هذا لم يكن آخر عهده بالصحافة، فانه بعد أن تسلم وظيفته في ادارة تسوية الاراضي، كان يكتب باستمرار في الصحف العربية، مبينا الطرق الخبيثة التي يلجأ اليها اليهود والانجليز، في سبيل تسرب الاراضي العربية ليهود، ومحذرا العرب من سوء العاقبة اذا ما اغفلوا او تهاونوا في هذا الامر، فكان لهذه المقالات أثرها البين في وقايه كثير من الاراضي، من التسرب لايدي اليهود، وفي ردع بعض ضعاف النفوس من العرب الى حد كبير عن التمادي في غيهم.
  وعندما هاجر الى العراق في أواخر عام 1939م راح ينشر مقالاته في الصحف العراقية شارحا قضية فلسطين، ومبينا حقيقة ما يبيته اليهود والانجليز والمستعمرون عامة لفلسطين وللعالم العربي كله.
   وفي نفس السنة التي عاد فيها عبد القادر الى فلسطين، اشتدت نقمة العرب بعد اجراءات الادارة العسكرية البريطانية، وفي تأييدها لمشروع الوطن القومي اليهودي، وازدياد عدد الفلاحين الذين طردوا من اراضيهم (فلاحي عرب الحوارث وعرب الزبيدات كما أسلفنا).
   ولهذا دعا بعض الشبان- وفي مقدمتهم عبد القادر- الي الاقلاع عن سياسة الاحتجاج والاعتماد على انصاف الاجنبي، وطالبوا باتباع خطة عملية حازمة في المقاومة، مما أدى الى عقد اجتماع خاص في بيت أحد المواطنين بالقدس، حضرته نخبة من العاملين المخلصين، وكان ذلك في ايلول 1933م حيث قرروا أن تقوم البلاد بمظاهرات شعبية احتجاجا على السياسة الانجليزية، وضد الانتداب والهجرة، بغض النظر عن سماح السلطة بها أو عدم سماحها، مهما كانت النتائج، وكان هذا الاجتماع نقطة تحول في السياسة العربية التي كانت متبعة في ذلك الوقت.
   حمل المجتمعون قرارهم هذا الى زعيم البلاد ( موسى كاظم باشا) وأعضاء اللجنة التنفيذية بالقدس، فأقره بعضهم ورفضه البعض الآخر، بحجة ما ينطوي عليه من أخطار ونتائج، أما الزعيم الجليل، فكان يقف بين الرأيين، ويحاول التوفيق بينهما، وعرف أن الزعيم (كان يتجادل ليليا في بيته مع ولده عبد القادر، حول الموقف الذي يجب أن يتخذه، وكان الشيخ الجليل يبكي فرحا بقوة نفس ولده الذي كان يقول له:-
   «يا والدي.. لقد بلغت من العمر ما يشتهيه الكثيرون، فاختم هذا العمر الطويل الجليل، أخرج على القوانين يا والدي، وان لم يمت  ميلك في سبيل وطنه، فمن ذا الذي يموت»(45). ونظر الشيخ الجليل الى ولده نظرة اعجاب ووعده أنه يلبي طلبه مهما كلف الثمن.
   واخيرا قرر الزعيم القيام بمظاهرة القدس- كما ذكرنا- حيث أعلنت السلطة البريطانية، منع قيام هذه المظاهرة بالقوة، ولما رأت تصميم الزعيم، راحت تتوسط لحمله على الغاء قراره متبعة سياسة المراغوه، ورأى المندوب السامي أن يتصل بالشيخ، وكلف مجموعة من أفراد الاجالية البريطانية، ذات الصلة بالعرب، ترأستها (مس نيوتن- صديقة العرب)(26) لاقناع الزعيم بالغاء الدعوة للمظاهرة.
  جاءت مس نيوتن تحاور الزعيم وتجادله، في أنه ليس من المصلحة القيام بمظاهرة واثارة الخواطر، وأن الانجليز- كعهدهم دائما- أوفياء للعهد، وأنهم لا يريدون لا يريدون للعرب الا خيرا، وبينما هي مسترسلة في كلامها الناعم الرقيق وكان عبد القادر حاضرا- فاذا به يقول:-
   «أرجو ان لا تسعي مع والدي للكف عن دعوته، فهو لن يكون خائنا لبلاده، فوالله لو أن والدي قبل نصحكم ووساطتكم، فاني سأكون أول من يخرج عليه، فان حبي لأمتي ووطني يفوق حبي لوالدي(27)».
    ثم التفت الى والده الجليل وقال له: (يا أبتاه، لقد شيخت وناهز سنك الثمانين، وانك لقريب لملاقاة ربك، فما اطيب ان تقود هذه المظاهرات، وتسقط برصاص هؤلاء الطغاة، فتذهب لملاقاته على خير ما يلقي المؤمن من وجه ربه الكريم، شهيدا في سبيله، وفي سبيل الدفاع عن حرماته(28).
   وعندما سمع الشيخ كلام ولده، اغرورقت عيناه بالدموع، وخاطب تلك المرأة قائلا:-
 «يا مس نيوتن.. هذا ما يقوله ولديب وفلذة كبدي، فماذا يقول الناس...؟ واعتقد ان ما سمعته هو فصل الخطاب ورد الجواب».
   وعاد الوفد بخفى حنين....
    قامت مظاهرة القدس كما أسلفنا، كما خرج عبد القادر بأول وسام يناله من هراوات البولينس، وقبل مظاهرة يافا، حاولت السلطة مرارا، لحمل الزعيم على الغاء دعوته فرفض، مع أنه كان يعلم ان الانجليز سيبطشون بالعرب، وكان- رحمه الله- شفوقا رقيق القلب، فخشي ن تزهق نفوس الكثيرين، فاحتار في أمره، فعقد في بيته عدة اجتماعات للتشاور مع القادة والشباب، فكان يجد من الجميع عودا صلبا واستعدادا للبذل والتضحية، ولعل ولده عبد القادر كان أشدهم حماسا وتقريعا لكل من تسول له نفسه بالرضوخ لطلب الحكومة، كما خرج عبد القادر بثاني وسام يناله في هذه المظاهرة، حيث أصيب برصاصة في كفه، عندما كان يقاوم الجنود الذين كانوا يطلقون النار على المواطنين العزل بلا هوادة.
عبد القادر في دائرة تسوية الاراضي(29)
   لجأ المندوب السامي (آرثر غرينفل واكهوب 1930 - 1935) مرة ثانية الى سياسته الفظيعة التي كانت تهدف الى امرين:-
  1- اقتناص أبناء العائلات الكبيرة، والشبان والوطنيين، واغراؤهم بالوظائف الحكومية ذات المرتبات الضخمة.
  2- ادعاء صداقة القرويين والاهتمام بمصالحهم، مستهدفا ايجاد شقة خلاف بين المدن والقرى من ناحية، وبالتالي بين القرويين أنفسهم، وبين الزعامة الوطنية من ناحية اخرى.
  ولا يفوتنا هنا أن نؤكد على حقيقة وهي: أن سياسة الانتداب كانت تقوم على توظيف الشباب المسيحين فقط، ولكن بعد انشاء (جمعية الشباب الفلسطيني المسلم المتعلم)، التي أسسها عبد القادر وفوزي الغصين، راح المندوب السامي يسعى بكل جهده لتوظيف الشباب المسلمين، بعد أن رأي فعالية وتصميم هذه الجمعية، وفعلا تم توظيف (25) شابا مسلما وكان عبد القادر الرقم (السادس والعشرين).
   عاد المندوب السامي ليعرض على عبد القادر وظيفة كبرى، لم يكن يتيسر لعربي مسلم من أهل فلسطين، وفي سن عبد القادر أن يحصل عليها، فما كان منه الا أن سارع الى قبولها، خصوصا وانها كانت في ادارة تسوية الأراضي وبمرتب ضخم (36 جنيها فلسطينا شهريا). وذلك سنة 1934م كان المندوب السامي يهدف الى:-
  1- اشغال عبد القادر بشؤون الأرض والزراعة، وابعاده عن مجال السياسة.
  2- وضع عبد القادر نفسه تحت بصر الحكومة وسمعها.
   ولكن عبد القادر كان يهدف الى أعمق مما يتصور المندوب، فوافق على استلام هذه الوظيفة، بعد أن أيقن بأهميتها، لأنه يستطيع تحت ستارها أن يتصل باخوانه المواطنين والفلاحين في القرى المختلفة، لأنهم يمثلون (جوهرة الثورة).
   استغرب الجميع كيف قبل عبد القادر هذه الوظيفة، وهو الرجل الذي نذروه لمهمة اكبر، واعتقد الذين لا يعرفونه، أن الوظيفة قد أغرته، وان الامة قد خسرت عبد القادر، وفقدت عنصرا اساسيات من عناصر نهضتها الجديدة، ولا شك.. أن عبد القادر قد قدم اكبر تضحية شخصية، وفي سمعته الوطنية بقبوله الوظيفة، ولكن الذين كان يتصل بهم أقروه على اقدامه، لأنهم أدركوا هدفه الاصيل.
   كان عبد القادر يعلم أن الاستعمار الذي أراد خلق اليهود من العدم، أراد أن يستغل هذه الدائرة، ليبعث بأراضي فلسطين وبحقوق أصحابها الشرعيين، تمهيدا لتقديمها لقمة سائغة لليهود، لهذا قبل عبد القادر الوظيفة، لكي يطلع على أساليب الحكومة وطرقها، في تسيير أعمال اليهود وتسهيل اقامة دولتهم، وليقف بنفسه على وسائل وأسباب النفوذ اليهودي، الذي جعل حكومة الانتداب من اكبر رأس فيها، والى اصغر موظف، أدارة طيعة للوكالة اليهودية، خاصة في هذه الدائرة التي كانت تتحكم بالامور وتفصل في القضايا الخاصة بالارض، وليتصل بالقرويين والملاكين والمزارعين ويكشف لهم عن أساليب الاستعمار، ويدافع عن حقوقهم ومصالحهم، التي لم تؤلف دائرة التسوية، الا للقضاء عليها خدمة لليهود، وليحول دون تحقيق سياسة الانتداب، ومن ناحية أخرى ليعمل تحت ستار عمله الرسمي، علي تنظيم جهود القرويين عامة وشبابهم خاصة، واعدادهم لليوم المنتظر، لأنهم يمثلون القاعدة الارتكازية للثورة.
   استطاع عبد القادر أن يوقف أراضي (16) قرية عربية، حتي يمنع استيلاء اليهود عليها، وكثيرا ما كان يتصل بمخاتير القرى التي تنوي الحكومة مصادرة أراضيها، ويطلعهم علي المخطط الاستعماري، حيث يقوم أهل القري بزراعة هذه الأراضي فورا بالزيتون، حتى لا تعتبر من الاراضي البور، (وكان- رحمه الله- يقف في وجه كل من تحدثه نفسه بيع أراضيه للصهيونية، وأذكر حادثة من هذه الحوادث الكثيرة، فانه لما علم أن قسما كبيرا من أراضي قرية (بتول) او بيت ايل كادت تتسرب الي الجمعيات الصهيونية، فما كان منه الا أن أوقف معاملة البيع، وتقدم هو وبعض من اخوانه المواطنين، واشتروا الارض وهكذا انقذها من الضياع، وكان دائما يحث المواطنين على التمسك بأراضيهم لتبقى عربية خالصة لهم ولأبنائهم من بعدهم، ويعظهم قائلا:-
   «ان هذه الاراضي وبالأحرى هذا الوطن، مجبول بدماء الآباء والاجداد، فعلينا أن نحافظ عليه بدمائنا».
    وقد استطاع بحسن تدبيره وسياسته، أن يعرقل ويوقف كثيرا من المعاملات والصفقات، التي كانت على وشك الضياع(30).
   شارك عبد القادر في جهوده في دائرة التسوية، مفرزة من العاملين الشرفاء ومنهم:- (صالح الريماوي ونافذ الحسيني وأحمد حسين الغول وأميل الغوري وعلي حسين الحسيني، الذي كان يعمل مهندسا).
   وهكذا دخل عبد القادر في صميم الادارة الانجليزية، التي كانت تهدف الى تمكين اليهود في فلسطين، ليضع أولا نظاما عربيا، يختطه الموظفون العرب من المخلصين في تلك الادارة للدفاع عن حقوق قومهم وأراضي وطنهم، وثانيا ليتخذ طورا جديدا من أطوار جهاده في سبيل امته وعروبته، وكان هذا الجهاد يتجه وجهتين:-
    الاولى: داخلية تتعلق بنظام التوظيف وبنسبة الموظفين العرب عموما والمسلمين خصوصا، الي اليهود وحتى اليونان والأرمن، والتفريق في المعاملة بين الموظفين العرب وغيرهم.
   الثانية:  مهنية، وهي ما تتعلق بما يباشره من أعمال فرز الأراضي وتسجيلها، والنظام الذي وضعه الانجليز لنزع هذه الأراضي من أيدي العرب، وتسليمها لليهود عن طريق البيع اذا كانت أراضي مسجلة باسم شخص معين، أو عن طريق الهبة اذا كانت اراضي مسجلة باسم شخص معين، أو عن طريق الهبة اذا كانت اراضي اميرية او مشاعا لأهل القرى او العشائر.
  اما فيما يتعلق بالناحية الاولى(31) «فان عبد القادر لم يسمح للرؤساء الانجليز في يوم من الايام، أن يتطاولوا عليه، ولا أن ينكروا عليه حقا من حقوقه، بصفته موظفا عربيا مسلما، كالاستراحة يوم الجمعة بدلا من يوم الاحل، (كما كان اليهود يستريحون يوم السبت)، وتخفيض ساعات العمل في شهر رمضان، كذلك فيما يتعلق بنسبة الموظفين العرب المسلمين في دوائر الحكومة بالنسبة الي باقي الموظفين، فقد كانت خطة الانجليز:
  1 - لا يجوز ان يصل عربي (مسلما كان ام مسيحيا) الى وظيفة كبرى، وانما يقتصر هذا النوع من الوظائف على اليهود والانجليز، وبعض الأجانب من اليونان والأرمن وغيرهم.
  2- وظائف الدرجة الوسطى تكون الأغلبية الساحقة لليهود، ثم يتبعهم المسيحيون من العرب، ويأتي المسلمون في الدرجة الثالثة.
 3- اما الوطائف الصغري كالفراشين والسعاة والخدم والعمال، فكانت تسخو بها حكومة الانتداب على العرب المسلمين، مع اشارك من فاتهم الحظ في وظائف الدرجة الوسطى، من المسيحين الأميين.
 ؛- ان حكومة الانتداب لم تكن تصدر قرارا بتوظيف موظف ذي بال في دوائرها، الا بعد أن يصدر لها الاذان من الوكالة اليهودية، التي كانت هي الحكومة الفعلية لفلسطين في عهد الانتداب.
   لقد رأي عبد القادر ذلك جميعا بأم عينه، ووجد أن اليهود يحكمون فلسطين بالفعل، وان الانجليز ليسوا الا أداة يستخدمها هؤلاء اليهود، ويستغلونها الي أبعد الحدود، ولمس بنفسه مقدار الغبن الواقع على أهل البلاد، وعلى الخصوص (المسلمين منهم)، ونوع المعاملة المهنية التي يعاملون بها، فشمر عن ساعديه، ووقف لهؤلاء الطغاة بالمرصاد، وأخذ يحاربهم فغي دوائرهم، وعلي صفحات الجرائد ولم يأل جهدا في الدفاع عن حقوق العرب المهضومة، ولقد كان لموقفه الرائع هذا أثر كبير في تخفيف عنجهية هؤلاء الطغاة، وفي تغيير معاملتهم للعرب المسلمين الى حد ما، ولقد كان هو نفسه مثلا رائعا وقدوة حية لهؤلاء الموظفين، فأعاد لهم كثيرا من ثقتهم المفقودة، وكرامتهم المهيضة.
   اما فيما يتعلق بالناحية الثانية (وهي التي رضي عبد القادر أن يسلك في عداد موظفي الحكومة من اجلها) على شدة استغنائه عن الوظيفة لفرط غناه، ولسمو جاهه وعلى كراهته لها. ففي خلال السنتين اللتين قضاهما موظفا في حكومة الانتداب، أتى بالأعاجيب في هذا الباب، ورسم سياسة مثلى لما يمكن للموظف العربي المخلص، أن يفيد به قومه، وأن يكف عنهم الكثير من الأذى.
   عين عبد القادر أول ما عين في فرع الادارة العامة للتسوية في يافا، ولما كانت وظيفته هذه، وظيفة مكتبية، فان مجال نفعه لقومه بها كان محدودا، ولذلك أخذ يترقب الفرصة المناسب، التي تمكنه من خدمة قومه علي أوسع نطاق بفارغ الصبر، فلم تمض بضعة أشهر حتى استجاب الله دعاءه، وحقق أمنيته، فعين مديرا لمعسكر خارجي للتسوية في منطقة اللد، الذي يشمل (يافا وتل ابيت وبتاح تكفا (مستعمرة ملبس) والرملة)، وكانت هذه المنطقة تمثل المنطقة الوسطى الغربية التي بلغ النفوذ الصهيوني فيها أقصي مداه، حيث كانت أراضيها المطمح الأول لخطط الوكالة اليهودية. وهنا بدأ عبد القادر أول جهاد حقيقي في سبيل عروبة فلسطين، حيث وقف يذب بما أوتي من قوة عن أراضي فلسطين المقدسة، ويجاهد بكل وسيلة لاحباط خطط اليهود، ولقد نجح في ذلك نجاحا باهرا، وأعاق خطط التوسع اليهودي سنوات طوالا «(وليت شعري لو لم يقيض الله عبد القادر لهذه المنطقة ولم يؤيده بروح من عنده، لرد كيد اليهود والانجليز الى نحورهم... فكم من الاراضي التي ظلت في يد العرب وباسمهم في تلك الناحية، كانت ستقع غنيمة باردة في أيدي اليهود، واغلب الظن أنها جلها ان لم يكن كلها، كانت ستسلم ليد اليهود بمكرهم وبعسف الانجليز)(32).
   كانت اراضي فلسطين العرية في هذه المنطقة، وفي جميع المناطق تقسم الى ثلاثة أقسام:-
  1- النوع الاول: وهو أقلها مساحة وأندرها بيعا، وهي قطع صغيرة من الاراضي، التي تكون ملكا لاشخاص معيني، وهذه يجوز عليها البيع والشراء ويسهل، وبالرغم من هذا، فان حصول اليهود على قطعة منها كان عسير المنال، ولم يكن اليهد بمستطيعين الحصول على النادر منها، الا بشتى المجهودات والحيل...، منها أن يلجأوا الى بعض (خربي الذمة من العرب) الذين تخصصوا في خدمة اليهود، وكان يطلق عليهم اسم (السماسره)، وهؤلاء كانوا قليلين جدا في فلسطين، ومع ذلك فقد قتل الشرفاء أكثرهم وأكثر باعة الأراضي.
   كان اليهود يلجأون الى مثل هؤلاء، فيغدقون عليهم الأموال فيأتون الى اصحاب تلك القطع، ممن يسهل خديعتهم ويعرضون عليهم شراءها بالثمن الباهظ، فيبيع بعض هؤلاء ما يخصهم من الاراضي القليلة، بعد أن يطمئنوا الي أنهم انما يبيعونها الى عرب، خصوصا وان الانجليز يكونون قد اثقلوا كاهل صاحبها بالضرائب المعجزة، التي ينوء بها كاهل المالك، والتي تزيد أضعافا مضاعفة عما تنتجه (هذه الارض) بالفعل. وغالبا ما تكون هذه الاراضي واقعة بين مناطق يهودية، مما يجعل استغلال صاحبها ومالكها متعذرا، «على أننا لا ننسى بهذه المناسبة أن ننص على أن مئات القطع من هذا النوع، والتي كانت في قلب مناطق يهودية، تحيط بها عشرات الكيلومترات من كل جانب، والتي انقطع أمل اصحابها في الاستفادة منها بأية حال، بل أكثر من هذا بدأ اليهود ينتفعون بها، بالفعل أقول ان مئات القطع من هذا النوع أبى اصحابها- واكثرهم في أمس الحاجة- بيعها لليهود، ورفضوا أن تدنس ايديهم بالتوقيع علي اخراجها من أيدي العرب الى أيدي اليهود، مع أن منها ما دفع فيه العشرات من الألوف بل المئات من الالوف من الجنيهات، وهي في واقع الامر لا تساوي عشرات من الجنيهات، ولا يستفيد منها أصحابها شيئا، بل جاوز الأمر بكثير منهم، أن قتلهم اليهود في أراضيهم نفسها، والتي أنفوا أن يتركوها بأي ثمن، وعلي ما اقول شواهد لا تحصي»(33).
   وقف عبد القادر يدافع عن هذا النوع من الاراضي دفاع المستيمت، وأخذ ينبه الغافلين من العرب «ان التفريط في أي شبر منها، انما هو تفريط في الدين والعرض والوطن، وتمهيد لهلاك البائع وقومه» واخذ يعرف أصحاب الأراضي بحقيقة السماسره، ويفضح لهم أساليبهم وأهدفهم وغاياتهم، وينذرهم بسوء العاقبة، ثم اثنى الى هؤلاء السمارة، فأوقفهم عند حدهم، وصارحهم بأنه لن ينتظرهم من عرب فلسطين الا القتل، وأن العرب لن يصبروا عليهم حتي يعذبهم الله في الآخرة، بل انهم ليسارعون باسم الله في توقيع العقوبة عليهم بأيديهم، في هذه الدنيا قبل الآخره. وطاردهم والح في حربهم حتى انحسرت موجتهم وضعفت شرورهم وآثامهم.
   النوع الثاني: وهو الأراضي الأميرية التابعة للدولة، وهذا النوع من الأراضي هو أكثرها مساحة، فقد تبلغ مساحة القطعة منه عشرات الألوف بل مئات الألوف من الودنمات، وهذه الأراضي هي التي وضعت حكومة الانتداب البريطانية يدها عليها، ثم قدمتها الي اليهود هبة سخية، وعربونا للوفاء، بعد أن أجلت اهلها المزارعين عنها بالقوة.
   النوع الثالث: هو الارض المشاع وهذا النوع عبارة عن أراض واسعة، تتبع أهل قرية أو عشيرة أو قبيلة، على وجه الشيوع لا التعيين، وكان الشيوع فيها من الأسباب التي شجعت الانجليز علي نزعها من أهلها، ووضع اليد عليها بحجة تخريجها (اي اقامة غابات فيها)، ثم تسليمها لليهود فيما بعد. «وهنا صال عبد القادر وجال، وتفانى في حفظ عروبة هذه الأراضي، وابقائها في أيدي اهل البلاد، ولجأ في ذلك الى التعجيل بتسجيلها باسم شخص او اشخاص، ممن يأمن اهل القرية جانبهم، ويثقون بهم حفظا لها من عدوان العادين وسلب المغيرين وعبث العابثين، ولقد اقتنع اهل القري والعشائر بحكمة عبد القادر الظاهرة في هذه العملية الوقائية، وآنسوا فيه اخلاصا لقضية الأض، وحرصا علي بقائها في أيدي أصحابها الأصلييين، فطبقوا طريقته وأعانوه علي تنفيذها، وقد بلغ اعتمادهم عليه وثقتهم به درجة جعلت الكثيرين من اهل القري، يصرون على تسجيل مشاع بلادهم باسمه، موقنين انهم بعلمهم هذا، انما يسلمون ارضهم الى خير من يحفظها ويقدم حتي نفسه في سبيل بقائها عربية).
   لم يكن اليهود بغافلين عما يدبر لهم عبد القادر، وعن وقوفه لهم ولأعوانهم بالمرصاد، وشعروا بأن عليهم أن يتخذوا في شأنه امرا، والا أفسد عليهم أمرهم وأعاق استيطانهم.
   «كان عبد القادر يعسكر بجوار مستعمرة بتاح تكفا (ملبس العربية) وهي أْدم مستعمرة في فلسطين، أسست في العهد التركي، فأرسل له (ابراهام نيخو) رئيس المستعمرة سيارة فاخرة علي سبيل الرشوة، قاصدا بذلك أن تكون أول الثمن الذي يشترى به عبد القادر، ولكن عبد القادر- الذي كان لا يشتري بمال- رفض هذه الهدية اليهودية، وأفهم سول (ابرهام نيخو) انه ان نجح هو وصحبه اليهود في شراء كثير من الناس، فان عبد القادر ومن كلان على شاكلته من رجال العرب، ليسموا ممن يباعون ويشترون، فليوفر على نفسه عنائها وليحتفظ بسيارته وهداياه (الكريمة) الى من يقدرها حق قدرها، ويؤمن بقيمتها ويتقبلها بقبول حسن.
   لم ييأس ابهرام نيخو ولا اليهود، فأعادوا الكرة، وانما في صورة جديدة تدريجية، فأوعزوا الي احد اذنابهم من العرب، ان يتقرب من عبد القادر، ويظهر له الصداقة والود، ثم يجره الى المستعمرة، وهناك ينتهي عمله حيث تقوم (سارة واستيروراشيل..) وخمر ريشون ليستيون- هذا السلاح الذي انتصروا به في ملايين المعارك، التي يفضح بها تاريخهم المخزي - بالباقي.
   اخذ هذا الوجيه العربي يتقرب الى عبد القادر، ويظهر له الود والاخلاص، ويكثر من تملقه وامتداح سجاياه، وعبد القادر يستقبله كعادته بالبشاشة والترحاب، حتي اطمأن هذا الرسول الي قرب نوال مأربه. وفي ذات يوم اختلق هذا الرسول مناسبة، ودعا عبد القادر الى المستعمرة، بحجة استكشافها والترعف عليها، وهنا أدرك عبد القادر المكيدة، فثار ثورة الأسد وقال له: ويلك.... اما تتقي الله؟ ألا يكفيك انزلاقك فيهذه الهوة، حتى تبيح لنفسك ان تغرر برجل طاهر مستقيم لتجره معك الى سقر؟ والله ان علمت أنك- بعد هذه المرة- علي صلة بهؤلاء اليهود فليس عندي من جزاء الا القتل.
  وهكذا كان فلقد غاص قلب الرجل في جنبيه، واستخزي من فعله، واستخذي أمام عبد القادر وقال له: «اشهد فأني تائب علي يديك»(34).
   وعندما رأى اليهود فشل مكائدهم وتأكدوا من أن عبد القادر صخرة لا تلين، وجبل راسخ لا تستميله الشهوات، ورأوا أنه وهو في هذه المنطقة الحيوية لخطتهم التوسعية للاستيلاء علي ارض فلسطين، يقف كالشجى في حلوقهم، ولا يستطيعون معه ابتلاعا للقمة جديدة، رفعوا امرهم الى الوكالة اليهودية، التي سارعتن بابلاغ ارادتها السامية الي حكومة الانتداب، بوجوب نقل عبد القادر من منطقة اللد، فما كان من حكومة الانتداب الا أن بادرت الي تنفيذ هذه الرغبة والعمل بموجب هذه الاراده، فنقلته الى منطقة غزة التى كانت حتى ذلك الوقت من مناطق الدرجة الثانية بالنسبة لمخطط التوسع اليهودي.
   انتقل عبد القادر الى منطقة غزة، بعد أن أحس تماما بأن اليهود جادون لا يلعبون، ولا يضيعون وقتا لانجاح جميع مخططاتهم، وأن على عرب فلسطين أن يرعوا في التصدي، والا اخذهم السيل، ورغم ذلك فانه لم يقم الا فترة قصيرة في غزه، حتى تعرف بالمنطقة وأهلها وقدم لهم كل ما يستطيع من مساعدة، فما أن أتم مهمته، حتى قدم استقالته من الحكومة، وقد عزم في نفسه امرا.
   تعرف عبد القادر على الكثير من أهالي القرى، وانتقي منهم خيرهم، وشكل منهم خلايا سرية، فكان منهم: «علي محيي الدين الحسيني ومحمود العكرماوي ومحمد علي التايه وعاهد الريماوي ونجيب ترزي وجميل الفارس وفهمي العبد الله ولافي محمد سعادة وأخوه مروح الترمسعاوي وغيرهم، كما استطاع من خلال عمله، أن يتعرف على كافة التضاريس الجغرافية الميدانية في فلسطين والتي هيأت له فرص النجاح للعمليات الحربية، التي تولي قيادتها ضد الاستعمار البريطاني والصهيوني، كتب الدكتور قاسم الريماوي في مخطوطه:
   (حدثني الشيخ (رامز مسمار) في شباط 1948 في الخليل، حين بدأ عبد القادر ينظم شؤون الجهاد المقدس في معركته الأخيرة في فلسطين قال:-
   (كنت قاضيا للتسوية في غزه، وبينا أنا وبعض كبار الموظفين عند مدير التسوية في غزة، وكان ذلك يوم 19 نيسان 1936، اذا بشاب حدث السن يرتدي قميصا أبيض من الحرير، يقدم كتاب استقالته الي المدير ويقول له:-
  «لقد عرفت طريق الخلاص والوسيلة الوحيدة، التي تتحرر بها البلاد، وستسمع قريبا كيف أحاربكم انا وقومي يا معشر البريطانيين المسخرين في خدمة اليهود، في الجبال والسهول، وكيف ندافع عن أرض الآباء والأجداد شبرا شبرا» ثم انصرف.
   فتساءل البعض من هذا الفتي.. فقالوا: عبد القادر، فقلنا: أنعم به وأكرم، كريم من كرام ولكن ماذا.. هذا الاستثناء؟ كان هو التساؤل والاستغراب كيف يستطيع فتى مثل هذا الفتى، الذي ربي في أحضان النعمه، وعاش عيشة المترفين منذ طفولته الأولى ان يحقق ما قاله. وأن يأخذ على عاتقه القيام بهذا الوعد الخطير الذي سجله على نفسه؟ هل يظن بأن قتال الامبراطورية لعب وتسلية، أم يتصورها كما يكون بين فريقي كرة القدم التي طالما لعبها، يتصافى بعدها الغالب والمعلوب، ولا تنتهي بخسائر فادحة لأحد الطرفين، ثم هل يستطيع هذا الشاب الغرب أن يجوس في الجبال وأن يمشي على الأشواك والصخور، وينام في العراء، ويتعرض لعوامل الطبيعة القوية القاهرة من حر وقر وشمس ورياح وزوابع وامطار......»؟
    وهكذا كان... لقد تفرغ عبد القادر لهذه المهمة الشاقة، ليهب الثورة روحه ودمه وشبابه.


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الجمعة 13 مايو 2016, 9:02 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 8:59 am

الفصل الثالث

اضراب فلسطين العام

واحداث عام 1936م

   في أوائل سنة 1936م، لم يعد في نفوس العرب للصبر منزع، فقد رأوا بعيونهم الكارثة، وقد بدأت تحل بفلسطين، فتنادوا لدفع العدوان ودرء الخطر ومقاومة الانتداب والصهيونية فاتصل سماحة الحاج محمد امين الحسيني بكافة التنظيمات السرية في البلاد، وطلب منها تنظيم الصفوف،حتي يمكن مواجهة المستعمر بصورة اكثر دقة وشمولا، خاصة بعد استشهاد الامجاهد السوري الكبير (عز الدين القسام) في 11 تشرين اول 1935م، بعد ان اصطدمت قواته العربية بقوة بريطانية مسلحة في جبال جنين (احراش يعبد- بالقرب من قرية الشيخ زيد)، وقد كشف هذا الاصطدام عن وجود تنظيمات سرية تؤمن بالثورة المسلحة وتعد لها، مما دعا الحكومة الى التيقظ والحذر، كما دلت موجة المظاهرات التي جرت خلال تشييع جثمان الشهيد عز الدين القسام الي مقره الاخير، والاتسذكارات اللاحقة، على توثب الجماهير الشعبية، واستعدادها الثوري، لذلك كان من السهل ان تشتعل المعركة في اعقاب حادثة قطع طريق عادية جرت في 15 نيسان 1936م على طريق طولكرم- نابلس (قرب معسكر السجناء في نور شمس). اودت بحياة رجل يهودي، مما جعل الازمة تصل الى حد الانفجار(35).

  «ان هذه الحادثة اعتيادية، ولا علاقة لها بالسياسة، ولم يكن هذا الحادث الاول من نوعه، فلو وقفت حوادث ذلك اليوم عند هذا الحد، لما انفجرت البلاد حينئذ، ولما اجتاحت الثورة فلسطين، غير ان اليهود مزجوا بين الاعتداءات العادية والسياسية، فانتقموا بقتل رجل او رجلين من العرب الابرياء»(36).

  فبعد حادثة 15 نيسان 1936، قام اعضاء من منظمة الهاغناه بمهاجمة احد البيوت الخشبية العربية على طريق بتاح تكفا- كفار سابا- يركونة في 16/4/1936م، انتقاما لمقتل اليهودي وقاموا بقتل من فيه، وفي الوقت ذاته هاجمت مثل هذه العناصر، المواطنين العرب في المنطقة المتاخمة لتل ابيب.

   توحي كافة الدلائل بان القيادة الصهيونية، كانت تخطط للصراع بين العرب واليهود تساوقا مع الامبريالية البريطانية، فما ان اذيع نبأ مقتل اليهودي، حتى اجتاحت المظاهرات تل ابيب والمنطقة  المتاخمة لها، ووقعت حوادث اعتداءات على المواطنين العرب في يافا، استنفرت بدورها اعتداءات مماثلة على اليهود.

   وما ان حل يوم الاحد 19/4/1936م حتى كانت يافا مضربة احتجاجا على الاعتداءات وسرعان ما شمل الاضراب عمال الميناء، ثم امتد الى النقليات، وبعد ذلك انفجر الموقف في كافة انحاء فلسطين وعندئذ تحركت فئات قومية، واذاعت بيانا اعلنت فيه (ان سياسة الوطن القومي اليهودي هي سياسة غاشمة، وان تجربة حكم شعب بخلاف رغبته وارادته، هي تجربة فاشلة، وجاء في بيان اللجنة القومية التي تألفت حالا في اجتماع وطني «ان المجتمعين يعلنون مبدئيا الاضراب العام في يافا، اعلانا لسخط العرب على سياسة السلطات الفاسدة، التي يقصد منها ابادة العربي في بلده العربي)(37).

  وفي 20/4/1936 اعلنت نابلس الاضراب تضامنا مع يافا، وسارت قيادة الاحزاب القومية في مجري التيار، فاعلنت يوم 21/4/1936م الاضراب العام في البلاد.

   كما قررت اللجنة العربية العليا، المنبثقة من اتحاد كافة الاحزاب، ان تستمر البلاد في الاضراب حتي تغير الحكومة من سياستها، على ان تكون اول بادرة على ذلك التغيير، وقف الهجرة اليهودية، ولكن الانجليز ابوا مرة اخرى ان يستمعوا الي صوت الامة، واستمروا في الابتعاد عن جادة العدل، وفي 18 ايار 1936 ألفت الحكومة البريطانية رسميا دعوتها الوفد العربي الى المفاوضات في لندن، واصدرت بيانا جاء فيه:

  «ان الوفد العربي المقترح، لم يعد ملائما للاحوال التي نتجت، وانه بدلا من ذلك يجب اجراء تحقيق في فلسطين، ولهذا قررت الحكومة بعد ان يعاد النظام، ان تشير على صاحب الجلالة بان يعين لجنة ملكية لتبحث في اسباب اللق وشكاوى العرب واليهود المزعومة، دون التعرض لنصوص الانتداب»(38)

   ثارت ثائرة الامة لهذا التحدي السافر، واشتد عزمها، وصممت على الاستمرار في الاضراب، وراحت السلطة البريطانية تكافح العرب بالحديد والنار، فشردت الزعماء، وزجت بالالوف في المعتقلات، ونسفت المدن والقري، وفرضت الغرامات المالية الجماعية الباهظة، وحكمت علي الكثيرين بالاعدام، واستعملت كل وسائل القمع لاتفه الاسباب، ورغم ذلك فما زال الشعور يزداد غليانا والقلوب ايمانا.

   ففي اليوم الثاني للاضراب تم حرق مستعمرة (تل شوق/ قرب بيسان)، ثم جري بعدها احراق مئات الدونمات من الاراضي المزروعة حنطة في الجليل وسهل مرج بن عامر، وفي السهل الساحلي وقد ساهم سائقو القطارات العرب مساهمة فعالة في اشعال الحرائق في الحقول اليهودية عندما كانوا يلقون النار والمشاعل، وهم يقودون القطارات، وكان هناك هدف آخر للثوار العرب (وهو احراج الكيرن كاييمت)، حيث تم احراق عشرات الالاف من الاشجار، ففي حرش مستعمرة (مشمار هعيمق) لوحدها، تم احراق عشرين الف شجرة، كما احرقت المصانع و المستودعات ومن الجملة تم تدمير المحاجر اليهودية في مجدل صادق (قرب تل ابيب)، وهي التي كانت تمد عمليات البناء اليهودية بكافة ما يلزمها، وهكذا توقفت عملية البناء لفترة طويلة، كما جاء دور قطع الاشجار المثمرة وحدث في بعض الليالي ان تم اقتلاع آلاف الاشجار، كما جري جلب قطعان الاغنام والابقار، وجعلها ترعى حقول المستوطنات الصغيرة، وتم بتاريخ 28 نيسان من العام نفسه اقتلاع 6000 شجرة من الحمضيات من حقول مستعمرة (بيت يوسف) القريبة من بيسان)(39).

  كما وصلت العمليات الى ذروتها في آب 1936م، فقد تمت محاصرة كافة الطرقات الموصلة الى المستوطنات اليهودية وتم التعرض لكل من يمر فيها، واعترفت الجهات الصهيونية انه تم خلال الفترة الواقعة بين بداية الاحداث وانتهاء الاضراب:

   «مقتل 80 يهوديا وجرح 396، كما وقع حوالي 1996 هجوما على المستوطنات اليهودية، و 895 عملية ضد الممتلكات اليهودية، وكذلك تدمير مائتي الف شجرة واتلاف حوالي (17) الف دونم مزروعة بالحنطة، وحدثت ايضا 380 عملية هجومية ضد سيارات الباص والقطارات و 895 هجوما على الشرطة والجيش والدوائر الحكومية»(40).

  (وتم القاء وزرع 1369 قنبلة، وكذلك هدم مئات البيوت والمصانع والمشاغل)(41)

   وكان اخطر قرار اتخذه مؤتمر اللجان القومية، الاعلان بالاجماع عن الامتناع عن دفع الضرائب، اعتبارا من 15 ايار الحالي (1936م) اذا لم تغير الحكومة سياستها تغييرا اساسيا، تظهر بوادره بوقف الهجرة اليهودية)(42).

  لقد برهنت ثورة 1936 على طاقة الشعب الفلسطيني وارادته الجارفة، وبأسه في الصمود، ورغم ذلك فقد رفضت القيادة الصهيونية مجرد الاعتراف بحركة الشعب العربي، واصرت علي وصفها بالاجرام والوحشية، ولم يكن في وسعها ان تتصور طاقاتها على الثورة والبطولة، «فكانت ثورة منظمة ضد الحكم البريطاني وضد الوطن القومي اليهودي على السواء»(43).

   ويجمع الكتاب الذين عاصروا تلك الفترة، على ان الثورة كانت من صنع الفئات الشعبية، لا كما تصورها المحافل الصهيونية، التي زعمت ان الثورة وكأنها شغب نظمته فئة معينة، (واخذت قساوة البوليس واعتداءاتهم على افراد الشعب في الازدياد، وامعنت الحكومة في سياسة الاعتقال والحبس، فبلغ اهل طولكرم صباح السبت 23 ايار 1936 ان الحكومة قد اعتقلت اعضاء اللجنة القومية، فثاروا وتقلدوا سلاحهم سائرين نحو المدينة فتقابلوا مع قوة عسكرية ذاهبة الى نابلس، فاشتبكوا معها بالقرب من بلعا، وتبادلوا معها النيران من الساعة التاسعة صباحا حتى المساء، فتحولت الاضطرابات الى ثورة حقيقية، كانت هذه الموقعة من اهم معارمها(44).

   وهذا ما اكده امين سعيد (45) وعيسى السفري(46) الذي اضاف قائلا:

    «ان الجنود البريطانيين اطلقواذ النار على مظاهرة عربية في نابلس، في اليوم ذاته، فقتلوا اربعة من المواطنين، وجرحوا سبعة، وذاعت اخبار هذه الفاجعة في القرى، فتسارع اهلها للنجدة وانتشرت جموعهم في الجبال والوديان وعلى مفترق الطرق، مسلحة بالبنادق وغيرها من انواع السلاح.

   كما اكد في كتابه ان لسكان القرى كان النصيب الاكبر في تأييد الثورة وتغذيتها، فقد اشتركوا في معظم الاعمال الثورية بكل ما وصلت اليه ايديهم.

   ووصف عدد من الكتاب العرب الذين عاصروا تلك الفترة ابرز المعارك الحربية الدامية، خلال الاضراب التاريخي الكبير، الذي امتد ستة اشهر كاملة، وكان من اهم المعارك التي وقعت: نور شمس (طولكرم) ووادي عزون وباب الواد وبلعا وعصيرة الشمالية ووادي عارة وعين دور (الناصرة) ومعركة الخضر (بيت لحم) وغيرها.

   ولاحظ امين سعيد مثلا ان (5000) جندي بريطاني تشد ازرهم الدبابات والمدفعية الثقيلة، و15 طائره اشتركت في معركة بلعا الثانية، في 13 ايلول 1936م ولم تحسم شيئا.(47)

   وبلغت القوة البريطانية في فلسطين آنذاك (20الف) جندي حسب احصاءات الحكومة و (25 ألفا) حسب تقديرات الكتاب العرب والاجانب، وتعاونت معها قوات البوليس العادي والبوليس الاضافي اليهودي، التي جندتها السلطات البريطانية نم صفوف الهاغناه، وبلغ عددها (5000) بوليس، ومع ذلك فلم تستطيع هذه القوات القضاء على الثورة عسكريا علي الرغم من نجاحها في اقتناص حوالي (3000) شهيد.

  ان بسالة الثورة وصمود الشعب العربي، الذي اشعلها، يظهران على حقيقتهما ازاء عمق القمع الوحشي، فالحكومة البريطانية البريطانية لم تدفع الي ميدان القتال بهذه القوات العسكرية والبوليسية المجهزة احسن تجهيز فحسب، بل استخدمت اوحش اساليب القمع لتدمير معنويات الجماهير وافقارها، ومن ثم عزلها عن الكفاح، وهكذا فرضت الحكام العرفية على البلاد في 30 ايلول 1936، كما اقامت محاكم عسكرية تفرض عقوبات بربرية تصل حد الاعدام.

   وقد ترك عيسى السفري وصفا لما كان يجرى في البلاد فكتب:

    «كانت السلطة حين تشتبه بقريه ما، تأمر حالا بذهاب قوة كبيرة من الجند والبوليس،، بدباباتها ومدافعها الرشاشة وكامل اسلحتها، الي تلك القرية فتطوقها من جميع جهاتها، ويدخل فريق من الجند الي القرية ويطرقون ابواب بيوتها باعقاب بنادقهم بشدة، ويأمرون مختارها بعزل النساء عن الرجال، ثم يأخذ الجند بتفتيش بيوت القرية بين فزع النساء وعويل الاطفال، فيبعثرون محتوياتها ويحطمون آنيتها المملوءة بالسمن والزيت والحبوب ومختلف انواع الاغذية، وبانتهاء التفتيش يطلق الجند المدافع الرشاشة في الفضاء ارهابا»(48).

   ومن الاجراءات التي شاعت آنذاك، الغرامات الجماعية ونسف البيوت، لصدور طلقات منها او من مكان قريب اليها، ومهاجمة القرى وضربها بالرصاص بدون تمييز، وقد كانت قرية (قولة) المجاورة للد والرملة، ضحية هجوم عنيف بسبب اطلاق مجهول النار على دورية بريطانية(49).

    هذا وقد هز الرأي العام في فلسطين والعالم الخارجي، بنسف حي بأكمله في يافا، في حزيران 1936، بحجة تجميل المدينة، كما هزته حوادث النسف في نابلس واللد وحيفا وغيرها، وقد ادانت محكمة العدل العليا برئاسة قاضي القضية (ميخائيل مكدونلد) هذه الاجراءات واكدت في قضية نسف الحي في يافا «كان يشرف الحكومة لو انها بدلا من ان تذر الرماد في العيون، بادعائها ان الموحي لعملية الهدم هو التحسين والتجميل والعلم لتنظيم المدينة، او رعاية الصحة العامة، ولو انها قالت بصدق وبساطة: ان الهدم المنوي اجراؤه كان المقصود الاساسي منه الدفاع عن فلسطين- يعني كما يجوز ان يعتقد كل شخص- التسهيل لدخول القوي العسكرية الى الاحياء التي تغص بالسكان في المدينة المذكورة»(50).

   وعند اندلاع التورة الفلسطينية في 1936م، ومجيء اللجنة الملكية بعد ذلك، ووسط الحديث عن توصيات التقسيم، اخذت الحركة الصهيونية «بانتهاج خطة استيطانية مدروسة تعتمد علي سياسة فرض الأمر الواقع، واقامة المستوطنة بين عشية وضحاها، أي خلال ليلة واحدة في اماكن معينة ومحددة، دون اذن من السلطات محاطة بالاسلاك الشائكة، ويبرز في وسطها (سور وبرج) يطل من فوقه الحراس المستوطنون، ليعلنوا ان هذا الامر الواقع، هو الذي سيحدد الخريطة المستقبلية للدولة اليهودية، وليست توصيات اللجنة الملكية او اية هيئة دولية»(51).

  ويبدو ان اول من فكر بهذا النوع من المستوطنات هو (شلومو)، عضو كيبوتس (تال عمال) الذي اقترح اقامة سور مصنوع من الاخشاب المليئة بالحصى، على شكل مربع ضلعه (35) مترا، ويتحوي بداخله على اربعة منازل بسيطة، ويقام عند زاوية منه موقعان عسكريان ويحاط بسور من الخارج باسلاك شائكة، ويقام في وسط السور برج عال يحتوي على كشاف يشعل بواسطة مولد كهرباء)(52).

    «ولا نبالغ اذا قلنا ان خطة (سور وبرج) قد حددت سلفا خريطة الدولة اليهودية في فلسطين قبل عشر سنوات من قيامها»(53).

عبد القادر يقود الثورة الاولى

  لم يكن عبد القادر الحسيني في يوم من الايام يؤمن بالسياسة بمدلولها الحاضر، وانما كان يؤمن بان الغازي يجب ان يصد، وان المغير يجب ان يستقبل بالقوة، وانه ليس اضيع من قوم ضعفاء يأملون العدل عن طريق التفاوض من غزاة اقوياء، ولذلك كان يعرف تماما ما ينبغي ان يصنع، وقد اتضحت له طريقه، حيث عين بعد استقالته مديرا لمكتب الحزب العربي الفلسطيني، الذي كان الممثل الوحيد للخلص من الوطنيين والمجاهدين من عرب فلسطين.

   كان عبد القادر قد تعرف- كما ذكرنا- على اهل القرى (زبدة الخير في فلسطين)، والذين حملوا عبء الجهاد في كل مراحل كفاح فلسطين، حيث كون معهم صداقات وطيدة، وتبودلت الثقة بينه وبينهم، واعجبوا بكامل خصاله ونبل خلاله، كان ذلك في شهر نيسان 1936،وهو الشهر الذي بدأت فيه فلسطين اضرابها التاريخي، الذي استمر ستة اشهر، مصحوبا بمظاهرات الاحتجاج على سياسة حكومة الانتداب.

   كان عبد القادر يعلم علم اليقين، ان مجرد المظاهرات والاحتجاجات لا ترد حقا ضائعا، ولا يعيد وطنا مغتصبا، وانه لا يفل الحديد الا الحديد، وان الغزو يجب ان يقابل بالكفاح المسلح، وان تبذل الارواح رخيصة في سبيل الذود عن المقدسات والحرمات.

   كتب المجاهد المرحوم الدكتور قاسم الريماوي في مخطوطه:(54)

    «اذكر بهذه المناسبة، انه قامت مظاهرة كبرى في القدس، فجمع الانجليز قواتهم، واخذوا يفضون تلك المظاهرة بقوة السلاح، وقبضوا على الكثيرين، وكنت انا والشهيد (فريد العوري) من بينهم- وكنا طالبين في السنة النهائية- فاخذوا في ايذائنا، واتهمونا بأننا السبب في تلك المظاهرة، وبينما نحن في مركز البوليس، والضابط الانجليزي يحقق معنا، فاذا بعبد القادر- وكان مديرا للحزب العربي- يدخل غاضبا الى القسم، ويصب على الضابط سيلا من اللوم والتقريع والاهانة على حجزنا، ويطالبه باخلاء سبيلنا على الفور، والاساءت العاقبة، وهكذا كان.. فلم يخرج عبد القادر الا بنا، وهنا قال: اذهبا الى بيتكما، وسآتي في المساء لزيارتكما والتحدث اليكما، وفي المساء حضر عبد القادر الى بيتنا كما وعد، وكان عندي فريد العورى وجمع من الشباب ننتظر هذه المقابلة بفارغ الصبر، وهنا وجه الينا الحديث قائلا:

  «اخواني ان الامر جد، ان المظاهرات والاحتجاجات لا تغني عن وطننا المهدد شيئا، وانه ما لم نعد لهم بما نستطيع من السلاح والعدة. ونوطن النفس على بذل الدماء رخيصة في سبيل وطننا الغالي، فلن نزداد الا وبالا على وبال، ولن تكون النتيجة الا ضياع ارضنا وأوطاننا، ونحن نرى ذلك بأعيننا فهل تفهمون ذلك؟

  قلنا: «نعم فهمنا. وها نحن اولاء بين يديك. فمرنا بما تشاء تجدنا اطوع لك من بنانك»

  ومنذ  ذلك اليوم تلقينا الدرس الاول في الجهاد على يد امام المجاهدين.

  اختار عبد القادر نخبة منا، وكنا نذهب الى بيته، فيأخذ في تدريبنا على صنع المتفجرات وكيفية استعمالها، حتى اتقنا هذا الامر، وكان معظم نسف القطارات والقوافل اليهودية والانجليزية وبعض المنشآت الاستعمارية، والتي تمت فيها بعد، من ثمار هذه المدرسة التي أنشأها عبد القادر، حيث القي فيها خير الدروس المثمرة، في الصراع الذي وقع بيننا وبين اعدائنا.

   وانه لا يفوتني بهذه المناسبة، ان اذكر بالفخر والتمجيد اخي الكريم رفيق الصبا والشاب الغض الاهاب (فريد العوري) الذي انفجر فيه لغم كان يصنعه فقضى عليه، وكان بذلك طليعة الشهداء في كفاح 1936م وما بعدها.

 وفي رسالة كتبها المجاهد صالح الريماوي الى الدكتور موسى الحسيني يقول:

  «ابتدأ اضراب فلسطين العام الشامل في 19/4/1936، وما ان مضى على هذا الاضراب قرابة شهر، حتى ترك عبد القادر زوجته في بيارة بالقرب من غزة- حيث كان يعمل هناك ضابطا كبيرا في دائرة التسوية- بعد ان استقال على اثر الاضراب، ولما حضر الى القدس اتصل بي، وطلب مني ان اخلي بيتي الكائن في باب الساهرة- خلف المتحف الفلسطيني- فأرسلت الوالدة واولاد اخي الى قرية (بيت ريما) وبقيت انا والمرحوم، واقمنا في البيت حيث اطلعني على اهدافه ومشاريعه، وكان- رحمه الله- شعلة ملتهبة لا تنطفىء، وحركة دائبة لا تقف، ونشاطا متواصلا لا يهدأ، وحدثني- رحمه الله- عن اتصالاته بجميع القرويين، وانه ما قبل الوظيفة في دائرة التسوية، الا لهذا الغرض، وهو الاتصال بالشباب والاهالي من القرويين واصحاب الاراضي.

   اخذ يتصل بالشباب- في القدس والقرى المجاورة- وكانت الاجتماعات تتم في بيتي مرة، وبعضها في مكتب الحزب العربي، الذي كان في (حي المصرارة)، وبعد ان اعد كل شيء، ونظم الخلايا، اخذ يبتاع السلاح والذخيرة، وقد جعل بيته في الشيخ جراح مخزنا للاسلحة، وقد حاول ان يظهر البيت كأنه مهجور، ولا يسكنه احد ولما جمع كثيرا من الخرطوش، تبين ان كثيرا منه كان فاسدا وفساده ناتج عن فساد الكبسول والبارود الذي تحته فبدأ- رحمه الله- يصلحه، وعلمني كيف اصلحه، وبدأنا نشتغل ليلا ونهارا، بان نفرغ البارود ونزيل الكبسول الفاسد والذخيرة (البارود) الذي تحته، ونضع بارودا غير فاسد وكبسولا جديدا، ثم نعيد الرصاص، وبعد الانتهاء من اصلاح الكثير طلب حوالي 12 شابا منهم:

   «احمد علي (ابن مختار العيسوية) وعبد الرحمن علي (من لفتا) وخليل منون من (عين كارم) وجاد الله محمود الخطيب من (صور باهر) وآغا العمري (من بيت صفافا) والاستاذ سامي الانصاري وفريد العوري واجتمعنا في بيت صديق هو المرحوم (مصطفي الدزدار) وفي هذا الاجتماع اعلمنا انه سوف يخرج للجهاد، حيث تعاهدنا واقسمنا اليمين علي هذا العهد»(55).

   لمس عبد القادر النقص المالي، الذي يحول بينه وبين اعداد السلاح اللزام لهذا الصراع المقبل، ففكر في طريقة يتغلب بها علي هذا النقص، فهداه تفكيره الى جمع الغلال في موسم الحصاد (البيادر) من الفلاحين ثم بيعها، وشراء اسلحة بثمنها، فاتصل بالفلاحين لهذا الغرض فوجد منهم ترحيبا وطلب من المجلس الاسلامي الاعلى وعلى رأسه سماحة المفتي ان يقوم المجلس بهذه العملية، فقام بها، حيث تم لعبد القادر شراء وجمع بعض الاسلحة.

   حدثنا المجاهد الكبير (لا في محمد سعادة- ابو جهاد- من ترمسعيا قال:

   «كنت اعمل في البوليس البريطاني قبل هبة 1936م، ولما علمت ان عبد القادر بك يريد ان يكون نواة للثورة في منطقة القدس الشريف، تطوعت مسرعا وقمت بتدريب المجاهدين على استخدام السلاح وفن القتال، وذلك بالقرب من دار ابراهيم سعيد (قرب مقر دار الاخوان المسلمين)، وكان يساعدني في التدريب اخي الشهيد (مروح محمد سعادة) الذي استشهد في الشيخ جراح بتاريخ 19 ايار 1948، حيث اصطدم هو ورفاقه مع اليهود وجرح خلال الاصطدام (بهجت ابو غريبة)(56).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:04 am

باكورة اعمال القائد

  كانت باكورة الاعمال التي وقعت قبل أيار 1936 من الأعمال الفردية، منها:(57)

  1- القاء القنابل علي مساكن البريطانيين:

    القيت القنبلة الاولى على بيت (سكرتير عام حكومة فلسطين) في باب الساهرة، كما القيت القنبلة الثانية على سيارة المندوب السامي البريطاني، حينما كانت تمر من امام دائرة البرق والبريد في القدس، ولكنها انفجرت خلف السيارة، واحدثت اضرارا خفيفة، الا انها احدثت بلبلة عامة في الرأي العام، وكانت حافزاً ودافعاً قويا للمجاهدين، وتبعها اطلاق عيارات نارية على شركة البوتاس اليهودية، التي كانت تنقل البوتاس من البحر الميت الى القدس.

  2- اغتيال الميجر (سيكرست) مدير بوليس القدس ومعاونه:

   كان الميجر سيكرست مدير بوليس القدس، يسيء معاملة الاهالي العرب، فكثيرا ما كان يقف حاملا هراوة ثقيلة عند مدخل ابواب السور (باب العامود او باب الخليل) وينزل بهراوته ضربا على رؤوس المارة من العرب بعد تفتيشهم تفتيشا دقيقا، غير مبال بما يلحق بهم من اضرار، وبلغ من فظاعته ان وقف يوما من ايام ايعاد المسيحين 0وهو يوم سبت النور)، امام كنيسة القيامة، واخذ يضرب جمهور الناس ضربا لا هوادة فيه ولا رحمة، وكان يأمر دورية البوليس ان توقف جميع المارة من العرب بلا تميير، وتأمرهم التقاط المسامير من شوارع مدينة القدس، التي كان يلقيها بعض طلبة المدارس، لتعطيل سيارات الحكومة عن السير اثناء فترة الاضراب العام، واذا رفض احد الامتثال لأوامر البوليس، فانه يتعرض للضرب والشتم وقد استاء الشعب من هذه الأعمال الوحشية، فهب بعض الشبان من خيرة المثقفين في القدس، وصمموا على الانتقام لكرامة الشعب من هذا الطاغية الجبار، وكمنوا له بالقرب من مقبرة باب الاسباط- بجوار دار المتحف الفلسطيني- ولما حضرت سيارته، اطلقوا عليها وابلا من رصاص مسدساتهم، فاخترقتها عدة رصاصات، واصيب هو وحرسه بجراح خطيرة، وانقلبت السيارة في سفح العقبة، وتدهورت حتى استرت في الوادي وقد تحطمت تماما.

   وقد اصيب اثناء الحادث الشهيد (سامي الانصاري) وهو من خيرة شباب القدس المثقفين،- وكان استاذا في الكلية الرشيدية- فكان اول الشهداء في معركة فلسطين الأولى.

   وقد القي القبض على قاسم الريماوي حينما حاول انقاذ الشهيد سامي الانصاري، ونقله الي المستشفى واودع السجن اما سامي فقد توفي بعد نقله الى المستشفى.

  كان لهذا الحادث وقع كبير جدا هز جميع اركان البلاد مما جعل الانجليز يفكرون في العاقبة.

  3- نسف القطارات:

    تمكن عبد القادر من تشكيل فرقة صغيرة تكون من عبد القادر نفسه ومن العبد القيسي وشخص ثالث فكان يصنع المتفجرات وينسف بها هو واعوانه القطارات وخطوط سكة الحديد، التي تربط القدس بيافا، ولما تعددت الحوادث حارت السلطات في امرها، واقلقها هذا الاتجاه الجديد في اعمال المقاومة العربية، التي اخذت تتطور من اجتماعات ومؤتمرات سياسية، ومظاهرات واضراب الى اعمال اغتيال ونسف وتدمير، فراحت تعين بوليسا اضافيا لحراسة سكك الحديد، من اهالي البلاد بلغ عددهم المئات.

 4- تقطيع اسلاك التليفون واعمدة التلغراف وغيرها.

   ولما اتم عبد القادر تنظيم عدد من المجاهدين وتزويدهم بالسلاح والعتاد، اعلن الجهاد المسلح ضد السلطة الانجليزية، ولكي يسبغ على هذا الجهاد صبغة عسكرية نظامية، اتصل بالقائد المعروف المجاهد السوري (سعيد العاص)، وطلب اليه ان يقود الثورة في لواء القدس والجنوب.

  كتب المجاهد صالح الريماوي يقول:

   «ولما خرج عبد القادر في اواخر شهر حزيران 1936م، قاصدا منطقة (دير الشيخ) في الجهة الجنوبية الغربية من القدس، لتعطيل سكة الحديد، وضرب الانجليز القادمين بالقطار من يافا الي القدس، عاد متخفيا، وقصد بيتي وكان وجهه متهللا وصدره منشرحا، وأنبأني انه قد تم الاتفاق مع شيخ الجهاد الشهيد سعيد العاص الذي حضر من عمان، وتسلم قيادة الثورة يساعده عبد القادر، ولما ذهبت مع عبد القادر واخذنا المرحوم (ابا سعاد) الي القري خارج القدس، طلب مني سعيد بك العاص ان اذهب الى عمان، لاحضر له ما يخصه من الاسلحة والذخائر الموجودة عند بعض الاصدقاء)(58).

   لقد قصد عبد القادر- بالاضافة الى ما ذكرت- ان يقود الثورة رجلا لا يحمل اسم (حسيني)، تخوفا من استغلال ذلك من قبل الدعاية اليهودية، ووصف الثورة بانها (ثورة عائلية حسينية)، واظهارا للعالم اجمع بان جميع العرب- لا أهل فلسطين فحسب- معنيون بامر الدفاع عن فلسطين.(59)

  لبى الشهيد سعيد العاص الطلب، وهرع الي ميدان الشرف والجهاد في ارض فلسطين، وهو الذي قاد الثورة السورية ضد الفرنسيين، وابلي فيها بلاء حسنا سنة 1952م، حيث استقبله عبد القادر واخوانه خير استقبال وكان موضع حفاوة وتكريم، وبعد بحث ومداولات قرر عبد القادر العمل الي جانب القائد سعيد العاص في ثورة علنية، مستعينا بالله ثم بمعرفة وخبرة سعيد العسكرية الواسعة في حرب العصابات والثورات.

  ولكي يشغل عبد القادر السلطات البريطانية في الداخل، فقد امر بتنفيذ عمليات عسكرية منظمة داخل القدس، لتسهيل مهمة المجاهدين في الخارج، حيث شن هجوم على سيارة باص يهودية رقم (11) بالقرب من قرية لفتا، واصيب عدد من رجالها، كما اطلقت النار بعد ذلك علي عدد من السيارات اليهودية في مختلف انحاء القدس، مما دفع السلطات الى حشد معظم قواتها داخل المدينة، وهي ترتدي الخوذ الفولاذية، وتحمل الاسلحة المختلفة، وقامت باغلاق منافذ الشوارع الموصلة الى الاحياء اليهودية، وعمدت الي حركة اعتقالات بعض الشبان المشبوهين وتعذيبهم، 0فالقت القبض على المجاهد عبد الرحمن شحدة، الذي كان يعاون (بهاء الدين الطباع) في تنظيم فرق الكشافة المسلم، حيث نسبت اليه تهمة تدبير تلك الحوادث، تنفيذا لأوامر عبد القادر، وقد تعرض المجاهد المذكور الى انواع من التعذيب والتنكيل على ايدي رجال الاستخبارات البريطانية)(60).

تدمير معامل الشيد الكلس والحجارة اليهودية

  تقع هذه المعامل في الجهة الشرقية من (راس العين) علي بعد عشرة كيلومترات من تل ابيب، وهي معامل كبيرة تشغل مساحة واسعة من الاراضي ومزودة باحدث الآلات والماكينات، التي استحضرتها شركة (هاسوليل بونيه) اليهودية من المانيا، ويعمل فيها اكثر من الف عامل يوميا، وهي المعامل الوحيدة التي كانت تمد العمران اليهودي بالحجارة والكلس (الشيد)، وقد اختيرت في اقرب مكان جبلي يحاذي المنطقة الساحلية القريبة من (مجدل صادق) وبلغت نفقات اقامتها ملايين الجنيهات.(61)

   ولما عاد الشهيد فايز الريماوي من القدس، بعد اجتماعه مع سعيد العاص وعبد القادر، عقد اجتماعا في منطقة بني زيد، حضره وجهاء وشبان تلك القرى، فقرروا التوجه لتدمير تلك المعامل، التي تبعد حوالي 30 كم عن منطقتهم، وفي مساء ذلك اليوم، توجه حوالي (500) شخص، بعضهم يحمل السلاح والبعض الاخر يحمل قليلا من المتفجرات وبعض ادوات الهدم، وبعد ان طوقوا هذه المحاجر والقري المجاورة لها، لمنع وصول الاخبار الى المراكز اليهودية، جردوا الخفراء من اسلحتهم، واخذوا ينسفون هذه المعامل ويدمرونها ويحرقونها، وكان القائد الشهيد (حسن سلامة) آنذاك عاملا في هذه المحاجر، فاشترك في عملية التدمير، التي استمرت ثلاثة ايام بلياليها، وذلك لنقص الخبراء الفنيين في التدمير، ولاتساع المحاجر وقد كانت قوات المجاهدين تسد جميع المنافذ والطرق المؤدية اليها، وتحرس تلك المنطقة، ولم تتمكن القوات اليهودية وقوات الجيش البريطاني المحلية، من التعرض للمهاجمين، فاستعانت بالجيش البريطاني المرابط في القدس ورام الله فكمنت قوات هذا اليش الغادر للمجاهدين في طريق عودتهم الي قراهم، بالقرب من قرية (عابود)، واشتبكوا معهم وحصلت معركة حامية دامت حتى الغروب، واستشهد فيها بطلان من خيرة الشبان وهما:

  (محمد ياسين الريماوي ومحمد محمود الريماوي) كما اصيب عدد من رجال البوليس والجيش، وقد هبت نجدات المجاهدين للمعركة، الا ان الجيش كان قد انسحب عن طريق اللد، ونقل الشهيدان الى قرية (بيت ريما) حيث شيعت جنازتهما في احتفال مهيب، وقد اصيبت الصناعة اليهودية بذلك اصابة فادحة، وكانت بحق أكبر الخسائر المادية، التي اصابت الشعب اليهودي في تلك السنة. ومنذ ذلك الويم صارت خطة عبد القادر، هي تدمير مراكز الصناعات اليهودية وتدريب اكبر عدد ممكن من الشبان على اعمال النسف والمتفجرات.(62)

   ظهر عبد القادر في هذه العمليات مقاتلا ممتازا، وظهر استعداده الحربي الجرىء، فكان مثلا في البسالة وسرعة الحركة، والقدرة على الافلات والتأثير على جنوده تأثيرا يشبه السحر، كان مثلهم.. يعيش كما يعيشون ويلبس مما يلبسون ويأكل مما يأكلون.. يسير في مقدمتهم، دمه قبل دمائهم، لا يست.ثر ولا يتكبر ولا يستعلي،، ولا يطالبهم الا الطاعة وبذل النفس في سبيل الله والوطن.

  وفي اجتماع سري طارىء ضم قيادة التنظيم في القدس وعلى رأسها المجاهدان (سعيد وعبد القادر)، ومن حولهما عدد من المجاهدين ومنهم:

   (الشيخ عيسى ابو قدوم التعمري، واحمد جابر (ابو الوليد) وابراهيم خليف وعبد الغني حيمور والمهندس علي حسين الحسيني وغيرهم العشرات، بالاضافة الى اعضاء التنظيم السري ومنهم6 قاسم الريماوي وعلي محيي الدين الحسيني ومحمود العكرماوي ومحمد علي التايه وعاهد الريماوي وصالح الريماوي وجميل الفارس وفهمي العبد الله ولا في محمد سعادة واخوه مروح وغيره.

  في اليوم الاول من ايار 1936 وفي هذا الاجتماع تم اختيار اسم التنظيم فكان (قيادة جيش الثورة- سوريا الجنوبية) كما فوض المجتمعون وزعماء المجاهدين الى عبد القادر، امر اعلان بدء الثورة في الوقت الذي يراه مناسبا.

   (وفي 6 ايار 1936 م عقد مجلس قيادة التنظيم السري للثورة، اجتماعا ثانيا، للبحث في الوضع وتنفيذ مقررات الاجتماع السابق حيث قرر عبد القادر اعلان الثورة في اليوم السابع من شهر ايار 1936م).63

الشرارة الثورية الاولى

   وما ان اعلن عبد القادر ورفاقه المجاهدون الثورة ليلة 6/7 ايار 1936م، حتى التحقوا خفية في الجبال، وكان عبد القادر اول من اطلق النار ايذانا ببدء الثورة، حين هاجم ثكنة عسكرية بريطانية في قرية بيت سوريك- شمال غرب القدس- ثم انتقل بعد ذلك الي منطقة القسطل بينما تحركت خلايا الثورة في كل مكان في (بيتر وقلونيا وعين كارم وقطنه والعيسوية وفي القدس نفسها وفي سائر انحاء فلسطين).(64)

  علمت السلطات ان عبد القادر الذي كان يدير مكتب الحزب العربي، هو الرأس المدبر لكل هذه الأعمال فجهزت قوة كبيرة وطوقت دار الحزب في 25 ايار 1936، لالقاء القبض عليه (ولما دخلوا دار الحزب، قابلهم عبد القادر من اعلى الدرج فظنوه احد الموظفين، فقالوا له: اين عبد القادر؟ فاجابهم علي الفور: انه هنا- واشار الى غرفة في وسط الدار كان يجلس فيها السيد ايوب مسلم، احد رجال الحزب العربي- فاتجهوا مسرعين اليها، اما عبد القادر، فما كاد يفلت من ايديهم حتى دخل الغرفة المجاورة، والقى بنفسه من نافذتها (من الطابق العلوي) الى البستان من الجهة الخلفية، وهكذا تمكن من النجاة)(65). ولما لم يجدوه اقتادوا السيد (رجائي الحسيني الي المسكوبية للتحقيق معه).(66)

  ورغم المطاردة، فقد راح عبد القادر يوحد جهود الشباب، وينظم المجاهدين، ويشتري لهم السلاح من ماله الخاص، ويتصل باخوانه في القدس وفي سائر انحاء القرى والمدن ليعدهم لليوم الموعود، وكثيرا ما كانت المجاهدة الصابرة (وجيهة الحسيني) زوجة الشهيد- تساعده في نقل الاسلحة سرا، من مكان الى آخر، كما تقوم بتنظيفها وحفظها.

  وفي صباح يوم 28 آب 1936، وفي بيت الاستاذ صالح الريماوي بحي وادي الجوز، عقد اجتماع حضره القائد سعيد العاص وعبد القادر وفايز الريماوي، ونفر من المجاهدين وبعد ان ادى الجميع الصلاة متضرعين الى الله تعالى، ان يأخذ بيدهم وينصرهم علي اعدائهم اعلنوا ان هجرتهم خالصة لوجه الله تعالى، كما اعلنوا عزمهم على ترك مدينة القدس ليعتصموا بجبالها، لا تشرد ولا بطرا ولكن حبا لله وجهادا في سبيله، ونصرة للدين وذووا عن الوطن، ودفاعا عن المحرمات والاعراض والحريات والمقدسات.

  وقد تم الاتفاق على ان يتوجه عبد القادر وسعيد الى القري المجاورة للقدس، لتنظيم المسلحين فيها، وان يتوجه الشهيد فايط طه الريماوي (الذي شنقته السلطات عام 1939م) الى بني زيد قضاء رام الله، للدعوة الى الثورة وتدمير معامل الحجارة والشيد اليهودية بالقرب من رأس العين- تل ابيب، وقد زوده عبد القادر ببندقيتين وقليل من العتاد.

   انتقل عبد القادر الي قرية العيساوية، ومنها الى قرية بيت عنان/ شمال غرب القدس، وراح ينتقل من قرية الى اخري، وكلما دخل قرية لا يخرج منها الا بعد ان يهب رجالها لشراء الاسلحة، والسير معه في درب الثورة، وكان يحرص علي الكتمان في دعوته ولهذا فقد تمكن خلال فترة وجيزة من استنهاض همم القرويين، حيث هب الجميع لنصرته والانضواء تحت لواء قيادته، حتي بلغت قواته المئات في بضعة ايام. اما بالنسبة الى افراد البوليس الاضافي الذين عينتهم الحكومة لحراسة سكة الحديد، فقد كان ينزع الحتهم ويفهمهم سوء غفلتهم، ويبين لهم نتائجها الوخيمة، وهكذا استطاع في ايام، من القضاء علي هذه القوة الاضافية، التي سخرها الانجليز لخدمة مصالحهم، كما اخذ الشعب ينظر الي هذه المهنة بعين الاحتقار، ولا يتورع في الفتك بمن تحدثه نفسه بالاقدام على قبول مثل هذه المهنة.

   وبعد ذلك راحت (فصائل قيادة جيش الثورة)، تهاجم القوات الانجليزية وتجمعات اليهود، وقطع طرق المواصلات في البلاد، ونسف السكك الحديدية، التي توصل بين يافا والقدس في عدة مواضع، كما قامت تلك الفصائل بشن الهجمات الجريئة الموفقة، على المعسكرات ومراكز البوليس والدوريات العسكرية والمستعمرات اليهودية، مما اقلق بال السلطة من تطور هذه العمليات التي يتزعمها عبد القادر ورفيق كفاحه سعيد العاص، فراحت تتبع تحركاتهم وتلاحق قواتهم لتطويقها والقضاء عليها من قرية الى قرية ومن جبل الى جبل، كما استدعت المدد من الطائرات والجنود من انجلترا لمساندة اعمالها.

   لم يشأ عبد القادر وسعيد الالتقاء بالاعداء بادىء ذي بدء، وذلك حتى تستكمل استعداداتهم ويتم تنظيم المسلحين تنظيما عسكريا جيدا، وتقسيمهم الى فصائل ووحدات.

  «الا انهما اضطروا الى خوض معركة دفاعية في قرية (القبو) للافلات من الطوق الذي ضربته القوات البريطانية حولهم، وقد نجحوا في تشتيت شمل القوات البريطانية وايقاع الخسائر بين جنودها ولم يصب الا بضعة افراد من المجاهدين بجراح طفيفة.(67)

معركة حوسان - الخضر

   بلغت الثورة المباركة اوجها في تموز عام 1936م، حين انضم اليها من بقى من رفاق الشهيد عز الديبن القسام الذين يلقبون (بالقساميين)، وبلغت انباؤها العالم العربي كله، فالتحق المجاهدون العرب افواجا، وخاضوا ضد الاستعمار واليهود معارك متعددة وقاسية في القدس ورام الله والخليل ونابلس ويافا وجنين وبيسان والناصرة وغيرها.

   لقد راع الانجليز مما رأوه من قوة شكيمة المجاهدون، واشتداد لهيب الثورة المقدسة، فقرروا القضاء عليها مهما كلفهم الامر، واختاروا المناطق التي كانت مسرحا لعمليات المجاهدين الحبية، علهم يظفرون بسعيد العاص وبرفيقه عبد القادر، (فقام الجيش البريطاني في يوم 4 تشرين اول 1936 باعداد قوات كبيرة، مجهزة بكافة المعدات الحربية والطائرات وتطويق المنطقة الواقعة جنوب القدس (منطقة حوسان وجبال قرية الخضر)، ورأي القائد العام سعيد العاص عظم الخطر، فضن بصحبه ان يأكلهم الحديد والنار- وهم فتيان الوطن وعدته- فطلب اليهم ان ينسحبوا ويتولى هو ونفر قليل من اخوانه فتح طريق الانسحاب امامهم فأبى الجميع الا مقابلة الموت مع قائدعم الباسل وحبيبهم عبد القادر.

   كتب احد المجاهدين يقول:(68).

   (وبعد ان وزعت الدخيرة، امر (عبد القادر) كل فريق منا باحتلال مرتفع من المرتفعات التي تشرف على الطريق العام، وهنا ارسل قائدنا فريقا آخر لينسف قسما من سكة الحديد التي تربط يافا- القدس، ومن المكان الذي يجاور قرية حوسان فقط، فأذعن الفريق للأمر وذهب وادي مهمته على احسن وجه ثم قفل راجعا لاحتلال مرتفع عين له.

    وبعد مدة مرت قاطرة تحمل جنودا بريطانيين، فتدهورت العربات من جراء ازالة الخط الحديدي، فتأكدوا ان بالقرب من هذا المكان، يكمن المجاهدون فارسلوا في طلب قوة كبيرة لتحارب المجاهدين الموجودين في تلك القرية، وبعد برهة وجيزة حلقت طائرة فوق سماء القرية وراحت ترشد الجيش البريطاني، الذي حضر لمقاومتنا الي اماكننا، ولكن.. كيف الوصول الينا وجميع المرتفعات تحت سيطرتنا، ولم يجد الجيش بدا من عبور الشارع العام الذي يقرب من المرتفعات وانتشروا صاعدين الهضاب سيرا على الاقدام، محاولين الوصول الي تلك المواقع حيث كنا معتصمين وكامنين، وقد حصل كل هخذا ونحن نراهم بعيوننا، ولكن قائدنا امر بعدم اطلاق النار حتي يقتربوا منا كثيرا، وعندما اقتربوا فعلا، فتح عليهم نيران سلاحه، وكان ذلك ايذانا ببدء المعركة فأصليناهم نارا حامية من جميع المرتفعات، مما دب في قلوبهم الرعب والفزع ونشر الفوضي بينهم، فأرسلوا في طلب النجدات التي ساعدتها خمس طائرات حلقت في سماء المعركة، وراحت توجه الينا نيرانها وقنابلها وراحت دباباته تداهمنا، وتوجه الينا قنابل المدافع الجبلية الفتاكة)، فقاومهم المجاهدون ولما نفذت ذخيرتهم، تقدموا بخناجرهم، واشتبكوا مع الجند بالسلاح الابيض، ولكن الانجليز في النهاية احدقوا بالمجاهدين، (ووجد عبد القادر وسعيد العاص نفيسهما وجها لوجه امام عدد من الجنود البريطانيين لا يفصل بينهم الا واد ضيق لا يكاد يبلغ طوله اربعة امتار، ففي الحال القى كل من القائدين نفسه وراء صخرة قريبة واخذا يتبادلان النيران مع الجنود (وعددهم خمسة جنود) فسقط الجندي الاول وتبعه الثاني والثالث والرابع وكان كل منهم يصوب بندقيته من فوق الصخرة التي تواجه الصخرة التي يستحكم خلفها سعيد وعبد القادر، ولكن مهارة سعيد في تسديد الرمي، اودت بحياتهم جميعا، الا ان الجندي الخامس كان قد صوب بندقيته وهو منبطح علي الارض من اسفل الصخة- وكان مختفيا تماما- وكان سعيد قد نفذت ذخيرته من مسدسه او كادت فما ان تحرك لتعبئه المسدس حتى اطلق عليه الجندي النار، كما قفز عدد من الجنود من الخلف وطعنوا عبد القادر بحربة في (اليته) فحر القائدان الكبيران مجندلين بدمائهما بعد ان قضيا على الجنود اما القائد سعيد العاص فقد اسلم الروح مبتسما لان هذه الميتة التي كان ينشدها).(69)

   أما عبد القادر فقد وقع بأيدي جنود لا رحمة عندهم ولا شفقة، ولا ضمير فاخذوا يضربونه بمءخرة البنادق، ثم انقض عليه احد الجنود ليجهز عليه بحربته، فصاح بهم عبد القادر منذرا متوعدا، فانتهر الجندي احد رفاقه قائلا: ويحك.. كيف تريد قتله وقد رأيت شجاعته وبطولته؟(70) وفي هذه اللحظة وصل القائد الانجليزي، فصرخ عبد القادر بالانجليزية وبلهجة قوية قائلا.

   (أهكذا تعاملون أساركم؟)(71) فدهش القائد والجنود من معرفة هذا القائد الثائر اللغة الانجليزية وارادوا ان يعرفوا المزيد منه خاصة وانهم كانوا يعتقدون بان الثوار كلهم من (رعاع الخلق)، وانهم لا يحاربون عن عقيدة، او طلبا لحرية او حق بل حبا في سفك الدماء وخدمة لاهداف الاخرين، وانهم مأجورون لعمل ذلك فما كان منهم الا ان حملوا عبد القادر ودماؤه تنزف الي الطريق العام، وهنا حضرت قوة من رجال البوليس الفلسطيني، وعلى راسهم الضابط (سعيد العزايزة) الذي تعرف على عبد القادر، فأسعفوه ونقلوه الى مستشفى الحكومة بالقدس (حدثني رحمه الله قال: ايقنت انني هالك لا محالة، ولم تطمئني نفسي، حتي حضر رجال البولس الفلسطيني، فعرفت ان الجنود لن يجزؤوا على قتلي)(72).

   اما بقية الجنود فقد استشهد بعضهم، وتمكن البعض الاخر من النجاة، بعد ان قاوموا مقاومة عنيفة واوقعوا عدة اصابات بين رجال العدو البريطاني.

   وما ان تناقلت الانباء خبر استشهاد القائد (سعيد العاص)، واصابة عبد القادر بجراح حتي اكتظت شوارع المدينة وساحة المستشفى الحكومى بالقدس بجموع الاهالي الذين جاءوا لاستطلاع الخبر والتهبت البلاد عن بكرة ابيها لهذه الانباء، فحمل القادرون منهم السلاح استعدادا، كما قامت المظاهرات في مختلف انحاء فلسطين.

   اما في الخارج فقد هال الانجليز ووكالات الانباء الخارجية، ان يكون بين الثوار ابن زعيم البلاد وشاب متعلم مثل عبد القادر، وعلقت محطة اذاعة لندن على ذلك قائلة:(73)

    (لقد ثبت ان الثورة الفلسطينية، تضم عددا من الشباب المثقفين، الذين يحاربون ضد بريطانيا عن عقيدة ثابتة، ووعي وادراك فقد وجد عبد القادر الحسيني- وهو ابن اكرم عائلات فلسطين- ومن كبار موظفي الحكومة السابقين، وابن الزعيم الراحل موسي كاظم باشا، وقريب سماحة المفتي الاكبر، من بين هؤلاء الشباب الذين انخرطوا في سلك الثورة).

    لقد ادهش الجميع اقدام هذا الشاب على مثل هذه التضحية.

   كتب المجاهد الدكتور قاسم الريماوي:

   (اذكر انني تمكنت من زيارته في غرفة السجن، بمستشفى الحكومة في نفس الليلة التي احضر فيها، فوجدته ملقى علي السري، وبجواره السيد (عبد الله العمري)، وكان معتقلا آنذاك وقد طالت ذقنه حتي زادات عن القبضة، فاخذ يستفسر عن جنوده واصدقائه فطمأنته عليهم وما ان ارخي الليل سدوله، حتى كانت جميع اطراف مدينة القدس ودار المندوب السامي خاصة تعاني الاهوال من رصاص المسلحين، الذين هرعوا اليها من مختلف انحاء البلاد. لقد كانت ليلة ليلاء لم ير الانجليز نظيرا لها قبل ذلك اليوم، وكان الهجوم مركزا علي بيت المندوب السامي، فارتفعت اشارات النجدة، وكانت سيارات الاسعاف تغدو وتروح، وصرخات الجنود تسمع من مسافات بعيدة).(74)

   سيق عبد القادر تحت حراسة مشددة الى مستشفى الحكومة بالقدس (كما ذكرنا)، ومكث فيه فترة من الزمن تحت الحراسة والعلاج، وكانت السلطات البريطانية تنتظر شفاءه كي تقدمه للمحاكمة، ولكن ذلك لمم يتسن لهم فعندما تحسنت صحته، كفله السيد (محيي الدين الحسيني) واخرجه من السجن شريطة ان يقدمه الى المحكمة يوم 12/12/1936م، وقبل المحاكمة بيوم واحد أي 11/12/1936م استطاع السيد (سليمان الراغب الحسيني) ان يبعده خارج البلاد بالتعاون مع السائق (خليل الدلو) واتجه الى العراق مارا ببيروت ودمشق.

   وحول قضية المحاكمة كتبت احدى الجرائد تقول:

   (كان اليوم (12/12/1936) موعد النظر في قضية الاستاذ السيد عبد القادر الحسيني، ففي الساعة الثانية بعد الظهر، تألفت المحكمة المركزية برئاسة المستر (كوبلاند) ونودي على الاستاذ الحسيني، فلم يكن حاضرا، فقضت المحكمة بتغريم كفلائه قيمة الكفالة البالغة (250) جنيها، واصدرت بحقه مذكرة احضار والذي فهمته ان الاستاذ الحسيني لم يبلغ بموعد الجلسة بالذات، كما ان محاميه الاستاذ (هنري افندي كتن) لم يبلغ موعدها، الا في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة عشرة، من بعد ظهر اليوم بواسطة التليفون فاسرع الى قاعة المحكمة ولكن الحكم كان قد صدر ولذا سيقابل إذا رئيس المحكمة للبحث معه بشأن القضية).

   كانت هذه المعركة هي التواجه الاول السافر، بين المجاهدين العرب والاستعمار البرطاني، ولولا عدد القوات الانجليزية وعدتها لما استطاعت قهر فصائل الثورة، ورغم هذا فقد سرت اخبار هذه المعركة الشهيرة واستشهاد البطل القائد سعيد العاص، وبطولة عبد القادر في البلاد سريان النار في الهشيم فاشتدت نقمة العرب، وازداد شعورهم تهيجا، وصمموا علي الاستمرار في الاضراب والثورة فايقنت بريطانيا ان اهل فلسطين مستميتون في الدفاعه عن بلادهم وانه لا يمكن ان تقضي على الثورة الا بالقضاء على الشعب الفلسطيني برمته، خاصة بعد ان دوت اخبار المعارك في بلاد العرب، وكان لها رد فعل قوي، حمل الالوف من اهلها على نجدة فلسطين، والموت في سبيل نصرتها.

   خشيت بريطانيا ان تتطور ثورة فلسطين الى قيام ثورات اخرى في مناطق الشرق الاوسط، يكون من شأنها اصابة الامبراطورية بجراح قاتلة، فلجأت الى مناوراتها، ودعت العرب الي وضع السلاح والدخول في مفاوضات لحل القضية ولم تنطل حيلها على شعب فلسطين، فاتصلت بملوك العرب وامرائهم وطلبت اليهم التدخل لاقناع اهل فلسطين بوقف الثورة، وفك الاضراب، متعهدة لهم بانصاف عرب فلسيين وضمان حقوقهم. 

   وفعلا. كما ذكرنا- توقفت الثورة وفك الاضراب صباح يوم الاثنين الموافق 12 تشرين اول 1936 بعد ان استمر ستء اشهر كاملة وبعد ان استمرت الثورة اشهر واسبوعا واحدا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:05 am

عبد القادر في المانيا

   ولما وجد عبد القادر ان الوضع لا يؤمن له بالبقاء السري، وان الثورة قد اجهضت، رأي ان يتجه الي المانيا (عدوة بريطانيا)، وان يمكث فيها قرابة ستة اشهر.

   وصل القائد الى المانيا، وهناك استقبلته بعض المناضلين الفلسطينيين والعراقيين وبعض الالمان، ثم راح يتخصص ويدرس فن تعبئة المتفجرات واعدادها وتجهيزها وتوضيبها وتوقيت تفجيرها.

  لقد اضاف عبد القادر الى مهارته العسكرية فنا حساسا في صراعه مع دولة الانتداب واليهود، وما ان اتم الدورة بنجاح تام، عاد الى دمشق في اواخر حزيران 1936م، وهناك التقى بالمجاهدين الفلسطينيين وعقد معهم دورة ليعلمهم ما اتقنه في المانيا وراح يستأنف مساعيه وجهوده للاعداد لخوض المعركة المقلبلة، فراح يشتري الاسلحة ويدرب رفاقه عليها، لأنه كان مؤمنا بان الانجليز لن يحفظوا وعدا ولن يحترموا عهدا، وانهم مصممون على اقامة الدولة اليهودية وان السبيل الوحيد لا يقافهم عن سياستهم هو استمرار الثورة.

   الا ان الموقف السياسي في فلسطين قد بدأ بالغليان بعد صدور اقتراح التقسيم الذي اقرته لجنة بيل الملكية، بتاريخ 6/7/1937 وقبلت به بريطانيا رسميا وراحت تسعى لوضع القرار موضع التنفيذ.

  ففي حزيران داهمت قواتها دار اللجنة العربية العليا، لاعتقال المفتي واعضاء اللجنة، بعد ان تأكدوا من موقفهم الصلب، ورفضهم مشروع التقسيم الاول، حيث قرروا الثورة واستعدوا لمقاومة السلطة بالقوة، وقد بدأت هذه المقاومة باغتيال المستر اندروز (حاكم الجليل) في 27 ايلول 1937، كما اسلفنا، واندلع لهيب الثورة من جديد وهرع المجاهدون الي سلاحهم وتطورت المقاومة الى حرب عصابات منظمة كان يقودها عدد من القادة الابطال ومنهم: (عبد الرحيم الحاج محمد وعارف عبد الرزاق) وغيرهم..

   وانتظرت القدس قدوم قائدها لتسير تحت لوائه ومنا هي الا ايام حتى تسلل القائد الي فلسطين خلسة رغم يقظة الحراس والبوليس.

    وصل عبد القادر الى جبال القدس في خريف 1937م، وما ان سرى خبر قدومه حتى هرع اليه رؤساء الفصائل والمسلحون، وقابلوه في قرية (ابوديس)، ومنها انتقل هو واعوانه الى عرب العبيدية وعرب السواحرة،- وكان يقول فصيل العبيدية المجاهد عبد الغني حيمور (ابو هاجر) -، كما كاد يقود عرب السواحرة المجاهد (محمد ابو دهيم) وعرب التعامرة الشيخ الشهيد (عيسى ابو قدوم التعمري)، كما يقود فصيل صور باهر المجاهد (جاد الله الخطيب) وهو واحد مرافقي القائد الذين كان يعتمد عليهم كثيرا.

   ومن عرب التعامره انتقل الى قرى العرقوب، حيث كان يقود مجاهدي هذه المنطقة الشهيد احمد جابر (ابو الوليد)، وكان نائب عبد القادر في هذه المنطقة.

   وفي 31 تشرين اول 1937 عقد اجتماع في قرية (علار) حضره جميع رؤساء الفصائل وعدد كبير من مسلحي عين كارم وبيت اكسا وقد بلغ عدد المسلحين حوالي (500) مسلح ومنها انسحب الى بيت عطاب حيث اصبحت عين كارم مركزا لعملياته.

   (وقد كان عبد القادر- رحمه الله - لا ينتقل من مكان الي آخر الا ويحمل معه اكله واكل جنوده، وكان يستعمل بغلة للنقل وكانت عنده بغله كبيرة من اصل فرنسي، وكان المجاهدون يطلقون عليهم اسم (الدبابة)، اذ كانت تحمل المؤنة والذخيرة والجرحى وكانت قد تطبعت على اعمال الحرب، واذا افلتت لا يستطيع احد مسكها، الا اذا كان من المجاهدين الذين تعرف اصواتهم، واذا غارت الطائرات كانت تختفي في مكان أمين، وتنطبح على الارض).(75)

  راح عبد القادر ينظم الفصائل والمسلحين، الذين التفوا حوله من كل حدب وصوب، حيث اوجد في لواء القدس عددا من الفصائل تضم الرجال الملحين، اما في منطقة الخليل فكان القائد عبد الحليم الجولاني الملقب بالشلف يشرف على شؤون الجهاد والثورة، كما كان القائد الكبير ابراهيم أبو دية يشرف على قطاع صوريف اما في منطقة رام الله فقد تولى قيادة المجاهدين (محمد عمر النوباني والشيخ عبد الفتاح وابو سفيان وراضيز الريماوي وسعيد البيتوني وابو قطيش وفايز الريماوي واحمد العيساوي) وكان كل منهم يتولى منطقة تشمل عددا من القرى.(76)

  اما عبد القادر فقد كان يحتفظ لنفسه بقيادة فرقة خاصة، تعتبر بمثابة قوة ضاربة لمهاجمة الانجليز بالاضافة الي اشرافه على تنظيم الفصائل، كما اقام فرقة خاصة اخرى في مدينة القدس لاغتيال البريطانيين.

   وبعد ان اتم تنظيم الفصائل عين لكل فصيل هدفه وخطته، ومن هذه الاهداف:

   1- مهاجمة المعسكرات البريطانية 2- مهاجمة المستعمرات اليهودية. 3- حرب القوافل.

   هذا وقد ابلى رجاله بلاء حسنا في مقاومة الانجليز واليهود وتمكنوا من تدمير القلاع البريطانية، التي كان يستغلها الانجليز لحكم البلاد بالقوة ومنها:

 1- مركز بوليس النبي صالح- في منطقة بني زيد قضاء رام الله

 2- مركز بوليس عيون الحرامية- في منطقة بني مرة قضاء رام الله

 3 - مركز بوليس ابو غوش- غرب القدس

 4- مركز بوليس بئر السبع واريحا، ومركز بوليس البلدة القديمة بالقدس.

   وقد غنم الثوار عددا من الذخائر والخيول من هذه المراكز التي كانت بمثابة قلاع للسلطات المنتشرة في البلاد وكان عدد حامية كل مركز لا يقل عن (20) رجلا مسلحا، معظمهم من البريطانيين.

  اتخذ عبد القادر- كما ذكرنا- قرية عين كارم مركزا لعملياته، وتقع هذه القرية على بعد بضعة كيلومترات غرب القدس «ففي ليلة 11 شوال من سنة 1937م، اعد (عبد القادر) خطة كاملة لمهاجمة الجيش البريطاني، والمستعمرات اليهودية، وقطع طرق المواصلات، فارسل فصيلا للهجوم علي معسكرات الجيش البريطاني في مستعمرة (بيت هاكيرم) في ضواحي القدس، وكان الفصيل بقيادة الشهيد (اشخامة)، كما ارسل فصيلا آخر بقيادة (عيسى الحمزة) الى قرية القسطل لرب المعسكر الانجليزي فيها، كما رابط فصيل صور باهر بقيادة (جاد الله الخطيب)، لضرب قوافل الجيش التي تمر في طريق بيت لحم- القدس، كما رابطت فصائل اخرى بقيادة الشهيد احمد جابر (ابو الوليد) على طريق الخليل- القدس لنفس الغرض، كما رابطت فصائل اخرى بالقرب من (واد البلاط) بقيادة الشيخ عبد الفتاح المزرعاوي ومحمد عمر النوباني، لضرب قوافل الجيش التي ستمر من القدس الى نابلس، وقد بدأت هذه العمليات في تمام الساعة الثانية عشرة من صباح اليوم التالي، اما عبد القادر فقد قاد فرقته الضاربة، وكان يرافقه السيد صبحي ابو غريبة وحسين جاد الله، وعدد من خيرة المسلحين الى مرتفعات الولجة، حيث كانت قوات الجيش البريطاني قد قدمت اليها لتطويق المجاهدين، فرسم خطة تامة للهجوم على هذا الجيش، فلما شاهد الجيش البريطاني طلائع المجاهدين تزحف نحوه هرب من منطقة الولجة، وقفل راجعا الي القدس، ولكن الطلائع اصلته نارا حامية، وأوقعت به خسائر فادحة وعطلت سيارتين من سيارات الجيش فاحرقها المجاهدون بعد ان استولوا على ما فيهما من عتاد واسلحة.

   ثم توجه عبد القادر الى قرية المالحة حجيث ارسل حظيرتين من فرقته لمهاجمة مستعمرتي (بيت هاكيرم وبيت فيجان)، وذلك لاستدارج الجيش، ولايقاع الذعر بين اليهود وبالفعل حضرت قوات الجيش البريطاني لنجدة اليهود كالمعتاد، الا انها وقعت في الكمين الذي نصبه المجاهدون ونشبت معركة حامية دامت اكثر من اربع ساعات واصيب عدد من افراد الجيش، وتم القضاء على معظم افراد البوليس وحراس المستعمرين، ثم انسحب المجاهدون الى قرية المالحة ومنها الى بتير دون ان تقع بينهم خسائر تذكر).(77)

معركة عرتوف الكبرى

 عرتوف قرية صغيرة تقع على طريق سكة الحديد الموصلة بين الموصلة بين القدس ويافا، وهي محاطة بمرتفعات وأودية عميقة، وقد وقعت فيها معركتها الشهيرة.

   وقعت هذه المعركة يوم الخميس 14/10/1937م، حيث وردت الى عبد القادر وهو في بتير اخبار تفيد ان الجيش البريطاني قد قدم الي عرتوف، وفي الحال جمع قواته وكانت تبلغ حوالي (300) مقاتل، ثم وزعها على سفح الجبل الموصل من بتير الى عرتوف، على مسافة ثلاثة كيلومترات (10امتار بين كل مقاتل ومقاتل)، ثم نصب كمينا في مؤخرة خط القتال، وامر المسلحين الذين في المقدمة الا يطلقوا النار حتى تمر القافلة بأكملها، وحالما تبلغ مؤخرة الكمين، يتقدم المجاهدون لتفجير الالغام تحت السيارات الأولى ومن ثم يأخذ المجاهدون باطلاق النار على جنود القافلة، وما ان بلغت الساعة الرابعة مساء، حتى وصلت القافلة في طريقها الى القدس، وكان عددها يزيد عن 80 سيارة وما ان توغلت القافلة حتى تطايرت السيارة الاولى في الفضاء وتبعتها الثانية والثالثة فارتبكت باقي السيارات وحاول بعضها الرجوع بسرعة فانقلبت وسدت الطريق اما الجنود فقد حاولوا الانتشار على جانبي الطريق، الا ان المجاهدين المرابطين اصلوهم وابلا من الرصاص، ثم انقضوا علي القافلة يعملون فيها فتكا وتدميرا، وما ان بلغت استغاثات رجال القافلة الى مقر قيادة الجيش حتى كادت الشمس ان تغرب فحضرت اسراب الطائرات لتلقي بقذائفها ولكنها لم تجد سوى بقايا سيارات القافلة وجثت الجنود، بينما انسحب المجاهدون بعد ان نفذت الذخيرة تماما من المجاهدين الا قليلا احتفظ بها حرس عبد القادر الخاص، بعد ان فقدوا ثلاثة شهداء منهم الشهيئ علي حسن من عين كارم، كما اصيب خمسة منهم بجراح.

  «بينما كان عبد القادر يصوب بندقيته نحو الاعداء اذ جاءت قنبلة مدفع جبلي عليه فاطارت قسما من سترته، وقسما من قميصه وانفجرت على بعد 20 مترا منه فأصابت مجاهدا من شرفات في رجله وكان ضغطها قويا حتي انه رفع عبد القادر حوالي مترين في الفضاء القاه بعيدا عن مكان استحكامه ولكنه لم يصب بأذى وبقى القرآن الكريم الذي يحمله في جيب سترته الاخرى على حاله هكذا نجا القائد باعجوبة من موت محقق).(78)

  اما عبد القادر وحرسه، فقد عادوا الى عين كارم، وكان عددهم لا يزيد عن (12) مجاهدا ومنهم6 صبحي ابو غريبة وجاد الله الخطيب وحسين جاد الله وعبد الله سمرين وعلي العكرماوي وغيرهم، حيث التجأوا الى بيت امرأة مسيحية تدعى (صوفيا) لئلا يشعر احد بوجودهم(79) وقد عم البلاد خبر هذا الانتصار، فسر الاهلون اما القيادة البريطانية فقد ساءتها النتيجة وصممت على الانتقام.

   كتب المجاهد الدكتور قاسم الريماوي:(80)

  «وقد اوجس البعض خيفة على عبد القادر، وبينما- نحن بين الشك واليقين، اذ بالمهندس الشاب (ابو الحسن) علي حسين الحسيني، يدخل علينا، وكنا في بيت ابن العم الاستاذ صالح الريماوي، الذي كان يعمل مراقبا لأعمال المجاهدين في القدس، وكان يرتدي سترة من الجلد، ويحمل في يده بوصلة صغيرة، فتهافتنا عليه نستطلعه الخبر، فروى لنا كل التفاصيل واخبار النصر العام، وفي الحال طبع البلاغ الحربي عن المعركة، وما ان اصبحت القدس حتى كانت جميع الجدران والابواب تحمل انباء المعركة، موقعة من القائد العام (ابو منصور) كما اصبح يلقب بأبي موسى بعد ولادة ابنه الكبير (موسى).

الجنرال وايفل يتولى عمليان تطويق

عبد القادر ورجاله

   اقلق بال السلطات ما آلت اليه الحالة في فلسطين، وادهشتها نتيجة المعركة الاخيرة في عرتوف، وكانت قد استقدمت الجنرال وايفل (من اركان حرب الامبراطورية البريطانية) الى فلسطين لقمع الثورة، فكانت معركة عرتوف التحية التي قدمها اليه عبد القادر، الذي اختفى هو ورجاله في عين كارم، اما الجيش فيظهر انه علم بمكان وجود عبد القادر، فقام بحركة تطويق كبيرة شملت جميع جبال منطقة القدس مبتدئة من بيت محسير غربا وبمحاذاة باب الواد، حتى مدينة القدس على بعد 30 كيلومترا.

  كما امتد الطرف الآخر من الطوق، من القدس الى بيت لحم مارا بالخضر وحوسان ورأس ابو عمار الي عرتوف على طول 30 كم ايضا. وهكذا كان الطوق بمثابة مثلث رأسه مدينة القدس، وذراعه الاول يمتد غربا الى بيت محسير والثاني الى عرتوف جنوبا.

  كما اشترك في هذه العملية جميع قوات الجيش، التي كان يشرف عليها الجنرال وايفل نفسه، بالاضافة الي اركان حربه، كما اشترك فى التطويق عدد من اسراب الطائرات قدرت بخمس عشرة طائرة، وقدر عدد هذه القوات بعشرين الفا(81) وقد استمرت عملية التطويق اربعة ايام بلياليها، وكانت تهدف الى الخلاص من عبد القادر ورفاقه، والانتقام من القرى، بقتل الابرياء بادعاء انهم حاولوا الفرار، واعتقال جميع الشبان المشبوهين وتفتيش جميع البيوت.

   اخذ الجنود يتقدمون مقتحمين الجبال والوديان والقرى، حيث تجمع كل الاشخاص الذين تقابلهم حتى يجرى تشخيصهم بواسطة بعض الجواسيس، الذين كانوا يرافقون الجيش في سيارات مغطاة، لئلا يتعرف عليهم احد.

   كتب الدكتور قاسم الريماوي يقول:

    (وبعد ان وصلت عبد القادر اخبار التطويق من رجال استخباراته، التي كانت على اتصال دائم مع قيادة الجيش بطريقة سرية، وهناك جمع عبد القادر حرسه، وانتقل من عين كارم الي قرية (الجورة). وقال:

  «يمكننا ان ننسحب بين اشجار الزيتون، ونسير في اتجاه الغرب، من قرية الجورة، لان خطة الجيش هي ان تسير ذراعي المثلث من الغرب الى الجنوب، ومن الجنوب الى الشمال، لتلقي في نقطة تقع الى الجهة الشمالية من الجورة، فلو سرنا في خط مستقيم من الجورة الى الغرب، لتمكنا من الافلات من الطوق قبل وصولهم الينا، وما كاد يتم كلامه، حتى كانت بعض الطائرات تحلق في الجهة الشمالية من الجورة، وكان الجنود يتقدمون نحو القرية، بحيث اصبحوا على بعد خمسين مترا، منها، وكان ذلك قبل شروق الشمس بساعة واحدة، وبعد ان اخفى عبد القادر الاوراق والحقيبة، في مكان سري اخذ ثلاثة من حرسه وسار في نفس الاتجاه.

  ويضيف الدكتور قاسم الريماوي قائلا:

  حدثني المجاهد حسين جاد الله- وكان من بين حرس القائد- قال:

   «لقد تمكنت بعد انسحاب ابي موسى، ان اغير ملابسي واختفى في بستان المبشرة الانجليزية (مس كيري)، ولما حضر الجيش وسألني قلت: انني عامل في هذا البستان، وشهد لي الخادم الموجود هناك واخذت اشتغل في البستان، اما بقية الحرس ومنهم (عبد الله سمرين) فقد اعتقلهم الجيش، وبعد شروق الشمس بساعة واحد، حضر قائد الجيش ويدعى الجنرال (وايفل) ومعه فرقة المدفعية الثقيلة، فصعد الجنرال على سطح الدير الذي تسكنه المبشرة المذكورة، والذي يقع على قمة جبل مقدس يدعى (جبل الرب)، وهو اعلى جبل في تلك المنطقة، ويطل علي جميع المناطق حوله، وقد اقيمت للجنرال وايفل مظلة كبيرة على السطح، فجلس وبيده منظار كبير اخذ يراقب منه حركة التطويق، والتفاف حركة الجيش في الجبال المحيطة، وكان قادة السرايا والحظائر يتبادلون الاشارات بالأعلام واللاسلكي، وكان هو يتصل بهم بواسطة جهاز لاسلكي، وكان الجنود يجمعون الاهالي وينقلونهم الى شرفة عين كارم لتشخيصهم).

  اما عبد القادر فما ان شعر بدنو الجنود، حتى اشهر سلاحه، وسار خلفه حرسه حاملين السلاح علي اهبة الاستعداد للقاء الموت ان كان لا مفر من الاصطدام وساروا وسط اشجار الزيتون والاحراش في اتجاه الغرب، وكان الجنود يتبعونه علما بانهم لم يتحققوا بعد من شخصيته، حتى وصل الى خربة تدعى (بيت سقاية) وهي خالية من السكان، فعرج عليها، وكانت الشمس قد غربت، اما تطويق الجيش فلم يصل الى تلك الخربة.

  وبعد ان استراح قليلا في تلك الخربة، انتقل الى (وادي اسماعيل)، وما كاد يغادر الخربة حتى كانت قوات الجيش قد دخلتها، اما وادي اسماعيل فلم تكن الاشجار فيه كثيفة، والرؤيا متيسرة ولا تبعد سوى 300 متر عن الخربة المذكورة، «وقد حدثت معجزة اذهلت الجميع، فما كاد عبد القادر يبلغ الوادي والجيش يطل عليه، حتى انتشر ضباب كثيف جدا غطى المجاهدين والجيش بحيث اصبحت الرؤيا متعذرة فانسحب المجاهدون وسط الضباب حتي وصلوا الى منطقة تكثير فيها الاحراش فجلسوا فيها والضباب يغطيهم.

  اما الجيش فقد اجتاز الوادي كما اجتاز المنطقة بأكملها ولم يعثر على احد.

  راح عبد القادر ورجاله يأكلون من ثمر شجر العناب والبلوط والاعشاب بعد ان اضربهم الجوع لانه مضي عليهم يومان وليلتان لم يتناولوا فيها الطعام فقويت عزميتهم لما رأوا ان القدرة الالهية تكلؤهم وردد عبد القادر قوله صلعم (لا تخافوا ان الله معنا).(82)

   وبعد فشل عملية التطويق هذه التي استمرت اربعة ايام بلياليها، قرر عبد القادر الانتقال من قضاء القدس الى قضاء رام الله، فوصل الى قرية (بيت عنان) ومنها الى (صفا)، «حيث اجتمع مع زميله القائد (حسن سلامة)، ومنظار القائد الانجليزي الذي قتله المجاهدون في معركة (عرتوف)، كما قدم له حسن سلامة فرسا كان قد غنمها من الكولونيل الانجليزي الذي كان يقود الجيش في منطقة اللد، وعاد عبد القادر الى قرية بيت عنان، حيث قضى ليلته فيها اما قوات الجيش البريطاني المتواجدة في منطقة رام الله (في خربثا بالقرب من بيت عنان) فقد اسنحبت من رام الله، بعد ان علمت بوجود عبد القادر في تلك المنطقة).(83)

   وهكذا خاض عبد القادر ورفاقه عدة معارك دامية مع الجيش البريطاني، وكان بعضها يستمر عدة ايام ونذكر من تلك المعارك:

  (المالحة والقسطل وقولونيا وعين كارم وعرتوف وبتير والولجة وصفا وبيت حنينا والنبي صموئيل وقطنة والنيقي يعقوب وسنجل وعيون الحرامية)، غير حوادث القوافل ونسف السكك الحديدية وقلب القطارات ومهاجمة المستعمرات اليهوية وثكنات الجيش ومراكز البوليس.(84)

   كانت الثورة قد اندلعت في معظم انحاء فلسطين (كما ان الثوار العرب لم يقفوا مكتوفي الايدي ازاء تلك المستوطنات ومن بين اهم العمليات التي قاموا بها الهجوم على (تيرات تسفي) في غوربيسان، حيث قامت مجموعة من الثوار بقيادة الشيخ (عطية) يوم 28 شباط1938 بمهاجمة تلك المستوطنة، وتمكنوا خلال ساعة ونصف ساعة من القتال الليلي من احداث ثغرة في السور، وتدمير الكشاف المطل من فوق البرج، وقد وصف المصادر الاسرائيلية بداية العملية بقولها: «لقد تمكن العرب من الوصول الي حفرة قريبة من الموقع، دون ان يشعر بهم احد، وحينذاك شاهد احد الحراس حركة مشبوهة بالقرب من الموقع، وسألوا من هناك؟ وطمأنهم احد افراد العصابة بكلمات عبرية.. وقد استنجدت المستوطنة نتيجة ضغط الهجوم، بالمستوطنات القريبة وبمحطة الشرطة، الامر الذي ادى الي فشل الهجوم، ومن الجديد بالذكر ان (الجنرال وايفل) قائد الجيش البريطاني في فلسطين هنأ (موشى شرتوك) بنجاح العملية (عملية الدفاع عن (تيرات تسفي)، كما ان المندوب السامي بعث ببرقية تهنئة بهذه المناسبة الى الوكالة اليهودية.(85)

  وعند فجر 10/10/1938، قاد المجاهد (عبد الرحال) مجموعة من 25 عنصرا، وهاجم مستوطنة معوز في منطقة بيسان، حيث جرت هناك معركة عنيفة اوشكت خلالها مستوطنة (سور وبرج) على السقوط، مما دفع حراسها لطلب النجدة من قوات الحدود البريطانية، وبالفعل تقدمت قوات من سلاح الحدود مدعومة بطائرة، وقد تنج عنها استشهاد القائد (عبد الرحال)، وكذلك اصيب الضابط الامريكي (قائد مجموعة سلاح الحدود) بجراح وتعترف المصادر الاسرائيلية بتراجع قوات سلاح الحدود، وبعد اصابة القائد، نتيجة ضغط هجوم الثوار العرب، وقد جرت عمليات اخرى في تلك المنطقة، سقط في احداها (حاييم شطورمان) احد قادة اليشوف اليهودي في شمال فلسطين)(86)

   وقبل بروز مستوطنة (حنيتا) على شكل مستعمرة سور وبرج في الجليل الأعلى، قام الثوار بمباغتة المستوطنين بهجوم قوي ومنظم، وصفته المراجع الصهيونية بالقول: (ان الهجوم اتسم بالجرأة وبمقدرة استراتيجية، فقد قدم يوم انشاء المستوطنة حوالي 400 مستوطن، ومن بينهم 110 من الحراس وافراد من الكتائب المدنية، الذين جرى تجميعهم من جميع ارجاء اليشوف في فلسطين، وقاد هؤلاء (اسحق ساديه) يساعده ضابطان شابان هما (موشى دايان ويغئال الون)، تدعمهم طائرتان صغيرتان، وعند حلول الظلام، وخلال فترة تبادل الحراسة في المواقع التي اقيمت حال وصول المستوطنين، فوجىء المستوطنون بهجوم يقوم به الثوار، بواسطة ثلاث مجموعات تمكنت احداها من احتلال الموقع، ودارت معركة عنيفة بين الطرفين اسفرت عن اصابة عدد كبير من المستوطنين، وقتل قائدين هما (يعقوب بارغر ويهودا برنز).(87)

   (ومن الجدير بالذكر ان الثوار العرب هاجموا في الليلة الاولى لمجيء المستوطنين الى مستوطنة (حانيتا) شمال فلسطين قرب الحدود اللبنانية، حيث احاط بهم حوالي مائتي مجاهد، والحقوا الخسائر في الممتلكات بين صفوف المستوطنين، كما قاموا بعد ذلك بمهاجمة رجال المستوطنة، وقتلوا خمسة منهم، ويبدو ان تحفظ رجال الانتداب من اقامة تلك المستوطنة، ناجم قبل كل شيء عن حسابات تتعلق بالجبهة العكسرية، التي يتوجب على سلطات الانتداب بذلها لتوفير الحماية للمستوطنة، بعد قيامها وسط منطقة عربية جبلية يتحصن بها الثوار العرب.(88)

   كما حدث صدام آخر في غور بيسان، عندما صحا قائد سلاح الحدود الكولونيل (كريستل) من نومه صبيحة 25 تشرين ثان 1938 ليجد مستوطنين قد برزتا على الارض هناك، هماSadكفار روبين وفيه ايتان) بدون اذن من السلطات، فتوجه برفقة ثلاثة من الضباط العرب واحتج الضابط البريطاني على اقامة المستوطنين بدون اذن، وهدد باتخاذ الاجراءات اللازمة لازالتهما، بيد ان التقاء المصالح العليا بين التجمع الاستيطاني والاستعمار البريطاني اقوى بكثير من ارادة الكولونيل البريطاني، الذي وجد شرفه قد خدش في غور بيسان، فقد تدخلت الوكالة اليهودية وكفت السلطات عن عرقلة الاستيطان هناك.(89)

  ورغم المكاسب التي حققتها الهاغناه ما بين سنة 1936- 1939م، من استمرار الاستيطان اليهودي وتوغله في مناطق سهول شرق بيسان وشرق بحيرة طبريا، والجليل الغربي وشمال سهل الحولة (فقد قررت الخسائر اليهودية منذ بداية الاحداث عام 1936- 1939م بحوالي (520) قتيلا بالاضافة الي (2500) جريح.(90)

  وقد اعترفت المصادر الصهيونية بهذه الخسائر فكانت ما بين 1937- 1939 كالتالي:

  1- من منتصف تشرين اول 1937 حتى منتصف حزيران 1937م قتل في تلك الفترة (57) يهوديا وسقط في القدس وحدها (24) يهوديا.

 2- من منتصف حزيران 1938 الى نهاية تشرين اول 1938، وكانت تلك الاحداث قد وصلت الى اوجها في تلك الأشهر، فقد قتل (223) يهوديا، حيث اشتدت الاحداث والهجمات في كل مكان، وخاصة في منطقة حيفا، حتى وصل عدد القتلى (41) قتيلا.

 3 - من تشرين ثان 1938 حتى نهاية نيسان 1939م سقط خلالها (104) من اليهود.

 4- من الرابع من أيار 1939 حتى نهاية ايلول 1939 قتل خلالها (31) يهوديا.(91)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:05 am

اجراءات السلطة:

    هب الانجليز للقضاء على الثورة في كافة انحاء فلسطين، ولجأوا في سبيل ذلك الى اشد اعمال البطش، بحيث اضطرت السلطة الانتدابية الى استخدام الطائرات والدبابات ومختلف انواع الاسلحة لقمعها، وسلطوا جام غضبهم على المدن والقرى وفرضوا قوانين الطوارىء ومنع التجول وسنوا الانظمة الاستثنائية، وفرضوا الغرامات الجماعية، وملأوا السجون والمعتقلات بالناس حتى بلغ عدد نزلائها من المعتقلين السياسيين والمحكومين الاداريين حوالي (4500) عربي، كما قامت السلطة باعدام العشرات من الشباب المجاهدين، ودمروا آلاف البيوت في المدن مثل: يافا واللد وجنين والناصرة، كما نسفوا عشرات القرى العربية منها: مجدل الكروم وشعب والبروة وبلعا ودير الغصون وفوله وبيت ريما وبيت امرين والطيبة وطلوزة وعصيره وغيرها كما طبقوا على الشعب العربي ابشع ما سجله التاريخ، من حوادث البطش والعنف والتنكيل.(92)

  ولعل هذه الصورة التي رسمها اهالي صفد في مذكرة بعثوا بها الى المندوب السامي في 10 كانون ثان 1938م، يحتجون فيها على طغيان سلطان الجيش، توحي بما كان يجرى في تلك الايام وجاء في المذكرة:

  (ان الجنود البريطانيين لم يتركوا بابا ولا شباكا الا كسروه ولم يتركوا شيئا من الاطعمة والاواني والاثاث الا أتوا عليه بالتخريب والاتلاف.. خلطوا المؤن ببعضها، والقوها على الارض وسكبوا الزيت على الحنطة، والسمن فوق الحبوب والطحين والبترول.. اتلفوا المتاجر ومحتوياتها والقوا في بعض الآبار الخاصة للشرب مواد لا نعلم نوعها.. حرقوا عددا من البيوت.. لم يتركوا شيئا من النقود ومصاغ السيدات الا سلبوه حتى القرآن الكريم داسوه بأرجلهم(93).)

  ورغم ما أقدمت عليه السلطة، فقد جاء في تقرير الحكومة البريطانية، ان حوادث العنف على انواعها من معارك في الجبال الى حوادث في المدن، فبلغت (5708) حوادث في عام 1938م منها:

  986 هجوما على البوليس والجيش

 720 هجوما على المواصلات البرية

 341 هجوما للتخريب على السكك الحديدية

 10 حوادث تفجير في انابيب نفط العراق- حيفا

 430 اغتيال ومحاولة اغتيال.

 651 حادثة هجوم على المستوطنات والايحاء اليهودية.(94)

  ولهذا فقد استمرت الثورة رغم هجوم السلطات البريطانية العنيف، على الحركة القومية وتشديد اجراءات القمع التي انتهجتها.(95)

   حتى ان ابن غوريون لاحظ ان طابع الثورد قد تغير، فكتب في 3/8/1938م مقالا بعنوان:

  «على ثلاث جبهات«: انه في حين كانت الثورة حركة ارهاب (هكذا يصف الصهيونيون الثورة العربية) في البداية، ومن صنع عناصر جائوا من العراق وسوريا وفلسطين، الا ان الفترة الثانية، امتازت بمشاركة المواطنين العرب الفلسطينيين في المعركة بشكل حاسم.(69)

  كما لاحظ بن غوريون ان (هذه الاصطدامات كانت في كثير من الأحيان اصطدامات يهودية- عربية، نجمت عن نشاط منظمة الدفاع الصهيونية التي عرفت بالهاغناه، فقد اقامت السلطات (الفرق الطائرة) او فرق الليل الخاصة من الهاغناه، بقيادة رجل الاستخبارات البريطاني. الضابط (اورد تشارلس وينجيت)، وكانت هذه الفرق قد اخذت علي عاتقها واجب حماية المنشآت البريطانية ولذلك تسببت بسبب نشاطها في حوادث اصطدامات يهودية عربية، وصفت في التقرير، علي انها هجومات على مستوطنات واحياء يهودية، كما وصفت كرات الجيش والبوليس على القرى العربية، والاصطدامات الناجمة عن ذلك في باب هجومات على الجيش والبوليس.(97)

  الانجليز ينثرون الاموال ويشترون بعض خربي الذمم لقمع الثورة:

   حارت الحكومة في امرها، خاصة بعد ان اشتدت الثة، واندلع لهيبها في جميع انحاء البلاد، وفشل الجيش- بالرغم من شدة عملياته- من القضاء عليها.

  فما كادت معركة (عرتوف) تنتهي حتى تبعتها معارك مماثلة في (وادي البلاط) قضاء رام الله وفي (ام صفاء) كما دارت معارك اعنف واشد في الوسط والشمال كان يقودها الشهيد المجاهد (عبد الرحيم الحاج محمد) في بلغا.(98)

   لقد فقدت الحكومة سيطرتها تماما في مناطق ومدن بأسرها، لهذا عمدت الى سياسة التفرقة كعادتها حيث راح الانجليز ينثرون اموالهم للقضاء على الثورة والثوار، وتفرقة الصفوف، كما ادخلوا بين صفوف الثورة عناصر لافسادها، وقد نجحت هذه الخطة بعد ان نجحت العناصر الفاسدة في تفريق الكلمة وبذر الشقاق بين الاهلين، ونشر اعمال النهب والسلب، بل تعددت ذلك الى قتل بعض الابرياء، لمجرد عداء شخصي، او خدمة لافكار الناس.(99)

   لاحظ عبد القادر سوء نية الانجليز من وراء ذلك، فكتب الدكتور قاسم الريماوي يقول:

   (حدثنا احد الموثوقين، ان بعض الثائرين من عناصر الافساد كانوا يترددون على (قرمان) صاحب شركة الدخان المشهورة ويطلبون منه النقود، فاعطاهم اولا وثانيا وثالثا، الا انهم في المرة الاخيرة، حاولوا تهديده، فامر عماله بان يمكنوا لهم، فمكنوا ولما حضروا القوا القبض عليهم وجردوهم من اسلحتهم، وسلموهم للبوليس الا ان دائرة التحري لم تتخذ أي اجراء ضدهم، لانه ثبت انهم من رجال الاستخبارات وان السلطات ارسلتهم خصيصا لتشويه سمعة الثوار.(100)

  هذا، ومن الثابت ان الحكومة البريطانية قد سلحت هؤلاء، وامرتهم بالتجول في القرى للنهب والسلب.

   حدثنا المجاهد الكبير (لافي محمد سعادة)(101) ان بريطانيا استطاعت اغراء (عبد العزيز ابو ريا) من قرية صفا- رام الله، ووضعت تحت تصرفه(40) رجلا بعد ان جعلت منه (رئيس فصيل السلام) لاذكاء نار الفتنة في منطقة رام الله، وقد اشتد نفوذه في المنطقة في (صفا ودير ابزيع وبيت عور وغيرها). واضاف المجاهد يقول:

   «ذات مرة اجبرت السلطات البريطانية (عبد العزيز ابو ريا) على اغتيال الدكتور داود الحسيني، وكان يعمل طبيب اسنان في يافا، وعلم شخص يدعى (الشرفان) من بيت عور بالخطة، فاسرع الى يافا واعلم الدكتور داود بالامر، وقال له: يا دكتور: رايح يجيك عبد العزيز او ريا ليقتلك فكن على حذر).

  ولما حضر ابو ريا، وقبل ان يصعد درجات الطابق الثاني، رآه الدكتور داود ونزل اليه (بملابس الدكتره) ووكزه باصبعه في صدره وقال له: يا ابو ريا.. انا الدكتور داود الحسيني جئت لتقتلني بسلاحك هذا يا عبد العزيز، والله لز اريد ان اضرك بما قصرت.. انا عربي روح ارجع لصوابك...) وعاد الدكتور الى العيادة.

  انتشر خبر المكيدة، واستطاع بعض الرجال الشرفاء، من القاء القبض على عبد العزيز واحضاره مكبلا الي قرية (بيت عنان) للمثول امام عبد القادر الحسيني، الذي استطاع ان يقنعه بالعدول عن سلوكه المشين وعفا عنه بعد ان اخذ عليه العهود والمواثيق ولكن عبد العزيز عاد الى الفساد من جديد، ثم احضر ثانية مخفورا الى (بير زيت) تمهيدا لمحاكمته لكنه استطاع الهرب من الحراس.

  واضاف المجاهد يقول:

   «كان ابو ريا يدخل على المندوب السامي حاملا سلاحه، بدون معارضة او استنذئان، ولما انتهى مفعوله، منع من الدخول مرة، وبقى ينتظر على باب المندوبية من الساعة 8-12 ظهرا، ثم سمح له بالدخول بعد ان جرده الحراس من سلاحه، ودخل منفعلا غاضبا. فقال له المندوب:

 - ما لك يا عبد العزيز.. اليوم شايفك زعلان؟

    فرد عليه عبد العزيز مزمجزا: نعم انا زعلان.. ما هذا الذي عملتوه معي يا سيادة المندوب؟

    فرد عليه المندوب بكل برود: لا تغضب يا عبد العزيز.. مهمتك انتهت.. هيا اخرج من هنا ولا تريني وجهك ثانية».

    راح عبد القادر يطارد هؤلاء اللصوص ويقاوم العابثين بالنظام من ذوي النزعات الشريرة، الذين دفعت بهم السلطة الي ميدان الشرف للاساءة الى قداسة الجهاد، وتشويه سمعة الحركة الوطنية، وراح ينكل بهم اينما وجدوا، وقضى على عوامل الفوضى والاستغلال.

معركة بني نعيم الكبرى

4 تشرين الاول 1938م

  ذهل الانجليز لما رأوه من بطولة عبد القادر ورجاله، وما شاهدوه من ثباتهم، فقرروا التخلص منه والقضاء على رجاله، فتعقبه الجيش من مكان الي اخر، وعبد القادر يتنقل مثل البرق، فلا يكاد الجيش يطوقه هو ورجاله حتى يجد لهم مخرجا، حتى كان يوم 4 تشرين اول 1938م، حيث وقعت معركة بني نعيم الكبرى، وهي اشد معركة عرفتها ثورة فلسطين حينئذ.

   استطاعت السلطة البريطانية شراء بعض الضمائر الشريرة، للايقاع بعبد القادر ورجاله الذين كانوا في تلك الايام يعملون خارج منطقة الخليل، وتنفيذا للخطة المرسومة، والمكيدة الفاجرة، ارسل مختار تلك القرية خطابا الى عبد القادر، يدعوه للحضور الى بني نعيم لحل افساد مزعوم وقع بين المجاهد عبد الحليم الشلف وبين اهالي جبل الخليل.

  لبى عبد القادر الدعوة، واخذ معه من (30- 40) رجلا من بينهم ابن عمه (علي حسين الحسيني)(102) وصبحي ابو غريبة وجاد الله الخطيب وعيسى ابو قدوم التعمري وابراهيم خليف وعبد الله ابو ربا ويوسف سمرين وغيرهم... مارا بمخماس وعرب السواحرة وعرب التعامرة، حتى وصل الى بني نعيم قضاء الخليل(103)، وقصد الجميع دار المختار المآمر ضد المجاهدين الذي اخر موعد الغداء حتى يكتمل التطويق البريطاني، الذي كان متمركزا في قرية (يطا)، ولما احضر المختار الغداء- وكان الوقت الساعة الرابعة من بعد ظهر ذلك اليوم- لمسه عبد القادر فوجده باردا جدا، فتأكد ان في الامر مكيدة، وامر رجاله بعدم الاكل والخروج فورا...

   كان الانجليز قد وجهوا قوة تقدر بنحو (3000) جندي تدعمها الطائرات والدبابات والاليات المدرعة، وقامت هذه القوة بضرب حصار واسع النطاق حول منطقة بني نعيم هدفها ضرب معاقل الثوار، والقضاء علي مقاومتهم وما ان خرج عبد القادر ورفاقه حتى فوجىء باخبار الكمين، وفي الحال امر قواته بالانتشار السريع، لايهام العدو بان عدد الثوار كثير غير ان الطائرات استدلت على اماكن تواجدهم، فراحت تقصفهم بنيرانها، في الوقت الذي كانت القوات البرية تزحف نحو الجبال المحيطة بالقرية.

  اسنحب عبد القادر من القرية خشية تدميرها واتجه هو ورفاقه الي واد قريب حيث وزع قواته على سفحي الجبل للدفاع حتى الموت، وكان الى جانبه ابن عمه علي حسين الحسيني، وما ان مر الجنود بالوادي، حتى اطبق عليهم المجاهدون من كل جانب، وراحوا يحصدونهم حصدا، بعد ان توقفت الطائرات عن القصف لاختلاط الفريقين (ولو لم تسرع الميسرة) (جماعة عبد القادر) بالانسحاب من الجهة الشمالية لتقرر مصير المعركة لصالح المجاهدين الا ان انسحاب الميسرة مكن الجنود البريطانيين من الالتفات حول عبد القادر، ولما شعر القائد بحركة الالتفات هذه امر قواته بفتح طريق لها، وتقدم الصفوف حتى اصابته عدة طلقات خر مضرجا بدمه، كما وقف الى جانبه المجاهد صبحي ابو غريبة وجاد الله الخطيب، فطلب عبد القادر منهما ان يتركاه وشأنه، الا انهما أبيا، واخذا يقاومان قوات العدو بجرأة ما بعدها جرأة الى ان خر البطل علي حسين الحسيني شهيدا بجانب عبد القادر، اما جاد الله الخطيب فقد انقضت عليه طائرة، واصلته بعدد من الطلقات في فخذه، كما اصيب المجاهد صبحي ابو غريبة بجرح في يده وهكذا استمات المجاهدون في الدفاع حتى وقع منهم (16) شهيدا و(30) حريجا، وزادت اصابات الانجليز عن مائة اصابة.

  ولما جن الليل انسحب ما تبقى من المجاهدين من ميدان المعركة، بعد ان نفذت ذخيرتهم تماما(104).

   خاض عبد القادر هذه المعركة البطولية الرائعة، بنحو (40) رجلا ضد (3000) جندي يعززهم الف رجل من البوليس اليهودي وحرس الحدود، وسبع عشرة مصفحة وباطيتا مدفعية ورشاشات ثقيلة وعدد من الطائرات(105) الى ان تمكن العدو من التغلب على المجاهدين الذين خسروا (16) شهيدا ومن بينهم: علي حسين هاشم الحسيني (ابو الحسن) والشهيد البطل ابراهيم خليف، الذي شوهت جثته كثيرا اثر طعنات الجنود البريطانيين، لاعتقادهم انه هو عبد القادر، لأنه كان يرتدي بذلة قائد عسكري كما استشهد في هذه المرعكة الشهيد عبد الله ابو ريا ويوسف سمرين وعدد آخر من المجاهدين كما اعترف الجيش البريطاني باصابة خمسين من جنوده، الا ان العدد الحقيقي. كان ضعف ذلك.

  اما عبد القادر فقد كان ملقى بجانب جدار، وقد ظللته حزمة من شجر البلوط التي اخفته عن الانظار.

  كما قتل في هذه المعركة بعض اهالي البلدة، وثلاث نساء من قرية بني نعيم، كن يسقين المجاهدين.

  نجاة عبد القادر:

    جاس قائد الحملة البريطانية خلال ميدان المعركة فرأى عشرات القلى والجرحى، وراح يفتش بينهم عله يجد ضالته المنشودة، فوجد الشهيد (ابراهيم خليف) ملقى بين اخوانه الشهداء، فظنه عبد القادر فركله برجله عدة ركلات، وطعنه بحربته فلم يتحرك فأيقن ان القائد الشجاع قد انتهى، فعاد على رأس جيشه الى مدينة الخليل مزهوا بالنصر- بعد ان نقل قتلاه وجرحاه تاركا الجرحى العرب لمصيرهم المحتوم، والقتلى لضباع البر ووحوش الفلا.

  هرع اهالي القرى الى بني نعيم يتفقدون ابناءهم، فنقلوا من كان جريحا منهم وجمعوا الشهداء في مكان واحد، تمهيدا لنقلهم في صبيحة اليوم التالي وكان عبد القادر بين هؤلاء وسرى خبر موته في البلاد فخيم الحزن والسكون على كل مدينة وكل قرية وكل بيت ومراحد رجال البدو في صبيحة اليوم التالي في ميدان المعركة ورأى جثث الشهداء كما سمع انينا ضعيفا خافتا يصدر من بينها فتقدم ليتبين الامر فاذا به يجد عبد القادر وقد دبت فيه الروح يئن ويستغيث فنقله على ناقة كانت معه وعبد القادر بين الحياة والموت لا يعي شيئا، واوصله الى المستشفى الانجليزي في الخليل وسلمه للممرضة وقالSadهذا رجل لا اعرفه وجدته جريحا فنقتله).

  ترك البدوي عبد القادر في المستشفى، وهرول الى بيت آل الحسيني في القدس، فوجدهم مفجوعين لوفاته حجيث نقل لهم البشرى العظيمة: (ان عبد القادر لم يمت).

  كان آل الحسيني واهل القدس والقضاء قد منعوا بامر من السلطة التي حذرت الاتصال بين قضاءي القدس والخليل فلم يتمكنوا من الذهاب الى ميدان المعركة.

  وفي المستشفى ارغم رفاق عبد القادر طبيب المستشفى على معالجته بعد ان قطعوا كل اتصال بين المستشفى والخارج حيث اجريت له عملية جراحية.

   هكذا عولج (الجريح المجهول) في المستشفى لمدة اسبوع سهرت عليه خلالها ممرضة عربية بعد ان ادركت ان جريحها هو (عبد القادر الحسيني) ولكنها كتمت الخبر.

   (ولما استرد البطل شيئا من صحته، نقله اعوانه الى بيت احد الاصدقاء في الخليل، ومنها حملوه على فرس القائد (عبد الحليم الجولاني) وسار معه حسين جاد الله وعبد الحليم الشلف وحجازي عرفة والحاج ناجي وغيرهم حتي اوصلوه الى عرب السواحرة، حيث كان يتألم كثيرا من جرحه الذي ما زال مفتوحا وبعد ان استراح قليلا استأنف السفر بعد منتصف الليل الى شرق الاردنت مجتازا مخاضة النهر الى الشونة وهناك استأجر حسين جاد الله سيارة نقلت المرافقين سرا الى صويلح، ومنها الي دمشق، وهنا ادخل المستشفى لاستكمال علاجه حيث كانت احدى الرصايات قد اخترقت رئته اليمني، الى ان من الله عليه بالشفاء(106).

 الانجليز يشددون الاحكام العرفية:

  اخذ الانجليز في هذه الاثناء يشددون على السكان العرب، فطبقوا الاحكام العرفية بشدة لم يشهد لها التاريخ مثيلا، وشكلوا المحاكم او على الاصح الملاحم العسكرية- لمحاكمة المجاهدين فشنقوا المئات منهم _238) شخصا لاتفه الاسباب فقد اعدم بعضهم لخمله طلقة واحدة، والبعض الاخر لانه من الثوار الخطيرين، كما زجوا بالالوف من الاهالي في المعتقلات، حتى ضاقت بهم معسكرات الاعتقال الموجودة في (صرفند وعتليت وبيت لحم وعلار وغيرها). واخذوا يطوقون القرى العربية ويستعملون جميع انواع الشدة التي تقشعر لهولها الابدان، فبعد ان يجمعوا السكان يضعون النساء والاطفال في جهة، والرجال في جهة اخرى ويبقونهم عشرة ايام او خمسة عشر يوما، بلا اكل او شرب وخلال ذلك يسيمون الرجال انواع العذاب فيجلدونهم حتى يغمى عليهم، او يموتون وقد يشدون بعضهم الى سيارة ويجرونهم حتى تتمزق اجسامهم وقد قتلوا في هذه العمليات عشرات الرجال، كما اجهضت عدد من النساء، كما توفي عدد من الاطفال.

  ويتابع الدكتور قاسم الريماوي في وصف الحالة فيقول:

  «وانني اورد مثالا لذلك.. ما حدث اثناء تطويقهم قرية (بيت ريما قضاء رام الله) في شهر نيسان 1939م، وقرية حلحول/ قضاء الخليل في آذار 1939 وقرية (بيت فجار) واليك اسماء من اعرف ممن استشهدوا من جراء التعذيب الوحشي، اثناء عمليات التطويق: (فائق زكي الريماوي ومحمد العشوى ومحمد عمر الريماوي وذيب العثمان الريماوي وكامل احمد الريماوي، وكلهم ماتوا من جراء التعذيب، كما شنقت السلطات ظلما وعدوانا- لمجرد الخطورة- عشرات المجاهدين دون ان تثبت ضدهم اية تهمة واذكر منهم:

  (فايز حسن الريماوي وفخري حمد، اللذين اعدما في القدس في ايلول 1939م، وعبد القادر الراعي الريماوي الذي اعدم في نفس السنة في القدس بذات التهمة، وكثيرين غيرهم ولما اعيت الحكومة البريطانية الحيل، عمدت الي حل القضية بطريقة سلمية، ففرضت الكتاب الابيض في حزيران 1939م، الذي رفضه العرب رفضا قاطعا.

  عودة عبد القادر الى القدس:

    وما ان ابل عبد القادر من جراحه التي اصيب بها في معركة بني نعيم، حتى عاوده الحنين الى الجهاد، فارسل في طلب رؤساء الفصائل الموجودين في فلسطين، فحضر منهم خمسة عشر مجاهدا الى دمشق حيث عقد معهم اجتماعا في بيته في (الصالحية)، حيث قرر العودة الى فلسطين فورا الا ان السلطات البريطانية كانت قد شددت الحراسات والاحتياطات على الحدود ولما علم القائد بذلك ارجأ العودة بعد عشرين يوما، وبعد انتهاء المدة ركب هو ورفاقه قطار البضائع المتوجه الى درعا على الحدود السورية- الاردنية، ومن هناك ترجل الجميع وساروا مشيا على الاقدام، في طريقهم الى فلسطين عبر شرق الاردن، فوصل الجميع مدينة اريحا بعد مسيرة يومين كاملين قاسوا فيهما حر الشمس المرحقة وعورة المسالك.

  ومن اريحا انتقل عبد القادر الى عرب السواحرة وهناك عقد اجتماعا حضره جميع رؤساء الفصائل والمسلحين، وذلك في ربيع 1939م، حيث تقرر البدء في القتال ومواصلة الثورة. وبعد ذلك انتقل الجميع الى قرى العرقوب، وفي الطريق نسفوا قسما من خط سكة الحديد، وعند وصولهم الى قرية (ام الروس) اجتمع القائد بنائبه في العرقوب الشهيد احمد جابر وكانت قواتهما قد بلغت (500) مجاهد.

  علم عبد القادر ان قافلة بريطانية قادمة من القدس الى الخيل، يبلغ عدد سياراتها ثلاثين سيارة فامر قواته بالتوجه للانقضاض عليها، فرابطوا على جانبي الطريق وما ان وصلت القافلة حتى اشتركوا معها فأصلوها نارا حامية، وحرقوا عددا من سياراتها كما تمكن قسم من السيارات من العودة الى القدس، وقد احرز المجاهدون انتصارا رائعا، الا انهم فقدوا نائب القائد في العرقوب الشهيد احمد جابر/ ابو الوليد، وعادت قوات الجيش في اليوم التالي الى مكان المعركة للبحث عن بقية جثث قتلاها/ الذين لم تتمكن من نقلهم في اليوم الاول.

   اما عبد القادر فقد انسحب الى عرب التعامرة، ومنها الى عرب السواحرة، وبقي القائد عبد القادر بضعة اشهر في البلاد، ولما وجد نفسه وجماعته في هذا الوضع المتجمد/ خاصة بعد ان طلبت اللجنة العربية العليا وقف القتال والاعمال الثورية، بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية(107) وان الحالة الاقتصادية في البلاد، قد اصبحت حرجة جدا، لأن معظم الرجال كانوا في المعتقلات، وان عددا كبيرا منهم قد قتله الانجليز او شنقوه، قرر مغادرة البلاد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:08 am

الفصل الرابع

عبد القادر الحسيني في العراق

  عندما وصل عبد القادر الى لبنان، نشط البوليس السري في البحث عنه غير انه استطاع الوصول الى بغداد بصورة مدهشة يرويها السيد طالب مشتاق:

  «دخل مكتبي في يوم من ايام (خريف) 1939م الصديق (ابو الهدى اليافي المحامي)، من الشام وقد كنت آنذاك قنصلا للعراق في بيروت وكان برفقته شاب قصير القامة وسيم الطلعة، ذو نظرات نفاذة تنم عن ذكاء حاد، ورجولة كامنة فقدمه الاستاذ اليافي الي وقال:

  الا تعرفه؟ فقلت مع الاسف: لا. قال هذا عبد القادر الحسيني نجل المغفور له موسى كاظم باشا الحسيني. قلت: اهلا وسهلا يا مرحبا فهذا الشبل من ذاك الاسد.. قال: وقد جئناك لامر هام طالبين منك النجدة قلت: كل شيء يهون في سبيلكم ان شاء الله قال: انت تعلم ان الانجليز قد حكموا على عبد القادر بالاعدام وهم الان يستطلعون اخبارهخ ويتعقبون خطواته، كما ان الفرنسيين يحاولون القاء القبض عليه وتسليمه الى اعدائه.

   ما كان في امكاني ان اتردد برهة واحدة، كان واجبي في تلك اللحظة ان انقذ حياة عبد القادر، هذا الجندي العربي المقدام باي ثمن كان وكفى. لقد صممت وكان تصميمي جديا، كان علي ان اخرج عن حدود صلاحيتي، واخالف أوامر حكومتي ومتى كانت الوظيفة بالنسبة لي طاعة عمياء لأوامر الحكومة وتنفيذ اوامرها بدون قيد او شرط، ومتى كانت الصلاحية تعيقني عن اداء واجب وطني؟، اليس مغزي الوظيفة بالنسبة لي هو الخدمة العامة؟ واي خدمة هامة اعظم ممن الضرب على يد الجلاد ومنعه من اراقة دم زكي طاهر، كدم هذا المتطوع الجريء لخدمة الامة العربية والمدافع عن حقها المغتصب والذائد عن حيضة الوطن الجريح.. تعال يا ولد... اتني بجواز سفر غير مستعمل، فآتاني بالجواز، واخذت القلم بيدي وصرت املأه.. اسمه6 (يوسف الصايغ)(108) افهمت يا عبد القادر.. يوسف الصايغ

  عمرك: 35 عاما.. محل ولادتك الاعظمية.

  وهكذا اصبح عبد القادر عراقيا في مدة لا تتجاوز ربع ساعة فناولته جواز سفره واتصلت ببعض شركات النقل بالشام وبعد يومين اثنين كان عبد القادر الحسيني او (يوسف الصايغ) يطوف شوارع بغداد هازئا بالانجليز ساخرا من الفرنسيين(109).

   وصل عبد القادر الى بغداد ولما علم اصدقاؤه من المجاهدين العراقيين ان الراحل اليهم هو صديقهم عبد القادر الذي سمعوا عنه الكثير ولما لمسوه منه اثناء وجوده بينهم من سمو الروح ونبل العقيدة فتهافتوا عليه، فكان موضع حفاوة الجميع، فحل ضيفا على الحكومة وكان اول مجاهد فلسطيني تطأ قدمه ارض العراق هجرة في سبيل الله (110) بعد مدة وصل سماحة المفتي وصحبه الى بغداد، فاستقبلهم الشعب والحكومة العراقية استقبالا منقطع النظير.

  اقام عبد القادر في (حي الكرادة الشرقية في بغداد) وعمل مدرسا للرياضيات والعلوم في مدرسة (التفيض) الاهلية ولكي يساير عبد القادر تطو ر العلوم الحربية التحق بدورة لكبار الضباط في الكلية العسكرية (بمعسكر الرشيد) في نيسان 1940م، لدراسة الفنون العسكرية من الناحية العلمية والنظرية- بعد ان اتقنها عمليا- وبعد ستة اشهر تخرج برتبة ضابط ونظرا لتفوقه الباهر- بعد ان احرز المرتبة الاولى- عين مدرسا في نفس الكلية، بالاضافة الى تدريسه في مدرسة التفيض الاهلية.

   انتهز عبد القادر هذه الفرصة للاتصال بخيرة شبان العراق المثقف، لتوجيههم الوجهة الوطنية الصادقة، حتي احبه طلابه حبا جما(111) واكبروا فيه الروح العسكرية والوطنية، فراح يحذر الشعب من خطر اليهود بكتاباته المتتالية في مجلة مدرسة التفيض، مما ادى الي مصادرة المجلة لاحتجاج اليهود الشديد عليها.

   اما رجاله من المجاهدين الفلسطينيين، فانهم بعد وقف اعمال الثورة في فلسطين وتضييق الخناق عليهم، من قبل السلطات واعدامها كل من يقع تحت ايديهم، فانهم هاجروا الى العراق للالتفاف حول قائدهم.

   كانت المجاهدة الصابرة (وجيهة زوجة عبد القادر) قد وصلت الى بغداد من الشام لتكون بجانب زوجها ولتقف معه في ملماته، ففتحا بيتهما- كالمعتاد- لاستقبال جنوده(112) واعوانه ورفاقه، الذين اغتنموا فرصة وجودهم في بغداد، فالتحقوا بالمدرسة الحربية للتدرب علي مختلف الشؤون العسكرية وقد تخرج قسم كبير منهم بعد ان اتقنوا فنون الحرب والقتال واستعمال الاسلحة المختلفة.

 ثورة رشيد عالي الكيلاني

  لا عجب ان يهب الفلسطينيون الموجودون في العراق لنصرة اخوانهم العراقيين في ثورتهم، ضد الظلم والطغيان البريطاني وانتهاكه لحركات المعاهدة العراقية- البريطانية، ومحاولتهم وضع العراق من جديد، تحت سيطرة القوات البريطانية، وتهديد استقلال العراق وسيادته، خلافا للاتفاقيات القائمة والاصول المتبعة.

   ففي 21 نيسان 1941م نشبت الحرب العراقية- الانجليزية، بسبب تدخل الانجليز في شؤون العراق الداخلية ومحاولتهم حمل العراق على الوقوف الى جانبهم، ضد دول المحور وحصل الصدام الناري بقيادة (رشيد عالي الكيلاني)- رئيس الوزراء- في منطقة الحبانية، فاسرع المجاهدون الفلسطينيون الى الاشتراك في التضحية، وقد دفعهم الى ذلك واجبان:

1- واجب القية. 2- حق الضيافة.

   اختار عبد القادر صفوة من رجاله لم يتجاوز عددهم (16) مجاهدا(113) فراح يشق طريقه الي الخطوط الاولى للمعركة، ريثما يلحق به بقية المجاهدين، والتحم مع رفاقه في معركة هائلة ضد الانجليز، وكان هدفه من هذا التقدم، نجدة كتيبة عراقية، كانت معرضة لهجوم انجليزي مركز في منطقة (صدر ابي غريب) في الفالوجه، على بعد 60 كم من بغداد.

   كانت القوات الانجليزية تتقدم نحو بغداد عن طريق الفالوجة، واستطاع القائد البطل من دحر هذا الزحف، ومنعه من دخول بغداد بضعة ايام.

  كتب الدكتور قاسم الريماوي في مخطوطه يقول:

  «حدثني- رحمله الله- قال: تمكنت انا وستة عشر فلسطينيا من اخواني البررة، من التقدم الى مقدمة الجيش العراقي للقاء الانجليز، وقبل مطلع فجر 21 نيسان(114) وصلنا الى نقطة تقع في صدر ابي غريب، ولا تبعد كثيرا عن المواقع الانجليزية، حتي اصبحنا على بعد امتار معدودة من استحكاماتهم، فامرت الستد عشر مجاهدا ان ير كبوا حرابهم في بنادقهم، وان يركضوا لاحتلال الاستحكامات الانجليزية المواجهة، وعندما تصدر اليهم الأوامر، وما ان اصدرت الاوامر، حتي وثب الجميع كأنهم اسود منطقة من اقفاصها، وما شعر الانجليز الا ونحن نحتل استحكاماتهم فحسبوا انهم اخذوا علي حين غزة وانه قد تم تطويقهم، فانسحبوا وتركوا الضفة التالية من الجسر الذي يفصل بيننا وبينهم (جسر الفالوجة) وبذلك تمكننا من السيطرة على مدخل الجسر وما هي الا لحظات حتى حلقت الطائرات فوقنا، واخذت تصلينا بحممها، الا اننا كنا نخلي الاستحكامات ونلقي بانفسنا خارجها، ولما شعر الانجليز باهمية المكان الذي نسيطر عليه لاستراتيجية، عمدوا الى مفاوضتنا للاستسلام فوجأة شاهدنا اسيرا عراقيا يحمل علما ابيض، ويتقدم نحونا/ فلما دنا منا، ناولني رسالة تطلب منا الاستسلام، فمزقت الرسالة ولم ابلغها لقائد الجحفل العراقي، ولما اتصلت معه لاعرف ما سيقدمه لنا من اسناد في حالة قيام الانجليز بهجوم قوي. اجابني: انه من العبث المقاومة، اما انا فقد صممت على المقاومة والدفاع حتى النهاية، وقد استشرت اخواني لاعرف رأيهم فاجابوا جميعهم بصوت واحد: لن نستسلم، وسنقاوم حتى النهاية. وفي هذه الاثناء وزعت قوتي البسيطة للسيطرة على منفذ الجسر تماما، لمواجهة أي هجوم انجليزي، وما ان مضت بضع ساعات حتى تقدمت القوات البريطانية وفي مقدمتها دبابة ثقيلة، فما كان من احد الجنود الفلسطينيين الا ان هجم عليها واخذ يقذفها بالقنابل حتي قتل سائقها وكامل (طاقمها) وعطلها عن السير، وهكذا اصبحت هذه الدبابة سدا منيعا حال دون تقدم البقية الباقية من القوات البريطانية، كما اتخذها المجاهدون استحكاما قويا لهم، وبقيت هذه الحال مدة يومين كاملين، شعرت قيادة الجحفل العراقي بنجاح خطتنا، فأرسلوا لنا المدد والرجال والذخيرة وعينت قائدا لهذه القوات، وبعد ان عزز الدفاع اخذنا نشن هجمات قوية معاكسة على القوات الانجليزية، وننزل بها خسائر فادحة، وبقيت هذه الحال بضعة ايام لم نذق فيها للنوم طعما).

  وتابع الدكتور الريماوي كتابته قائلا:

  (حدثني الشهيد «جميل بركات« الذي اشترك في تلك الموقعة قال:

  كان عبد القادر - رحمه الله- يتنقل من خندق الي خندق، ليتفقد كل جندي منا ويوجه الينا كلمات التشجيع/ وكنا لا نأكل طيلة هذه المدة الا مرة كل 24 ساعة، حيث يحضر لنا الاكل في (محرمة) ويلقيها على التراب امامنا، حيث نأكل ما بها بتلهف، ولكن النصر والانصراف الى محاربة العدو نستنا كل شيء).

  وازاء هذا الدفاع المستميت، لم يجد العدو بدا من تغيير اتجاه زحفه على بغداد من ناحية اخرى.

    «حدثني - رحمه الله-  بينما كنا نعد العدة لمطارة القوات الانجليزية، ودحرها بعد انسحابها في الايام الاولى للمعركة، الى الخطوة الخلفية، ففي الليلة السابعة من بدء المعركة، اذ خيم سكون غريب رهيب على جبهة الاعداء، لم نسمع خلاله اية اطلاقة فاعتقدت ان العدو يبيت لنا مكيدة فاخذنا الحيطة وطلبنا من الله ان ينصرنا عليهم، وبينما نحن كذلك اذا ببرقية ترد الينا من القيادة العامة تفيدنا، انه قدئ تم الاتفاق على عقد هدنة مع الجيش، فاحترنا في امرنا وقلنا: لعلها خدعة، ولما اتصلنا بقيادة الجيش اكدوا لنا صحتها».

   كان لانتصارات المجاهديبن بقيادة عبد القادر في صدر ابي غريب الاثر الطيب في النفوس، كما اشادت الاذاعة والصحف العراقية، واثنت على شجاعة وكفاءة هذا القائد الذي استطاع بعدد قليل من المجاهدين ان يحطم هجمات العدو واحدة تلو الاخرى.

  والطريف في الامر ان الاعلام العراقي والباط العراقيين كانوا يطلقون على المجاهدين تحت قيادة عبد القادر (الفرسان الستة عشر، ودبابات الجيش العراقي).

   استمر  عبد القادر ورجاله يقاتلون مدة عشرة ايام متتالية وعندما وجد المجاهدون ان الانجليز قد اوشكوا السيطرة على الوضع، انسحبوا من المعركة وكان عبد القادر ورفاقه آخر من انسحب من الجبهة(115).

   كتب الدكتور الريماوي يقول:

  «حدثني -رحمه الله- قال: بعد ان اعتقلتني السلطات العراقية في زاخو، ونقلتني الى بغداد على اثر مقتل فخري النشاشيبي، اذ بقائد انجليزي يطلب مقابلتي فقلت: وماذا يريد هذا الانجليزي يا ترى، وشككت في امره، ولما دخل علي، فاذا به يقدم نفسه قائلا:

   «انا يا سيدي القائد الذي كنت مسؤولا عن القوات الانجليزية، التي حاربت ضد قواتكم في صدر ابي غريب، وقد جئت كالمعتاد لاستعلم منكم عن عدد قواتكم ومعداتكم، لتسجيلها في تقريري الحربي عن المعركة، فقلت له: كم تقدرها قال: ان اقل عدد ممكن هو ثلاثة افواج أي (3000) مقاتل فضحكت وقال: اتعني انها فوج واحد، فضحكت ايضا فقال6 تريد ان تقول انها سرية واحدة فقهقهت وقلت له: لا وليست سرية. فجن جنونه وقال: قل لي بربك العدد الصحيح فقلت له انهم اقل من فصيل انهم 16 مجاهدا. وما ان سمع جوابي حتى اخذ يلطم وجهه صائحا ويقول: لقد خدعتمونا.. لقد ضحكتم علينا، لو عرفنا حقيقة عددكم لشربناكم كشربة ماء. فقلت له وما عدد قواتكم.. قال: كتيبة كاملة تساندها بطارية مدفعية، وعدد من الدبابات والطائرات..).

الخروج الى ايران

   لم يكن عبد القادر ليصدق ان الحرب العراقية- الانجليزية قد انتهت بهذه السرعة اذ كان يعتقد بان الجبهات الاخرى صامدة كصموده، الا ان مركز قيادة صدر ابي غريب قد اكد له الخبر رسميا على لسان مدير الامن العام العراقي (احمد الراوي) حيث طلب منه ان يغادر العراق مع رفاقه خوفا من وقوعهم في قبضة الانجليز.

   وجد الفلسطينيون انفسهم وجها لوجه امام الانجليط فقرروا مغادرة بغداد هربا من وجه المستعمرين واعوانهم الذين سينتقمون منهم شر انتقام فمنهم من لجأ الى ايران بصحبة سماحة المفتي وكان من بينهم (اديب الريماوي وعاهد الريماوي وامين التميمي وغيرهم).

  اما عبد القادر ورفاقه فقد ضيق الانجليز الخناق عليهم وبعد ان تدارسوا الامر قرروا مغادرة العراق الى تركيا عن طريق ايران، وبالفعل.. غير الجميع ملابسهم واتجهوا الى الحدود الايرانية عن طريق الكوت/ بدرة/ كرمنشاة.

  واخيرا وبعد عناء ومشقة شديدين، وصلوا الى نقطة الحدود الايرانية، وهم مستبشرون خيرا بسماعدة السلطات الايرانية لهم. الا انهم صدموا وسيئت معاملتهم، ولم تسمح السلطات الا لذعبد القادر شخصيا بالدخول الى ايران (لاعتبارات عديدة) الا ان شهامته ابت عليه النجاة دون رفاقه، فآثر العودة معهم الي العراق، ليتجرعوا كأس الغيب الذي كتبته السماء عليهم، حتى اعياهم التعب والجوع.

  كتب الدكتور قاسم الريماوي في مخطوطه يقول:

   (وفي طريق عودتهم رأوا بصيص نور، فاتجهوا اليه، واذا بهم يقفون بين نفر من البدو، لا ضمير لهم ولا وجدان، فلما رآهم البدو حتى طارت قلوبهم فرحا، اذ ايقنوا ان هؤلاء (بلباسهم وسلاحهم) خير غنيمة لهم، وبدت في عيونهم البغضاء، واخذوا يتهامسون حتى علا ضجيجهم، ويظهر انهم اختلفوا على طريقة توزيع الغنيمة، فعرف عبد القادر سوء نيتهم، وقرأ ذلك في ملامحهم وحركاتهم، فتقدم اليهم عبد القادر وقال لهم: ايها الاخوان اصدقونا القول نحن سنقدم لكم ما تطلبوه، على ان تسقونا ماء، وتقدموا لنا اكلا، نحن سنا بحاجة الي هذه الاسلحة والبدلات فهى حلال عليكم حرام علينا، وان لم تأخذوها انتم فسيأخذها غيركم او تأخذها الحكومة، فسيروا لهذا الكلام فقال له احد المشايخ: كلامك زين يا ولد.. افلح الله ان تحييك، صبروا الهدوم (اي اخلعوا ملابسكم)، فاجاب عبد القادر: نعم هذا حسن، ولكننا لا نريد ان نسلمها لواحد منكم لئلا يستاء الآخرون، وينتقموا منا بدل ذلك، ولكني ارى ان تجمعوا وجهاء العشيرة ومشايخها هنا، لنسلمكم اياها مجتمعين، وبعد ذلك توزعونها كيفما تشاؤون: «فاستصوبوا رأيه، وجمعوا جميع مشايخ العشيرة في خيمة واحدة.. وهنا قفز عبد القادر واستل مسدسه واشهره في وجوههم قائلا: «ان تحرك منكم او حاول احد رجالكم التعرض لاي جندي منا من الخلف فسأطلق النار عليكم جميعا ايها الكلاب، ويجب ان تأمروا رجالكم بأن يذبحوا لنا خاروفا وان ترسلوا رسولا الى المدينة القريبة ليتصل بالشرطة هناك ويعلمهم بوجودنا «فامتثلوا للامر، ونادوا بعض الاعراب فذبح خاروفا، وتوجه احدهم على ظهر حصانه الى المدينة المجاورة، وبقى المشايخ محجوزين في الخيمة، الي ان حضرت قوة من الشرطة في سيارتين فلما وقفوا على حقيقة الامر، وبخوا هؤلاء الاعراب ورفض الجميع تناول الطعام عندهم».

   وتم نقل عبد القادر ورفاقه الى مركز الشرطة في تلك المدينة، وبعد ان قدموا لهم الطعام والماء، اصتلوا بقيادة الامن والعام في بغداد، حيث امرت باحتجازهم ونقلهم الى بغداد.

  كتب الدكتور قاسم الريماوي يقول:

  (حدثني المجاهد صبحي ابو غريبة الذي كان يرافق المرحوم فقال:

  لما علمنا بامر الاحتجاز تقدم عبد القادر من قائد الشرطة وقال له:

  «اننا نحن نمثل الجيش العراقي، ولذا فاننا نعتبر انفسنا مسؤولين عنكم وعن هذا المركز، فعليكم احضار سيارة البوليس في الحال مع السائق» ولما سمع مأمور القسم ذلك الكلام، شعر بحراجة الموقف خاصة وان عدد المجاهدين يزيد عن عدد افراد الشرط، وتجنبا للاصطدام امتثل المأمور للأوامر ولكنه اعتذر عن تقديم السيارة. فقال له عبد القادر: يمكنك ان ترسل احد اعوانك مع شرطي لاستئجار سيارة نقل عامة.

  وفي الحال احضرت السيارة، وبعد ان افهم عبد القادر مأمور الشرطة انه ورجاله سيقاومون كل محاولة لالقاء القبض عليهم بكل قوة. ثم طلب الى السائق التوجه نحو (بعقوبة) على الحدود الايرانية، ولما ابتعدت السيارة قليلا امر السائق بالتوجه الى بغداد.

  ولما وصلنا اطراف المدينة تسلننا الى بيت عبد القادر، فلما دخلنا البيت وجدنا (39) مجاهدا من اخواننا قد التجأوا اليه وما ان قابلتنا المجاهدة الكريمة حتى اغرورقت عيناها بالدموع وقالت: «لقد حضرت يا ابا موسى في الوقت المناسب».

  كانت المجاهدة الصابرة قد صرفت جميع ما تملك وباعت جميع اثاث البيت ولم يبق الا (اسورة واحدة) تريد رهنها، للانفاق على المجاهدين البالغ عدهم (55) مجاهدا.

  وهكذا وصلت المجموعة بعد مسيرة (25) يوما وقطع مسافة (1000) كم، مشيا على الاقدام «ولا زلت اذكر كلمته الخالدة: جحيم بغداد ولا نعيم ايران»(116).

  بقيت المجموعة اكثر من شهر في بيت عبد القادر في (الكرادة الشرقية)، الذي اصبح ملاذا للرجال حتى اضربهم الجوع وملوا حياة التخفي.

   ولما علمت دائرة الامن خبر اختفاء عبد القادر وجنوده في بيته، بعد ان وشى بهم (عز الدين الشوا)، ونمى الى الشرطة ان عبد القادر يدبر مؤامرة لاغتيال الوصي على عرش العراق (عبد الاله) ونوري السعيد. وكانوا يعرفون شدة عبد القادر ورجاله، خاصة وانهم يحملون اسلحتهم، وانهم سيقاومون كل محاولة لالقاء القبض عليهم، ولما علم عبد القادر بذلك طلب من المجاهدة الصابرة الاتصال بالسيد (ابراهيم عطار باشي) ابن خالة وزير الداخلية (مصطفى العمري) اللذين حضرا الى بيت عبد القادر سرا، فوجدا ان رجاله قد استحكموا في جميع انحاء البيت وشرفاته فقابله عبد القادر بعد ان عرف قصده وتم الاتفاق على ان يغادر عبد القادر ورجاله بغداد الي زاخو والداوودية والسليمانية في الشمال، وتتعهد الحكومة بنقلهم في سياراتهم، وعدم التعرض لهم، لا في زلاخو ولا في الطريق مع تقديم نفقات اعاشتهم في المنفى، فوافق الجميع على ذلك.

  وصل عبد القادر هو ورفاقه ومنهم6 (صبحي ابو غريبة ومحمد الاعرج وعيسى الحمزة وفريد برهان واحمد نسيبة وفوزي القطب الى زاخوا، وظلوا هناك ثلاثة اشهر، الى ان اغتال مجهولون (بخري النشاشيبي) في بغداد، وهناك تم اعتقالهم جميعا بعد ان اتهم (السيد احمد نسيبة) باغتياله، ونقلوا جميعا مكبلين بالحديد الى سجن ومعتقل العمارة.

  كما مثلت المجاهدة الصابرة (وجيهة الحسيني) امام المحكمة، بتهمة مساعدتها وايوائها للثوار، وتحريضهم على القتال، حيث حكم عليها بالاقامة الجبرية في بيتها، حيث امضت فترة من الزمن تحت المراقبة، ثم افرج عنها وعادت الى القدس خلال اقامة زوجها عبد القادر في المنفى.

  ولما قبضت السلطات على عبد القادر، واعادته الى سجن العمارة ليشهد في اغتيال النشاشيبي، عادت المجاهدة لحضور محكمة زوجها لدى احدى المحاكم العسكرية، التي تعترف جازمة ان عبد القادر بريء هو ورفاقه من دم القتيل، ولكنهم سيقوا الى المحكمة بتهمة انهم (اوقفوا الجيش البريطاني عشرة ايام واخروا زحفه على بغداد)(117).

  ولكن المحكمة رغم براءة(118) عبد القادر فقد .ودعته السجن ثانية بلا جرم، وانما لتاريخ نضاله المجيد في فلسطين والعراق.

  وما كاد عبد القادر يدخل معتقل العمارة حتى عرفه المساجين، فهرعوا اليه يحيونه، ويكيلون اليه آيات الاعجاب والثناء، وهناك نشط عبد القادر برغم مرضه في توعية رفقائه المعتقلين وتبصيرهم بشتى المعارف، وخاصة تاريخ القضية الفلسطينية، كما ساعد الراغبين منهم في العلم بشرح كثير من المساول الرياضية والكيميائية والدينية، فكان بحق استاذ المعتقل وامامه وهناك تعرف على (احمد عون وجعفر الحسيني والدكتور عبد الرحمن توفيق (صاحب مكتبة) وهم من العراق، وكانوا متهمين بنسف جسر الملك فيصل في بغداد.

  غير ان المرض اشتد عليه/ ولم يكد خبر اعتلال صحته ينتشر، حتى هب نفر من احرار العراق وعلى رأسهم المرحوم (سعيد ثابت/ رئيس جمعية انقاذ فلسطين) وابراهيم عطار باشي وحكمت عبد الرحمن (تاجر غلال) وكان صديقا مقربا، يطالبون بالافراج عنه.

  ورغم مرضه فقد كان مثال الجندي الصابر الصامد، تمكن خلالها من التأثير على المسؤولين لتحسين اوضاع السجناء اذ انه اعلن الاضراب عن الطعام ذات مرة وتبعه جميع السجناء حتى اضطرت ادارة السجون الى منح تسهيلات عامة للسجناء، مع تحسين الاكل والنوم، ومنذ ذلك الحين تحسنت معاملة السجناء وزاد احترامه.

  «ومما زاد من محبة السجناء لعبد القادر شخصية المحببة وصبره، حتي انه كلما حصل سوء تفاهم بين السجناء والمأمورين لا ينفض الا بعد حضوره او تدخله، وفي السجن نظم بعض اشعاره، كما كتب قسما من مذكراته الا انه اضطر الى اتلافها خشية وقوعها في ايدي السلطات)(119).

  وما ان ترامى الى مسامع السلطات البريطانية في فلسطين، خبر اعتقال عبد القادر وايداعه السجن حتى اخذت تتفاوض مع الحكومة العراقية لتسليمها اياه، وقد وجدت ان الفرصة سانحة للتخلص من هذا الشاب الذي اقلق مضاجعها وعرف كيف يحاربها ولما عرف اصدقاء عبد القادر هذا الامر، ولما لم يكن لوجوده في السجن أي مبرر لعدم ثوبت التهمة ضده راحوا يسعون لدى السلطات لاطلاق سراحه وابعاده خارج البلاد، وفي النهاية سمحت الحكومة العراقية شريطة ان توافق احدى الدول  العربية على دخوله اليها

   فكتب الي صديقه (محمد علي الطاهر) يطلعه على الامر، فما كان منه الا ان اتصل بمصطفى النحاس باشا الذي وافق على دخوله الى مصر وابرق الى المفوضية المصرية في بغداد لتمنح عبد القادر اذنا بدخول الاراضي المصرية.

   وفي تلك الاثناء حاول احد المسؤولين في الحكومة العراقية تسليم عبد القادر ولكن قبل ان تتم هذه المحاولة كان عبد القادر يجتاز الحدود العراقية في طريقه الي الحجاز بعد ان قضى ما يزيد عن ثلاثة اعوام وتسعة اشهر بين الاعتقال والنفي والسجن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:08 am

الباب الرابع

الفصل الاول

عبد القادر في الحجاز

  وصل عبد القادر الى السعودية في اواخر عام 1944 وما ان هبطت قدماه، وعلم الملك عبد العزيز نبأ قدومه، حتى امر عامله في منطقة الحدود اكرام وفادته ونقله معززا مكرما الى مكة المكرمة، حيث حل ضيفا على الحكومة هناك وفي المدينة المنورة قابل جلالة الملك عبد العزيز فرحب به كل الترحيب، واكرمه اكراما زائدا، اكراما لوالده شيخ القضية موسى كاظم باشا الذي كان من اكبر اصدقاء الملك، حينما كان متصرفا في الحجاز.

  استقر عبد القادر ما بين مكة والطائف، وتوشجت روابط الالفة والصداقة بينه و بين الشخصيات البارزة في الحجار، وقد احبه الامير (منصور نجل الملك عبد العزيز) ووزير الدفاع حبا جما، وكان يستأنس بوجوده ومرافقته.

   وقد لحق بعبد القادر بعض اخوانه من المجاهدين فاكرمت الحكومة السعودية وفادتهم، وبقى الجميع في مكة المكرمة، ولكن هيهات ان يهدأ بال هذا القائد الذي كرس حياته لخدمة بلاده.

      كتب الدكتور قاسم الريماوي يقول:

   «حدثني الحاج محمود الريماوي قال: «بعد ان اديت فريضة العصر في الكعبة، اذ باعرابي قصير القامة يرتدي العباءة (والشاروخ) ويطلق لحيته، يتقدم مني فلم اتميزه عند اقترابه لان ملامحه قد تغيرت كثيرا، فصافحني بحرارة، وما كدت اتميزه حتي اخذ الدمع ينهمز من عيني، لأنني ما كنت آمل ان اري هذا القائد الباسل بعد تعرضه للموت، واقتحامه للمهالك مرات ومرات، فهدأني وقال الحقني فتبعته وبعد مسافة قصيرة دخلت دارا مفروشة وقال: هذا بيتك وانت ضيفي وراح يسألني بلهفة شديدة عن احوال البلاد واعمال الانجليز وشنقهم للمجاهدين. ثم قال لي: اما زال الاهالي يشترون السلاح.. فلت له6 ان الاحتفاظ به صعب قال: لا.. يجب ان يشتري كل شخص- رجلا كان ام أمرأة- السلاح ويخفيه الى اليوم الموعود، فوالله لن نتأخر عن دخول البلاد لاروائها بدمائنا، وسنتقابل فيها باذان الله. قال الحاج: لقد استبعدت حدوث ذلك خاصة وان الظروف لا تسمح بذلك، واذا بي بعد بضع سنين اجتمع به في فلسطين وذكرني بما قاله لي». وكانت عائلته قد التحقت به اثناء اقامته بالحجاز.

عبد القادر الحسيني في مصر

  شعر عبد القادر وهو في السعودية بشدة الحاجة الى العلاج والى اشراف كبار الاطباء على حالته الصحية، كما رأى المجاهدون ان المصلحة الوطنية تستوجب حضوره الى مصر لعدة اسباب منها:

  1- ان مصر اصبحت تمثل بؤرة الرحى في المنطقة العربية، وخاصة بعد انشاء جامعة الدول العربية، واتخاذ القاهرة مقرا لها.

  2- ان مجال العمل والتحرر في مصر، اكثر سعة واكفل حرية من غيره من المجالات.

  3- امكانية الحصول على الاسلحة من مخلفات الحرب العالمية الثانية من الصحراء الغربية وليبيا.

   ولم يكن الحضور الى مصر ميسورا بالنسبة لعبد القادر في ذلك الوقت ذلك لان السلطات كانت شديدة التحفظ بالنسبة للحركة الفلسطينية في اراضيها، تجنبا لاغضاب بريطانيا، ومن اجل ذلك اتصل نفر من المجاهدين المقيمين في القاهرة ومن بينهم (محمد علي الطاهر والدكتور مصطفى بشناق) برئيس الوزارة المصرية (مصطفي النحاس باشا) الذي استجاب مرحبا، ووافق في 11 ايلول 1954 على المساح لعبد القادر بدخول مصر، حيث ابرق الى المفوضية المصرية بجدة لمنح القائد تأشيره دخول.

  وصل عبد القادر وعائلته الى مصر في 1/1/1946م واستأجر لسكناه شقة متواضعة (بشارع منية السيرج- حي شبرا الشعبي) بالقاهرة، وعندما وضعت الحرب العالمية اوزارها، اتصل باخوانه في فلسطين وبقادة مجاهديها في مختلف مرذاكزهم حيث دلف الى مصر عدد منهم للعمل معه، ونذكر منهم:

  الشيخ حسن سلامة، كامل عريقات، محمد محمود الصفوري، ابراهيم ابو دية، شحادة حسونة، عبد الحليم الجيلاني (الشلف)، صالح الريماوي، خالد الفرخ، محمد سليم ابو لبن، صبحي ابو غريبة، خليل خليف، قاسم الريماوي، رشيد عريقات، جميل الفارس، صالح عون الله، خليل الطبري، خالد الحسيني، رفيق عويص، توفيق الابراهيم، عودة ابراهيم عودة، خليل منون، عبد الله سمرين، بهجت ابو غريبة وحافظ ابو الفيلات وغيرهم الكثير. وكان سماحة المفتي الاكبر في باريس فاتصل به عبد القادر واطلعه على ما ينوي عمله وطلب توجيه زعيمه، فرحب سماحة المفتي بعبد القادر عائدا الى الميدان، وشجعه على المضي في اعداد المجاهدين ليوم قريب.

  اجتمع عبد القادر بالوافدين الابطال، حيث عقد معهم عدة اجتماعات بحث فيها الخطة العامة للجهاد وكانت كالتالي:

 1- تنظيم خطة عامة للجهاد المقدس تناولت الهجوم والدفاع في جميع انحاء فلسطين.

 2- تنظيم خلايا سرية صغيرة تعمل داخل فلسطين، عرفت فيما بعد باسم (الحرية، القوة، الثأر، والمنظمة العسكرية العربية).

 3- اقامة شبكة استخبارات واسعة.

 4- شراء الاسلحة من الصحراء الغربية في مصر ومن ليبا، وتخزينها تمهيدا لارسالها الى مخازن سرية في فلسطين والعمل على صيانتها وتنظيفها.

 5 - عمل شبكة لتأمين الاتصال اللاسلكي بين فلسطين والاقطار العربية المجاورة.

 6- عمل محطة اذاعة محلية لبث البيانات والبلاغات الرسمية.

 7- اقامة مختبر لصنع المتفجرات، وتنظيم دورات في مصر لتدريب اكبر عدد ممكن من الشبان الفلسطينيين، على امور النسف، وتعريفهم بخصائص المتفجرات واستعمال الاسلحة بانواعها.

 8- تأمين نقل الاسلحة الى فلسطين.

 9- تنظيم شؤون دعاية قوية تتولى اصدار النشرات بالعربية والانجليزية، وتوزيعها بطرق مختلفة على السكان وافراد الجيش والبوليس البريطاني.

 10- تنظيم اجتماعات شخثية مع جميع الوجهاء ورؤساء العشائر ومشايخ القبائل لحثهم على شراء الاسلحة والانخراط في صفوف المجاهدين.

   لم يبق هذا البرنامج حبرا على ورق، بل طبقه عبد القادر بحكمة وروية، ونجح نجاحا منقطع النظير فيتطبيق بنوده، ويرجع السبب في نجاح هذه الخطة الى معرفة عبد القادر الشخصية باهالي البلاد وحالة الشعب وامكانيته، والى صفاء نية هذا القائد واخلاصه.

  كان عبد القادر يؤمن ايمانا قاطعا بقوة الشعب الفلسطيني وتضحياته ولهذا اقدم على تولي اعظم مسؤولية عرفها تاريخ فلسطين، فبالرغم من خذلان الجامعة العربية له، والحيلولة دون مساعدته ماديا ومعنويا، ومقاومتها اياه سرا وعلانية، ورغم حرص الانجليز والهيود ومؤامراتهم، ومحاولاتهم ابعاده عن المعركة ورغم قلة العدة والعتاد والمال، فقد حمل عبد القادر هذه المسؤولية بل هذه الأمانة المقدسة، واذا بالشعب الفلسطيني لا يخيب آماله، فراح يلتف حوله ويبيع الغالي والرخيص، من حلي ومحصول ليتمكن من شراء قطعة  سلاح للدفاع عن الأعراض والحريات والوطن المهيض تحت امرة هذا القائد.

  ومن اهم التنظيمات التي شكلها عبد القادر في مصر وفقا لبرنامجه الاصيل:

    1- تكوين لجنة لشراء الاسلحة من الصحراء الغربية وليبيا.

    2- بناء مخازن في القاهرة لتخزين الاسلحة.

    3- تأسيس مكتب لصيانة وتنظيف هذه الاسلحة.

    4- تأمين نقل الاسلحة من مصر وسوريا الى فلسطين.

      وعلى الاثر تشكلت لجنة شراء الاسلحة وكان من بين اعضائها.

       (عبد الرحمن شحدة، خليل العوري، عبد الله مهنا، محمود جميل الحسيني، صبحي الخضرا، حلمي الاغا، عبد الفتاح التميمي، خضر ابو رشيد، عبد الله ابو ستة، عوض محمود احمد الترمسعاوي (المرافق الخاص لعبد القادر) والسائق السوداني (محمود ذياب).

  ولهذا راح القائد يشتري كل ما تقع عليه يده من سلاح ومن ماله الخاص، ومن ماله الامة وكانت الاسلحة التي يتم الحصول عليها، تخزن في بيوت منها: بيت (عبد الزين جبريل) في حلمية الزيتون، واخرى في المطرية وفي عزبة النخل، حيث يرسل قسم منها الى فلسطين عن طريق ميناء صيدا بلبنان، حيث كان المجاهد (معروف سعد) نائب صيدا سابقا يتكفل بارسالها وايصالها الى مجاهدي الشمال، والبعض الاخر كان يرسل عن طريق غزة، حيث ينقلها المجاهد (ابراهيم ابو ديه) يساعده المجاهد (عبد الله ابو ستة) حيث يتم تخزينها في منطقة رأس العين شرقي خازن يونس، ومن هناك ترسل الى فلسطين لتخزن فى قرية صوريف

   يقول السيد نبيل الاغا في كتابه (قضية فلسطين في سيرة بطل)(120).

   «حدثنا المجاهد عبد الرحمن شحدة من لفتا- وكان احد الاعضاء البارزين في لجنة شراء الاسلحة في مصر عن مهمته فقال:

   «في اواخر سنة 1946م، كلفني الشهيد عبد القادر الحسيني وسماحة المفتي بشراء الاسلحة من مصر، وكان لدى الشهيد عبد القادر سيارة من نوع «ستيشن واجن» يقودها اخ سوداني اسمه 0محمود ذياب)، فذهبت انا ومحمود الي منطقة (ابو رواسن) قرب هرم سقاره بالجيزة، وحصلنا منها على خمس بنادق مستعملة، واخبرنا الرجل الذي اشترينا منه البنادق الخمس بوجود اسلحة في قرية (ابو المطامير) عند كوبري العبد، بمحافظة البحيرة فتوجهت اليها مع الاخ خليل العوري (من بيت عور) فاشترينا بعض الاسلحة المختلفة، ثم تشاء الظروف ان نتعرف على السيد محمود بك نصير (عضو مجلس النواب المصري)، الذي تعرف بدوره على الشهيد عبد القادر وقد اقترح نصير بك ان يرافقنا اليورباشي المناضل (جلال حسن ندا) من بنها، لمصاحبتنا وتأمين تنقلاتنا، واخذ جلال يصاحب سيارتنا من كوبري العبد الى القاهرة حيث يتسلمها الشهيد عبد القادر.

  وذات مرة فوجئنا ببعض الخفراء التابعين لعزبة البستان، يعترضون طريقنا، وكان امر شرائنا للاسلحة قد شاع في المنطقة فاخذ المسؤولون في البحث عنا، وقررت ان اواجه الموقف بنفسي، فدخلت الى السيد «احمد اسماعيل علي» عمدة العزبة، ورفضت شرب القهوة وبادرته: «انا الفلسطيني اللي بتفتشوا عليه، وانا ادفع عن بيت الله والمسجد الاقصى، اللي ما ليش فيه اكثر منك، خذني وسلمني للشرطة اذا كنت تريد الدنيا وزينتها».

  وقد افهمت العمدة اننا نعمل سرا في المرحلة الحاضرة، وسنعمل علانية في المستقبل، وشرحت له الوضع في فلسطين، فتأثر الرجل تأثرا بالغا، وغلبته عاطفته فبكى، ووافق على تسهيل مهمتنا، واخذ رقم سيارتنا، وبر بوعده وساعدنا فعلا، وبعد فترة قصيرة قام بزياره سماحة المفتي بحي حلمية الزيتون بالقاهرة، وقدم له خمسة صناديق مليئة بالذخيرة.

  ولم تكن عشرات البنادق والمسدسات التي حصلنا عليها لتكفينا، فقرنا الذهاب الى «مرسى مطروح» وهي المصدر الرئيسي للسلاح، ولم يكن اجتياز الصحراء الغربية في مصر هينا، ولا الوصول الى عاصمتها ميسورا، فهي منطقة حدود، ويحتاج من يريد دخولها الى تصريح خاص من السلطات المسؤولة.

   فأطلعنا الشهيد عبد القادر على فكرتنا فباركها، وأصر على مرافقتنا، سألنا بعض معارفنا: من أشد الناس عداوة للانجليز في مرسى مطروح وفي امكالنه مساعدتنا؟

   قالوا، سيد بك فرح وكيل الحافظة جميل- ومن يمت له بصلة قوية، وفي امكانه مساعدتنا؟

   قالوا: ابن عم له يدعى محمود... وقابلنا محمود.. كان بحق وطنيا صادقا، واتفقنا معا على حيلة توصلنا الي مطروح وتدرأ عنا شبهات حرس الحدود، وصرت في لحظة ابن عمة الوكيل وبعد القادر ابن خاله، وحتى تنطلي الحيلة كلية، ابرق الي سيد فرح يخبره بان اصهاره سيزورونه،وبالفعل.. ركبنا في سيارتين.. الشهيد عبد القادر ومحمود جميل الحسيني وانا في سيارة، ومحمود وزوجته واولاده في سيارة ثانية، واتجهنا الى مطروح دونما عناء او مشقة، حيث كان سيد فرح قد ابلغ البوابات الواقعة بين الاسكندرية ومطروح بتسهيل مرورنا.

   ونزلنا بيته وقد رحب بنا كثيرا وخلال ذهابه لاحضار الطعام قلت لابي موسى: لنكشف اوراقنا للرجل. فأومأ بالموافقة، وبعد برهة احضر سيد بك الطعام واشار الينا بتناوله، فما فعلنا اذ سارعته بالقول: هل تعلم من ضيفك؟ واردفت دون ان انتظر جوابا: انه المجاهد الكبير عبد القادر الحسيني، وقد جئناك نطلب الحماية للمسجد الاقصي. فانبهر الرجل ولكن سرعان ما ادرك قصدنا وقال: على الرحب والسعة، وهل في دنيا العروبة والاسلام من يضنن في حماية الاقصى، وعلى الفور ارسل ابنه (سيف) معنا، واتجهنا الى بعض مضارب البدو وحصلنا على نحو ستين بندقية مختلفة الاطرزة.

  واذكر ان بعض الاعراب قد اخبرنا بوجود بعض مدافع الهاون عند احد اصدقائه القاطنين بالصحراء فأشرأبت نفس الشيهد عبد القادر، حين سمع بذلك واصر على الذهاب فورا برغم ان الاعرابي قد حذرنا من وعورة الطريق، غير ان عبد القادر لم يأبه لهذا التحذير بل تجاهله، وركبنا السيارة، وانطلقنا الى بغيتنا، واثناء سيرنا فوجئنا بطبقة كثيفة من الرمال تغطي طريقنا الرئيسي، مما تسبب في وقوف السيارة مرات عديدة، فما نجد عبد القادر الا قافزا تحت عجلاتها، مسويا الطريق بيديه وتكرر ذلك عدة مرات وفي النهاية وصلنا واشترينا ما صلح من تلك المدافع، وعدنا ثانية وقد اصاب منا التعب ما اصاب.

   وبعد فترة تشكلت اللجنة العكسرية التابعة لجامعة الدول العربية، فاكتسب عملنا صفتي الشرعية، والعلنية، فاستمررنا في جمع السلاح وانضم النيا المجاهد صبحي الخضرا، واذكر انه حضر ذات مرة مع الشهيد عبد القادر الى مرسى مطروح، فذهبنا معا لزيارة المحافظ القائمقام احمد سيف اليزل بك، واقام لنا مأدبة غداء وقدم لنا كثيرا من المساعدات.

   ويقول المجاهد (عبد الله مهنا من المسمية):

   «كنت اضع السلاح في قندق البرلمان بالعتبة حيث كنت اجمعه هناك علنا، ثم احمله حتى مدينة الاسماعيلية حيث ينتظرنا ضباط مصريون ليمرروننا حتى العريش بسيارات الجيش المصري ومن العريش كنا نحملها بسيارات فلسطينية، نمر بها عن طريق رفح، ثم نوزعها على المقاتلين في القرى، وكان معي في هذه العملية (حلمي الاغا) من خان يونس (121) وقد استعان عبد القادر بثلاثة من الجنود الالمان الهاربين من الاسر، وعملوا على صيانة الاسلحة التي كانت تجمع في مخازن القاهرة.

  لاحظ عبد القادر ان عددا من التجار اليهود يتجولون في مصر لشراء الاسلحة وارسالها الي يهود فلسطين، فراح يطاردهم وكثيرا ما لفت نظر المسؤولين من رجال الحكم الى هؤلاء التجار، كما تمكن من شراء سيارة للتنقل بها الي مراكز الاسلحة في الصحراء الغربية، وتمكن من ايجاد مراكز ثابتة في مرسى مطروح والصحراء الغربية وغيرها. ووضع في كل مركز بعض معاونيه الذين راحوا يعملون ليلا ونهارا، ويتنقلون بين مارب البلدو لجمع الاسلحة والذخائر، وكلما جمعوا شيئا منها، ارسل سيارة لاحضارها الى مصر مما اضطر الى بناء ثلاثة مخازن سرية في القاهرة اشرف هو بنفسه على البناء فكان ينقل الحجارة ويشتغل بيديه حتى تم تجهيزها. كما تم استئجار عدة بيوات لهذا الغرض.

  نقل الاسلحة من مصر وسوريا الى فلسطين:

    اعترضت عبد القادر عقبة كأداء، وهي كيفية نقل الاسلحة وخاصة المتفجرات الى فلسطين، فاستعان برجال الجامعة العربية لتسهيل نقلها، الا ان محاولاته باءت بالفشل فلم يستطيع نقل ما يحتاجه من اسلحة وذخائر قبل اعلان حالة الجهاد (ولو اتيح له نقل المتفجرات فقط لاختلفت النتائج الحاسمة للمعركة بكاملها ولتغيير وجه القتال)(122).

  ولقد وقفت الحكومة المصرية وعلى رأسها (محمود فهمي النقراشي) في وجه تسهيل عملية النقل قبل بدء الحوادث، الا ان عبد القادر تمكن بواسطة بعض الضباط المصريين الاحرار، وبعض رؤساء العشائر، من تهريب كمية صغيرة من الاسلحة، وقد تعهد عملية التهريب هذه بعض اعوانه مثل الشيخ فريح والشيخ عبد الله ابو ستة والمجاهد ابراهيم ابو دية، حيث تم نقلها الى المخزن العام في قرية صوريف.

  اما بالنسبة الى نقل الاسلحة من سوريا، فقد مرت فترة منذ ان اعلنت هيئة الامم المتحدة توصياتها بتقسيم فلسطين ودخول عبد القادر الى البلاد، وكانت فلسطين في حاجة ماسة الى السلاح فوزعت اللجنة العسكرية بعض الاسلحة على مختلف المناطق، وقد عهد الى المجاهد قاسم الريماوي بنقل مخصصات منطقة القدس حيث استلم الشحنة الاولى من دمشق، وتمكن من ايصالها الى القدس عن طريق طبريا- العفولة- جنين، مارا بعدد من المستعمرات اليهودية، ومتخطيا مراكز الجمارك على حدود فلسطين، محمولة على ظهور الجمال (وكانت هذه الشحنة عبارة عن (45) بندقية المانية مع ذخيرها، اما الشحنة الثانية فكان عددها (100) بندقية، اما الشحنة الثالثة فكان عددها (24) بندقية وكانت هذه الشحنات هي جميع ما استلمه القائد عبد القادر من اللجنة العسكرية»(123).

   وبينما كان عبد القادر منهمكا في الاعداد للثورة حدث حادث عارض.. فخلال رئاسة السيد ابراهيم عبد الهادي للحكومة السعدية- في عهد السعديين- سعت تلك الحكومة الى اخراج عبد القادر من مصر، وروي المرحوم (محمد علي الطاهر) هذه الحادثة في كتابه (هاكسبت) فيقول:(124)

   «ان ادارة الجوازات قد طلبت من عبد القادر مغادرة مصر فورا، وهددته بسجنه في سجن الاجانب الى ان يستأذن حكومة فلسطين البريطانية بتفسيره الى فلسطين وقد طلب عبد القادر من رئيس الادارة ان يمهله بضعة ايام ريثما يحصل على اذن بدخول سوريا او لبنان وقد حاول عبد القادر ان يسر باذن ذلك المسؤول، انه لن يستطيع دخول فلسطين لأن الانجليز فيها قد سبق لهم ان حكموا عليه بالاعدام لمحاربته اياهم 1936- 1941م وبدلا من ان يقدر الموظف جهاده نهره بجواب فط: (احنا مش عاوزين قتالين قتلى في بلادنا.. يالله على بلدك) وبعد جدال وافق موظف الجوازات على بقائه بعد ان اخذ منه تعهدا مكتوبا بان يغادر مصر بعد اسبوع وان يتعهد بان لا يبذل أي جهد او وساطة لتمديد الاقامة.

   كانت مصر يومها ترفع اعلام الاستقلال وهي غير مستقلة، وتنشد الاناشيد الوطنية وهي مكلبة بالاغلال.. لقد طالبت الحكومة بطرد عبد القادر، بعد ان علمت بنشاطه الوطني، وفي محاولته شرح ما يجرى في فلسطين للقيادات المصرية والوطنية منها خاصة، وكان هذا التنكر الاجرامي من عمل السلطات البريطانية.

  ذكر الصديق محمد علي الطاهر اخاه عبد القادر بحادثة اخراجه في عهد الطاغية اسماعيل صدقي من مصر عام 1932م وحرضه الا يخرج الان وهو مجاهد الا بالقوة وذهب معه لمقابلة المسؤولين في مكاتب اداراتهم، وليشرح وضعه ولما لم يجد اذنا صاغية راح يعرض القضية على ادارات الصحف وهنا تحرك الجميع ضد هذا الموقف المشين، وشنوا حملة ضد الحكومة السعدية، فجبن موظفوا الجوازات والداخلية وخشيت الحكومة من النقمة العارمة وبقى عبد القادر الحسيني في مصر، ليعد العدة في انتظار ذلك اليوم القريب.

  التزم عبد القادر بثورية في المنهج وقومية في التخطيط، حيث تعاون مع عدد من الشبان الاكفاء، من ضباط مصريين وعراقيين وسوريين للاستنارة بآرائهم ومقترحاتهم العسكرية بوجه خاص، والاماكن الواجب زيادة تحصينها وما شابه ذلك(125): ومنهم:

   «اللواء محمد نجيب، الضابط معروف الحضري، الضابط جلال حسن ندا، محمد صلاح الدين (وكيل وزارة الداخلية) والمحامي احمد حسين (رئيس حزب مصر الفتاة) ومحمد عبد الرحمن بك نصير (عضو مجلس النواب) وحسن البنا (رئيس جماعة الاخوان المسلمين) والصديق فتحي رضوان والدكتور رشاد وغيرهم الكثير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:09 am

التنظيم في فلسطين قبل اعلان الجهاد المقدس

عاد سماحة المفتي الحاج امين الحسيني الى القاهرة في صيف 1946م فكان خير عون وسند لعبد القادر في اعداد الشباب وتنظيم صفوفهم وتسليحهم حيث اتفقا بالتعاون مع المجاهدين على تأليف الجهاد المقدس، بينما راحت الهيئة العربية العليا تمد القائد بالمال لشراء ما يمكنه من سلاح وعتاد.

لقد تم تشكيل بعض الوحدات البسيطة، التي لا يزيد عدد افراد كل خلية عن خمسة اشخاص، وعهد الي كل وحدة منها تنفيذ اهداف خاصة ومن هذه الوحدات:

1-   وحدات الحرية:

وقد عهد الى هذه الوحدات العمل على تنفيذ مقاطعة البضائع الصهيونية فاخذت تطارد المتعاملين مع اليهود وتلقى على بيوتهم ومخازنهم القنابل والمتفجرات كما حرقت بعض المخازن بعد انذار اصحابها عدة مرات وخروجهم على اوامر المقاطعة.

وقد نجحت نجاحا باهرا في ردع ضعاف النفوس، عن الانصراف والتمادي في معاملاتهم مع اليهود، وكان المشرفون على هذه الوحدة، بعض الشباب المعروفين بصدق وطنيتهم، وغيرتهم وجرأتهم بقيادة المجاهد (صبحي ابو غريبة).

2-   فرق القوة:

وهي التي عهدت اليها مقاومة عمليات بيع الاراضي ومطاردة السماسرة، وقد تمكنت هذه الفرق من القضاء على بعض السماسرة المعروفين بعد انذارهم عدة مرات.

3-   فرق الثأر:

وكانت مهمتها تنحصر في الرد على اعمال العدوان اليهودي ضد العرب وكان لها اثرها الفعال خاصة في منطقة يافا عام 1947م.

4-   المنظمة العسكرية العربية لفلسطين: (p.m.o) هذه المنظمة تشرف على جميع المنظمات والخلايا وتوجهها حسب ارادة القائد العام وتعد الاشخاص المسؤولين ورؤساء الفصائل، الذين ستعهد اليهم مهمات تنظيم الدفاع والهجوم في مختلف انحاء البلاد.

5-   منظمة الشباب:

وكان يقودها المجاهد كامل عريقات، وكان مقرها القدس.

6-   منظمة النجادة:

وكان مقرها يافا، وهي منظمة عسكرية قامت في فلسطين اثناء الاحتلال البريطاني وكانت تضم نخبة من الشباب العرب وكان من قادتها:

(فيضي الحسيني، محمد نمر الهواري ومحمد الفرا وغيرهم.)

7-   منظمة الفتوة:

وهي منظمة بة عسكرية قامت في فلسطين اثناء الانتداب البريطاني، وقد انشئت في القدس بقيادة جمال محمد صالح الحسيني واخوه توفيق الحسيني، وكان من مجاهديها (نمر الخطيب، عبد الله الصفافي وابو فاضل وراسم الحسيني والحاج المير ومحمد كامل عريقات، وكان اول استعراض لها في بيت صفافا وكان الاستعراض الثاني في جبل الطور.

وما ان دخل عبد القادر الحسيني فلسطين حتى وضعت جميع هذه الوحدات والمنظمات نفسها تحت امرة قيادة الجهاد المقدس.

2- الاستخبارات

كان عبد القادر الحسيني يبدي اهتماما كبيرا في شؤون الاستخبارات فعين احد المجاهدين الثقاة مسؤولا عنها، وطلب منه جمع المعلومات التي يريدها وقد تمكن من تجنيد عدد من الشبان الذين يتقنون اللغة العبرية، وامرهم بمحاولة معرفة ما يلي:

1-   معلومات كافية عن كافة المستعمرات اليهودية المحيطة بالقدس وغيرها من المستعمرات.

2 -معلومات عن المنظمات الصهيونية وعن اماكن تدريبها ومخازن اسلحتها.

3-   معلومات عن كافة القرى العربية ذات الاهمية الاستراتيجية.

ومع ان اليهود كانوا وما زالوا يبدون تكتما شديدا، في جميع شؤونهم الخاصة والعامة، الا ان رجال عبد القادر تمكنوا من الدخول الى قلب المنظمات اليهودية فبعضهم اتصل بعصابة الارغون واشتيرن، وتمكن بواسطتهم من معرفة جميع تفاصيل الشؤون العسكرية اليهودية. وكان عبد القادر ينظم تقريرا اسبوعيا يرسله الى اللجنة العسكرية، يتضمن تحركات اليهود واسلحتهم وعدد قواتهم وخططهم وتحصيناتهم، كما ان بعض هؤلاء المجاهدين تمكنوا من القيام ببعض الأعمال خلف الخطوط اليهودية، فمعظم حوادث الارهاب التي وقعت بين اليهود (من حجر سيارات ومهاجمات) كانت بفضلهم وتوجيههم بعد ان استغلوا بعض رجال العصابات الصهيونية في تنفيذ تلك الخطط، كما ان بعض رجال عبد القادر تمكنوا من معرفة اماكن بعض مخازن الاسلحة اليهودية، فاستولوا على بعضها (كما حدث في مستودعات سلمة) كما اخبروا السلطات عن البعض الآخر، التي لم يستطيع المجاهدون من الوصول اليها لشدة الحراسة.

3-   مختبر صنع المتفجرات وتدريب فرق النسف والتدمير:

كان عبد القادر مولعا بالكيمياء، وقد أوتي قسما كبيرا من المعرفة بها، كما انه خبر مختلف انواع المتفجرات في الايام التي قضاها اثناء حربه ضد الانجليز، كما سافر الي المانيا- كما ذكرنا- عام 1939 حيث حضر دورة كاملة في شؤون المتفجرات والكيمياء. فكان كلما حل في بيت اقام فيه مختبرا للتجارب الكيميائية، سواء في القاهرة او في بيرزيت، كما قام بتدريب العشرات من الشباب الفلسطينيين على جميع انواع المتفجرات عمليا ونظريا، حتي تم له اعداد وحدات كبيرة من فرق التدمير، التي كان لها اكبر الاثر في الاعمال التدميرية. وكان على رأس هذه الوحدات المجاهد (فوزي نامق القطب) وهو من اشهر الخبراء في صنع المتفجرات كما اشترك في الاشراف على شؤون تدريب الفدائيين في مصر كما يرجع اليه فضل بناء فرق التدمير التي كانت تضم:

(انطوان داود، ناجي مصطفي، كاظم التونسي، عزمي الجاعوني، عبد النور خليل جنجو، محمود سعد الدين الحسيني، حسين عصلان، علي الموسوس، محيي الدين صيام، احمد سرحان المغربي، محمد العتيلي: وابو اسعد حلس، والزحيكة وعبد عكي واخوه ابو جوهر وقد اعدم الاخيران سنة 1951م) وغيرهم الكثير.

4-   الشبكة اللاسلكية:

كان اول عمل قام به عبد القادر بعد استقراره في مقر قيادته في بيرزيت، هو عمل شبكة لاسلكية للاتصال بعواصم الدول العربية، فقد استعان ببعض الخبراء المصريين لاقامتها ونقل اليها بعض مأموري اللاسلكي المعروفين بصدق وطنيتهم وقد تم بفضل هذه المحطات سرعة الاتصال بمقر الهيئة العربية العليا، وبسماحة المفتي في دمشق والقاهرة وبيروت وغيرها وكان يوميا ينقل اليهم الاخبار ويتسلم منهم الرسائل والتوصيات كما عين المجاهد (عريف بركات) مأمورا لاسلكيا لبيرزيت، وقد كانت جميع الرسائل الصادرة والواردة تكتب بالشفيرة الخاصة، كما كان في سيارة القائد جهاز لاسلكي يتصل به بمقر قيادته اينما كان.

5-   محطة الاذاعة:

تمكن عبد القادر الحسيني بفضل بعض مهندسي الاذاعة العرب، في محطة الاذاعة الفلسطينية بالقدس، من اقامة محطة اذاعة سرية في منطقة رام الله تبث برامجها من احد الكهوف في جبال المنطقة باسم (اذاعة صوت الجهاد المقدس)، وكان يشرف على البث خبراء يوغوسلاف بالتعاون مع المهندس المصري (انور الصدر) وكانت تذيع جميع البيانات والبلاغات الرسمية باللغة العربية والانجليزية والعبرية.

وكان يتولى اذاعة هذه البيانات السيد عبد الله الريماوي واكرم عبد السلام الحسيني، الذي كان يعمل مذيعا في اذاعة القدس الرسمية كما كان السيد اسحق عبد السلام الحسيني يتولى نشر واعلان كل ما يهم حركة الجهاد في جريدته (الوحدة العربية)، التي كانت تصدر في القدس.

وكانت هذه المحطة احسن وسيلة للدعاية وكانت تذيع الاخبار والبيانات مرتين في اليوم (الأولى في الصباح والاخرى في المساء) مما اثار دهشة الانجليز واليهود الذين حاولوا جادين معرفة مكانها الا انهم فشلوا، وبقيت هذه المحطة تبث برامجها حتى انسحب الانجليز من البلاد، حيث استولى العرب على محطة الاذاعة الرسمية في رام الله واخذوا يذيعون اخبارهم وبلاغاتهم منها.

6-تنظيم الدعاية:

كان عبد القادر يصدر البلاغات الحربية الموجزة الصادقة عن جميع المعارك التي كان يخوضها ضد الاعداء، وكان مكتب النشر التابع لقيادد الجهاد المقدس، بصدر البيانات المتتالية والتعليمات العسكرية الى جمهور الشعب، وكانت هذه البلاغات توزع اما بالايدي او بنشرات اخبار الاذاعة، او في جريدة الوحدة العربية، وكثيراً ما كانت هذه البيانات مثاراً لتعليقات الصحف اليهودية التي كانت تتناقلها بلا استثناء وتعلق عليها.

كما كان مكتب الدعاية يصدر نشرات باللغة الانجليزية بتوقيع (p.m.o) وتوزع على رجال الجيش وافراد البوليس البريطاني، وكانت كلها تذكير باعمال الارهاب اليهودي وضد السلطة البريطانية وتحيزها تجاه اليهود، وكان الجنود والرعايا البريطانيون يتلقفونها ويعلقون عليها (وهي في الحق كانت متقطفات سهلة الترذديد حتى ان معظمها نظم شعرا لسهولة ترديدها)(126).

وبالمقابل... راحت القوى الصهيونية تواصل دعاياتها المسمومة في اوروبا فكتب الاستاذ (يونس البحري) السائح العراقي، نزيل باريس يقول في جريدة الاهرام:(127) «يواصل اليهود دعاياتهم العنيفة ضد العرب بفرنسا بصورة منظمة محكمة، وقد عمدوا اخيرا الى اشهار حرب الاعلانات الواسعة النطاق على اعمدة الصحف الباريسية والاقليمية، وهم يرصفون المبالغ الطائلة من اجل هذه الغاية، ولم يكتف اليهود بما ينشر في الصحف (جل صفحات اليسار الغريبة) من الدعاية الضارة بسمعة العرب والحط من كرامتهم، واظهارهم بمظهر الجاني المعتدي، فشرعوا بتسخير جدرانت باريس لاغراضهم ودعاياتهم الخسيسة، وفي خلال الاسبوع المنصرم، بدت اكثر جدران باريس وشوارع باريس، وهي مجللة باعلانات ضخمة وعناوين بارزة لم يسبق ان شهدت باريس لها مثيلا في الماضي، وليس ادل على ذلك من ان كلمة كل عنوان بلغ طولها نصف متر، وقد اختار اليهود لهذا العنوان الضخم الذي يبلغ طوله خمسة امتار وعرضه ثلاثة امتار وهو (هتلر لم يمت) وان اعوان هتلر واركان حربه من العرب يقاتلون اليهود في فلسطين، وملأوا الاعلان سبابا وشتما وطعنا مريرا بالعرب، وبقادة الرأي العربي وخصوا منهم السادة المفتي الاكبر الحاج امين الحسيني، وجمال الحسيني وعبد القادر الحسيني والدكتور حسين فخري الخالدي والدكتور امين رويحة وعز الدين الشوا، وركزوا حملاتهم بصفة خاصة على الزعيم رشيد عالي الكيلاني، والجنزال فوزي القاوقجي وختم اليهود اعلانهم بمطالبة الفرنسيين بلزوم التطوع في جيش التحرير اليهودي، لمساندة اليهود على صد الغزو العربي عن اليهود بفلسطين.

صورة الوضع بعد قرار التقسيم

كان اليهود في فلسطين قد تجاوزوا سنة 1946 اعتداءاتهم على الانجليز، الى الاعتداء على العرب، فأوعز عبد القادر الى رجاله في فلسطين للقيام ببعض الحركات ليفهم اليهود ان العرب على استعداد لملاقاتهم في أي وقت يختارونه (اي اليهود)، فنشطت في فلسطين جماعات الثأر والحرية والقوة وغيرها، وجعلت همها تقوية المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية ضد اليهود، ومعاقبة كل عربي يخرج على نظام وقرار المقاطعة. كما تم تأليف خلايا ثورية في مختلف انحاء فلسطين لتكون على اهبة الاستعداد امام أي غدر يهودي مفاجى.

وكان عبد القادر يهدف الى تسليح جميع القرى والمدن الفلسطينية، ولكن المال كان ينقصه كما ينقصه السوق الذي يمكنه ان يشتري منه السلاح العصري والمعدات الثقيلة والتجهيزات العسكرية، ومع انه تيسر له شراء عدة صفقات من السلاح ولكن قلة المال ظلت هي العقبة التي حالت دون شراء المزيد، فاحيلت تلك الصفقات على من كانت لديه الاموال من رجال الجامعة العربية والدول العربية، ورغم هذه الصعوبات المالية وغيرها، فقد وفق الى حد بعيد من تسليح الشبان واعداد المجاهدين.

وبعد ان انهت اللجنة الانجلو- امريكية اعمالها وطالبت بتقسيم فلسطين ورفعت تقريرها الى الجمعية العمومية للأمم المتحدة، نشطت الهيئة العربية العليا نشاطا ملحوظا، فقد انشأت مكاتب لها في القاهرة (وهي المقر الرئيسي) وفي فلسطين، واخذت تضع الانظمة اللازمة لسير عملها، ومن الانظمة التي وضعت (نظام اساسي وقانون داخلي، وتنظيم للجان القومية ولائحة للصندوق القومي الذي سمي (بيت المال) وقد حرصت الهيئة على ان تنشط في ميدان الاتصالات اليبلوماسية والدعاية، فقررت ارسال وفود الى انحاء مختلفة من العالم واصدرت كراسا عن قضية فلسطين نشرته بالعربية والانجليزية والفرنسية.

وكذلك قررت الهيئة العربية العليا عقد اجتماع في الاسكندرية آخر آب 1946 برئاسة الحاج امين، وهناك وضع عبد القادر امام الهيئة جميع ما وفق الى تحقيقه من خطط ودراسات وآراء حيث تقرر في ذلك الاجتماع مواجهة الخطط الاستعمارية الصهيونية بالقوة المسلحة، وتقرر انشاء جيش فلسطيني لممارسة الجهاد الفعلي (جيش الجهاد المقدس). واختير سماحة المفتي قائدا على لهذا الجي، كما اسندت قيادته العامة الى عبد القادر وتولى كامل عريقات منصب النائب العام، كما تولى قاسم الريماوي امانة السر، اما القائدان حسن سلامة وابراهيم ابو دية فقد اختيرا مستشارين عسكريين، كما وضعت ميزانية خاصة لهذا الجيش حيث تولى سعد الدين عبد اللطيف ورجائي الحسيني مهمة الاشراف عليها، وكذلك شكل المفتي- فيما بعد - لجنة ثنائية يناط بها الاشراف على امور التهيئة وشؤون المجاهدين، بعضوية كل من صالح الريماوي واميل الغوري.

وبعد ذلك قام عبد القادر بالاشتراك مع الشيخ حسن سلامة (ابو علي) بوضع خطة عامة للجهاد المقدس، بالتعاون مع الضباط العرب الاحرار واطلع سماحته عليها ثم عرضها عبد القادر على اعضاء الهيئة العربية العليا في اجتماع لها بمقرها الجديد بضاحية (حلمية الزيتون بالقاهرة) في مطلع ايلول 1947وكانت تتضمن:

1-   الاعتماد على الفلسطينيين انفسهم في المعركة الحاسمة مع اليهود

2-   مطالبة الدول العربية الشقيقة بامداد الفلسطينيين بالمال والخبرات العسكرية

3-   اعلان قيام حكومة عربية تتحدث باسم فلسطين.

4-   مناشدة الشعوب العربية والاسلامية وحكوماتها، لتقديم المساعدات المالية لعرب فلسطين، وشرح القضية في المحافل الدولية.

كان مجلس الجامعة العربية قد قرر في اجتماعاته من 17-0 29 آذار 1947. ان تقدم دول الجامعة العربية المال للهيئة العربية العليا، لتكون قادرة على العمل (كما اتخذ مثل هذا القرار في اجتماعات مجلس الجامعة من 8- 12 حزيران 1946) (الا ان ما تسلمته الهيئة العرية العليا حتى حزيران 1948 لم يتجاوز (143) الف جنيه دفعت سوريا (103) آلاف جنيه منها)(128).

واجتمعت هيئة الامم المتحدة في 28 نيسان 1947، بناء على دعوة الحكومة البريطانية، للنظر في قضية فلسطين، وقد منحت الهيئة العربية العليا حق الكلام باسم فلسطين، فتحدث المحامي (هنري كتن) ممثلا عنها. واكد مطالبة عرب فلسطين بالاستقلال، ووقف الهجرة اليهودية حالا، كما اعلن معارضة عرب فلسطين لاية لجنة تحقيق تكون ورفضهم اية قرارات تصدر اذا كانت لا تتفق ومطالبهم.

ورغم ذلك فقد شكلت هيئة الامم المتحدة لجنة تحقيق لم تدخلها أي من الدول الكبرى وصلت فلسطين يوم 7 حزيران 1947، حيث قررت الهيئة العربية العليا مقاطعة هذه اللجنة، لأنها غير مكلفة بتحقيق المطلب الاساسي لعرب فلسطين، وهو الاستقلال، وطلبت من الشعب في فلسطين ان يعلن الاضراب يوم وصولها.

استقلت فلسطين والعواصم العربية اللجنة بالاضراب، ولكن الدول العربية قررت التعاون معها على اساس انها اعضاء في الامم المتحدة. ولهذا اقيم في 6 تموز 1947 واللجنة ما تزال في القدس- مهرجان كبير باسم العمل من اجل المحافظة على الاراضي العربية ومقاومة سياسة الاحتلال الخاصة بالاراضي، والممثلة في نزع الملكية وازالة الشيوع، وتسجيل الاراضي باسم المندوب السامي، ولكن هدف الاجتماع لم يكن هذا فحسب، اذا ان المقصود كان اعلان موقف العرب من قضية فلسطين بشكل عام، وقد قرئت في الاجتماع رسالة من الحاج امين رئيس الهيئة العربية العليا، اكد فيها ان الثورة لا بد واقعة في فلسطين وان لم تعترف بريطانيا والولايات المتحدة وهيئة الامم بمطالب عرب فلسطين.

وعندما تأكدت الدول العربية من سوء نوايا الدول الكبرى، الرامية الى تقسيم فلسطين دعت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية، الى عقد جلسة استثنائية بمصيف عالية/ لبنان ما بين 7- 15 تشرين اول 1947م، حيث سافر الوفد الفلسطيني سرا- بطائرة خاصة- الى بيروت وكان مكونا من:

(الحاج امين، عبد القادر الحسيني، منيف الحسيني، حسن سلامة واميل الغوري واربعة مسلحين من رجال الجهاد (المقدس) كما وجهت الدعوة الى جميع اعضاء الهيئة العربية العليا لحضور الاجتماع في لبنان فوصولها خلا السيد جمال الحسيني الذي كان غائبا في نيويورك.(129).

عقدت اللجنة العربية اجتماعا سريا في بيت عمر الداعوق الصيفي في عاليه، حضره عبد القادر وحسن سلامة وصبحي الخضرا (الذي دعي الى الاجتماع للاستنارة بآرائه العسكرية)، حيث عرض فيه خطة الجهاد المقدس فدار نقاش حاد حولها بين عبد القادر وصبحي الخضرا، حال سماحة الحاج امين دون تفاقمه، وانتهى الاجتماع بتفويض سماحته بالبحث مع اقطاب الجامعة العربية بشأن موضوع الدفاع عن فلسيين وخطة الجهاد.(130).

ثم عقدت اجتماع مجلس الجامعة العربية برئاسة (محمد فهمي النقراشي) رئيس الحكومة المصرية، للبحث في موضوع الاهداف الاربعة، وفيه تقرر ما يلي:

1-   ان تحشد الدول العربية قطعات من جيوشها على حدود فلسطين.

2-   ان تقدم الدول العربية السلام الى عرب فلسطين، الذين يقطنون في المناطق المتاخمة لليهود ورؤى ان تخصص من اجل ذلك عشرة آلاف بندقية مع ذخائرها.

3-   تدريب الشباب في المناطق غير المتاخمة وتعبئتهم للمعركة المقبلة.

4-   انشاء قيادة عربية تتولى هذا الامر، ورصد مبلغ من المال يوضع تحت تصرفها لا يقل عن مليون جنيه.

وقد انشئت لجنة عسكرية لتحقيق هذه الاهداف، وكانت مكونة من كبار العسكريين برئاسة العميد طه الهاشمي (مسؤول عن شؤون التدريب والتعبئة) واللواء الركن اسماعيل صفوت (العراق) والعقيد محمود الهندي (سوريا) والمقدم الركن شوكت شقير (لبنان) وبهجت طبارة (الاردن) الذي لم يحضر ولم يشترك في نشاط اللجنة. وصبحي بك الخضرا (فلسطين) واحمد الشربتلي (سوريا) ورياض الصلح (لبنان).

وقد كلفت هذه اللجنة بدراسة القضية عسكريا، ومعاونة اهل فلسطين في الدفاع عن انفسهم وكيانهم، وذلك بالاشارف على ادارة العمل وتنظيمه، وصرف الاموال التي تخصصها الدول العربية لمعاونة أهل فلسطين(131).

وبعد عدة ايام قضتها اللجنة العسكرية في دراسة مستفيضة، رفعت تقريرها الاول في التاسع من تشرين اول 1947م افادت فيه:

(بان اليهود في فلسطين منظمات وتشكيلات سياسية وعسكرية وادارية على درجة قصوى من النظام والاحكام، وفي وسعها ان تنقلب فورا الى حكومة صهيونية، لها كل ما تحتاج اليه من الوسائل والوسائط اللازمة للحكم، وان لديهم قوة كبيرة من الرجال والسلاح والعتاد، في الوقت الحاضر ويقدر عددهم من 65- 75 الف مقاتل، من الهاغاه والارغون وشتيرن وفي امكانهم تجنيد قوات احتياطية كبيرة، فيما اذا اعلنوا النفير العام».

وقد حرز التقرير من الخطر المحدق بفلسطين واهلها القاطنين وسط اكثرية يهودية، واحتمال ممارسة القتل الجماعي ضدهم، لأنهم يخشون بقاء عرب فلسطين وراء ظهورهم، خاصة وان لهم تجارب وخبرات خاصة ضد بريطانيا واليهود طيلة سنوات الاحتلال والانتداب(132).

لذلك اوصت اللجنة بتأليف قيادة عربية عامة، وان يعين المرجع الاعلى لهذه القيادة من كافة الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية والى ان يتم ذلك يجب ان يمد عرب فلسطين بمقادير وافية من الاسلحة لا تقل عن (10) الاف بندقية، وبالرشاشات وبالقنابل اليدوية والالغام كدفعة اولى مع المواد الهندسية والاسمنت خاصة بليسطتيعوا بناء وسائل الدفاع عن الاحياء في المدن والقرى العربية بالاضافة الى تخصيص الاموال اللزامة لتنفيذ مثل هذه المشاريع لحماية عروبة فلسطين(133).

كما اوصت اللجنة بفتح ابواب التطوع امام جميع المواطنين العرب، والعمل على تدريبهم وتسليحهم لاتاحة الفرصة لهم في المشاركة الفعالة لانقاذ فلسطين.

هذا وقد عهدت اللجنة السياسية الى اللواء الركن اسماعيل صفوت برئاسة اللجنة العسكرية موصية بوضع توصيات اللجنة العسكرية موضع التنفيذ الفوري.

وبالفعل اتخذت اللجنة العسكرية مقرا لها في (قدسية) احدى ضواحي دمشق، كما عهدت الحكومة السورية الى الفريق طه الهاشمي، بمهمة الاشراف على تعبئة وتنظيم وتدريب المتطوعين من فلسطينيين وعرب في معسكر قطنا قرب دمشق وقد افرزت وزارة الدفاع السوري مجموعة من الضباط السوريين للقيام بمهمة اعداد وتدريب المتطوعين لتكوين جيش الانقاذ تحت قيادة اسماعيل صفوت يساعده الفريق طه الهاشمي.

كما قامت هذه اللجنة العسكرية بتقسيم فلسطين الى اربع مناطق عسكرية موزعة كالتالي:

1-   منطقة الشمال: وتشمل عكا، الناصرة، جنين وقراها وعهد بقيادتها الى المجاهد فوزي القاوقجي.

2-   منطقة الوسط/ وتشمل: القدس/ رام الله/ اريحا/ بيت لحم والخليل وقراها وعهد بقيادتها الى عبد القادر الحسيني.

3-   منطقة الغرب: وتشمل يافا واللد والرملة وعهد بقيادتها الى الشيخ حسن سلامة.

4-   منطقة الجنوب: وتشمل المجدل، غزة، ورفح وراها وعهد بقيادتها الى المجاهد محمد طارق الافريقي.

وارتبطت جميع هذه المناطق بالقيادة الرئيسية في بيرزيت.

وبهذا تكون اللجنة السياسية ودول مجلس الجامعة العربية قد تناست تقرير الهيئة العربية العليا، الذي تضمن ضرورة أن يكون أهل فلسطين هم الأساس في الدفاع عن بلادهم، لانهم أخبر بمواقعها ومسالكها، ولأنهم أشد تصميما واستماتة في الذوذ عن اهليهم واموالهم وبلادهم، يضاف الى ذلك أنهم أقل نفقة من المتطوعين أو الجنود القادمين من خارج فلسطين، كما جاء في هذا التقرير أيضا ن الجيوش النظامية للدول العربية، ينبغي أن ترابط على حدود فلسطين دون دخولها/ وذلك لتقوية الفلسطينيين ومساعدة المجاهدين عند الضرورة بصفة متطوعين(134).

لقد أثارت هذه التوصية التي جاءت ضمن قرارات مؤتمر عاليه والتي تنص:

«يجب أن يترك الفلسطينيون أنفسهم للدفاع عن بلادهم، على أن تزودهم البلاد العربية بالمال والسلاح والعسكريين، أثارت حنق السياسة الاستعمارية التي مورست على عدد من المسؤولين العرب للحد من مثل هذه التصرفات، وبدا ذلك واضحا حين تقدم الجنزال (كلايتون) مدير المخابرات البريطانية في الشرق الاوسط، ومقره القاهرة، بمذكرة الى الجامعة العربية باسم بريطانيا، معارضا فيها تسليح أهل فلسطين وتدريبهم، كما اعتبر ذلك عملا غير ودي، لان بريطانيا ما زالت في فلسطين، وقد كان لبريطانيا ما ارادت، حين مارست ضغطها، فقد تقلص عدد المتطوعين في معسكر قطنا، كما أن اللجنة العسكرية لم تقدم لعرب فلسطين سوي (1600) بندقية فقط(135) من أصل (10 آلاف بندقية موصى بها). وحتى هذه الكمية يبدو انها سحبت من المتاحف الحربية لبعض العواصم العربية.

وقد كتب صالح بويصير في «كتابه جهاد حرب فلسطين» حول هذا الموضوع ما نصه:

طائرة سورية هبطت في (اسكاكة) من أعمال الجوف، وأفرغت ما فيها من أسلحة وأعتدة سعودية كانت (237) بندقية نمساوية قديمة جدا، وتعرف بالخديوية، وقد غنمها الوهابيون من الجيش المصري في حربه مع الوهابيين في القرن الماضي، (233) بندقية المانية (224) بندقية من مختلف الدول انجليزية والمانية وفرنسية وتركية وهندية لا تصلح ابدا للاستعمال، وأما البنادق النمساوية والروسية ومجموعها (258) فانه لا نفع يرجى منها، لفقدان عتادها، ولم يبق من هذه الشحنة الكبيرة، التي أخذت طائرة لنقلها، وحسبت على شعب فلسطين الا (17) بندقية من مجموع 86 (20 بندقية انجليزية من مجموع 200) (5 بنادق ايطالية من مجموع 65) صالحة للعمل، وبندقية واحدة من بندقيتين أمريكيتين صالحة للعمل وبندقيتان عثمانيتان(136).

اما مجموع ما تلقاه شعب فلسطين لم يتجاوز (768) الف جنيه، وهو مبلغ ضئيل في معركة الفناء او البقاء، وقد كانت تلك المبالغ من مصادر مختلفة منها:

(104) آلاف جنيه من سوريا، (20) الف جنيه من مصر، (15) الف جنيه من لبنان (4500) جنيه من اليمن. وهذه آلالاف لقاء ملايين وصلت لليهود في فلسطين(137).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:11 am

الفصل الثاني

عبد القادر في فلسطين

أصدرت الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة قرارها المشئوم بتقسيم فلسطين، في 29 تشرين ثان 1947، فهب العرب هبة رجل واحد يعلنون مقاومة هذا القرار الاجرامي الجائر، فاندلعت الاضطرابات ضد التقسيم وضد من يعمل لتحقيقه، ولما أدرك الجميع أبعاد الخطر الداهم، الذي يتهدد البلاد، صدرت الأوامر الى عبد القادر بدخول فلسطين ليقود مجاهديها، وأفاقت فلسطين والنبأ يملأ جنباتها ويطوي مدنها وقرارها.

ولما يمض قرابة شهر على صدور قرار التقسيم حتى دخل عبد القادر البلاد بتاريخ 22 كانون أول 1947 م يصحبه المجاهد مالك الحسيني قادما من مصر، مارا ببئر السبع فالخليل فقرية صوريف- قضاء الخليل(138).

وفي الوقت نفسه اجتاز الحدود الفلسطينية، عدد من المجاهدين القادمين من سوريا ولبنان، ومن بينهم الشيخ المجاهد حسن سلامة، فالتقوا جميعا بعبد القادر، الذي ما كادت قدماه تطأ ارض فلسطين حتى توافد عليه أعوانه وجنوده وأنصاره، من جميع أنحاء فلسطين ومن بينهم: (كامل عريقات، حسن سلامة، ابراهيم ابو دية، بهجت ابو غريبة، توفيق الابراهيم، حسن شبلاق، عودة ابراهيم عودة، محمد محمود الصفوري، محمود درويش، محمد عمر النوباني موسى أبو شيبان والعبد اسماعيل وفريد فخر الدين وقاسم الريماوي وجريس خليف وفؤاد عريقات ومالك الحسيني وصالح الريماوي وعطا الله الحاج علي وفورزي القطب وغيرهم الكثير. حيث عقد معهم بتاريخ 25 كانون اول 1947م، اول اجتماع ثم أعقبه عدة اجتماعات اسفرت عن تنظيم هيئة اركان حرب ومجلس قيادة للثورة على النحو التالي:

  1- عبد القادر الحسيني            قائدا عاما للجهاد المقدس

  2- كامل عبد الرحمن عريقات    نائبا للقائد العام

  3- داود الحسيني                  مفتشا عاما للشؤون الادارية

  4- قاسم الريماوي                امينا للسر

  5- ابراهيم ابو دية               لقيادة سرايا العمليات الحربية

  6- مالك الحسيني               للمالية وآمر فصيل

  7- صالح الريماوي               للتموين والاشراف على تسليح القدس

  8- موسى أبو شيبان            آمر فصيل

  9- فؤاد عريقات                آمر فصيل

 10- عطا الله الحاج علي       آمر فصيل

  11- فوزي القطب             قائد فرقة التدمير

كما ألفت لجنة سياسية، وأخرى للتدريب وأخرى للدعاية ولجنة للاتصال بالمدن والقرى ولجنة اسعاف وغيرها.

وبعد ذلك وزع القائد الاسلحة التي كان يحتفظ بها في مخزن سري7 علي حاميات الدفاع، التي اقامها في المدن والقرى، ومكث في تلك القرية اسبوعا واحدا، تمكن خلاله من تنظيم الدفاع في جميع أنحاء منطقة الخليل وتشكيل سرية لمرافقته، ولتكون نواة للقوة الضاربة التي يقودها بنفسه.

وبعد ذلك راح يواصل اتصالاته لاعداد القوى الشعبية وتنظيمها للدفاع والهجوم وتشكيل الفرق الضاربة على اساس عسكري صحيح.

غادر القائد عبد القادر منطقة الخليل، بعد أن انتهي من تنظيمها وتسجيل أسماء رؤساء المسلحين وأسماء المسلحين ونوع البنادق التي يحملونها، الي قضاء رام الله فزار جميع قرى القضاء، واستقبل فيها استقبالا حماسيا حارا، وبعد ترتيبه لصفوف القوى الشعبية فيها، انتقل الى منطقة جنين حيث قام بزيارة المدينة، كما زار قرى رمانة وأم الفحم وعرابة وسيلة الظهر والكفير، كان خلالها يعقد اجتماعا يحضره جميع المسلحين في تلك المنطقة، حيث يتم اختيار رؤساء المسلحين، وبعد مشاورة كافة الرؤساء والمسلحين ووجهاء القرى، قسم منطقة جنين الى خمسة اقسام، وعين على كل قسم مسؤولا عاما، حدد له صلاحياته وحصرها في الامور العسكرية الحتة، طبقا لقرار التعيين. وقد عين الأشخاص التالية أسماءهم(139) رؤساء للمسلحين في تلك المنطقة وهم:

(فوزي جرار، نجيب المصطفى، محمود ارشيد، محمد العطاري، وعلي الفارس) وكان كل واحد منهم يقود عددا من المسلحين لا يقل عن سرية، وكان يمدهم بما يستطيع من مال وسلاح وعتاد، وقد كان لهذه النواة التي شكلها، الفضل الاول في الدفاع عن تلك المنطقة. ثم انتقل الى منطقة نابلس وابتدأ بطوباس وهي أكبر قرى القضاء، فبديا فكفر قدوم، حيث نظم الدفاع في تلك المنطقة وعين مسؤولين عن المسلحين وهم (140): (عبد الكريم الطوباسي، مصطفي العودة، وجميل القدومي).

ثم انتقل الي قلقيلية مارا بعزون، حيث عين المجاهد (سعيد السبع) مسؤولا عن المسلحين فيها، ومن هناك انتقل الي طولكرم، حيث اجتمع برجال اللجنة القومية، ومن ثم زار الطيرة وقلنسوة، وتفقد استحكامات الدفاع فيهما، وعين المجاهد (حسن العبد الله) مسؤولا، كما عين المجاهد (محمد ابو دية) مساعدا له، كما زار قرية الطيبة ودير الغصون وشويكة وزيتا، ثم انتقل الى عنبتا وبلعا وبرقا فمدينة نابلس.

وقد استغرقت هذه الرحلة بكاملها تسعة أيام، تمكن خلالها من تنظيم القوى الشعبية، ووضع أسس الدفاع في جميع منطقة الملث (جنين- نابلس- طولكرم) وكان استقبال الشعب له في جولته هذه منقطع النظير، سواء أكان في المدن أو القري، فكانت الطرقات والشوارع والأسطحة مملوءة بالرجال والنساء، وقد أظهر اهالي تلك المنطقة كرما زائدا في مقابلته واكرامه والحفاوة به، والحقيقة أنه وزع زيارته هذه بشكل نال استحسان الجميع، وهم يشيدون بذكره ويلهجون بالثناء عليه، خاصة بعد ما لمسوه من لطف معشره وطيب عنصره، وكان يرافقه في هذه الرحلة عدد من الوجهاء والشبان الوطنيين.

كتب المجاهد صالح الريماوي حول طريقة التنظيم فقال (141)

«كنا نذهب كل يوم الى قرية او اكثر حسب تيسير العمل، وكان ذهابنا ليلا، في الوقت الذي لا يكون لدينا أشغال فيه، وفي الوقت المناسب للقرويين، حيث يكونون قد عادوا من اشغالهم واعمالهم اليومية، وعندما نصل الى تلك القرية، نجمع مخاتيرها ووجهاءها وشبابها المتحمسين الذين نتوسم فيهم الخير، وبعد التداول، نقوم بتشكيل لجنتين:

1-   لجنة للمخاتير والوجهاء للتوجيه والمساعدة وجمع المال

2-   لجنة للشباب وكانت شعبتين:

أ- شعبة لحراسة القرية.

ب- شعبة يسجل فيها أسماء الشباب كاحتياط.

حيث يتم تسجيل أسماء الشعبة الاولى في سجل الحراسة، اما الشعبة الثانية فكان أفرادها يسجلون في سجل خاص يسجل فيه الأسماء والأعمار، والبنادق وأرقامها وأنواعها، وكنا ننتخب أفراد هذه الشعبة من الشباب الذين خدموا في البوليس الرسمي او الاضافي، أو من المدربين على حمل السلاح واستعماله، واصابة الهدف، ثم نعين قائدا لها.

عاد عبد القادر الي قضاء رام الله، ليتخذ من قرية (بيرزيت) مركزا لأعماله، أما اسباب اختياره لهذا القضاء فترجع الى ما يلي:-

1-   ان قضاء رام الله هو القضاء العربي الوحيد، الذي لم يدنسه اليهود، ولم يستولوا على شبر من أراضيه، ولم يسمح لليهود اطلاقا بالتجول فيه.

2-   لأن هذا القضاء يمتاز بموقعه الجغرافي الاستراتيجي، فهو يقع في قلب فلسطين، وتوسطه في منطقة نفوذ القائد. بالاضافة الى قيادة جيش الجهاد المقدس، ولسهولة المواصلات وكثرتها فيه، ولقربه من مدينة القدس وبعده عن معسكرات الجيش البريطاني والمستعمرات اليهودية.

3-   اعتماد عبد القادر بصورد خاصة على استعداد ذلك القضاء العربي البكر المؤمن، (فهو القضاء الذي قال فيه القائل البريطاني (دل) في تقريره: انه خير قضاء حمل أعباء الثورات والتضحيات في مختلف أنحاء البلاد)(142).

4-   توفر وسائل النقل ووجود المستشفيات ورجال الطب. وغير ذلك من الوسائل المعينة.

قيادة الجهاد المقدس العامة

في بير زيت

بير زيت قرية تقع على بعد 25 كم الى الشمال من القدس، وعلى بعد 20 كم شرقي اللد وعلى بعد 25 كم جنوبي نابلس، وعلى بعد 8كم من رام الله، وهي قرية هادئة ومعظم سكانها من المسيحيين، وتحيط بها قرى بني زيد الشرقية والغربية وقرى بني مرة وبني حارث، أما طرق المواصلات فكانت غير معبدة، ولكن وسائل الاتصال بها كانت ميسورة.

تم استئجار ست بنايات فيها، لتكون مقرا للقوي الضاربة والقوى النظامية، ومركزا للقيادة العامة توزعت كالتالي:-

1-   مكتب الدعاية والشؤون الاجتماعية والعلاقات السرية.

2-   دار لمحطة اللاسلكي.

3-   دار مقر السرية الاولى.

4-   دار مقر للسرية الثانية.

5-   مطبخ للجنود.

6-   دار لخزن الاسلحة والعتاد.

7-   دار للقائد العام ومساعديه وضباطه.

8-   مكتب خاص للقائد العام.

9-   مكتب خاص للقائد العام.

10- غرفة للتجارب الكيميائية وتركيب المتفجرات.

اما مكاتب الجهاد المقدس فقد كانت كالتالي(143):-

تتألف عمارة المكاتب من طابقين، فالطابق الاول يحتوي على كراج للسيارات، وعلى غرفة يجلس فيها مأمور الأحوال، ليسجل في دفتر خاص أسماء الوافدين والذاهبين من الرجال الرسميين، والى جانبه مساعد له يسجل اسماء الزائرين للقيادة، على اوراق خاصة ترفع الى القيادة لتسهيل مهمة القادمين، والى جانبها غرفتان للحرس الخاص، وفي مدخل الباب يقف جندي بسلاحه وحربته، لا يسمح لأحد بالدخول الا لمن يؤذن لهم.

اما الطابق الثاني فيحتوي على خمس غرف وديوان كبير، ففي احداها يجلس القائد العام وفي الثانية يجلس مساعد القائد كامل عريقات، وفي الثالثة يجلس امين السر العام قاسم الريماوي، وفي الغرفة المواجهة لمدخل العمارة، يجلس مدير المكتب وبجانبه ثلاثة مساعدين والى جانبهم غرفة المسؤولين الاداريين المسؤولين عن النقليات والمالية والتموين وهم: موسى أبو شيبان وفريد فخر الدين وصلاح الحسيني ومالك الحسيني وغيرهم.

اما الديوان فكان يمتد على طول العمارة، وكان معدا للاجتماعات العامة العسكرية والمدنية، ففيه يستقبل القادمون من الأهالي، وفيه تلقى المحاضرات، كما وضعت على جدرانه لافتات تلصق عليها البلاغات الرسمية والتعليمات العامة، كما كان يقف على مدخل الطابق الثاني جنديان بأسلحتهما.

اما غرفة القائد العام، فكانت مزودة بطاولة وحوالي ستة كراسي، وقد علقت على جدرانها خرائط كبيرة لجميع انحاء فلسطين، ووضعت على الطاولة بعض الكتب التي تبحث في الامور العسكرية العامة، وفي شؤون المتفجرات، وفيها خزانة مملوءة بالخرائط والمعلومات العسكرية المهمة.

اما مكاتب القيادة فقد نظمت بشكل بديع، اذ أن المشرف على المكتب، كان من الذين مارسوا هذه المهنة، فقد كان مديرا لمكاتب الجيش البريطاني في الفترة الاخيرة وهو السيد (سليم ربيع) وكان هذا المكتب يحتوي على ما يلي:-

1-   ملفات الجنود الشخصية: فقد كان لكل جندي ملف خاص به، حيث يوضع فيه تعهد خاص، موقع من صاحب الملف، يتعهد فيه باطاعة الأوامر وتنفيذ كل ما يوكل اليه من مهام. وأن يقدم نفسه طائعا مختارا في الجهاد في سبيل الله. كما كان يوضع فيه تقرير طبي عن حالة الجندي الصحية وصلاحيته للقتال، كما كان يوضع فيه اسم الجندي وعنوانه واسم ولي امره ونوع البندقية التي يحملها وخبرته العسكرية، وجميع التقارير التي ترسل اليه او المحاكمات مع بيان يمثل المعارك التي اشترك فيها.

2-   ملفات خاصة بالصدر والوارد للعسكريين والاداريين والقائد العام ومساعديه.

3-   ملف لكل قرية يبين فيه عدد المسلحين ورؤساهم، والمراسلات الواردة اليهم والصادرة.

4-   سجلات للمالية ولمخزن الأسلحة والتموين.

5-   كشوفات يومية عن عدد الجنود والضباط وأماكن تواجدهم.

6-   كشوفات يومية عن المستهلك من العتاد والذخيرة.

7-   كشوفات يومية عن المصاريف المستهلكة. وكان القائد العام يوقع علي جميع هذه الكشوفات.

اما الشيفرة فقد كانت محفوظة في مكتب أمين السر العام، وكذلك المراسلات السرية الخاصة وتقارير الاستخبارات والخطط العسكرية الهامة.

اما المقابلات الشعبية، فانها كانت مسموحة لكل ذي شأن، خاصة رؤساء مسلحي القرى وأعضاء اللجان القومية، وكنت ترى عشرات الأشخاص يحتشدون عند مكاتب القيادة للمراجعات، فيجري القائد مقابلاتهم كل على حدة، كما كان يزودهم بكل ما يحتاجونه من مال وعتاد وسلاح، كما كانوا يزودون بالرجال وحاميات الدفاع ان كانوا في حاجة الى ذلك.

التدريب العسكري:

كان يجري تدريب الجنود النظاميين يوميا على الاسلحة، والقيام بمناورات، وكان يشرف على حركة التدريب هذه عدد من الضباط الفلسطينيين الذين اشتركوا في الحرب الأخيرة، كما استعين بعدد من الضباط الأتراك واليوغسلافيين وغيرهم، (وكان لا يجوز لأي شخص الالتحاق بهذه القوة، الا بعد التأكد من صلاحيته ومن حالته الصحية، كما يشترط أن يكون قد نال قسطا من التدريب العسكري، وخدم في الجيوش النظامية، مع مراعاة صغر سن الجندي المتقدم، وقد أتقن رجال الجهاد المقدس شؤون التدريب العسكري اتقانا كبيرا، فظهرت نتائج تدريبهم ومهارتهم، وكانوا جميعا متطوعين لا يطلبون راتبا او مصاريف حتى أنني أذكر انه قد عرض على احدهم مبلغ من المال فرفض، بحجة أنه مجاهد وأن ذلك قد يعد أجرا وهو لا يقصد الا وجه الله، وكان قائدهم خير مثل لهم في هذا المضمار وخير قدوة(144).)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:12 am

الدفاع عن مدينة القدس

وما دار حولها من معارك

مرت فترة وجيزة بين دخول عبد القادر الحسيني فلسطين، وبين اعلان هيئة الأمم مشروع التقسيم، أوجس الجميع خلالها خيفة من استيلاء اليهود على المدن والقرى العربية، خاصة مدينة القدس، رغم وجود حاميات للدفاع عن تلك المدن والقرى. حيث كان اليهود يتحينون الفرص لاحتلالها، وكثيرا ما شنوا هجماتهم المتتالية لتحقيق ذلك، الا أن حاميات الدفاع كانت تردهم على أعقابهم، مكبدة اياهم أفدح الخسائر.

قام اليهود منذ زمن بعيد بتنفيذ خطة تطويق القدس بالمستعمرات، لاغلاق المنافذ التي تؤدي اليها لقتل العرب داخل المدينة، ومحاصرتهم ثم اضطرارهم للاستسلام، ولهذا بنوا على الطريق الشمالية (طريق القدس- نابلس) ثلاث مستعمرات (اثنتان منها خارج البلد وواحدة داخلها) وكانت هذه المستعمرات:-

1-   مستعمرة عتروت (قلنديا) وتقع بالقرب من رام الله وتبعد عن القدس 12 كم.

2-   مستعمرة النيفي يعقوب وتقع بالقرب من شعفاط وتبعد عن القدس 7 كم.

3-   مستعمرة نحلات شمعون وبيت اسرائيل (داخل القدس الى الغرب من الشيخ جراح).

اما في الجهة الجنوبية (طريق القدس- الخليل) فقد أقاموا فيها المستعمرات التالية:-

1-   اربع مستعمرات أكبرها مستعمرة كفار عتيسون (ما بين بيت لحم والخليل من الغرب).

2-   مستعمرة رامات راحيل (ما بين القدس وبيت لحم).

3-   مستعمرة المندوب السامي (قرب القدس).

4-   مستعمرة ميقور حاييم في القدس.

5-   مستعمرة تل بيوت ومستعمرة المنتفيوري في القدس.

اما في الجهة الشرقية (طريق القدس- اريحا) فقد كانت لهم مستعمرتان:

1-   الجامعة العبرية وهداسا، اللتان تسيطران على طريق اريحا- القدس، وتساعدان في السيطرة على طريق نابلس (وتقعان على جبل الطور شمالا).

2-   مستعمرة الكيبوتس في البحر الميت.

اما في الجهة الغربية (طريق القدس- يافا) فكانت طريقا محصنة، ولا يمكن لعربي ان يطأها، ولذلك استخدم العرب طريقا فرعية من جهة رام الله، وتنحدر غربا الى يافا عن طريق اللطرون، وكان اليهود قد أقاموا عليها المستعمرات التالية:-

1-   مستعمرة موتسا عيليت قرب قالونيا.

2-   مستعمرة العنب (كريات عنافيم) قرب أبي غوش.

3-   مستعمرة الخمس (معاليه خمشاه) الى الجنوب من قطنة، والى الغرب من بيت سوريك.

4-   معامل ومحاجر الجيشار قرب دير ياسين والقسطل.

مما تقدم نلاحظ أن اليهود قد أحاطوا القدس بمستعمراتهم لتحقيق ما يلي:

1-   قطع جميع طرق القدس ومواصلاتها من الجهات الأربع.

2-   احتلال ما تبقى من القدس العربية (المدينة القديمة والمسجد الاقصى)، وهو الهدف الاساسى للعمليات الهجومية المتكررة، ففي الجنوب:

هناك مستعمرة ميقور حاييم، ويريدون وصلها بالقدس اليهودية عن طريق احتلال القطمون، اما مستعمرة تل بيوت فانهم يريدون وصلها بالقدس اليهودية أيضا، عن طريق احتلال البقعة، لتكون على صلة مع مستعمرة ميقور حاييم.

اما القدس القديمة فانهم يريدون وصلها بالقدس اليهودية، عن طريق احتلال حي النبي داود وسلوان عن طريق مستعمرتي المنتفيوري وتل بيوت.

اما الجامعة العبرية فانهم يريدون وصلها عن طريق احتلال منطقة الشيخ جراح وحي باب الساهرة، وبذلك تصبح البلدة القديمة والحرم القدسي تحت رحمتهم من الجهة الشمالية أيضا. اما مستعمرة الكيبوتس في البحر الميت فكانت تعتبر نقطة هجوم تدعم الجامعة العبرية، التي تسيطر على القدس من الشرق (أي من باب الاسباط بواسطة احتلال الطور وسلوان).

وتنفيذا للحظة اليهودية المبيتة، لشل حركة العرب، ثم احتلال القدس بكاملها، فقد ثقاموا بعدة محاولات منها:

1-   محاولة احتلال الشيخ جراح بعدة هجمات متتالية، من ناحية بيت اسرائيل ونحلات شمعون والجامعة العبرية وهداسا.

2-   محاولة احتلال القطمون عدة مرات.

3-   محاولة احتلال حي النبي داود وباب الخليل، بالتقدم من ناحية المنتفيوري عدة مرات، بعد أن فشلوا في احتلال أطراف المدينة.

4-   محاولة احتلال حي المصرارة عن طريق مشيرم.

أدرك القائد عبد القادر، مدى خطورة الموقف في القدس، قبل دخوله الى فلسطين حتى اتصل بالمجاهد قاسم الريماوي، وطلب اليه جمع المسلحين من الأهالي، والاحاطة بالقدس مع تعزيز حامياتها.

وعلى الأثر قررت الهيئة العربية العليا بالقدس، انشاء لجنة طوارىء تتولى مهام حكومة الانتداب، التي أخذت تهمل القيام بواجباتها، واختارت السادة أميل الغوري وغالب الخالدي وصالح الريماوي وسامي موسى كاظم الحسيني (شقيق عبد القادر) للقيام بأعباء هذه اللجنة، كما استأجرت مكتبا لها بالبلدة القديمة بالقرب من باب الخليل، ولما اجتمعت اللجنة لأول مرة، قررت تقسيم العمل وتخصيصه، فتولى السيد أميل الغوري حفظ الأمن الداخلي، كما تولى السيد غالب الخالدي التموين، وتولى السيد صالح الريماوي مهمة التسليح والمحافظة على المدينة السيد غالب الخالدي التموين، وتولى السيد صالح الريماوي مهمة التسليح والمحافظة على المدينة والقرى المجاورة، كما عينت هذه اللجنة السيد سعد الدين العارف قاضيا لفض المنازعات، كما وظفت بعض الموظفين الآخرين، كما تولى السيد سامي الحسيني مهمة الاشراف العام.

وما أن دخل عبد القادر الحسيني فلسطين، حتى راح ينظم الدفاع عن المدينة المقدسة تنظيما دقيقا على النحو التالي:-

لقد قام بتقسيم المدينة الى ستة أحياء وهي:-

1-   حي الشيخ جراح وباب الساهرة وواد الجوز، وعين المجاهد الشهيد محمود جميل الحسيني قائدا له، وبعد استشهاده عين المجاهد (محمد عادل النجار) قائدا لهذا الحي.

2 -  حي البلدة القديمة، وعين المجاهد (صبحي ابو غريبة) مسؤولا عنه، وبعد اصابته بجراح عين المجاهد (حافظ بركات).

3-   حي دير ابو طور (الطور) وكان على رأس مجاهديه المجاهد (حمدي بركات)

4-   حي القطمون، وكان على رأس مجاهديه المجاهد (شفيق عويس)، وبعد فشله عين المجاهد ابراهيم ابو دية قائدا لحاميته.

5-   حي مأمن الله، وكان على رأس مكجاهديه المجاهد (محمود أبو ناب). وحي باب الخليل المجاهد (صبحي بركات) وقد استشهد.

6-   حي النبي داود،  وكان على رأس مجاهديه المجاهد (صبحي الداودي).

كما عين السيد سامي الحسيني مشرفا عاما على هذه الأحياء. كما عين المجاهد (صلاح الحاج مير) آمرا لمدينة القدس بعد ذلك، كما شكلت فرقة صغيرة متجولة كقوة ضاربة بقيادة المجاهد (عبد النور خليل جنجو).

وقد أقام المسؤولون عن هذه الفرق الاستحكامات المتينة، وحواجز الاسمنت المسلح في منافذ الشوارع المؤدية الى القدس، من الأحياء اليهودية، كما احتلوا جميع العمارات التي تواجه الأحياء اليهودية وزودوها بأكياس الرمل، وكان المجاهدون يرابطون في هذه الاستحكامات ليلا ونهارا، كما وضع في البنايات المشرفة على المناطق اليهودية، عدد من أمهر الرماة (القناصين)، لاصطياد كل من يلوح من جنود الأعداء، وكثيرا ما أوقعوا بهم اصابات عديدة، حتى شلوا حركتهم، وبثوا الرعب في قلوبهم.

وكان لكل حامية من هذه الحاميات، مقر مزود بأجهزة التليفون، ويرتبط بجميع مراكز الدفاع الأمامية، وبمراكز الحاميات الأخرى.

واليك صورة الوضع في مختلف الأحياء بعد مرور شهر من بدء الاشتباكات:-

1-منطقة الشيخ جراح:-

قام اليهود في الشهر الاول بعشر هجمات مركزة، وكانوا يهدفون تدمير استحكامات العرب، وقطع طريق القدس- رام الله- نابلس، الا أنهم فشلوا فيها جميعا، وتكبدوا خسائر فادحة، حيث تمكن الفدائيون العرب من نسف خمسة استحكامات تسيطر على طريق القدس - رام الله، كما تمكن رجال حامية الشيخ جراح وباب الساهرة، بقيادة محمود جميل الحسيني)، من التقدم مسافة 300 متر داخل قلب الأحياء اليهودية، حيث أصبحت منطقة «سانهدريا اليهودية»، هي خط الدفاع الأول لحامية الشيخ جراح وباب الساهرة.

وبعد ذلك تم نسف جميع العمارات اليهودية التي يتحصن بها الجنود اليهود، ويتخذونها مراكز أمامية للدفاع، حتى أصبحت تلك المنطقة ركاما من الحجارة، أقيمت خلفه خطوط الدفاع العربية المتقدمة. كما تم تطويق القسم اليهودي من الجهة الشمالية، مما أدى الى احتلال (حي مشيرم) وهو قلب المنطقة اليهودية، (الا أن المسؤولين عن الجيش العربي، أمروا المجاهدين بالانسحاب من تلك المنطقة- بعد دخول الجيوش العربية الى فلسطين-، حيث تسلم هؤلاء المسؤولون قيادة الدفاع والهجوم، ومهمة الحرب في تلك المنطقة(145).)

وبينما كان المجاهد (محمود جميل الحسيني) قائد المنطقة، يتجول للتفتيش على مراكز الحرس، أطلق الجنود اليهود عليه عدة صليات من نيرانم أسلحتهم الرشاشة، فأصابت منه مقتلا، فسقط شهيدا عن عمر يناهز الخامسة والعشرين، وكان- رحمه الله- من خيرة الشباب المندفعين الذين اشتهروا بالجرأة والاقدام، وكان أعوانه من خيرة الرجال الذين تم اختيارهم من قضاء رام الله وجنين والسيلة وغيرها.

لقد تمكن الشهيد محمود جميل الحسيني قبل استشهاده، من قطع طريق المواصلات بين مستشفى هداسا والجامعة العبرية (شرقي القدس)، وبين الأحياء اليهودية الغربية، وقد هاجم هو وبعض اخوانه قافلة كانت تقل عددا من الحراس التابعين للمستشفى والجامعة العبرية، بالأسلحة الرشاشة، وأوقعوا بهم خسائر فادحة، وأصابوا عددا منهم بجراح، وهكذا تحول الوضع في هذه المنطقة من حالة الدفاع الى حالة الهجوم.

2-حي البلدة القديمة:-

لا يخفى ما للدفاع عن البلدة القديمة من أهمية بالغة، اذ أنها تضم الأماكن المقدسة، وأنها مركز تجاري كبير متحضر، فيه معظم ثروات السكان العرب، وفي هذه البلدة تقع (حارة اليهود) والتي تطل على قبة الصخرة المشرفة، والاقصى المبارك من الناحية الغربية.

كانت هذه الحارة وقفا اسلاميا تعود ملكيته الى عائلة (نمر) وعائلة (أبو السعود)، ويعود القسم الغربي منها، والمتاخم لحارة الأرمن، الي عائلة الحسيني، وما أن وطأت أقدام اليهود أرض القدس، حتى سارعوا في الاستيلاء عليها بمساعدة بريطانيا، بسبب حسن موقعها المشرف على باحة البراق (المبكى)، وأقاموا فيها المساكن والعمارات وكنيسا يهوديا كبيرا.

كتبت جريدة البلاد تحت عنوان (كيف أنقذت القدس) ما يلي(146):

«كان يقطن في هذا الحي في القدس القديمة، في 30 تشرين ثان 1947م (4500) نفس، منهم (2000) من المقاتلين اليهود، وينتمي أكثرهم الي عصابتي الأرغون وشتيرن.

ولهذا اتخذ القائد عبد القادر من تحرير القدس رمزاً وهدفاً، وارتأى أن يحاصرها ويقطع المؤن والمياه والذخائر والامدادات عنها، ففجر أنابيب المياه التي يرتوي اليهود منها، وأمر بردم الطريق التي تؤدي اليها، فأغلق المجاهدون طريق باب الواد بالصخور والحجارة، ورابطوا فوق السفوح وعلى أعالي الجبال، يمطرون بالرصاص والقنابل والرشاشات، كل من يحاول فتحها من القوى البريطانية والصهيونية.

كان القائد عبد القادر يعتقد أن حرب العصابات في فلسطين، تعتبر من أكثر الأعمال الحربية فائدة وجدوى، في تدمير القوى اليهودية، فنظم عمليات النسف الناجحة، وأرسل فرق التدمير لنسف القوافل اليهودية والممنشآت الصهيونية، فدب الرعب بين اليهود، وانقطعت المياه عن أحيائهم «ففرض على يهود القدس حصارا جعلهم يأكلون الأعشاب، ويتظاهرون بالتسليم»(147). ودب الحماس في نفوس العرب، فزادت الثورة اشتعالا والجهاد تأججا، وكان ذلك في الخطوة الثانية في حصار القدس، والقضاء على اليهود فيها، وجاءت الخطوة الثالثة لاستكمال فتح القدس، فأخذ المجاهدون يهاجمون القلاع اليهودية، المقامة من حولها، فاحتلوا مستعمرة عطاروت (قلنديا)، ومستعمرة النيفي يعقوب، ثم حاصروا القدس القديمة (حارة اليهود) لتطهيرها من الرجس اليهودي.

وفي بداية كانون أول 1947 وعلى اثر اعلان قرار التقسيم، قام يهود القدس القديمة بالاعتداء على العرب، واتخذوا من الكنيس الكبير مركزا لهم، يطلقون منه النار على الأحياء العربية، وعلى الحرم الشريف. (وقد أصيبت قبة الصخرة ببعض شظايا القنابل وزخات من الرصاص)، فقام القائد عبد القادر بهجوم مركز على ذلك الحي المجرم، كانت من نتائجه أن أصبح اليهود مدافعين بعد أن كانوا مهاجمين، وتم ضرب حصار قوي على ذلك الحي، ومنع المجاهدون وصول المؤن الى السكان المحاصرين.

ولما خرج القائد عبد القادر الى الجبال والوديان لقتال رجال الهاغناه واحكام اغلاق طريق باب الواد الشهير، ترك في مدينة القدس القديمة (750) مجاهدا وعلى رأسهم المجاهد 0صبحي أبو غربية)، يساعده كل من المجاهدين (حافظ بركات وعبد الله الحسيني وداود نمر، وأحمد سرحان 0من الجالية المغربية) وكاظم التونسي والشهيد فخري ابو السعود) بالاضافة الى المجاهد الكبير فوزي القطب (قائد فرقة التدمير) ورجاله ومحمد عادل النجار مسؤول السرية الثانية.

زودت الهيئة العربية العليا هؤلاء المجاهدين بالسلاح والعتاد، وقدمت لهم الذخيرة والمؤن المطلوبة، حيث شدد هؤلاء الحصار على الحي اليهودي، وقاتلوا رجاله قتالا شديدا، وبالرغم من ذلك فقد استمر اليهود في الاعتداءات على العرب، وكان الجيش والبوليس البريطاني يدخلون المؤن الي ذلك الحي تحت حراسة شديدة قوية، وكانت سيارات الجيش المصفحة ودبابات البوليس، تنقل الرجال والعتاد ليهود القدس، رغم احتجاج العرب ورغم مقاومة المجاهدين للقوافل العسكرية والبوليسية.

ضاق المجاهدون ذرعا بأعمال الجيش، وباعتداءات اليهود، فقرروا أن يصفوا ذلك الحي، وأن يقضوا على حماته ومقاتليه، فراحوا يهاجمونه يوميا، ويقتلون الكثير من حماته، كما كان يسقط من المجاهدين الشهداء والضحايا، وقد لعبت فرقة التدمير وعلى رأسها المجاهد فوزي القطب دورها الفعال، فأخذت تنسف بيوت اليهود بيتا بيتا ووكرا وكرا.

وقام المجاهد صبحي ابو غربية بمجهودات جبارة، حتى أنه في الأيام الأولي لنشوب القتال7 تمكن من دخول الحي اليهودي، بالرغم من شدة مقاومة اليهود المدافعين ومناعة استحكاماتهم. والتوغل الى قلب الحي، حتى وصل الى الكنيس اليهودي، الذي كان يحتمي فيه المحاربون اليهود فحاول اقتحامه، لكن المحاصرين أطلقوا عليه النار، فأصيب في رأسه اصابة بالغة، نقل على اثرها الى المستشفي الفرنسي بالقدس، حيث أجريت له عملية جراحية، وبقي بين الموت والحياة عدة شهور، الى أن من الله عليه بالشفاء.

وبعد اصابة المجاهد صبحي أبو غربية، عهد بالقيادة الى المجاهد (حافظ بركات) الذي راح يشدد الخناق على اليهود فحاصرهم حصارا شديدا.

صمد يهود القدس صمودا مستميتا، وقاموا مقاومة عنيفة، وكانت الوكالة اليهودية تعللهم بدنو ساعة الخلاص طالبة اليهم الوقوف في وجه الهجمات العربية، والثبات بانتظار الفرج، وكان اليهود قد ملأوا ذلك الحي بالكثير من السلاح، وبمعين لا ينضب من الذخيرة والعتاد، وظل المجاهدون وحماة القدس يحاصرون ذلك الحي ويقاتلون رجاله أربعة أشهر كاملة.

وفي أوائل شهر نيسان 1948م، بدأ اليهود يشددون هجومهم على الأحياة العربية في القدس، وحاولوا مرارا الوصول الى الحي القديم، لفك الحصار عن سكانه اليهود، ولكن المنجاهدين الابطال كانوا يصدونهم ويقفون في وجه هجومهم.

وقبل انسحاب البريطانيين من القدس بخمسة أيام، أدخلوا الى ذلك الحي اليهودي في سيارات البوليس المصفحة، ودبابات الجيش وسيارات الاسعاف اليهودية، عددا كبيرا من المقاتلين اليهود، وكميات كبيرة من الذخيرة والمؤن، فاشتد ساعد اليهود، وتحولوا الى الهجوم مرة أخرى، وهنا صمم المجاهدون العرب على القضاء نهائيا على ذلك الحي المجرم، واسكات أوكاره وما أن بزغت شمس 11 أيار 1948 حتى بدأ المجاهدون يشددون هجماتهم على ذلك الحي، ويدمرون بيوته وينسفون أوكاره، وفي اليوم الخامس عشر من أيار 1948 شن اليهود هجوما عاما على القدس من الخارج، كما قام يهود البلدة القديمة بهجوم كبير من الداخل، غير أن المجاهدين- وقد هرع الي نجدتهم أهل القدس قاطبة- بما فيهم الشيوخ والنساء، صمدوا أمام الهجومين، وقاموا بأعمال كلها بطولة خالدة، وكلها تضحية وفداء، واستمروا في تدمير ذلك الحي اليهودي والمحافظة على بيت المقدس، وظل المجاهدون وأهل القدس عرضة لهجمات يهودية شديدة متواصلة، طيلة أيام 15،16،17،18 أيار ولكنهم ظلوا صامدين يردون هذه الهجمات «وكانت النسوة يقفن الى جانب رجالهن وكن يصرخن: لعيونك يا بيت المقدس، لا نوم ولا طعام حتى نحفظ الاقصي ونحمي القيامة»(148).

وهكذا صمد الرجال وثبتت النسوة أمام أكبر قوة جمعها اليهود، وردوا أفظع هجوم قام به المعتدون، وسقطوا صرعى وجرحى بالمئات، ولكنهم حفظوا المدينة المقدسة بدك معالم الحي اليهودي، فكان الاستلام، وكان النصر المبين.

وقد خسر اليهود في هذه المنطقة (1300) قتيل، وكان عدد المنازل المدمرة (183) منزلا بالضبط(149).

شارع مأمن الله (ماميلا):-

كان المجاهد (محمد أبو ناب) مسؤولا عن الدفاع عن هذا الحي، فتمكن بفضل النجدات، من صد هجمات اليهود المتتالية على هذا الحي، فلم يتمكن اليهود من الوصول اليه، بالرغم من أنه يقع في قلب المدينة الجديدة، وتسيطر عليه أبنية الوكالة اليهودية والأحياء الاخرى، وقد كانت عمارة الأوقاف الكبيرة، مركزا للقيادة العربية، وقد حاول اليهود نسفها مرات عديدة، الا أنهم لم يفلحوا.

(ولم يتمكن اليهود من احتلال هذا الحي، الا بعد نفاذ العتاد والذخيرة من المجاهدين)(150)

4-   باب الخليل وحي النبي داود:-

وكان يشرف على الدفاع عنهما المجاهد (صبحي بركات) وهو من خيرة المجاهدين البارزين، الذين يثق بهم عبد القادر.

كان اليهود يتسللون لالقاء المتفجرات في منطقة باب الخليل، أو يدخلون منها الي البلدة القديمة، الا أن أعين الحراس ورجال الدفاع العرب، حالت دون بلوغهم مرادهم، (وقد ألقي القبض على أحد اليهود اليمنيين، بينما كان يركب سيارة مملوءة بالمتفجرات، ويحمل هوية عربية موقعة من حاكم اللواء الانكليزي، كما ألقي القبض على يهودي آخر، يحاول ارتكاب نفس الجريمة، وكان ليقظة المسؤولين الفضل الاول في وقف أعمال النسف، والقاء القابل على الأحياء والسكان العرب، كما اعتادوا عمله في اللبازار) وغيره من الاسواق العربية في القدس، ولما فشل اليهود هذه المرة، قاموا بمحاولة أخيرة، اذ تقدمت سيارة مملوءة بالمتفجرات، ولما أصبحت على مقربة من الحرس انتهرها، ففرت، ولحقوا بها وهم يطلقون النار عليها، فألقت السيارة قنبلة أصابت المجاهد صبحي بركات بجراح سقط على أثرها شهيدا، ولم يتمكن اليهود من احتلال هذه المنطقة، الا بعد 15 أيار 1948(151).

   اما حامية النبي داود، فانها كانت تتمركز على مرتفع جبل صهيون، وتسيطر على حي (المنتفيوري اليهودي)، وتتصدي لسكانه اليهود، وتصليهم وابلا من نيرانها كلما حاولوا التعرض للسيارات العربية، التي كانت تسلك طريق القدس- بيت لحم- وأخيرا تمكن الفدائيون العرب من نسف هذا الحي بأكمله كما سيأتي.

  5- حي القطمون:-

    يقع هذا الحي الى الجنوب والجنوب الغربي من القدس، ويواجه الأحياء اليهودية في تلك المنطقة، وكان أمر الدفاع عنه موكولا الى المجاهد (شفيق عويس) وبالرغم من شدة الجنود الذين عهد اليهم بالدفاع عن هذا الحي، الا أن كفة اليهود كانت الراجحة، وذلك راجع الى زيادد عددهم وتوفر عتادهم، والى ضعف قيادد الحي.

   لقد تمكن اليهود من التسلسل الى حي القمطون ونسف بعض العمارات فيه، كما تقدموا الى قلب الحي حتى وصلوا بناية (فندق سميراميس)، بعد أن غطوا تقدمهم بنيران أسلحتهم الغزيرة، وقاومتهم الحامية العربية مقاومة عنيفة، الا أنهم استطاعوا الوصول الى فندق سميرأميس ونسفه على من فيه من النزلاء العرب، وقد استشهد في هذا الحادث (18) رجلا وامرأة وطفلا، كما جرح اكثر من (20) شخصا. كما استشهد المجاهد الشهيد (محمد عبد الرزاق الريماوي) .ثناء صد الهجوم اليهودي.

   أوجس أهالي الحي من العرب- ومعظمهم من الطبقة الراقية والأغنياء- أوجسوا خيفة وطلبوا المدد، فحضر القائد عبد القادر الحسيني الى الحي وأشرف بنفسه على اقامة خطوط الدفاع، ومكث بضعة أيام، ثم رجع الى مقر قيادته بعد أن عهد الي المجاهد (ابراهيم أبو دية) آمر السرية الثالثة للدفاع عنه.

  أبلى المجاهد أبو دية بلاء حسنا، فتمكن من صد هجمات اليهود المتكررة، وتكبيدهم أفدح الخسائر، وأخذ يهاجمهم في عقر دارهم، ورغم اصابته بجراح طفيفة الا أنه بقي مرابطا في ذلك الحي، حتى يوم 15 آذار 1948، حيث شن اليهود هجوما قويا، قام به الوف منهم، فاستشهد معظم حماة الحي، وزاد عددهم عن (80) شخصا، أما اليهود فكانت خسائرهم بالمئات، وقد تمكن المجاهد ابراهيم ابو دية وعدد من جنوده من النجاة، (وقد تم ذلك بعد دخول الجيوش العربية وبعد استلامها مهمة الدفاع عن تلك المنطقة.

  وقد كانت بعض قوى جيش الانقاذ ترابط في تلك المنطقة، الا أنها اسنبحت في بدء المعركة تاركة مراكزها الدفاعية(152). مما ساعد اليهود على احتلال هذه المنطقة.

  6- حي (دير ابو طور) الطور:

    وهو من الأحياء العربية الواقعة الى الجنوب الشرقي لمدينة القدس، وقد عهد الى المجاهد (حجمدي بركات) مهمة الدفاع عنه، فتمكن من السيطرة على الموقف وصد جميع هجمات اليهود المتكررة، وذلك لأهميته الاستراتيجية، وسيطرته على طرق المواصلات التي تربط القدس بالمناطق العربية الأخري في هذه المنطقة.

 7- حاميات الدفاع في ضواحي القدس:

 حامية بيت صفافا:

   بيت صفافا قرية تتصل بناياتها بمدينة القدس من الجهة الجنوبية والجنوبية الغربية، وتتصل بحي (ميقور حاييم) اليهودي، فكانت مهمة الدفاع عنها مهمة شاقة، لأن اليهود يحيطون بها ويستطيعون فصلها عن القدس، ولعدم وجود قرى عربية كبيرة بجانبها اللهم الا قرى بني حسن وهي تبعد عنها (20كم)، وقد اطلق علهيا نظام الدفاع من القسم (أ) اما سكانها العرب فقد غادر معظمهم، نظرا لحراجة موقفها، ورغم ذلك فقد ثبت فيها بعض ملحي القرية بقيادة المجاهد (محمود العمري) الذي رفض هو وأقاربه وأفراد عشيرته مغادرة القرية، وصمموا على الدفاع عنها حتى الموت.

   بدأت المناوشات بينهم وبين اليهود فصدوا هجماتهم واخذت نجدات القرى العربية تهرع اليهم وتررابط في قريتهم، الا ان هذه الأعداد من المجاهدين لم تكن كافية للدفاع عن القرية، فحضر القائد عبد القادر، فشن منها هجوما كبيرا على الحي اليهودي المجاور (حي ميقور حاييم)، ونسف بعض استحكاماته، ولم يغادر القرية حتى ترك سرية كاملة من رجال الجهاد المقدتس الاشداء، ومعظمهم من السوادنيين بقيادة المجاهد 0محمد علي) بعد استشهاد المجاهد 0محمود العمري في المعارك الاولى للدفاع).

  ابلي المجاهد محمد علي بلاء حسنا، واذاق اليهود أهوال الحرب ومرارتها، ورد جميع هجماتهم، حتى ان اليهود لم يجرؤوا على مهاجمة القرية، وكانوا يفرون من امام الاخوة السودانيين، لأنهم من الرجال الاشداء.

   «وهكذا بقيت هذه القرية شوكة في حلوق اليهود، تدافع بهمة عالية، حتى لم يستطع احد من اليهود الاقراب منها، لا قبل دخول الجيوش العربية ولا بعد دخولها لعدد أشهر...

  حامية صور باهر:

   تقع قرية صور باهر الى الجنوب الشرقي من مدينة القدس، «وان صح للفلسطينيين ان يفخروا بمحافظتهم وقوة شكيمتهم في الدفاع، فان صورباهر وبيت صفافا، مجال للفخر ومدعاة للعزة، وشاهدتان على قوة واستماتة الفلسطينيين في الدفاع عن بلادهم وارضهم، واستعدادهم لبذل الدم والنفس في كل شبر فيها»(153).

   تقع هذه القرية على مقربة من الاحياء اليهودية الجنوبية، وتكاد تتصل بيوتها بحي مستعمرة (رامات راحيل). لقد برهن اهالي صور باهر انهم رجال اشداء بعزيمة حديدية، فانخرط شباب القرية في سلك الجهاد المقدس، فشكلوا سرية كاملة، وعهد الى المجاهد (جاد الله الخطيب) بالقيادة.

   وهو من خيرة رجال الجهاد المقدس، ومن اقربهم مودة الى القائد عبد القادر الحسيني، فقد صاحبه في معظم المعارك التي خاضها في فلسطين في الثورات الاولى عام 1936م، وفي العراق، حيث ابلى بلاء حسنا في جميع ادوار حياته، فقام هذا القائد المجرب ببناء الاستحكامات القوية المنيعة، واخذ ينازل اليهود ليل نهار، ويقض مضاجعهم، حتى تمكن في احدى المعارك من اقتحام قلب مستعمرة (رامنات راحيل) ونسف معظم استحكاماتها، ولم يتمكن اليهود من احتلال شبر في تلك المنطقة، لأنهم كانوا طيلة تلك الفترة في حالة دفاع مستمر وعرضة لاخطار الهجمات المتتالية التي يشنها المجاهد جاد الله الخطيب واعوانه، كما تعرضت استحاكاتهم للنسف مرات عديدة، كما تعرض رجالهم لرصاص القناصة العرب الذين كانوا يتربصون بهم ويجندلونهم، كلما لاح منهم شخص او بدت معركة.

  هكذا عجز اليهود عن احراز أي تقدم في تلك المنطقة، الا انهم تمكنوا من الاستيلاء علي بعض الاراضي التابعة للقرية فيما بعد...

  حامية عين كارم:

    تقع هذه القرية في الجهة الجنوبية الغربية من القدس في واد، وتمتد علي سفح جبلين، تقوم على احدهما الابنية والحصون اليهودية، المسماه بحي (بيت هاكيرم)، وقد قام اليهود بهجوم قوي في بداية الاشتباكات على القرية، فتصدى لهم حراسها من مسلحي القرية واوقعوا بهم خسائر فادحة، الا انهم فقدوا امر الحرس الشهيد (محمد اشخامة) وهو من ابطال الجهاد المقدس المعروفين، ومن رجال عبد القادر الأولين وبالرغم من استشهاده فقد صم الاهالي على الدفاع حتي الموت فتولى المجاهد (خليل منون) قيادتهم.

   بقيت القرية بالرغم من خطورة موقعها، طيلة الاشهر الأولى ثابتة، ولم يغادرها سكانها اطلاقا حتي سقطت بعد دخول الجيوش العربية بشهرين(154)

  ورغم ذلك لم يترك مسلحو عين كارم الميدان، بل استحكموا في الجبال المحيطة بقريتهم وشكلوا سرية كاملة بقيادة (خليل منون)، وكانت هذه السرية تغير على اليهود ليلا نهارا في منطقة الولجة وعين كارم، الى ان حلت قوات الجهاد المقدس وتفرق شملها.

  حامية قرية لفتا:

    تقع هذه القريد الى الغرب من القدس على طريق القدس- يافا، وكانت بيوتها متداخلة بالبيوت اليهودية، ولهذا غادر معظم سكانها بعد شهرين من بدء الاشتباكات، وبقيت فيها حامية من النجدات، الا انها لم تستطع المحافظة عليها، لانقطاع وسائل تموينها، ولاحاطة اليهود بها من كل جانب، وقد تمكن اليهود من نسفل بعض بيوتها المجاورة لبيوتهم فيها، وكانت معظم هذه البيوت التي نسفت تخص عائلة (آل صيام) الذين رفضوا مغادرة البلدة، حتى نسفت بيوتهم فوقهم، بعد ان دافعوا عنها اقدس دفاع.

  حاميات شعفاط والنبي صموئيل وبدو وبيت سوريك وكفر عقب وقالونيا والقسطل:

    ان هذه القرى تتمتع بمواقع استراتيجية هامة، بالنسبة لمدينة القدس نفسها، فهي تشرف عليها وتحيط بها، بالاضافة الى سيطرتها التامة على طريق القدس- تل ابيب، ومعظم هذه القرى قلاع حصينة، كما هي الحال في النبي صموئيل والقسطل، وقد كان امر الدفاع عن هذه القري موكولا الي مسلحي اهل القرية انفسهم، الذين نظمتهم القيادة كما امدتهم بما تيسر من السلاح والذخيرة، بعد ان عينت مجاهدا مسؤولا عن مسلحي كل قرية، تساندهم حاميات دفاع ثابتة ترسل للمرابطة في قرارهم من قبل قيادة الجهاد المققدس بالاضافة الى مفارز ثابتة من رجال جيش الجهاد المقدس النظاميين، وعلى رأسهم مسؤول من القيادة العامة.

   وقد هجر معظم سكان هذه القرى- من الشيوخ والنساء والاطفال- بيوتهم، وبقي المسلحون وقد شهدت هذه القرى معارك عنيفة دامية، كانت تتوقف في نتائجها على مقدار ثبات مسلحي القرية، ومقدار تصميمهم وثباتهم للدفاع عن بيوتهم وقد تحطمت قوات اليهود المرة تلو الاخرى على ابواب هذه القرى، ففي النبي صموئيل مثلا، قام اليهود بهجوم قوي جدا لاحتلال القرية في نيسان 1948، لما تتمتع به هذه القرية من حضصانةء استراتيجية لوقوعها على جبل مشرف، يسيطر على مدينة القدس وضواحيها، والطريق الموصل اليها من تل ابيت، واستمات اليهود في هجومهم حيث اختاروا مطلع الفجر لمباغته الحامية العربية، الا ان رجال الحامية كانوا لهم بالمرصاد، فقاوموهم وصدوهم على اعقابهم خاسرين، بعد ان تركوا عددا من قلاهم، وقد اسر قائد الحملة اليهودية (وهو برتبة كابتن)، ومن اصل مسكوبي، واحضر الى مقر القيادة في بير زيت ، حيت جرت محاكمته ثم اعدم رميا بالرصاص.

  هذا وقد شهدت قرى قالونيا ودير ياسين وبيت اكسا والقسطل معارك دامية مستمرة، شنها يهود المستعمرات المجاورة لها، فكان حماة هذه القرى يصدونها، وبقيت هذه القرى شوكة في حلق المواصلات اليهودية حتى استشهد القائد عبد القادر في معركة القسطل.

  حاميات دير ايوب وبيت محسير:

    كانت هذه القرى مفتاحا لباب الواد وكانت ترابط فيها حاميات ثابتة من رجال الجهاد المقدس الاشداء، الذين تمكنوا من المحافظة عليهما من محاولات العدو المتكررة لاحتلالهما، وفتح طريق باب الواد.

  وقد اتخذت جميع هذه القري مراكز رجال الجهاد المقدس، الذين كانوا يغيرون على القوافل اليهودية فيدمرونها ويقضون عليها فضاء تاما، وظلت كذلك حتى كانت معركة القسطل واستشهاد القائد عبد القادر الحسيني.

  حاميات قرى الطور والعيسوية والعيزرية وسلوان وابو ديس:

    هذه القرى تحيط بالقدس من الجهة الشرقية والشمالية الشرقية ولكنها لم تتعرض لهجمات عنيفة كباقي القرى، ومع ذلك فقد كانت ترابط فيها قوات كبيرة من ملحي تلك القرى وكان الرئيس الاول (رشيد عريقات) مسؤولا عن تنظيم المسلحين في تلك القرى، وقد اشتبك مع يهود مستشفي هداسا والجامعة العبرية، بعد استشهاد القائد عبد القادر الحسيني في قرية الطور، واوقع بهم خسائر فادحة، بينما كان المجاهد (عثمان بدران) مسؤولا عن مسلحي قرية الطور، والمجاهد (ابراهيم ابو الريش) مسؤولا عن مسلحي قرية العيزرية بينما كان المجاهد (احمد علي) مسؤولا عن مسلحي قرية العيسوية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:13 am

الباب الخامس

الفصل الاول

الهستدروت والوكالة اليهودية

  تأسست الهستدروت (نقابة عمال اليهود) عام 1920م لتكون اداة العمال اليهود في النضال، ثم تحولت الى اداة لتنفيذ سياسة العمل (العبري)، واحتلال العمل من العمال العرب، الذين يعملون في المزارع والمنشآت اليهودية، ومن هنا اصبحت اداة ممارسة المخطط الصهيوني الاساسية حين راحت تتشدد في ممارسة سياستها القومية اليهودية من جهة والعدوان من جهة اخري، واتباع سياسة احتلال الارض والعمل معا.

  وهنا يصف (ولتر بريوس) في كتابه (حركة العمال في فلسطين)(155) يصف نهج قيادة الهستدروت في فترة 1952- 1929م:

  (اان الجماهير الواسعة من العمال غير المنظمين (واكثرهم من العرب) الفوا هيئة منافسة، ومارسوا ضغوطا على شروط العمل التي فاز بها العمال المنظمون مما جعل الاعتراف القانوني بمبدأ الاحتلال محتوما وضروريا).

   وكان س. ليفنبرغ في كتابه (اليهود في فلسطين)(156) اكثر صراحة فكتب:

   (ان على العمال ايهود ان يدافعوا عن انفسهم ضد استبدالهم بعامل عربي رخيص وغير منظم، ويعتقد زعماء العمال اليهود، ان على العمال العرب- في الوقت الحاضر- ان يستخدموا لا في الاقتصاد اليهودي، بل في القطاع العربي والحكومي).

  وأكمل أ.س. والدشتين الصورة في كتابه (فلسطين العصرية)(157) فكتب يفسر احتلال العمل باعتباره عملية المحافظة على النفس:

  (فاليهود لا يزالون اقلية في فلسطين، ومستقبلنا ان نصبح اكثرية فيها، وحتى نحقق ذلك الهدف لا نستطيع ان نسمح للعامل العربي، ان يهمين في الزراعة والنصاعة على حساب العامل، اليهودي، وبذلك نهدد مستقبلنا بذالته في فلسطين).

   والتزام احتلال العمل اصبح مبدأ من مبادىء الكيبوتسات، كما اقرها مجلس توحيدها الذي عقد في (بتاح تكفا) في 5 آب 1927م وجاء فيه:

   (السعي لاحتلال الأعمال للعمال اليهود وتحسين اوضاعهم الاقتصادية، أي احتلال العمل في المنشآت اليهودية والحكومية، وتطوير فروع عمل جديدة)(158) كما أكد هذا الاتجاه (بيرتس ميرحاب) في كتاب (تاريخ الحركة العمالية في فلسطين) ففي تعريفه برنامج (هبوعيل هتسعير- أي العامل الشاب) كتب:

   (في تحقيق الصهيونية، يقوم العامل الشاب بدور حاسم في احتلال المواقع الاقتصادية والثقافية في ارض اسرائيل، وان الشرط الضروري للاحتلال الاقتصادي، هو تركيز الممتلكات والعمل في ايدي يهود، واضاف: ان دور هبوعيل هتسعير في ارض اسرائيل هو العمل على تحقيق الصهيونية والاهتمام باحتلال العمل)(159).

  وكان ابرز حدث في تاريخ الحركة الصهيونية عام 1929، قيام الوكالة اليهودية، لقد نصت الفقرة الرابعة من نظام الانتداب الذي أعدته حكومة الانتداب، علي ان الحكومة البريطانية في فلسطين ستعترف بالوكالة اليهودية على انها. «هيئة عامة تقوم بدور النصح، وتتعاون مع الادارة الفلسطينية في الميادين الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، مما يؤثر على بناء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين».

  وكان القصد من وراء اقامة الوكالة اليهودية، استنفار يهود العالم وخاصة الاغنياء، لمد يعد المعونة لاقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، واستقرارهم فيها، مما ساعد على استفزاز الشعب الفلسطيني، وليس من قبيل الصدفة ان تعتبر المصادر البريطانية والصهيونية حوادث عام 1929 ردا على قيام الوكالة اليهودية(160).

   ومما جاء في دستور الوكالة اليهودية المادة الثالثة:

     (ان الوكالة تستملك الاراضي كملك لليهود، وتسجل باسم صندوق رأس المال اليهودي، وتبقى مسجلة باسمه الى الابد، كما تظل هذه الاملاك ملكا للأمة اليهودية، غير قابلة للانتقال، وتنشط الوكالة الاستعمال الزراعي عن طريق العامل اليهودي المبدأ العام الذي يشيع في جميع الاشكال والمشاريع التي تقوم بها الوكالة اليهودية (هو استخدام اليهود). كما نصت عقود منظمتي الكيرن كاييمت والكيرن هايسود (وهما منظمتان متخصصتان في شراء الاراضي العربية وتطويرها بالاستيطان) الدعوة الى قصر العمل على العمال اليهود، وقد نص عقد ايجار الكيرن كاييمت (على المستأجر ان يتعهد باجراء جميع اشكال الفلاحة باستخدام عمال يهود).

   اما عقود الكيرن هايسود (شركة اعمار الاراضي الفلسطينية) فقد نصت:

     (يتعهد المستأجر ما دام لم يسدد السلفيات المعطاة له، بان يقيم على الاراضي الزراعية وان يقوم بذاته او بمساعدة عائلته بجميع اشغال الفلاحة اللزامة في مزرعته، ويتعهد ايضا بان يستأجر عمالا من اليهود فقط، اذا اضطر لاستخدام عمال). وجدير بالذكر ان هذا الشرط لا يزال قائما.

   كما اسست الوكالة اليهودية مكاتب لها في برلن لتسهيل هجرة اليهود، كما تعاونت تعاونا وثيقا مع المانيا لهذا الغرض.

   وبين عامي 1932- 1935 شهدت الصضهيونية 55 اضرابا، وحاول حب الاصلاحيين بقيادة (فلاديمير جابوتنسكي) تحطيم هذه الاضرابات كما حصل في اضراب عمال الميناء في «بتاح تكفا» وشركة فرومين للبسكويت، ولذلك لم يكن غريبا، ان تحاول قوى الاصلاحيين ضرب التنظيم العمالي بأي شكل من الاشكال.

   وفي حزيران 1933 اطلق مجهولان النار على «حاييم ارزلوف» (رئيس الدائرة السياسية في الوكالة) وعلى الاثر اعتقلت الشرطة يهوديين من تل ابيب، واتهمتهما بتنفيذ عملية الاغتيال، وكان احدهما (ابا حمئير) وجها يمينيا معروفا، وبعد التحقيق معهما اتضح انهما ينتميان الى خلية شبه فاشية سميت عصبة الاشداء (161).

   وعلى الرغم من ان الاصلاحيين نفوا ان يكون لهم علاقة بالحادث، فالتهمة ثبت على منتسبتين منهم، وحكم على اثنين منهم بالسجن ولا جدال ان اغتيال حاييم كان اغتيالا سياسيا، فقد كان في ذلك الوقت حسب ما كتبه «ولتر بريوس» ينتهج سياسة تتوافق مع سياسة الانتداب، الامر الذي يغصب الاصلاحيين.

   ولابد من الملاحظة هنا.. ان الصراع بين الاصلاحيين ومنظمات العمل واهمها: حزب مباي وزعيمه ابن غوريون، كان صراعا سياسيا وطبقيا، ففي حين سارعت منظمات العمال في طريق التعاون مع سلطات الانتداب، اكتفت بالدعوة الى الهجرة والاستيطان وتثبيت الوطن القومي، كان الاصلاحيون يتجهون نحو التعاون مع دول اخري، وينادون باقامة الوطن اليهودي حالا.

  ورغم وجود مثل هذا الصراع الحاد، فقد حاول ابن غوريون عام 1934 بوحي من مصلحة الصهيونية العليا ان يتفاهم مع جابوتنسكي، فاجتمع الاثنان في لندن واتفقا على توحيد حزبيهما (مباي والاصلاحي)، ولكن اعضاء الحزبين رفضوا ذلك، مما دفع جابوتنسكي ورفاقه الى الانسحاب، وفي هذا المؤتمر انتخب ابن غوريون رئيسا للجنة التنفيذية الصهيونية، ورئيسا للوكالة اليهودية، فدخلت الحركة الصهيونية في فلسطين طريقا اعنف، ازاء الشعب العربي الفلسطيني.

  ونقول طريقا اعنف لأن هذه الفترة تميزت باجلاء الفلاحين عن اراضيهم، وتشديد سياسة العمل العبري وطرد العمال العرب من المنشآت والمزارع اليهودية، فبن غوريون (لا يحب العرب) وكان يشير اليهم بالاعداء، حين كان يذكرهم في يومياته(162).

ثورة العصابات الصهيونية

من 1907/ 1948م

   عند دراستنا لقوة العصابات الصهيونية، لابد من بحث ذلك من الأساس، وقد اعتمدنا في بحثنا هذا على كتاب الدكتور حمدان بدر (تاريخ منظمة الهاغانا في فلسطين)، ولا يسعنا الا الاعتراف بالجميل وبوافر التقدير للدكتور المؤلف، لما قام به من دراسة وتمحيص في هذا الموضوع خاصة، وأن المكتبة العربية لا تزال خالية من مثل هذه الدراسات.

  كانت الاضطرابات والاعتداءات التي نظمت ضد اليهود في روسيا، خلال سنتي 1881- 1882م، لها تأثيرها البالغ وربما الحاسم في تقوية الفكرة الصهيونية، ودعمها ثم دفعها الى الخروج من حيز التفكير الى حيز التنفيذ «بل يبدو أن الحركة الصهيونية ما كانت لتبرز وتنمو بهذا الزخم، لولا وقوع تلك الأحداث»(163).

   ولهذا فان «اتساع نطاق العمليات التي أصابت التجمعات اليهودية في أماكن عديدة في روسيا وبولونيا، والطرق البدائية القاسية، التي نفذت بواسطتها، ثم استمرارها لمدة تزيد عن سنة، أثارت ردود فعل عميقة بين اليهود الروس على اختلاف فئاتهم»(164)

   وكان من نتائج تلك الأحداث نشوب جدال عن نطاق واسع، بين اليهود، حول جدوى البقاء في روسيا، ثم بروز الأفكار الداعية الي الهجرة من البلد الى امريكا أو الى فلسطين، ليليها اتخاذ الخطوات العملية لتنفيذها، ثم اقامة العديد من الجمعيات الهادفة الى العمل على هجرة أضعائها، وكانت حصيلة ردود الفعل هذه، انطلاق موجة واسعة من الهجرة اليهودية من روسيا، توجه اكثرها الى امريكا، وتوجه الآخرون الى فلسطين، حيث قاموا بانشاء المستعمرات الأولى، في الوقت الذي كان فيه مؤيدوهم في روسيا- الذين ينتظرون أن تسمح لهم الظروف بالهجرة الى فلسطين- يوحدون قواهم، ويقيمون ما عرف باسم (محبي صهيون) «حوفيفي تسيون» أو حركة «أحباء صهيون» (البيلو)، كما كان هناك «حزب البوند» (حزب الشغيلة اليهود)(165).

  وكان من نتائج تلك الأحداث والاعتداءات أيضا، بروز المطالبة بتشكيل منظمات من اليهود، تقوم بالعمل على حماية التجمعات اليهودية، من تلك الاعتداءات والاضطرابات، وقد حملت تلك الدعوة الطابع الفردي، حيث تأسست بعض المجموعات الصغيرة لدى مختلف التجمعات اليهودية، ولم تكن هناك منظمة دفاعية بمعنى الكلمة، سوى المنظمة التى تشكلت في مدينة (أوديسا) في روسيا، حيث توجد جالية يهودية كبيرة، ولكن هذه النوى الدفاعية قد تمت تصفيتها تصفية كاملة، بعد انتهاء الاضطرابات الاولى «وهكذا يمكن القول أن الهجرة الاولى التي جاءت الى فلسطين نتيجة لمذابح 1881/ 1882، لم تجلب معها الى فلسطين أي تجربة دفاعية أو عسكرية ذات شأن»(168).

  أما المهاجرون الذين رحلوا عن روسيا بعد مذابح (كيشينيف) في جنوب روسيا سنة 1903، وذهب ضحيتها حوالي (45) قتيلا وحوالي 400 جريح، فقد حملوا معهم روح الدفاع، وكان منهم أضعاء في منطقة الدفاع الذاتي التابعون لحزب عمال صهيون (بو علي تسيون)(167).

   وفي نهاية 1907 وضع هؤلاء الأساس للمنظمة المسماة (بارغيورا)، والتي تفرعت منها فيما بعد منظمة (هاشومير) الحارس(168).

  ومنذ الأيام الاولى لبدء النشاط الصهيوني، لم يغب عن قادته ضرورة وجود قوات دفاعية، تعمل على المساعدة والاسراع في عملية العودة الى صهيون، وكانت الخطوات الاولى في المجهود الصهيوني اقامة معسكرات في المناطق التي تزدحم بالسكان العرب، وقد فرضت تلك الاوضاع التفكير فيانشاء قوة عبرية مسلحة، حيث ظهر ذلك في كتابات المبشرين الاوائل لجماعة أحباء صهيون، فقد كتب الحاخام (ص.ه. كلينسر) حول «ضرورة اعداد حراس يعرفون الحرب كيلا يأتي العرب لابادة كرومهم وابادتهم»(169).

    وكان قد تم خلال الهجرة الاولى، محاولات عملية لتأسيس منظمات من المتطوعين للدفاع عن الأرواح والأملاك، ففي (زخرون يعقوب) زمارين سابقا، تشكلت عام 1887م منظمة مسلحة لحماية هذه المستعمرا، وأطلق عليها اسم (أغودات مكابيم فنوطري منوحات هموشافاه) كما تأسس في رحبوت 1892م رابطة سميت (أغودات عسروت)- رابطة العشرات بمبادرة من ميخائيل هلبرن (احدى الشخصيات البارزة في النشاط الصهيوني في روسيا). وفي مستعمرة (بتاح تكفا)- عتبة الامل- وهي أول مستعمرة يهودية في فلسطين 1878. ثمك تنظيم وحدات دفاعية تضم الفرسان والمشاة، كما تشكلت في (ريشون لتسيون)- الأول في صهيون- عيون قارة سابقا-، منظمة للحراسة من قسمين: الأول للحراسة الداخلية، والثاني للحراسة الخارجية، وكانت هذه المنظمة تتألف من الفرسان الذين يحرسون الحقول(170).

    وخلال فترة الهجرة الثانية، تم وضع الأسس العسكرية للمنظمات العسكرية الصهيونية في فلسطين، وقدقامت طلائع الهجرة الثانية (من حزب بوعلي تسيون) الذين كانوا يؤيدون احتلال العمل في المستوطنات اليهودية من قبل العمال اليهود، لكنهم لاحظوا أن الحراسة في المستوطنات «محتلة» من قبل العرب والشركس، اذ كانت كل واحدة من المستعمرات قد عهدت بشؤون حراستها الى احدى القبائل البدوية، أو الشركس الذين يسكنون بالقر منها(171).

  وفي أواخر أيلول 1907 عقد المؤتمر الثالث لحزب عمال صهيون (بو علي تسيون) في يافا، وتم عقد الجلسة في مكتب (يتسحاق بن تسفي) حضرة ثمانية من أعضاء المجموعة، تقرر في نهايتها اقامة منظمة سسرية، أطلق عليها اسم (بارغيورا) تخليدا لأسم أحد قادة اليهود الذين حاربوا الرومان في فلسطين، قبل سقوط مملكة اسرائيل الثانية سنة 70م.

  وكان الهدف الرئيسي لهذه المنظمة اقامة قوة دفاعية مقاتلة، «وقاموا بتجميع أنفسهم في مستوطنة «السجرة» للقيام بأعمال الحراسة فيها، وتدريب أنفسهم على استعمال السلاح خلال تنفيذ تلك الأعمال، وكان شعار تلك المنظمة (بالدم والنار سقطت يهوذا، وبالدم والنار ستنهض يهوذا) وكان هدفهم المعلن هو احتلال الحراسة والعمل معا من أيدي العرب، واقامة مستوطنات زراعية عسكرية على غرار القوقاز»(172).

  منظمة هاشومير (الحارس):

   بعد مرور سنة ونصف على قيام منظمة (بارغيورا)، عقد أعضاءها مؤتمرا في منتصف نيسان 1909، وقرروا اقامة منظمة علنية أطلقوا عليها اسم (هاشومير)، بعد أن شعروا أنه ليس باستطاعتهم القيام بالمهمة الملقاة على عاتقهم(173).

    وفي 12 نيسان 1909 عقد الاجتماع التأسيسي لهاشومير، في مستوطنة (مسحة) بالجليل، وتقرر خلال ذلك انشاء منظمة تتولى الحراسة في المستوطنات، وكذلك تنظيم الحراس الحاليين، واعداد غيرهم بتدريبهم على ركوب الخيل واستعمال السلاح، كما قامت بتأسيس صندوق لاعطاء الحراس القروض، وتقرر أن يترأس هاشومير لجنة مؤلفة من ثلاثة أشهخاص ينتخبون من قبل المؤتمر، ويتم توزيع العمل فيما بينهم(174).

   كانت هذه المنظمة علنية وشبه شرعية، بعكس (بارغيوزا) التي كانت سرية وغير معترف بها شرعيا منقبل السلطات، وبالرغم من كافة الصعوبات التي واجهت هاشومير بعد اقاتها، فقد نشطت في العمل للسيطرة على الحراسة في المستوطنات، حيث استطاعت حتى سنتي 1913/ 1914 من استلام زمام أعمال الحراسة بصورة أو بأخرى، في معظم المستوطنات التي كانت قائمة في فلسطين عدا (بتاح تكفا وزخرون يعقوب وروش بينا)(175).

   غير أن هذا النجاح لم يدم طويلا، وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة هاشومير، وطرق عملها. فالمنظمة كانت تتصرف من خلال نظرها الى نفسسا، على أنها طليعة قوى الدفاع عن المستوطنين (اليشوف)(176) اليهود في فلسطين، وأصرت في الوقت ذاته على رفض أية رقابة عليها، أو التنسيق مع زعماء المستوطنين أو احزابهم، ومحاولة أعضائها التقرب من العرب وتقليدهم، وتعلم لغتهم وعاداتهم من جهة، ومن جهة أخري لجأت الى استعمال القوة مع العرب في أثناء قيامهم بأعمال الحراسة، مما دفع العرب الى استعمال قوة مضادة، كان من نتيجتها سقوط عشرة قتلى من أعضاء المنظمة خلال السنوات الخمس الاولى لقيامها، رغم أن عدد أعضائها لم يزد آنذاك على ثلاثين شخصا، مما أدى الى فشل الحراسة العبرية، وحلت محلها الحراسة المختلطة(177).

   منظمة جيش العمل:

    كانت منظمة «بارغيورا» لا تزال قائمة حتي سنة 1909م، ولم تنجرف عن مخططها الرئيسي المتمثل في اقامة قوة طلائعية دائمة، لا تنحصر مهمتها في الحراسة فقط، لهذا اقترح زعماء بارغيورا في تلك الفترة تشكيل منظمة جديدة موازية لهاشومير باسم (جيش العمل)، وقام «يسرائيل شوحط» بعرض هذه الفكرة على أعضاء شومير، فتم قبول هذا الاقتراح، حيث قامت هاشومير بتنظيم مجموعات وذلك بصورة سرية، ومن ثم وضع نظام لهذا الجيش من أربعة عشر بندا من أهمها:-

  (على كل شاب في أرض اسرائيل، يجب أن يخصص من حياته سنتين للعمل والحراسة، وأنيضع نفسه طوال مدة خدمته احت امرة الجيش، وأن يكون مستعدا لقبول أية مهمة، والذهاب الى أي مكان(178) وكان الهدف من ذلك احتلال العمل والحراسة معا.)

   وقد أقام رجال من هاشومير مجموعتين من العمال في مزرعة (السجرة) في الجليل والثانية في الخضيرة، وقد شارك رجال هاتشومير ورجال منظمة جيش العمل، في المحاولة الاستيطانية التاريخية في أراي (أم جوني)، التي أصبح اسمها فيما بعد (دغانيا) قرب طبريا. ورغم ذلك فلم ينجح رجال جيش العمل في اجتذاب أضعاء جدد الى تلك المجموعة، ويعود السبب الى تلك الشروط الصعبة، وهي الالتزام بالخدمة لمدة سنتين، وكذلك الانضباط العسكري الصارم، ومعارضة الاحراب العمالية لهذا الجش، مما أدى الى صعود نجم هاشومير ثانية في أعقاب احتلالها لأراضي القرية العربية (الفولة) الواقعة في مرج بن عامر سنة 1911م، ونجحت في النهاية، في الاستيطان فيها بفضل الجهود التي بذلتها عائلة (سرسق) البيروتية، التي باعت الأراضي لليهود. وفي العام نفسه، انتقلت الحراسة الى الهيود في مستعمرة الخضيرة، بعد أن بقيت طوال عشرين عاما بأيدي العرب، بعد أن أخذت تقوم بعمليات انتقامية وتأديبية في منطقة الخضيرة ضد القرى والبدو المقيمين في المنطقة(179).

   أدى نجاح الحراسة العبرية في هذه المستعمرة، الى تعبيد الطريق أمام هاشومير في المستوطنات الاخري، فقد اتصلت بها (رحوبوت وريشون ليتسيون وملحميا) وغيرها. وبهذا رأى رجال هاشومير أنهم وصلوا الى قمة نجاحهم، فرأت اللجنة المشرفة عليها أنه حان الوقت لانشاء منظمة دفاعية قطرية في فلسطين، وهذا يدلدلالة واضحة على أن رجال هاشومير لم يعتبروا أنفسهم مجرد منظمة للحراسة(180).

  ورغم هذا النجاح، فقد اعترضت هاشومير عدة أمور مهمة منها:-

 1- المسألة المالية: حيث أن الانتقال من الحراسة العربية الى العبرية قد زاد من نفقات الحراسة ضعفين على الأقل.

 2- الانتقاد الذي وجه لتصرف هاشومير ازاء العرب.

 3- أمر تنظيم هاشومير وعملها، حيث أنها كانت عبارة عن منظمة مغلقة لا سلطة علهيا لأحد، مما أدى الى ابتعاد الفلاحين عنها، وبخاصة الشبيبة (الموشافيم).

   ادى كل ذلك الى تدعيم المعارضة، وفي سنة 1913م بدأت تظهر النتائج العملية للمعارضة، وقد تمثلت في طرد هاشومير من أكبر حصنين لها، وهما: (الخضيرة ورحبوت)، مما زاد من هجمات العرب، حيث قتل العديد من اليهود في (دغانيا)و (كنيرت) وكافة الجليل الأسفل، مما اضطر هاشومير الى تركيز قوتها في الجليل.

   وفي 18 ايار 1920 عقد مؤتمر عام لهاشومي، في ظروف يسودها التوتر والاضطراب، وقد جرت مصادمات عنيفة داخل المؤتمر، بين الخط الذي مثله عن المؤسسة الصهيونية (اسحق طبنكين) و(الياهو غولومب) من جهة، وبين رجال هاشومير من جهة أخرى، وقد طالب الفريق الاول باعادة تنظيم هاشومير، وتحويلها الى مؤسسة للدفاع، بحيث تخضع للمؤسسات السياسية العامة، لكن رجال هاشومير لم يوافقوا على ذلك، ولما لم يتوصل الى قرار، اقتراح (يسرائيل شوحط) حل هذه المنظمة، وقد تم حلها فعلاً في ربيع 1920م، بعد ان صوتت الأغلبية الى جانب هذا الاقتراح(181).

  ولكن معظم أفرادها واصلوا اتصالهم زبعضهم البعض، بعد أن التفوا حول يسرائيل شوحط (رئيس هاشومير)، الذي حاول الاندماج في نظمة الهاغانا، التي أخذت تتبلور في تلك الفترة، ولكن سرعان ما حدث صدام بينهم وبين جماعة الياهو غولومب، حيث بدأوا بتكوين تكتل خاص بهم (داخل الهاغان)، وهكذا نشأت منظمة سرية داخل صفوف الهاغانا، الى أن أعلن انفصالها عنها سنة 1922م، وقد سميت هذه المنظمة باسم (الكيبوتس).

  كما ظهر في تلك الفترة عدد من المنظمات الأخرى منها: (المجموعة اليافاوية)، التى أسسها الشباب اليهودي في تل أبيب سنة 1920م، وكان من بين أعضائها:

  (موسى شاريت (شرتوك) الذي أصبح فيما بعد رئيسا للدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، وأول وزير خارجية لاسرائيل.

  كما ظهرت منظمة (جدعونيم) في زخرون يعقوب عام 1913 مهمتها حراسة المستعمرة، كما تأسس في تل ابيب سنة 1912 منظمة باسم (مكابي) تحت غطاء رياضي، مهمتها كانت أصلا التدرب على السلاح، وحماية المدينة والحراسة فيها. كما ظهرت أيضا منظمة المدافع (همجين) التي تأسست في المستوطنات الجنوبية سنة 1915، كما بررت بارغيورا تشكيل منظمة للرعاة تكون مهمتها تعليم الحراس المهاجرين مهنة الرعي، وذلك لكي يتمكنوا من احتلال الارض والحراسة، وكانوا يعلمونهم دراسة المحيط العربي، وتجميع المعلومات حول ما يجري فيه، حيث عمل هؤلاء الرعاة لدى بارغيورا مقابل الطعام والكسوة فقط(182).

  الكتائب العبرية

    عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى، وجدت الصهيونية نفسها أنها بدون قوات مسلحة لاشراكها في الحرب، وكذلك بدون أية مخططاتا عسكرية، ولهذا بادر زئيف جابوتنسكي 0أحد الزعماء الصهيونيين) فأنشأ ما يعرف «بالكتائب العبرية» التي شاركت في الحرب، بعد أن انشق عن المنطمة الصهيونية العالمية، وأنشأ منظمة صهيونية بدلا منها، ثم اصبح زعيما للصهيونية الاصلاحية.

  كما ثار (أهرون أهرونسون) ضد السياسة الصهيونية الرسمية ومؤسساتها، فترك فلسطين في سنة 1916، واتصل بالبريطانيين الذين نقلوه الى مقر قيادتهم في مصر، ليتولى عملية التنسيق بينهم وبين شبكته (جماعته)، التي اطلق علهيا اسم (نيلي)، وهو اختصار لجملة في التوراة مؤلفة من أربع كلمات: (نتيسح ليسرائيل لويشكير)- نصيح اسرائيل لا يكذب- وقد كلفت هذه الشبكة لجمع المعلومات العسكرية والسياسية وغيرها، التي قد تفيد المجهود الحربي البريطاني، وبلغ عدد أفرادها حوالي (40) شخصا.

    وفي أواخر عام 1917، اعتقل الاتراك بعض أفراد هذه الشبكة الذين أفضوا بمعلومات كشفت امرهم، لذا قامت القوات التركية بفرض حصار حول بعض المستوطنات اليهودية، ونكلت بسكانها، واعتقلت أعداد كبيرة منهم، وأعدمت بعض قادة نيلي وطردت العديد منهم(183).

  ويعتبر زئيف صاحب فكرة الكتائب العبرية، الذي أيقن لدى دخول تركيا الحرب الى جانب دول المحور، أن الكيان الصهيوني لن ينمو ولن تشرق شمسه، الا بتفكيك الامبراطورية العثمانية، ولهذا سافر الى مصر في بداية كانون اول 1914، وهناك قام بتجنيد حوالي 1000 من اليهود الذين طردهم الاتراك من فلسطين، حيث أقاموا في معسكرات بالقرب من الاسكندرية، وشكل هو «ويوسف ترمبلدور» كتيبة أطلق عليها اسم كتيبة (البغالة)، التي يركب أصحابها البغال، وقد أرسلت الى غاليبولي (شبه جزيرة في تركيا الاوروبية)، وكانت تلك الكتيبة تحت امرة خمسة من الضباط البريطانيين وثمانية من اليهود، وكانت مهمتها نقل المؤن والاسلحة الى الجيش البريطاني هناك، ولكن هذه الكتيبة، حلت في أيار 1916، وانتقل حوالي (120) من رجالها الى لندن، حيث شكلوا هناك نواة الكتيبة اللندنية، وهي الأولى في الكتائب العبرية، التى أيمت بفعل جابوتنسكي ورفاقه، حيث استطاع هو ويوسف ترمبلدور تشكيل كتيبة يهودية في 13 آب 1917، وتم تعيين الكولونيل «باترسون» قائدا لها، وتم تغيير اسمها الى الكتيبة 38، ومن ثم انتقلت عن طريق فرنسا ومصر الى فلسطين، وفي 18 ايلول 1918 اشتركت تلك الكتيبة في الهجوم على شرق الاردن، حيث احتلت مخاضة (أم الشرط) على نهر الاردن، لتمكين الجيوش الحليفة من اجتياز النهر، ثم اشتركت فيما بعد في احتلال مدينة السلط، وهناك اشتركت معها كتيبة عبرية أخرى جاءت من الولايات المتحدة وكانت تدعى الكتيبة (184).

  الكتيبة (39):

   في ربيع 1915 وصل الى الولايات المتحدة (بنحاس روتنبرغ)، من أجل الدعوة لكتيبة حسب ما اتفق مع جابوتنسكي في برنديزي وصادف ان وصل (دافيد بن غوريون واسحق بن تسفي) الى الولايات المتحدة بعد ان طردتهما السلطات التركية، فعارضا فكرة الكتائب لاعتبارات صهيونية، ولكن دخول الولايات المتحدة الحرب، أدى الى تغيير رأيهما، فانضما بنفسيهما الى الكتائب، وفي كانون ثان 1918 بدأ التطوع، وبلغ عدد المتطوعين حوالي خمسة آلاف شخص، (من الولايات المتحدة وكندا والارجنتين) وقد نقل قسم منهم الى الاردن، حيث شاركوا في التقال هناك كما ذكرنا، والباقي وصل الى فلسطين عندما كانت الحرب قد وضعت أوازارها.

   الكتيبة الفلسطينية:

    تم في نهاية عام 1917 احتلال الأجزاء الجنوبية من فلسطين، على أيدي القوات البريطانية، وبقيت الأجزاء الشمالية تحت الحكم التركي، وحدث أن استدعى قائد الفرقة الاسكتلدنية (الجنرال هيل)، عدداً من قادة الحركة الصهيونية (راحيت نيئيت والياهو غولومب ودافيد عوز) وغيرهم، واقترح عليهم تشكيل كتيبة يهودية من يهود فلسطين، يتم ضمها الى الكتيبتين (38و 39)، وقد وجدت تلك الفكرة استحسانا لدي الجميع، وفعلا تم البدء في حزيران 1918، وبلغ عدد أفراد هذه الكتيبة (1100) جندي. كما كان هناك الكتيبة رقم (40).

  وقد اشتركت هذه الكتائب في الأحداث التي وقعت خلال السنوات 1918 - 1912م وفي أيار 1921 تمت تصفيتها بصورة نهائية(185).

   وعلى هذا يمكن القول بأن عدد اليهود الذين اشتركوا خلال سنوات الحرب 1914- 1918 حسب احصاء وزارة الحرب البريطانية كالتالي:-

  كتيبة البغالة وعددها 727

  الكتيبة (39) وعددها 721

 الكتيبة (38) وعددها 1154

 الكتيبة (40) وعددها 1440

 الكتيبة الفلسطينية وعددها 1100 (186)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:14 am

الهاغانا (187)

  كان من نتيجة تعرض مستعمرات (تل حاوي والمطلة وكفار جلعادي) في الجليل، والتجمعات الصهيونية في فلسطين، للاعتداء والهجوم من قبل العرب، أن تزايد الاحساس لدى مختلف الفئات والاحزاب اليهودية والصهيونية، بضرورة ايجاد منظمة موحدة للدفاع عن المستعمرات، وعن كافة المستوطنين الصهيونيين في فلسطين، بحيث تخضع لقيادد واحدة، وتدريب واحد، على أن الأحداث التي وقعت في القدس في بداية 1920م وغيرها، سارعت الى انشاء هذه المنظمة الواحدة للدفاع عن المستوطنات، وايقاظ سكانها من أجل تحصين مواقعها، واقامة الأسيجة العسكرية وتركيب الأضواء الكاشفة وأبراج المراقبة، والحصول على الأسلحة الشرعية وغير الشرعية ومضاعفة الحراسة، وفسر بن غوريون الأسباب التي دعت الى اقامة الهاغانا فقال:-

  (للدفاع عن المستوطنات، لأنه ليس من الممكن الأعتماد على الانتداب للدفاع عن هذه المستوطنات التي انتشرت في البلاد، اذ أن ذلك يعني أن يصبح المقرر في عددها ومواقعها). وهكذا فقوة الدفاع هذه لم تكن قوة دفاع بالمعنى الحقيقي للدفاع، بل كانت قوة هجوم ترافق الاستيطان الصهيوني، الذي كان يجري حسب خطة مرسومة، تأخذ بعين الاعتبار طاقة الصهيونية المالية والبشرية.

  «كانت المجموعة اليافاوية التي تعمل في تل ابيب، والتي نشأت في الحرب العالمية الاولى لا تزال قائمة، ولهذا تجمع أفراد هذه المجموعة في المدرسة الثانوية (هرتسليا)، وهي المدرسة التي درس فيها غالبية القادة الصهيونيين، وشكلوا منظمة سرية للدفاع عن المدينة، وكان من بينهم (الياهو غولومب وموسى شرتوك (شاريت) ودوف هوز)، وقد أجرت هذه المجموعة عدة اتصالات مع المستوطنات الأخرى، وخاصة في الجليل، وأخذت على عاتقها حماية مستوطنات الجليل.

   أما في القدس فكانت هناك جمعية (مكابي)، التي كانت نواة سرية للهاغانا، وكانت المدرسة الفنية (بتسلئيل) مقرا لهم في بداية 1920 وصل الى البلاد (بنحاس روتبرغ)، وانضم الى جابوتنسكي في جهوده من أجل تشكيل منظمة دفاعية، وفي آذار 1920 تم تشكيل لجنة دفاعية، تمثل كافة العاملين في مجال الأمن، وكان عدد أفرادها حوالي (200) شخص، وفي كانون أول 1920، اجتمعت جماعة هاشومير وجنود الكتائب العبرية وجابوتنسكي واتفقوا على ضرورة تنظيم الدفاع، بواسطة انتخاب لجان في كل مستعمرة، وعن طريقهم يتم انتاخاب لجنة مركزية لادارة شؤون الدفاع.

  وتم في هذه الجلسة انتخاب لجنة أولية، اشترك فيها ممثلان عن كل منهم، وتم أيضا ضم (يوسف ترومبلدور) اليها، وكذلك ممثلين عن الحزبين العماليين: (أحدوت هعفودا وهبوعيل هتسعير).

   والقي على عاتق هذه اللجنة، الاعداد لاجراء الانتخابات للجان محلية، ومن ثم اللجنة المركزية وقد لعبت الخلافات في الرأي بين مختلف الجهات الصهيونية حول طريقة تنظيم الدفاع دورا كبيرا، في عدم التوصل الى ايجاد منظمة دفاعية موحدة، وقد تركزت الخلافات حول من يقوم بتعيين قيادة العاغناه (الدفاع): القيادة السياسية للحركة الصهيونية أم أعضاء الهاغناه. وكذلك الخلافات في حول شكل المنظمة: هل ستكون منظمة شعبية موسعة لتشمل كافة المواطنين ام جمعية محدودة، تختار أعضاءها بصورة دقيقة، ومن هي الجهة التي تحدد وتقرر سياسة الهاغناه؟ هل هي القيادة السياسية لليشوف (المستوطنين)، أم نشيطو الهاغناه أنفسهم، وقد لعب الحزب الجديد (أحدوت هعفودا) وحدة العمل «الذي تأسس عام 1919م دورا كبيرا في عملية توحيد الدفاع، وانشاء منظمة واحدة لدلك، وبعد عدة مشاورات، تم الاتفاق على اقامة منظمة قطرية دائمة للدفاع، وتشرف على الدفاع في القرية والمدينة، ولها فروع في كافة انحاء البلاد، وتم انتخاب جابوتنسكي رئيساً لها، ولكن المستعمرات الثانية الكائنة في منطقة يهودا، لم تقبل بهذا القرار بدعوى أنه سيؤدي الى اثارة الجيران ضدهم، ويجعل الوضع اكثر خطورة وقرروا بالاجماع رفض تشكيل منظمة دفاعية، تشمل كافة المستوطنات، وعندما رأى قادة حزب (أحدوت هعفودا) هذا الوضع المتردي، عقد اجتماعا له في الفترة الواقعة بين 13- 15 حزيران 1920 في طبريا، وقرر تشكيل منظمة للدفاع، تتولى مسؤولية الدفاع عن المستوطنات، كما قرر تشكيل لجنة مسؤولة عنها، مؤلفة من لجنة هاشومير، على أن ينضم اليها الياهو غولومب، وهكذا تكونت اللجنة الأولى لمنظمة الهاغاناه ومن أجل أن يرضي حزب أحدوت همفودا كافة الأطراف، أعلن أن الهاغناه منظمة مفتوحة للجميع، وأنها ستخضع لكافة المشتركين فيها، على أن تتولى الهستدروت (منظمة العمل) الأشراف عليها.

   وبعد ذلك بدأت عملية التنفيذ، وقام مسؤولو الهاغناه بجمع الاسلحة من المستوطنات، ووضعها في مخازن خاصة، معتمدين على أن السلطات البريطانية هي التي ستؤمن عملية الدفاع، وقرروا ابقاء بعضها مع تلك المستوطنات للحراسة فقط، وقرروا أضا جمع مبالغ رمزية، وهنا قابلت لجنة الهاغناه مشكلة صعبة جدا، ألا وهي مشكلة القوى التي ستعتمد عليها أثناء الطوارىء، ولكنها وجدت الحل في المهاجرين الجدد، الذين بدأوا  يصلون من روسيا، وكان هؤلاء قد تلقوا تدريبات جيدة، وتم عقد اجتماع بين ممثلين عنهم، وبين ممثلين عن هاشومير، وأسسو (كتيبة الدفاع والعمل) ولم يذكروا اسم الهاغناه لأسباب امنية(188).

  يقول بن غوريون في محادثاته مع موشي بيرلمان في كتابه (بن غوريون ينظر الى الوراء): «ان اسم المنظمة في البداية (فرق العمل) بحذف الدفاع، ولكن باتساع فرق الدفاع وازدياد قوتها، أصبحت تعرف (بفرق الدفاع والعمل) (هاغناه) ولصق بها الاسم، وأن هذه القوة انتقلت من اشراف الهستدروت الى اشراف المجلس القومي اليهودي عام 1930«(189).

  وهكذا بدأوا يدربونهم على السلاح، وعلى معرفة البلد، وأصبحوا هم النواة الحقيقية لمنظمة الهاغناه فيما بعد.

   كانت هذه المنظمة خلال العشرينات منظمة سرية ضعيفة، مؤلفة من عشرات الخلايا الصغيرة، وثلاثة فروع في كل من تل ابيب وحيفا والقدس، ويرأسها (يوسف هخط) الذي كان يعد التقارير حول سير الامور، ويرفعها الى سكرتير الهستدروت (دافيد بن غوريون).

  وقد جاء في أول دستور لمنظمة الهاغناه (الذي صدر عام 1924م): (أن الهاغناه منظمة عسكرية سرية، غايتها الدفاع عن المستوطنات وعن اليشوف، ومن ثم التحول الى ميليشيا شعبية، وأن أبوابها مفتوحة أمام كل عبري وعبرية، ممن بلغوا سن السابعة عشرة)(190).

   وقد تم أيضا تحديد نظام لقبول الاعضاء وطرق ادارة الفروع، كما نص الدستور على وجوب اجتماع مجالس المدن كلها بصورة مستمرة، وذلك مرة كل أربعة أشهر.

   وفي 7 كانون اول 1921 ضبطت عملية تهريب 300 مسدس، وكية من الذخيرة في ميناء حيفا، مرسلة بصفة (أدوات زراعية باسم اسحق روتنبرغ)، مما أصبح يقينا لدى الشعب العربي الفلسطيني بأن هناك عملية يهودية منظمة لجلب السلاح والذخائر، وسرعان ما قدمت الجمعية الاسلامية- المسيحية بيانا في 15 كانون اول 1921 ومذكرة الى المندوب السامي أشارت فيها، الى أن التوتر قد تكاثر الى حد يصعب معه تهدئة القلق، الذي استحوذ على الوطنين، واحتجت المذكرة على تسليح المستوطنات الصهيونية، وعلى التسامح بعدم تفتيش ما يرد الى البلاد باسم أدوات زراعية في الجمارك وعلى السماح بانزال المهاجرين الجدد من اليهود الى فلسطين، وكلهم في سن الجندية كما طلبت المذكرة من المندوب السامي بجمع كل الاسلحة، التي وزعتها الحكومة على المستعمرات اليهودية، واتلاف جميع ما ورد مؤخرا من الأسلحة والذخائر الي ميناء حيفا علنا، وأن يصدر أمره الي جميع جمارك فلسطين بوجوب تحري وتفتيش كل ما يرد باسم أي محل تجاري صهيوني كان أم غير صهيوني(191).

   وفعلا بدأت الشرطة السرية البحث عن الهاغناه وأسلحتها، كما حدثت موجة من التحريض ضدها، وكان من نتيجتها أن اتصل المندوب السامي (هربرت صموئيل) بالادارة الصهيونية، وباللجنة القية اليهودية، وطالبهم بتصفية الهاغناه، وقامت السلطات برد عملي لمحاربتها، حيث قامت بتزويد المستعمرات بالأسلحة، وأعلنت معن استعدادها لامدادهم بالأسلحة الاخرى وعن تشكيل قوة دفاعية يهودية شرعية، على شرط حل الهاغناه.

   وبعد عام 1929 قامت الوكالة اليهودية بتكليف الكولونيل (كيش) بتوسيع الهاغناه، عن طريق اشراك جماعة أخرى من المستوطنين في اطار اللجنة التنفيذية للهستدروت.

  وبالرغم من هذا، ورغم الانجازات التي حققتها الهاغناه فقد حدث عام 1931م أول انشاق داخل الهاغناه وذلك احتجاجا على الأسلوب الذي تدار به، اذ أعلن قائد منطقة القدس (ابرهام تهومي) عن تشكيل منظمة جديدة سماها (الدفاع الوطني) (الهاغناه «ب») ومن ثم باسم (هارغون هتسفئي هلئومي) «المنظمة العسكرية القومية».

   وفي أيار 1931 وبعد شهر واحد من الانشقاق تم للمرة الاولى تشكيل قيادة قطرية عليا، لمنظمة الهاغناه الموحدة وكان عدد أعضائها متساويا من كلا الطرفين(192).

  ومن نشاط الهاغناه، أنها نجحت في تهريب اليهود الى فلسطين عن طريق الحدود الفلسطينية السورية- اللبنانية المشتركة، وعن طريق البحر، خاصة سنة 1934 (وبهذا قام شباب فلسطين بجهود ذاتية في محاولة لمقاومة هذه العملية، وأخذمؤتمر الشباب على عاتقه تنظيم عملية حراسة السواحل وحدود فلسطين، ففي 13 تموز 1934 تقرر تشكيل لجنة حراسة السواحل والحدود، حتى حدث اصطدام في 17 آب 1934 بين كشافة أبي عبيدة وبعض المسلحين اليهود، الذين قدر عددهم (150) يهوديا، قرب قرية «ام خالد» المجاورة لمستوطنة نتانيا على ساحل البحر، وأسفرت المعركة عن جرح ثمانية من العرب، وعلى الأثر أصدرت الحكومة بلاغا رسميا في نفس اليوم جاء فيه «ان المندوب السامي يتفق الآن مع وزير المستعمرات لاتخاذ الاجراءات اللازمة، لحماية حدود فلسطين، ضد جميع الهجرة غير الشرعية، وسيصير في القريب العاجل ادخال اجراءات ينتظر منها أن تمنع بصورة فعالة، الهجرة غير المشروعة عن طريق البر والبحر، «واعتبر عمل (لجنة حراسة السواحل والحدود العربية)، عرقلة أكيدة وتشويشا من شأنه أن يساعد على اخلال الأمن، وأنذر البلاغ بأن الحكومة ستمنع جميع المحاولات التي يقوم بها افراد وهيئات لأخذ القانون في أيديهم، ومن يخالف يعرض نفسه للاجراءات بموجب قانون منع الجرائم(193).

  ومن الجدير بالذكر أن الهجرة اليهودية غير الشرعية، لم تتوقف سواء كانت من البر أو البحر، وأن الاجراءات البريطانية الصارمة كانت موجهة أساسا ضد العرب فقط.

  «وفي 17 آب 1937 عقد اجتماع لقادة المناطق في تل ابيب، وأعطيت لهم الأوامر بفتح النار على العرب»(194).

  وقد تم بالفعل القاء القنابل اليدوية، على بعض البيوت العربية في يافا، مما أدى الى مقتل وجرح الكثيرين من العرب، وفي 20 آب 1936 تمت مهاجمة قرية الطيرة العربية قرب حيفا، وفي 27 آب قتل اثنان من العرب علي طريق بتاح تكفا، وتعترف المصادر الصهيونية بفضل الشرطة البريطانية، خلال تلك الفترة، من حيث المساعدات التي قدمتها لحماية المستوطنات اليهودية (فقد قامت الشرطة ببذل جهود كثيرة في هذا المضمار، حتي أنها فاقت ما كان يتصوره اليهود أنفسهم فقد قيل ان الشرطة في حيفا قامت بعمل يفوق قدرتها)(195).

  ففي حالات كثيرة غض رجال الشرطة الطرف عن الأسلحة غير الشرعية، ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بمدهم بالأسلحة، مما دفع أحد القادة الصهيونيين (اسحق بن تسفي) الى القول: «ان هناك جبهة بريطانية- يهودية في تلك الأحداث، واذا لم تكن تلك الجبهة قائمة في الميدان السياسي، فانها موجودة في الخنادق على الأقل(196).

  وبلغ عدد أفراد الهاغناه يوم اتحاد الهاغناه مع المنظمة ب المنشقة عنها، في 27 نيسان 1937 (21 ألف عضو) منهم (4آلاف) من النساء، منتشرين في 27 مستعمرة ويملكون 230 رشاشا و 4000 بندقية و 10الف مسدس(197).

   ومع اشتداد هجمات المجاهدين الفلسطينيين ضد تجمعات اليهود ومستعمراتهم، فقد طلب الى (اسحق ساديه) أحد مءسسي الهاغناه، اعداد قوة متحركة لحماية مستوطنات جبال يهودا في منطقة القدس، فبدأ مهمته في صيف 1936، حيث أعد قوة كانت النواة الاولى فيما بعد، لظهور الكتائب الميدانية والمبالماج والجيش الاسرائيلي، فقد شكل مجموعة مؤلفة من خمسة أعضاء من الهالغناه من القدس وفتاتين تحملان السلاح لحماية مستعمرة (هاعرطوف)، ثم وصلت أخباره الى (الياهوكوهين والى يعقوب بات) قائد المدينة، الأمر الذي دفعهما الى تنظيم الأفواج المتحركة في القدس وضواحيها، وكان اسحق ساديه قائدا ومدربا لها، وتقرر استخدام تلك الأفواج للحراسة والدوريات المتحركة بدلا من الثابتة. وكان مركزها القدس «حيث يتم كل ليلة ارسال مجموعات من هؤلاء الى المستوطنات المجاورة، ثم يعودون ليلا قبل طلوع الفجر، وقد بدأوات يقيمون الكمائن على مداخل القرى العربية، واصطياد ما يمكن اصطياده من أهلها، كما جرت محاولة من قبلهم للقيام بدوريات متحركة، لحماية المواصلات على الطرق المواصلة الى القدس»(198).

فروع الهاغناه ومؤسساتها

  1- رجال اليهود في البوليس الفلسطيني (الشرطة العامة):-

    اشترك العديد من رجال الهاغناه في البوليس الفلسطيني للمحافظة على الأمن. وفيما يلي جدول يبين عدد الشرطة في فلسطين وزيادة عدد اليهود فيها(199):

      سنة 1935  1936  1937   1938  1939

 يهود  365         475       758    741     682

مسلم  1187      1232     1301      1231  1198

مسيحي  278       284       337         310    287

اخرون  7              8           11            13     11

انجلير  746          911         1171        2172    2941

بينما كان العدد سنة 1926 كالتالي:

   انجليز 245

  مسلم: 1028

 مسيحي: 267

  يهودي: 212

  وفي أيلول 24/9/1939 تم الاعلان عن نتائج الاحصاء الذي دل على وجود (136043) شخصا يمكنهم حمل السلاح.

  2- جيش الخفراء (هنوطروت)-- الشرطة الخاصة-

    بدأ هذا الجيش خطواته الاولى في نيسان 1936، عندما اقترح مركز الهاغناه على الوكالة اليهودية، التقدم بطلب الى الحكومة البريطانية لتجنيد عدد من أفراد الشرطة الخاصة، لدعم الشرطة العامة، ومهمة الحراسة المحلية، وفعلا استجابت السلطة البريطانية لمطالب الوكالة، فبدأت باعطاء رخص وأسلحة لمختلف المناطق التي يتهددها الخطر، وقد اعطيت تلك الرخص تحت (غطاء الشرطة الاضافية والخفر)، ومن هذين المصطلحين ظهر اسم (هنوطروت) النواطير وبلغ عددهم في ايلول 1936م (2863) شخصا.

  وقد اشترطت السلطة البريطانية أن يرتدي هؤلاء الجنود لباسا موحدا، وأن يحملوا البنادق العسكرية، كما تعهدت الحكومة بدفع نصف رواتبهم. وما أن هدأت الأمور بعد أحداث 1936، حتى طالبت الحكومة بتقليص عدد الخفراء، وهكذا تم في بداية عام 1937 تحديد 4 أنواع من الخفراء:

 1- النوع الاول وعددهم 740 خفيرا مجندون كاملا، ويتسلمون رواتبهم من الحكومة.

2- النوع الثاني وعددهم 740 خفيرا وعليهم الحضور الى مراكز الشرطة خلال ساعتين.

 3- النوع الثالث وعددهم 1480 خفيرا وعليهم الحضور الى مراكز الشرطة خلال 24 ساعة.

 4- النوع الرابع وعددهم 1500 خفير احتياطي في الشرطة الاضافية.

   وفي صيف 1937 تغير هذا الاسم الى (شرطة المستوطنات العبرية)، وبقيت تحمل هذا الاسم حتي نهاية الانتداب البريطاني.

    لقد فتح جيش الخفراء آفاقا جديدة لتدريب الشباب اليهودي على الاسلحة، فعند نهاية الأحداث 1936، قررت الجهات والمؤسسات المسؤولة عن الدائرة السياسية في الوكالة والهاغناه، فتح دورات رئيسية علنية للتدرب على الأسلحة، تحت شعار تدريب الخفراء وهكذا تمت التدريبات دون حاجة للتموية والخداع، وفي نهاية الحرب بلغ عدد افراد هذا الجيش (24368) جنديا عام 1943(200).

   كما أدت عملية انشاء جيش الخفر الى حل المشكلة الرئيسية، التي شغلت اليشوف منذ الأيام الاولى لحكم البريطانيين، وهي مشكلة الدفاع عنه، فقد اضطرت الحكومة البريطانية في النهاية، الى الاعتراف بحق اليهود بالقيام بذلك، حيث وصلت في شتاء 1938 شرطة المستوطنات العبرية الى مكانة ميليشا قطرية، يزيد عدد أرادها على 14 الف خفير منتشرين في كافة أنحاء فلسطين، كما ضم الهيا حوالي 60 دورية متحركة تنقلها على الغالب سيارات مصفحة(201).

  3- التشبيبة في الهاغناه:

    مع توسيع اطار المنظمة بهدف احتوائها كافة القوى البشرية القادرة على تحمل عبء حماية اليشوف، برزت الحاجة الى اقامة اطار ملائم لاستيعاب (الشبية- الموشافيم)، وقد أثبتت التجربة أن باستطاعة الشبية الذين تتراواح أعمارهم بين 15- 18 سنة، تحمل عبء المسؤولية، كما كانت هناك أسباب أخرى لتوسيع النشاط بين صفوف الشبيبة، خلال سنوات الحرب أولها: توقف الهجرة: وهي المدر الأساسي للهاغناه. وثانيها: التطوع في الجيش البريطاني. وثالهثا: خوف الهاغناه من وقوع الشبيبة في شباك المنظمات المنشقة الأخرى مثل (الاتسل وليحي)، ولهذا قررت القيادة العليا في بداية 1941، أن تأخذ الهاغناه على عاتقها مسؤولية اعداد الشبيبة العبرية في البلاد، للدفاع عن اليشوف، ومن أجل تنفيذ ذلك كان على المنظمة العمل بالتعاون مع جهاز التعليم، ومنظمة الشبيبه، وتم لهذا الغرض تشكيل كتائب للشبيبة أطلق علهيا اسم (جدناع)، وهي اختصار لكلمتين عبريتين (جدودي نوعر) «كتائب الشبيبة» وأطلق عليها في بعض المناطق (الجيش الميداني الفني)، وتم تقسيم تدريبات الشبيبة الى ثلاث مراحل: ففي المرحلتين الأولى والثانية، اهتموا بالتدريب على النظام والرياضة والملاكمة، كما أعدات لهم مسيرات للتعرف على البلاد، وفي المرحلة الثالثة (بسن 16- 18) كانوا يتدربون على السلاح(202).

  4- القوة المتحركة (الطائرة):-

    كانت مهمتها تقوم خلال النهار بالحراسة الراجلة للطرقات والحقول القريبة من المستوطنات، كما تقوم بحراسة العاملين في تلك الحقول، ثم أخذت تستخدم السيارات غير المصفحة في خريف 1938م، ووصل عدد رجالها الي 400 رجل توزعوا الى 60 مجموعة (203).

  5- حرس القطارات والسكك الحديدية والمطارات والموانىء:

   أعلنت الشرطة في بداية 1937، عن رغبتها في تدريب خفراء يهود، لحماية السكك الحديدية الممتدة من حيفا الى اللد، وخاصة في المنطقة القريبة من قلقيلقية وطولكرم، وتم تجنيد (732) مجندا لهذا الغرض، وأخذوا على عاتقهم حراسة السكك الحديدية بين اللد ومجدل جاد وبين حيفا وسمخ، وفي أيلول 1938 تم البدء بتجنيد الخفراء الاوائل لحماية المطارات في كل من (قلندية واللد والرملة)، كما تم في تلك السنة انشاء الحراسة في ميناء حيفا، من قبل (48) شخصا من الخفراء اليهود، كما تسلموا الحراسة على مضخات المياه من رأس العينالى القدس، ووصل عدد هؤلاء المجندين في شتاء 1939م الي (800) رجل(204).

 6- كتائب الليل الخاصة:-

    كان الهدف من انشائها حماية خط أنابيب البترول (التابع لشركة الاحتكار البريطانية)، الذي يأتي من العراق، ويمر في طريقه الى المصافي في حيفا، في منطقة غور الاردن، حيث كلف الضابط البريطاني (أورد تشارلز وينجيت) الذي كان يعمل ضابطا في الاستخبارات العسكرية في فلسطين، بتأسيس هذه الكتائب، وكان عددها أربع كتائب، لكنها حلت جميعها في شباط 1940، بعد أن أبعد أو رد نهائيا عن البلاد.

   وكانت مهمة هذه الكتائب أيضا، حراسة معسكرات الاعتقاد، أو بالعمل مرشدين للجيش، وبخاصة في الليل أثناء عمليات التفتي، وقد جند في البداية 100 شاب من قادة الهاغناه وبعد ذلك تم تجنيد 100 آخرين لمساعدة الفرقة الانجليزية المرابطة في منطقة السامرة.

  7- الكتائب الميدانية (بوش):-

   وهي عبارة عن (جيش شعبي منظم ومدرب)، أنشىء لكي يقوم بالمهام التاريخية الملقاة على عاتقه، وكان (بن غوريون) يقصد من تشكيل هذا الجيش، ايجاد قوة تكون خاضعة فقط لادارة الوكالة اليهودية، ورغبة في الاقتراب من الصبغة العسكرية قدر الامكان، وقد وضع القائمون على هذا الجيش هدفا لهم، وهو خلق نموذج من الجندي القادر على الحركة بسرعة، وتحمل المشاق ومعرفة الأماكن وطبوغرافيتها واستخدام الاسلحة.

  وكانت مهمة هذه الكتائب حراسة العمال في المحاجر، وخاصة في محاجر (الجشار في القسطل) وكذلك تأمين الطريق الى مستعمرة (عطاروت- قلنديا)، واستخدمت أيضا للتدريب ونقل الاسلحة. وبلغ عدد أفراد هذه الكتائب في 15 آذار اكثر من (1000) رجل، ينضوون تحت لواء الكتائب الميدانية موزوعين على 13 قطاعا.

  كما بلغ عدد أفراد هذا الجيش سنة 1943 (9000) رجل موزعين على 40 كتيبة كالتالي:

  13 كتيبة في الجليل والسهول   9 كتائب في الجليل الاوسط

 4 كتائب في الجنوب            5 كتائب في حيفا

 6 كتائب في تل ابيب           3 كتائب في القدس

   ونظرا لتراكم الشكاوى والاحتجاجات ضد هذه الكتائب، فقد قررت القيادة القطرية حلها ليحل محلها البالماخ (القوات الضاربة)، اذ كان معظم قادة البالماخ من خريجي تلك الكتائب الميدانية(205).

 8- مصلحة المعلومات- المخابرات- (الشاي):-

  أسس هذا الجهاز لجمع المعلومات عما يجري في الجانب العربي، وكان من بين أعضائه البارزين (عزرا دنين وأهرون كوهين والايهو انشتاين (ايلات)، ورؤوفين سيلواح)، كما ساهمت هذه المصلحة في نقل الأسلحة الى منطقة الهاغناه، عن طريق استخدام سيارات الشرطة(206)، واحتلت هذه المصلحة مكانا خاصا في الجهاز الحربي السياسي، وفي اقامة منظمات تجسس في الأقطار العربية، لخدمة الدول الاستعمارية، وفي هذا الصدد كتب (اسرائيل بير) في كتابه في يوم من الأيام «أنه من سنة 1914م، وبعدها استخدمت دائرة المخابرات البريطانية، ودائرة الاستخبارات الامريكية، ودائرة الحلفاء الاستراتيجية أعدادا متزايدة من اليهود». كما أضاف ليؤكد أهمية هذه الفرق، «ان المولونيل الأمريكي (هيمبر) من دائرة الاستخبارات الامريكية قال: «حتي لو لم يقم اليهود (يعني الخدمة في دائرة الاستخبارات) وحتي لو لم يكن لهم أي ادعاء اخر، فخدمتهم الأمنية كسبت لهم حقا في أن يكونوا أمة حرة في بلادهم»(207).

 9- قسم التجسس المضاد (ران):

  في بداية 1940 بدأت السلطات البريطانية تطارد منظمة الهاغناه، وتصادر أسلحتها وتم لهذا الغرض انشاء شبكة للتجسس، واستعانت في ذلك ببعض الجواسيس اليهود، ولهذا فقد طلب من (شاؤول مئيروف) اقامة قسم للتجسس المضاد (ران)، لاحباط مهمة السلطات البريطانية وافشالها، وفي آذار 1942 تم توحيد المصلحيتن (ران وشاي) بصورة نهائية، وتم فتح مكتب لها في تل أبيب تحت اسم مستعار وهو (اللجنة من أجل الجندي)، ومن أجل تطوير العمل في هذا القسم، فقد تم ضمه عام 1944م الى الدائرة السياسية التابعة للوكالة اليهودية برئاسة (الياهوساسون)(208).

  10- وحدة الاتصالات:

    طورت هذه الوحدة مع بداية الهجرة، حيث أقيمت اتصالات لاسلكية مع السفن التي تنقل المهاجرين، حيث كانت تذاع القطع الموسيقية ولكل منها مفهوم خاص، منها ما يعني الابتعاد ومنها ما يعني الاقتراب، وقد أقيمت لهذا الغرض محطتان احداهما ثابتة والأخرى متنقلة(209).

 11- الخدمات الطبية:

   بدأت تلك الخدمات كمؤسسة دائمة ومنظمة بعد أحداث 1929م، وبلغ عدد أفرادها في البداية 35 طبيبا وحوالي 70 ممرضاً وممرضة، وكانت تعمل في المدن أيضا منظمة (نجمة داود الحمراء)، وكانت هذه المنظمة تقوم بنقل الأسلحة للهاغناة في سيارات الاسعاف التابع لها، كما كان لها مركز سري في حيفا، لتجنيد الأعضاء في صفوف المنظمة(210).

  12- وحدة المهمات الخاصة (فوم):-

    أسست هذه الوحدة في 5 حزيران 1939، وجاءت (فوم) اختصارا لكلمتي (بلوغوت ميروحدوت)- وحدات خاصة- حيث قامت بقطع الاسلام الموصلة الى محطة الاذاعة بالقدس، وكذلك تفجير مواد ناسفة في دوائر الهجرة، واطلاق النار على الشرطة، وكانت الأوامر تصدر مباشرة عن (دافيد بن غوريون) وينفذها (اسحق بن تسفي) وكانت تهدف الى:

 1- اتنفيذ عمليات انتقامية ضد العرب.

 2- تنفيذ عمليات تمهيدية ضد الحكم البريطاني.

 3- تنفيذ عمليات ضد الحكم.

 4- تنفيذ عمليات ضد الجواسيس والخونة اليهود.

  ولكنها أوقفت نهائيا، بعد مرور شهر واحد على اندلاع الحرب العالمية الثانية(211).

  13- الحرس الوطني:-

    قامت القيادة العليا لمنظمة الهاغناه في 22 حزيران 1942، بتقديم خطة تدريبية لمدة ستة أشهر، وقد اشتملت على تدريب 15 الف رجل شهريا(212)، ولكن هذه الخطة باءت بالفشل ثم طرأ عليها بعض التحسن، حتى وصل عدد الذين تدبروا في مثل هذا الاطار حوالي 5 آلاف شخص، حتى نهاية آب 1942، وكان هذا الحرس على وشك التحول الى حركة جماهيرية، الا أن الاستهانة والاتكالية التي ظهرت بعد الانتصار في معركة العلمين، قد أدت في النهاية الى حل هذا الجيش، فانضم قسم منهم الى صفوف الهاغناه، وقسم منهم عاد الى بيته(213).

  14- المتطوعون في الجيش البريطاني:-

    كتب ولتر بريوس »كون عدد كبير من اليهود الجنود، قد خدموا في الجيش البريطاني، وشاركوا في معاركة، وبذلك تدربوا عسكريا، لم يكن بدون أثر على التطورات في السنوات التي سبقت قيام الدولة»(214).

  ولهذا تمم خلال أحداث 1936- 1939م، تجنيد شبان يهود بواسطة مكاتب النواطير، لمساعدة واستكمال بعض وحدات الجيش البريطاني المختلفة، وقد استمرت تلك المكاتب في العمل، وتحولت الى واسطة رسمية تم بواسطتها عملية التجنيد لوحدات الجيش اليهودية، طوال سنوات الحرب. وبالغرم من معارة السلطات البريطانية والادارة البريطانية في فلسطين فكرة انشاء وحدات يهودية مقاتلة، الا أنها أعلنت عن تجنيد الحفارين(215) حيث تم اعداد سريتين في كل واحدة منهما 600 جندي.

  وبلغ عدد المتطوعين في الجيش البريطاني كالتالي:

  سلاح المشاة 4800

سلاح الهندسة 3300

سلاح الحفارين 3400

سلاح المواصلات 4400

سلاح العتاد 1250

سلاح المدفعية 650

سلاح الاشارة والخدمات الطبية 1100

سلاح الطيران 2000

سلاح الاسطول الملكي 1100

سلاح النساء المساعد 4000 (216)

  كما تطوع حوالي 3 آلاف رجل في الجيوش الأخرى وخاصة في الجيش التشيكوسلوفاكي(217).

  15- النشاط البحري:

    تم في عام 1952 تأسيس وحدة الصيادين بالقرب من مصب نهر العوجا (اليركون)، وكان الهدف من تأسيس تلك الوحدة، الاتصال مع السفن وانزال الاسلحة التي يتم شراؤها بصورة خاصة من السفن الايطالية والبلجيكية، وفي سنة 1929 تأسس نادي الرياضة البحري يهودية في فلسطين، كما تم خلال سنة 1934- 1938 اقامة مدرسة بحرية يهودية في ايطاليا، واعترفت الحكومة بتلك المدرسة وباستقلالها، وجرت خلال عام 1937 تأسيس منظمة عبرية يهودية في فلسطين، هدفها ادخال الروح الطلائعية البحرية بين صفوف الشباب اليهودي، وفي عام 1938 تم تأسيس مدرسة بحرية في حيفا(218).

  واثناء اوج المعارك في الحرب العالمية الثانية، حاولت قيادة البالماخ اعداد خطة تستهدف انقاذ اليهود لدى انتهاء الحرب، وقد توصلت القيادد في تلك الفترة الى استنتاج يقضي بالاسراع لاقامة قوة بحرية، تأخذ على عاتقها المسؤولية العسكرية، في عملية الهجرة غير الشعية، وقد جرى في كانون ثان عام 1943 عقد اول دورة بحرية في (قيسارية) لمدة ثلاثة اشهر متواصلة، اشترك فيها 30 شخصا من اوائل رجال البالماخ، ثم عقدت بعد ذلك دورة اخرى، وقد حددت لها (اي البحرية) اربع مهمات:

 1- تنفيذ الهجرة غير الشرعية ابتداء من نقل السفن للمهاجرين، وانتهاء بنقلهم بواسطة الزوارق من سفنهم الى الشاطىء في فلسطين.

 2- التخريب البحري: أي اعداد مخربين لتنفيذ عمليات تخريبية ضد السفن والمنشآت البحرية التي تخص العدو الالماني، وكذلك ضرب السفن البريطانية، التي تحاول عرقلة عملية الهجرة غير الشرعية.

3- النقل البحري: تشغيل السفن من اجل نقل الوحدات والتموين والذخيرة في حال خضوع الطرق البرية، للاشراف البريطاني المعادي، او في حال الهجوم العربي على طرق المواصلات البرية.

4- وحدات انزال تكون مدربة على وسائل النقل البحرية الحرة، وذات القدرة على النزول في شواطىء العدو خلال نشوب معركة(219).

   وفي صيف 1934، تم وضع البحارة في البالماخ تحت تصرف المكتب، حيث تم تجميع كافة الذين انهوا كافة التدريبات البحرية في قاعدة خاصة، في كيبوتس قيسارية (سدود يام)، وبعدها تم نقلهم الى ميناء حيفا.

   وفي نيسان 1954 قررت قيادة البالماخ فصل البحارة عن السرية السابعة، وزيادة عددهم، وتنظيمهم في سرية خاصة، وهكذا اصبحت تحمل اسم (السرية التاسعة) حيث تمركزت تلك السرية في النقاط القريبة من الشارطىء، مثل ميناء حيفا وشفاميم وقيسارية وغيرها. وبهذا شكلت هذه السرية البحرية سلاح البحرية الاسلائيلية فيما بعد(220).

16- عام لوحيم «شعب مقاتل»

  بعد فشل المفاوضات بين الهاغناه والاتسل، للوصول الى اتفاق للاتحاد بينهما، وكذلك بعد فشل التعاون بين الاتسل والسلطات البريطانية، ظهرت هناك بعض الجماعات داخل الاتسل والهاغناه، التي ابدت استياءها من الوضع السائد، وكذلك من عدم تجديد المعركة ضد البرطانيين، لأنهم لم يغيروا سياستهم الي عبروا عنها في الكتاب الابيض سنة 1939، ومن بين هؤلاء المبادرين الى الوحدة بين المنظمتين كان (الياهولانكين) الذي انفصل عن الاتسل وزميله (الياهو متسادي) «رفيد»(221).

  ثم انضم اليهم الدكتور ن. لوبوتسكي (مكن زعماء الحركة الاصلاحية) وقد نجح الدكتور روبين (من قادة الجنود الاصلاحيين) في تجنيد (يوسف ايدلبرغ)- ضابط في الهاغناه في منطقة حيفا-، وكذلك حاول المبادرون تجنيد رجال ليحي كذلك، الا ان قادتهم (الدكتور يسرائيل داد واسحق شامير) رفضا هذا العرض(222).

   وقد اطلق (يغئال هورفتيس) على هذه المنظمة الجديدة اسم (عام لوحيم) وذلك من اجل التأكيد- حسب رأيه- على ان الشعب بأسره هو الذي يقاتل وليس مجموعة صغيرة تابعة لاحدي المنظمات(223).

  واثناء قيام قيادة عام لوحيم بمناقشة بعض الخطط للقيام بعمليات ضد البريطانيين، كان هناك من اقتراح القياح بعمليات ضد (دائرة التحقيقات الجنائية)، ومنهم من اقترح تصفية قادة المخابرات الانجليز، وفي النهاية تم الاتفاق على اختطاف المندوب السامي البريطاني (مالك مايكل)، والاحتفاظ به في مكان سري، وتم تحديد يوم 29 تشرين ثان 1943 لتنفيذ العملية لكنها فشلت في اللحظة الاخيرة، بسبب رفض قائد الاتسل في القدس، تسليمهم الاسلحة المتفق عليها حسب الخطة(224).

  اما الاتسل نفسها، فقد قامت بمحاكمة قائد منطقة القدس، الذي رفض تزويد المجموعة بالاسلحة لتنفيذ عملية الاختطاف، وقد صدر الحكم عليه يوم 29 كانون اول 1943، بفصله من قيادة المنطقة وابعاده عن صفوف الاتسل لمدة سنة كاملة.

   وهكذا وصلت قضية عام لوحيم الى نهايتها(225).

 17- الطيران العبري:

  اقيم ناد للطيران المدني عام 1933م تحت اسم (الجمل الطائر)، يترأسه (يسرائيل هخط)، وفي سنة 1935 تأسس ناد للطيران في غور الاردن، وكان من موسسيه (يوسف نحماني)، وفي صيف 1937 تم شراء طائرة التدريب الاولى من بولونيا، وفي سنة 1939 فتحت الدورة الرسمية للطيران واشترك فيها (10) اعضاء ممن يحملون رخصا حكومية، وعندها اسسوا رابطة للطيارين، وافتتحت دورة للطيران في اللد، وقد تخرج منها(6) طيارين في نيسان 1939م(226).

  وفي تلك الفترد استمرت شركة (افيرون) في تطورها، فاشترت المدرسة الجوية التي انشأها (كاتس)، واشترت عدة طائرات من بولونيا ومع اندلاع الحرب العالمية الاولى، كان الكيان الصهيوني يملك (20) طيارا موهلا، اما بالنسبة لعام 1943 فقد كان غنيا بالاعمال والنشاطات حيث تم وضع الاساس للطيران العبري المقاتل حيث حصلت قيادة البالماخ على اذن بذلك من قيادة الهاغناه، وذلك من اجل تدريب الطيارين وقد تم في صيف 1934، عقد اول دورة في (كفار يلديم) في مرج بن عامر لطياري البالماخ، اشترك فيها(20) شخصا من كافة السرايا وقد استمرت جهود البيادة للحصول على الاموال لتدريب الطيارين على طائرات شركة افيرون في مطار الرملة وفي نهاية 1944 تم تجميعهم في (كيبوتس ناعن) بقيادة (شلومو ميلر) وكان عددهم(17) عضوا وشاركوا في اقامة النواة الاولى لسلاح الجو الاسرائيلي»(227).

  واصبح هذا الكيبوتس قاعدة ثابتة لهم، وعمدوا على اخفاء نشاطهم، والظهور على انهم اعضاء في نواد مدنية، دون ان يثيروا اية شبهة امام البوليس السري وعملائه، الذين عملوا في المطار، وعندما وصل الطيارون الى مرحلة السيطرة التامة على الطائرات الصغيرة، طلب اليهم القيام بمهمات استطلاعية والتصوير من الجو، حيث قاموا بتصوير القرى العربية ذات الاهمية الاستراتيجية، وكان لمثل هذه الصور اهمية كبيرة خلال محابة حكومة الانتداب وخلال حرب 1948م، وقد تم ارسال بعض الطيارين الى فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة لاكمال دراساتهم وتدريبهم هناك(228).

  وفي عام 1945 تم تجميع الطيارين الثمانية الاوائل في شعبة خاصة في (مشمار هعيمق) تحت قيادة (بنحاس بن فورات) وهو من اوائل الطيارين التابعين للهاغناه، ولكن لم تعط لهم امكانية التدرب، حيث عملوا لمدة سبعة اشهر في الكيبوتس، وهكذا شكلوا (وحدة مستقلة لا تعمل بالطيران لانه لا يوجد طائرات لاستخدامها).

   ولكنهم حافظوا بقوة على استقلال وحدتهم، وعارضوا اية محاولة لحلهم، او لضمهم الى الوحدات الاخرى، وقد حددت هذه الوحدة نشاطها(17) شخصا في نهاية الحرب العالمية الثانية في (ناعن) بقيادة (شلومو ميلر) وشارك اعضاؤها باقامة النواة الاولى لسلاح الجو الاسرائيلي(229).

دستور الهاغناه

  اشتمل هذا الدستور الذي صدر في 15 ايار 1941 على 10 بنود:

 1- تعرف المنظمة على انها القوة العسكرية للشعب اليهودي، الذي تبنى استقلاله السياسي في ارض اسرائيل.

 2- يحدد خضوعها لسيادة المنظمات العليا للحركة الصهيونية.

 3- تحدد مهمات الهاغناه: وهي الدفاع عن اليشوف اليهودي وحماية المشروع، وحقوق الشعب اليهودي السياسية على ارض اسرائيل.

 4- يحدد مبدأ وجود منظمة عسكرية واحدة ووحيدة في الكيان

 5- تعرف المنظمة علي انها كتلة قطرية واحدة، تديرها قيادة قطرية واحدة تملك السيطرة على كافة الاعضاء.

 6- يحدد العلم والنشيد الوطني، حيث يتم تحديد العلم باللونين الازرق والابيض ونشيد (هتكفا) «الأمل»، نشيدا وطنيا.

 7- ان حق العضوية في الهاغناه، هو واجب وحق لكل امرأة ورجل من اليهود.

 8- يتعلق بالعضوية: وهي الانضباط الكامل والاستعداد لكل امر رسمي.

 9- ان المنظمة غير مقيدة بالقوانين غير اليهودية وان قيامها وتسلمها مرهون بالسرية التامة(230).

 10- ان المنظمة تربي اعضاءها على الاخلاص للشعب والارض وحب الحرية، وتحمل الاعباء والمصاعب والاستعداد والتضحية(231).

قسم الهاغناه

  كان القائد يقرأ القسم، والاعضاء المرشحون يرددون من ورائه واهم ما جاء فيه:

  (اعلن الانضمام الى الهاغناه بمحض ارادتي، واقسم انني سأخلص لها طول حياتي، وان اضع نفسي تحت تصرفها مدى الحياة، وان اقوم بتنفيذ كافة اوامرها مهما تكن الظروف، وانني اقسم أن أكرس كل قوتي، والتضحية بحياتي، للدفاع عن شعبي ووطني، وعن حرية اسرائيل وانقاذ صهيون)(232).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:15 am

تسليح الهاغناه

خلال الحرب العالمية الثانية

  تم فتح باب جديد لعملية شراء الاسلحة، وذلك مع الغزو البريطاني لسوريا في صيف 1941، وقبل ذلك بعام واحد تدفق السلاح على الهاغناه عن طريق الجنود الفرنسيين (غالبيتهم من السنغال)، الذين اخذوا يهربون من جيش (فيشي) ويستسلمون للبريطانيين، وكان هؤلاء مستعدين لبيع اسلحتهم باي ثمن قبل استسلامهم ولهذا قامت الهاغناه براء الكثير من تلك الاسلحة، كما ان القيادة العليا للمنظمة، ارسلت بعض مندوبيها لجمع الاسلحة المنتشرة في ارض المعارك وشرائها، وكانت المشكلة الرئيسية التي جابهتهم هي كيفية نقل تلك الاسلحة، وقد وجدوا حلا لها، حيث قاموا بنقلها بواسطة سيارات المخابرات البريطانية في اطار التعاون بينها وبين الهاغناه، ومع تزايد تلك العملية قررت القيادة العليا بتاريخ 6 تشرين ثان سنة 1941، اقامة شعبة للتسليح تكون مهمتها: السعي للحصول على الاسلحة والذخيرة والمتفجرات، وتخزينها والاهتمام بها، وكذلك امداد المستوطنات والوحدات العسكرية التاربعة للهاغناه بالاسلحة وقامت تلك الشعبة بانشاء عدة فروع لها، لشراء الاسلحة واخرى لتخزينها ولنقلها ولتسجيلها(233).

  كما كان هناك مصدر آخر للحصول على الاسلحة من قبل منظمة الهاغناه، وذلك عن طريق شرائها. من مستودعات الجيش البريطاني فعندما انتشرت الاشاعات خلال معركة «العلمين» حول احتمال الانسحاب البريطاني من فلسطين اعلنت قيادة الهاغناه الاوامر بزيادة راء الاسلحة والتي تركزت في البداية بواسطة الجنود البريطانيين، الذين كانوا يسرقونها ويبيعونها للهاغناه، ثم اخذت الكمية تكبر شيئا فشيئا، وقد تمت الصفقات الكبرى لشراء الاسلحة حوالي عامي 41/ 1942 وذلك من المستعمرات البريطانية بالقرب من حيفا، وخاصة الصناديق التي كانت تحمل في القطارات والتي كان يحرسها اليهود انفسهم، حيث يتم استبدالها بصناديق اخرى، كما جرت عمليات لشراء الاسلحلة من مصر ومن الصحراء الغربية، فقد تبين للهاغناه ان الاسلحة الالمانية والايطالية منتشرة في الصحراء الغربية، ولذا ارسلوا بعض رجالهم لرائها، وكانت تنقل بواسطة اليهود انفسهم، حينما كانوا يؤخذون اسرى وهميين، وهم يحملون اسلحتهم وبرفقتهم الحراس، وهكذا كان يتم ايصالها الى مراكز الهاغناه في الجنوب، كما طلب هؤلاء الى هؤلاء المندوبين ان يقوموا خلال تواجدهم في مصر، بالعمل على تهجير اليهود بصورد غير شرعية(234).

شراء الاسلحة خلال الاعوام 1941- 1945م(235)

 نوع السلاح  سنة 1941   1942  1943  1944  1945

 رشاشات ثقيلة   23    25   96  3   36

 رشاشات خفيفة  87  68  52  12  5

 بنادق     977   2571   790   25   130

 بنادق رشاشة   13   69  135   48   82

 مسدسات      -    163   59    42   170

 طلقات      894894   1682724  1108700  362100  33100

الاسلحة التي تملكها الهاغناه حتى تشرين اول 1945

عندما كان يتسلم القيادة (موشي سنيه)(236)

مدافع رشاشات

ضد

      مدافع  هاون 2   هاون 3   الدبابات   متوسطة   رشاشات  بنادق   مسدسات

المستوطنات  358   115  -   14   230   4589  2300

البالماخ   101   7    7   -    7   39   472    90

الجيش الميداني  175   71  23   6   21   12   256   66

المستودعات   477  413   59   15  64   32  501  -

المجموع 1111    606    94   21   106   313   5818    2456

  كمية الأسلحة في مخازن الهاغناه سنة 1936 - 1936 (ما عدا اسلحة الخفر)

 نوع السلاح    اسمه لدى الهاغناه  سنة 1936  سنة 1939  ملاحظات

بنادق             مواسير        6219         6000

مسدسات       ادوات صغيرة   3316       ؟

رشاشات متوسطة  شحروت (سوداء)  24        24

رشاشات خفيفة  تركتوريم عدوليم (كبيرة)   157     200

                   تركتوريم كشنيم (صغيرة)  269    400

طلقات   مسيميريم (مسامير)   1120000  1900000

قنابل يدوية  حفيوت ياد (براميل يدوية)  10000    240000 (صنع محلي)

قنابل بندية حفيوت كسنيور (براميل مواسير)   4000     12000

هاون3    ستوكسيم                                 -       عدد قليل(237)

  وقد بلغ عدد افراد الهاغناه في نهاية 1936م (16836) جنديا، اما في سنة 1937م فبلغ (24947 جنديا)(238).

الفرقة اليهودية المقاتلة

  بعد مرور خمس سنوات على اندلاع الحرب العالمية الثانية، تمت الاستجابة الى مطالب الجهات الصهيونية لانشاء فرقة يهودية، وذلك بفضل المساعي التي بذلها رئيس الوزراء البريطاني حينئذاك (ونستون تشرشل)(239).

   ففي آب 1944 قررت الحكومة البريطانية انشاء فرقة يهودية موسعة، حيث قام رئيس الحكومة بابلاغ ذلك الى الوكالة اليهودية، وبتاريخ 17 آب 1944 ارسلت وزارة الحربية البريطانية، اشعارا رسميا للوكالة اليهودية حول هذا القرار، ثم عقدت سبع جلسات بين وزير الحربية البريطاني، وبعض ضباط الاركان من جهة، وبين مندوبين عن الوكالة اليهودية من جهة اخري، وقد اشترطت وزارة الحربية في البداية- وبناء على اقتراحات قادة الجيش في الشرق الاوسط- ان تتعهد الوكالة اليهودية بتجنيد (3آلاف) جندي جديد بدلا من الكتائب الثلاث، التي ستذهب الى الجبهة وكذلك تجنيد اليهود الناقصين من اجل استكمال الفرقة.

  ولكن الوكالة اليهودية نجحت في الغاء هذا الشرط واقترحت في تلك المفاوضات، تغيير اسم الفرقة الى «الفرقة اليهودية المقاتلة» بدلا من «الفرقة اليهودية الموسعة» وقد تم الاتفاق خلال تلك الجلسات ايضا على نص البيان الذي ستذيعه وزارة الحربية البريطانية حول تشكيلا هذه الفرقة وقد صدر ذلك البيان يوم 19 ايلول 1944 ونص على ما يلي:

   (قررت حكومة جلالته الاستجابة لاقتراح الوكالة اليهودية، انشاء فرقة يهودية مقاتلة موسعة للاشتراك في العلميات القتالية، وستكون هذه الفرقة من المشاة، مؤلفة من الكتائب العبرية التابعة للفرقة الفلسطينية، ويضاف اليها بعض الوحدات اليهودية الاخرى، ويحق الى جانب اليهود في فلسطين ايضا، اليهود الذين لا يحملون اية جنسية، التطوع في الفرقة، وكذلك المواطنين البريطانيين الذين يعيشون في فلسطين وبريطانيا)(240).

  وقد تم تشكيل الفرقة من الكتائب اليهودية الثلاث في الجيش البرطاني، وكذلك ضم اليها بعض الوحدات المساعدة، وعلى رأسها كتيبة مدفعية يهودية، ووحدة اتصال ووحدة ميدانية، تابعة لسلاح الهندسة، ووحدة نقل ووحدة خدمات طبية (معظمهم غير يهود) ووحدة للبريد واخرى للعتاد وللشرطة العسكرية، ووحدة متحركة لتصليح الاليات(241).

  وقد كان عدد افراد هذه الفرقة (6500) جندي وكذلك (600) في الاحتياط، وهكذا كان ينقص كادرها حوالي 2000 جندي، ولهذا جرى القيام بعملية تجنيد في فلسطين لاستكمال هذا العدد، حيث تطوع فيها، خلال الاشهر الثمانية الاخيرة من الحرب حوالي 1500 جندي، وتم تعيين الكولونيل «ليفي بنيامين» قائداً لها- وهو من مواليد كندا- ولم يسمح لهم الا بوضع شارة الفرقة الفلسطينية، ولكن سمح لهم بوضع «شارة نجمة داود صفراء» على اذرعهم واثارت مشكلة العلم العبري نقاشا طويلا، الي ان تم حلها من قبل ونستون تشرشل نفسه حينما وافق على جعل العلم العبري علما لها، وفي 3 نيسان 1945 تم رفع العلم العبري(242).

  وقد تم تنظيم هذه الكتائب الثلاث بناء على النظام القائم في جيش المشاة البريطاني، وقد اصبحت كل كتيبة تشتمل منذ الآن على اربع سرايا مزودة بالبنادق والرشاشات وعلى سرية مساعدة لها، فيها اسلحة مضادة للدبابات والهاونات، وتضم ايضا سرايا للقيادة، (للاتصال وللادارة وللاسعاف الاولي الخ..) ووضعت حوالي مائة آلية وسيارة تحت تصرف كل كتيبة (وفي 21 تشرين اول 1944 سافرت الفرقة الى ايطاليا عن طريق ميناء الاسكندرية(243) وفي اليوم الثامن من تموز 1946 تم تسريح كافة جنودها وعادوا الى فلسطين(244).

   «حين اعلم ونستون تشرشل» عن انهاء هذه القوة العسكرية، رغم التحفظ الذي ابداه الجنرال (وايفل) القائد البريطاني العام في الشرق الاوسط، ئوكان وايفل يري بعدم الاعلان عنه على المستوى الرسمي، مراعاة لشعور العرب، الا ان الاستعماري الضليع قد سفه رأي القائد البريطاني، وقال في مذكراته بالحرف الواحد:

   «لقد تحديت وايفل، وكتبت الى الدكتور وايزمن سامحا بتأليف ذلك الجيش، فلم يتحرك عربي واحد»(245).

الوحدات المقاتلة الوحدات الفلسطينية

   في آب 1940 اقترح «اللورد لويد» البدء بتجنيد وحدات مقاتلة يهودية وعربية، على اساس المساواة في العدد بين كلا الطرفين، وقد اعطيت الضمانات بان تستخدم هذه الوحدات داخل فلسطين والبلدان المجاورة فقط وقد سميت هذه الوحدات «بالوحدات الفلسطينية» وقد اقيمت كسرايا ضمن احدى الكتائب الانجليزية.

   وقد خصصت تلك السرايا للقيام باعمال الحراسة على المنشآت ومعسكرات الاعتقال والمطارات كما ان العتاد والاسلحة التي زودت بها كانت من الدرجة الثانية، وكذلك كانت تدريباتها بسيطة، وانها لم تضم للكتائب المقاتلة، وبقيت دون أي عمل له شأن(246). وتم رفض اعطاةء هذه الكتائب اليهودية شعارا يهوديا، كما منعوا من رفع العلم العبري، ولم تعط لهم الاسلحة المطلوبة(147).

منظمة الأتسل

  بعد ان أنشقت منظمة الهاغناه (ب) عن صفوف الهاغناه برئاسة (ابراهام تهومي) سنة 1931م، وخلال فترة الأحداث قبيل 1936، حدثت اعمال انتقامية ضد السكان العرب، قسم منها بموافقة الهاغناه «ب» وقسم منها بغير موافقتها، وقد دار نقاش داخل صفوف المنظمة حول هذا الموضوع، وذلك بين مؤيد ومعارض، مما أدى الى تدهور الامور في المنظمة ب، الى أن أصبح واضحا لتهومي وجماعته، أنه لا يوجد أي مخرج لذلك الاتحاد مع الهاغناه (الأم)(248).

   واخيرا تم الاتفاق على تشكيل ادارة مشتركة جديدة للهاغناه الموحدة، بحيث تتألف من مركز موحد مؤلف من )16) عضوا وقيادة مؤلفة من ستة أشخاص، وعندما وصل الأمر الى مرحلة التنفيذ، رد المعارضون من المنظمة «ب» على ذلك باستياء بالغ، وعلى رأسهم (موشي روزنبرغ) ودافيد رازيئيل وحانوخ قلعي وابراهيم (ابراهام اشتيرن)، وانفصلوا عن المنظمة «ب» وذلك بتاريخ 13 نيسان 1937، حيث أخذوا معهم بعض مخازن الاسلحة التابعة للمنظمة وكان عدد افراد  المنظمة المنشقة حوالي (1500) شخص من بين (300) كانوا في المنظمة ب(249).

  وجرى بتاريخ 27 نيسان 1937 عقد اجتماع موحد للقيادة الجديدة، وقد كان عدد قوات الهاغناه يوم الاتحاد حوالي (21) الف عضو منهم (4آلاف) من النساء منتشرين في (270) منستعمرة ويملكون 230 رشاشا و4500 بندقية و10آلاف مسدس(250).

  اما المنشقون عن المنطمة ب- واكثرهم مقربون من الحركة الاصلاحية، أو كانوا تحت تأثير بعض القادة الاصلاحيين ونفوذهم- فقد قرروا تشكيل منظمة جديدة، أطلق عليها جابوتنسكي اسنم (اتسل) اختصارا ل(آرغون تسفئي لئومي)- المنظمة العسكرية القية- وقد ترأس هذه المنظمة موشي روزنبرغ (بعد استقالة اول قائد للاتسل وهو (روبرت بيتكر)، ولما استلم دافيد رازيئيل رئاسة المنظمة، حدثت أعمال قتل كثيرة، قامت بها المجموعات التابعة لهذه المنظمة، وخاصة القاء المتفجرات والقنابل في كل من حيفا والقدس ويافا وبتاح تكفا وغيرها، وقد اعترفت المصادر الصهيونية نفسها بهذه العمليات فأشارت الى أنه تم قتل 017) عربيا وجرح المئات في تلك الفترة(251).

   وفي بداية عام 1944، تسلم مناحيم بيجن قيادة الأتسل من يعقوب مريدور، وبعد ذلك باسبوع وجهت القيادة بيانا الى الشعب العبري، أعلنت فيه الثورة على البريطانيين(252).

  وبعد ذلك قامت المنظمة بسلسلة طويلة من العمليات التخريبية ضد المراكز والمنشآت البريطانية، بمهاجمة مراكز المخابرات في القدس ويافا وحيفا، كما احتلفوا في 17 ايار 1944م محطة الاذاعة في رام (253) وفي 8 آب 1944 جرت محاولة لاغتيال المندوب السامي (ماك مايكل) وهو في طريقه من القدس الى يافا، كما قتلوا اللورد «موين» في القاهرة في 6 تموز 1944 (254).

  لهذا عقدت الوكالة مناقشات طويلة وصعبة، حول موضوع معاقبة الأتسل على أعمالها التخريبية، وطالبت بمحاربتها بكل الوسائل، وقد نجحت وحدات التعقب والتجسس خلال عملها، على اكتشاف قائمة المتبرعين الرئيسية للاتسل وسلموها للشرطة، وكانت تضم (640) شخصا في تل ابيب وحدها، حيث تم اعتقال المئات من أعضائها وكان من بين المعتقلين أربعة من قادد الاتسل واولهم الياهو لانكين عضو القيادة، وشلومو ليفي رئيس الاركان، ويعقوب مريدور نائب القائد ويعقوب تافين رئيس مصلحة المعلومات التابعة للاتسل، ولم يبق طليقا من قيادة هذه المنظمة سوي مناحيم بيجن واليعيرز ليفنه (255)، وحوالي 400 مقاتل، في حين كان أكثر من ألف شخص داخل السجون، وفي 2 آذار 1954 تم تصفيتها(256).

  ومن اعمال هذه المنظمة «ان سافر ديفيد رازيئيل الى العراق سنة 1914م مع بعض اتباعه للقيام بأعمال تخريبية لصالحهم، وذلك بعد نشوب ثورة رشيد عالي الكيلاني هناك وكان من أهمها نسف خزانات النفط المكرر في مشارف بغداد (في مطار الحبانية)، التي كانت تزود الطائرات الالمانية بالوقود، والعمل ضد الحاج أمين الحسيني الذي كان موجودا آنذاك في العراق وذلك بخطفه أو اذا تعذر ذلك قتله(257).

  ولكنه قتل هناك في 20 آيار 1941 حيث عين بعده «يعقوب مريدور» قائدا للاتسل(258).

     وفي بداية 1942 اقتحمت مجموعة من منظمة الاتسل، مستودعات تابعة للجش البريطاني بين الرملة ورحبوت، وقامت بسرقة (41) صندوقا كانت تحتوي 42 الف طلقة(259).

    كما نفذت عملية اخرى سنة 1943 ضد مخازن الذخيرة في منطقة اللطرون بالقرب من طريق القدس- تل ابيب، حيث سرقوا 15 صفيحة تحتوي على مواد منفجرة، قدر وزنها بحوالي طنين، وجرت عملية ثالثة في ربيع 1943 ضد مخازن الأسلحة بالقرب من واد الصرار في حيفا، حيث سرقوا الالغام والقذائف التي ساعدت كثيرا في عام 1945، المنظمة في عملياتها ضد العرب والانجليز على السواء(260).

اسباب قيام منظمة الاتسل

  قام قادة المنظمة في شهر آب 1939م بشرح أسباب قيام هذه المنظمة كما يلي:

 1- ان غزو بلد واستقلال .مة مظلومة لا يتوج أبدا بالنجاح، الا حين تدعمه قود عسكرية.

 2- ان حوادث عام 921و 1927و 1929، أثبتت بالتأكيد نية العرب في استعمال العنف المسلح لمقاومة انشاء دولة يهودية، وكان موقف اليهود السلبي أمام هذا العنف تشجيعا للارهابيين العرب.

 3- لا يمكن لنا أن نعتمد على قوة الانتداب لقهر العنف العربي، فان الادارة البريطانية هي ضد الصهيونية وضد الصهيونية تماما، وقد شجعت هذه الادارة العنف العربي لتبرر نسخ تصريح بلفور والانتداب، وقد بلغت هذه السياسة ذروتها في كتاب «مكدونالد» الابيض في أيار عام 1939.

 4- ستكون فلسطين في حالة الحرب نقطة استراتيجية ذات أهمية بالغة للديمقراطية الغربية، وفي أثناء الحرب سيكون حق اليهود التاريخي والقانوني والعاطفي في فلسطين، أقل احتراما من جانب بريطانيا، وأنه بالاحتفاظ بقوة مسلحة للدفاع عن فلسطين، سيكون في مقدورنا أن نحتل مركزا، يجعل بريطانيا تقبل بايجاد دولة يهودية(261).

منظمة ليحي أوشتيرن

المحاربون من أجل حرية اسرائيل

  اما المعارضون للمواقف التي اتخذتها اتسل، وللسياسة التي اتبعتها الجماعة اليمنية وجابوتنسكي خاصة، فقد أعلنوا انشقاقهم عن المنظمة في حزيران 1940، وأسسو منظمة خاصة بهم سميت (ليحي). وتعرف أيضا باسم جماعة 0شتيرن) على اسم قائدها (ابرهام شتيرن) (يائير- الاسم الحركي) ومع تأسيسها، أعلنت ليحي عن مبادئها التي تتلخص في أن اليهود هم شعب مختار، ووطنهم هو أرض اسرائيل بحدودها المنصوص عليها في التوراة (من نهر مصر حتى النهر الكبير نهر الفرات) وحقوقهم في ذلك الوطن مطلقة، اذ ا أنها لم تنته ولا يمكن أن تنتهي الى الأبد) أما أهداف المنظمة فهي «تجديد السياسة اليهودية على الوطن المحرر، واقامة دولة اسرائيل الثالثة، وجمع شتات اليهود بأسرهم فيها، وذلك بعد أن يتم حل مشكلة (السكان) الأجانب بواسطة تبادل السكان(262).

  وقد اتبعت ليحي منذ تأسيسها سياسة ارهابية معلنة، تجاه البريطانيين في فلسطين، وقتل جنودهم باطلاق النار عليهم في الشارع، ونسف مكاتبهم ومنشآتهم، وكذلك التعرض الى البنوك لسرقتها من أجل تمويل نفقاتها، وكان الدكتور (يسرائيل داد واسحق شامير) من الزعماء البارزين فيها، بعد أن كان شامير عضوا في المنظمة العسكرية القومية (اتسل). وفي اعقاب الانشقاق الذي وقع داخل المنظمة العسكرية عام 40/1941م، انضم الي ليحي وكان اسمه اسمتعار 0ميخائيل)، وكان شريكا في تصفية (الياهو جلعادي) رجل ليحي، الذي وصل به التطرف الى التفكير في تصفية زعماء الاستيطان، وفي أعقاب قتل القائد (يائير ابراهام شتيرن) نظم اسحق شامير من جديد اللجنة المركزية لمنظمة ليحي، مع الدكتور (يسرائيل الدر) و(نتان بلين مور)، كما اشترك شامير مع نتان في اغتيال الوسيط الدولي السويدي (الكونت فولك برنادوت).

   ولم يستطع البريطانيون السكوت طويلا على هذا النشاط، فقاموا بحملة اعتقالات ضمت معظم نشيطيها «ففي يوم 2 كانون اول 1941 اعتقلت الشرطة عددا من قادة المنظمة واعضائها، وواصلت الشرطة مطاردتها، الى أن تمكنت يوم 12 شباط 1942 من قتل قائد المنظمة ابراهام شتيرن في احدى الشقق في مدينة تل ابيب(263).

كتائب البالماخ(264)

  قررت القيادة القطرية للهاغناه بتاريخ 15 ايار 1914 تشكيل 9 سرايا ضاربة لأسباب منها:-

  1- الحاجة الى الانتقال من الاساليب الدفاعية السلبية الى الاساليب الهجومية الايجابية.

  2- الحاجة الى تشكيل وحدات مجندة تجنيدا كاملا تقف دائما تحت امرة المنظمة.

  3- ان تجربة محاربة الكتاب الابيض 1936- 1940، أثبتت أنه لا يجوز القيام بنظام سياسي دون ان تكون وراءه قوة عسكرية معبأة.

   وبعد أن اتخذ القرار حول اقامتها بدأ (اسحق ساديه) الذي عين مسؤولا عن تدريبها، وكذلك مساعدوه بوضع الخطط لتشكيل سرايا وتحديد قادتها ومدربيها، وكذلك تحديد الأماكن التي يأتي منها رجالها، وقد كلف من (موشي دايان ويغئال آلون) تشكيل السرية الاولى والثانية، وكان التجنيد يعتمد كليا على التطوع والخضوع التام لقيادة الهاغناة، وكذلك القيام بأي عمل داخل البلاد وخارجها، سواء كان مع الجيش البريطاني أو ضده(265).

  وبعد مرور خمسة أشهر، تقرر الاكتفاء بتشكيل «ست» سرايا فقط، لأنه من العب ملء ملاك السرايا التسع (120 شخصا لكل سرية)، وكان يغئال ألون على رأس السرية الاولى، حيث كانت تتمركز في الغابة القريبة من كيبوتس (غينوسار) بالقرب من شاطىء بحيرة طبريا، وتم تعيين موشي دايان قائدا للسرية الثانية، التي تمركزت في الجليل الغربي (حيفا ومرج بن عامر الغربي)، وكان مقرها بالقرب من كيبوتس (بيت آرون) على الكرمل الغربي.

   وقد قام موشي دايان ومجموعته باحتلال جسر اسكندرونة الواقع على بعد عشرة كيلو مترات شمال رأس الناقورة، وهناك اشتبكوا مع قوة فرنسية، واصيب دايان خلالها وفقد عينه(266).

    اما السرية الثالثة فقد تمركزت في منطقة الشومرون (السامرة)، وعميق حيفر والشارون، وكان مجال عملها يمتد من عتليت في الشمال، حتى جفعات هشلوشا في الجنوب، ويقودها (أوري ليفي)

   أما السرية الرابعة فقد طلب من بنيامين غولدشتاين (مسؤول الهاغناه في تل ابيب) اقامة السرية في المدينة وضواحيها.

    اما السرية الخامسة فقد جاءت من المناطق الجنوبية وكانت تتمركز في المناطق المتتدة من (ريشون ليتسيون) وحتى (رفيفيم) وكان يقودها (ابراهام نيغف).

   اما السرية السادسة فقد كان يقودها (يسرائيل لفرطوفسكي) وقد شملت منطقة القدس وذلك بين مستعمرة (هاعرطوف) حتى العربة وسدوم(267).

انظمة البالماخ

  بعد مرور شهر علي تأسيس البالماخ وذلك في حزيران 1914، نشر رئيس القيادة القطرية لمنظمة الهاغناة، أنظمة البالماخ وقد جاء فيها:-

 1- يشكل البالماخ لواء قطريا، ولا يخضع لملاك القوات الميهأة للدفاع عن المستوطنات، والمناطق، وكذلك تستخدم قوات البالماخ احتياطا قطريا، وتخضع للقيادد العليا ولأوامرها المباشرة.

 2- للبالماخ عدة مهمات أولها: مهمات قتالية خارج نطاق اليشوف العبري بناء على مخططات الهاغناه، وكذلك بناء على أوامر القيادة العليا.

 3- مهمات تعزيز قتالية يتم ارسالها من قبل القيادة العليا الى المناطق المختلفة في وقت الحاجد.

 4- مهمات خاصة تلقيها على هذا الجيش القيادة العليا، مثل الاستيطان والهجرة وغيهرا.

 5- مهيمات ميدانية: في حال اندلاع حرب داخل البلاد، الى حين يتم تجنيد سرايا القوات المدانية وتجهيزها(268).

 6- ان قوات البالماخ معدة للعمل في حالتين رئيسيتين: عمليات ضد العدو سواء كان نظاميا او غير نظامي، وفي مثل هذه الحالة عليها الدخول الفوري الى المعركة، واحتلال مناطق دفاعية، وذلك من أجل اعطاء الفرصة الكافية للقوات المختصة للعمل، أو القيام بعمليات هجومية، كالغارة على القرى والغابات ومعسكرات العدو، أو مخازن الاسلحة والذخيرة، وكذلك قيادات العدو ومن أجل أن تقوم هذه القوات بواجبها خير قيام، فانه يلزمها وسائل النقل المصفحة، وكذلك قوة نيران كثيفة، والتدرب على العمليات ضد الدبابات والمصفحات، واستخدام وسائل الاتصال الحديثة(269).

   وقد بدأ العمل بتشكيل قيادة البالماخ في منتصف عام 1942، يوم أن عين «اسحق ساديه» قائدا للبالماخ، وكانت القيادة في ذلك الحين تتألف من ستة أشخاص وهم: القائد ونائبة وضابط التدريب ومسئول المستودعات وسكرتيرة وسائق، وقد شغلوا غرفة صغيرة في حيفا، ثم انتقلوا الى (ألونيم ومزارع) وأخذت القيادة تتطور شيئا فشيئا، حيث كان يضاف اليها بين الفترة والاخرى فروع جديدة الى أن اكتمل بناء القيادة عام 1947(270)

   وفي 21 حزيران 1943 أعلنت القيادة العليا، أن عدد أعضاء البالماخ وصل الى (1100) مقاتل ومقاتلة(271).

   وفي شتاء 1944، ثم اقامة سرية القيادة (السرية السابعة) بقيادة (شمعون أفيدان)، وقد تم في هذه السرية تجميع الشعب الخاصة، التي لم تكن مرتبطة ببقية السرايا، واحتلت وحدة الجوالين المكانة الرئيسية ضمن هذه السرية، وكان مهمتهم الاشتراك مع شعب مصلحة المعلومات التابعة للهاغناه، في اعداد ملفات للقرى العربية، حيث ألقى على عاتق رجال البالماخ، مهمة اعداد الملفات للقرى العربية البعيدة جدا عن أية نقطة استيطان بهودية(272).

  اما السرية الثامنة فقد كان الدافع الى اقامتها، الوضع القائم في مدينة القدس، وقد عملت القيادة على رفع معنويات السرايا عن طريق القيام بمسيرات جماعية، وبخاصة في منطقة البحر الميت وصحراء يهودا، وكذلك التدرب على القاء القنابل، كما رتبت القيادة عمليات مشتركة، تقوم بها قوات البالماخ، مثل عقد دورات للمدربين وللقادة، وكذلك عقد دورات أولية للبحرية والطيران، والتدريب على الأعمال التخريبية والاسعافات الاولية، ودورات اعلامية وثقافية(273).

  ومن الأعمال التي قام بها رجال البالماخ أنه «في يوم 10 تشرين أول عام 1945 نفذت الكتيبة الاولى التابعة للبالماخ (250 مقاتلا) محاولة لاطلاق سراح المهاجرين غير الشرعيين المحتجزين في معسكر اعتقال عتليت، وتم اطلاق سراح 208 مهاجرين(274)

  وفي 2 تشرين ثان 1945 قاموا بعمليات هجومية على السكك الحديدية في طول البلاد وعرضها، وقاموا بعمليات تخريبية في حوالي 200 مكان تقريبا(275).

  وفي نفس الليلة تم تنفيذ عملية ضد ثلاثة زوارق تابعة لخفر الوساحد، كما جرى نسف اخرى في ميناء حيفا، وفي 25 تشرين ثان 1945 هاجمت وحدتان من البالماخ مركزي الشرطة في (جعفات أولغا) وسينا علي، وقامت بنسفهما بالمواد المتفجرة، كما تم تدمير محطة الراد التي أقيمت على جبل الكرامل(276)، وفي 17 حزيران 1946 أغارت وحدات البالماخ على احد عشر جسرا تربط فلسطين مع البلدان المجاورة، وقد تم نسف عشرة منها بصورة كاملة وبقي واحد منها على حاله(277).

  وفي 28 آذار 1934 صادر البريطانيون أسلحة تابعة للهاغناه، فقامت مجموعة من البالماخ بهجوم على المستودع، واستولوا عليها ثانية، وكان عددها (277) بندقية و(22) رشاشا، وفي ليلة 29 كانون اول 1947 هاجمت كتيبة القيادة معسكرات الجيش البريطاني في (تل ليتفنسكي) وسرقت منه (75) بندقية و(7) رشاشات ستن، ومسدسات ومواد متفجرة(278).

خطة كتائب البالماخ

  وضعت البالماخ خطة عمل لها لمواجهة خطر الحركة الوطنية العربية اشتملت على بنود ثلاثة:-

 1- معرفة ودراسة المناطق دراسة أساسية، القريبة منها والبعيدة، بما في ذلك المدن والقرى ومصادر المياه وطرق المواصلات، وقد أعد المتجولون (الجوالة) التابعون للبالماخ عشرات الملفات الأمنية لتلك القرى، التي تمتعت بأهمية استراتيجية، على أن هذه الملفات اشتملت على العائلات والشخصيات والمنشآت العامة، وقد كان لهذه المعلومات أثر كبير خلال حرب 1948.

 2- عمليات انتقامية ضد العرب ويدعي المسؤولون عن البالماخ، أن الشرطة لم تعمل على منع الهجمات العربية، الأمر الذي اضطرها الي القيام بعمليات انتقامية ضد المتهمين.

 3- استلام مسؤولية منطقتين مواجهتين للعرب الاولى في النقب، خلال مد انبوب المياه هناك والثانية في الجليل الشرقي لمواجهة الجيش السوري(279).

 تشكيل كتائب البالماخ

    توصلت قيادة البالماخ في خلال صيف 1944 الى استنتاج أنه يجب مواجهة التقدم التكنيكي والاداري للمبالماخ، عن طريق اقامة اطار عملياتي- اداري جديد، يكون أكبر من السرية. بحيث يكون هذا الاطار وسطا بين الفرقة والسرية (أي الكتيبة)، وبناء على ذلك فقد اشتملت كل كتيبة على ثلاث سرايا(280).

  وقد تم تحديد الملاك الكامل ب 0750) شخصا توزعوا كالتالي:

  75 شخصاً في قيادة الكتيبة وثلاث سرايا في كل واحدة منها (325) جندياً وكان هيكل الكتائب كالتالي:

 1- الكتيبة الأولى: مؤلفة من السرايا 1،4،6 بقيادة ناحوم سريغ والتي كانت قواعدها في مرج بن عامر وسهل عكا (زبولون).

 2- الكتيبة الثانية:  مؤلفة من السرايا 2،5،8 بقيادة أوري بيرنر، وكانت تعسكر في السهل الساحلي وضواحي القدس.

 3- الكتبية الثالثة: مؤلفة من السرايا: 3،9،11 بقيادة أوري يافي وكانت تعسكر في غور الاردن والجليل الشرقي.

 4- الكتيبة الرابعة:  مؤلفة من السرايا: 7،10 (وهي كتيبة الأركان وكانت بقيادة يعقوب سلمون(281)).

  وقبل أن تبدأ حرب 1948 القيت على البالماخ مهمات دفاعية ثابتة، في أصعب المناطق في فلسطين فقد تم وضع الكتيبة الاولى (السهل) لحماية الجليل الغربي، وبقي نصفها الاخر في الاحتياط، اما كتيبة الجليل فقد أخذت على عاتقها مسوولية حماية الجليل الشرقي، اما كتيبة النقب فقد تسلمت مسؤولية النقب الشمالي، وبالنسبة الى السرية الثامنة التابعة لهذه الكتيبة فقد سحبت منها، لتكون نواة كتيبة القدس التي كانت مهمتها حماية (غوش عتيسون منطقة الخليل)، وكذلك باب الواد ومدينة القدس، ومرافقة القوافل الى القدس والى عربة وسدوم، اما كتيبة القيادة فقد بقيت في الاحتياط، وكتيبة القدس التي اصبحت مع بداية الحرب فقد عملت في المنطقة ما بين تل أبيب وباب الواد(282).

  هذا وقد استنفرت قيادة البالماخ مع بداية الحرب كافة احتياطييها، وقد أدى هذا الى تمكين القيادة من اقامة الكتيبتين (باب الواد والقدس)، وفي تلك الفترة بدأت قوات البالماخ بالتخلي عن سياسة الدفاع السلبي، وانتقلت الى الهجوم، حيث قامت بغارات على القرى العربية في الجليل الغربي والجليل الأسفل، وكذلك ضد التجمعات العربية في حيفا، فقد قامت قوات البالماخ بتاريخ 31 كانون اول 1947، بمهاجمة القرية العربية (قرية الشيخ) القريبة من حيفا، كما شاركت قوات البالماخ في الشمال بالتصدي لجيش اليرموك، وخاصة تلك المعركة التي نشبت في مشمار هعيمق بين 4- 17 نيسان 1948 (283).

   وأما كتيبة الجليل فقد علمت في الجليل الاعلى والشرقي فقد قامت بنسف الجسور التي تربط الدول العربية مع فلسطين، لكي تحول دون عبور القوات العربية عليها، وكذلك قامت بالهجوم على قرية (سعسع) حيث نسفوا عشرات البيوت وقتلوا عشرات الاشخاص(284).

   اما بالنسبة الى كتيبة القيادة، فقد قررت القيادة تسليمها ميناء حيفا، بعد العملية التي تعرضت لها المصافي في تلك الفترة وقامت تلك الكتيبة في ليلة 10 كانون اول 1947 بالتسلل الى قلب مدينة الرملة وقامت بنسف مرآب (كاراج) ومحطة للوقود، ونسف معظم سيارات الباص الموجودة هناك.

   وفي ليلة 29 كانون اول 1947 هاجمت معسكر الجيش البريطاني في «تل ليتفنسكي» كما ذكرت(285)

     وتجدر الاشارة هنا الى أنه ابتداء من آذار 1948 تم تشكيل نظام اخر لقوات البالماخ، فبعد ان كانت الكتيبة هي الاطار الكبير لقوات البالماخ، أصبح اللواء هو الاطار وذلك بسبب زيادد عدد رجال البالماخ من جهة، وكذلك بسبب المهمات الصعبة والمناطق الواسعة التي القيت علي عاتقها مسؤولية القيام بحمايتها. ففي ذلك التاريخ تم انشاء:

 1- لواء النقب ويتكون منكتيبتين من رجال البالماخ.

 2- لواء يفتاح- الجليل الاعلي

 3- لواء هريئيل- في منطقة القدس.

   وقد اشتركت تلك الألوية في المعارك التي نشبت في النقب وحود القدس وفي الجليل(286)

عملية نخشون

   تعتبر هذه العملية من أكبر العمليات التي خاضها البالماخ، والتي بدأت يوم 4 نيسان 1948 وكان هدف تلك العملية، السيطرة المؤقتة على طريق القدس، بواسطة سلسلة من الغارات، واحتلال بعض الوقاعد على امتداد الطريق، وذلك لتتمكن من الاتصال بالقدس.

  وقد اشتركت قوات كبيرة من البالماخ في هذه العملية، من ضمن كتيبة القيادة، واحتلت يوم 3 نيسان 1948 القسطل ومجموعة من القرى العربية في المنطقة، ولكن العرب استطاعوا استعادتها مرة اخرى، غير أن اليهود استولوا عليها يوم 9 نيسان

   1948 واستشهد في تلك ال معركة (القائد العربي المعروف عبد القادر الحسيني)، الذي اعترفت المصادر الصهيونية بشجاعته وكفاءته، وقد اعتقد اليهود أن الطريق أصبحت مفتوحة أمامهم الى القدس، فأعدوا قافلة كبيرة يوم 20 نيسان 1948 وكان منضمنها رئيس ادارة الوكالة اليهودية، الا أن القافلة هوجمت في باب الواد وقد خسرت كثيرا سواء في الارواح أو الآليات(287).

   وفي تلك الفترة لم تبق الا اسابيع معدودة للخامس عشر من أيار، ولهذا سعت الوكالة اليهودية الى التمركز في المناطق الاستراتيجية، لتكون منضمن دولتها، فأمرت البالماخ بالتوجه الى النقب وخاصة نحو الطريق الساحلي الموصل الى هناك، كما اشتركت قوات البالماخ (كتيبة باب الواد) في ليلة 25/26 نيسان 1948، باحتلال الشيخ جراح في القدس، ولكن القوات العربية هاجتها، وحررتها مرد أخرى(288).

   وقامت وحدات من كتيبة باب الواد باحتلال القري الواقعة شمال القدس (بيت اكسا وسعفاط، حيث قامت بنسف معظم البيوت هناك ثم عادت الى قواعدها، كما قامت قوات من كتيبتي الجليل والسهل باحتلال مدينة طبريا في 12 ايار 1948، والمالكية على الحدود اللبنانية، في 11 حزيران 1948 قام لواء النقب باحتلال بئر عسلوج، وفي ليلة 14/15 ايار 1948 قامت كتيبة الجليل بنسف جسر الليطاني شمال غرب مرج عيون وفي 17 ايار 1948 احتلت نفس الكتيبة النبي يوشع المطلة على طريق المنارة في المشال(289).

  وفي 25 أيار 1948 اعلن وزير الدفاع أمره اليومي (اقامة الجيش الاسرائيلي) وقد أقيمت في معسكرات البالماخ يوم 27 حزيران 1948 حفلات لحلف يمين الولاء للجيش الاسرائيلي وكان عدد افراد البالماخ في ذلك اليوم كالتالي(290):

              رجال   نساء

 القيادة  206  46

لواء يفتاح  2085   603

لواء النقب 1739  379

وحدة المستعربين 47  -

الهجرة غير الشرعية 51  -

سلك الضباط 39  -

افراد 471  -

   في حين كان عدد أفراد البالماخ عشية الحرب حوالي 2100 جندي في الخدمة الفعلية، وحوالي 1000 في الاحتياط وكان ثلثهم من البنات، وأما أسلحتهم في تلك الفترة فكانت كالتالي:

  بنادق  7000 هاون3  10

رشاشات 52   هاون2  30

ستن 450   طلقات  200000

مسدسات 80  قنابل  10000(291)

  حل البالماخ:

    منذ أن تسلم دافيد بن غوريون مسؤولية الأمن في الوكالة اليهودية عام 1947، بالاضافة الى وظيفته رئيسا لادارة الوكالة اليهودية، وحتى قبل أن يطلع على نمط عمل كتائب البالماخ، لم يكن معجبا بها، وأساس موقف بن غوريون هذا، يكمن في وقوع تلك الكتائب الى حد كبير تحت تأثير (الكيبوتس الموحد)، التي كانت قد انشقت عن الماباي حزب بن غوريون سنة 1944م واتخذت في مطلع 1948 منع حركة هاشومير هاتسعير، وأقامت حزب العمال الموحد (مبام)، الذي انتهج بدوره سياسة يسارية متشدد، ولهذا أعلن بعد نحو اسبوعين من اقامة اسرائيل على تأسيس جيش الدفاع الاسرائيلي، وجند كل المنظمات وأعضائها بما فيها البالماخ، ثم أمر بتنفيذ التجنيد الالزامي للسكان اليهود بأسرهم، وعندما تم ذلك أوعز الى تلك المنظمات بحل نفسها، معلنا انه لن يسمح بوجود جيوش خاصة في الدول اليهودية المستقلة، ولما تلكأت بعض المنظمات في تنفيذ ما طلب منها، حلت بواسطة أجهزة الدولة ودمجت الكتائب المختلفة بعضها ببعض(292).

   ويقول قائد البالماخ «يغئال آلون»: انه عندما اتضح أن ابن غوريون قد قرر نهائيا حل البالماخ، اقترحوا عليه أن يتمهل بضعة أشهر حتى تنتهي المعارك (خاصة معارك النقب)، لكن بن غوريون رفض هذا الطلب، ثم اقترح آلون على أساس أن تكون مرتبطة بالأركان العامة، كذلك اقترحوا أن تصبح أركان البالماخ قيادة لسلاح الدروع الاسرائيلي، الذي كان في دور التأسيس، واقترحوا أيضا أن تشكل قيادة البالماخ أساس القيادة في الجبهة الجنوبية، ولكن بن غوريون رفض ذلك كله، وتم تنفيذ حل البالماخ في 7 تشرين ثان 1948(293).

   وبعد.... ان اليهود كانوا يملكون أكثر من 60 الف جندي مدرب أحسن تدريب، عندما اعلنت بريطانيا انسحابها من فلسطين، بعد أن أدت مهمتها وواجبها على أكمل وجه تجاه اليهود، بعد أن تأكد لها وجود قوة يهودية كافية لاحتلال فلسطين... بعدد كان يفوق بكثير عدد الجيوش العربية التي اشتركت في تلك الحرب مجتمعة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:16 am

قوة جيش الجهاد المقدس

 1) التسليح:-

    ما كادت الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها، حتي هب عرب فلسطين يبعثون الحركة الوطنية من جديد، ولكن موقف الانجليز لم يتغير، فما زالت الحكومة البريطانية تقف منهم موقف الحذر والكراهية، وتواصل اضطهادها لهم بالرغم من قيام اليهود بأعنمالهم الاجرامية الارهابية المعروفة، ضد السلطة البريطانية، وضد العرب أنفسهم، ولم يكن من نتيجة تلك الأعمال سوى زيادة عطف الانجليز علي اليهود، وتدليلهم، والامعان في الحد من نشاط العرب السياسي، وفي مقاومة الحركة الوطنية، وفي حزيران 1946م تألفت اليهئة العربية العليا، في دورة مجلس الجامعة العربية في بلودان بسوريا، حيث هبط سماحة المفتي أرض مصر وخرج بعض كبار المجاهدين من سجون العراق ومعتقلات الانجليز، فعاد بعضهم الى فلسطين، وحل البعض الآخر في مصر، وبعودة زعماء البلاد الى مصر نشطت الحركة الوطنية، وكان أول ما فكر فيه الزعماء وعملوا على تحقيقه، هو تسليح الشعب واعداده، واعتراضتهم في هذه المهمة الصعبة عدة أمور منها: قلة الاموال التي كانت تحت تصرفهم، وصعوبة الحصول على سلاح جيد، وموقف السلطة البريطانية من العرب في فلسطين، ونفوذ اليهود في الدول الاوروبية، التي كان من الممكن شراء الأسلحة منها.

  وما أن صدر تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة، وتضمن توصية تقسيم فلسطين، حتى تبين للعرب أن القتال أصبح لا مندوحة منه، حيث أثارتهم الغطرسة اليهودية، والاستعداد اليهودي المستمر، فاندفع الشعب الفلسطيني بأكمله من هيئات ولجان قومية ومحلية ومنظمات وأفراد، للتسلح والتبرع بالأموال للحركة الوطنية، وباع الكثير منهم حلي نسائهم ومواشيهم ومنتجات مزارعهم، ورهنوا أملاكهم ليتمكنوا من ابتياع السلاح، وقد بلغ الحماس أشده... حتى وصل الأمر الى أن يزوج أحدهم ابنته ويشتري بمهرها بندقية.

  وقال مراسلو الصحف الاجنبية الذين أوفدتهم صحفهم لمراقبة التطورات في فلسطين، والاقطار العربية، أنه لم يبق قطر في الشرق الادني الا ووطأته أقدام الفلسطينيين تفتيشا عن السلاح يبتاعونه، ووصفوا حماس العرب للتسلح بالحماس الجنوبي، وكان الفلسطيني يدفع اكثر من (100) جنيه ثمنا للبندقية القديمة وثلاثة قروش للطلقة الواحدة، وأن بعض الشبان اشتروا المدفع الرشاش من طاز برن بأكثر من (200) جنيه، كما عمدوا الى بقايا الاسلحة التركية ينظفونها ويصلحون قطعها الخشبية المتآكلة، كما عمدوا الى سرقة الاسلحة من الجنود الانجليز، أو تخليصها منهم بعد قتلهم.

  وهكذا تجمع لعرب فلسطين بجهود الهيئة العربية العليا واللجان القومية والمحلية والمساعي الفردية، كمية م الاسلحة الخفية، التي اعتمدوا عليها في حربهم مع اليهود.

  كانت المدة الواقعة بين تأليف الهيئة العربية العليا، وعودة سماحة المفتي من أوربا وتأليف الجهاد المقدس، وبين صدور قرار التقسيم، كانت أل من سنتين، بينما مضت على اليهود مدة أكثر من ثلاثين عاماً، وهم يتسلحون ويتدربون ويستعدون تحت نظر ومسمع الانجليز وبمعاونة ومساعدة بعض شعوب اوربا وامريكا وحكوماتهم وقد تم ما تقدم ذكره من التسليح والاعداد بفضل جهود الفلسطينيين انفسهم، واعتمادا على مواردهم الخاصة، لأنهم كانوا يعرفون الفرق بين تسلحهم وتسلح اليهود، ويقدرون التنظيم الشاسع بين تنظيمهم وتنظيم خصومهم، ولكنهم عندما قرروا الكفاح والجهاد، اخذوا بعين الاعتبار استعداد الدول العربية وشعوبها لمساعدتهم، واعتمدوا على مقررات جامعة الدول العربية بشأن مساعدة الفلسطينيين وتنشيطهم ومؤازرتهم في جهادهم، ومن المؤسف حقا ان المجاهدين وجدوا أبواب الجامعة والدول العربية موصدة في وجوههم، فرغم وفرة السلاح والمال، فان المسؤولين قد ضنوا بها على المجاهدين، بينما كانت كميات السلاح والعتاد الكثيرة ومبالغ الأموال الوفيرة، تبذل جزافا وتنفق على سعة لغير الفلسطينيين من الذين سلحتهم الجامعة واللجنة العسكرية، وارسلتهم الى فلسطين بقصد انقاذها.

   كانت المصادر المختلفة التي اعتمد الجيش المقدس عليها لتأمين السلاح سواء بالشراء او التبرع متعددة، مما أدى الى عدم توحيد السلاح والعتاد، الامر الذي أضعف القوة الضاربة وولد المشاكل والصعوبات الادارية للتموين والذخيرة وقطع الغيار، الى جانب ضعف الجهاز الفني المختص بالتخزين والتوزيع والصيانة والتصليح.

   وفيما يلي قائمة بالالحة والعتاد التي توافرت لدى القوات وهي متعددة النماذج والعيارات المختلفة الصنع، فبعضها انجليزي قديم والآخر فرنسي صنع قبل الحرب العالمية الاولى، زد على ذلك بعض الذبنادق الالمانية والبلجيكية(294).

  1) الاسلحة الخفيفة:-

    5396 بندقية مختلفة الصنع، 364 رشيشة توميخن وستن، 309 مسدسات مختلفة الصنع، 319 رشيشة فرنسية وانجليزية، 146740 قنبلة يدوية.

  2) الاسلحة المتوسطة:-

     180 رشاشا، 23 مدفع هاون فرنسي وانجليزي

3) اسلحة مضادة للدروع:-

   24 مدفع بويز مضاد للدروع، 26 مدفعا مضادا للدبابات

4) معدات ومواد تخريب:-

   3867 لغما متنوعا ضد الدبابات والاشخاص، 33000 صاعق عادي

5) 8 اطنان متفجرات معظمها بارود اسود

الذخائر: -

6102216 طلقة بندقية

267118 طلقة رشاش

566257 طلقة رشيش

4242 طلقة مسدس

7445 طلقه ضد المصفحات

60099 طلقة ضد الدبابات

12483 طلقة قنبلة هاون

   هذا وقد قدمت اللجنة العسكرية لحرب فلسطين (1600) بندقية فقط.

   اما الهيئة العربية العليا فقد قدمت: -

5396 بندقية        499 مدفعا رشاشا

364 بندقية تومي   309 مسدسات

124 مدفعا مضادا للمصفحات

66 مدفعا مضادا للدبابات

23 مدفع هاون

1609 من صناديق المتفجرات

46740 قنبلة يدوية

3867 لغما جاهزا

   وكميات لا بأس بها من الذخيرة والتجهيزات العسكرية(295)

   ويذكر صبحي ياسين في كتابه (الثورة العربية الكبرى) أنه لم تكن في مدينة حيفا عند اعلان قرار التقسيم وبدء الانفجار الشعبي (بندقية حربية واحدة)، وكان السلاح الموجود عبارة عن عدد من المسدسات والقنابل اليدوية(296).

   أما مجموع ما تلقاه شعب فلسطين فلم يتجاوز (768) الف جنيه وهو مبلغ ضئيل في معركة البقاء او الفناء، وقد كانت تلك المبالغ من مصادر مختلفة منها: -

   (104) آلاف جنيه من سوريا و(20) الف جنيه من مصر و(15) الف جنيه من لبنان و(4500) جنيه من اليمن، وهذه الآلاف لقاء الملايين التي وصلت لليهود في فلسطين(297).

توزيع جيش الجهاد المقدس

   كانت أعمال جيش الجهاد المقدس موزعة الى قسمين: -

1) القسم الاداري: ويشمل المالية والتموين والنقل والشؤون الاجتماعية، ومهمة توفير متطلبات العكسريين، وتسهيل مهتمهم، وكان يقوم على كل فرع مسؤول خاص.

2) القسم العكسري؛ كان العسكريون يوزعون على النحو التالي: -

   1 - المجندون الرسميون: وتتكون منهم سرايا القوة الضاربة، وكانت الهيئة العربية العليا تؤمن لهم العتاد والسلاح، وكان عددهم يتراوح ما بين 600 - 1000 مجاهد. وتدفع لهم رواتب شهرية ضئيلة.

   2 - المجندون المرابطون: وتتكون تنظيماتهم من المجندين المرابطين في القرى، ويقومون بأعمال الدفاع عن قراهم، وتساهم الهيئة العربية العليا في تسليحهم وتقدم لهم بعض الاعانات المالية حسب الحاجة وكان عددهم يتراوح ما بين 4000 - 5000 مجاهد، وكان لهم الفضل الاكبر في نجدة المجندين الرسميين في معظم معاركهم ضد اليهود.

   3 - المجندون المتطوعون: وهم الذين تمكنوا من تجهيز انفسهم بالمال والسلاح، وكان عددهم غير معروف(298).

   اما المجندون الرسميون، فكانوا يقسمون الى سرايا، وكل سرية تشمل آمرا ومساعدا له، وتقسم السرية الى أربعة فصائل، وعلى رأس كل فصيل منها ضابط وله مساعد برتبة رئيس عرفاء، وكل فصيل يتألف من ثلاث حظائر، وعلى رأس كل حظيرة مسؤول برتبة نائب عريف بالاضافة الى سبعة جنود.

   وكان لكل سرية طباخ (طاهي) واحد ومراسل وخادمين ومأمور لاسلكي ووحدة طبية. وقد وزعت السرايا على الشكل التالي: -

1) السرايا الضاربة.            2) سرايا القوافل.

3) سرايا الهجوم المستكن.     4) سرايا الدفاع المتحرك.

   اما مهمة السرايا الضاربة فكانت مهاجمة قوى اليهود والالتحام بها وجها لوجه.

   أما سرايا القوافل فكانت مهمتها «المرابطة على طول طرق المواصلات بين القدس وتل ابيب وبين القدس والمستعمرات المجاورة لها، فتهاجمها»

   أما سرايا الدفاع المستكن فكانت مهمتها محاصرة المستعمرات اليهودية واصطياد حراسها، وعدم السماح لهم بمغادرة المستعمرات، وكان على رأس هذه السرايا رجال القناصة العرب.

   أما سرايا الدفاع المتحرك فكانت مهمتها، الهجوم على القوى اليهودية للتخفيف من ضغطهم في حالة هجومهم على العرب، وتختار مكانا لمهاجمة اليهود، غير المكان الذي يهاجمون فيه.

   كما شكلت فرقة للمغاوير وفرقة للتدمير، وهي فرق صغيرة تتولى عملية النسف والتدمير، وقد اختير رجالها من المجاهدين الاشداء الذين يصلحون لاعمال الكوماندوز، وكانت مهمتها تنحصر في ضرب الاهداف اليهودية التي تعينها القيادة، وفي التسلل الى الاستحكامات اليهودية والعمل خلف خطوط دفاع اليهود.

   ولهذا فقد بنت القيادة العامة للجهاد المقدس مخططها الدفاعي على أسس تتفق والمهمات العكسرية الكبيرة وفقا لامكانياتها الضئيلة، وعدم توافر الوحدات الكافية للدفاع عن قطاعاتها المترامية الاطراف.

   ان عبء المهمات الملقاة على عاتق قوات غير نظامية، لم تتوافر لها وسائل المخابرات السلكية واللاسلكية بشكل منظم، أو وسائل النقل لدفع النجدات. من قرية الى اخرى، عند وقوع الخطر، أضف الى ذلك عدم توافر الاجهزة الفنية من عكسريين وفنيين، كل هذا أوقع الجهاد المقدس في مواقف يصعب حلها، من قبل قوات نظامية تفوقها عددا وعدة، ومع ذلك فقد تمكنت هذه الوحدات من القيام بأعمال عسكرية تعتبر ناجحة اذا ما اخذت بعين الاعتبار اوضاعها المادية والمعنوية، وانتشارها في مساحات واسعة من الجليل في الشمال الى غزة في الجنوب.

   لقد وزعت قيادة الجهد المقدس في سبع مناطق رئيسية كانت تغطي أرض فلسطين قبل احتلالها وفقا للجدول التالي(299):

1) منطقة القدس وقواتها: -

4 سرايا متحركة، 4 سرايا تدمير، وحدة طبية

   عدة مفارز موزعة في أحياء القدس، وكانت جميع هذه السرايا تقوم بمهمة الدفاع عن القدس وضواحيها.

2) منطقة بيت لحم وقواتها:

   خمس سرايا، عدة مفارز دفاعية، فصيلان فدائيان

3) منطقة رام الله:

   سريتان متحركتان، 6 سرايا من المتطوعين.

4) المنطقة الغربية الوسطى:

   3 سرايا متحركة، 3 سرايا تدمير، وحدتان طبيتان، 20 - 25 مفرزة دفاعية 3 فصائل تدمير وقسمت الى الجبهات التالية:

أ) جبهة مدينة يافا

ب) جبهات القرى القريبة من يافا

ج) جبهات اللد وقراها

د) جبهات الرملة وقراها

ه) جبهات مجدل الصادق وقراها.

5) المنطقة الجنوبية:

   3 سرايا، عدة مفارز دفاعية، فصيل تدمير واحد، وشملت غزة وخان يونس وبئر السبع وقراها.

6) المنطقة الغربية: -

   عدة مفارز محدودة. وشملت قلقيلية وطولكرم وجنين وقراها.

7) المنطقة الشمالية:

   4 سرايا متحركة، 3 سرايا تدمير، وحدة طبية من 30 - 35 مفرزة دفاعية وشملت حيفا وعكا والناصرة وطبرية وبيسان وصفد وقراها.

   هذا وقد بلغ مجموع عدد المجاهدين في منطقة القدس حتى آخر شهر آذار 1948 (586) مجاهدا موزعين كالتالي:

   123 مجاهدا ضمن سرية فاضل عبد الله ترابط في الروضة.

   125 مجاهدا يرابطون في القطمون.

   40 مجاهدا يرابطون في واد الجوز.

   40 مجاهدا في حي الشيخ جراح.

   50 مجاهدا يرابطون في البقعة.

   18 مجاهدا يرابطون في حي الثوري.

   10 مجاهدين في دار الهيئة العربية العليا.

   20 مجاهدا في عمارة الاوقاف.

   30 مجاهدا في ماميلا (مأمن الله).

   15 مجاهدا في حي الشماعة.

   35 مجاهدا في حي المصرارة وباب الزاوية.

   ولم يكن هذا العدد ثابتا، فقد كان يتذبذب أحيانا ويصل الى حوالي 750 مجاهدا، ونظرا لعدم تسليحهم جميعا فقد كانوا يتناوبون العمل فيما بينهم. وأما عدد المجادين الرسميين في قرى القدس فلم يكن يتجاوز الثلاثمائة مجاهد(300).

   وبالنسبة لعبد القادر يقول عارف العارف: -

   «لم يكن عنده يومئذ سوى 19 رشاشا، وثمانية مدافع هاون وعددا من البرنات والهوشكش والبراوننج، وأما اليهود فقد كان لهم في القدس بنفس الفترة حوالي الف ارهابي يتبعون منظمة الارغون، والف آخرون يتبعون جيش الهاغناه، وبضع مئات يتبعون عصابة شتيرن، ولقد عملوا جهدهم على مضاعفة تسليحهم، واعتمدوا في ذلك - خلاف الطرق الرسمية - على نهب معسكرات الجيش البريطاني، سواء بالاتفاق أم بالعنوة، كما حدث للارغون حين انقضت مجموعاتها على معسكر رقم (80) البريطاني، وتمكنت من الاستيلاء على كمية وافرة من الاسلحة، حدث هذا بعد أن قتلت المجموعة حرس المعسكر وقائده، وقل عن الشيء نفسه بالنسبة لهجوم يهودي، على قطار حربي بريطاني ونهب كافة ما فيه من أعتدة حربية(301).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:18 am

الفصل الثاني

الاعمال العكسرية التي تمت على يد عبد القادر

الخطة العكسرية:-

   عرفنا فيما تقدم خطة عبد القادر، التي رسمها للدفاع عن المدن والقرى، وسنذكر فيما يلي خطة الهجوم العامة التي نظمها، وأشرف على تنفيذها بنفسه، فكانت تقوم على ما يلي: -

   كان عبد القادر قبل أن يعبر الى فلسطين قد أعد خطة بعد صدور التقسيم لنسف جميع الاهداف ذات الاهمية الاستراتيجية والمعنوية  لدى اليهود، دفعة واحدة.... وكان عددها (165) هدفا، ولكن هذه الخطة لم تنفذ لاسباب منها:-

1 - عدم وجود المتفجرات الكافية، حيث منعت الحكومة المصرية ادخال هذه المتفجرات قبل بدء الاشتباكات كما اسلفنا.

2 - قيام المظاهرات العارمة في القدس وكل المدن.

3 - اعلان الهيئة العربية العليا الجهاد العام من على منابر الاقصى، حيث قام الشيخ (حسن أبو السعود) باعلانه، كما أعلنت اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية النفير العام.

   وكان من المستحيل في مثل هذه الظروف أن يتحرك القائد لتنفيذ خطته.

   كان عبد القادر يعرف تماما ان المستعمرات اليهودية محصنة تحصينا تاما. ففيها البروج المشيدة من الاسمنت المسلح، وفيها من الخنادق ومن حولها بثت حقول الالغام، كما أحيطت بالاسلاك الشائكة، ولهذا فان الهجوم عليها يحتاج الى أسلحة ثقيلة ورشاشات وذخائر وعتاد حديث ولما كانت هذه الاسلحة الحديثة غير متوفرة لديه، عمد الى تنفيذ خطة اخرى كانت فائدتها أعم وأجدى، وكان النصر حليفه.

   لقد ظهر جليا فشل مهاجمة المستعمرات اليهودية مباشرة، كما حدث مع جيش الانقاذ، فبالرغم من توفير المدفعية والرشاشات والدبابات، الا أنه فشل فشلا ذريعا، حينما هاجم هذا الجيش مستعمره (مشمار هعيمق) ومستعمرتي الزراعة والخضيرة، حيث فقد عدد كبير من هذا الجيش.

   وبعد دراسة مستفيضة للموقف العسكري، وعلى ضوء الحوادث التي كانت تقع، وعلى ضوء استعدادات اليهود ومراكز قواهم، خرج القائد عبد القادر بنتيجة عسكرية وهي:

   (الهجوم خير من الدفاع) و(اضرب واهرب). ولهذا رسم الخطة التاليه:-

1 - القيام بهجمات قوية على أحياء القسم اليهودي من مدينة القدس، وذلك كجزء من خطة الدفاع المتحرك، عندما يقوم اليهود بهجوم قوي على المراكز العربية في المدينة.

2 - محاصرة المستعمرات اليهودية من الخارج ومنع الدخول او الخروج منها، واستعمال حرب القناصة على نطاق واسع لاصطياد حماة هذه المستعمرات.

3 - الغارة على قوافل التموين والمواصلات المؤدية الى القدس والمستعمرات، ومنع وصول المؤن والامدادات الى (100) ألف يهودي يقطنون القدس والمستعمرات الواقعة حولها.

4 - قطع أنابيب المياه الموصلة الى القدس والمستعمرات.

5 - نسف أهداف يهودية معينة تقع في قلب المناطق اليهودية، وذلك ردا على أعمال النسف اليهودية، وتدمير مراكز التوجيه العسكري والسياسي والتجاري، وبالتالي تحطيم معنويات الشعب اليهودي.

   وبهذه الخطة فقد نجح القائد البطل نجاحا باهرا، وقد اعترف الجميع بكفاءة عبد القادر العسكرية، وفي هذا الصدد يقول الكاتب الامريكي (ليون أويس): - مؤلف الخروج:-

   استطاع عبد القادر في منطقة القدس، أن يرسم خطة كاملة، على أساس دحض الحقيقة التي تقول بأن عرب فلسطين والمحاربين غير النظاميين، لم يكونوا منظمين، وليست لهم مهارة كافية ليقوموا بعمليات هجومية منظمة، وكذلك أدرك عبد القادر ان اليهود سوف يتشبثون بكل مستعمرة، وسوف يقاومون العرب بشكل عنيف، وكان يحتاج الى انتصارات سريعة ليشجع قومه فاستقر رأيه على ناحيتين: -

   1 - انه سوف يعزل المستعمرات اليهودية ويجوعها.

   2 - انه سوق يقوم بعمليات (اضرب واهرب) على النقليات وطرق المواصلات.

   ولقد اثبتت استراتيجية عبد القادر كفاءتها، فقد كان للعرب حرية الحركة بينما أجبر اليهود على أن يظلوا في أماكن ثابتة(302).

   وما الاعمال العسكرية التالية الا شهادة ناطقة على نجاح القائد عبد القادر، واليك موجزا عنها: -

1 - الهجوم على حي سانهدريا: -

   كان الهجوم الدفاعي او الدفاع المتحرك، هو باكورة الاعمال العسكرية التي قام بها عبد القادر في الميدان الحربي، لتعزيز الدفاع العربي في مدينة القدس وضواحيها، ولم يلبث بعد ثلاث هجمات من أن يحول القتال بصفة عامة الى حالة هجوم في جميع الميادين، بينما انقلب الوضع العسكري عند اليهود الى حالة دفاع شامل.

   وخير مثال على ذلك هذا، الحي الذي يقع في الجهة الشمالية لمدينة القدس، وهو حي يهودي كبير، كان مركزا لقيادة الهاغناه، ومنه تشن الهجمات على حي الشيخ جراح وباب الساهرة، ففي 27 كانون أول 1947، ولما يمض وقت على دخول عبد القادر أرض فلسطين، شن اليهود هجوما عنيفا على هذين الحيين، فاتصل آمر حامية الشيخ جراح بالقائد عبد القادر، الذي كان موجودا في قرية (عين يبرود)، وأعلمه بنبأ شدة الهجوم الشرس، فما كان من عبد القادر الا أن خف الى الميدان يرافقه حوالي 30 جنديا، وما أن وصل قرية «النبي صموئيل» حتى بلغ عدد المجاهدين حوالي (200) مسلح، وهناك قرر مهاجمة مقر قيادة القوات اليهودية في سانهدريا، بقصد تخفيف وطأة الهجوم اليهودي والحاق أكبر نقص ممكن بقوات الاعداء.

   أيقنت القوات اليهودية بعد الهجوم الذي شنّه عبد القادر، أنها قد طوقت تماما، فانسحبت من ميدان الهجوم في حيّ الشيخ جراح ومن منطقة سانهدريا، وفي الحال تقدمت قوات الشيخ جراح العربية، واحتلت المراكز اليهودية في تلك المنطقة، وبقيت فيها طيلة مدة القتال، بعد أن نسفت جميع الاستحكامات اليهودية القائمة فيها، ولكن المجاهدين المقتحمين قد صمموا على مواصلة التقدم، فاضطر عبد القادر الى اصدار أوامره الى قواته التي دخلت معه بالانسحاب، خشية أن يصطدم المجاهدون بعضهم ببعض، لان الرؤيا كانت متعذرة لشدة الظلام، وترك أمر الاحتلال الى حامية الشيخ جراح، وانسحب هو وجنوده من سانهدريا الى قرية بيتونيا، فوصلها في الصباح، ولم يصب أحد من رجاله بأذى، وبذلك تمّ احتلال خطوط اليهود الامامية في سانهدريا، وتدمير استحكاماتها فيها.

الهجوم على ميقور حاييم: -

   يقع هذا الحي في الجهة الجنوبية الغربية للقدس، ويجاور حيّ القطمون وبيت صفافا، وقد اتخذه اليهود مركزا لهجماتهم على العرب في هاتين المنطقتين.

   وصلت أنباء من قائد حيّ القطمون الى القائد عبد القادر في رام الله، بأن اليهود شنّوا هجوما قويا على حيّ القطمون وتمكنوا من دخول الحي ونسف فندق سميراميس وبعض العمارات، وفي الحال أمر عبد القادر بتجهيز جميع قواته النظامية، والبالغ عددها حتى ذلك اليوم حوالي (50) جنديا معهم ثلاثة رشاشات، كما تمّ احضار عدد من الجنود من حاميات الشيخ جراح البلدة القديمة، حيث اجتمع الجميع في حيّ (البقعة الفوقا)، وبلغ عددهم حوالي (90) مجاهدا مسلحا.

   وبعد أن وزّع الذخيرة على جنوده، جهز ثلاثة ألغام، ولما أرخى الليل سدوله، اجتمع مع نائبه كامل عريقات وبأمين سره قاسم الريماوي، وأبلغهما عن خطته التي تتضمن مهاجمة ميقور حاييم، وقبل تعيين موعد الهجوم، قام بعمليات استكشاف بالقرب من الحيّ المذكور وكان يرافقه ثلاثة من حرسه بالاضافة الى أمين سره قاسم الريماوي الذي يقول في مخطوطه:

   «تسللنا الى حديقة مغروسة بالاشجار، وتشرف على الحي، وبعد اجراء الاستكشاف المطلوب، اتضح لنا أنه لا يمكن مهاجمة الحيّ من تلك الناحية، لان الهجوم سيقع بين معسكر للجيش البريطاني وبين الحي، ويكون عرضة لانوار الكشافات الكهربائية، عدا عن حصانة تلك الجهة من الحي، وانكشاف ظهر المهاجمين تماما. لهذا قررنا مهاجمة الحيّ من جهة بيت صفافا - أي من الجهة الجنوبية والجنوبية الغربية - وقبل انتقالنا الى قرية بيت صفافا، أرسلنا في طلب المجاهد عبد الله العمري وجيه القرية والمجاهد محمود العمري قائد المسلحين فيها، للتداول معهما في كيفية تنفيذ الهجوم. وبعد ذلك قررنا التوجه الى القرية، حيث عقدنا اجتماعا مع المسلحين فيها، وكان عددهم حوالي (40) مسلحا، حيث بين لهم القائد عبد القادر مهامهم وواجباتهم، وهي حمايه مداخل القرية والمرابطة فيها، كما طلب منهم عدم الاشتراك اطلاقا في الهجوم، كما عهد الى المجاهد محمود العمري أمر قيادتهم والاشراف عليهم، أما عبد القادر فقد علم الخطة التالية لمهاجمة الحيّ. (في تمام الساعة الثامنة) بدأت قوات الجهاد المقدس تطلق النار من الجهة الشمالية (من جهة حي القطمون)، حيث فتح اليهود نيران رشاشاتهم الغزيرة عليهم، حتى أنهم أطلقوا عشرات الالوف من الطلقات، وبعد نصف ساعة سكت اطلاق النار من الجهة الشمالية، وبدأت فرقة الرشاشات تطلق نيران اسلحتها من الجهة الشرقية، وفي نفس الوقت أخذت قوات الاحتلال العربية تتسلل الى داخل الحيّ، أما اليهود فقد أخذوا في هذا الهجوم المباغت، وما لبثت مقاومتهم أن سكتت فتقدم عبد القادر، وأمامه حاملي المتفجرات، وكنت أنا والسيد كامل عريقات بجانبه حتى دخلنا المستعمرة، ثم تقدم حاملوا الالغام، وكانوا بقيادة الشاويش «عبد الحميد» من قرية زكريا حتى دخلوا قلب استحكام يهودي كبير، يقع في طرف الحيّ فوضعوا لغما كبيرا فيه.

   اما اليهود فقد اختفوا في بروجهم، ولم يجرؤ أحد منهم اخراج رأسه ليرى ماذا حل بالحيّ، ثم اشعل الشاويش الفتيل المتصل باللغم، ولم تمض بضع دقائق حتى ثار اللغم فهّز المنطقة بأكملها، وأيقظ جميع سكان مدينة القدس، وهكذا هوى حصن اليهود الحصين في ذلك الحيّ على رأس من فيه من رجال الهاغناه، وعندها أطلق القائد الباسل شارة الانسحاب من مسدس اشارات كان يحمله، فعاد الجميع الى مقر القيادة في بيت صفافا، على بعد مائة متر عن الحيّ اليهودي، وبقي مرابطا طيلة ذلك اليوم، خشية قيام اليهود بهجوم معاكس قوي، وفي الصباح أخذ سكان المدينة يتساءلون عن مصدر الانفجار، حتى صدر البلاغ الرسمي للحكومة البريطانية من محطة الاذاعة بالقدس، معلنا خبر الهجوم على ميقور حاييم ونسف بعض حصونها. أما الصحف اليهودية فقد أبرزت هذا الهجوم على صفحاتها ووصفته بأنه أكبر هجوم منظم حدث منذ أن بدأت الاشتباكات في فلسطين، وأشادت بالخطة الناجحة التي اتبعها المجاهدون.

   أما عبد القادر فلم يغادر بيت صفافا، حتى ترك فيها حامية من خيرة رجاله من السودانيين بقيادة المجاهد «محمد علي»، وقد حافظت هذه الحامية على تلك القرية طيلة حرب فلسطين.

معركة صوريف: - 16/ 1/ 1948م

   تقع قرية صوريف في قضاء الخليل، وهي مسقط رأس المجاهد ابراهيم أبو ديّة، وكان يجاورها بعض المستعمرات اليهودية، ومنها (مستعمرة كفار عتسيون) وكانت فيها مخازن أسلحة الجهاد المقدس.

   في بداية شهر كانون ثان 1948، تعرضت احدى القوافل المتجهة الى مستعمرة كفار عتسيون الى هجوم عربي مسلح، أسفر عن قتل معظم أفراد القافلة وتدمير سياراتها.

   وردا على ذلك الهجوم العربي الناجح، جهّز العدو حملة عدوانية على قرية صوريف، حيث جمعوا (100) ارهابي مزودين بأحدث أنواع الاسلحة، تنقلهم (38) سيارة كبيرة (ترك) و(Cool سيارات صغيرة، للثأر لصرعى مستعمرة كفار عتسيون، التي مني فيها اليهود بخسائر جسيمة في الارواح والممتلكات، ولتدمير مخازن الاسلحة التابعة للجهاد المقدس، ولما دنا الارهابيون من قروي كان وراء محراثه في أراضي القرية - وكانوا متنكرين باللباس العربي - قالوا له باللغة العربيه : سلام عليكم، فرد القروي التحية المصطنعة المزيفة، التي تهدف التنكر حتى لا يدرك أنهم يهود، ثم تابعوا سيرهم نحو القرية.

   شك القروي في أمرهم بعد تسللهم في اتجاه القرية، فترك محراثه واتجه من ممر اخر الى القرية، حيث أعلم القائد ابراهيم أبو ديّة بالامر، ثم دخل الى قلب القرية، وراح يحرض اهلها، ويفصح بنوايا المعتدين، حتى هبت القرية بأسرها، واستعدت لمقابلة الغادرين وجها لوجه، وغادر السكان بيوتهم الى الارض العراء، حيث ضرب المناضلون طوقا محكما على اليهود المهاجمين، ولم يتركوا لهم فجوة يسهل عليهم التسلل منها أو الفرار،

   وما أن تمّ التمركز حتى أصدرت قيادة المناضلين أمرا ببدء القتال، فانهال الرصاص على المهاجمين كالمطر، وفجرت القنابل اليدوية والمحرقة على الاماكن التي اعتصم بها اليهود، حيث نشبت معركة حامية الوطيس دامت عدة ساعات في وضح النهار واستمرت حتى المساء، مما زاد في زعزعة قوة المهاجمين، ولم يترك لهم مجال للفرار، وتقدم العرب نحو البقية الباقية منهم، وشتتوا شملهم، وسقط منهم كثيرون بعد أن التحم المناضلون العرب مع اليهود بالسلاح الابيض، وقال البيان الرسمي: أن عدد القتلى (35) يهوديا، لكن فرق الاسعاف العربية التي كانت الى جوار المحاربين العرب، قالت ان عدد القتلى (50) جنديا كما أيدت الدوائر العربية هذا العدد ودعمت أقوالها بهويات القتلى الذين طوّح بهم المجاهدون في الميدان(303). وقد غنم العرب أعدادا من مدافع الهاون والقنابل والاسلحة الاوتوماتيكية والخرائط، وأسروا ارهابيّة، ولم يتعرضوا لها بسوء لما جبلوا عليه من مناعة خلق وشيم شريفة، حيث سلموا للبوليس.

   وكانت حصيلة الغنائم في هذه المعركه(12) مدفع برن و(18) بندقية ستن و(28) مسدسا وقنابل وذخائر(304).

   وما أن ذاع خبر هذا الانتصار الذي كان له وقعه الكبير لدى جميع الاوساط الرسمية والعربية واليهودية، حتى ارتفعت معنويات العرب كثيرا، ومما زاد في انهيار معنويات اليهود ايضا، وقوع قافلة اخرى من رجال الهاغناه وهي في طريقها الى كفار عتسيون في كمين عربي، وذلك بعد معركة صوريف بيومين، وعلى الاثر قامت قيامة الصحف اليهودية، مطالبة بعزل المسؤولين عن المعركتين من رجال الوكالة اليهودية وقوات الهاغناه.

   ومنذ ذلك اليوم أخذ نجم القائد ابراهيم أبو ديّة (آمر السرية الثالثة وأحد رجال الجهاد المقدس) يلمع، وقد استشهد في هذه المعركة ثلاثة من المجاهدين، كما أصيب خمسة منهم بجراح، حيث أصدرت القيادة العامة في بيانها الثالث خطة الهجوم المباغت ونتيجة المعركة.

معركة بيت سوريك 24/ 1/ 1048م

   علم عبد القادر من مصدر استخبارات الجهاد المقدس، أن قيادة الهاغناه تنوي تعزيز قواتها في القدس لرفع الروح المعنوية بين سكانها اليهود المحاصرين وللقيام باعمال عسكرية معينة، ولهذا قررت القيادة الصهيونية ارسال (80) سيارة مملوءة بالجنود والمعدات والمؤن الى يهود القدس صباح يوم 24/ 1/ 1948، تحرسها المصفحات، وستمر من طريق باب الواد الذي تطل عليه قرية بيت سوريك.

   وصلت أخبار هذه القافلة الى القائد العام عبد القادر مساء يوم 23/ 1/ 1948 في بير زيت، وفي الحال أرسل في طلب المجاهد فوزي القطب ومعه خمسة رجال من فرقة التدمير، وأمرهم بالتوجه حالا لبث الالغام على طريق القدس - تل ابيب، وعلى مسافة (500) متر، كما أمرهم ببث الالغام على الطرق الجانبية، لمنع وصول قوات الجيش الى ميدان المعركة لانقاذ اليهود، ثم توجه القائد مع القوة التي كانت معه وعددها (32) مجاهدا الى قرية بيت سوريك، بعد أن أمر بارسال النجدات من مسلحي رام الله الى القرية المذكورة.

   كانت الساعة تشير الى الثالثة من صباح 24/ 1/ 1948، وبعد أن اطمأن على وضع الالغام، قسم القوة التي كانت معه، والنجدات التي خفت مسرعة تلبية لامر القائد الى ثلاثة اقسام: -

1 - وضع 28 مجاهدا تحت قيادته في استحكامات تشرف على الطريق العام المزروع بالالغام حيث وزعهم الى أربع حظائر كل حظيرة تبعد عن الاخرى (500) متر، وبين كل شخص وآخر مسافة (50) مترا.

2 - اما القسم الثاني فوضعه في قمة الجبل خلف الفصيل المرابط بجانب الطريق العام، بقيادة ابراهيم أبو ديّة، ويساعده المجاهد عزمي الجاعوني، وكانت مهمتهم تمثل في حماية المؤخرة، والمرابطة للنجدات اليهودية التي قد تفد من مستعمرة (كريات عنفيم) (قرية العنب) ومن مستعمرة معاليه خمشاة (الخمس) الواقعة الى الغرب من بيت سوريك.

3 - اما القسم الثالث فجعل مركزه على رأس قمة جبل تواجه طريق باب الواد من الجنوب بقيادة كامل عريقات، للتصدّي للنجدات اليهودية التي قد تنفذ من مستعمرة (مواتزاعيليت) والمستعمرات المجاورة.

   وبعد أن وزع قواته أدق توزيع (رشاش واحد مع كل حظيرة وثلاث رشاشات مع فرقته) أمر المجاهد قاسم الريماوي بالتوجه الى رام الله لاحظار نجدات اخرى، والاشراف على المعركة من قرية بيت سوريك، وتوزيع الوافدين من النجدات حسب المواقع المرسومة، حتى لا تحدث وفود المسلحين من النجدات فوضى في القتال، كما عيّن شخصا على كل مركز لاستقبال النجدات وارشادها الى مكان العدو واتجاه المعركة.

   وعند طلوع الفجر حلقت طائرة فوق الطريق لاستكشافها، كما تقدمت مصفحة انجليزية في اتجاه القدس، ولما اقتربت من حقول الالغام عادت أدراجها، ويظهر أنها أبلغت رجال القافلة اليهودية بوجود كمين، فعادت القافلة، وبعد ذلك صدرت الاوامر الى حراس القافلة وحراس المستعمرات بالتوجه فورا لمقابلة المجاهدين العرب، فسارت هذه القوات في الوديان المجاورة للطريق للالتفاف حول المجاهدين، ومحاولة ضرب حصار حولهم.

   كانت الساعة قد بلغت التاسعة صباحا، وما أن وصلت قوات العدو الى نقطة الحراسة الخلفية، التي يتولى قيادتها المجاهد ابراهيم أبو ديّة، حتى اشتبكوا معها، وسقط أبو دية جريحا ولما علم عبد القادر بذلك أصدر أوامره الى الحظيرة الاولى بالالتفاف حول الجبل، الذي تتمركز فيه حظيرة أبو ديّة، ليقطع خط الرجعة على اليهود، وأمر كل حظيرة من الحظائر الاخرى بالتقدم الى المرتفعات العالية المحيطة بالوديان، الموصلة الى الطريق العام لمفاجأة قوات العدو، ونجحت الخطة فاذا بنيران المجاهدين تنصب عليهم كالمطر.

   كان عبد القادر ورجاله قد كمنوا لليهود في طريق توقع أن يسلكوه، اثر نجاح خطته وفعلا.. هام اليهود على وجوههم وسلكوا نفس الطريق، ولما أصبحوا على بعد ثلاثين مترا من الكمين أصدر عبد القادر أوامره الى حاملي الرشاشات بفتح نيرانهم التي راحت تحصد اليهود حصدا، فأخذتهم المفاجأة، وأخذوا يصيحون، وراحوا يرمون بأنفسهم جماعات في الحفر والاخاديد، وكنت تجد كل سبعة أو اربعة منهم قتلى في حفرة واحدة.

   اتصلت قيادة اليهود بالمستعمرات المجاورة وبالقدس اليهودية طالبة النجدة، وقبل أن تصل هذه النجدة، كان مئات من المسلحين المجاهدين قد أغلقت جميع المنافذ الموصلة الى المستعمرات، مما حال دون وصول النجدات اليهودية.

   واستمرت المعركة التي بدأها عبد القادر بأربعين رجلا وخرج منها ب(800) مقاتل من الساعة التاسعة صباحا حتى الساعة الخامسة مساء، حيث أصدر القائد أوامره بالانسحاب الى قرية بيت سوريك، وكان هذا القرار صائبا، لان عبد القادر لم يرغب في الاشتباك مع القوات البريطانية، الذي تأكد من قرب وصولها الى مكان المعركة.

   وفي قرية بيت سوريك اصطف المجاهدون لتوزيع اسلحة القتلى وهوياتهم عليهم - بعد أن اصيب المجاهد ابراهيم أبو دية بجراح بسيطة، كما أصيب المجاهد «محمد الفايز» من عرب الصخور بجراح في صدره - وبعد أن اصطف الجميع افتقد القائد عبد القادر أحد الجنود فأمر اربعة من رجاله وشاويشا يحمل رشاشا، بالذهاب الى ميدان المعركة لنقل جثة المجاهد ان كان قد استشهد، وفي الحال ذهبت المفرزة، وبعد نصف ساعة سمعت عدة صليات نارية، فظن المجاهدون الموجودون في بيت سوريك أن ثمة كمينا ينصب للمفرزة فهبوا جميعا، الا أن عبد القادر أمرهم بالتريث، فأرسل المجاهد «قاسم الريماوي» الى مكان مرتفع يشرف على ميدان المعركة لاستطلاع الخبر بعد أن أعطاه القائد عبد القادر منظاره.

   رأى المجاهد قاسم الريماوي أفراد المفرزة يقلبون جثث القتلى اليهود، وأنهم بخير، فعاد أدراجه ليطمئن القائد، وبعد نصف ساعة عاد الجنود ومعهم المجاهد المفقود، وهم يرتدون ألبسة الهاغناه ويحملون عددا من الرشاشات والبنادق والاحذية، ولما سألهم القائد أجاب الشاويش:

   «عندما وصلنا ميدان المعركة وجدنا الجندي المفقود جريحا في مغارة، ولا يستطيع الحراك وفجأة رأينا مصفحة يهودية تقف في الطريق العام، فكمنا نستطلع الامر، فاذا بأحد عشر جنديا من بوليس المستعمرات ينزلون منها، ويتوجهون الى مكان القتلى فكمنا لهم، ولما وصلوا جثث قتلاهم وحاولا نقلها، اصليناهم نارا حامية وهي التي سمعتموها، وقضينا عليهم جميعا فأخذنا اسلحتهم وجردناهم من ملابسهم الرسمية، وحملنا هوياتهم وها هي بين أيديكم(305)»

   وفي اليوم التالي حضر قائد الجيش الانجليزي وأمر اهالي قرية بيت سوريك بمساعدة الجنود في جمع جثث القتلى من اليهود التي زادت عن (65) جثة، كما جرح الكثير، وغنم العرب (10) مدافع رشاشه (6 ستن و4 برن) وأربعين بندقية، وعددا من القنابل والذخيرة والالبسة الحربية وبعض الخرائط وجهاز لاسلكي.

   راع اليهود ما سمعوه عن نتائج المعركة، حيث ظهرت الصحف اليهودية مجللة بالسواد في اليوم التالي، وقالت ان (600) جندي من رجال الهاغناه الموكول اليهم حراسة القوافل والمستعمرات، هزمتهم عشرات الجنود بقيادة عبد القادر، وطالبت بتغيير القائمين على أمر القيادة في منطقة القدس.

   اما الشعب العربي فقد بات تلك الليلة فرحا بالنتائج، حيث ارتفعت معنوياتهم عاليا وعادت عشرات السيارات التي تنقل المسلحين الى رام الله وهم يهتفون للقائد الباسل، وكان يرافقهم فرقة اسعاف كاملة بقيادة الدكتور (سليمان سليم)، وتم نقل الجرحى العرب الى مسشفى الجهاد المقدس الذي كان يشرف عليه الدكتور المذكور،

   وفي هذه المعركة ابلى المجاهد (عوض الترمسعاوي) - حارس القائد الخاص - بلاء حسنا، فصدرت الاوامر بترقيته الى رتبة شاويش، كما تمّ ترقية المجاهد عبد العزيز الريماوي الى رتبة آمر حظيرة، كما منحت بعض المكافئات للجنود الذين استبسلوا في المعركة(306).

يقول عارف العارف :-

   (وأكد لي من أثق بصدق حديثه من رجال الجهاد المقدس، الذين اشتركوا في هذه المعركة انه رأى بأم عينه مصفحتين بريطانيتين من مصفحات قوة الطيران البريطاني، وهما تقاتلان في صفوف اليهود، وقد أصلت المجاهدين نارا حامية من مدافعها الرشاشة، ولقد أحاطوا بالقرية وبالمجاهدين الذين كانوا فيها، احاطة السوار بالمعصم، وذاع الخبر أن عبد القادر وصحبه في خطر، وأتت رسل القرية الى القرى المجاورة يستنفرون القوم ويستصرخونهم للنجدة، فلبى هؤلاء النداء، وانسلوا الى الميدان من كل حدب، وبلغ عدد المجاهدين الذين خفوا للنجده (1000) مجاهد، وبلغت حماسة الناس الى درجة لا توصف، فرأيت بأم عيني عندما كنت في سنجل، استنفر المناضلين لنجدة اخوانهم المحصورين، فتى راح يتوسل الى أبيه الشيخ كي يسمح له بالذهاب الى ميدان الوغى بدلا منه، وأبى الشيخ في البدء الا أن يذهب هو، ثم عاد فاستجاب لرجاء ولده وسلمه بندقيته وقال:-

   (اذهب يا بني... وعين الله ترعاك) وكذلك قل عن أخوين كادا يتضاربان، اذ ود كل منهما أن يكون هو مع الذاهبين، وما كانا ليختلفا لو كان معهما بندقيتان، واني لاقسم غير حانث أنه لم يتخلف عن القتال يومئذ سوى الضعفاء والمرضى، والذين لم يجدوا دابّة تحملهم أو سيارة تنقلهم(307).

معركة رام الله - اللطرون

   ذهل اليهود لخطط عبد القادر العسكرية، وشعروا بالضيق الذي يحيق باليهود المحاصرين في القدس والمستعمرات القريبة منها، فأخذوا يحاولون التخلص من هذه القبضة القوية وجعلوا همهم أن يفكوا ذلك الحصار، ورفع معنويات الشعب اليهودي، اثر الضربات المتتالية والمعارك الحاسمة، التي تعرضوا لها على أيدي رجال الجهاد المقدس، فقاموا بهجوم على المواصلات العربية للانتقام ورفع المعنويات، واختارت القيادة فصيلا كاملا من خيرة الجنود من رجال اشتيرن والهاغناه، وطلبت منهم الغارة على مواصلات العرب، فتوجهوا الى مستعمرة قلنديا (عطاروت)، حيث كمنوا فيها، وقرروا مهاجمة الباص العربي الذي ينقل الاهالي من السكان المدنيين العرب من رام الله الى الرملة.

   ففي الاسبوع الاول من آذار 1948م، هاجم الكوماندوز اليهود أحد الباصات العربية صباحا، بينما كانت متجهة الى الرملة، فأصابوا امرأة وطفلا، وفروا عائدين الى المستعمرة، ظنا منهم أنهم سيبلغونها قبل أن يجند لهم رجال الجهاد المقدس.

   علمت القيادة - قيادة منظمة الشباب في رام الله - بالهجوم الفاشل فتوجه آمر السرية الثامنة للجهاد المقدس الدكتور بدران وقائد منظمة الشباب(308) ومعه فصيل من حماة رام الله الى مكان الحادث، حيث أعد خطة لتطويق المهاجمين، فتولى الدكتور قيادة الميسرة من الجهة الغربية كما أرسلت قوة من حرس الاذاعة السرية التابعة للجهاد المقدس في سيارة شحن الى الجهة الغربية من مستعمرة عطروت، فوصلوها قبل أن يتمكن اليهود من الوصول اليها، وبذلك قطعوا خط الرجعة عليهم، وكمنوا لهم، وكانت هذه القوة بقيادة المجاهد «عبد الدايم»: رئيس مسلحي البيرة، كما أرسلت اشارة الى القائد العام الذي ارسل بدوره مجموعة من رجال الجهاد المقدس، والتي تقدمت الى قلب الهجوم حيث تقع المرتفعات الواقعة بين طريق رام الله - اللطرون ورام الله - القدس، وفجأة وجد اليهود انفسهم في طوق محكم فخارت قواهم، وأخذ كل منهم يحتمي بالآخر وهم يتساقطون كل خمسة منهم في حفرة يقول الدكتور قاسم الريماوي:

   وقد حدث أن فاجأنا سبعة منهم كانوا يختفون عند سفح جبل، فحاولنا أسرهم، وطلبنا اليهم التقدم نحونا حبوا على أيديهم وأرجلهم، ففعلوا الا واحدا كان جريحا ودمه ينزف، وكان يحمل قنبلة في يده فصاح بالعبريه.. فالقى الجنود اليهود أنفسهم على الارض، وفي الحال عرفنا أنه سيلقي القنبلة، فانبطحنا جميعا.. ورمى بالقنبلة حيث انفجرت وأصابت عددا من رفاقه بجراح، كما اصيب المجاهد «عبد الدايم» بجراح في وجهه، وسرعان ما اطلق المجاهدون النار عليهم، فقضوا عليهم جميعا.

   وعند نهاية المعركة لم يسمح المجاهد قاسم الريماوي لاحد بمغادرة المكان حيث كمن الجميع، انتظارا للقوات اليهودية التي ستأتي لنقل قتلاها، الا أنهم لم يحضروا، وهنا يتابع الدكتور قاسم الريماوي حديثه قائلا:-

   (ثم أمرت المجاهدين بجمع جثث القتلى، وأحضرت سيارتي نقل، ووضعت الجثث التي جمعها المجاهدون فيها، وركب المجاهدون وهم يهتفون ويرفعون الرايات البيضاء، وما أن وصلنا رام الله حتى كانت ألوف من النساء والاطفال والرجال يملأون الطرق والشوارع وهم يحيوننا وعلامات البشر تطفح من وجوههم وزغاريد النساء تشق عنان السماء، فسرنا مخترقين شوارع رام الله والبيرة متوجهين الى دار الحكومة الانجليزية، حيث حضر القائد وطلب الجثث، ولكني اشترطت عليه اعطائي وصلا بعددها لانهم ينكرون ذلك في بلاغاتهم الرسمية، وبعد ان سلمني الوصل سلمته الجثث وكان عددها (23) جثة.

   وقد غنم المجاهدون (5) رشاشات و(20) بندقية و(10) مسدسات وكميات كبيرة من الذخيرة والمعدات ومنظارا ومسدس اشارات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:24 am

معركة النبي صموئيل:-

   تقع هذه القرية على أعلى قمة تشرف على مدينة القدس في جهة الغرب، وهي مركز استراتيجي هام يهدد مدينة القدس اليهودية مباشرة، وقد حاول اليهود احتلال تلك القرية فقاموا بهجوم مركز عليها بقيادة قائد (مسكوبي) برتبة كابتن وذلك ليلة 10/ 2/ 1948 م، ولما تقدمت القوة اليهودية من تلك القرية، انتهرهم حراسها، فأجاب بعضهم بالعربية قائلا:

«نحن أصدقاء... من جنود عبد القادر الحسيني «فقال له الحرس: وما هي كلمة السر؟ فلم يجيبوا، وعندها انهالت عليهم زخات الرصاص من كل جانب، وقتلوا عددا منهم وفرّ الباقون، كما تمكن حماة القرية من أسر قائد الحملة، وأحضروه الى بير زيت، حيث جرت محاكمته ثم أعدم رميا بالرصاص. وبعد ذلك أصدرت القيادة العامة بلاغا رسميا جاء فيه:

   (حاولت قوة يهودية مفاجأة حماة النبي صموئيل في باكورة يوم 10/ 2/ 1948، بقصد احتلال القرية الا أن حماة القرية اليقظين اشتبكوا بقوات العدو، وأوقعوا بها بعض الاصابات وأسروا قائد الحملة وهو يهودي مسكوبي برتبة رئيس أول)(309).

احتلال معسكر رأس العين:

   يعتبر مركز رأس العين من أهم المواقع الاستراتيجية في فلسطين بأسرها، ففيه تقوم المضخات والماكينات والموتورات لضخ المياه، التي تمدّ القدس بأسرها، ويقدر ثمن هذه المعدات بملايين الجنيهات، وفيه تقع أكبر محطة لسكة الحديد التي تتفرع منها خطوط الى حيفا وتل أبيب ويافا والقدس واللد، ومنها الى مصر، كما أنه يسيطر على الطريق العام الوحيد الذي يوصل الشمال بالجنوب، ويقع هذا المركز على بعد 8 كم من تل ابيب و3 كم من مستعمرة بتاح تكفا (وهي أكبر مستعمرة في فلسطين وأقدمها) وحوالي 10 كم من اللد، كما توجد فيه منشآت كثيرة تابعة لمعسكر الطيران البريطاني ومطار عسكري كبير، وتقوم هذه المنشآت والمطار، على اراض ملك للعرب من قرية مجدل صادق وكفر قاسم ودير بلوط.

   وفي هذا الصدد كتب الدكتور قاسم الريماوي في مخطوطه يصف عملية الاحتلال فيقول: (وفي الساعة الثانية من بعد ظهر يوم 10/ 2/ 48، حضر الى مقر قيادة الجهاد المقدس، وفد من وجهاء المنطقة الساحلية وأبلغوا القائد العام، بأن الانجليز سيجلون عن هذا المعسكر صباح يوم 11/ 2/ 48 وانهم يريدون تسليمه للهاغناه، الذين اشتروه بمبلغ (8000) جنيه، وأوضحوا له العواقب التي تكمن وراء هذا الاحتلال اليهودي لهذا المعسكر، وطلبوا منه احتلاله بالقوة، لانه لا توجد قوات كافية عند قيادة المنطقة الساحلية لاحتلاله، ففي الحال أمر القائد العام أمين سرّه قاسم الريماوي بالتوجه الى المعسكر الذي يبعد 40 كم الى الشمال من بير زيت وان يحتله قبل مطلع فجر 11/ 2/ 48 مهما كلف الثمن.

   وفي الحال جهزت قوة من رجال الجهاد المقدس وفي مقدمتهم المجاهدان «محمد عبد المجيد» «ومحمد عبد الله الاسمر». ثم يتابع الدكتور قائلا:

   «وتوجهت برفقتي مختار قرية مجدل الصادق التي تبعد كيلو مترين فقط عن رأس العين، فدخلت القرية في تمام الساعة السادسة مساء، وقد بلغ مجموع المسلحين حوالي (100) مجاهد، وقبل محاولة الاحتلال عزمت على استطلاع حالة المعسكر، فارتدين الملابس المدنية، وذهبت أنا والمختار الى قائد المعسكر الانجليزي (وكان صديقا للمختار) فقدمني اليه على أنني أحد أقاربه، وأنني أريد التعرف عليه قبل مغادرته المنطقة، وقد سنحت لي الفرصة للتجول في المعسكر وشاهدت الاستحكامات المحيطة به، ومراكز الخفراء اليهود الذي يحرسون مضخات المياه والمعسكر والمزارع اليهودية المحيطة، وبعد أن استوضحت جميع معالم المعسكر عدت الى مجدل الصادق، ومنها توجهت الى القائد حسن سلامة في مقر قيادته في قرية العباسية، فأعلمته بأنني قادم لاحتلال المعسكر وأنني سأدخله في هذه الليلة، وما عليه الا أن يهب لنجدتي، بعد أن اشتبك مع القوات اليهودية، وعدت الى القرية ثانية، وكانت الساعة قد بلغت الحادية عشرة فوزعت المسلحين الى عشر حظائر، وأعطيت كل حظيرة رشاشا، وبعد ذلك اخذت أمراء الحظائر الى مقربة من المعسكر، وبينت لكل واحد منهم المكان الذي يجب أن يدخله، والطريق التي يجب ان يسلكها، وبعد أن تمّ توزيع الحظائر في مواقعها، وسرت مع الحظيرة الاولى شاهدت آمرها مترددا (وهو برتبة ضابط) فاستوضحت منه الامر فقال: انه يخشى أن يقع في كمين فأمرته بالعودة في الحال وأوقفته عن العمل، بعد أن جردته من سلاحه وأمرت اثنين من الجنود بحراسته واعادته الى بير زيت، وعهدت بقيادة الحظيرة الى (شاويش من طوباس) وكان شجاعا مقداما، فتقدم الى الامام حيث المراكز التي كان قد أخلاها الانجليز في ذلك اليوم وتقع في الجهة الجنوبية من المعسكر.

   وهكذا تقدمت الحظيرة الاولى بعد أن فتحت فجوة في الاسلاك الشائكة واحتلت المراكز الاولى القريبة ثم تقدمت بقية الحظائر واحتلت مراكزها، ولم يشعر بنا احد (لا من الانجليز ولا من اليهود). بدخول قواتنا الى المعسكر، وسيطرتها على جميع الاستحكامات القوية والمحصنة فيه، ودخلت أنا وأعواني الى دار الضباط الواقعة في منتصف المعسكر واتخذتها مقرا لي، ثم اتصلت في تمام الساعة الواحدة بالقائد عبد القادر لاسلكيا، وأخبرته أنني احتللت المعسكر بدون قتال، ولما أصبح الصباح فوجيء القائد الانجليزي وجنوده والخفراء اليهود والسكان اليهود المقيمون داخل المعسكر بالعلم العربي الفلسطيني وهو يرفرف فوق بناية الضباط والرشاشات مصوبة اليهم من جميع الاستحكامات المحيطة بهم وبالمعسكر، فأخذتهم المفاجأة، وطلب قائد المعسكر الانجليزي (وهو برتبة ميجر) مقابلة القائد المسؤول، فطلب منه الحرس الذين يحمون أبواب المعسكر الوقوف بعيدا، وبعد أن فتشوه وجرّدوه من سلاحه، أوقفوه بجانب المدخل الرئيسي للمعسكر فتوجهت اليه وقال لي:

   «هل انت يا سيدي القائد المسؤول... فقلت له نعم. قال: ولكننا نحن نحمي المعسكر وقد باعته القيادة العامة بمحتوياته الى اليهود. فقلت له: انني أعرف أن الاراضي التي يقوم عليها هذا المعسكر هي أرض عربية، سلمكم اياها اصحابها لاستعمالها أثناء الحرب، أما وقد عزمتم ان تتركوها، فلن نسمح لاحد بدخولها، الا على جثثنا، وبعد أن ترتوي بدمائنا. فقال: ولكنني أريد الذهاب لمراجعة القيادة... كيف أضمن أن رجالك لن يتعرضوا لي اثناء مغادرتي المعسكر... فقلت له: عليك أن تعمل ذلك أنت ومن يشاء من رجالك بعد الحصول علي تصريح موقع منى... فقال: أرجوك أن تعمل ذلك. فقدمت له تصريحا.

   وبقيت ذلك اليوم في المعسكر، وبعد الظهر حلقت طائرة فوقه على ارتفاع منخفض، فأمرت بعدم التعرض لها، ولما عاد الميجر الانجليزي، أبلغني أن قائد القوات البريطانية يريد مقابلتي في الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي في مكتب لواء اللد، فذهبت وأخذت معي وجهاء المنطقة الذين يملكون تلك الاراضي. فحضر القائد العام البريطاني الى مكتب السيد (اسحق النشاشيبي)، وبعد أن أفهمته تصميمنا على الاحتفاظ بالمعسكر حتى آخر رمق، وآخر نقطة من دمائنا قال: نحن لا يهمنا من يحتفظ بالمعسكر، ولكن لنا بالمعسكر برّاكيات وأدوات ومنشآت تبلغ قيمتها آلاف الجنيهات، وقد دفع اليهود (8000) جنيه ثمنها لها فزيدوا عليهم وخذوها... فقلت له: نحن لا نقبل بالمساومة في هذا الامر.. الارض أرضنا وقد حرمتم أهلها من استثمارها طيلة اقامتكم فيها، وعليكم الآن تعويضهم عن الاتلاف الذي لحق بها، وبعد نقاش طويل نزلت القيمة الى (300) جنيه فقط، فقلت له: لا يمكنني الاجابة حتى استشير قائدي المسؤول وهو عبد القادر الحسيني.. سأعطيك الجواب بعد يومين..

   ولما اطلعت القائد على الامر سرّ للنتيجة وقال: «انهم لا يفهمون الا هذه اللغة، سندفع لهم (250) جنيها فقط... خذ هذه النقود وادفعها لهم، لانهم قد يهدمون البراكيات ويتلفونها جميعا، وهي تساوي آلاف الجنيهات، فعدت بعد يومين ودفعت المبلغ الى القائد العام بحضور القائم مقام (اسحق النشاشيبي) وأخذت منه ورقة البيع.

   وهكذا تمركزت قواتنا في هذا المعسكر الذي كان غاية في الاتقان والتنظيم. كما اتصلت بقلقيلية وكفر قاسم والقرى المجاورة، فأخذوا يرسلون كل يوم مائة مسلح للمرابطة مع قواتنا في المعسكر.

   أما اليهود فقد هالهم الامر، فراحت صحفهم تهاجم الحكومة البريطانية، وتطالب باخراج المجاهدين منه بالقوة، وأنّ الانجليز هم السبب الذي جعل أرواح السكان والمهندسين اليهود المحاصرين في المعسكر تحت رحمة المجاهدين.

   وعلى الاثر حضر القائد العام الانجليزي ومعه أربعة من أركان قيادته، وطلبوا الاجتماع بي لبحث موضوع السكان اليهود، فاجتمعت بهم وقالوا: انهم يخاطبونني باسم حكومة فلسطين التي نهجها سلامة السكان والمهندسين اليهود، ويطلبون ترحيل اليهود المحاصرين الى تل ابيب، فأعلنت له موافقتي المبدئية، وطلبت تأجيل الموافقة التامة الى الساعة الرابعة، كي أستشير القائد عبد القادر في ذلك الامر، فاستشرته فوافق على شرط أن يركب هؤلاء السكان في سيارات مقفلة ومغطاة، ولا يظهر منهم أحد، وأن لا يمروا من داخل المعسكر ومن بين الخفراء بل يسلكوا الطريق الخلفي للمعسكر الموصل الى مستعمرة ملبس (بتاح تكفا)، فوافقوا، ثم خرجت السيارات التي تنقل السكان اليهود وهي مجللة بستأثر سوداء، وقد تبين أن الخفراء اليهود كانوا قد اختفوا بين المدنيين، وبقيت قواتنا تسيطر على المعسكر بعد ذلك عدة أشهر، وقد حاول اليهود احتلاله، الا أنهم لم يتمكنوا، وقد استشهد الشهيد حسن سلامة في احدي المعارك التي دارت بين جنودنا وبين اليهود لاحتلال المعسكر، ولما دخلت الجيوش العربية عهد بأمر حماية المعسكر الى الجيش العراقي، فرابط فيه، الا أنه تخلى عنه اثر هجوم اليهود واحتلالهم لمدينتي اللد والرملة. واصبحت المنطقة كلها اليوم المطار الرئيسي في اسرائيل.

معركة شعفاط والهجوم على مستعمرة النيفي يعقوب:

   في مساء يوم 15/ 3/ 1948 (اي بعد نسف حي المنتفيوري بيوم واحد)، وصلت الى القائد العام معلومات من رجال الاستخبارات التابعة للجهاد المقدس، تفيد أن اليهود سيقومون بهجوم قوي هذه الليلة لاحتلال مدينة القدس، وفي الحال أمر القائد عبد القادر المجاهد (أمين السرّ العام قاسم الريماوي) بالتوجه فورا الى رام الله لاحضار النجدات، وفعلا استطاع قاسم الريماوي من احضار (60) آمرا من رؤساء مسلحي القرى، واعلامهم بجمع أكبر عدد ممكن من المسلحين، وفي تمام الساعة الحادية عشرة ليلا كان المجاهد قاسم الريماوي بصحبة (600) مسلح في طريقهم الى القدس مارين بمستعمرة النبفي يعقوب في ست عشرة سيارة شحن كبيرة، ولما وصل الجميع الى القدس قام عبد القادر بتوزيع المسلحين على خطوط الدفاع في مختلف انحاء المدينة، الا أن اليهود لم يقوموا بهجوم، ويظهر أن مستعمرة النيفي يعقوب، قد أخبرت القيادة اليهودية بوصول قوات كبيرة من المجاهدين الى المدينة.

   وفي اليوم التالي علم القائد العام أن قافلة يهودية تحمل الجنود والمؤن وتحرسها المصفحات ستتوجه الى النيفي يقعوب، وفي الحال أمر القائد العام بتجهيز (100) جندي من رجال النجدات والتوجه للمرابطة ونصب كمين لهذه القافلة والقضاء عليها. وبعد نصف ساعة كان المجاهدون يرابطون على طريق القدس - رام الله بالقرب من قرية شعفاط، وفي تمام الساعة العاشرة حضرت القافلة التي تحميها ثلاث مصفحات، فما أن وصلت المصفحة الاولى الى مكان اللغم الذي زرعه المجاهدون، حتى تتطايرت في القضاء، وهوت تحترق بمن فيها، لحظتها حاولت المصفحتان وباقي السيارات الرجوع لكن المجاهدين انقضوا عليها وأصلوها وابلا من رصاصهم، (وقد بلغت الجرأة بالمجاهد «محمد عمر النوباني» واخيه «ابراهيم» وبعض الشبان أن قفزوا على المصفحتين، بينما اختفى حراسها فقتلوهم بالمسدسات الا ان محمد عمر أصيب بجرح بسيط نقل على اثره الى المستشفى)(310).

   شدّد المجاهدون هجومهم للقضاء على من بقي حيا من جنود القافلة، وكادوا يتمكنون من ذلك، فقد وصل الى مكان المعركة قائد القوات البريطانية في فلسطين الجنرال (مكميلان) ومعه (كلوب باشا) قائد الجيش الاردني في طريقهما الى القدس، ومعهم سيارة من الجنود تحرسهم وهنا نزل الجنرال، ورجا العرب المجاهدين الكفّ عن اطلاق النار وقال:

   (من شأن الحاج أمين... كفّوا عن اليهود)(311).

وراح القائدان يتوسلان لنقل الجرحى اليهود، واخيرا سمح لهما بنقل (21) قتيلا و(17) جريحا، بعد أن غنم المجاهدون جميع الاسلحة وما بقي سليما من السيارات والمؤن.

   وقبل انسحاب المجاهدين، أمر القائد العام أمين سره قاسم الريماوي بوجوب مهاجمة مستعمرة النيفي يعقوب في تلك الليلة، لمعرفة مدى تحصيناتها، وايقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر بها والانتقام من حرسها الذين كانوا يتعرضون للسكان المدنيين من العرب، الذين كانوا يفدون من والى القدس.

   وفي الحال توجهت قوة مكونة من (100) مسلح وعلى رأسها قاسم الريماوي يرافقه المجاهد «محمود عبد المجيد» والمجاهد «محمد عبد الله» الى مدرسة بيت حنينا الواقعة بالقرب من المستعمرة من جهة الغرب، واتخذ منها مركزا للاسعاف، كما حضرت بعض القوات من بيت حنينا وحزما فبلغ مجموع المسلحين (150) مجاهدا، وبعد أن وزعت عليهم الذخيرة، رسمت خطة الهجوم، وكانت تقضي بأن يقوم الجناح الايمن باطلاق النار من الجهة الشرقية على المستعمرة مدّة نصف ساعة، وبعدها يقوم الجناح الايسر بتغطية قوية من نيران الرشاشات من الجهة الغربية، بينما تتقدم قوات القلب فتدخل المستعمرة وتدمر الاستحكامات الامامية.

   وكان موعد بدء الهجوم الساعة الثامنة مساء، وكانت كلمة السر «(حسين) وعلامة الانسحاب شارة بيضاء من مسدس التنوير الذي يحمله قائد المجموعة المجاهد قاسم الريماوي.

   وقبل موعد الهجوم بأربع ساعات أرسلت مفرزة رشاشات، لتكمن في المحاجر المشرفة على المستعمرة من الجهة الجنوبية (وتبعد عن المستعمرة 80 مترا) وذلك خشية تسرب اليهود اليها، وتلافيا لوقوع المجاهدين في فخ أو كمين، ولمراقبة تحركات حماة المستعمرة. وفي تمام الساعة السابعة تحرك المجاهدون حسب الخطة، وفي تمام الثامنة أخذت الميسرة تطلق نيرانا متقطعة من الجهة الشرقية، ففتح اليهود نيران رشاشاتهم العشوائية، وقد قدر عدد الرشاشات بسبعة عشر رشاشا، وبعد نصف ساعة فتحت الميمنة نيران بنادقها، بينما تقدم حماة القلب نحو المستعمرة، كما تقدمت حظيرة بقيادة الشاويش «عوض الترمسعاوي» حتى وصلت الاسلاك الشائكة المحيطة بالمستعمرة بعد أن تخطت حقول الالغام المبثوثة، حيث قفز كل من عوض واحمد ذيب الريماوي وعبد العزيز محمد الريماوي ومحمود عبد الجليل من قراوة وغيرهم (وكلهم من جنود الجهاد المقدس، الى قلب المستعمرة، فأخذوا يلقون القنابل اليدوية على الاستحكامات اليهودية، حتى قضوا على جميع اليهود الذين كانوا في تلك المنطقة.

   (وكانت الساعة قد بلغت الواحدة بعد منتصف الليل، ولما كانت الاوامر الصادرة الىّ لا تتعدى كون الهجوم لمعرفة قوة التحصينات والتأديب، فانني محافظة على اطاعة الاوامر، وخشية على أرواح الجنود الذين قد يطلقون النار على بعضهم لشدة الظلام، فانني أصدرت الامر بالانسحاب، فانسحبت جميع القوات الى مدرسة بيت حنينا، وقد جرح ثلاثة جنود، اما اصابات اليهود فانها كانت كثيرة، وقد ذكر البلاغ الرسمي لحكومة الانتداب بعد ظهر اليوم الثاني أن مستعمرة نيفي يعقوب قد تعرضت لاكبر هجوم شهدته منذ بدء الاشتباكات، وأن عددا من الاشخاص قد قتلوا كما دمّرت بعض استحكامات المستعمرة)(312).

معركة بين لحم الكبرى - الدهيشة 27/ 3/ 1948 م

   علم المجاهدون في منطقة القدس، أن قافلة يهودية محروسة بحراسة قوية، قد تمكنت من الوصول الى مستعمرات كفار عتسيون الاربع - قرب الخليل - حاملة الى سكانها وحامياتها المؤن والاسلحة، وأن تلك القافلة تعتزم العودة الى القدس، فأسرعت مفارز المجاهدين من بيت لحم وبيت فجار وبيت جالا والخضر وبيت ساحور وعرب التعامرة وجبل الخليل وغيرها، الى التجمع عند نقطة على الطريق العام بالقرب من بيت لحم، وأعدّت كمينا للقافلة، بعد أن رتبت خطة حازمة للقضاء عليها.

   وفي 27/ 3/ 1948 م وصلت القافلة الى مكان الكمين ففجر المجاهد البطل الشهيد (يوسف الرشماوي) أول مصفحة، بعد أن تمنطق بحزام ناسف، وكان المجاهدون قد أغلقوا الطريق العام في عدة مواقع، واشتبكوا مع رجال القافلة في قتال مرير، كانت جنود الهاغناه تتساقط كورق الخريف، كما دمرّ المجاهدون عددا من السيارات والمصفحات، فاضطر اليهود الى مغادرتها، فأطبق عليهم المجاهدون، فأخذ الجنود اليهود يفرون ويلوذون بالاخاديد والمنحنيات ورصاص المجاهدين يحصدهم حصدا، ومضوا يتقهقرون في غير انتظام، الى أن اعتصموا في بيت مهجور بينما أخذت الطائرات اليهودية تمدهم بالذخائر والمواد الغذائية، ولكن دون جدوى، وأخيرا استنجدوا بالحكومة البريطانية التي أرسلت بدورها (الكولونيل هاربر) ومعه عدد من الضباط والجنود لانقاذ اليهود المحاصرين، فهدّد العرب باطلاق النار عليهم ان هم تقدموا خطوة واحدة، وأبى المجاهدون الا أن يستسلم اليهود، ويسلّموا جميع أسلحتهم وعتادهم، فلما رأى قائد الجيش (الجنرال هاربر) تصميم العرب، وأدرك أنهم لا بدّ متمكنون من القضاء على القوة المحاصرة، راح يفاوض اليهود للتسليم فوافقوا لانقاذ حياتهم، ولكنه لم يتمكن من الوصول الى اليهود المحاصرين، نظرا لوجود ألغام مبثوثة حولهم، فعاد مع قوته، وبعد نصف ساعة عادوا ليكرروا محاولة الوصول، وكان برفقتهم هذه المرة ممثل الصليب الاحمر الدولي والسيدان عارف العارف وعيسى البندك رئيس بلدية بيت لحم.

   ثم عقد اتفاق كتابي بين قائد الجيش والهاغناه من جهة، وبين كامل عريقات نائب القائد العام الذي كان يقود المجاهدين يساعده عبد الحليم الشلف ورفيق عويس وجاد الله الخطيب(313)، وخشى اليهود أن يقتلهم المجاهدون فأعلنوا أنهم يعتبرون أنفسهم امانة في عنق الحاج أمين(314)، فوعد القائد العربي المحافظة على حياتهم اكراما لعيون الحاج أمين، وأخذ افراد اليهود يخرجون من المنزل المهجور، ويتقدمون نحو المجاهدين الذين كانوا يفتشونهم ويجردونهم من اسلحتهم وذخائرهم، ثم يتسلمهم رجال الجيش البريطاني، بينما تولى الصليب الاحمر الدولي نقل جثث القتلى والمصابين الى سيارات الاسعاف.

   وقد بلغ عدد القتلى اليهود في هذه المعركة الهائلة (129) قتيلا و(95) جريحا وبلغ عدد الذين سلموا أنفسهم (159) يهوديا.

   كما استشهد في هذه المعركة (12) مجاهدا وجرح ثلاثة آخرون، كما تسلم العرب أسلحة اليهود، بعضها أعطب عن قصد قبل التسليم، والبعض الآخر كان في حالة صالحة للاستعمال وكانت غنائم العرب 3 مصفحات و8 ناقلات كبيرة (باصات) و30 سيارة للشحن و30 بندقية من طراز برن و40 من طراز ستن و100 بندقية عادية وعددا من القنابل والمسدسدات وطنا ونصف الطن من ملح البارود والمتفجرات ومقادير كبيرة من الاعتدة والذخائر(315).

معركة الشيخ جرّاح (معركة العلماء).

   أفادت أجهزة الرصد التابعة لقيادة الجهاد المقدس بأن هناك قافلة يهودية ستعبر طريق الشيخ جرّاح الى هداسا والجامعة العبرية، الواقعة على جبل الطور شرقي القدس، ومعها المؤن والذخائر، كما تحمل سياراتها عشرات الطلبة والعلماء من مهندسين وأطباء، الذين يقومون بالتدريس في الجامعة العبرية، فصمم عبد القادر على نصب كمين لهذه القافلة، على الجسر الفاصل بين المشارف والشيخ جراح، وأصدر أوامره الى عدد كبير من أفراد الجهاد المقدس ومنهم: (محمود سعد الدين الحسيني وعلي الموسوس وحسين عصلان ومحيي الدين صيام (من فرقة التدمير) ومحمود جميل الحسيني وعادل شرف وبهجت أبو غربية والزماميري والحاج احمد شاهين والشلودي ومصطفى صيام ومحيي الدين قطينة وفخري أبو السعود وسرندح وعلي الكسواني وغيرهم) الى التصدي لهذه القافلة وذلك في بداية سنة 1948 م.

   كمن هؤلاء على التلال المشرفة على ملعب الشيخ جرّاح (جبل مونت سكوبس)، وما أن اقتربت سيارات القافلة حتى انهال عليها المجاهدون بالقنابل اليدوية والرصاص، بعد أن قطعوا جميع الطرق المؤدية الى ميدان المعركة خوفا من وصول النجدات، وكانت حصيلة هذه المعركة قتل (84) يهوديا من بينهم (36) عالما، كما جرح العشرات ولذلك سميت المعركة (بمعركة العلماء). كما غنم المجاهدون مغانم كثيرة كما استشهد فيها الشهيدان (مصطفى صيام وسرندح) كما جرح فيها الحاج أحمد شاهين.

   وهناك الكثير من المعارك الجانبية التي خاضها رجال الجهاد المقدس وكان النصر والغلبة لهم رغم قلة السلاح والعتاد والمال، ولذلك اعترف الكتاب الاجانب بقدرة رجال الجهاد حيث كتب «كريستوفر سايكس» في كتابه (مفترق الطرق الى اسرائيل) يقول:-

   (بدأ العرب في نهاية شهر فبراير في وضع عسكري افضل من وضع اليهود، وكان العرب يهاجمون المستعمرتين الواقعتين الى الشمال والجنوب من مدينة القدس، وبالرغم من أن العرب لم يحتلوا أحدهما، الا أن الهجوم الذي قام به عبد القادر على المستعمرة الجنوبية المسماة (كفار عتسيون)، أدى الى ابادة جميع القوى الضاربة (الدفاع) التي ارسلت لنجدتها، ويقول (كمشي) ان هذه الكارثة قد أثرت تأثيرا نفسيا سيئا على يهود فلسطين)(316).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:25 am

الفصل الثالث

غدر اليهود ونذالتهم والرد عليهم

   دأب اليهود منذ قيام الثورة على الالتجاء الى الاعمال الدنيئة والجبن والغدر والخيانة، في الوقت الذي كانوا يتهربون فيه من ملاقاة المجاهدين ومقاتلتهم وجها لوجه، وكانوا يلجأون الى ضرب المدنيين الآمنين والشيوخ والنساء والاطفال، فعمدوا الى القاء القنابل المتفجرة والالغام القوية من سيارات تمر بسرعة في الاوساط المكتظة بالسكان الابرياء، وفي الشوارع العامة والمراكز التجارية، كما فعلوا في سوق البازار في القدس، وسوق الخضار في يافا وفي بعض اسواق حيفا والرملة، بقصد ترويعهم واجبارهم على ترك مدنهم، حيث كانوا يتسللون الى الاحياء العربية ليلا، أو بحماية الانجليز، فينسفون بيوت العرب وأسواقهم ملحقين أفدح الاضرار بالنفوس والاملاك، ففي 4/ 1/ 1948 نسف اليهود بناية دائرة الشؤون الاجتماعية في يافا (سرايا يافا)، ودمروها على من فيها من الموظفين وأصحاب المصالح، وذهب ضحيتها عدد من السكان الآمنين من العرب. وفي 5/ 1/ 1948 نسفوا فندق سميرأميس في حيّ القطمون ودمروه على من فيه من النزلاء، العرب، واستشهد فيه (18) رجلا وامرأة وطفلا، وزاد عدد الجرحى عن «20» شخصا (وكان من جملة اغراض اليهود من هذه العملية اغتيال عبد القادر، الذي كان موجودا بالفندق مع عدد من رجال الجهاد المقدس، الا ان عبد القادر كان قد غادر المكان قبل لحظات من حادث النسف)(317).

   وقد ساعدهم استخذاء الانجليز أمام ارهابهم، الى القيام بأعمال نسف كبيرة ضد مراكز الحكومة في فلسطين فنسفوا مكاتب السكرتارية العامة لحكومة فلسطين في بناية فندق الملك داود في القدس (الكنج ديفيد) على يد الارهابي بيجن، كما انهم القوا القنابل اليدوية على باب العمود مرتين، كما القوا ايضا القنابل في أسواق حيفا ويافا والرمله كما هاجموا بعض القرى العربية ونسفوا بيوتها وحرقوا مزروعاتها.

   استاء العرب من هذه الاعمال الهمجية الدنيئة وتهيج شعورهم ضدها، وذهبت وفود الاهلين الى القائد عبد القادر يطلبون منه معاملة اليهود بالمثل، وكان العرب يعرفون خبرة عبد القادر بصنع الالغام والمتفجرات وتعبئة القنابل.

   قابل عبد القادر الوفود واقنعها بأن مثل هذه الاعمال ليست من شيمة العرب، وأن عليهم أن يتحملوها، وأن ينتظروا أفظع منها وأجسم، وأن يقابلوها بصبر وشجاعة الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

   ودعا القائد مراسلي الصحف الاجنبية وأدلى اليهم بتصريح قال فيه:-

   (انه يمكنني أن أرد على أعمال اليهود، بأعمال أشد منها وأفظع، ولكن هذا ليس من المروءة والشرف، فميدان القتال هو ميداننا، وليس ميدان الخديعة والجبن والمكر، واني انصح اليهود أن يكفوا عن هذه الاعمال التي أودت بحياة العشرات من الابرياء من نساء وشيوخ وأطفال، واني أنذرهم باضطراري لمقابلتهم بالمثل اذا استمروا في اقتراف تلك الجرائم، واذا اضطررت بالقيام، فانهم سوف يندمون، وأنا على يقين أن العرب سيكسرون شوكة اليهود اذا لم يقلعوا عن عبثهم، الذي يبتعد كل البعد عن اعمال الحرب التقليدية)(318).

   وكثيرا ما كان القائد عبد القادر ينذرهم ويتوعدهم، وينصحهم بعدم تكرار مثل هذه الاعمال الاجرامية، عن طريق الاذاعة المحلية السرية التابعة لقيادة الجهاد المقدس، ولكن المجرمين لم يأبهوا ولم يرتدعوا، بل استمروا في تنفيذ أعمالهم البشعة الغادرة، فاضطر عبد القادر الى مقابلة أعمالهم بالمثل فشن هجوما عنيفا على مستعمرة (ميقور حاييم) في ضواحي القدس ونسف عدة بيوت فيها، ولكنهم لم يرتدعوا.

   ولهذا نشطت فرقة التدمير العربية بقيادة (فوزي نامق القطب) للرد على حصيلة الاجرام اليهودي التي بلغت:-

1 - من 13/ 12/ 1978 - 10/ 2/ 1948، القيت سلسلة من القنابل والبراميل المدمرة على مقاه وأسواق وشوارع عامة عربية، أسفرت عن استشهاد (105) أشخاص وجرح (292) عربيا. 

2 - من 11/ 2/ 1948 - 31/ 3/ 1948 م هوجمت شاحنات ركاب عربية، ونسفت قطارات ركاب أسفرت عن (109) شهداء و(195) جريحا.

3 - من 4/ 4/ 1948 - 19/ 4/ 1948 نسفت بيوت وفنادق أسفرت عن (167) شهيدا و(97) جريحا، كما تعرضت عشر قرى عربية لهجمات شرسة ومجازر

4 - 12/ 4/ 48 - 20/ 4/ 48 وبلغت ضحاياها (489) شهيدا و(196) جريحا(319).

عمليات النسف المذهلة

   صمم عبد القادر على أن يردّ الصاع صاعين، بعد ان ازداد تمرد اليهود واستمرارهم في تنفيذ أعمالهم الاجرامية البشعة حيث أدلى بتصريح الى جريدة النداء المصرية قال فيه:-

   (ان عرب فلسطين يخوضون معركة حياة أو موت فاما أن نخرج من القتال فائزين واما أن نموت جميعا في الميدان، ففلسطين لا يمكن أن تتسع للعرب والصهيونيين في آن واحد، فاما نحن واما هم). وأضاف يقول:-

   (ولقد وضعنا أرواحنا على اكفنا، فمن يشاء يلحق بنا ممن يرغبون في الجهاد لانقاذ عروبة فلسطين بل عروبة العالم العربي بأسره، لان اقامة دولة صهيونية في فلسطين معناه القضاء القريب على استقلال البلدان العربية المجاورة كلها بل وغير المجاورة أيضا)(320)

   ولما رأى القائد العربي تمادي اليهود في اعمالهم قرر تنفيذ خطة لتدمير الاهداف التالية:

1 - جريدة البالستاين بوست وبناية الهاغناة المجاورة لها.

2 - تدمير شارع بن يهوذا وفندق الاتلانتيك ومقر قيادة أزفاي لئومي.

3 - تدمير حي المنتفيوري.

4 - تدمير بناية الوكالة اليهودية.

   كما وضع خطة لنسف مركز حزبون في يافا وبناية هاسوليل - بونيه في حيفا وغيرها.

1 - نسف دار الصحافة اليهودية في شارع هاسوليل

   اتجه عبد القادر هذه المرة الى الفكر الصهيوني، الذي يخطط وينفذ، لينزل فيه أقسى الضربات وأعنفها، ففي يوم 1/ 2/ 1948 أعلن القائد أنه مريض، فاعتكف في غرفته الخاصة في عين سينيا، ومنع مقابلة أي شخص كان، وراح يركب لغما كبيرا زنته (طن ونصف الطن)، في سيارة نقل كبيرة يساعده المجاهد (فوزي القطب) وبعد تركيب اللغم، وضع معه مركبا خاصا، لا يعرف سر تكريبه(321) ونسب المواد الداخلة فيه، مما يزيد قوة الانفجار الى عشرة أضعاف، وبعد أن أتم تحصين اللغم، دعا المجاهد (عبد النور خليل جنحو) من أهالي مدينة القدس وعمره (23) عاما، وآمر فرقة المغاوير، وهو معروف بجرأته واقدامه واتقانه للانجليزية اتقانا تاما، وألبسه بذلة عسكرية انجليزية برتبة كابتن، وسلمه سيارة خصوصية صغيرة، وأمر متطوعا آخر من الاجانب الذين يعملون في فرقة المغاوير، أن يسوق السيارة الملغومة، ويسير خلف سيارة المجاهد عبد النور جنحو، ثم رسم لهما الخطة وحدد لهما مكان وزمان تفجير اللغم. وفي ليلة 11/ 2/ 1948 م تسللت السيارة الخاصة التي يقودها «أبو خليل» وتبعتها سيارة الشحن التي يقودها المتطوع رقم (1) مارة برام الله وشعفاط فمدينة القدس، مخترقة الشوارع العربية حتى وصلت بالقرب من الشارع الذي يوصل الاحياء اليهودية بمكاتب مباحث الجنايات الانجليزية، ثم عرجت عن تلك المكاتب في طريقها الى الاحياء اليهودية، وعند مدخل الحي، اعترض الحرس سيارة أبي خليل عند المستشفى الايطالي، فكلمه المجاهد عبد النور برطانة انجليزية وبقوة جرأة وجأش، قائلا له: ألا تعرفني.. انني مدير المباحث الجنائية، وأريد ايصال هذه القاذورات التي خلفي في سيارة الشحن الى مركز المستشفى «فما كاد الحارس اليهودي يسمع الصوت ويرى الزي والنجوم تلمع على كتفه، حتى فتح الباب قائلا بصوت متلعثم، وقد أخذته هيبة المتكلم: «تفضل يا سيدي بكل سرور». وهكذا مرت السيارتان في طريقهما الى عمارة البالستاين بوست في شارع هاسوليل، والتي تضم مكاتب الصحافة اليهودية ومكاتب شركة صحافة القدس ومكاتب جريدتي (علهمشمار وهامشكيف اليوميتين) ومكتب وكالة يونايتد برس ومكتب وكالة الانباء اليهودية وبعض مؤسسات المرابين ورجال الاعمال اليهودية، بالاضافة الى مكاتب جريدة بالستاين بوست الناطقة باسم الوكالة اليهودية في فلسطين.

   كانت الساعة تشير الى الحادية عشرة ليلا، عندما أوقف المتطوع السيارة الملغومة في المكان المحدد، بينما وقفت السيارة الصغيرة على بعد خمسين مترا منها، ثم قفز المجاهد (ابو خليل) بعد أن ترك محرك سيارته يشتغل، وقفز المتطوع الى السيارة الصغيرة، وراح أبو خليل يشعل الفتيل ويعود بسرعة فائقة الى سيارته التي انطلقت بسرعة جنونية في نفس الطريق التي قدمت منها، فلما رآه الحارس حتى فتح له الباب، وبعد دقيقتين انفجر اللغم فتطايرت عمارة الفكر الصهيوني وجميع العمارات المجاورة لها، بينما راحت ألسنة النيران تلتهمها، كما امتدت الى معامل الورق المجاورة فأحالت الليل نهارا.

   استيقظ جميع سكان المدينة مفجوعين على صوت الانفجار، وقد هال هذا الانفجار القيادة الصهيونية والشعب اليهودي، فراحوا يقولون ان خبراء انجليزهم الذين وضعوا اللغم وتارة يتهمون الالمان.

   كانت سيارة الشحن التي استعملت في هذه العملية من السيارات التي تخص منظمة شتيرن اليهودية والتي تمكن المجاهدون من الاستيلاء عليها في احدى المعارك، وقد اتهم بعضهم منظمة شتيرن ونسبوا اليها عملية النسف، أما الشعب اليهودي فقد هالته الضربة وكثرة الضحايا والخسائر المادية، فأخذوا يكيلون اللعنات والشتائم على قيادة الهاغناه، وصدرت صحفهم مجللة بالسواد، ولم يسارع عبد القادر الى اصدار بلاغ رسمي من محطة اذاعة صوت الجهاد المقدس بالحادث، حتى يعرف مدى ارتباك القيادة اليهودية، وكان يأمل في أن يوقع هذا الحادث بين اليهود والانجليز، ولكنه اخيرا اصدر بلاغا قال فيه(322):

   «ان هذا عمل تأديبي لليهود ورد على أعمالهم السابقة، وانه لم يقصد ايقاع الاذى بالسكان المدنيين، ولذلك اختار ساعة متأخرة من الليل لتنفيذ الانفجار، لعدم اكتظاظ المنطقة بالناس، ولانه يريد أن يتجنب - ما أمكنه ذلك - من قتل النساء والشيوخ والاطفال».

   اما القيادة اليهودية فانها حاولت رفع معنويات شعبها، فقامت بهجوم على القطمون ونسفت عمارة شاهين العربية وهي من أكبر العمارات في ذلك الحي، ولكنها كانت خالية من السكان

2 - نسف شارع بن يهودا

   يعتبر شارع بن يهودا (محن يهودا) من أكبر الشوارع وأجملها في مدينة القدس اليهودية، وهو قلب المدينة التجاري، وفيه تسكن الطبقة الراقية من يهود القدس، ويقع في منطقة منيعة يعتبرها اليهود احدى قلاعهم الحصينة، ويقع فيه (فندق الاطلنطي) الذي ينزل فيه كبار الضيوف والشخصيات اليهودية البارزة، كما تقع بناية رئاسة قيادة الارغون زفاي لئومي فيه، وتتضح أهميته من التسمية التي يحملها، وبعد تفكير طويل، صمم القائد على نسف هذا الشارع بأكمله في أسرع وقت ممكن، ولتنفيذ خطته قرر وجوب الحصول على احدي المصفحات الانجليزية، وبعض سيارات النقل ومقدار كبير من المتفجرات.

   كان السيد (محمد الكاظمي) أحد الموظفين العرب صديقا لبعض أفراد الانجليز، فأرسل عبد القادر في طلبه الى بير زيت ليستفسر منه عن امكانية الحصول على مصفحة انجليزية ولو باغلى الاثمان، مع محاولة اغراء سائقها بالمال.

   وافق السيد محمد الكاظمي على أن يجمع القائد بسائق احدى المصفحات ويدعى (المستروايت) ويعمل في يافا وتل ابيب، فانتدب القائد أمين سره قاسم الريماوي، للاجتماع بهما، وبعد مناقشات مطولة وافق المستروايت على ذلك شريطة أن يوافق أفراد دوريته الاربعة الذين يرافقونه.

   ولما اتصل المستروايت بجماعته، وافق الجنود الخمسة على الهرب بالمصفحة، شريطة أن تدفع لهم القيادة مبلغ 1000 جنيه، مع قبول انضمامهم الى قوات الجهاد المقدس.

   وافق عبد القادر على ذلك بعد أن قدموا المصفحة ورشاشا من طراز برن واربع بنادق واربعة مسدسات (كانت البندقية تساوي (60) جنيها والرشاش يساوي (250) جنيها).

   وصلت المصفحة الى بير زيت بعد منتصف ليلة 15/ 2/ 1948 وقام المجاهدون باخفائها في كراج القيادة بينما نقل الجنود الخمسة الى احد الفنادق في رام الله.

   كان عبد القادر في عين سينيا، حيث ذهب اليه قاسم الريماوي ليبلغه بنجاح العملية، وليتسلم منه المبلغ المشترط، فسر عبد القادر، ولكنه أسف لانه لم يكن يحمل قرشا واحدا. (وأخذنا نطرق أبواب الاصدقاء في بير زيت حتى استطعنا أن نجمع المبلغ ودفعناه للمذكورين)(323).

   لم يكن عند عبد القادر ما يكفيه من المتفجرات والالغام، فأمر أمين سره بالتوجه الى سوريا لاحضار كمية من المتفجرات تخص الجهاد المقدس من عند اللجنة العسكرية، فذهب قاسم الريماوي واستلم ثلاثة أطنان من المتفجرات وبعض الكبسول والعتاد، وبعد جهد وصعوبة شديدين استطاع قاسم الريماوي أن يوصل الشحنة سالمة الى بير زيت.

   كان رجال الجهاد المقدس قد استولوا على عدد من السيارات التابعة للنقل الانجليزي حيث وضعوها في بير زيت، وبعد وصول شحنة المتفجرات اخذ عبد القادر ثلاث سيارات منها الى عين سينيا، وأعلن كعادته أنه مريض، واعتكف في مختبره يعد اللغم المشهور، والذي يعتبر أكبر لغم على الاطلاق عرفته حرب فلسطين، فقد ملأ سيارات النقل الثلاث بالمتفجرات (3) أطنان وزودها بمركبات استحضرها بنفسه وحدد لها مواقيت متفاوته، لتنفجر الواحدة تلو الاخرى، ومادة بعد مادة، ثم عيّن المكان الذي يجب أن تقف فيه كل سيارة، ليضمن تدمير الشارع بأكمله وجميع الشوارع المجاورة.

   وبعد تجهيز السيارات والالغام نقلها الى كراج قيادة الجهاد في بير زيت، حيث تمّ اخفاؤها، وهناك رسم خطة التنفيذ، وعيّن الاشخاص الذين يجب أن يتولوا قيادة السيارات وحراسها، وفي تلك اللحظة استدعي عبد القادر الى القاهرة وغادر فلسطين.

   وفي ليلة 16/ 2/ 1948 م اتصل القائد بأمين سره قاسم الريماوي في رام الله، وأمره بتنفيذ الخطة المرسومة، وفي الحال اتصل المجاهد قاسم الريماوي بنائب القائد العام كامل عريقات واتفقا على تجهيز الرجال المسلحين، وفي تمام الساعة الرابعة من صباح 17/ 2/ 1948 م، كانت المصفحة التي يسوقها المجاهد (عزمي الجاعوني) ومن خلفها السيارات الثلاث الملغومة، وعدد من السيارات التي تقل عددا من المسلحين الذين يحمل بعضهم بطاقات عسكرية مزورة، في طريقها الى رام الله، ثم انحدرت الى طريق رام الله - يافا، حتى بلغت اللطرون، تلتقي طريق رام الله - يافا بطريق يافا في القدس، ومن هناك اتجهت السيارات نحو مدينة القدس وكأنها قادمة من يافا، مارة بباب الواد (على بعد (35) كم غربي القدس) بعد أن تولى قاسم الريماوي حامية من المجاهدين عند اللطرون، لمواجهة أي هجوم قد تتعرض له القافلة، كما وضعت حامية اخرى بقيادة كامل عريقات الذي كان يشرف على حراسة القافلة، في مركز بوليس قرية العنب (كريات عنافيم) غربي القدس.

   ولما وصلت القافلة مدخل المنطقة اليهودية واعتقد الحرس أنها قافلة انجليزية (كان يقود سيارات الشحن الثلاث متطوعون اجانب من فرقة المغاوير)، قادمة من تل ابيب الى القدس، وقد تأكد عندما رأى وسمع أن الاشخاص الموجودين يتكلمون الانجليزية بطلاقة، ويلبسون ألبسة الجيش الانجليزي، فلم يعترض سبيلهم، وهكذا اجتازت القافلة طريقها الى شارع بن يهودا، حيث وقفت السيارات في المكان المخصص لها حسب الخطة المرسومة، (بين الواحدة والاخرى 50 مترا).

   وفي الحال قفز كل سائق وأشعل الفتيل وركض مسرعا نحو المصفحة، التي عادت من حيث أتت بسرعة فائقة، وقبل مغادرتها المنطقة حاول بعض الحراس اليهود اطلاق النار عليها، الا أن حرس المصفحة كانوا أسرع فأردوه قتيلا.

   وما كادت المصفحة تبتعد مئات الامتار، حتى دوّى الانفجار (الذي سمع عن بعد 30 كم) الذي كاد أن يقلب المصفحة من شدّته. لكنها راحت تنهب الارض نهبا، ومن حولها سيارات الحماية حتى وصلت القافلة سالمة الى بير زيت.

   كان القائد البطل قد وقّت الانفجارات، فكانت السيارة الاولى الامامية موقوتة لمدة خمس دقائق والثانية لثلاث دقائق والثالثة لمدة دقيقتين، فانفجرت الواحدة تلو الاخرى، ودمرت الشارع بأكمله على رؤوس من فيه، واهتزت المدينة بأكملها، وتهاوت على الارض تسع عمارات وفندق الاطلانطي (الاتلانتك)، وعدة منازل ودار للسينما وعدة حوانيت ومكاتب.

   وبلغت خسائر اليهود في هذه العملية حوالي 2 مليون جنيه، أما بالنسبة للخسائر في الارواح فقد ورد ذلك في احصائيات ثلاث:-

1 - البيان الحكومي: فقد ذكر أن عدد القتلى 49 شخصا وبلغ عدد الجرحى 132 جريحا.

2 - أذاع اليهود أرقام الضحايا، وقد بلغوا 74 قتيلا و200 جريح.

3 - بينما قال العرب: ان العدد يزيد عن 200 قتيل وأكثر من ألف جريح(324).

   وبعد الانفجار المرّوع راحت بعض الاذاعات تذيع تصريحات كاذبة للقائد عبد القادر الذي كان يوم انفجار شارع بن يهودا في القاهرة فكتبت جريدة المصري تحت عنوان:

(نفي تصريح للسيد عبد القادر الحسيني)

ادلى الينا ناطق باسم الهيئة العربية العليا بالتصريح التالي:

   نشرت بعض الصحف وأذاعت بعض محطات الاذاعة تصريحات معزوة الى السيد عبد القادر الحسيني قائد المجاهدين في منطقة القدس حول حادث الانفجار، الذي وقع في شارع بن يهودا، زاعمة أنه أدلى بها الى بعض المراسلين بالقدس، ولما كان القائد المذكور موجودا خارج فلسطين منذ بضعة أيام، فمن الطبيعي أن لا يكون قد أدلى الى أي مراسل في القدس بمثل هذه التصريحات المزعومة(325).

   وعلى الاثر كتبت جريدة الاهرام حول نسف شارع بن يهودا قائلة:-

   (قال مراسل الاهرام: اتصلت اثر وقوع الانفجار في شارع بن يهودا بالقدس تلفونيا بالقيادة العربية لفلسطين، فأدلى الى السيد عبد القادر الحسيني قائد القوات المجاهدة في منطقة القدس بالتصريح التالي:-

   (كنا قد حذرنا اليهود وأنذرنا مجرميهم مرات عديدة، بألا يعودوا الى تكرار أعمال الغدر والاعتداء على العزل الآمنين من العرب، ولكنهم لم يسمعوا النصجح ولم يرعووا، فاضطررنا أن نقابل الاعتداء باعتداء أفظع منه، وليس حادث نسف شارع بن يهودا في القدس، الا صدى مدويا لاجرام اليهود في الرملة يوم الاربعاء الماضي، اذ وضعوا قنبلة في سوقها العربية، ويؤسفنا أن يضطرنا الصهيونيون الى مثل هذه الاعمال التي لا تقبلها الشهامة العربية، الا اذا كانت من قبيل التأديب والدفاع، وقد قال الله تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب لعلكم تتقون) (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين) صدق الله العظيم(326).

   وكتبت جريدة الزمان تحت عنوان (العرب هم الذين نسفوا الحي اليهودي) تقول:-

   أعلن راديو العرب أمس تحملهم لمسؤولية الانفجار، الذي وقع يوم الاحد الماضي بشارع بن يهودا، وهددوا بالاخذ بثأرهم من الصهيونيين الذين ثارت ثائرتهم، واشتبكوا مع العرب في قتال عنيف، أصيب فيه كثير من البريطانيين. وتقول مصادر عربية أن الصهيونيين الذين كانوا يعسكرون قرب مستشفى هداسا، بالقرب من الجامعة العبرية، أطلقوا مدافع الهاون على بيت المفتي، الذي يقع على بعد 1000 ياردة من هناك، وكان هذا المنزل قد تخربت بعض أجزائه من انفجار وقع حديثا.

   وضح السيد عبد القادر في بيان صحفي بان العرب سيثأرون بغير هوادة من أي عمل عدواني صهيوني، وقد رد الصهيونيون على هذا في اذاعة لهم باللغة العربية «بأن الحاج امين الحسيني مفتي فلسطين قد أبرق الى السيد عبد القادر من القاهرة يطلب اليه أن يتخذ من الانباء القائلة بأن العرب هم الذين القوا القنابل وسيلة للدعاية لنفسه ولاتباعه.

وتابعت جريدة الزمان قولها:-

   جاء في رسالة تلقتها جريدة (نيويورك تايمز) من مراسلها في القدس عن شارع بن يهودا، ان قليلا من الشك يحمل البعض على الاعتقاد، بأن بعض البريطانيين قد اشتركوا في ذلك الحادث وليس هناك أي دليل على ذلك، على أن القوات البريطانية قد اشتركت فيه، ويقول المراسل أنه استقى من بعض المصادر العربية، أن السيد عبد القادر سيدلي ببيان للصحف العربية اليوم، يذكر فيه أن الرجال الذين تحت امرته ومن بينهم متطوعون بولندين وبريطانيون، قد قاموا بالهجوم الذي أدى الى ذلك الحادث المروع، وقد خصصت النيويورك تايمز عناوينها الرئيسية للهجوم على البريطانيين، اذ جاء في عنوان فرعي: «يقول العرب ان المتطوعين البريطانيين هم الذين تسببوا في هذا الحادث»، ثم غيرت الصحيفة هذا العنوان الفرعي في طبعة اخرى فقالت: «ويقول العرب ان المتطوعين البريطانيين والبولنديين قد اشتركوا في عملية النسف».

   كما نشرت جريدة نيويورك هيرالد تريبيون رسالة من القدس لم تذكر فيها البريطانيين، ضمن المشتركين في الحادث، ثم قالت ان الصحف العربية قد ذكرت ان السيد عبد القادر الحسيني صرح بأن وحدة من المقاتلين العرب هي التي تولت عملية النسف في شارع بن يهودا(327).

اما جريدة الاساس فقد كتبت حول عملية النسف فقالت: -

   اتهمت اللجنة الثلاثية التي شكلتها الوكالة اليهودية للتحقيق في حادث نسف شارع بن يهودا، في الثاني والعشرين من فبراير الماضي، البريطانيين بتدبير الحادث، الذي تسبب في اصابة مائة شخص وقتل خمسين، وقد جاء في التقرير الذي وضعته اللجنة، أنه ثبت أن السيارة المصفحة التي استعملت في جر اللوريات الثلاثة، التي كانت معبأة بالمواد المتفجرة في شارع بن يهودا، كانت من سيارات البوليس، وأن الشخص الذي رئي فيها كان بريطانيا، وأضاف التقرير الى ذلك أنه لم يثبت انه كان بالسيارة أي عربي(328).

أما جريدة المصري فقد كتبت:-

   لقد تحدث القائد عبد القادر الحسيني عن نسف المباني في فلسطين فقال:-

   «ان العرب لم يقدموا على مثل هذه الاعمال الا ردا على عدوان اليهود، مع مراعاة احداث اقل عدد ممكن من الاصابات بين النساء والاطفال المدنيين على وجه العموم، ولكن اعداءنا اليهود يواصلون عدوانهم وأعمالهم الخسيسة، ونحن نضطر ازاء ذلك الى أن نلقي عليهم دروسا قاسية، واذا ما أصروا على اتباع اعمالهم العدوانية الخالية من الشجاعة، فسنريهم اننا قادرون على نسف مبانيهم اذا شئنا، وأذكر هنا حادث نسف جريدة بالستاين بوست، فقد أمرت بأن يراعي العرب عدم اصابة أحد لا تدعو الضرورة لاصابته. وقد قمت بدراسة هذه المنطقة بنفسي، وأمرت بألا يبدأوا عملهم الا عند التأكد من خلو المبنى من الاشخاص. ولما سئل السيد عبد القادر الحسيني عن الحركة المقبلة التي يضطلع بها، أبى ان يصرح بأكثر من ذلك(329).

اما جريدة الشرق فقد كتبت:

   كتب أحد المراسلين الذين أجروا مقابلة صحفية مع القائد العام يقول:

   لقد انتقل العرب من طور الدفاع الى طور الهجوم، والعرب اليوم سواء أكانوا في القدس أو يافا أو بقية القرى العربية هم الذين يبادئون بالهجوم، وذلك بالرغم من قلة أسلحتهم بالنسبة لاستعدادات الصهيونيين، ولكننا نحن أقوى منهم بكثير.

   ثم أخذ يعدد لي أمثلة عن آخر ما تلقاه من تقارير عن المعارك وعن تفوق العرب في هجوماتهم، وخلص الى القول: لقد كان من نتيجة هذه المعارك ان قامت قيامة الصحف الصهيونية، تحمل على الهاغناه، وتصف هجماتها بأنها غير موفقة، وتنعت دفاعها بالضعف، وهذا ما يدلل بوضوح على قوة دفاعنا وضراوة هجومنا، وان كنا في الواقع لم نبدأ حتى الآن بالهجوم الحقيقي.

   سأحدثك عن ناحية هامة، لا نرى فرقا بين أعمالنا واعمال الصهيونيين، اننا نحن العرب اذ نضرب لا نوجه ضرباتنا الا لقوى المحاربة اليهودية، ولا نعتدي مطلقا على الاهلين، بينما نرى ان اعتداءات الصهيونيين لا تستهدف الا الاطفال والنساء والشيوخ، ولا يخفى أن خسائرهم نتيجة أعمالنا تكون في قواهم الحربية، في حين ان خسائرنا، لا تمس قوانا المحاربة، بل تزيد رجالنا قوة وحماسة، وهو خير دعاية لنا ضد اليهود في الخارج.

   ثم أوضح القائد الحسيني كيف أن رجاله حين قاموا بنسف بناء جريدة البالستاين بوست، راعوا عدم وجود عمالها، واختاروا موعد خروج العمال لتناول العشاء في مكان آخر وبلهجة الرجل الممتلئ حماسة وأملا قال:

   اننا لا نزال في حاجة الى أسلحة، غير أن ذلك سيؤمن في مدة قريبة، وسيرى الاعداء حينئذ أي منقلب ينقلبون.

   ولما قلت له: ان اليهود حددوا يوم أول نيسان للهجوم العربي قال بسخرية:

   «نحن نتركهم يقدرون الوقت (على كيفهم) ولكن على كل حال، سيعرفون موعد هجومنا عندما يتلقون الضربة القاصمة»(330).

3 - نسف حيّ المنتفيوري 14/ 3/ 1948 م

   حيّ المنتفيوري من أقدم الاحياء اليهودية في القدس، وهو عبارة عن بيوت كثيرة متلاصقة ومتداخلة كأنها بيت واحد، ويحيط بهذا الحيّ سور به عدة أبواب تعتبر منافذ للحيّ.

   يقع هذا الحيّ على سفح الجبل الذي يقابل جبل صهيون ومقام النبي داود، وهو بطبيعة موقعه يسيطر على طريق القدس - بيت لحم - الخليل، وهو الطريق الوحيد الذي يربط القدس بالقسم الجنوبي، وقد بني هذا الحيّ على شكل حصن لحمايته من الهجمات العربية، وحوله توجد الاستحكامات المنيعة والحصون القوية، فاتخذه اليهود مركزا يهدد المواصلات العربية، وتصّيد المارّة من العرب على يد القناصة اليهود، ولكن حماة حيّ النبي داود الذي يواجه هذه القلعة، كانوا يردون على نيرانهم بالمثل.

   وكثيرا ما تعرض هذا الحيّ الى هجمات مركزة قوية من العرب، ونظرا لخطورته فقد قرر القائد تدمير هذا الحيّ بأسره، فجهز لغما زنته (3) طن، ووضعه في سيارة شحن كبيرة، وطلب الى ثلاثة من الفدائيين من فرقة المغاوير وهم (أحمد سرحان المغربي وناجي مصطفى وكاظم التونسي) تنفيذ خطة النسف، وكانت الخطة كالتالي:-

   يقوم فصيل من حاملي الرشاشات بقيادة القائد بهجت ابو غربية، باطلاق نيران شديدة على الحيّ من منطقة النبي داود، التي تواجه الحيّ من الجهة الشرقية، في تمام الساعة السابعة من مساء 14/ 3/ 1948، وكالمعتاد يردّ اليهود اطلاق النار بالمثل، ومع اشتداد صليات المجاهدين سيخفى اليهود رؤوسهم واجسامهم، وفي تمام الساعة الثامنة تتقدم السيارة الملغومة التي يسوقها المجاهد احمد سرحان المغربي، وتتبعها سيارة صغيرة الى الطريق الموصلة الى قمة الجبل، الذي يقع الحيّ في سفحه من الجهة الغربية، فينزل السائق ومعاونه من السيارة ويشعل الفتيل (وكان اللغم قد وقّت لمدة ثلاث دقائق) ويترك محرك السيارة يشتغل فتسير في المنحدر، حتى تصطدم ببيوت الحيّ فتنفجر، وكان هذا اللغم كافيا لتدمير جميع البنايات على مساحة كيلو متر مربع.

   وتمّت الخّطة بنجاح تام، وقد بلغ من جرأة الفدائيين انهم لم يتركوا السيارة تنحدر بنفسها على الحيّ بل ظلّوا فيها حتى دخلوا منتصف الحي، وتركوا السيارة بعد أن أشعلوا الفتيل، وعادوا مسرعين الى السيارة الاخرى الصغيرة، التي كانت تنتظرهم لتعود بهم سالمين.

   وبعد ثلاث دقائق دوىّ الانفجار الذي هدم ما يزيد عن (50) عماره (وأذكر أنني كنت جالسا الى جانب القائد الباسل في بيت ابن عمته الدكتور محمد الحسيني، فاذا به ينظر الى ساعته وكانت تشير الى الثامنة، ثم يقول «افتحوا النوافذ وشبابيك البيت في الحال، لان الانفجار سيحدث بعد ثلاث دقائق» وما ان بلغت الساعة الثامنة وثلاث دقائق حتى دوى الانفجار وهزّ جميع أحياء المدينة، وبعد ست دقائق كان الابطال الثلاثة يؤدون التحية للقائد العام وهو يصافحهم مهنئا اياهم بالسلامة)(331).

   وعلى الاثر كتبت جريدة الاساس تحت عنوان:

سلاح النسف لم يعد احتكارا يهوديا

   «صرح عبد القادر الحسيني قائد القوات العربية في منطقة القدس في اجتماع عقده في مكان ما بالقدس، وشهده فريق كبير من الصحفيين الاجانب بأن اليهود نسفوا مساء أمس مسجدا في قرية القسطل العربية على الطريق بين القدس ويافا.

   وأشار القائد الى الهجمات التي يشنّها اليهود على المنازل العربية، من الجامعة العبرية ومستشفى هداسا قائلا: انها أدّت الى مقتل كثير من النساء والاطفال، وان اليهود يحاولون اثارة العرب ودفعهم الى الاخذ بالثأر، حين يهاجمونهم من هاتين المؤسستين الانسانيتين. وسئل اذا كانت ملاحظته هذه تنطوي على تهديد بنسف الجامعة العبرية فنفى ذلك، ولكنه عقب بقوله: انه اذا ظل اليهود يقومون بأعمالهم الاستفزازية من هذين المكانين، فسيضطر العرب الى اتخاذ التدابير الكفيلة بوضع حدّ لها، وان كانت القيادة العربية العليا لا ترغب في القيام بعمل كهذا».

   وسئل أيضا عما أذاعته الوكالة اليهودية من أن مائتي جندي بريطاني قد تطوعوا للقتال في صفوفه، وأنهم متجمعون الآن في مقر قيادته فأجاب بقوله: انه يدعوهم لزيارة مقر قيادته، ليستوثقوا من كذب هذا الزعم»، وأجاب عن سؤال بشأن نسف شارع بن يهودا بقوله: «انه لا دخل للبريطانيين فيه، فقد قام به العرب وأنه يكره مثل هذه الاعمال، ولكن العرب مضطرون اليها، لدأب اليهود على اثارتهم واستفزازهم. وأضاف قوله: ان اليهود كانوا يظنون انهم وحدهم القادرون على استعمال هذا السلاح، وقد استعملوه فعلا عشرات المرات ضد البريطانيين والعرب، فاضطر العرب الى استعماله هم أيضا.

   وأجاب عن سؤال آخر قائلا: ان رجاله لن يحاربوا رجال البوليس والجيش البريطانيين، ما داموا يعتزمون ترك البلاد «ووعد جميع المراسلين الاجانب بتنفيذ الحماية الكافية لهم بعد انها الانتداب»(332).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:26 am

نسف مقر الوكالة اليهودية في الطالبية

   لا شك ان هذه الوكالة هي الجهاز التنفيذي للحركة الصهيونية العالمية، وكانت بنايتها اشبه بقلعة مغلقة تضم أقبيتها وثائق نصف قرن من النشاط الصهيوني، وقد أحيطت هذه الوكالة بسور فولاذي ارتفاعه ثلاثة أمتار ويتولى حراسته عدد من جنود الهاغناه، كما زرعت الشوارع المؤدية اليه بقضبان حديدية وبراميل مملوءة بالمتفجرات، لتحول دون وصول أية سيارة، الا ضمن حدود ضيقة، وكان على الداخل اليها أن يحمل تصريحا خاصا وهويته الشخصية(333).

   وكان بطل نسف هذا الوكر هو المجاهد البطل (أنطون جميل داود) واليك وصفا لعملية النسف حسب ما جاء في مخطوط الدكتور قاسم الريماوي على لسان المجاهد البطل.

   ولد المجاهد أنطون داود في مدينة بوغوتا عاصمة كولومبيا في أمريكا اللاتينية، عام 1909 م، وأتم دراسته الثانوية في مدرسة باغوتا، والتحق بكلية (سانت جونز) في القسم التجاري وتخرج منها عام 1930 م، ثم التحق بجيش أمريكا الوسطى حيث حصل على رتبة ملازم أول، واشترك في القتال ضد الجيش الامريكي في المكسيك، وحصل على رتبة كابتن بفضل شجاعته في معركة جبال لاسيجوفيا، حيث كان يقود فرق الرشاشات، وبعد انتهاء المعركة عاد الى بيته في هاندوراس عام 1932 م حيث أسّس شركة طيران مدنية سميت (تاكا) بالتعاون مع الدكتور باونز الامريكي وجيمس ويلزبات والطيار الاسترالي بركس.

   ولما سمع بنشوب حرب بين كولومبيا (مسقط رأسه) وبيرو، اتجه الى كولومبيا للاشتراك في الحرب، وما أن وصل حتى وضعت الحرب أوزارها سنة 1933، ثم اتجه الى فرنسا عن طريق البحر، وبقي في باريس عند أقاربه آل جاسر سنة كاملة، ومن هنا عاد الى بيت لحم في فلسطين (مسقط رأس آبائه وأجداده) مارّا بمرسيليا، وهناك تعرف على عدد من اليهود، واستطاع الوصول الى فلسطين بدون جواز سفر على اعتبار أنه يهودي مهاجر.

   ولما حضر الموظف البريطاني المسؤول عن التحقيق في جوازات السفر في ميناء حيفا، وطلب منه جواز السفر، أبلغه أنه يهودي فقال له الموظف: هيا أسرع مع جماعتك فورا. ولم يحاول اعاقته وسهّل نزوله الى البرّ.

   أضافه مرافقوه اليهود الى تل ابيب حيث حلّ في بيت يقع في (75 شارع اللنبي) في تل ابيب حيث تعرف عليها، ثم طلب من مضيفيه الذهاب لزيارة القدس وبيت لحم والناصرة فقالوا له: ان هؤلاء (اهلها) عرب وقطّاع طرق). لكنه ذهب الى يافا، ومن هناك اتجه الى القدس فبيت لحم سنة 1935، ولما نشبت ثورة 1936 خشي من الالتحاق بها، مع تشوقه وحبه لانقاذ بلاد أجداده وحبه للحرب بسبب عدم اتقانه للّغة العربية، لهذا آثر ان يخدم بلاده عن طريق التحاقه بقوة البوليس الفلسطيني، فالتحق به عام 1936، ونقل الى مركز زخارين وهناك أخذ يعمل لصال بلاده مستغلا مركزه الرسمي.

   وفي أحد الايام اطلق احد المجاهدين النار على يهودي فقتله بالقرب من زخارين، وأراد اليهود الانتقام من القرية العربية المجاورة واسمها (مراديس)، فطوقوا العمال بالليل وألقوا القبض على رئيس العمال، وهو من المجاهدين ويدعو (مصطفى) وقد وضع اليهود مسدسا في جيبه وسلموه لمركز البوليس في زخرون، ولما علم أنطون بذلك، ذهب الى مكتب الاحوال وتمكن من الحصول على المسدس، فأتلفه من الداخل ووضع علامات على جميع قطعه الداخلية بمبرد رفيع، وأعاد المسدس الى الخزانة وسجل رقمه على علبة سجاير، وأبلغ المتهم بضرورة انكار المسدس، واتصل بأهله ليطلبوه للشهادة، ولما قدم مصطفى المذكور للمحكمة العسكرية وشهد ضده ضابط المركز اليهودي، تقدم انطون فشهد بأن الضابط اليهودي قد أعطاه المسدس المذكور قبل ثلاثة ايام من تاريخ القبض على مصطفى، وطلب اليه اصلاحه بصفته خبيرا في الاسلحة، ولما تأكد من عدم صلاحيته أعدته اليه وقال: ان المتهم مسلم وانا مسيحي من كولومبيا ولا تربطني به أية علاقة أو معرفة...

   وهكذا كتبت النجاة للمتهم الذي كان سيشنق حتما، على يد هذا الرجل الشهم، وحدث ان ذهبت قوة من البوليس لتفتيش بيت أحد المجاهدين في القطمون ومعهم أنطون، ولما ذهب الضابط لاحضار المختار، انسلّ انطون الى صاحب البيت بسرعة خاطفة واعلمه الخبر، وأخذ بندقية الرجل ودفنها بعيدا... ولما حضر الضابط، وأمر بتفتيش البيت لم يعثر على شيء، وهكذا كتبت النجاة لعائلة كبيرة بفضل جهوده... ولما شكّت السلطات في أمره، اوقفته عن العمل، لكنه اتصل بواسطة جماعة من جمعية الشّبان المسيحية بالقنصلية الامريكية، حيث اشتغل فيها عام 1947 م، في قسم التأشيرات، وهناك استطاع أن يتعرف على أسرار القنصلية الامريكية، من خلال البرقيات والمكالمات التليفونية، كما تعرف على فتاتين احداهما من الارغون والثانية من افراد الهاغناه، وتعملان في القنصلية، ومن خلال ذلك عرف ان جميع قوى اليهود السياسية والعسكرية، تحت امرة الوكالة اليهودية ولا صحة لما يقال عن اختلافا مع بعض المنظمات.

   كان الميجر (انجرونوفيتش) ملحقا عسكريا في القنصلية (وقد علمت انه على اتصال دائم بالوكالة اليهودية هو وزوجته، وهما يسكنان في حيّ القطمون العربي، واذكر انه في احدى الليالي، أقام الميجر حفلة ساهرة في بيته، ضمت عددا من الشخصيّات المهّمة، فتسللت حتى وصلت خلف صخور تطل على الدار، وفي هذه الاثناء حضرت سيارة صغيرة تقل شخصين من رجال الوكالة اليهودية، الذين يترددون على القنصلية. فنزل أحدهما وأطلق صفيرا، فخرج على الاثر الميجر المذكور، وقابلهما وسلم كل منهما الآخر شيئا لم اتبين حقيقته، وبعد نصف ساعة انفجر لغم كبير في القدس، وفي هذه اللحظة صممت علي نسف الوكالة اليهودية لانها مصدر الجرائم الرئيسية، ولا فائدة بدون تدميرها ودكها من اساسها، ومن هنا قررت العزم على تنفيذ هذا الامر ولو كلفني اعز ما املك من حياة او مال....)

   عرفت بفضل وجودي في القنصلية، وبطريقة سرّية ان ضابطين من اعظم الشخصيات البارزة في الوكالة اليهودية، سوف يحضران الى القنصلية الامريكية صباح يوم السبت في تمام الساعة العاشرة، فذهبت الى عاملة التليفون اليهودية واسمها (فكتوريا) وقلت لها:

(ان غدا السبت وانت امرأة ولك اولاد. وانا اريد ان عمل مكانك لتقضي عيد السبت مع اهلك وابنائك، فسرت سرورا عظيما وقالت: لا مانع عندي اذا وافق القنصل...)

   وكلمت القنصل قائلا: ان هذه السيدة خجلانة منك بسبب غيابها يومين في الاسبوع الماضي وابنها مريض وانا مستعد ان اشتغل مكانها غدا، فوافق القنصل وقدّر شعوري نحوها، وبانسانيتي رفقة بها وبابنها المريض، ومن شدة سروره وتقديره وعد باعطائي اجازة يومين، مقابل ذلك الشعور فقال: كيف استطيع مكافأتك يا أنطون.. فقلت لها: يكفي ان تعرفي ان العرب عندهم شهامة، ولا تمنعهم اعمالكم معهم عن بذل المعونة لكم.

   وبقيت تلك الليلة في القنصلية، ولما سألني القنصل عن سبب تأخري حتى ساعة متأخرة من الليل أجبته: انني لا اتمكن من الذهاب الى بيت لحم لبعدها، ولانني لا استطيع ان اترك التليفون...

   وفي تلك الليلة رسمت خطة كانت كالتالي:-

   صعدت الى غرفة القنصل التي كانت خالية في الساعة الثامنة من صباح يوم السبت، ورفعت سمّاعة التليفون، ووضعت (شيئا ما) بين السماعة ونقطة ارتكازها على جسم التلفون ووضعت بينهما عود كبريت لتفصل بين السماعة والجسم، وبفضل ذلك بقي التليفون مفتوحا، بالرغم من انه مقفل، وبفضل هذه العملية، اصبح في امكاني ان استمع من مكتب التوزيع الهاتفي الى جميع الاحاديث التي ستدور بينهم وبين القنصل في غرفة مكتبه، ومنها استطعت معرفه؛

   (ان من بين الحاضرين ضابطين من كبار ضباط الجيش الامريكي، وهما ينويان على تأليف قوي الميليشيا اليهودية، وانهم سيعقدون يوم الخميس الموافق 11/ 3/ 1947 م اجتماعا في تمام الساعة العاشرة في دار الوكالة اليهودية، وكان هؤلاء يقطنون في فندق (عدن) بالقدس، وقد عرفت بعد ذلك ان الميجر المذكور يتردد كثيرا على هذا الفندق...)

   وفي الحال اتصلت بالقائد عبد القادر الحسيني، واعلمته بالموضوع وبالخطة لتجهيز الالغام...

   وفي صباح يوم الخميس 11/ 3/ 1947 ودّعت زوجتي واولادي الوداع الذي كنت اعتقد انه الاخير، وذهبت الى مكان عملي في القنصلية كالمعتاد، فغافلت موظفي القنصلية، واخذت السيارة في تمام الساعة 45: 8 وذهبت الى المدينة القديمة، حيث وضعت اللغم فيها، وفي تمام التاسعة وخمس دقائق توجهت الى هدفي المنشو، حسب الخطة المرسومة التالية:-

   (كان عليّ ان اجتاز قبل الوصول الى الهدف حاجزين انجليزيين، واربعة حواجز يهودية، وكنت احمل مسدسين اوتوماتيكيين وقنبلتين يدويتين واربع علب سجاير امريكي، ولما وصلت الحاجز الاول من جواجز المناطق المنظورة، والتي يتولى حراستها الجنود الانجليز، حييت الحارس بالانجليزية، وقدمت له سيجارة امريكية فقال: شكرا. وبهذه الطريقة اجتزت الحاجزين. وعند وصولي الى اول حاجز للهاغناه في شارع الملك جورج، حضر اليّ الضابط المسؤول واربعة من رجال الهاغناه الموكول اليهم امر الحراسة، وكلّمني بالعبرية فقلت له: انني اعرف قليلا، تكلم معي بالاسبنيولية او الانجليزية، وسألني الى اين أنت ذاهب فقلت له:

   ألا تعرف انني ذاهب من القنصلية الامريكية لاحضار الشخصين العسكريين من غرفة رقم 14 في فندق عدن الى الوكالة اليهودية.. ؟

   فلما سمع ذلك قال: أهلا بك... تفضل.. فشكرته، وقدمت لكل واحد منهم سيجارتين امريكيتين واجتزت الحاجز الثاني بنفس الطريقة، وبرباطة جأش. لانني ايقنت ان امامي هدفي، وان وراء وصولي الموت المحقق، وبعد ان اجتزت الحاجزين، وقفت امام فندق (عدن) واشتريت جريدة (البالستاين بوست)، واخذت اقرأ. فيها وانا في السيارة كأنني انتظر احد الاشخاص، وفي هذه الفترة ضبطت ساعة توقيت الانفجار، ووضعتها على العشر دقائق، وعدت الى دار الوكالة من حيث اتيت، واوقفت عند الحاجز الاول. فقال لي المسؤول اين الضابطان اللذان ستحضرهما؟ فقلت له: لقد اجلا الموعد حتى الساعة الحادية عشرة والنصف... فبدلا من الانتظار سأذهب لاتناول قطعة من الساندويش. صّدق الرجل كلامي، وقدمت له سيجارة اخرى، ثم واصلت سيري في طريقي الى القنصلية الامريكية عن طريق شارع الملك جورج مارا بالوكالة اليهودية، وقبل وصولي الى ار الوكالة أوقفت امام الحاجز الثاني، وكلمت حرّاسه بالاسبنيولية (وهي اللغة المحببة لدى اليهود الاسبنيوليين)، وأبلغت قائد الحرس ان الشخصين قد تأخرا حتى الساعة الحادية عشرة والنصف وقدمت له علبة سجاير فشكرني وقال:

   - عندما تعود يجب ان تحسب حسابك ان نقضي بعض الوقت، لنتحدث في الاوضاع الحاضرة فأنا أتشوق للتحدث بالاسبنيولية... وهنا تقدمت الى الساحة.. ساحة الوكالة اليهودية. وكانت هذه الساحة محاطة بشريط كهربائي على شكل بكرة، وقد وضعت براميل مملوءة بالمتفجرات في المدخل وتدلّى من البكرة سلكان كهربائيان، وفي مؤخرة البكرة يوجد جرس كهربائي، اذا ضغط عليه حصل تيار كهربائي قوي يدفع البراميل الى الامام مسافة كبيرة، تحطم أية قوة تقف أمامها مهما كان ثقلها، وهذه الترتيبات للحيلولة دون اقتحام باب الوكالة بالقوة....

   وما أن وصلت حتى فتح المسؤول الحاجز على صراعيه لاعتقاده انني احمل الضابطين معي في السيارة (سيارة القنصلية الامريكية) للاجتماع... ولما دخلت الساحة، وشاهد الحارس انه لا يوجد احد بداخل السيارة سواي حتى صرخ: عربي... عربي... فأسرعت في الحال وارت محرك السيارة واتجهت الى الحائط الذي تقع فيه مكاتب الكيرن كايمت ومكاتب الملة اليهودية ومركز الماني، وقربت السيارة اليه، وكنت اعلم ان اللغم قد أوشك ان ينفجر، لانني وقتّه في ساحة فندق عدن على عشر دقائق، حيث مضى نصفها على الاقل في الطريق، ونزلت بسرعة من السيارة واقفلت بابها، ورميت بالمفتاح بعيدا حتى لا يتمكن اليهود من فتح الباب ورفع الالغام ان هم قبضوا عليّ..

   وعلى اثر صيحات الحارس.. عربي... عربي.... هجم عدد كبير من قوات الهاغناه من الاخل والخارج نحوي، فالقيت القنبلة الاولى (وكنت أحمل قنبلتين من نوع ملز) ولكنها لم تنفجر، والقيت الثانية فلم تنفجر، وعندها استللت المسدسين اللذين احملهما ووضعت السيارة خلفي للدفاع عنها وعني، وفي هذه الاثناء شاهدت مصفحة للهاغناه، تقف على بعد خمسة امتار مني على شمال الشريط الموصول الى شارع الملك جورج، ولا احد فيها عندها وجّه اليّ الحرس المقيم على الزاوية الشمالية من الوكالة صلية رشاش، فأطلقت عليه طلقتين من مسدسي، فأصابته احداهما، فسقط على أكياس الرمل التي امامه، ثم قفز احد ضباط الهاغناه الى سيارة تقف بجانب المصفحة، واخذ منها مسدسا، فلما لمحته أطلقت عليه النار فأصبته وخرّ صريعا، وارتمى تحت قدمي مضرجا بدمائه، وعند ذلك وجه احد حاملي رشاش هوشكس النار تجاهي، من البناية المقابلة لعمارة الوكالة صليتين من الرصاص، ولم يتمكن من مواصلة الرمي خشية ان يصيب رجاله الذين احتشدوا في الساحة.

   وفي هذه اللحظة نزل احد الضباط من بناية الوكال من الجه اليسرى، وفي الحال أطلقت الرصاص عليه من مسدسي فهوى على وجهه وسقط منه المسدس الذي كان يحمله، فخرجت منه رصاصاتان أصابت احد الجنود المتقدمين نحوي...

   ولما لاحظت ان قوة الخصم قد زادت من الجهة اليسرى شعرت بحراجة موقفي، وتأكدت من ان اللغم سينفجر حتما بعد لحظات، وفي الحال ألقيت بنفسي على الارض وتدحرجت حتى اصبحت تحت المصفحة اليهودية وبسرعة فائقة، تدحرجت من تحت المصفحة وفجأة وجدت نفسي في الشارع العام.. وفجأة وجدت نفسي أترنج يمنة ويسرة، وشعرت انني اكاد اطير في الهواء... كان اللغم قد انفجر، فطيّر العمارة وجميع ما حولها من استحكامات واكياس الرمل. وما ان تمالكت شعوري ووقفت على قدمي، حتى رأيت سيارة خضراء يهودية تقف وسائقها في حالة ذعر شديد، فأسرعت نحوها، وضربت السائق على رأسه بعقب المسدس فأغمي عليه وانزلته من السيارة، وصعدت عليها، وادرت محرك السيارة وبسرعة جنونية سرت حتى وصلت تراسنطة، ولما سمعت زامور الخطر تركت السيارة، بعد أن اخذت منها رزمة ملفوفة، وسرت الى جانب الطريق المزروع بشجر الزيتون، حتى وصلت كراجا يملكه رجل عربي، وهناك حشوت المسدسين وجهزت نفسي لمغادرة مدخل المنطقة المحظورة، الذي يتولى حراسته الجنود الانجليز، وكان يحرسه ثلاثة من الانجليز يحمل احدهم رشاش برنّ، كما يحمل الآخران اسلحة اوتوماتيكية، فلما وصلت اليهم وقد قررت القضاء عليهم ان حاولوا التعرض لي، الا انني وجدتهم مذعورين من شدّة الانفجار، ويحملقون في اعمدة الدخان المتصاعدة، وتقدمت الى الشاويش وقلت له: لقد نسف الانجليز عمارة الوكالة اليهودية.. فصاح بي... اذهب من هنا حالا..

   وهكذا تمكنت من الخروج من المنطقة المحظورة، ومنها توجهت الى الحرم الشريف، ومنه الى مدينة اريحا، ومن اريحا الى نابلس حيث تناولت الكنافة...

   ثم توجهت الى بير زيت لمقابلة القائد عبد القادر، وفعلا قابلته في رام الله في بيت الدكتور سليمان سليم، وعندها قدمت له المائة جنيه التي كانت ملفوفة في سيارة اليهودي وكانت ثمنا لبنزين شركة شل، وقلت له:

   (هذه غنمتها من اليهود وهي ملك للقيادة). فرفض عبد القادر ان يأخذها واصررت على ذلك، فما كان منه الا أن أخذها وعدّها، فوجدها ناقصة خمسة جنيهات فتناول من جيبه خمسة جنيهات واعادها جميعا اليّ وقال: «انها حلال لك حرام على غيرك».

   وبعد ذلك انتقل انطون الى خارج فلسطين، ورغم محاولاته للعودة الى صفوف الجهاد الا ان المصلحة العامة اقتضت بقاءه خارج البلاد محافظة على سلامته...

   وهكذا خطط المجاهد «أنطون جميل داود» ونجح في تدمير الوكالة اليهودية وما جاورها من عمارات اخرى، واندلعت النيران والتهمت بسعيرها المكاتب اليهودية بما تحويه من ملفات واسرار وسجلات... كما اصاب التدمير بيت المال اليهودي، ومكاتب المجلس الملّي اليهودي... وكانت خسارة اليهود في هذه العملية 36 قتيلا... وجرح حوالي 100 بعد ان كان اليهود يعتقدون ان دار الوكالة امنع من عقاب الجو.....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:27 am

الباب السادس

الفصل الاول

عبد القادر يبحث عن السلاح

   كان الشهيد عبد القادر الحسيني شعلة متقدة من العزم، وحركة دائبة لا تهدأ، فما ان وطأت قدماه ارض فلسطين في اواخر عام 1947 م، حتى راح ينظم حركة الجهاد المقدس بنفسه(334) ولكن قلة السلاح والمال كانت العقبة الكأداء في وجه سرايا الجهاد المقدس، فاضطر الشهيد ان يترك عرينه مؤقتا للبحث عن السلاح، وتأمين العتاد والذخيرة للمجاهدين، فكان يذهب الى مصر - بدأ التحضير منذ وصوله الى مصر 1- 1- 1946 حيث بدأ جمع السلاح من مخلفات الحرب العالمية في الصحراء - في طلب الاسلحة ومقابلة سماحة المفتي الاكبر تارة(335) والى دمشق حيث اللجنة العسكرية تارة اخرى، وكان مراسلو الصحف ووكالات الانباء يتابعون خطواته اينما توجه وحيثما حل... كتبت جريدة المصري بتاريخ 22/ 2/ 1948 م تحت عنوان (المعركة تبدأ قريبا) (استطاع مندوب المصري ان يقابل الزعيم الفلسطيني المعروف السيد عبد القادر الحسيني في مكان ما بالقاهرة، فشرح له الاحوال الحاضرة في فلسطين قائلا:-

   «ان الحوادث التي جرت اخيرا في فلسطين بين العرب واليهود، كانت على نطاق ضيق، غير ان خسارة عصابة الهاغناه والقوات الصهيونية على العموم كانت فادحة، ومن هنا اضطر اليهود الى المغالاة في وصف هذه الحوادث، ولم يكن اليهود يتقعون ان يقوم العرب بمثل هذا العمل السريع المنظم القوي في فلسطين، والواقع أننا الآن نفخر بتفوقنا تفوقا كبيرا على عصابات الهاغناه وارجون واشتيرن معا، واصبح لدينا الآن كثير من الاسلحة والذخائر، وانا وان كنت لا استطيع الافصاح بالارقام الدقيقة الآن، الا اني استطيع ان اؤكد لك ان لدينا من الرجال المدربين في فلسطين وحدها، ما يكفي لمحاربة اليهود والتغلب عليهم، ولكنا مع ذلك نستعد ونأخذ اهبتنا لكل ما يقع في الحسبان، ونحن على اتفاق تام فيما يتعلق بوسائل الدفاع التي نظمتها جامعة الدول العربية».

   وقال السيد عبد القادر الحسيني «انه يقوم ببعض المشاورات في القاهرة مع الجنرال اسماعيل صفوت باشا، وانهما على اتفاق تام فيما يتعلق بالخطط الحربية التي ستنفذ في القريب العاجل في فلسطين.. وقال: ان النية لم تكن متجهة الى الاشتباك مع اليهود، في معارك واسعة النطاق في الوقت الحاضر، ولكن الظروف اضطرتنا الى الاشتباك بهم في بعض المصادمات، ومنها معركة بيت صوريف حيث قتل العديد من اليهود وغنم المجاهدون العديد من الاسلحة والذخائر.

   وقال «ان بعض المعسكرات البريطانية خلت الان من الجنود البريطانيين، ولكنه ليس مقتنعا الآن ان البريطانيين سوف يجلون جلاء تاما عن فلسطين، وتدأب القوات البريطانية الآن على الوقوف في طريق العرب دون اليهود، وهم يساعدون اليهود بشتى الوسائل، فتراهم حين يخلون بعض المعسكرات، يأخذون معهم كل المهمات والذخائر، ولا يستطيع العرب ان يأخذوا منها شيئا ولو عن طريق الشراء، وقد اعلنت السلطات البريطانية انها اذا تدخلت بين العرب واليهود، فسوف تعمل على مساعدة الطرفين على السواء، ولكنهم لا يعملون بهذه السياسة في الواقع، وقد أراد العرب اختبار نوايا البريطانيين، فأرسلوا رسالة اليهم يقولون ان اليهوا هاجموا بيت صفافا، ولكن البريطانيين صموا آذانهم ولم يحركوا ساكنا.

   وسأله مندوبنا عن موعد بدء المعركة الحقيقية بين العرب واليهود فقال:-

   «استطيع ان اقول ان هذه المعركة ستبدأ قريبا، ولكني لا استطيع التصريح بالموعد الدقيق لبدئها، على ان خططنا اصبحت الآن كاملة، وروحنا المعنوية عالية جدا، ومما يذكر ان مسترونستون تشرشل قال عام 1939 م ان الجنود البريطانيين من خيرة جنود العالم تدريبا لانهم تدربوا في فلسطين اثناء محاربتهم للعرب، وعلى ذلك يكون جنودنا العرب هم خيرة جنود العالم.. والواقع ان لدينا من الشبان المتأهبين لحمل السلاح ما يزيد عن السلاح نفسه، وذلك بالرغم من اننا الآن اعظم تدريبا واوفر سلاحا مما كنا عليه اثناء الثورة(336).

ويقول المجاهد عبد الله يوسف عمر(337):

   (علم الشهيد من بعض المخلصين، بوجود كمية كبيرة من السلاح استطاع ان يشتريها مكتب فلسطين في بيروت، لتقديمها الى الفلسطينيين، فذهب عبد القادر الى بيروت لمراجعة المكتب، واستلام هذه الاسلحة، ولكن رئيس مكتب فلسطين الدائم آن ذاك (الحاج حسين العويني) رفض ان يسلمه قطعة واحدة، لانه سبق له ان اتصل بطه الهاشمي (المفتش العام بجيش الانقاذ)، واخبره بوجود الاسلحة، فأمره طه الهاشمي بعدم تسليمها لاحد قط، الا للجنة العسكرية بصفتها المشرفة على تسليح وتموين الحركات في فلسطين، فقفل الشهيد راجعا الى دمشق، وهناك اتصل باللجنة المذكورة، فصارطه الهاشمي يعده مرة بعد اخرى، ولما رأى عبد القادر، ان هذه المراجعات لا تفيد، دخل على طه المذكور في مكتبه الموجود في وزارة الدفاع السورية، وشرر الغضب يقدح من عينيه، وطلب منه ان يسلمه كمية من الاسلحة المتنوعة، فاعتذر طه الهاشمي هذه المرة لعدم وجود سلاح.. فأجابه القائد: ان مستودعات اللجنة مملوءة بالسلاح وهناك كمية السلاح الموجودة في مكتب فلسطين الدائم في بيروت..

 فقال طه: ان هذه الاسلحة تخص جيش الانقاذ.. عند ذلك انتفض القائد وقال له:-

   - لماذا تزودون جيش الانقاذ بمختلف الاسلحة وتمنعونها عنا ؟ نحن اهل البلاد الذين سمعتم بانتصاراتنا في المعارك والبطولات التي سجلناها..

فارتبك طه الهاشمي وظهرت الحدة على وجهه وقال له بسخرية لاذعة:-

   - انتم لا تحسنون استخدام الاسلحة الثقيلة.. فرد عليه القائد: أليس من الافضل لنا ولقضيتنا، ان نستخدم المدفعية الموجودة عند جيش الانقاذ الموضوعة على بعد (30) كلم عن مناطق اليهود، والتي أعدت للعب اطفال تلك القرى وكأنها في متحف ؟ فاشتد غضب طه الهاشمي وقال: انت تتحدى جيش الانقاذ واللجنة العسكرية..؟ انني سأتخذ ضدك الاجراءات اللازمة.

فأجابه القائد:-

   نعم. انني اتحدّى جيش الانقاذ الذي تنفقون عليه الملايين، وتزودونه بكافة انواع الاسلحة الخفيفة منها والثقيلة، وتوفرون له اللباس والغذاء والرواتب، وليس له الا ان يتدخل في شؤون الاهلين والاعتداء على البعض منهم(338) واذا اضطر الى دخول معركة، فانه يخرج منها فاشلا، بعد ان يذهب العديد من الجنود الابرياء(339) واتحداك انت بالذات اذا كنت تستطيع ان تنكر شجاعة أبناء فلسطين والانتصارات التي احرزوها، ولا يهمني تهديدك ولك ان تفعل ما تشاء، فانا ما جئت هنا للراحة والاستجداء، بل جئت اطالب بحقي ونصيبي من الاسلحة، والموت الذي اشتهيه.. واذا كنت جادا في انقاذ فلسطين فافتح ابواب مستودعاتك للفلسطينيين، وسلمنا السلاح، ونحن الذين سنخلص فلسطين بسواعدنا ودمائنا وليس انتم..

   ولما سمع طه هذا الهجوم عليه، كاد يجن من غضبه، واخذ يرتجف، وفي هذه اللحظة دخل العقيد محمود الهندي، واتجه الى القائد، وأخذه الى مكتبه، وصار يلاطفه ليهدئ من غضبه ووعده خيرا... وبعد ان استراح قليلا غادر وزارة الدفاع وذهب الى الفندق حيث كان ينتظره اخوانه ومرافقوه..

   وفي صبيحة اليوم التالي كان السيد رياض الصلح والقائد عبد القادر الحسيني يسيران في احدي ممرات الفندي، فرآهما طه الهاشمي، ولم يتمالك المذكور نفسه فاتجه نحوهما وراح يذكر لرياض الصلح حملة عبد القادر عليه، ولكنه تمادى في الهجوم، فقاطعه عبد القادر بكلام عنيف واقترب منه ليضربه، فحال بينهما رياض الصلح الذي أمسك بالقائد وراح يقبله ويلاطفه ليهدئ من غضبه واخذه بعيدا، وكان الامين العام لجامعة الدول العربية السيد (عبد الرحمن عزام) ينزل في نفس الفندق، فاخذ علما بالحادث، وطلب الاجتماع بعبد القادر بواسطة رياض الصلح، فاجتمعوا، وخلال الاجتماع صار عبد الرحمن عزام يحاول تهدئة غضب القائد ووعده بأنه سوف يحقق له كل طلباته، فأوعز الى اللجنة العسكرية لتقدم للقائد كمية من العتاد والسلاح والمال، فقبلها عبد القادر مع انها كانت قليلة، وفي اليوم التالي اصلح الامين العام بين القائد وطه الهاشمي...)(340).

   وفي هذه الاثناء اخذ المغرضون ينسجون الاراجيف ضد القائد عبد القادر، وقالوا بأنه يريد مهاجمة مركز فوزي القاوقجي لاخذ الاسلحة الثقيلة من عنده، لاستخدامها في المعارك، والبعض الاخر يشيع بأن القائد يدبر مؤامرة لاغتيال القاوقجي وغيرها الكثير من الاشاعات الباطلة، ويبدو ان القاوقجي علم بتلك الافتراءات، وراح يتهم القائد من جهة وليظهر نفسه من جهة ثانية(341) وعندما كانت تصل هذه الاشاعات الى مسامع القائد عبد القادر كان يبدي استخفافه بها، ويستصغر اولئك المروجين، لانه كان مشغولا بالامور الهامة، وهي قتال الاعداء، ولم تكن تثن من عزيمته شيئا، ولم تنل من جهاده وشهرته وبطولته، بل كانت كالسراب.. وليس ادل على حسن نية هذا القائد الانسان ونبل أصالته واخلاقه ما كتبته جريدة الشرق(342) تحت عنوان: (القائد الكبير عبد القادر الحسيني منقذ فلسطين بقلبه ورأسه ويمينه يرحب بالقائد العربي الكبير القاوقجي).

   لا تزال استحكامات فلسطين والنطاق الحديدي المضروب حولها من العرب، تمنع أنباء كثيرة من الوصول الى دنيا العرب، وهذه الانباء بعضها طريف وبعضها الاخر حديث بطولة وتضحية واستشهاد، وهي ان وصلت يوما الى ابناء العروبة، لاهتزت لها دنيا العرب وصفق الابناء بملء القلوب والجوارح، ونذكر من هذه الانباء ما تساعدنا الظروف عليه في الوقت الحاضر. فلم يكد القائد العام البطل المغوار عبد القادر الحسيني رجل الانقاذ الاول في فلسطين يعلم بوصول القائد العربي الفذ فوزي القاوقجي الى قضاء السامرة، حتى أرسل وفدا لتحيته والترحيب به، وكان المشهد مؤثرا لما نطقت به الالسن من عبارات الود والولاء والمحبة، مما يجعل السنة الخصوم تتمزق على شسع نعال المخلصين للقضية العامة في فلسطين.

   فمرحى للقواد يتعانقون لانقاذ الوطن، وهنيئا لهم يوم يتعانقون ثانية بعد الانقاذ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:28 am

الفصل الثاني

صورة الوضع في باب الواد

   باب الواد (واد علي) اسم لمركز يقع على طريق القدس - يافا الرئيسية، وعلى بعد (23) كم غرب القدس، ومن هذه المنطقة تبدأ الطريق بالالتواء والاعوجاج نحو القدس مارّة بين جبلين عاليين.

   كانت القوافل اليهودية تجتاز هذه الطريقة بحراسة الجيش البريطاني، لتموين يهود القدس بالمؤن والسلاح، وكان المجاهدون ينصبون كمائنهم لتلك القوافل في هذا المركز (باب الواد) على مسافة طولها (3) كم، وكان عبد القادر قد أقام عددا من القناصة على جانبي الطريق، للانقضاض على القوافل، وقطع الطريق عليها، بعد ان فجرّ انابيب المياه التي يرتوي اليهود منها، وأمر بردم الطريق التي تؤدي الى القدس، حيث اغلق المجاهدون باب الواد بالصخور والحجارة ورابطوا فوق السفوح، وعلى اعالي الجبال، يمطرون بالرصاص والقنابل كل من يحاول فتحها من القوى البريطانية والصهيونية.

   ولهذا فقد وقعت سلسلة من المعارك الهائلة بين المجاهدين من ناحية، وبين الجنود الانجليز واليهود من ناحية ثانية، وبلغ الضيق بيهود القدس ذروته في منتصف شهر آذار 1948 م من جراء الحصار الكامل، الذي فرضه المجاهدون على يهود القدس، وعلى الطرق المؤدية الى مستعمراتهم، ففي تلك المنطقة شدّد المجاهدون القبضة على هذا الشريان الحيوي، حتى وهنت قوى اليهود، وتفجرت المظاهرات من بينهم مطالبين لوضع نهاية الآلام، وعندما شعرت قيادتهم بضعف معنوياتهم، لجأت كالعادة الى تقويتها بطرق العدوان، فانقضت مجموعة من عصابة اشتيرن الاجرامية على قطار حيفا - القاهرة المدني، واصلته وابلا من قذائفها ورصاصها مما ادى الى استشهاد (40) عربيا وجرح (60) آخرين، كما قذفوا بالعديد من القنابل على الشوارع والمساجد العربية، كما دبرت اشتيرن ايضا مكيدة لنسف (ملجأ الرجاء) وذلك باغرائها ماليا لجنديين بريطانيين للهجوم ليلا على الملجأ المذكور الذي كان مقر قيادة الدفاع الغربي الذي يقوده (الشيخ حسن سلامة)، واستشهد في هذا الحادث ستة اشخاص وجرح آخرون....

   كان المجاهدون قد اتخذوا من قرية القسطل المنيعة، والمتحكمة في طريق المواصلات من والى القدس، قاعدة رئيسية لقطع الطريق، والانقضاض على القوافل اليهودية، والفتك بها، حتى غدت القسطل مصدر رعب شديد لليهود.

   عندها أدرك اليهود العياء - كما ذكرنا - وايقن الامريكيون والانجليز باستحالة تنفيذ قرار التقسيم فحسب، بل بعدم امكان اليهود من الثبات مطلقا امام المجاهدين العرب، حتى اعلنت الولايات المتحدة رسميا عدولها عن تأييد قرار التقسيم، واقترحت وضع فلسطين بأسرها تحت وصاية هيئة الامم المتحدة، ولجأ المندوب السامي الى الهيئة العربية العليا، والى القائد عبد القادر، راجيا وقف القتال ومتوسلا السماح بوصول الغذاء والكساء والماء الى يهود القدس ومستعمراتها، ولكن العرب وعلى رأسهم عبد القادر، رفضوا قبول الالتماس الا اذا سلّم يهود القدس اسلحتهم وعتادهم، واعطاء ضمان بعدم عودتهم الى اعمال الغدر والخيانة.

   كما صرح القائد لوكالة الانباء العربية في حيفا، عن تحول امريكا عن تأييدها لمشروع تقسيم فلسطين (بأن هذه المناورات السياسية لا شأن لها بها، وانه سيواصل جهاده المقدس الى ان تتحقق جميع الاماني القومية، وانه لن يعدل عن خططه، الا اذا تلقى أوامر صريحة من القائمين على شؤون الجهاد)(343).

   اتخذ القائد عبد القادر هذا الموقف، لان العرب كانوا منتصرين وواثقين من انفسهم، ولانهم كانوا يعتقدون ان الجامعة العربية ودولها ستزودهم بالسلاح والعتاد - كما وعدوا بذلك - لمواصلة الجهاد..

   بدأ اليهود يئنون تحت ضربات المجاهدين، وبدأوا يستنجدون بهيئة الامم والدول الاجنبية لانقاذهم، وتزويدهم بالسلاح ليتمكنوا من الدفاع عن انفسهم، وأرسلوا مندوبيهم الى موسكو وواشنطن وبراغ ووارسو وغيرها من عواصم اوربا، يستغيثون ويلتمسون المساعدة، بينما كان زعماؤهم على اتصال دائم ومستمر مع الانجليز في فلسطين، للحصول على الاسلحة والمؤونة والحماية.

   طالب زعماء اليهود بوقف القتال، واعلان منطقة القدس منطقة مفتوحة، واستنجدوا بمجلس الامن وهيئة الامم، لاكتساب فترة من الزمن، ريثما تصل اليهم الامدادات والمساعدات التي وعدوا بها، ولخداع العرب وحملهم على الاعتقاد ان اليهود على وشك التسليم، فيخف الضغط العربي وتنحصر روح الحماس المسيطرة على نفوس المجاهدين، وهكذا طبَّق اليهود المثل المعروفة (تمسكنوا حتى تمكّنوا)

   تدخل المندوب السامي - كما قلنا لدى الهيئة العربية العليا، ولدى عبد القادر، كما توسط السفراء والقناصل التابعون للدول الغربية، راجين فكّ الاطواق عن المائة الف يهودي، الذين اوشكوا على الموت جوعا (كما قال موسى شرتوك على لسان الوكالة اليهودية) لمجلس الامن القومي، (مما جعلهم يأكلون الاعشاب ويتظاهرون بالتسليم(344)).

   وفي الوقت نفسه ضغطت السياسة الاستعمارية على بعض الديبلوماسيين العرب بفلسطين، للتوسط لدى قادة الجهاد المقدس للغرض ذاته.

   ورغم جميع الوساطات فقد أصرّت القيادة الفلسطينية على ضرورة استسلام اليهود، وتسليم اسلحتهم كشرط اساسي لفكّ الحصار. ولكي يقاوم اليهود هذا الحصار المضروب، استعملوا قوافل مصفحة على نطاق واسع في رحلات يائسة، حيث تصدّى لها المجاهدون، حتى امتلأت الطريق الى القدس (طريق باب الواد) باشلاء هذه المصفحات التي ما زالت باقية في مكانها حتى الآن، ورغم هذا فقد شدّد المجاهدون الحصار حتى وافق اليهود على الاستسلام، شريطة عدم تسليمهم لقوات الجهاد المقدس.

   رفض عبد القادر ذلك وزاد من ضغطه في تقوية الحصار، ورغم ذلك فقد رفض اليهود الاستسلام بعد ان فتحت دولة الانتداب مصاريع معسكراتها الحربية في (واد الصرار ورأس العين وصرفند) ليأخذ اليهود منها احتياجاتهم لفكّ الحصار، كما نشطت حركة ميناء تل ابيب البحري بسبب وصول الاسلحة والذخائر، وكثيرا ما كانت صناديق السلاح ممهورة بالعبارة التالية: (مواد بناء الى اديس ابابا)(345).

اليهود يستعدون:

   كان المجاهدون - كما قلنا - يسيطرون على الموقف العسكري في فلسطين في شهر آذار وفي 21 آذار 1948 م، علم القائد ان اليهود قد ضاعفوا سلاحهم، واصبح لديهم سيارات مصفحة كثيرة ودبابات وطائرات ومدافع ميدان، وانهم ادخلوا الى فلسطين الوف الرجال من اليهود وغير اليهود الذين تدربوا في اوربا، على حروب الميدان وقتال المدن والشوارع، كما علم القائد بأن حكومات روسيا وبعض دول اوربا الوسطى والولايات المتحدة والانجليز في فلسطين، كانوا يتسابقون في ارسال الاموال والامدادات ليهود فلسطين، وادرك عبد القادر انه لن يكون في استطاعة المجاهدين ان يقفوا في وجه اليهود اذا لم يزودوا بالسلاح الثقيل والعتاد، فرفع تقريرا مفصلا عن حقائق الاوضاع الى سماحة الحاج امين والامانة العامة لجامعة الدول العربية، واللجنة العسكرية في دمشق، وطلب الاسراع بتزويد المجاهدين بالمال والسلاح والعتاد، وارفق بتقاريره خرائط عسكرية تبين خطّة اليهود واهدافهم العسكرية في فلسطين.

ومما جاء في هذه التقارير:-

   (ان قوة الجيش البريطاني مقسومة الى قسمين: شمالي وجنوبي وان القسم الشمالي يتألف من ستة عشر الف جندي، يحتلون المنطقة الممتدة من بلدة (نتانيا) على الساحل الفلسطيني الى ضفة نهر الاردن الغربية مارّة بمدن طولكرم وجنين وبيسان، وان هؤلاء الجنود ينتشرون شمالا حتى الحدود اللبنانية).

   كما أضاف الى ذلك، معلومات عن المعسكرات البريطانية ومطار كفر ياسيف الذي أطلق عليه البريطانيون (سانت جين)، وما فيه من اوكار بعضها فوق سطح الارض وبعضها تحت سطحها، وكذلك عن مطار البصّة الذي يقع على مسافة 3 أميال جنوبي الحدود اللبنانية على طريق الناقورة - البصّة، وعلى مسافة ميلين من الطريق العام الممتد من الناقورة الى عكا، وانه رغم اخلائه فما يزال صالحا للعمل..

   كما أورد في التقرير معلومات عن اليهود وكيف انهم اتخذوا من مستعمرة (حانوتا) المجاورة للحدود اللبنانية مركزا لتهريب الاسلحة من لبنان وتركيا الى فلسطين. كما تضمن التقرير بعض المعلومات عن شركات اجنبية تعمل على تهريب الاسلحة لليهود عن طريق بيروت، واورد اسماء اشخاص من يهود لبنان يشتغلون في التهريب، ويقومون بأعمال تخريبية ضد الفلسطينيين، كما تناول في تقريره ضرورة التصدي للبواخر التي تحمل المهاجرين اليهود الى فلسطين وذلك بنسفها او اقتيادها الى أماكن محددة، ثم اتباع الاجراءات الكفيلة بالتقليل من هذه الهجرة.

   كما اشتمل هذا التقرير على معلومات اضافية عن استراتيجية القدس والمستعمرات المحيطة بها، والتي حصّنها اليهود تحصينا قويا، وقال ان المنافذ الرئيسية للقدس الى كل من يافا ونابلس والخليل واريحا وعمان، يحاول اليهود اغلاقها بواسطة مستعمراتهم، التي يطوقون بها القدس وان اربعة اخماس هذه المستعمرات قد تمّ القضاء عليها، وان لليهود مركزين محصنين يسيطران على منفذ القدس الى الشرق وهما (الجامعة العبرية وهداسا)، ويساعدان في السيطرة على منفذها في الشمال، ولهم على ساحل البحر الميت (مستعمرة الكابوتس) التي يمكنها السيطرة على جسر اللنبي.

   اما طريق القدس الغربية الى يافا فيسيطر عليها اليهود سيطرة تامة، وهي محصنة تحصينا قويا ولا يستطيع العرب ان يطأوها، ولذلك استعاضوا عنها بالطريق الفرعية الممتدة من رام الله غربا الى ان تتصل بطريق يافا، وان لليهود على طريق يافا القدس مستعمرات (موتزا وقرية العنب والخمس). ثم اوضح التقرير الخطة القويّة التي وضعها اليهود للاستيلاء على العمارات الكبرى والمراكز الاستراتيجية لاحتلالها داخل القدس، وعدّد اسماءها ومواقعها (61) مراكز وارفق التقرير خريطة تبين هذه المراكز..

   ثم اورد التقرير خطة كل من العرب واليهود للاستيلاء على القدس وقال «ان محاولات اليهود لاحتلال حي الشيخ جراح استمرت ثلاثة اشهر، وما تزال وانهم قبل بضعة ايام هاجموا هذا الحي بالف جندي.....)(346)

خطّة نخشون

   تعتبر هذه العملية من اكبر العمليات التي خاضتها عصابة البالماخ، والتي بدأت يوم 4 نيسان 1948 وقبل موعد التنفيذ ثم تشكيل نظام آخر لقوات البالماخ، فبعد ان كانت الكتيبة هي الاطار الكبير للبالماخ، اصبح اللواء هو الاطار، وذلك بسبب زيادة عدد رجال البالماخ من جهة، وكذلك بسبب المهمات الصعبة والمناطق الواسعة التي ألقيت على عاتقها مسؤولية القيام بحمايتها.

   وفي أول آذار 48 تم تشكيل لواء النقب من كتيبتين من البالماخ، ولواء هرئيل ولواء يفتاح الذي اشترك معظم افراده في المعارك التي نشبت حول القدس، وخاصة في معركة القسطل..

   (وفي الثلاثين من آذار رفع قلم الاستخبارات التابع للجهاد المقدس تقريرا خطيرا للقائد العام حيث وقع مضمونه على القائد وقع الصاعقة، فاتصل فورا بسماحة الحاج امين في القاهرة، وبرجال الهيئة في دمشق وبيروت، ونقل اليهم خلاصة ذلك التقرير، ونصح عبد القادر بالسفر فورا الى دمشق لمقابلة اللجنة العسكرية واطلاعها على حقيقة الاوضاع، واننا نثبت فيما يلي قسما من ذلك التقرير الخطير...:

   «في 26 آذار الحالي عقد في نادي حزب الماباي (حزب بن غوريون) في تل ابيب اجتماع سرّي هام، حضره دافيد بن غوريون (رئيس الوكالة اليهودية) والمحامي برنارد جوزيف، وموشي دايان (عن الهاغناه) ودافيد هاكوهين والياهو ساسون والسيدة غولدا مايرسون، وشخص انجليزي قالوا لي انه من الانتلجنس (الاستخبارات) الانجليزية، والتابع لابي حنيك (كلوب باشا)، ودام الاجتماع اربع ساعات وخرج الجميع ما عدا بن غوريون، ثم جاء الى نادي الماباي مناحيم بيجن (قائد عصابة الارغون)، وشخص يمني من عصابة اشتيرن لم اعرف اسمه، كما عاد موشى دايان الى النادي، وظل الاربعة مجتمعين اكثر من ساعة ونصف، ولم يعرف احد من مقررات ذلك الاجتماع، وحاول الشيوعيون والاشكنازي والمتدينون ان يفهموا (شيئا) عن ذلك الاجتماع فلم يفلحوا»

   ومنذ 26 آذار وانا اجرّب ان افهم شيئا، ودفعت مبالغ كثيرة لاعرف اسرار المجتمعين، واليوم 29/ آذار 1948 عرفت كل شيء وان اجبرت ان ادفع للزميلة شوشانا (السمراء لا البيضاء) سبعا وثلاثين ليرة فلسطينية بالدولارات، لانها اصرّت على ذلك.. وواحدة وثلاثين ليرة انجليزية لزميلنا جوزيف حلبي الذي أدّعى انه صرفها على بعض البنات في مقهى (بلاتين) وبار لوكاندة (كات ريمون) وجربت ان ارسل هذه المعلومات للعم ابو علي (حسن سلامة)، ففهمت انه مشغول في وادي الصرار وبيت محسن، فبناء عليه ارسل هذه الرسالة الى سعادتكم مع حاملها (ب.ج.) الذي اعطيته قزازتي ويسكي وعلبة سجاير وخمس ليرات واتأمل ان تشوفوا خاطره ايضا....)(347).

   وفيما يلي خلاصة للمقررات التي اتخذها بن غوريون وزملاؤه في ذلك الاجتماع السري (عملية نخشون) نقتطفها من تقرير قلم استخبارات الجهاد المقدس:

   (أصبحت حالة اليهود صعبة، ومن الضروري وقد وصلت اليهم كميات كبيرة من السلاح والرجال والاموال، ان يقوموا باعمال سريعة قبل ان تصل الى عرب فلسطين الاسلحة الموجودة في دمشق، ويجب ان تكون الضربة قاسية وقوية للقضاء على كل مقاومة عربية الآن وفي المستقبل، وقرر المجتمعون القيام بالاعمال التالية:-

   1) فتح طريق تل ابيب - القدس وذلك باحتلال قرى بيت محسير وساريس وبيت نقوبا وبيت اكسا ويكلف جيش الهاغناه للقيام بهذا العمل...

   2) لما كان من الصعب احتلال القرى ما دام اهلها فيها، فانه يجب ارهابهم وتخويفهم لاجبارهم على النزوح عن القرى، فتصبح مهمة احتلالها سهلة، وتكلف عصابة الارغون بالقيام بهذه المهمة، ويباح لافرادها ان يعملوا ما يريدون بحق الاهالي من سلب وقتل وتفظيع، فالغاية تبرر الواسطة (فاذا انتقدتنا الحكومة او غيرها، نعلن ان الذين قاموا بتلك الاعمال هم فريق من الخارجين على القانون، وعلى الوكالة اليهودية ونتبرأ منها(348)).

   3) اذا بقي المفتي حيّا، فان المقاومة العربية ستستمر، لذلك يجب اغتيال المفتي وعزة دروزة واميل الغوري، وخطف عبد القادر الحسيني وحسن سلامة ومنير ابو فاضل (وكان لا يزال ضابطا في بوليس فلسطين) وكامل عريقات ومحاكمتهم وشنقهم، وتكليف عصابة اشتيرن بالقيام بهذه الاعمال،.

   وأكد الياهو ساسون (وهو رئيس القسم العربي في الوكالة اليهودية)، بأن بعض العرب من خصوم المفتي في فلسطين وشرق الاردن (لم اعرف اسماءهم بالضبط مستعدون للتعاون في تنفيذ اغتيال المفتي وجماعته)(349).

   وبعد ان علم عبد القادر بخطة نخشون التي استطاع رجال الاستخبارات في الجهاد المقدس ان يحصلوا عليها، رغم السرية التامة، وبأن اليهود قد حددوا يوم السادس من آذار 1948 م لتنفيذ العملية، قام بتعزيز حاميات القدس وحاميات قرى بيت محسير وساريس وصوبا والقسطل، كما عزز حاميات: بدّو وبيت سوريك والنبي صموئيل وقلونيا وبيت اكسا....

   ثم عقد اجتماعا ضمّ كبار قادة المجاهدين لمجابهة الخطة، وقد حضر هذا الاجتماع كل من: (كامل عريقات، الشيخ حسن سلامة، ابراهيم ابو ديّة، عبد الحليم الشلف، توفيق الابراهيم وغيرهم من قادة الجهاد) وفيه تقرر ما يلي:-

1 - استنفار كافة قطاعات الجهاد المقدس والمتطوعين.

2 - اعادة تخطيط مراكز الدفاع والقيام بحركة تنقلات حسبما تستدعي الظروف.

3 - تعزيز بعض المواقع بما يتوافر من الاسلحة.

4 - سفر عبد القادر الى دمشق للاتصال باللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية، للحصول على بطاريات مدفعية ورشاشات وبعض الاسلحة الاخرى...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:28 am

عبد القادر في دمشق

   يزعم البعض ان عبد القادر قد تهور حينما هاجم بنفسه قرية القسطل، فاحتلها واستشهد. ويزعم الآخرون انه انتحر، وهم يعللون رأيهم بالقول: ان القائد يجب ان يبقى في المؤخرة بعيدا عن ميدان المعركة لاعطاء الاوامر وادارة الحرب.

   لا شك ان طريقة الموت التي اختارها عبد القادر، هي التي توجت اعماله وحياته بهالة المجد والفخار، وفيها تتركز عظمته ومقدار خلوص نيته وجهاده لله وحده، فمن كان يدين بدين عبد القادر ويعمل بوحيه وعقيدته، يرى ان ما عمله هذا القائد كان واجبا لا بد منه، وان رجال العقيدة والمبادئ، يقدمون على الموت بطيب خاطر، فاما النصر او الاستشهاد..

   كان عبد القادر يطلب هذين الامرين.. ففي النصر العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والسؤدد لابناء هذا الوطن، وفي الاستشهاد الوفاء بالواجب المقدس ونيل وعد الله.. فلما حيل بين عبد القادر وبين النصر طلب الموت والاستشهاد، وكان يعرف تماما نتائج ما هو مقبل عليه لكنه رأى ان لا بد من ذلك الامر، وان التراجع عنه كفر وجبن ونذالة فاقتحمه.

   وللحقيقة والتاريخ لا بد من ذكر الظروف التي سبقت استشهاده، وجعلته يركب هذا المركب الصعب ويجود بنفسه، بعد ان سدت جميع المسالك في وجهه، وحيل بينه وبين النصر، وانقاذ البلاد عن عمد واصرار..

يقول الدكتور قاسم الريماوي في مخطوطه:-

   «.. وبعد ان طاف بجميع قناصل الدول العربية في مدينة القدس واحدا بعد الآخر، شارحا لهم حراجة الموقف وشدة عوزه للمال والعتاد، وطالبا اليهم الاتصال بحكوماتهم، للطلب من اللجنة العسكرية مساعدته.. وانتهى به المطاف الى جمعية الاتحاد النسائي بالقدس، وكان ذلك قبل ظهر يوم 27/ 3/ 1948 م ليطلب اليهن العون والمعونة، علهن يبرقن الى الجمعيات النسائية في الاقطار العربية، للتوسط لمساعدة المجاهدين، وما ان سرى نبأ وجوده في تلك الدار، حتى اكتظت ساحتها والطريق المؤدية اليها بالمراجعين، فمن طالب ذخيرة ومن طالب رشاشات ومن محتاج الى نقود للتموين او النقليات، ومن متذمر من موقفه الحرج.. والحق أنهم كانوا زمرة من المسؤولين الذين ذاقوا الامرين نتيجة نقص الاعتدة والسلاح، وكان - رحمه الله - يعرف ان مراجعتهم على حق، ولا يملك ما يسد به رمقهم، او يفرج عنهم قليلا، فأظلمت الدنيا في وجهه، واذا به ينهض ويأخذني بيدي، ويسير بسرعة وسط هذا الحشد من قادة الفصائل والمسلحين، ويركب السيارة ويأخذني بجانبه، ويسير متجها صوب الشرق، وكنت اعتقد انه يريد الابتعاد قليلا عن هذا الجو كعادته في مثل هذه الظروف، الا انه واصل سيره حتى وصلنا اريحا، حيث عرج على بيت خاله محيي الدين الحسيني (وكثيرا ما كانوا يبذلون له المساعدات)، وكان طيلة الطريق يتذمر ويتأوه من هذا الضيق ومن السلوك الذي تسلكه منه اللجنة العسكرية، واذا به يتجه الى دمشق مارا بعمان متخفيا كعادته..»

   وبناء على ما تقرر في الاجتماع الاخير، فقد سافر القائد الى دمشق ووصلها يوم السبت 3 نيسان 1948 م، لمقابلة اللجنة العسكرية وطلب المساعدات، وكان يرافقه في رحلته هذه بعض اركان حربه ومنهم:-

   (قاسم الريماوي، عبد الرؤوف الفارس، جريس خليف، ومالك الحسيني) بينما تولى كامل عريقات مسؤوليته كنائب للقائد العام، اضافة الى قيادة سرايا الجهاد المقدس.

   قابل القائد عبد القادر سماحة المفتي الاكبر، وشرح له دقة الموقف، وابدى قلقه وتذمره من موقف اللجنة العسكرية، ورؤى من الواجب الاجتماع برجال اللجنة العسكرية فرادى ومجتمعين، وقد أجرى مندوب جريدة المصري بدمشق مقابلة صحفية مع القائد قال فيها(350):-

   (ان قوات الجهاد المقدس تسيطر سيطرة تامة على منطقة القدس بأكملها، كما انها تشرف على خطوط المواصلات اليهودية في اريحا وبيت لحم، وان مصير المائة الف يهودي في القدس ليس بأحسن من مصير الالوف من اليهود في تل ابيب، لان القتال وحدة لا تتجزأ). وقال ايضا:-

   (انني كقائد عسكري يتولى الدفاع عن سلامة العرب في القدس، لا يهمني ما يجري في (اليك ساكس) من مناقشات، وما دام مشروع التقسيم قائما، فان القتال سيستمر ولن نسمح بانشاء دولة يهودية في فلسطين).

   ويقول المراسل معلقا: واماط القائد عبد القادر الحسيني اللثام عن الجهود التي يبذلها رجال المخابرات البريطانية في فلسطين، لمعرفة أسرار المعادلات الكيميائية التي تم بواسطتها نسف شارع ابن يهودا، والوكالة اليهودية، وقال ان بعض هؤلاء الاشخاص عرضوا اموالا طائلة على المجاهدين العرب، لاعطائهم اسرار هذه المعادلات التي فاقت بقوة انفجارها، كل ما استخدم حتى الآن من متفجرات في فلسطين، ولكن العرب رفضوا هذه العروض واجابوهم، بأن هذه الاعمال ليست الا بداية النهاية...

   وفي اليوم التالي، وصل الى دمشق المجاهد «منير ابو فاضل» واحضر معه تقارير خطيرة تمكن من الحصول عليها بطريقة سرية، من قلم الاستخبارات الانجليزي، وخرائط عسكرية تبين خط اليهود واهدافهم وسلمها الى القائد عبد القادر، كما سلم نسخا عنها لرجال الحكومات العربية، وكانت تلك التقارير والخرائط على جانب عظيم من الاهمية.

   كما وصل كل من المجاهدين «محمد نمر عودة» «وفخري مرقة» وبعض الاخوان لمراجعة اللجنة العسكرية ايضا، وهناك جرت عدة اتصالات بين القادة الفلسطينيين ورجال الحكومات العربية، والامين العام واللجنة العسكرية.

يقول احد المجاهدين المرافقين للقائد:-

   «اجتمع القائد صباح اليوم 4 نيسان 1948 بطه الهاشمي، في وزارة الدفاع السورية بحضور سماحة المفتي، فأخذ عبد القادر يشرح له الخطة التي تهدد مدينة القدس، والطرق المؤدية اليها.. لقد تعب القائد كثيرا في التفاصيل اذ ان عطوفة الباشا لا يعرف تلك المنطقة فهو لم يدخلا اطلاقا، لا قبل تعيينه ولا بعده، بالرغم من انه المفتش العام لجيش الانقاذ».

وبعد شرح طويل قال القائد:-

   «انني اهدف القضاء على القوات اليهودية في منطقة القدس، واحتلال المدينة الجديدة، وتطهيرها وبعد ذلك اتحول بقوات المجاهدين الى يافا وحيفا للدفاع عنهما وانقاذهما، ولكن يجب ان نعمل الان وقبل انتهاء الانتداب البريطاني في 15 أيار 1948 م، واني اطلب سلاحا وعتادا.. وقد رأيت مخازن اللجنة العسكرية المليئة بالعتاد والاسلحة، فاذا اعطيتم اليوم ما اطلبه من السلاح والعتاد، فانني قادر على تحقيق اهدافي.. انني واثق من نفسي ومن اخواني المجاهدين، ان الموقف لا يزال حتى هذه الساعة في ايدينا، فلا تدعوه يفلت منا، فاذا قدمتم ما اطلبه وهو في استطاعتكم كسبنا المعركة، وليتفضل القائد العام اسماعيل صفوت باشا ليقود المعركة بنفسه، فيرى من المجاهدين ما يثلج الصدور.. واذا فشلت في مهمتي فان دمي محلل لكم ولكم ان تشنقوني او تقتلوني رميا بالرصاص في اوسع ميادين الشام..

ولما رأى القائد تردد الهاشمي قال:-

   «والله يا باشا، اذا ترددتم وتقاعستم عن العمل، فانكم ستحتاجون بعد يوم 15 ايار الى عشرة اضعاف ما اطلبه منكم الآن، ومع ذلك فانكم لن تتمكنوا من اليهود.. اني اشهد الله على ما اقول، واحملكم سلفا ضياع القدس ويافا وحيفا وصفد وطبريا.. واقسام اخرى من فلسطين..»

   فلم يهتم هؤلاء بالامر، «وجعلوا يتهكمون ويسخرون من اقوال عبد القادر، فاستشاط عبد القادر غضبا، ورمى باضبارة كانت في يده في وجوههم وقال:-

   «انكم تخونون فلسطين.. انكم تريدون قتلنا وذبحنا...»

   فقال طه الهاشمي:- لماذا كل هذا الاهتمام بالقدس يا عبد القادر..؟ انها لا تستحقه، ولو كانت القدس ميناء على البحر، لاستحقت الاهتمام، وقمنا بمساعدتك..

   انعقد لسان عبد القادر، ولم يكن ليصدق ما يسمع، وارتاب في كل شيء، وقبل ان يفيق من ذهوله اذ باسماعيل صفوت يقول:-

   «يا عبد القادر يظهر انكم تخافون من اليهود، ولذلك فانكم تقدرون قواتهم اكثر من اللازم، ونحن نعرف الحقائق اكثر منكم، ولدينا من القوات ما نستطيع معها القضاء على اليهود، اعني دعهم يحتلون القدس وحيفا ويافا، فاننا سنسترجعها حالا..»

   خرج القائد وسماحة المفتي وشرر الغضب يتطاير من عيونهما، واتجها الى مكتب محمود الهندي، وبعد شرح مفصل ومناقشات اعتذر محمود الهندي قائلا:-

   «انه لا يوجد لدى اللجنة العسكرية، رشاشات او مدفعية او أي نوع من السلاح الثقيل» ولكنه وعد باعطاء عبد القادر خمسين بندقية، شريطة ان توافق بقية اعضاء اللجنة العسكرية على ذلك. فقال له عبد القادر:-

   «انكم حرمتمونا من أية مساعدة، وهل تبخلون علينا ببضعة رشاشات وبعض الاسلحة الحديثة، التي اعرف انها مكدسة في مخازن المزة فرد عليه محمود:-

   -ولكن هذه الاسلحة تخص جيش الانقاذ.

   فاستشاط عبد القادر غضبا وقال:-

   -ولكن اين جيش الانقاذ.. وهل اشترك في أية معركة حتى الان..؟ نحن نريد واحدا بالمائة من الاسلحة التي تقدمونها لهذا الجيش، او لستم قادتنا، وانتم الذين عهدتم الينا بتنظيم القوى الشعبية ومقاومة اليهود؟ فلماذا تمنعون عنا كل عون او مساعدة..؟ وطالما يصلنا منكم بين الآونة والاخرى كتبا تطلبون فيها اسماء القواد والمناطق التي يشرفون عليها، ان هذا شيء لا يطاق يا محمود.. اني اتوسم فيك خيرا، ولذلك ارجو ان تشعر معنا، فتساعد على مد يد العون الينا، وسنرفع رأسكم عاليا ورأس كل عربي وسنقوم بأعمال حاسمة

   وهنا حاول محمود الهندي التخلص منه فقال:-

   «سنعقد اجتماعا للبحث في هذا الموضوع...»

يقول الدكتور قاسم الريماوي في مخطوطه:-

   (وما أن خرجنا من وزارة الدفاع، حتى شاهدنا عددا من البوليس السري يحيط بنا، ويتنقل معنا من مكان الى آخر فاستغربنا، فلما استفسرنا عن ذلك قيل لنا: ان الدافع الى ذلك هو المحافظة على حياة القائد الباسل، الا اننا عرفنا فيما بعد انها رقابة فرضها المسؤول عن شعبة فلسطين، تلبية لرغبة فوزي القاوقجي).

   وبعد خروج القائد، اجتمع أركان حربه بأعضاء الهيئة العربية العليا وسماحة الحاج امين، حيث اطلعهم على سوء معاملة اللجنة العسكرية له، واوضح لهم المؤامرة التي تدبر ضد فلسطين وشعب فلسطين..

   كانت اللجنة العسكرية قد طلبت بيانات وتفاصيل تامة، عن جميع اعمال الجهاد المقدس، وخرائط وتفاصيل ادراية عن الحسابات وعدد الجنود وغيرها.. وفي اجتماع عبد القادر بأعضاء الهيئة العربية تم اعداد جميع المعلومات المطلوبة، حيث أرفقها عبد القادر بتقرير شامل قدمه الى اللجنة المذكورة.

   وفي تمام الساعة الثامنة من مساء 4 نيسان 1948 م توجه عبد القادر بصحبة سماحة المفتي، ومعهما كل من اميل الغوري وقاسم الريماوي الى فندق (اوريون بالاس) حيث يقيم الامين العام (عبد الرحمن عزام)، ولما علم بقدوم عبد القادر، استقبله عند مدخل الغرفة واخذ يقبله من رأسه قائلا له:

   «لقد رفعت رأس العرب عاليا يا عبد القادر». فخجل القائد وقال:-

   «انني لم اقم بشيء غير الواجب»

   ثم راح القائد يشرح للامين العام حقيقة الموقف، وخطة اليهود التي يودون اتباعها بعد جلاء الانجليز، ويبين له مدى تقصير اللجنة العسكرية في مساعدته، وطلب منه التدخل في الامر لمنحه بعض قطع السلام والمساعدة قائلا:-

   «انه بفضل هذه المساعدة سننهي الحرب في فلسطين، لاننا سنحتل مدينة القدس والمستعمرات المحيطة بها، وبذلك يتم تشريد 100 ألف يهودي، بل الشعب اليهودي بأكمله، لانه لن يستطيع تحمل مثل هذه الهزيمة»... فتحمس الامين العام وقال:-

   «سأدعو اللجنة العسكرية لاجتماع تحضره انت وانني أنا شخصيا سأحاول مساعدتك فان احد اصدقائي قال: انه مستعد لدفع 100 الف جنيه للجهاد في فلسطين، وسأخصص منها 40 الف جنيه لمساعدتكم...»

   وفي الساعة العاشرة من مساء 4 نيسان 1948، عقد الاجتماع ودام حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.

   وفي صباح يوم 5 نيسان 1948 أذيع نبأ احتلال اليهود لقرية القسطل (فثارت ثائرة عبد القادر، واخذ يذرع الغرفة جيئة وذهابا، وبسرعة كالنمر الهائج في القفص وهو يقول: «لقد احتلوا القسطل.. يا للعار.. انهم يريدون تسليم بلادنا للاعداء» وكان في حالة تهيج ما بعده تهيج، واخذ يتمتم بكلمات لم أستبنها من شدة غضبه، وانني اؤكد انه ما لحق الغضب لاحتلال اليهود للقسطل ببشر اكثر من عبد القادر)(351).

   وبعد ذلك توجه القائد ومعه اركان قيادته الى معسكر (قدسية) حيث تقيم اللجنة العسكرية وهناك عقد اجتماع ضم كلا من:

   (اسماعيل صفوت، احمد الشرباتي، محمود الهندي، طه الهاشمي، سماحة المفتي وعبد القادر الحسيني) وقد تأخر رياض الصلح وعزام باشا قليلا عن موعد الاجتماع، الا انهما كانا على اتصال مستمر بالمجتمعين، وبعد ان شرح عبد القادر خطورة الموقف باحتلال اليهود لقرية القسطل قال اسماعيل صفوت بصفته القائد العام:-

   «اطلعنا على تقريرك.. ولكن القسطل قد سقطت فان كنت عاجزا عن استردادها، فسنطلب من القاوقجي ان يسترجعها. فقال له عبد القادر: القسطل يا باشا، مأخوذة من كلمة (castle) ومعناها حصن.. انت تعرف ان خطتي هي محاصرة القدس والمستعمرات اليهودية، وقطع التموين والماء عنها، وضرب القوافل القادمة اليها، وقد نجحت هذه الخطة، حتى أدت بالعدو الى طلب الهدنة في القدس، وبالولايات المتحدة بالعدول عن مشروع التقسيم، وانت تعرف انه لا يمكنني مهاجمة القدس والمستعمرات او استرجاع القسطل بالبنادق الايطالية والذخيرة القديمة التي احضرتها من مصر، ولكن ان قدمتم لي مدفعية فانني على استعداد لاسترجاع القسطل واحتلال مدينة القدس والمستعمرات المحيطة بها، واعطائكم اياها مستسلمة قبل يوم 15 أيار 1948م، وان عجزت عن ذلك فيمكنكم محاكمتي عسكريا وشنقي في اوسع ميادين الشام. فرد عليه طه الهاشمي بقول لاذع:-

   «يا اهل فلسطين.. لا شغل لكم الا طلب السلاح، وليس لدي سلاح هل اخلقه من الهواء.. فرد عليه القائد: (لازم تعيرنا ان نحن طلبنا سلاحا، نحن ندافع عن فلسطين وعن البلاد العربية.. ان السلاح الذي لديكم جمع باسم فلسطين..)

   فازداد الهاشمي تهكما، وراح يقوم بأعمال بهلوانية(352)، ورفع يده اليمنى وقبض على الهواء وقال: هذه دبابات.. ورفع يده اليسرى وقال هذه مدافع.. خذها.. حبيبي ماذا تريد؟ ما في سلاح.. ما في مال.. ونحن نعرف شغلنا.

   فرد عليه عبد القادر حانقا:- «ان هذا هراء.. ما هذا العبث بمصير الاوطان؟؟ أنتم تريدون واين ذهبتم بالثمانمائة بندقية؟ وبالمائة والعشرين رشاشا؟ تلك التي تبرع بها اخواننا اللبنانيون والتي اشترطوا تسليمها لي ولاخي حسن سلامة؟ ان مخازن اللجنة العسكرية ملآنة بانواع الاسلحة رأيتها بعيني هذا الصباح..).

   فوجئ الموجودون لدى سماعهم هذه الحقيقة على لسان عبد القادر، والتي أرادوا لها ان تكون سرا لديهم فقط.. فرد عليه طه الهاشمي:..

   «صحيح.. ولكن هذا السلاح يلزمني لافواج جديدة سنؤلفها قريبا..» ثم اردف قائلا:- «أف... يا سما.. نزل مورتر لعبد القادر..»

   وهنا التفت عبد القادر الى احمد الشرباتي، وطلب منه ان يتدخل للمساعدة في الحصول على السلاح، لكنه لم يحرك ساكنا. ولما رأى عبد القادر تنكر القوم له قال:-

   «لا تعطوني سلاحا من عنابركم، أرجو أن توعزوا الى القاوقجي ليرسل لنا بطارية من مدفعية جيش الانقاذ الى منطقة القدس لمساعدة المجاهدين..»

  فكان جواب الهاشمي بالرفض وقال:-

  «يعني ما تخاف على المدفعية أن يستولوا عليها اليهود؟ فقال عبد القادر:-

  «يا باشا... ما هو الأهم القدس وفلسطين أم مدفعيتكم...»؟

  فرد عليه طه وقال:- «أخشى أن ينتطر اليهود عليكم فيستولوا على المدفعية.. فاجاب عبد القادر:- «وما فائدة المدفعية اذا انتصر علينا اليهود وأخذوا فلسطين..

  فرد عليه اسماعيل صفوت بلهجته العراقية(353):-

  «خلاص.. ماكو مدفعية.. ماكو مدافع.. ماكو مال.. ماكو سلاح.. فهاج النمر الغاضب من جديد وصاح:-

  (ان التاريخ سيتهمكم باضاعة فلسطين أنتم ومن يقفون وراءكم.. وهل المدافع لتطويق مزابل جبع(354) يا باشا.. لقد أضعتم بلادنا، أنتم المسؤولون عما سيحل بنا من دمار ايها الخارجون المتآمرون.. سأحتل القسطل وأموت أنا وكل جنودي، وسيسجل التاريخ، وسيشهد العالم أنكم أنتم المجرمون الخونة الذين أضعتم البلاد...)

  وقفذف بالخريطة الكبيرة التي كان يشرح لهم فيها الخطة في وجوههم وقال:-

   (انني مستقيل من قيادتكم) ثم خرج من غرفة الاجتماع وأقفل الباب بقوة هزت العمارة ثم لحق به رفاقه وقال لهم:-

  (اما أن ننتحر هنا في دمشق، أو نذهب الى العراق حيث نختفي، أو نعود الى فلسطين للموت في سبيلها.. ولكن.. لا.. سنعود الى فلسطين..)(355)

   وبعد ذلك عقد اجتماع ضم القائد عبد القادر، وأميل الغوري وعبد الرؤوف الفارس وجريس خليف وقاسم الريماوي وفوزي جرار ورفيق عويص وخالد الفرخ ومحمد سليم ابو لبن ومنير ابو فاضل، وفيه شرح القائد ما جرى وأفهمهم أنه ينوي الاستقالة، فثار عليه الاخوان وقال اميل:

  «صحيح انك عصبي.. دعهم وشأنهم.. نعم اننا سنواجه مصيرا مظلما ونتيجة سيئة، وستنزل بنا كارثة خاصة نحن الشعب الفلسطيني، وخير لنا أن نقاتل حتى الموت قبل أن نرى مؤامرات الخيانة يتم تنفيذها علينا وعلى وطننا.. ولنقاتل حتى النهاية بما لدينا من سلاح ولا نقطع الامل.. سنحصل على السلاح..)(356)

  ولكن القائد ظل مصمما على الاستقالة، لأنه أدرك أنه يستحيل عليه العمل بسبب الموقف المستهجن الذي وقفته اللجنة العسكرية من طلباته.

  وفي زاوية من الغرفة التي كان يقيم فيها سماحة المفتي في فندق أوريان بالاس، جلس عبد القادر يكتب استقالته من قيادة الجهاد المقدس، ثم سلمها الى سماحة المفتي وقال:-

  «والله يا عماه.. انه يعز علي هذا، لقد قمت بالواجب حتى الآن، ولكن لا يمكنني ان اقاتل وأضحي بأولاد الناس دون جدوى» فنصحه المفتي بالتريث وحاول التخفيف عنه، وساعده كل من كان حوله من الاخوان ولكن بدون نتيجة، ولما علم رياض الصلح بخبر استقالة عبد القادر، توجه الى الفندق، وألح عليه بوجوب سحب استقالته ولكنه أبى، وفي النهاية نجح اخيرا وأقنع القائد بالعدول عن الاستقالة، ووعده أن يبذل أقصى جهوده للمساعدة في ارسال الأسلحة للمجاهدين (وبالرغم من ذلك فانه لم يوفق في ارسال قطعة سلاح واحدة).

  وبعد ذلك غادر الفندق متوجها الى مخازن اللجنة العسكرية حيث شاهد بأم عينه مئات الرشاشات والبنادق والمتفجرات المكدسة فيها، فطلب كمية من المتفجرات ليحضر لغما ينسف به مشروع روتنبرغ الذي يدير جميع المصانع اليهودية، ويزودها بالمتفجرات، ولكن اللجنة رفضت ذلك ايضا.

  ونزولا عند رغبة المجاهدين الذين نصحوا القائد بمراجعة اللجنة مرة أخرى قبل العودة الى فلسطين، فقد تكون التقارير الموثوقة من رجال الحكومات العربية (من مصر وسوريا ولبنان في القدس) عن الحالة في فلسطين وسقوط القسطل قد فعلت فعلها في نفوسهم، وفعلا.. قابل القائد اللجنة المذكورة وطلب منها سلاحا وعتادا، وبعد عدة وساطات قام بها سماحة الحاج أمين ورياض الصلح، (تمخض الجبل فولد فأرا..) فقد أجابه طه بأسلوب جديد  «اننا موعودون بوصول شحنة جديدة من الأسلحة وسنخصص لك كمية» فقال القائد:-

  «ربما تأخرت هذه الشحنة، وأنا لا يمكنني البقاء في دمشق تاركا ميدان المعركة والمجاهدين بدون عتاد...»

  فقال طه:- ما يخالف.. انتظر قليلا لنتدبر الامر..

  وأخيرا وبعد جهد جهيد، أمر الهاشمي بتقديم (50 بندقية و110 الاف طلقة و300 قنبلة يدوية وكمية من المتفجرات ومبلغ 500 جنيه فقط)(357)

   ولما رأى عبد القادر هذه الكمية المهنية، واطلع على حالة الخمسمائة بندقية التي كانت عبارة عن حديد بلا خشب وأكثرها غير صالح للاستعمال جن جنونه، واتجه الى الفندق ودخل على سماحة المفتي وهو لا يكاد يتميز من الغيظ والغضب وقال له:-

   (والله يا عماه.. انهم يريدون القضاء علينا، ويريدون اضاعة فلسطين انهم يخونوننا يا عماه.. انهم متآمرون علينا وعلى بلادنا.. لا أمل لنا بوجودهم، فهل بمثل هذه الاسلحة يريدون تخليص فلسطين..؟ انني قررت العودة، وسأعود جنديا يعرف كيف يدافع عن بلاده).

  فحاول رياض الصلح الذي كان موجودا بالتعاون مع سماحة المفتي من تهدئة خاطر القائد الثائر.. ثم تقدم اليه، وناوله مسدسه الخاص والمكتوب عليه (الأمن العام اللبناني) وقال: (خذه وليكن الله معك). كما زوده سماحة المفتي بمبلغ 800 جنيه فلسطيني لانفاقها في سبيل الجهاد.

   وبعد ذلك التفت عبد القادر الى رفاقه وقال:-

   (أما أنا فاني ذاهب الى القسطل، لأموت هناك قبل أن أرى ثمرة التقصير ونتائج التواطؤ، سأعود الى القسطل وسأسترجعها من اليهود مهما كلف الثمن وسأموت هناك وليسقط دمي على رأس عبد الرحمن عزام وطه الهاشمي واسماعيل صفوت الذين يريدون تسليمنا لأعدائنا كي يذبحونا ذبح النعاج..).

  كانت ساعة رهيبة حاول سماحة المفتي خلالها تهدئة ثائرة عبد القادر، ورجاه أن يرأف بنفسه وبأمته وأطفاله، وطلب منه أن يتجنب التلفيات الكثيرة بالمجاهدين، فالتفت عبد القادر الى سماحة المفتي وقال:-

  «ان احتلال اليهود للقسطل أكبر عار يلحق بنا، فعلينا أن نمحو هذا العار باستعادة القسطل مهما كلف الامر... وكيف يمكن عدم الحاق تلفيات وتجنب الاصابات والخسائر، ولدى اليهود الدبابات والمصفحات والطائرات والمدافع.. أما نحن فسنقابل بدمائنا ولحومنا، وليبق السلاح مكدسا في دمشق...)

   (... وانه ليءسفنا بالحقيقة أن نسجل في هذه المذكرة أن رجال اللجنة العسكرية المسؤولين الذين اجتمع بهم القائد وزملاؤه، لم يعيروا طلبات الفلسطينيين وملاحظاتهم أي اهتمام، بل قابلوها بالسخرية والازدراء، ولم يحركوا ساكنا لتلافي الأخطار الفظيعة التي كانت ظاهرة للعيان، وكان رجال اللجنة العكسرية يقولون لمن كان يراجعهم من اهل فلسطين... لا تخافوا ولا تهتموا فاننا قد اتخذنا كل الاحتياطات اللازمة، وليست هناك اهمية يعول عليها اذا سقطت القدس ويافا وحيفا، ذلك لأننا سنستعيدها في الوقت المناسب»، فلما رأى السيد عبد القادر ورجاله تعنت رجال القيادة العامة، واللجنة، واستهتارهم بطلبات المجاهدين، ومن عدم اكتراثهم بحقيقة الأوضاع في فلسطين، عادوا الى بلادهم بخفي حنين، وقد امتلأت نفوسهم يأسا وغيظا، وقرروا مقابلة استحكامات اليهود ومدافعهم ومصفحاتهم وطائراتهم بدمائهم ولحومهم بدل السلاح الذي ضن عليهم به، وكان استشهاده أشبه بالانتحار الذي تولد عن يأس وقنوط بسبب موقف القيادة العامة واللجنة العسكرية)(358).

  (بعث الينا صديقنا المجاهد العربي الكبير الأستاذ «محمد علي الطاهر» برسالة خاصة، وصف فيها الكارثة الكبرى التي حلت بالمجاهدين العرب في فلسطين، بفقد فتى المجاهدين وزين شباب العرب القائد عبد القادر، وقد قال الاستاذ الطاهر ما نصه بالحرف الواحد:-

   (.. هذا ومن حق الجيل المقبل أن يعرف أن دم عبد القادر الحسيني قد راح رخيصا، يوم طلب امداده بالقليل من السلاح والمال، فبخل عليه المسؤولون بهذا الحق، وجامعة الدول العربية تعرف ذلك ويعرفه عبد الرحمن عزام باشا أمينها العام، الذي لا يستجيب لمستغيث، بل لقد استغاث به اليمانيون فتركهم ولم يتدخل..

  والكلمة الان لعزام باشا.. فماذا يقول سعادته.. أفتونا مأجورين..)(359)

  ومن المؤكد أن عزام باشا قد رد على رسالة المجاهد الطاهر حين قال:-

  (لقد تورطنا.. فلم أظن أننا سندخل الحرب بهذا الشكل.. كنت أعتقد أن تهديدات العرب بالدخول الى فلسطين، لن تصل الى حيز التنفيذ، وانما هي بضاعة خاصة للاستهلاك في الأمم المتحدة...)(360)

العودة الى فلسطين

   في تمام الساعة السابعة من مساء يوم 5 نيسان 1948م، غادر عبد القادر دمشق عائدا الى القدس ومعه (56) متطوعا، بعد أن ودع اخوانه وقبله سماحة المفتي بين عينيه وودعه ثلاث مرات، وكأنه كان يعرف أنه الوداع الأخير، لما رآه من اصرار القائد على استعادة القسطل، ومع روح اليأس التي استولت عليه بسبب موقف اللجنة العسكرية، الذي كان منسجما مع السياسة التي ترمي الى تجميد الوضع القائم في فلسطين، حتى تدخل الجيوش والقوات العربية الى فلسطين..

  وفي درعا استقبل مدير الامن العام (الذي كان صديقا لعبد القادر) عبد القادر ورجاله وقال له(361):-

  «لقد وردت برقيات من القدس من أحمد حلمي باشا والدكتور الخالدي، الى اللجنة العسكرية عن طريقنا يطلبان فيها عودتك في الحال».

   وما أن سمع عبد القادر النبأ حتى ثارت ثائرته وقال6-

  «نعم... انني ذاهب فورا الى القسطل وسأقتحهما وسأحتلها، ولو أدى ذلك الى موتي، والله لقد سئمت الحياة وأصبح الموت أحب الى نفسي، من هذه المعاملة  التي تعاملنا بها الجامعة وطه اسماعيل والشرباتي واخوانهم.. انني أصبحت أتمنى الموت الان قبل أن أرى اليهود يحتلون فلسطين، ويحزنني أن أقول لكم وأنا مزمع على اقتحام القسطل، ان رجال الجامعة والقيادة، يخونون فلسطين، ويريدون ذبحنا وزوالنا وسترون ذلك، وانه لشرف عظيم لي وللمجاهدين، أن نخوض المعركة ونسشتهد، أما أعضاء اللجنة فلينعموا بالسلاح والمال أما نحن فعلينا أن نموت».

   وصل عبد القادر ورجاله جسر اللنبي الساعة الرابعة من صباح يوم 6 نيسان 1948م، حث التقى بسرية من متطوعي الاخوان المسلمين بقيادة الشيخ (مصطفي السباعي) في طريقهم الى القدس، فصافحهم عبد القادر ورافقهم الى المدينة المقدسة.

    وبعد أن وصل عبد القادر الى دار أخيه، وضع أمتعته الخاصة، وقفل راجعا الى مدرسة الروضة، حيث حضر كل من القائد ابراهيم ابو دية وعبد الله العمري وحافظ بركات وغيرهم وأخذوا يسردون له قصة احتلال القسطل بشكل مثير، لم يتمالك معه الا ان صمم التوجه في الحال لمهاجمتها.. ثم امر ابراهيم ابو دية آمر سرية القطمون، باحضار اكبر عدد ممكن من حماة الحي لمهاجمة القسطل، كما أرسل في طلب النجدات من بيت صفافا والمالحة وعين كارم ودير ياسين وصوبا، كما ارسل مالك الحسيني وعزمي الجاعوني الى بيرزيت، لاستنفار قوات الجهاد المقدس ومهاجمة القرية من الجهة الشمالية والغربية والشمالية الشرقية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:30 am

معركة القسطل واستشهاد القائد

المعركة الاولى 4 نيسان 1948 م:

   تقع قرية القسطل على هضبة عالية تبعد نحو 8 كم عن القدس غربا، وتشرف اشرافا تاما على طريق القدس - تل ابيب - يافا، وهي بذلك تؤلف موقعا استراتيجيا مهمّا، اذ ان من يحتلها، يتحكم بالشريان الرئيسي للقدس الغربية، وقد جرت فيها المعركة المسماة باسمها.

   ففي 3 نيسان 48 قامت مجموعة من اليهود (البالماخ) مؤلفة من سرية مصفحات وفصيلة هندسة ميدان ونحو 500 مقاتل من حرس المستعمرات بهجوم مباغت على هذه القرية، بقصد فكّ الحصار المضروب وتأمين تموين مائة الف يهودي في القدس الغربية، وفي المستعمرات المحيطة بها، ولم تكن القرية محصنة، ومع ذلك فقد صمد اهلها العرب بما تيسر لهم من اسلحة خفيفة وبنادق عادية وذخيرة، لم تكن تكفيهم للصمود طويلا، وقاوموا بضراوة وعنف الهجمات المتكررة والمستمرة، لعناصر يهودية مستميتة، ومزودة بأحدث انواع الاسلحة ومدافع الهاون. وفي النهاية نفذت ذخيرة المدافعين العرب (ولم يكن فيها من القوة ما يكفي للدفاع عنها حيث كان فيها 50 مسلحا فقط)(362). فانسحبوا من قريتهم التي احتلها اليهود وتمركزوا فيها، وراحوا يعملون على تحصينها وتشييد استحكامات قوية فيها، وفي نفس الليلة سقطت على مدينة القدس العربية (1000) قذيفة بعد ان رفض (تيدي كوليك) الاستسلام مما سبب في رحيل بعض السكان الى اريحا.

   أثار سقوط القسطل في ايدي اليهود حمية المجاهدين العرب، وقررت قيادة منطقة القدس مهاجمة القرية قبل ان تستقرّ فيها اقدام اليهود، فتجمع ما يقارب من (300) مجاهد، اتجه قسم منهم بقيادة (صبحي ابو جبارة) الى مستعمرة موتسا عيليت بالقرب من القسطل فاحتلها، ثم احتل قالونيا والهضاب المجاورة لها، واتجه القسم الآخر بقيادة كامل عريقات - الذي جاء من بير زيت - وآخرون بقيادة ابراهيم ابو ديّة الذي جاء من القطمون، وآخرون بقيادة عبد الله العمري من بيت صفافا، ومن مدينة القدس جاء حافظ بركات وخليل منّون من عين كارم، وعبد الفتاح درويش من المالحة، واتجهوا جميعا ومن جهات مختلفة وخاصة الجهة الجنوبية للقسطل، (عين كارم والمالحة). لمحاصرتها، وقطع الامدادات عنها بقصد احتلالها.

   وبدأت المعركة صباح 4 نيسان 1948، فطوّق المجاهدون البلدة، واحتلوا التلال الواقعة بينها وبين عين كارم، وذلك بعد معركة عنيفة خسر فيها المجاهدون ثلاثة شهداء وخمسة جرحى بينما خسر اليهود خمسة وعشرين قتيلا وعشرات الجرحى.

   وفي 5 نيسان 1948 نسف المجاهدون جسرا يقع بالقرب من قالونيا، ويصل القسطل بالمستعمرات اليهودية المجاورة لها (جبعات شاؤول ومنتفيوري وبيت هاكيرم) الا ان اليهود تمكنوا من اعادة بنائه في اليوم نفسه.

   وفي 6 نيسان هاجم المجاهدون بقيادة كامل عريقات وابو ديّة وحافظ وبركات محاجر (الجيشار) اليهودية ونسفوها، بعد ان قضوا على الحّراس فيها واحتلوها وخسر اليهود في هذه الهجمة الكثير من جنودهم، وقد قدرت الخسائر المادية بآلاف الجنيهات، الا أنّ المجاهدين لم يتمكنوا من الاحتفاظ بهذا الموقع،، نظرا لان ذخيرتهم قد نفذت او كادت، فشنّ اليهود عليهم هجوما معاكسا، بعد ان وصلتهم امدادات كثيرة من الرجال والسلاح والمؤن، بواسطة الطائرات، وتمكنوا من استرداد الموقع في اليوم نفسه، واستشهد من المجاهدين خمسة رجال وجرح عدد منهم ومن بينهم كامل عريقات، ثم اخذ اليهود يضيقون الخناق على القرى المجاورة، حتى لا يتحرك اهلها لنجدة المقاتلين حول القسطل، واخذ القتال يتحول ضدّ المجاهدين العرب بعد ان اصبحوا محاصرين من يهود مستعمرات عطاروت والنيفي يعقوب. (واستنجد المجاهدون بالجيش العربي المتمركز في رام الله فلم يتحرك لنجدتهم، حيث لم يكن في استطاعته ان يبدأ القتال في فلسطين ضد العدو، قبل انهاء الانتداب في 15 أيار 1948 م، وكان رسول المجاهدين الى الجيش العربي في رام الله (عارف العارف)، وكان قائد القوة العربية هو (احمد صدقي الجندي قائد اللواء الرابع والجنرال كلوب باشا وعبد الله التل)(363).

معركة القسطل الثانية:-

   التحق عبد القادر بالمجاهدين صباح 6 نيسان 1948 م، بعد ان غادر القدس عن طريق المالحة - عين كارم، وفي عين كارم اجتمع القائد مع المجاهد عبد الفتاح درويش فترة، ثم ودعه فقال له عبد الفتاح:-

   (أرجوك يا عبد القادر لا تدخل مثل هذه الدخلات....)

   فقال عبد القادر: لقد وهبنا فلسطين دمنا وارواحنا، فكيف نبخل عليها او نصنّ بها(364). وما ان وصل الى منطقة القسطل، حتى تسلم القيادة، وهو يدرك جيدا انها معركة يائسة يخوضها بأسلحة قديمة ومهترئة ودون ذخيرة، ضد عدو مجهز بأحدث انواع الاسلحة.

   وفي غرفة تقع على سفح الجبل الذي يواجه القسطل بالقرب من المحاجر المدمّرة، جلس عبد القادر والى جانبه عدد من آمري السرايا وقوات الفصائل منهم:

   (ابراهيم أبو ديّة - آمر السرية الثالثة، وفاضل رشيد آمر حامية القدس، وعبد الله العمري آمر السرية السابعة، وهارون بن جازي (من البدو) آمر السرية الثامنة (سرية القوافل) وعدد كبير من المسلحين يقرب من 300 مجاهد، حيث راح يوزع قواته على جبهة القتال كالتالي:-

1 - الميمنة - بقيادة حافظ بركات (قائد السرية الرابعة) وتبدأ هجومها من الجهة الشرقية من القسطل.

2 - الميسرة - بقيادة هارون بن جازي، وتبدأ هجومها من الجهة الجنوبية الغربية.

3 - القلب - بقيادة ابو ديّة مع فصيلين من سريته وتبدأ الهجوم من الناحية الجنوبية

4 - القيادة - وتتكون من القائد عبد القادر وعبد الله العمري وعلي الموسوس وجودت العمد، واثنين من شباب القدس.

5 - الاحتياط - ومركزه قالونيا: فرقة بقيادة صبحي ابو جبارة واخرى بقيادة الشيخ عبد الفتاح المزرعاوي.

   وبعد ان وزّع عبد القادر الذخيرة المطلوبة، طلب المجاهد ابراهيم ابو ديّة، السماح لحارس عبد القادر الخاص (عوض محمود احمد الترمسعاوي) وكان من المجاهدين والذي يحمل رشاشا من نوع (برن) الممتاز، ان يشترك معه لنقص الرشاشات والاسلحة، فلما رأى القائد ضرورة ذلك سمح له بالاشتراك.

   (وكان هناك اربعة من الجنود الانجليز المتطوعين يديرون أربعة من مدافع الهاون)(365)

   وبعد ظهر يوم 7 نيسان 1948 زحف القائد بقوات المجاهدين حسب الخطة المرسومة على معاقل العدو المحيطة بالقسطل، وكانت الخطة ان يبدأ اطلاق النار بصورة مكثفة ومركزة من الجهة الغربية، لمناوشة العدو وايهامه ان الزحف العربي قد بدأ من هذه الجهة، وبعدها يتقدم القلب والجناح الايمن لاحتلال القرية من الجهة الجنوبية والشرقية والقيام بنسف الاستحكامات اليهودية فيها...

   وفي تمام الساعة الحادية عشرة من مساء الاربعاء 7 نيسان 1948، تمكّن رجال عبد القادر من تطويق القسطل، حيث بدأ اطلاق النار من الجهة الغربية حسب الخطة، فقابل اليهود النار بالمثل، وفي هذه الاثناء زحف المجاهد ابراهيم ابو ديّة وستة عشر مجاهدا من رجاله، ودخلوا القرية، الا أنّ اليهود تصدوا لهم، فطوقوهم من الجهة الشرقية، بعد ان تأخرت الميمنة التي يقودها حافظ بركات عن الدخول من الجهة الشرقية، وبذلك وقع الستة عشر مجاهدا تحت رحمة القوات اليهودية التي أصلتهم نارا حامية، فقتلت منهم من قتلت، بينما اصيب ابو ديّة اصابات عديدة، وبذلك تمزقت قوى القلب، واختلّ نظام المعركة، فعلت أصوات المجاهدين ان المجاهد ابو ديّة قد جرح بعد دخول القرية، وان الهجوم قد فشل بسبب نقاذ الذخيرة من كثير من المجاهدين، وبسبب اصابة العديد منهم بجراح اقعدتهم عن متابعة التقدم.

   وصل النبأ الى القائد عبد القادر، فما كان منه الا ان نهض ليتولّى توجيه المعركة، وقيادة المجاهدين، وكان لا بدّ له من ذلك لان جموع المجاهدين اخذت تتقهقر، واصبح الفظل مؤكدا... فتوجه الى القلب، وما ان رآه المجاهدون من رجال الميسرة والقلب، حتى التفوا حوله، ودخل القرية والتحم باليهود الذين هالهم ما رأوه من تصميم المجاهدين واستماتتهم في الهجوم، بعد ان اخذت استحكاماتهم وبيوت القرية تسقط واحدة بعد الاخرى، وهو يهلل ويكبر ويزمجر كالاسد متنقلا من بيت الى آخر وهو يقاتل بما لديه من اسلحة، فجرح ثلاثة من رفاقه وبقي واحد ظل يقاتل معه، وليس لديهما من الاسلحة سوى رشاش ستن ومسدس عيار 9 ملم.

   بقي عبد القادر وحده دون ذخيرة امام مراكز العدو المحصنة، والتي عزّزت بامدادات كثيرة من الرجال والعتاد، وكان الكثير من رجال عبد القادر قد نفذت ذخيرته فتراجع، وشعر اليهود بحراجة وضع عبد القادر فأطبقوا عليه وحاصروه باحكام...

   وما كاد فجر 8 نيسان 1948 يبزغ، حتى كان عبد القادر ورجاله يقاتلون يائسين، بعد ان اخذ العدو يضيّق الحصار حولهم ولا ذخيرة كافية لديهم.

   وما ان عمّ خبر محاصرة اليهود لعبد القادر ورجاله في القسطل، حتى زحف المتطوعون والمجاهدون من كل حدب وصوب لنجدته فجاءه:-

1 - قاسم الريماوي على رأس فرقة من جيش الجهاد المقدس.

2 - الحاج عبد المجيد المدني الحجازي. على رأس فرقة من حرس الحرم الشريف.

3 - بهجت ابو غربية ومحمد عادل النجار على رأس فرقة من شباب القدس.

4 - جمال رشيد العراقي - مساعد آمر حامية القدس على رأس فرقة من المتطوعين.

5 - عبد الحليم الشلف على رأس فرقة من شباب الخليل

6 - رشيد عريقات على رأس فرقة من شباب الوادية.

7 - عدة دبابات تابعة للمجاهد الشيخ حسن سلامة.

   وبلغ عدد المجاهدين الذين هبّوا لنجدة عبد القادر ورجاله حوالي 500 مجاهد، وأطبقت هذه النجدات على القسطل من جميع الجهات خاصة من الجهة الشمالية.

   ولما علم عبد القادر بوصول النجدات اشتد ساعده، وارتفعت معنويات رجاله، فاندفع مزمجرا مكبّرا... الله اكبر... الى الامام يا أبطال القسطل، وهاجم تلا عاليا وحصينا، بعد ان قاد بنفسه جنوده مخالفا قوانين الحرب التي تحتم بقاء القادة الكبار في المؤخرة، حرصا على سلامتهم... وانتصر البطل وحقق معجزة حربية.

   انقض العرب على الحاميات اليهودية من الجهات الاربع، واشتبكوا معهم بالسلاح الابيض فتهاوت مراكز تلك الحامية، وفرَّ اليهود مهزومين من الجهة الشمالية، وفي تلك الاثناء وصلت قوات الجهاد المقدس القادمة من قالونيا وموتزا، فاصطدمت بالقوات الهاربة فطوقتهم، وقتلت منهم عددا كبيرا، واحتمى الباقون في حرش بجانب الطريق العام، الا انهم لم يسلموا، بل قتل المجاهدون منهم 35 شخصا، وجرحوا عددا آخر، وتقدمت مصفحة تابعة لقوات الشيخ حسن سلامة من الجهة الشرقية حيث أسرت مصفحة يهودية، وفي هذه الاثناء وصلت الدبابات البريطانية كعادتها لنجدة القوات اليهودية التي خلفت وراءها حوالي 150 قتيلا و80 جريحا حيث احتمى هؤلاء الجرحى بهذه الدبابات فنقلتهم....

   دخل المجاهدون القرية منتصرين بين التهليل والتكبير، وراحوا يتعقبون افراد العدو من بيت الى آخر ومن ركن الى ركن، وراحوا يرفعون العلم الفلسطيني على أعلى بناية فيها وكان ذلك في تمام الساعة الرابعة من بعد ظهر يوم 8 نيسان 1948 م.

   ولكن احدا من المجاهدين لم يكن يعلم في نشوة الانتصار هذه، ان القائد عبد القادر بطل القسطل، قد جاد بأنفاسه، والتحق بالرفيق الاعلى...

   «فانقلبت افراحنا اتراحا لما رأينا قائدنا المحبوب مستندا الى حائط الجامع، ويده على جنبه، وقد اسلم الروح وبيده مسدسه»(366) فأسرع الرفاق يتلقفونه بصدورهم عندما وجدوه جثة هامدة، وقد أصيب في عنقه واذنه وبطنه بشظايا قنبلة (سلبند) القاتلة، ووجدوا قرب جثته عددا من الجنود اليهود صرعى، واغلب الظن انه تبادل معهم القتال، كما وجدوا الى جانبه رشاشا فارغ الطلقات من نوع (توميجن) ومسدس وسلحلك. كما وجدوا ما كان يحمل من اوراق ووثائق ونقود، مما يدل على ان اليهود لم يتعرفوا على شخصه عندما قتلوه..

   دوّى نبأ الفاجعة في صفوف المجاهدين فأبت نفوسهم ان تتقبله، وراحت العيون المتألقة بنشوة الظفر تفيض بدموع الحزن والاسى، وفجأة صحا المجاهدون من هول الفاجعة، فانتابتهم جميعا ثورة من الغضب الشديد، فهبوا يطاردون العدو المنهزم حتى اوقعوا فيه نحو (50) قتيلا آخر، ولكنهم وقد أصيبوا بذهول المفاجأة وهو الفاجعة، لم يتبصروا بالامر ويقدروا الخطر، فتفرقوا بعد انتصارهم في القسطل، وبعد استشهاد قائدهم، فغادر فريق منهم القرية لنفاذ ذخيرته، وغادر فريق آخر تعبأ من القتال، وغادر فريق ثالث ليحضر مأتم الشهيد الذي نقل جثمانه الطاهر الى المصفحة التي سارت باتجاه قرية صوبا، ومنها الى القدس، بينما نقل المجاهدون الجرحى وعددهم حوالي 35 جريحا في سيارات الشحن الى مستشفيات القدس والرملة..

   لقد نزف دم الشهيد البطل بغزارة، واصبح جسده كالنبع المقدس الذي يفيض بالبركة، حيث راح دمه الطاهر يروي تراب الوطن، عندما عانق عبد القادر الارض التي عشقها وسقط عليها، وكأن الدم يفيض بمارش الشهادة الخالصة.

   في هذا اليوم 8 نيسان 1948 سالت فيه على خد فلسطين دمعة، لعلها انبل دمعة على ابنها البار الجريء الجريح القتيل الشهيد...

   وعندما بكت فلسطين عبد القادر كانت تبكي فيه الوطن... تبكي فيه الوطن.. وبعد رحيله... اشتد ارهاب العدو ونزف شعب فلسطين ما نزف، وارتفعت راية الشؤم على ثرى فلسطين وخرج الشعب طريدا لاجئا...

   وهكذا طوت سماء القسطل وتخضب ثراها بدم شاب عربي، قل ما يجود الدهر بمثله.. صدق ايمان ومتانة خلق وبعد همّة وشرف منزّه ونبيل غاية وجرأة نادرة وكفاءة عسكرية عالية منقطعة النظير...

كيف قوبل نعي البطل

   ما كاد نبأ مصرع المجاهد البطل عبد القادر بك الحسيني ينتشر في بلاد العرب حتى هزّها هزّا عنيفا، فهذا ركن من اركان الجهاد المقدس وقطب من اقطاب النضال وامل من آمال الامة والعروبة، يغيب عن الميدان وهو احوج ما يكون الى كفاءته وحنكته وبراعته، ويتوارى وليالي الخطوب لا تزال محلولكة السواد، فراحت الجرائد العربية في اقطار العرب تنشر الخبر والنبأ الفادح في اولى صفحاتها، مودعة الفقيد النبيل بمداد قلوب محرريها وكتّابها، فخسارة عبد القادر الحسيني خسارة قومية فادحة، وكارثة وطنية فاحمة، كما نعاه المؤذنون من على المآذن، واقيمت عليه صلاة الغائب في اغلب البلاد العربية، وجعل خطباء المساجد في صلاة الجمعة حادث استشهاده موضوعا لخطبهم، واكتظت الصحف العربية بأنباء جهاده وعرض صور لبطولاته وامجاده، بينما اذاعت المحطات الاذاعية في اول نشراتها الاخبارية نبأ استشهاده.

نعي الهيئة العربية العليا

   أذاعت الهيئة العربية العليا لفلسطين البيان التالي تنعى فيه الفقيد الغالي:- «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا» صدق الله العظيم.

   «تتعى الهيئة العربية العليا لفلسطين بمزيد الاسى، مع الفخر والاعتزاز للامة العربية الكريمة، في فلسطين وسائر الاقطار العربية والعالم الاسلامي، رجل فلسطين وقائدها البطل الفرد الشهيد المرحوم السيد عبد القادر الحسيني، الذي سقط شهيدا في معركة القسطل، بعد ما ربح المعركة واسترد ذلك الموقع الخطير من ايدي اليهود.

   ان الخسارة التي حلت بالامة الفلسطينية بفقد هذا البطل القائد العظيم، الذي خاض كقائد بطل، معارك الجهاد في سبيل الدفاع عن فلسطين منذ سنة 1936، ولم يخسر في حياته معركة واحدة حتى المعركة التي استشهد فيها..

   ان الخسارة لكبيرة، وان الرزء بفقده لعظيم.

   وسيشيع جثمان الفقيد العظيم في تمام الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الجمعة من منزل شقيقه السيد سامي الحسيني بالقدس الى المسجد الاقصى، حيث يصلى عليه ثم يدفن في ضريح والده المرحوم موسى كاظم باشا الحسيني بجوار المسجد الاقصى.

   فعزاء لآل الفقيد، ولفلسطين المجاهدة وللامة العربية الكريمة بهذا المصاب الفادح.. ولتحيا فلسطين حرة عربية الى الابد..

8/ 4/ 1948م

الهيئة العربية العليا

   وهنا بدأت الدعاية الصهيونية المغرضة تنتشر، حيث روجت الاشاعات ان الشهيد عبد القادر حينما اقتحم مركزا يهوديا في القسطل، كلم المستحكمين فيه بلغتهم العبرية، ولما وصل امام الباب حتى انفجرت قنبلة بجانبه، واصابت منه مقتلا، وزعم اليهود ان الرجل الانجليزي الذي كان يرافق عبد القادر، والذي تبرع بنفسه لمقاومة اليهود، هو الذي قذف اليه بالقنبلة، وقبل ان يسلم عبد القادر الروح، اطلق نيران رشاشه فاردى الانجليزي قتيلا.

   وقيل انه جرح في المعركة فوقع ارضا، وظل دمه ينزف، وان أحد اليهود قد عرفه فأفرغ فيه رشاشه، وقيل ان رصاصة طائشة قد اصابت منه مقتلا، وقيل غير ذلك.

   ولم تقف الاشاعات عند هذا الحد، بل زعمت ان اليهود سارعوا الى نقل جثته الى داخل المنزل ولفوه بالبطانيات - بعد أن تأكدوا من هويته - يريدون نقله الى مقر قيادتهم، ولكن شدّة المقاومة العربية حالت بينهم وبين تحقيق رغبتهم، كما زعمت الاشاعات ان اليهود قد شوهوا جثمان الشهيد القائد، ومثلّوا بجثته.

   ولهذا اضطرت الهيئة العربية العليا الى تفنيد هذه المزاعم فأصدرت بيانا جاء فيه:-

   (لقد اشيع ان اليهود قد شوّهوا جثمان القائد العربي، وفصلوا الرأس عن البدن قبل انسحابهم، وهذا زعم لا أساس له من الصحة، اذ ان القائد الكبير عبد القادر الحسيني استشهد امام رجاله الذين اسرعوا الى الاحاطة به، ولم يتمكن اليهود من الوصول اليه، وما كان اليهود ليتورعوا - لو أتيح لهم - عن اقتراف مثل هذه الجريمة الشنعاء)(367).

   وما ان اذيع النعي حتى تقاطرت على المدينة الحزينة، منذ صباح يوم الجمعة الباكر، وفود المدن والقرى من مختلف انحاء فلسطين، لتوديع الجثمان الطاهر الوداع الاخير، في منزل شقيقه سامي الحسيني بباب الساهرة، وكانت الجموع الزاخرة تمتد من المنزل حتى الحرم الشريف، وقد لبست القدس الحزينة ثياب الحداد، واغلقت جميع المحال والمؤسسات والمتاجر ابوابها ورفعت الاعلام السوداء.

التحية العسكرية:-

   وفي الساعة العاشرة والنصف صباحا، حيّا فريق من المجاهدين الشهيد الغالي التحية العسكرية، باطلاق العيارات النارية في الفضاء، ثم بدأ موكب الجنازة سيره، يتقدمه حملة الاكاليل وطلاب الكليات والمدارس الوطنية، وفرقة موسيقى دار الايتام الاسلامية التي عزفت بعض الالحان الصامتة الحزينة، فحملة اعلام المسجد الاقصى فاعلام النبي داود والنبي موسى عليهما السلام، فشباب القدس وفريق كبير من من المناضلين كانوا شاكي سلاحهم الكامل، وعلقوا عليه شارات الحداد، ثم نعش الفقيد ملفوفا بالعلم العربي الفلسطيني محمولا على الاكف، ومجللا بأعلام سائر الدول العربية، ويتبعه فريق آخر من المناضلين، ثم آل الفقيد الاكارم، فالمشيعون وفي مقدمتهم اصحاب الفضيلة اعضاء المجلس الاسلامي الاعلى. ورئيس واعضاء محكمة الاستئناف الشرعية، وقاضي القدس الشرعي واصحاب السيادة الرؤساء الروحيون لمختلف الطوائف المسيحية والعلماء واصحاب السعادة قناصل الدول العربية واعضاء اللجنة القومية، وهيئة اركان حرب قيادة الجهاد المقدس، ومندوبون عن جميع الهيئات والجمعيات والاندية والمؤسسات الوطنية، واعيان البلاد ووجهاؤها وشيوخها، والاطباء والمهندسون والمحامون وكبار الموظفين والادباء.. وفريق من ضباط الجيش الاردني وعشرات الالوف من المشيعين.

   وكانت فرق الكشافة العربية بمساندة المناضلين والبوليس البلدي تتولى المحافظة على النظام.

   سارت الجنازة من باب الساهرة الى المدينة القديمة، وكانت الاماكن المرتفعة وسور المدينة والمنازل التي تمر بها محتشدة بالالوف من الاهالي الذين وقفوا لتحية شهيد الامة الغالي.

   وفي حوالي الساعة 30 ، 11 دخلت الجنازة الى ساحة الحرم الشريف من باب الملك فيصل الاول، وكانت ساحة الحرم الشريف غاصة بالجماهير، ويقدر عدد الذين اشتركوا في تشييع الجنازة أكثر من خمسين الف شخص، وكان الحزن الشديد يعلو وجوههم لهذه الخسارة الفادحة،.

   وادخل النعش الى باب الجنّة في الصخرة المشرفة بين التهليل والتكبير، حيث قام سادن الحرم الشريف (من آل الانصاري) بتلاوة القرآن الكريم والمشهد، ثم قرئت الفاتحة في باب المغارة الشريفة على روحه الطاهرة.

   ومن هناك حمل النعش على الاكف، وواصل موكب الجنازة سيره الى المسجد الاقصى المبارك، حيث صلي على الجثمان الطاهر بعد صلاة الجمعة، وكان المؤذنون آنذاك ينعون الفقيد من على المآذن، وكانت اجراس الكنائس تقرع دقات الحزن، كما اطلقت (11) قنبلة من المدافع تحية للمجاهد الراحل.

   وبعد الصلاة نقل الجثمان الى ساحة الحرم الشريف بين التهليل والتكبير، حيث تدفقت الجماهير لتحظى بالنظرة الاخيرة.

كلمات التأبين:-

   ثم اعلن السيد المحامي سعد الدين العارف - عريف الخطباء - بدء كلمات التأبين والرثاء، وقد اعدت مكبرات الصوت لهذه الغاية، وقال السيد العارف ان الالوف من افراد الشعب العربي تسابقت اليوم من كل حدب وصوب لتشييع جنازة هذا البطل، الذي سار مع قافلة الشهداء الابرار نحو المجد.

كلمة سماحة المفتي:-

   ثم القيت كلمة حضرة صاحب السماحة المفتي الاكبر وقد جاء فيها ما يلي:- «اننا نودع اليوم رجلا شهما الى جنات الخلد وفردوس النعيم، قضى نحبه عزيزا كريما، واستشهد في ميدان العز والشرف في سبيل الذود عن حياض الوطن المقدس، ولا مشاحة في ان استشهاده يعتبر خسارة فادحة للعرب في فلسطين، لشدة الحاجة لمثله في هذه الظروف. لقد اوقف الراحل الكريم حياته منذ نعومة أظفاره لخدمة امته ووطنه، وقد ضرب بتضحيته الفذة، المثل الاعلى في صدق الوطنية والقى على الشباب درسا خالدا في البطولة والتضحية، في سبيل المبدأ الاسمى والله والوطن، ان الامة لا تندبه ولا تبكيه، بل تتخذ من سيرته مثلا اعلى تتحذى به، ونبراسا تهتدي بهديه، وعلينا متابعة الجهاد المقدس بنفوس عامرة بالايمان.

   ان عبد القادر وان يكن من اعز شهداء الامة، فهو ليس اول شهيد يضاف اسمه الى سجل اسماء الشهداء الابرار، يجب ان لا يجزع العرب لهذه الكارثة الفادحة، اذ ان معركة الحرية ما برحت في اولها، وهي تتطلب التضحيات الجسام، فلنوطد العزم على بلوغ النصر الذي لا ريب فيه، والشيء الذي يبعث في نفوسنا التعزية في فقده، اعماله البطولية وتاريخه الوطني الحافل بالاعمال المجيدة، والامة التي خرج منها هذا البطل جديرة بأن تخرج عوضا عنه ليتمّ رسالته».

كلمة الهيئة العليا:-

   ثم القيت كلمة الهيئة العربية العليا في القدس، فعرض الخطيب فيها لجهاد العرب المقدس في سبيل فلسطين العربية اولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين واليها الاسراء ومنها المعراج وفيها مهد المسيح وقبره والبراق، حبيبة العروبة والاسلام خلال القرون الثلاثة عشر الماضية، واشارت الكلمة الى ان فلسطين ومن ورائها الدول العربية والاسلامية قد وطدت العزم على اعادة حريتها المسلوبة والذبّ عن حياظها، والقضاء على الصهيونية العدوانية قضاء مبرما، والى بطولة الفقيد في هذا السبيل...

   ثم تعاقب الخطباء على النحو التالي:-

   فضيلة الشيخ عبد الحميد السائح، الذي القى كلمة المجلس الاسلامي الاعلى، ثم كلمة السيد محيي الدين مكي، عن الاتحاد النسائي العربي، ثم نيافة المطران جبرائيل ابو سعدى عن سيادة المطران الحكيم والاتحاد المسيحي، ثم كلمة القائد الشجاع (ابراهيم ابو دية) الذي رافق البطل في معركة القسطل (واصيب بسبع رصاصات في انحاء مختلفة من جسمه). وابى المعالجة الا بعد انتهاء التشييع، ثم كلمة السيد فوزي النشاشيبي عن جميعة الكشاف العربي ثم كلمة فضيلة الشيخ اسعد الامام عن جماعة الاخوان المسلمين، ثم كلمة فضيلة الشيخ محمد جمعة السلوادي عن اللجنة القومية في رام الله، ثم كلمة السيد حكمت المصري عن لجنة شؤون المناضلين في نابلس..

وجاء في كلمة المجلس الاسلامي الاعلى:-

   «خسرتك الامة وهي في اشد الحاجة الى اخلاصك ومغامراتك وتفانيك، واستشهدت بعد ان حملت نور النصر في اعظم المعارك، وسيتحدث التاريخ عن بطولتك واعمالك الخالدة، لقد قضيت في ساحة الوغى والجهاد في ساحة العز والكرامة مطمئن النفس، الى ان قمت بواجبك وارخصت الغالي في سبيل الوطن واستعادة كرامته المسلوبة وحريته المفقودة».

وجاء في كلمة الاتحاد النسائي:-

   (هذه فلسطين قد دفعت اليك بفلذات اكبادها مشيعة ومقدرة وباكية، والاوانس في الجموع زائغة متراجعة حيرى، فامل عليها ما تمليه العلى على ذوي العزائم الماضية.

   تباركت ربنا وتعاليت، منحتنا عبد القادر نعمة كبرى، يقودنا في الحرب ويرسم لنا المثل العليا في سبيل الشهداء الابرار، مشيت يا عبد القادر لتلقي آخر درس في معنى الايمان في تكوين الرجال الابطال للدفاع عن الحقيقة، ولتبقي في شباب امتك معنى من هذا الايمان، ولن تستطيع قوة في الدنيا ان تنال منه او تغالبه، ولو كان بعضها لبعض ظهيرا، اذ معناك باق يكون الاجيال وينشيء منهم ومن بطولتك واخلاصك ما تقر به عيناك ويهدأ به مثواك).

وجاء في كلمة الاتحاد المسيحي:-

   (ان روح الفقيد تناشدنا ان نمد الايدي ونصافحه لنعقد معه العزم ونوطد النية على ان نتم ما قد بدأ به، لنفدي الوطن المقدس، بنفس الشجاعة والتضحية، لقد ضرب مثلا في التضحية العليا، جعلته يخترق صفوف القتال مع انه القائد الاعظم)....

   وبعد ذلك وقف الدكتور اسحق الحسيني وشكر المعزين بالنيابة عن آل الفقيد، ثم جرى دفن الجثمان الطاهر في ضريح والده المغفور له موسى كاظم باشا الحسيني في الحرم الشريف باحتفال مهيب، وقد تقبل التعازي عن آل الفقيد في ساحة الحرم الشريف السادة:-

   توفيق صالح الحسيني (مدير الحرم) وشقيقا الفقيد سامي وفريد، والسيد نافذ الحسيني وعلي محيي الدين الحسيني، وكانت الساعة قد بلغت منتصف الساعة الثالثة من بعد الظهر..

فالى جنات الخلد يا أبا موسى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:31 am

فلسطين بأسرها تذرف الدمع حزنا عليك ايها البطل الشهيد....

وفيما يلي وصف الصحف لما جرى في ذلك اليوم الاليم في مدن فلسطين وقراها:

الحداد العام في حيفا:-

   ما ان اذاع المذياع نبأ استشهاد القائد البطل عبد القادر الحسيني، حتى طفرت الدموع من المآقي، واصبحت المدينة تلبس اسود الثياب حدادا على البطل الشهيد، ونعاه المؤذنون، وقرعت أجراس الكنائس حزنا، وأقفلت المخازن التجارية وتعطلت حركة المواصلات واشترك الموظفون والعمال العرب في الحداد، وتوقفوا عن العمل من الساعة العاشرة حتى الحادية عشرة صباحا، في جميع دوائر الحكومة والجمرك والميناء، واضطر الموظفون اليهود الى الانسحاب من المكاتب خشية وقوع امر.

   هذا وقد اعلن الحداد في القرى المجاورة، ففي شفا عمرو عطلت البلدة ونعى المؤذنون الشهيد، وقرعت اجراس الكنائس، وابرقت اللجنة القومية معزية آل الحسيني والهيئة العربية العليا.

   وقد ارسلت برقيات من: اللجنة القومية بحيفا، ومن قائد حامية لواء حيفا ومن الموظفين العرب في دائرة الحسابات في سكك حديد فلسطين ورئيسة الاتحاد العربي، ومن شعبة الاخوان المسلمين، الى الهيئة العربية العليا بالقدس ودمشق، والى اللجنة العسكرية التابعة للجامعة العربية.

اما في اللد:-

   استيقظ سكان مدينة اللد على أصوات قرع الاجراس ونعي المؤذنين وهم ينعون المغفور له القائد العربي الباسل عبد القادر بك الحسيني، القائد العام للجهاد المقدس، وما هي الا فترة قصيرة حتى بدأت الجماهير تتدفق نحو مقر القيادة في المدينة، واللجنة القومية مستفسرة، فأغلقت جميع الحوانيت وتوقفت الحركة في المدينة وبدأ الوجوم على كل وجه لهول هذا الحادث المؤلم.

   وعند الساعة العاشرة والنصف، ذهبت الجموع الى المسجد الكبير للاشتراك في صلاة الغائب عن روح الفقيد، وبعد الانتهاء من صلاة الجمعة سارت جنازة صامتة من المسجد الكبير اعد برنامجها على الترتيب التالي:-

   (طلبة المدارس الثانوية والاهلية يحملون الاكاليل وصور الفقيد وبعض آيات من الذكر الحكيم، ثم حملة الاكاليل المقدمة من الاندية والجمعيات والهيئات والعلماء ورجال الاكليروس، فالعلم العربي منكسا، ثم حملة النعش الرمزي ملفوفا بالعلم العربي تحيط به جموع المناضلين، حاملين الاسلحة منكسة، ثم قائد المدينة واعضاء اللجنة القومية وألوف المشيعين بينهم عدد كبير من النساء اللواتي كن يذرفن الدمع على (ابي موسى) وعندما وصلت الجنازة الى المقبرة الغربية، وضع النعش على احد قبور الشهداء، ثم القيت كلمات التأبين المؤثرة على النحو التالي:-

   كلمة اللجنة القومية. كلمة المدارس، كلمة العلماء ورجال الاكليروس، كلمة الشباب ثم اعلن العريف انتهاء الجنازة الصامتة، مقدما لآل الفقيد وللامة التعازي الحارة وقبل ان تغادر الجموع المقبرة اطلق المجاهدون مائة طلقة وطلقة تحية وداع للراحل العظيم.

وفي نابلس:-

   وصلت انباء انتصارات العرب في القسطل الى المدينة مساء أمس، وعلى الاثر عمت المدينة موجة من الفرح والسرور، وأقبل الاهالي يهنئون بعضهم بعضا، وأنيرت المآذن والمشاعل وبينما كانت المدينة على هذه الحالة، اذ وصل نبأ استشهاد البطل عبد القادر الحسيني، فانقلبت الافراح الى مآتم، ورفعت الاعلام السوداء فوق شرفات المنازل، واغلقت المتاجر ابوابها طوال اليوم، ونعاه المؤذنون من على المآذن، ودقت اجراس الكنائس، ورفع الجمهور على صدره الشارات السوداء، واقيمت صلاة الغائب في المدينة وخرج منها سيل من السيارات يقل وجهاء وشباب المدينة والقضاء، للاشتراك في تشييع الجنازة، ومر بالمدينة عدد من السيارات والمصفحات العسكرية، مرسلة من المجاهد فوزي القاوقجي في طريقها الى القدس، لتحية جثمان الشهيد باطلاق قذائفها، وطيرت مئات من البرقيات الى سماحة رئيس الهيئة العربية العليا والقيادة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية، معزية بالفقيد.

وفي جنين:-

   قابل الرأي العام نبأ استشهاد المجاهد البطل المرحوم عبد القادر الحسيني قائد الجهاد المقدس بالحزن والاسى العميقين، وما هي الا فترة قصيرة انقضت على تلقي النبأ المفجع، حتى كان سكان المدينة بأسرها يغلقون متاجرهم حدادا على الفقيد الكريم، وخرجت من المدينة وفود عديدة الى القدس للاشتراك في تشييع الجنازة.

وفي طولكرم:-

   اقفلت المدينة اليوم حدادا على فقيد الوطن الغالي المرحوم عبد القادر الحسيني، وقد سافرت عدة سيارات تحمل افراد منظمة الشباب الى القدس للاشتراك في تشييع جثمانه الى مقره الاخير.

وفي قلقيلية:-

   نعى المؤذنون ليلة امس القائد المجاهد عبد القادر الحسيني فشق نعيه على الجميع، وقد غادر الى القدس في الصباح اعضاء اللجنة القومية لحضور تشييع الجنازة، وصلي عليه في مساجد قلقيلية صلاة الغائب، رحمه الله وعوض الامة عنه خيرا..

وفي القدس الحزينة:-

   لم تشهد مدينة القدس في تاريخها الحافل يوما كيوم جنازة خير الابطال، وعنوان التفاني ورمز التضحية، ولم يعم فلسطين الحزن كما عمها في ذلك اليوم الاليم، ولقد امتلأت صفحات الصحف العربية في كافة بلاد العرب، بوصف تشييع جثمان الشهيد العظيم، كما نشرت الصحف العالمية بأسرها وصف تلك الجنازة العظيمة، ونحن نقتصر هنا على وصف جريدة فلسطين لهذا اليوم الاليم، فقد قالت في عددها الصادر في 10/ 4/ 1948م:-

   «الامة التي افتداها عبد القادر الحسيني بدمه، مشت امس تستودعه الله في موكبه» (50 الفا شيعوا جثمان قائد الشهداء، متواصين بالصبر متعاهدين على ورود المنايا، وارخاص الضحايا في سبيل الفوز والنصر).

   «لقد كتب البطل الخالد المغفور له عبد القادر بك الحسيني، القائد العام للجهاد المقدس بدمائه الزكية اروع سطر في جهاد فلسطين العربية، وضرب اعلى مثل للتضحية والجرأة، في سبيل دفع العدوان الاجنبي عن الوطن المفدى.

   لقد ذهب للقاء وجه ربه راضيا مرضيا، فقد بذل أقسى غاية البذل، وما حياته سوى سجل حافل بالاعمال البطولية النادرة، وستكون مثلا اسمى يحتذى بها المناضلون في جهادهم، لخلاص هذه البلاد من خصومها الغادرين، واعادة الحرية الكاملة لها...

   ان مخاطراته وبسالته لتعيد الى الاذهان سيرة ابطال العرب الامجاد، الذين جبلت ارض فلسطين بدمائهم الطاهرة، وان المجاهدين من ابناء العروبة سيتمون ما بدأه هذا البطل المغوار، ومن عرف هذا البطل عرف ان الله قد اودع في قلبه سرا علويا، لم يودعه الا في القليل من عباده الصالحين، فهو ان علمته: الايمان عقيدة، والاخلاص وطنية والوفاء عشيرة والعزيمة اقداما والثبات ارادة والنبل طبعا والبطولة نضالا، فهو ان سنحت له سانحات النضال، اقتحم على المنايا مواضعها، وتكشفت مزاياه وتألقت في مجالها، فما كانت الحادثات ولا تقلبات الزمن الا لتزيد مزاياه تلألؤاً..».

فوزي القاوقجي يؤبن الشهيد:-

   «ألقى القائد فوزي القاوقجي في جنوده الكلمة التالية بمناسبة استشهاد البطل عبد القادر الحسيني:

   «في سبيل الله والوطن، في سبيل العروبة والعرب، في سبيل تحرير فلسطين وانقاذها من ربقة الاكتساح الصهيوني، استشهد المجاهد عبد القادر الحسيني، انها لساعة رهيبة، ساعة استشهد فيها، وانها لساعة رهيبة ساعة ننعيه، ونستمطر عليه شآبيب الرحمة.

   لقد كان البطل الشهيد مثالاً للتضحية والرجولة، وقد قام بكل ما يمكن للرجل الحق ان يقوم به لخدمة وطنه وبني قومه، لقد قدم روحه فداء لفلسطين، وروى بدمه الزكي تربة فلسطين فأعطى بذلك مثالا للبطولة والتضحية...

   ففي سبيل الله والوطن يا عبد القادر، وسيجزيك الله جزاء الشهداء، وسيسجل لك تاريخ الوطن مفخرة استشهادك ليس بالحبر بل بالدماء، وان العرب لمصرعك لناقمون، وانهم سيجدون في السير على الطريق التي سلكتها، للوصول الى الغاية المثلى الى الحرية... الى الحياة ومن احب الموت وهبت له الحياة.

   لقد جاء العرب من مختلف اقطارهم لنصرة فلسطين، فأعطاهم الشهيد اليوم ابن فلسطين البار مثلا صالحا لن ينسوه ابدا، بنفس ملؤها الحزن والاسى ننعى البطل الشهيد.

   وبقلب ملؤه الايمان والفخر نحمل ذكراه، وبارادة جبارة اعاهد الله والوطن لنأخذن بثأره، بما يشرف العرف ويجعل اسم الشهيد رمزا للبطولة الحقة، وانه ان زال عنها شخص عبد القادر، فان روحه سترفرف دائما بين صفوف المجاهدين، وعلى رؤوسهم، لتزيد في اندفاعهم في ساحة الجهاد، والى النصر الذي ينشدونه، والذي عاهدوا الله صادقين عليه، ان يبذلوا له ثمنا ارواحهم بسخاء، وان الله لناصرنا، ومن ينصره الله فلا غالب له»(368).

كيف استقبل سماحة المفتي الاكبر نعي الشهيد

   كتب احد اصدقاء عبد القادر الحسيني (وكان حينذاك في دمشق) يصف كيف استقبل سماحة المفتي الاكبر نعي الشهيد فقال(369):

   «كان سماحة السيد محمد امين الحسيني، يعلم مقدار شجاعة عبد القادر واقدامه وتصميمه، كما كان يدرك التأثير السيء الذي تركه في نفس عبد القادر، عجزه عن الحصول على السلاح من دمشق، فلما ودع القائد سماحة الزعيم عند مغادرته دمشق في 5/ 4/ 1948م في طريقه الى معركة القسطل اخذ سماحته يشجعه ويطيب خاطره ويهدئ من روعه ويدعو له بالنصر والنجاح، وأوصاه بالحاح شديد، بألا يعرض نفسه للخطر، وان يتجنب قدر المستطاع ان تلحق بالمجاهدين اصابات كثيرة، ولما تحركت سيارة القائد التفت سماحة المفتي الى من حوله وقال:- (الله يستر عبد القادر).

   وبعد ظهر يوم 8/ 4/ 1948 غصت دار الهيئة العربية العليا بدمشق كعادتها، عندما يكون فيها سماحة الزعيم، بوفود البلاد وزعماء المجاهدين ورجال الحركة الوطنية، ووفود عدد من النواب السوريين لتحية الزعيم، فنزل سماحة المفتي الاكبر حوالى الساعة الرابعة الى حديقة الدار لاستقبالهم، وكان كعادته باسم الثغر هياب الطلعة كريم النفس لطيف الحديث، يستقبل زائريه ببشاشته المعروفة، ويحدثهم أحاديثه الوطنية المشهورة، ويتنقل بين حلقات الناس يقضي حاجة هذا ويستمع الى حديث ذاك، ولكني لاحظت ان شيئا كان يشغل بال الزعيم، ويقلق خاطره على غير عادته، فتقدمت اليه وسألته هل به شيء..؟ فقال: لا شيء وبعد نصف ساعة دعاني اليه وقال: هل وصلتكم اخبار جديدة عن القسطل؟ قلت: لا وانصرفت والحقيقة انه لم يكن لدينا خبر جديد سوى ان المعركة كانت تدور لصالح المجاهدين، وبعد هنيهة دعاني مرة اخرى وقال: استخبروا.. فلعل هناك شيئا جديدا.. قال هذا بقلق بالغ ظاهر، ثم التفت الى زائريه يواصل حديثه معهم.

   وفي الساعة الخامسة والنصف تلقى فندق (الاوريان بالامس) بدمشق، رسالة تلفونية من القدس تنعي الشهيد، ونقل الفندق الخبر السيء الى مكتب الهيئة العربية العليا، فوقع الخبر علينا وقع الصاعقة، وحاولنا اخفاءه عن الموجودين ولكن هيهات.. فقد كنا نحدث الاخوان بدون شعور، ولكننا اتفقنا جميعا على ضبط عواطفنا، وكبت شعورنا امام سماحته واخفاء الخبر عنه، اولا لانشغاله مع زائريه الكثيرين وثانيا، لاننا شرعنا نتصل بالقدس والقاهرة تلفونيا، لجمع كافة المعلومات عن الحادث الاليم قبل اعلام سماحته.

   واستدعاني سماحته للمرة الثالثة وقال: هل من جديد؟ قلت: لا.. والعبرات تكاد تخنقني.. ثم استدعى بعض الاخوان الآخرين وسألهم: هل لديكم من جديد عن القسطل؟ وعن عبد القادر؟ فقالوا: لا.. فانتفض سماحته وقال: لم هذا الوجوم الذي يسيطر عليكم..؟ وبعد قليل دعاني وسألني: لا بد ان تكون قد وصلتكم اخبار جديدة فما هي..؟

   فقلت: لقد جرح عبد القادر، ولكن المجاهدين استعادوا القسطل. فقال الزعيم: جرح...؟ او لمثل هذا الخبر يسيطر عليكم الوجوم؟ ثم واصل حديثه مع زائريه.

   وبعد بضع دقائق دعاني اليه وقال: يا فلان... اعلمني الحقيقة... حقيقة القسطل وحقيقة ما جرى لعبد القادر.. فقلت: القسطل استعيدت بأجمعها اما ابو موسى فقد اصيب بجرح بليغ... فقال: هل جرح ابو موسى ام استشهد.؟ فهززت رأسي ودمعت عيناي.

   فأطرق سماحته قليلا ثم قال: ان استعادة القسطل فوز عظيم، واستشهاد ابي موسى خسارة لا تعوض.. ولكن لا تحزنوا بل ابتهجوا، فان هذا ما أراده ابو موسى لنفسه ولوطنه، وهذا اليوم يجب ان يكون يوم عزّ وفخر.. لا يوم حزن وبكاء.. ثم انتقل الى مكان آخر في الهيئة يقضي مصالح الناس.

   ولما شعر الذين كانوا في الهيئة أن الزعيم قد بلغه الخبر، تلاشت قواهم وانفجرت صدورهم بالتأوهات والزفرات، وامتلأت عيونهم بالدمع الغزير، وكان سماحته يشجعهم ويدعوهم الى رباطة الجأش والسيطرة على الاعصاب، وكانت دمشق قد سمعت نبأ الفاجعة، فأغلق الناس حوانيتهم ورفعوا الاعلام السوداء، وهرع زعماء العاصمة وأركان الدولة والشبان الى دار الهيئة لتعزية الزعيم، فكان سماحته يستقبلهم ببشاشته المعروفة ويطيّب خاطرهم، ويحاول التخفيف عنهم... وقد ارتسمت على وجهه آيات العزم والثبات،، وشعت من عينيه معاني العزّة القومية قائلا:

   (أيها الاخوان... لدينا اخبار سارة عن معركة القسطل، فقد انتهت بانتصار العرب والقضاء على افراد الهاغناه في القرية العربية، ولدينا خبر مؤلم وهو استشهاد عبد القادر. ويعود هذا الالم الى الخسارة الجسيمة للقضية عامة، والى الجهاد الذي تخوضه فلسطين خاصة، على انني اؤكد ان هذا الامر على جلله، لا يفترض التعزية بل التهنئة، ذلك ان الشهادة في سبيل الله والوطن والمبدأ شرف ما أحلى الحصول عليه، وان خسارة عبد القادر على عظمها وجللها، لا تزيدني الا ايمانا بالنصر النهائي للقضية العادلة، التي استشهد ابو موسى من اجلها، وهو يؤدي واجبه الاسمى فيها.. وانني اؤمن ان هذه الامة لا تعرف العقم في الرجال، وانها بالافذاذ لولودة)(370).

   وفي تلك اللحظة الرهيبة وصل الشيخ حسن سلامة قائد منطقة اللد عائدا من الميدان لامور عسكرية، ولم يكن النبأ المفجع قد تسرب اليه، فقال سماحة المفتي الاكبر: اعزيك باخيك عبد القادر.. وما كاد يسمع الخبر حتى انهارت قواه، وجن جنونه للخسارة الفادحة،

   غصّت قاعة الهيئة وغرفها وحديقتها بجمهور كبير من الناس جاءوا للتعزية وللتعبير عن شعورهم، فوقف سماحته بين عويل الشباب وبكاء الشيوخ وزفرات الفتيان، ولم أره في حياتي اثبت جنانا منه في تلك الساعة، وتحدث الى الجميع مبتسما وقال:-

   (ان هذا اليوم ليوم عظيم، فقد استعاد المجاهدون القسطل، واننا نهنئ انفسنا اعتزازا بميتة عبد القادر، هذا القائد الباسل، فما اقل الذين يرزقون الشهادة في ميدان الجهاد، لا ينبغي أن نحزن بل يحقّ لنا ان نهنئ انفسنا ونفخر بهذا الشرف العظيم... واني لاعزيكم جميعا في البطل العربي).

   واراد سماحته بذلك ان يشعرهم بأن الشهيد لا ينتمي الى أسرة الحسيني فحسب، بل الى اسرة العروبة...

   ثم توافدت على دار الهيئة رجال سوريا، يتقدمهم فخامة رئيس الجمهورية ورئيس الوزارة والوزراء والعلماء والنواب وممثلون عن الاحياء والنوادي والجمعيات ومختلف الطبقات، وكان سماحته يقابلهم بجنان ثابت، وكان يرفه عن نفوسهم الحزينة بما كان يدلي به من آيات وطنية بيّنات.

   ولكن سماحته كان يخفي في صدره شعوره العظيم، بفداحة المصاب وهول الخسارة، وكان ذلك الشعور يتغلب بين الفينة والفينة في صراعه ضد عوامل اخفائه، وكان هذا التغلب يحمل سماحته على التعبير عن شعوره، ولكن بشكل رائع مدهش، فقد قال في معرض تعزية المعزين (صحيح ان المصيبة فادحة... والله لم احزن في حياتي كما حزنت يوم وفاة شقيقي الوحيد (فخري) ولكنه اليوم أشدّ حزنا).

   وقال في حديث آخر: (كانت مصيبتنا فادحة بالدكتور مصطفى الوكيل في برلين، وكذلك مصيبتنا بعبد القادر). ولما رأى الشبان يبكون وينتحبون قال: (لا تزيدوا في لوعتنا، والله لو امكنني ان افتدي عبد القادر بولدي الوحيد (صلاح) لفعلت، فعبد القادر اليوم الزم للامة من الجميع).

   وبعد منتصف الليل وقد خلت دار الهيئة من المعزين، تقدمت الى سماحته ورجوته أن يصعد الى غرفته للاستراحة. فالتفت الي معاتبا وقال: استراحة.. نوم... فقلت: نعم.. فانك ملك للامة لا لنفسك، ويجب ان تستريح قال: استريح وعبد القادر يستشهد.. فقلت: كنت الى دقائق تلقي علينا الدروس في الصبر والشجاعة... فقال: صحيح... يجب ان نتحمل هذه الكارثة بصبر واطمئنان... سأذهب لغرفتي، ولكن امرا عظيما يقلقني ويشغلني.. فمن ذا الذي يمكنه ان يحل مكان عبد القادر..

   ودخل الزعيم غرفته، وظن الجميع انه دخلها لينام، وفي الساعة الثالثة والنصف صباحا، وكنا لا نزال نتصل بالقدس بشأن الجنازة، واعطاء أوامر الزعيم بدفن الشهيد الى جانب والده في جوار المسجد الاقصى، دخلت غرفة الرئيس، فاذا بي أجده جالسا وامامه اوراقه واضباراته، فقد كان يدرس سجلات المجاهدين عله يجد من يخلف عبد القادر... فرجوته بالحاح ان يستريح.. فذهب الى سريره.. وذهبت الى الفندق.

   ولما عدت الى الهيئة في الساعة الثامنة صباحا، وجدت سماحته يستقبل الناس ويدعوهم الى الصبر والجلد وتحمل هذه المصيبة الفادحة.

   ولما بلغت مسامع الملك فاروق مصاب العروبة الاليم بفقد عبد القادر، اصدر اوامره الى وزير مصر المفوض في دمشق بتعزية سماحته بفقيد فلسطين.

   وبعد ذلك سافر سماحته الى القاهرة، وما ان وصل حتى توجه الى قصر عابدين لتسجيل الشكر لجلالة الملك الذي ادى صلاة الجمعة يوم 16/ 4/ 1948 في المسجد الحسيني في القاهرة، وبعد الصلاة أشار جلالته بقراءة الفاتحة على ارواح الشهداء، وخاصة الشهيد عبد القادر، فوقف الشيخ احمد الصاوي شيخ الطريقة الصوفية وقال: بأمر من صاحب الجلالة ارجو أن تقرأوا الفاتحة على ارواح الشهداء في فلسطين، وخاصة على روح الشهيد عبد القادر الحسيني فقرأها الجميع مترحمين..

   وقد شارك العالمان العربي والاسلامي اهل فلسطين في مصابهم العظيم، بفقد قائدهم المجاهد الباسل، فتلقى سماحة رئيس الهيئة العربية العليا سيلا من برقيات ورسائل التعزية من مختلف بلاد العرب وديار المسلمين ومن الذين أبرقوا معزين:-

   فخامة الرئيس بشارة الخوري، جلالة الملك عبد الله، سمو الامير عبد الاله، سمو الامير فيصل آل سعود، سمو الامير سيف الاسلام عبد الله، والسادة:

   عمرو ابراهيم، مصطفى النحاس باشا، علي ماهر باشا، محمود فهمي النقراشي، مكرم عبيد، عبد الرحمن عزام، محمد صالح حرب، شيخ الجامع الازهر، رياض الصلح، عبد المجيد ابراهيم صالح، محمد علي علويه، حمدي الباجة جي، مزاحم الباجة جي، محمد مهدي كبة، اسماعيل الغانم، سلطان باشا الاطرش، ابراهيم هاشم، الدكتور منصور فهمي، فؤاد اباظة، توفيق دوس، فخري آل الجميل، الاستاذ احمد حسين، رئيسة الاتحاد النسائي في مصر، الشيخ حسن البنا، احسان الجابري، كميل شمعون، عبد الله اليافي هنري فرعون، سامي الصلح، صبري حمادة، وعشرات غيرهم..

   هذا وقد أبّن الفقيد الكريم المجلس النيابي السوري واللبناني والعراقي، واقيمت صلاة الغائب عن روحه في جميع المدن والقرى في العالمين العربي والاسلامي.

ومن برقيات التعزية(371):

   رفعت جمعية الخدمات الدينية والاجتماعية كتابا الى سماحة مفتي فلسطين الاكبر معزية باستشهاد القائد عبد القادر الحسيني وقد اجاب عليه وفيما يلي نص التعزية وجوابها:

   (سماحة مفتي فلسطين الاكبر السيد امين الحسيني أيده الله القاهرة. استشهاد عبد القادر الحسيني في ميدان الجهاد المقدس، بطولة جديدة من بطولات هذه الامة تزيدنا ايمانا بالنصر وقوة في الكفاح، وجودكم على رأس الرعيل المجاهد خير عزاء لفلسطين في مصابها بالقائد الشهيد...).

بغداد في 4/ 6/ 1367 ه

السكرتير      رئيس الجمعية

   حضرة الكريم المفضال رئيس جمعية الخدمات الدينية والاجتماعية في العراق المحترم جامع الازبك - بغداد.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:-

   فانني اشكر لحضرتكم جزيل الشكر على ما جاء في كتابكم من عواطف كريمة، بتعزيتكم بالفقيد الشهيد عبد القادر الحسيني، سائلا المولى سبحانه وتعالي ان يتغمده برحمته ويحقق آمال امتنا الكريمة، التي استشهد في سبيلها، وان يحفظكم ويطيل بقاءكم..

حلمية الزيتون في 10/ 6/ 1367 ه

محمد امين الحسيني

رئيس الهيئة العربية العليا

صدى الاستشهاد في امريكا:-

   كان لنعي المغفور له الشهيد عبد القادر الحسيني، وقع أليم في الدوائر العربية والرسمية، وفي نفوس العرب المقيمين في نيويورك، وكان السيد محمود فوزي والسيد فارس الخوري وسائر مندوبي العرب، ممن عّزوا السيد جمال الحسيني، مندوب الهيئة العربية العليا في الامم المتحدة.

وقد تحدث السيد جمال الحسيني عن الفقيد فقال:-

   «ان الاعمال الباهرة التي قام بها عبد القادر الحسيني وزملاؤه خلال الاشهر الاربعة الماضية، قد اكسبتهم اعظم احترام وتقدير، وهذه الاعمال الباهرة هي التي كشفت عن حقيقة الصهيونية، واظهرت ان القوة التي طالما تبجحوا في المباهاة بها كانت هباء.

   لقد قاتل عبد القادر الحسيني قوات صهيونية، تفوق قواته عددا وعدة، فدوخها وجلب عليها العار، وترك سكان القدس من اليهود وعددهم مائة الف نسمة يتضورون جوعا، وفي حالة يوشكون فيها ان يستسلموا، وهكذا مهد سبيل النصر للعرب اجمعين.

   ان التاريخ سيسجل اسمه بين أمجد ابطاله، واذا كانت خسارتنا بفقده عظيمة، فقد ضرب من نفسه مثلا عاليا سيحتذيه الكثيرون... وختم خديثه قائلا:-

   «ان جميع العرب المقيمين في نيويورك يفكّرون في زوجة الفقيد واولاده الاربعة، ويشعرون نحوهم بعطف عظيم»(372).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:32 am

الباب السابع

رثاء الشهيد في الصحف

   كتب السيد اكرم الخالدي في جريدة فلسطين تحت عنوان:(373)

(حطّم القيد ومضى)

   يرحمك الله«أبا موسى» فكلنا لها، هذه الشهادة التي خضنا غمار المعركة الكبرى، مرحبين بها، لتحيا بلادنا عزيزة حرة سيّدة، أو نفنى دون ذلك راضين مرضييّن.

   لقد عرفتك يا أخي فتى الثورة والميدان، ورجل العقيدة والعنفوان، ونحن بعد في ريّق العمر على ضفاف النيل نتدارس هناك ونتعاهد ناهلين معدّين، ولعلك تذكر يا اخي ذلك اليوم من ذاك العام، عندما نلت شهادة الجامعة الامريكية، وذهبنا الحفل معك، ثم اذا بك تقف وقفتك المشهورة في حرم الجامعة، فتمسك الشهادة في يد، وترفع يدك الاخرى في وجه الحفل الحاشد، هاتفا به ومحذّرا من احد اوكار الاستعمار في القاهرة، وكانت بعد ذلك ثورة في الرأي العام، كنت انت فتاها المجلّي يا ابن الثورة البكر، وها أنت تمضي الى جوار ربك اليوم بعد أن خضت الغمار وحميت الذمار، معيدا لقومك الذكريات ومجددا منهم العزمات.... فيا مشارف القدس ويا روابيها وحزونها، ويا جبال الخليل وبيت لحم، وانت يا تلال القسطل وتربتها التي جبلت بالدم الزكي المهراق، اذكري كلما هبّت نسائم الاصباح الندية عليك، بعد ان تحررت من الاسار، اذكري محطم قيدك الباسل الباذل نفسه في سبيل بلد انت له ومنه، فيه ذؤابة المجد وآية النصر المؤكد المخلد، اذكري فتاك وبطلك الصنديد العنيد عبد القادر الحسيني، ثم اسكبي دمعة، لتقومي من بعد الى الميدان مشرقة باسمة، فشهيدك لا يحب الدموع، وهو يكره الخنوع والقعود... والى دار الخلد يا اخي... وثق اننا قائمون لهذا البلد قوّامون عليه... وان القافلة لتسير.....)

   في كلمة جريدة الدفاع:(374)

   (في لهفة ووجوم وحسرة، حزّت في النفوس حزّا، تساءل القوم عن النبأ الفاجع، وتعددت الاستفسارات، والقلوب واجفة، والمآقي تغمرها الدموع، وردّد الجميع في ألم وحسرة ومرارة، هل استشهد البطل....؟ وتاهت النفوس وذهلت البصائر قبل الابصار، وكيف لا يكون هذا والمصيبة فادحة والخطب جلل، وكان بودّ كل امرئ ان ينفذ الى قلب معركة القسطل، لمعرفة الحقيقة وانها لساعة مفجعة رهيبة بلا ريب....

   وظلت اجراس الهاتف في ادارة هذه الجريدة، تقرع باستمرار، مستفسرة ضارعة الى الله ان تكون الرواية مجرد اشاعة، وان يحرس بعنايته البطل الذي طوّح بقوات الاعداء في غير معركة، ولازمه النصر في كل موقعة.... وجاءت الانباء - ويا ليتها لم تجيء - مؤكدة حقيقة الرزء، واستشهاد القائد عبد القادر الحسيني في معركة القسطل، حيث كان في طليعة المجاهدين، لم يرتض بملاحظة سير القتال والاشراف عليه، كما هي عادة القوّاد، بل خاض الموقعة بنفسه، وتغلغل في صفوف الاعداء واسقط عشرات منهم قبل ان يودّع هذه الدنيا، فضرب بذلك مثلا اعلى في التضحية في سبيل الهدف الاسمى.

   نعم... لقد قضى قائد منطقة القدس، ولكن في اشرف موقع واخلده، فودع هذه الدنيا البالية في سبيل اسعاد امته وبلاده وتحريرها من الطامعين.. وما نفع حياة عاقبتها زوال واندثار، وما قيمة المرء بل وما قيمة الامم بدون اوطان...

   لقد استشهد الذي دوّخ قوات العدو ولقنها درسا في الفروسية العربية، التي يعترفون بها ولا يجرؤون على انكارها، بعد ان ذاقوا مرارتها، عندما جد الجّد وحانت ساعة الخلاص.

   قضى بطل شارع هاسوليل وبن يهوذا، وودّع الدنيا الذي نظم تحطيم دار الوكالة اليهودية بوق السوء ومبعث الغطرسة والفتنة، واستشهد الذي ضرب من فنون الحنكة العسكرية والبراعة الفائقة في فنون القتال، ما سجل له صفحة نقية لن تنسى على مر الزمن..

   لقد قضى الفقيد الغالي ولقي وجه ربه راضيا مرضيّا، في اشرف ساحة وأنبلها ومات الميتة التي يبتغيها كل مؤمن بحقه وعدالة قضية بلاده، فترك ذكرى حافلة وما أعطرها، وسجل انتصارات ما اعظمها....

   ولقد هجر الراحل الكريم المناصب وعاف المراكز وحياة الرفاهية، لاداء أسمى واجب كتب علينا جميعا، لكنه كان سباقا، لم تغره مباهج الدنيا ومتاعها واختار حياة الجبال والكفاح على ما عداها، وكان - يرحمه الله - مؤمنا بعدالة قضيتنا وقوّتنا، ولم يهن يوما، ولم يستكن عن داعي الواجب، ومن ذا الذي يرى بلاده عرضة للفناء والدمار على ايدي مغتصبين ولا يعمل....

   هنيئا فلسطين... فلن يمسك سوء، وفيك امثال الراحل الكريم، الذي أبى الا ان يطهرَّ القسطل ولو كلفه هذا الجهاد حياته، هنيئا لامة يعمر قلوب ابنائها حب الوطن، والذود عنه بالارواح «في ذمة الله والوطن ابا موسى....»

   واسرة الدفاع تتقدم بالتعزية الى آل الفقيد الكرام، وللهيئة العربية العليا واللجنة العسكرية والامة العربية جمعاء.....»

   أما جريدة لواء الاستقلال العراقية، الناطقة باسم حزب الاستقلال في العراق، فقد نشرت في افتتاحيتها - بقلم السيد اسماعيل غانم المحامي - احد اركان حزب الاستقلال ونائب بغداد في مجلس النواب العراقي بعنوان:(375)

   (من أعراس الجهاد الدامي)

   قضي الامر، وضمت تربة المسجد الاقصى الذي بارك الله حوله بين جوانحها، جثمان القائد البطل الشهيد عبد القادر الحسيني، ومشت مدينة بيت المقدس حاضرة الرسل والانبياء، في موكب اختلط فيه الدمع المسكوب برائحة الدماء الزكية، والجموع تحمل على أعناقها نعشا بورك ما انضمّ اليه ذاك النعش، من بقايا الجسم الطاهر الذي مزقته شظايا القنابل وخرقت اديمه رصاصات الرشاش، يطلقه الجبناء المجرمون اوغاد صهيون، ومشى فيه العرب مسلمهم ومسيحيّهم، يشيعون البطل المدافع عن مسجد الصخرة المباركة، من ان تدنسها ارجاس عبّاد العجل، من حثالات الاقوام وطرداء الشعوب، واختلط النحيب.... نحيب الرجال المكتوم بزغاري النساء العربيات، اللاتي هرعن يلقين النظرة الاخيرة على نعش القائد الشجاع المغوار، الذي ذاب عن اعراضهن وحمى كرامتهن ان تذلّ، وخدورهن ان تستباح، وجعل مدينة القدس حصنا عربيا يشعر اليهودي الجبان فيه بالاسر والذل، ولقد كان العرب في شتى اقطارهم يعلقون على همّة (ابي موسى) وشجاعته وجرأته المنقطعة النظير آمالهم، في انقاذ البلد المقدس من دنس اليهود وجرائمهم فقد قوضّ في شهرين من جهاده الرائع حصونهم الهوائية ودكّ معاقلهم وهدم بيوتهم على رؤوسهم في غير كلفة او عناء او خسارة تذكر، ولما استدعي الى دمشق في مشاوراته في بعض الخطط الحربية، حتى انتهز الجبناء الآثمون الفرصة، فباغتوا قرية القسطل العربية واحتلوها بقصد حماية طرق امداد يهود القدس، بالمؤونة والسلاح ومنعهم من الاستسلام للقوات العربية، والخضوع لحكمها، فعاد البطل مسرعا لاسترداد هذا الحصن تّوا، وباشر بالهجوم بذاته، مقتديا بسيرة ابطال قادة العرب الاشاوس.

   وبالرغم من النصائح التي اسداها اليه محبّوه بالابتعاد عن حومات القتال، والاعتصام بمراكز القيادة المحصّنة، فقد أبت عليه سجايا العز وشجاعته الفذة وقوة جنانه، وايمانه بالقضاء والقدر، وبحق امته في العيش، وبقواعد دينه السمحة في الامر بالفداء، والاتكال على الله، ابت عليه تلك السجايا الا ان يشارك جنوده المجاهدين مصائرهم، وان يساهم بنصيبه فيما يلقون من جهد وعناء، على ان ينال نصيبه من الشهادة في سبيل الله والوطن والكرامة، حتى كتب الله له الشهادة، وحشره بين المنعم عليهم من النبييّن والصدّيقين وحسن أولئك رفيقا...

   ان الرزء الفادح الذي منيت به الامة العربية، بفقد هذا القائد المقدام، والبطل الفذّ والكارثة المؤلمة التي حلّت بحركة الجهاد العربي في فلسطين، يجدر بنا ان نتخذ منها حافزا لنا نحن العرب على مضاعفة الجهد، وموالاة البذل وتقوية العزم، على الكسب النهائي لهذه المعركة المقدسة، وان الامة التي تضحي بقائد كبير من قادتها في سبيل استرداد معقل صغير من المعاقل التي فقدتها، حرية أن تكسب النصر المؤزر آخر الامر، وان يخرج رجالها الاحياء في نتيجة الصراع، مكللة رؤوسهم بالغار والفخار، ولن يفت في عضدنا، ولن يوهن من قوانا فقدنا لقائد من قادتنا الشجعان المغاوير، كما لن يجدينا الاسى والاسف والتفجع في هذه الظروف نفعا.. أما وقد استراح البطل لاصريع الى جوار الابطال والملوك في المسجد الاقصى، بعد ان ادّى واجبه كخير ما يؤديه الجندي الباسل والوطني المجاهد، ولقي وجه ربه ناصع البياض وجبين وضاء بنور الايمان والرضوان، فعلى الامة العربية ان تكفكف دموعها وان تكبت عاطفتها وان ينصرف الذين شيعوا جنازة البطل الشهيد بأسلحتهم الى ميادين النضال القومي الشريف، كأن لم يقع شيء، وان يكفّ الباكون عن بكائهم لان الشهيد احق بالزغاريد منه بالعويل، وليتخلقوا بخلق العرب الاصيل، حيث يقول قائلهم:

(يبكي علينا ولا نبكي على أحد - لنحن اغلظ اكبادا من الابل)

   وكتب احد الزعماء العراقيين في جريدة لواء الاستقلال بتاريخ 11 نيسان 1948 راثيا الفقيد، وواصفا حياته في المعتقل، نقتطف منها ما يلي:-

   (لقد هوى يوم الخميس الماضي نجم تألق في ميدان الكفاح والنضال، فكان الفارس المعلم في كل الثورات التي قامت في فلسطين، دفاعا عن عروبتها، وردّا لعادية الطامعين المستعمرين، وقد خرّ في حلبة النضال بطل من أبطاله المغاوير، لم يتطرق الى قلبه الرعب، ولم تعرف نفسه الكبيرة الاستخذاء، فكان في الطليعة بين المناضلين المقاتلين، يحمل سلاحه كغيره من الجنود العرب وهو قائدهم، ليقاتل واياهم صفا واحدا في الخط الامامي وكان خير قدوة ومثال لاولئك الجنود الذين نذروا انفسهم لامتهم ووطنهم، واسترخصوا الموت في سبيل الدفاع عن حرماتهم ومقدساتهم....

   لقد عرفت ابا موسى في المعتقل، وقضينا واياه شطرا من العمر في مستنقعات العمارة واوحالها وكان كل ما في ذلك المعتقل يدل على قسوة المناخ وسوء المعاملة والغذاء، ولكن ابا موسى لم يعرف الجزع في حياته وهو الذي كان يشكو آنذاك من علّة مستعصية، يحتمل قسوة الحياة بين تلك الاسلاك الشوائك ومن وراء حسك الحديد، فلم يتبرّم ولم ينطق بالشكوى، بل كان مثال الصابر المحتسب..).

   ومنها ايضا:

   وكنا نشفق على هذا القائد الممتاز أن تتعرض حياته الغالية للمخاطر، لاننا عرفنا فيه المجازفة والمخاطرة التي عرف بها القادة الممتازون، وجاء رجل من القدس حيث حمي وطيس المعركة فيها، ونقل الينا انباء الكفاح المشرف، الذي يقوده عبد القادر في تلك الميادين، وكان لا يكتم مخاوفه من المجازفة التي اعتادها، وخشي ان يلحقه الشرّ من هذا الاندفاع، وما هي الا أيام معدودات حتى وقعت الواقعة وخرّ البطل صريعا في حومة النضال..) واختتم الزعيم العراقي مقاله بما يلي:-

   (واذا خسرنا اليوم ابا موسى، وكان الصديق المحبب الى كل نفس، فانما رسم لنا بدمه الزكيّ، طريق الخلاص والى الامة العربية سبيل الخلود....).

   ومن كلمة للسيدة (فائزة عبد المجيد) امينة سر الاتحاد النسائي بنابلس بعنوان:- «شهيد القسطل»

   «أبا موسى... ثرت ثورة الحق للحق، فأقبلت المواكب حول مثوى العلى تطوف، شهدت فلسطين مثخنة بالجراح، فتسعّرت الحماسة روحك، وفاض لها بالوفاء جنانك، وقادت لك الدار - دار أبيك - الهامها... في ساحة الشرف والمنايا حائمات، طاف نور الفداء في الكون يلقى وشاحه، ويجلجل صوت الحق في كل سماء، ذلك العلم الذي هوى في ميدان النصر، ذلك البطل الذي سال دمه في بطاح الموقعة، زانت صدره أوسمة الجهاد في فدائه، صكّ الحياة لامة... لاجيال... وأقبلت المواكب حول مثوى الحمى تطوف...

   أقبلت... في عبرات الفخر ترتل نشيد النصر: المجد للقائد الخالد.. المجد للشهداء الالهام لكل سائر.. المجد لذكراهم... سناها الدائم ينير الاجيال...)

   وفي كلمة للاستاذ (حبيب جاماتي) بعنوان (فتى العروبة وزينة المجاهدين)(376) القسطل قرية عربية على قمة جبل عرف في التاريخ باسم (مونت كاستل)، وسيذكر العرب هذا الاسم جيلا بعد جيل، ودموع الفخر تترقرق في عيونهم ممزوجة بدموع الاسى، على فقد زينة الابطال وفتى المجاهدين عبد القادر الحسيني، والفخر لما أبداه العرب بهذه الموقعة الدموية من ضروب الشجاعة والاستبسال وما أحرزوه من نصر مبين.

   ففي الايام الاولى من شهر ابريل الحالي، عزم جيش الصهيونية المعروف بالهاغناه، على احتلال بلدة القسطل المشرفة على طرق المواصلات بين القدس والساحل، والتي يسيطر منها العرب على هذه الطرق، ويتحكمون في مصائر القوافل اليهودية، فيها جمونها بقوة عظيمة، انتقلت البلدة مرة بعد مرة من أيدي المدافعين الى ايدي المهاجمين وكان عبد القادر الحسيني في دمشق يفاوض قيادة جيش التحرير العليا في بعض الشؤون، ولما بلغت مسامعه أنباء الصراع حول البلدة الحصينة حتى خفّ مسرعا الى ميدان المعركة، فتولى ادارة دفّتها، ومشى في طليعة رجاله الى النصر والى الموت.

   سقط عبد القادر الحسيني في ميدان الشرف والسلاح بيده، في الثامن من هذا الشهر في (السادس والثلاثين) من العمر، وهي السن التي ينصرف فيها أقرانه الى اللهو والتمتّع بلذات الحياة، فاذكروا هذا أيها العرب، اذكروا أن فلسطين عربية لكم دون سواكم، ما دام فتيان العروبة يفدونها بالمهج والارواح، واذكروا ان القسطل موقع أزهقت على جنباته تلك الارواح والمهج العربية، منذ الحرب الصليبية حتى الآن، فشيدوا على تلك القمة التاريخية نصبا تذكاريا تحج الاجيال الآتية اليه، وترتوي فيه من مناهل المجد والبطولة....)

   وفي كلمة للاستاذ سامي السراج وهي بعنوان (فقيد العروبة سيد شهداء الشباب) (ايه أبا موسى... اطمئن في مثواك، ساكنا الى ما عملت لدينك وامتك وبلدك، فلتفرح روحك وانت في علييّن بمواكب القسام وأبى كمال والعاص ومريود وطليع، ومن اليهم من طوائف شهدائنا، الذين أبلوا مثلك اعظم بلاء، وتألقوا تألق الاضواء، وبثّوا في الامة روح الفداء، لقد تعجلت المسير يا أبا موسى، فكنت ذؤابة شهداء هذه الفترة المباركة، التي احتدم فيها القتال بين أضرابك اعوان الخير، واضراب الدخلاء اعوان الشرّ، فتخيّرت لنفسك مقام القائد الذي يحتل الطليعة أبدا، فما يبالي ان يموت عربيا موحّدا شجاعا، كيف كان في الله مصرعه، فأحسنت التخيّر والاختيار، وسارعت الى مكانك في صفوف الاخيار، فنم في الثرى هانئا مطمئنا، ينضرّ الله تربتك ويعلي رتبتك وانت المثل الرفيع لشباب هذا الجيل...)

   ومن مقال الاستاذ الكاتب يوسف حنّا بعنوان (الشهيد ابن الشهيد)(377) كان الشيخ في الخامسة والثمانين، وكان ايمانه في ربيع العمر الذي تتجدد فيه الحياة ولا تنفكّ تتجدد....

   كان الشيخ في السن التي تلزم صاحبها، ان يكون قعيد الفراش، يتناول أسباب العيش بأيدي غيره من الناس، اما هو فقد آثر ان يتقدم وهو في تلك السن العالية امته التي أولته ثقتها وقيادتها...

   ناضل الشيخ وناضل معه المليون عربي، ما تخاذل الشيخ ولا تأخرت امته، وفي خريف سنه 1933 كان المال اليهودي قد خرج من الخزائن الحديدية، فاحتل خزائن الضمائر في (الهوايت هول) في لندن، وأبيحت فلسطين العربية لغزاة سلاحهم الذهب والبطش الانجليزي المأجور، وكانت الحجة الانسانية عند الانجليز، على ما يرتكبون من تقتيل وتدمير في فلسطين، أن اليهود يحملونهم جثث العرب ويقطعونهم أراضيهم، هم من ضحايا الاضطهاد النازي في المانيا...

   وتقدم الشيخ في خريف تلك السنة الشعب المتظاهر في يافا، وأبى (فرادي) (اسم ضابط انجليزي)، الا أن يكون الاعلى بين طغاة الامبراطورية، فأطلق النار، فكانت بداية المعركة وبالله اقسم لقد شاهدت بعينيّ الشعب الاعزل يترامى على الشيخ، ليحميه من النيران، وشاهدت الشيخ يدفع عنه الشعب ليتلقى عنهم الرصاص، وخرج الشيخ من المعركة وقد صبغت ثيابه بدماء ابنائه الذين استشهدوا في الدفاع عنه، ولم تطل الايام به... فلقد تهدم الشيخ مما رأى وقضى بعد ذلك بقليل، لم يقتله رصاص الانجليز بل قتله ما هو أشرّ من رصاصهم.

   واليوم يسقط ابن الشهيد... اليوم يسقط عبد القادر بك الحسيني سقوط أبيه موسى كاظم باشا الحسيني من قبل في الميدان...

   كان الشيخ زعيما ملء الاسماع.. ملء الاعين... ملء القلوب، وكان الابن قائدا يأمر فيطاع، ولم يكن بهذا أو بذاك حاجة لان يستهدفا لخطر او يتعرضا لمكروه، فالحرص على الحياة طبيعة في المرء، الا أنها من الطبائع التي لا تعلي مكانة الزعيم في امته، ولا القائد بين جنده....

   ولد عبد القادر وأبوه يشغل أعلى مناصب الحكم في الدولة العثمانية، وكان له في أيام نشأته الاولى من نفوذ ابيه ومجد عائلته، ما يمهد له ان يعيش في لين ويسر، الا أن عبد القادر شغل عن هذا كله بقضية أمته، وكان يصارح وهو بعد صبي صغير، ان العقدة التي عقدها اليهود والانجليز والامريكان بفلسطين يحلها السلاح ولا تحلها السياسة، فلما تقدمته السنّ بعض التقدم، وشارف العشرين من عمره، كان الفتى عبد القادر من نخبة العصبة الممتازة بين المجاهدين، ولما أعلن الجهاد سنة 1936م، وكان عبد القادر قد بلغ الخامسة والعشرين، قام على قيادة هابها أصلب العسكريين عودا وأنضجهم خبرة، وأتى في جهاده مع رفيقه البطل الشهيد سعيد العاص، بأروع ما عسى أن يصدر عن كبار المجاهدين، وقد قتل رفيقه البطل واصيب عبد القادر بجروح خطيرة الزمته الفراش زمنا....

   وقضى الشهيد الغالي سنوات عشر أو تزيد مغتربا مطاردا، ثم عاد ليساهم في معركة فلسطين الحاضرة بعد ان اكتملت رجولته، ونمت خبرته، فدوّى اسمه في الشرق والغرب وفضح دعايات اليهود والانجليز والامريكان وأكاذيبهم، من قوات الدفاع اليهودي، فأذلّ تلك القوات شرَّ اذلال، وسحق كبرياءها، ثم سقط في ميدان الشرف وهو في السادسة والثلاثين أوفر ما يكون صحة وعافية واقوى ما يكون على صيانة حياته من أخطار المعارك، الا أنه أبى الا أن يعيش عزيزا وان يقضي عزيزا شأن المجاهدين الابرار... «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون»

   وفي صدر صفحاتها الاولى نشرت جريدة الاهرام نبأ الاستشهاد بقولها(378):

   (استشهاد عبد القادر الحسيني اثر انتصار عظيم - العرب يستردون القسطل ويشنون اكبر هجوم في تاريخ فلسطين)

   كان لا بد للنصر العسكري في معركة فلسطين ان يكتمل بنصر معنوي ميدانه التضحية، وتوافرت ادلته بما ترامى الينا على مر الايام من اعمال البطولة في ساحة الوغى، وقد جاء استشهاد المرحوم عبد القادر الحسيني، قائد منطقة القدس في معركة القسطل، على ما فصلته البرقيات مثلا رائعا لبذل النفس يزهو به مجد العروبة، تغمد الله فقيدنا الابيّ بواسع رحمته وألهم آله الكرام جميل العزاء....)

   وعلقت جريدة المصري على النبأ بقولها(379):

   «ان تكن للمصرى كلمة يتقدم بها الى الابطال العرب في فلسطين المجاهدة وشقيقاتها من البلدان العربية عقب استشهاد القائد العظيم، المرحوم عبد القادر الحسيني، فحسبه أن يجمع من نثار الدموع ومن أكاليل العزة ومن هتاف الارواح المؤمنة، ما يودع به الفقيد الشجاع، وحسب الشهيد من المجد انه بنى صرحا فارعا من جهاده الفرد ظل قائما في وجه العدوان، يذكر المتناسين بأن الهزيمة العربية تستهين بالموت في سبيل استرداد الحق المغصوب، وبأن البطولة العربية تجتاح في طريقها حتى المنون...

   حسب الشهيد من المجد انه عاش باسلا وكافح باسلا ومات باسلا... وان نفسه العظيمة قد مثلت كرامة امته العربية رفيعة شامخة، في كل وقت وكل مكان.... ألا أيها العرب البواسل:

   «اخفضوا الرؤوس وحيّوا الشهيد العظيم، مقدسين ذاته الفدائية الباهرة والتضحية بالنفس في سبيل الفكرة.....»

   وكتبت جريدة الايام السودانية(380) تحت عنوان (مصرع بطل):  

   «كان لاستشهاد القائد العربي الشهيد السيد عبد القادر الحسيني، رنّة أسى في الشعوب العربية جميعا.... ولا عجب فقد فقدت العروبة بمصرعه في معركة القسطل مكافحا حرّا، من اشجع مكافحيها، واصلبهم عودا. وأعظمهم اصرارا، وقد سجل الفقيد الكثير من صفحات المجد والبطولة في معارك فلسطين، التي خاضها ضد اليهود والانجليز، وتولى القيادة في منطقة القدس، حيث واجه قوات صهيونية تفوقه عددا وعدّة، فأنزل بها الكثير من الهزائم، وأحكم ضرب حصار على يهود القدس، حتى أوشكوا على الموت جوعا وأخيرا سقط في ميدان الشرف...).

   وقد كتب مراسل جريدة (الديلي ميل) البريطانية في القدس مقالا في جريدته فقال(381) «ان خسارة معركة القسطل الاولى كانت صدمة للروح المعنوية عند العرب، حتى لقد تساءل قوم كثيرون... أين عبد القادر..؟ ولماذا لم يظهر في هذا الميدان...؟ فاذا بعبد القادر يهرع الى الحومة وهو معتزم تنفيذ الامر، بأن يسترد القسطل، وبينما كان على رأس جنوده وهم يبثون لغما تحت جدار دار تحتلها الهاغناه... اذ انبعثت رصاصة من احدى البنادق فأردته قتيلا... ولم يلبث اليهود ان انطلقوا سراعا من القسطل موليّن الادبار....»

   كما كتبت (مسّ مارجريت بوب) مراسلة جريدة الابزيرفر البريطانية في القاهرة مقالا ترثي فيه الشهيد فقالت فيه(382):

   «أشعر بأن الواجب يحتّم عليّ باعتباري المراسلة الوحيدة، التي استطاعت ان تجتمع بالشهيد عبد القادر الحسيني أثناء زيارته الاخيرة للقاهرة، في فبراير الماضي، ان أعرب عن شعوري الخاص بالاسف والالم لاستشهاده في جبل القسطل يوم الخميس، وان كان رحمه الله قد رفض عندما طلبت اول مرة ان اجتمع به، ان يسمح بهذه المقابلة بحجة أنه لا يحب الدعايةلنفسه، فقد قبل آخر الامر ان يستقبلني في المنزل الذي كان يقيم فيه بالقاهرة، والذين كانوا لاسباب تتعلق بالامن يصفونه بأنه (مكان ما بمدينة القاهرة) وكان ذلك يوم 21 فبراير 1948 وكان الوقت بعد الظهر عندما رأيته لاول مرة... لم يكن في بزّتَه العسكرية التي يرتديها في الميدان، وانما كان يرتدي البنطلون الكاكي والصدرية الصوفية وهو زي يرتديه في فترات الراحة بين معركة ومعركة...

   ولم يكن في زيّ الراحة هذا غير الحزام الجلدي والمسدس الذي يتدلى الى جانبه، ما يوحي الى من يراه بأن هذا الشاب الذي يتكلم بهدوء وترتسم على وجهه ابتسامة خجول، (واحد من اشجع زعماء المقاتلين في فلسطين واكثرهم استهانة بالحياة)

   وعندما اشرت الى مسدسه ابتسم في حياء وقال: «انني الآن لا اشعر بالراحة الا اذا كان هذا المسدس في متناول يدي.... لقد أصبح جزءا مني.....

   ولقد أكبرت فيه بساطته العربية، وكراهيته للدعاية، ولا زلت أذكر قوله لي: (اننا في فلسطين نفضل الاسلحة على الدعاية... وانت لا تستطيعين ان تتصوري القيمة العظيمة لعشر بنادق مثلا بالنسبة الى قرية من قرى فلسطين....).

رثاء القافية

   قد يضيق بنا المقام هنا ونحن نسجل ما قيل في تأبين وتمجيد الشهيد عبد القادر الحسيني.. لقد استل الشعراء اليراع وراحوا يسكبون من فيض خواطرهم.. ومن الشعراء الذين رثوا الشهيد:

   صالح الريماوي، محمد هارون الحلو، احمد مخيمر، محمد العدناني، والشاعر الشهيد كمال ناصر، وفتح الله السلوادي، وهارون هاشم رشيد، محمد احمد ابو غربية، محمود نديم الافغاني، محمد عز الدين المناصرة، ناهض منير الريس وغيرهم العشرات..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:33 am

ومن قصيدة (يا قائد القدس) للشاعر محمد هارون الحلو التي نشرت في جريدة المصري بتاريخ 10 نيسان 1948م.

حسام ثوى في غمده غير حافل       بما فل منه في قراع النوازل

سمعنا به قرما عنيدا ممنعا               يكرّ بافراس شداد بواسل

وفي كل يوم كان يطوي جحافلا     ويقهر اعداء ويغدو بنائل

فيا قائد القدس المطهر روحه          ليهنئك ما احرزته من جلائل

تعطر ذكراك الكريمة رحمة             يجاذبنا منها كريم الشمائل

عليك سلام الله فارس امة            أضاء بنور الحق خير المشاعل

   ومن قصيدة للشاعر احمد مخيمر والتي نشرت في مجلة الرسالة 3 ايار 1948م

نلت الشهادة فاهنأ أيها البطل        بمثل عزمك تبني مجدها الدول

امامك الجنة الخضراء تفتحها         لك الدماء التي ارهقت والاسل

السابقون من الابطال قد دخلوا     والصاعدون من الاحرار قد وصلوا

ودوا لحب الوغى لو انهم رجعوا     ليقتلوا مرة اخرى كما قتلوا

يا ابن الحسين دموع الحزن جارية    وناره في طوايا القلب تشتعل

على شبابك نبكي لوعة وأسى        وان يكن لحياة الخلد ينتقل

شمس طوتها المنايا وهي مشرقة        صبحا ولم يدن من آفاقها الطفل

على ابتسامتك الهيجاء عابسة        والنار تصرح والاسياف تقتتل

الى ان يقول:

يا حامي القدس من كيد يراد به     خلاالعرين ومات الضيغم البطل

اغناك عزمك عن نظم وعن خطب   فلم تزل بلسان السيف ترتجل

غامرت في الشرف الاعلى ففزت به  وجاذباك اليه الحب والامل

ونلت في حومة الهيجاء ما طمحت    يوما الى مثله آباؤك الاول

فانعم بخلدك في ابهائه فرحا            ان الخلود جزاء أيها البطل

ومن قصيدة للشاعر محمد العدناني:-

زغردي اليوم يا جنان الخلود          واهتفي بالنشيد تلو النشيد

واجعلي النيران في الافق               يوقعن لحن الترحيب بابن الصيد

ارخص الروح ذائدا عن حماه          باندفاع اطار لب اليهود

حسبوا القرم ماردا من شهاب        عندما انقض قاصفا كالرعود

شق للقسطل المنية دربا                عبدته عزيمة الصنديد

كان بين العداة ليثا وحيدا             ورأوه في البطش غير وحيد

فهو في جحفل من العزم               والاقدام والبأس والجلاد شديد

قد تلاشى اليهود بين يديه             كتلاشي الاحلام بعد الهجود

وتهاووا كأنهم ورقات فض           عنها الخريف ختم الهمود

وقضى النحب مثخنا بجراح           بعد ان باد كل خصم مريد

ليتني مثله اموت شهيدا                في ظلال من قسطل وبنود

فاجأ النعي يا حبيبي كياني             فتداعى كخصمنا المهدود

لم يدر لي موت الشجاع ببال          وهو ينقض في الوغى كالاسود

سبق الدمع خاطري فتهاوى           فوق خدي جاحما والجيد

واذا بي يصافح السمع صوت        بين صحو ينتابني ورقود

تلك روح الشهيد تهتف بي ان      لا أزيل الدموع فوق الخدود

ثم قالت والبشر ينفح منها            ان يومي ليوم عرس الشهيد

رحبت بي الفردوس والحور فيها      كندى الفجر فوق خد الورود

كيف ننسى مجدا لنا رفعته              امس يمناك في سجل الخلود

بن يهوذا والبوست والمنتفيوري        شاهدات على الفعال الحميد

وبناء الوكالة المتسامي                  مثل برج من الصخور مشيد

يا حثالات يا أحط البرايا               يا طفيلات ابطشوا بالقديد

اقتلوا الشيخ آمنا في حماه               واذبحوا الخود وافتكوا بالوليد

وانهبوا يا ذئاب كل طعام               وابذلوا في الدمار كل الجهود

وانسفوا الدور واسحقوا كل حي       من مريض ومقعد مكدود

واضربوا العرب في الظهور وروعوا     عن طريق الردى العبال الزنود

واركبوا رأسكم فهل يا ثعالي            لاذاكم وغدركم من مزيد

سنريكم في الحرب ما يهلك النسل      جميعا والحرث دون ركود

ومن قصيدة للاستاذ خالد الجرنوسي

طاف بالاوكار ليلا وسرى               كعقاب طار ثم انحدرا

عاصفا ما ثار الا زأرا                     قاصفا ما جال الا انتصرا

الحسيني الذي اعرفه                      قدر حير اقدار الورى

كان سيف الله في اقدامه                 ذاب في الغمد نجيعا احمرا

انثروا الزهر على تاريخه                  واذكروه وهو ثاو في الثرى

علم الاجيال درسا لا تعي                مثله الدنيا وما ان قصرا

مات موتا لم يمته خالد                    في حديث مسند عنه جرى

جاءني مزجيه في اكفانه                  فروى لي في اساة خبرا

قال لي: كر عليهم اسدا                 فعرى القسطل منه ما عرى

سبق الموت الى اوكارهم                 ومحاهم في حماهم زمرا

ورصاص الموت يجري مطرا              وهو نشوان يخوض المطرا

وأنا عنه بكفي ويدي                     ادفع النكبة حتى احتضرا

يا حسيني وحسبي شرفا                  انني ارثي الشهيد الاكبرا

مصطفى الجيار أدى حقنا                فاستباح الحصن حتى ثأرا

وسقاه من دماء ما لها                    غير ان تسقي الثرى او تهدرا

ومن قصيدة (حزنت بعدك البنادق) للاستاذ صالح الريماوي

بطل خر في الجهاد شهيدا                فالربى اوشكت بنا ان تميدا

قد هوى النسر وهو في ذروة            المجد وقد جاوز السماء صعودا

وابلائي ان لا أحير حراكا               فأراه مكفنا ملحودا

ولا تلوموا حزنا عميقا ودمعا            وفؤادا ممزقا مكمودا

فمصاب البلاد فيه شديد                ومصابي قد كان فيه شديدا

أي شيء هذا الذي ملأ الدنيا فقالوا بنادقا وجنودا

روعت بعده البنادق حزنا               اذ غدا ربها الجريء بعيدا

يا فلسطين يا بلاد الضحايا              قد فقدت المجاهد الصنديدا

ايها السائرون بالنعش سيروا            بفؤاد البلاد سيرا وئيدا

ايه يا صحبة الكرام عزاء                وسعوا القبر واملأوه ورودا

انه يا رفاق قبر ابي موسى مهيبا بين القبور عميدا

ايها القائد المجرب قد اصبحت يا ويلنا مسجى وحيدا

لم يكن فقدكم لاهل وصحب           انما كنت للبلاد فقيدا

فاقتدوا بالفقيد في خدمة الاوطان حتى نبيد منها اليهودا

   ومن قصيدة للشاعر الجزائري (الربيع ابو شامة)(383)

حي ذاك الصريع في الميدان              باسم الثغر هادئ الوجدان

ليس هذا يوم البكا والمراثي              انما اليوم يوم حرب عوان

بطل القسطل الشهيد المفدى            حزت مجدا مخلدا في الزمان

ان تعاجلك في الجهاد المنايا              قد بلغت المدى على الاقران

ليست العرب امة الدمع لكن           امة الدفع والفدا والطعان

سوف يبكيك بالسيوف رجال          من بني العرب سادة الاعوان

يا فلسطين يا حمى الله صبرا             للمقادير في ابنك المحسان

آه للعرب ما أعز حماهم                 في الورى لو تعاونوا من زمان

اين ذاك الجزائري المجلي                 في ميادين كل حرب عوان

هل نسيتم عهد الاخوة والقربى وفضل التحرير والاحسان

كلكم اخوة كرام وأهل                 لفلسطين غرة البلدان

فانهضوا للفدا ولبلوا سراعا             داعي الله من سما الاكوان.

كما كتب الاستاذ صالح الريماوي قصيدة يرثي فيها الشهيد عبد القادر الحسيني ويقول:

بكيتك حتى لم أدع للبكا حدا           وفارقت حسن الصبر والهدي والرشدا

فداك الضيا من ناظري ومهجة           تكابد نار الحزن بعدك والفقدا

فداك دمي المسفوك من اجل موطني      فداك حياة أصبحت بعدكم جردا

فوا أسفي ان لا اكون مكفنا              بجنبك ذقت الموت والقبر واللحدا

ولو انني استشهدت في ساحة الوغى     جوارك يا رمز الفدا كان لي اجدى

ولولا الذي عاهدتنا في جهادنا            ونحن اناس لا نخون لك العهدا

بأنا نوالي في البلاد كفاحنا                 ونجعل لاستنقاذها جسمنا معدى

ونحمل ما دام الذماء سلاحنا               ونطرد من عاثوا بموطننا طردا

لكنك أذبت النفس حزنا ولوعة           واججت في قلب كثير الاسى وقدا

ألا أيها المنشي جهادا مقدسا               سيحصد اعداء الحمى المجتبي حصدا

تعال انظر الاخوان كيف تركتهم          وكيف تركت الجند والاهل والولدا

تعال انظر الاكباد كيف تفتت             تعال انظر الشعب الذي لطم الخدا

تعال انظر الباكين حول ضريحكم          تعال فهذي امة حشدت حشدا

تعال انظر الذعر الذي ملأ الحمى         تعال انظر الفوضى التي اتسعت جدا

تعال انظر الانظار كيف تحولت            وكيف ابر المخلصين لنا ندا

فراغا عظيما قد تركتم وراءكم            وهيهات ان تلقى له أبدا سدا

لقد شتت الشمل الذي قد جمعته           وقد فرط استشهادكم ذلك العقدا

تغيرت الاحوال حتى كأنني                 ارى مأرب الانقاذ اخضاعنا قصدا

واني أرى من خلف ذلك اصبعا           لانكلترا.. تخفي معالمه عمدا

ولا بد للايام من فتح مغلق                 وفضح اساليب السياسة لا بدا

ألا أيها الجندي الامين لامة                 فداها بأغلى ما يقوم او يهدى

احلتك منها الصدر يا خير من مشى       لحرب ومن قاد الجحافل والجندا

كما اسكنتك القلب من كل مؤمن         فكنت بها نارا تأجج أو بردا

ألا أيها الساقي بلادك من دم                طهور زكي ينبت العز والمجدا

رويدك قد أسرعت عنا برحلة               وقد روع الاسراع موطنك الفردا

حنانيك قد خلفت بعدك امة                 مفجعة ثكلى بها الحزن قد هدا

تركت غيوما في الحمى مكفهرة              وأبقيت جوا في سماه قد اربدا

قد استفحل الخطب الجسيم ولم نجد          خلاصا لنا من مأزق ذر واشتدا

كما استنسر القوم الذين تركتهم             بغاثا ضعيفا فارق الحول والايدا

اذ استبشر الخصم اللئيم بموتكم              وشمر مغترا بغلوائه زندا

فان الذي خلفتم من يقينكم                   وخطة حرب سوف تغدو له ردا

وان الذي انشأتم من غراسكم                 سيثمر الاستقلال والنصر والسعدا

تركتم لانهاء المهم فوارسا                     حياض الردى يستعذبون بها الوردا

اذا زغرد البارود خفت جموعهم              ترى الشيب في الهيجاء قد سبقوا المردا

لقد خسرت اوطاننا خير قائد                 وقد ذابت الويلات من بعد ما اودى

شجاع اذا احمر الحديد كأنما                  به قلبه من يابس الصخر قد قدا

بلاء واقدام وحزم وجراءة                    وهيهات ان تلقى له أبدا ندا

اذا اشتعلت نار المعارك عنوة                  يدير الوغى في حنكة تذهل الاعدا

الا أنه أمضى الحياة مجاهدا                     فدا وطن لم يدخر ابدا جهدا

هو المبدأ الاسمى قضى في اتباعه                وانا لنحذو ما ترسم من مبدا

غدا مضرب الامثال في تضحياته               واخلاصه فيما لموطنه أسدى

هوى في الوغى من بعد نصر مؤزر              وعلمنا بالموت كيف الحمى يفدى

لقد خر في ساح الجهاد بعيد ان                 رسالته في حفظ موطنه أدى..

وغاب وقد أبقى له الذكر عاطرا                يفوق الخزامي والقرنفل والندا

وقد كان في كل المعارك ظافرا                   وقد ترك الاعداء في حالة سودا

وبدد بالنيران في كل ساحة                      جنود الاولى قد بيتوا للحمى كيدا

سل القسطل الشماء عن هول فعله             وكيف جموع الغاصبين بها اردى

بها أنزلوا بند اليهود منكسا                     وقد رفعوا للعرب من بعده بندا

وفيها أبو موسى أراق دماءه                     وفيها غدا جوف الثرى عطرا يندى

سيبقى مدى الاجيال حر نجيعه                  يذود عن الاقصى كما يحرس المهدا

فيا رمز من ضحى ويا رمز من وفى             ويا رمز من حامى ويا رمز من جدا

اذا كنت ملقى في الفراش مرزءا                جريحا فاني أملك القلب والوجدا

واملك ان عز الحسام يراعه                     تهز اذا سألت على طرسها العندا

ولي خافق غل الاسى من جماحه                 وصيره في مأتم وهو لا يهدا

فتلك الاماني صوحت بعد نضرة                وأنهت يد الاحداث عيشتها الرغدا

فلله أيام قضينا بياضها                            وأنت حفي تمنح الحب والودا

وتقضي الليالي راسما خطة الوغى                 اذا اشتعلت سهلا او التهبت نجدا

تدرب شبانا على صنعة الردى                   اذا فجروا ألغامهم فاقت الرعدا

مغاوير ان شنوا الاغارة يملأوا                    من الرعب والايهان اخصامنا اللدا

وكالة صهيون تهاوى بناؤها                      كما بن يهوذا مع بناياته هدا

لقد كنت نبراس الجهاد ولم تزل                   تعاليمكم من نيرات الدجى اهدى

اذا نحن قصرنا بحقك يا اخي                       ولم نرسل الامداد او ننجز الوعدا

هنالك عند الله لا يغبن امرؤ                       فيجزى بما أخفى ويجزى بما ابدى

وفدتم على دار الخلود فرحبت                    بمقدمكم مزهوة تكثر الحمدا

قد استبشرت حور الجنان وهللت                ملائكة الرحمن تستقبل الوفدا

لقد كنت في هذي الحياة مقدسا                  ومن بعد الاستشهاد اسكنتم الخلدا

فنم في جوار الانبياء معززا                        كريما حباك الله من فضله الرفدا

المستشفى الفرنسي / القدس

17/ 4/ 1948 م

مجاهد كريم يصف الحادثة المروعة

   حدثنا المجاهد (لافي محمد سعادة) من ترمسعيا - قضاء رام الله في لقائنا معه في القدس في صيف 1983 م قال:-

   (... وما أن سمعنا بالاستغاثة وطلب النجدة، حتى هرع الجميع الى ميدان المعركة وكنت انا من بين الذين هبوا للنجدة، وكان وصولي الى القسطل متأخرا، بسبب صعوبة المواصلات في ذلك اليوم، وكان المجاهدون قد أحاطوا بالقسطل من جميع الجهات، وجاءت طريقي الى شمال شرقي البلد، فعرفت ان اليهود قد زرعوا هذا الجزء بالقنابل والالغام كما عرف الجميع ذلك، فصرت أزحف على الارض، ودخلت البلد من الجهة الشرقية، بينما كانت المعركة على أشدها، وكانت بعض الدبابات التابعة للمجاهد حسن سلامة قد دخلت القرية من الجهة الغربية وراحلت تصلي اليهود برشاشاتها... المهم، وصلت حارة البلد وأنا لا اعرف مصير القائد عبد القادر، وفجأة خرج اليهود من استحكاماتهم واصبحنا نحن وهم وجها لوجه، فقامت معركة بالسلاح الابيض، ولكننا بعون الله استطعنا ان نتغلب عليهم، فهاموا على وجوههم، ولم يجدوا الا الطريق المؤدية الى الناحية الشمالية الشرقية والتي زرعت بالالغام كما قلت، فاتجهوا مسرعين اليها، وفجأة وقعوا في حقل الالغام، مما سبب في تفجير معظم الجنود اليهود الهاربين.

   وانتهت المعركة وسكت الرصاص، فذهبت انا وجماعة الى بيت المختار (مطير) وكانت الساعة تشير الى الرابعة بعد الظهر تقريبا، نفتش عن القائد، ووجدنا المستر (بيتر) - يقال انه بريطاني او الماني - فلما سألناه عن عبد القادر، فاجأنا بالخبر المشئوم وقال: البيك استشهد..

   نزل علينا الخبر كالصاعقة وهرعنا باتجاه مكان استشهاده فلم نجد أحدا.. وعلمنا انه نقل الى القدس في دبابة من دبابات الشيخ حسن سلامة، فعدنا مسرعين الى القدس.. وعلمنا انه اصيب بشظايا قنبلة (سلبند) في بطنه وأذنه ورقبته، وانه كان مستندا الى الجدار ويده على بطنه وقد اسلم الروح، وكان سلاحه فاضي ولا رصاصة...)

مجاهد كريم يصف معركة القسطل

   شهد معركة القسطل المجاهد المصري (مصطفى الجيار) فنشر في جريدة الاهرام الصادرة يوم 15/ 4/ 1948م وصفا لمعركة القسطل الهائلة، نقتطف منها ما يلي:-

   (.. ثم احتللنا المحاجر، واخذنا مراكزنا على سفح الجبل المطل على القسطل وشرعنا نقذف اليهود بقنابل من مدافع الهاون، وكنت أرى القائد الشهيد في أثناء ذلك يشير الينا محددا لنا مواقع اليهود، كيما نتمكن من تسديد ضرباتنا، كما كان يوالي اطلاق النار عليهم في الوقت نفسه.

   وما لبثنا أن استمعنا وسط صخب المعركة الى صوت عبد القادر بك يهيب بنا، ان تقدموا ايها الابطال الشجعان الى الامام، فسرت الحمية في نفوسنا، واندفعنا الى الامام مقتحمين القسطل من نواحيها جميعا، فكنا واليهود وجها لوجه.

   حمي وطيس المعركة واشتد اوارها، واتخذ القتال شكلا جديدا، اختلط الطرفان فيه بعضهم ببعض، واستخدم كافة ما يمكن استخدامه من الاسلحة ووسائل القتال، فكنا نقاتل بالمسدسات والبنادق والقنابل اليدوية وكعوب البنادق والسونكي، وكل ما يمكن ان يستخدم في معركة كهذه، كانت تنتقل من شارع الى شارع، ومن بيت الى بيت ومن حجرة الى حجرة..)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:34 am

الباب الثامن

المجاهدة الصابرة وجيهة الحسيني

   لقد قيل: ان وراء كل عظيم امرأة، ووراء الشهيد الكبير عبد القادر الحسيني كانت وجيهة الحسيني(384).

   ان من يؤرخ سيرة عبد القادر ويتتبع العوامل التي اثرت في حياته، ووجهتها الى هذه الوجهة الكريمة (الجهاد حتى النصر او الاستشهاد) لا يستطيع ان يغفل عنصرا هاما في حياة الشهيد، وركنا ركينا في هذه السيرة، كانت له اليد الطولى فيما بلغ اليه عبد القادر، ويعتقد انه لولا هذه الدعامة لنقص كثير من بهاء تلك الصورة، التي تبلور فيها عبد القادر مجاهدا ومستشهدا.

   كان ذلك الركن الركين في حياة الخير لعبد القادر هو ذلك الملاك الرحيم، الذي قيضه الله له فكان بلسما لجراحه وعونا له على بلوغ مقاصده وجنّة معجّلة في هذه الدنيا، يفيء الى ظلالها كلما كربه كرب أو غمّه غمّ، او ضاقت عليه المسالك، تلك هي زوجته الكريمة التي له نعم الزوج والرفيق والمواسي، في الايام التي قضاها كادحا لربه، ذابّا عن وطنه، ومنافحا عن قومه، هذه الملاك الذي فاضت رحمته ووسعت مواساته كل اخ لعبد القادر، فما من رفيق من رفاق جهاده الا ويذكر لتلك الزوجة والملاك الرحيم، يدا بيضاء في أيامه السوداء، تلك الايام التي كان احدهم فيها يفتقد المعين ولا يجده الا في تلك المجاهدة الصابرة، ويعوزه المواسي فيسرع اليه في صورة ذلك الملاك الرحيم، ويفتقد الاهل فيهرع الى تلك الاخت المشفقة، فكما كان عبد القادر خير أخ لصحبه المجاهدين كانت زوجه اخت هؤلاء جميعا، بارّة بهم مواسية لهم، ولا تألوا جهدا في التخفيف عن ويلاتهم وبلائهم بكل ما تملك من يد مال وراحة وتعرض للمخاطر، ولا عجب.... ان حفظ مجاهدو فلسطين جميعا لهذه الطيبة سليلة الكرام اطيب ذكرى في قلوبهم، وخصوها بأرفع درجات الاجلال والتكريم، عرفانا بالجميل واكبارا للصبر والجهاد، اعجابا بعلوّ الهمّة وسمو النفس.

   هذه الزوجة هي ابنة عم الشهيد (وجيهة بنت موسى رضا بك الحسيني) والذي كان والدها علما من اعلام التقوى، وبحرا من بحار الكرم والجود لا يغيض فيضه، حتى لقد ضرب المثل بكرمه الحقيقي وعطفه على الفقراء (فكل أهل فلسطين يعلمون انه لم يرد في حياته سائلا، ولم يمنع رفده عن محتاج، بل لقد بلغ من حبه للفقراء وحدبه عليهم أنه كثيرا ما خلع بعض ملابسه وهو في الطريق على العرايا من الفقراء، فكان بذلك اعجوبة عصره، لم يرتفع الى درجته كريم ولم يسم الى منزلته ذو برّ)(385).

   في هذا البيت الطيب الكريم نشأت هذه الفتاة الطاهرة فورثت التقوى، وأشبعت بالكرم وملئت نفسها عطفا على الفقراء وبرّا للمحتاجين.

   توفي والدها بعد أن أحسن تربيتها، وبعد أن شهدت بعينيها في ابيها كمال الرجولة وحقيقة التقوى والمثل الاعلى للبرّ، فورثت عنه هذه الصفات، كما ورثت عن أبيها الماجد ثروة طائلة.

   تقدم لخطبتها الكثير من ابناء عمها، وكان عبد القادر من بينهم فآثرته عليهم جميعا لما توسمت فيه من علائم الرجولة، واستشرفت منه خصال الكرام وما شامت من ريح الجنة فكانت نعم الزوجة الطيبة لذلك الزوج الطيب، وتمّ قرانهما في 25/ 5/ 1935م.

   (فأكرم بهما زوجين وأنعم بهما قرينين، والله يشهد على أن هذه الزوجة الطيبة كانت نعم عون وخير دافع لعبد القادر على الجهاد في سبيل الله وطلب الشهادة، تذكّره اذا نسي وتدفعه اذا توقف وتواسيه يوم البأس بروحها ومالها)(386).

   لقد شجعته على الجهاد في سبيل الله، وزودته بالتأييد المعنوي وبالمساعدة المادية، فكانت تبيع أراضيها قطعة قطعة وتمد زوجها بالمال والسلاح والعتاد وتقول:

   «من باع نفسه لله فالله ناصره ومؤيده»(387).

   لم يكد عبد القادر ينوي على الانخراط في عمل من اعمال الجهاد الا شجعته، وعرضت عليه كل ما تملك في سبيل الله، ولما قرر الاستقالة من وظيفته في نيسان 1936 (حين بدأ اضراب فلسطين) حتى سارعت الى الثناء على تلك الخطوة مباركة ومشجعة، وقدمت اليه كل ما لديها من نقود مصاغ لينفقها في سبيل الله، واطعام اخوانه وتسليحهم، - بعد أن انفق عبد القادر كل ما يملك - وكان بيتهما في ذلك الحين مثابة للوفود من جميع أنحاء فلسطين، يعجّ بالغادين والرائحين من ضيوف القائد، فكانت (أم موسى) نعم المضيفة.

   وبعد أيام من اعلان عبد القادر الجهاد، وفي 12 تشرين الاول 1936 سمعت انه أصيب بجراح بليغة، وان صاحبه سعيد العاص قد استشهد، فلم تجزع شأن بقية الاهل والاصدقاء بل قالت:

   «انما نذر نفسه للموت في سبيل الله، فلن يكون غريبا عليّ ان يستشهد في أي وقت، وكل ما ادعو الله له هو، أن يمدّ الله في حياته قليلا او كثيرا، حتى يرى النصر او بوادره على الاقل، فيقرّ عينا بالنصر قبل الشهادة)

   وبادرت بالذهاب الى غرفة السجن في مستشفى الحكومة حتى تراه وتعرف منه ما يريد، فما أن رآها حتى هبّ قائما في سريره بالرغم من بلاغة جراحه وقال لها:

   (لا تيأسي ولا تحزني وقرّي عينا ان الله معنا)، فقالت: أنعم بالله مولي واكرم به نصيرا، وسمح لها السجان بالدنو من القضبان فأخذا يتحدثان همسا من وراء القضبان، واذا به يوصيها بوجوب اسعاف الجرحى من اخوانه، وأخذ الحيطة كي لا يعرف الجيش مكان وجودهم، ويطلب اليها اخفاء الاسلحة التي سيحضرها اليها جنوده في مكان امين، وتعهدها بالتنظيف من وقت لآخر، وقد اسر اليها حديثا (عرف فيما بعد) انه طلب اليها ان يأمر معاونه بوجوب شنّ هجوم قوي على دار المندوب السامي في تلك الليلة ولقد كان...)(388).

   فقد أبلغت معاون عبد القادر اوامر القائد المطاع، فما ان جنّ الليل حتى تحوّلت منطقة دار المندوب السامي الى ساحة حرب، وقد عرف الانجليز ان ذلك ما كان الا انتقاما لموقف الانجليز من عبد القادر، وتصرفاتهم القاسية في المستشفى، فأحسنوا معاملته قليلا وخففوا من الحراسة عليه، حتى تمكن من السفر الى سوريا ليعالج جراحه. حيث لحقت به زوجه واخذت تشرف على تمريضه.

   كتب الدكتور قاسم الريماوي يقول:

   (حدثني بعض اخوان عبد القادر، الذين كانوا بصحبته هناك قال: كانت زوجة عبد القادر تلحّ دائما عليه بالعودة الى الجهاد، وتتحرق شوقا الى ذلك اليوم الذي تراه فيه في الميدان، يقاتل أعداء الله والوطن، بل لقد حدث ذات مرة أن اشترى عبد القادر شيئا اعتبرته (ام موسى) من الكماليات، فثارت لذلك وقالت: كان يمكننا يا عبد القادر ان نشتري بثمن هذا (الشيء) مائة طلقة توجهها الى صدور الاعداء، فحرام علينا التنعم بالراحة والطمأنينة حتى تستقل بلادنا، وتتحرر من ظلم الطغاة والجبابرة «ولقد كان لهذا الكلام الرائع أثره في نفس عبد القادر المتوثبة، فرجع الى فلسطين في الحال، ولما تنته مدة نقاهته بعد)(389).

   وفي اثناء المعارك كان يسقط عشرات الجرحى من المجاهدين العرب، وكان القبض على احدهم ليس معناه العلاج والشفاء (وانما كان الانجليز المهذبون يعملون بالقضاء على مثل هذا النوع من المجاهدين، اذا ما ظفروا بهم بحقنة سامة أو بعد تعذيب شديد)(390).

   ولذلك كان على كل هؤلاء ان يجدوا ملجأ أمينا وعناية تامة ورعاية صادقة حتى يتماثلوا للشفاء، ويجتازوا مرحلة الخطر، وكان هذا الملجأ هو بيت عبد القادر الذي تحول الى مستشفى كان مديره والمشرف على اموره (أم موسى)، التي لم تكن تنام الليل او ترتاح النهار، في سبيل خدمة هؤلاء الجرحى وعلاجهم، فكانت تحضر لهم الاطباء، وتمدهم بخير انواع الغذاء وتغسل لهم ملابسهم وتنظف لهم جروحهم وتضمدها بنفسها.

   (حدثني احد هؤلاء الجرحى قال: حملت وانا بين الحياة والموت بعد معركة بني نعيم في تشرين ثان 1936م - حيث لا يمكنني الذهاب الى المستشفى - الى بيت عبد القادر مع من حملوا، وهناك استقبلتني سيدة شعرت منها بحنان الام الرؤوم، وعطف الشقيقة الوفية، فأحضرت لي الطبيب وأخذت تشرف بنفسها على علاجي وتمريضي واخذت ملابسي - وكلها اوحال ودماء - فغسلتها بنفسها، وراحت تحضر لي ما أحتاج اليه من دواء، وتمدني بخير انواع الغذاء وتسهر عليّ وعلى اخوتي في الليل، وما كنت أتصور أن أرى في حياتي مثل هذه المرأة الصابرة المجاهدة وبالحق... فانني واخواني مدينون بالحياة بعد الله لها، فكيف لا افتدي بيتا رسخ اصله وزكا فرعه وطاب عمله. بنفسي، اني اذن لكنود للنعمة ناكر للجميل)(391).

   وعندما عاد عبد القادر الى فلسطين في ربيع 1939، حيث استأنف القتال وجد زوجته المجاهدة قد حفظت له السلاح واشرفت بنفسها على تنظيفه، فوجده لذلك بحالة جيدة صالح للعمل ولما غادر فلسطين في خريف 1939 م الى العراق في سبيل الله لحقت به ام موسى، حيث استأجر بيتا كبيرا في (الكرادة الشرقية) ولم يخل يوما واحدا من الضيوف، وكان قد منّ الله عليه بفيصل وغازي في بغداد، كما منّ عليه بهيفاء وموسى، ففي بغداد كانت زوجته تقدم اليه كل ما يطلبه من مال، بعد ان ينفق جميع مخصصاته وراتبه الذي كان يتقاضاه، من المدرسة العسكرية، التي كان يدرس فيها على جنوده واصدقائه.

   ولما انتهت ثورة الكيلاني 1941 م واخذت السلطات تتعقب الفلسطينيين وتطاردهم التجأ (39) مجاهدا الى بيت عبد القادر، حيث اختفوا فيه وكان عبد القادر آنذاك يحاول مغادرة العراق عن طريق ايران الى تركيا هو واعوانه، فلم ينجح فعاد الى بغداد.

   وتوالى وصول المجاهدين الى بيت عبد القادر في الكرادة الشرقية، فاستقبلتهم المجاهدة بالبشر والترحاب، وبقيت هذه المجموعة مختبئة اكثر من شهر، كانت ام موسى تقوم بخدمتهم جميعا، وتقدم لهم الاكل والشرب وتغسل ملابسهم، وكانت تعمل ذلك بتكتم شديد خشية ان يعرف رجال الحكم امرهم فيعتقلوهم.

   وقد صرفت نتيجة ذلك جميع ما لديها من نقود وحلي (واخذت تبيع اثاث البيت حتى نفذ جميعه ولم يبق منه الا ما هو ضروري، ولم يبق من حليها الا اسورة واحدة كانت تحتفظ بها وتقدسها، لانها خير هدية من والدتها فقالت له: «لم يبق الا هذه فخذها وارهنا، لنصرف من ثمنها «فسرّ عبد القادر سرورا عظيما واخذها حيث رهنها بمبلغ (30) دينارا، وراح يصرف من المبلغ عليه وعلى المجاهدين الذين بلغ عددهم (55) مجاهدا»(392).

   الا أن أمر اختفاء عبد القادر وجنوده لم يبق أمرا مكتوما فقد تمكن احد الوشاة والجواسيس من معرفته، فحاولت الحكومة القاء القبض عليهم، الا انهم احتموا بالدار حاملين اسلحتهم وقرروا مقاومة أي اعتداء او اقتحام، واخيرا اتصل بهم مدير الامن العام وعرض عليهم ان ينقلوا الى منفى زاخو في شمال العراق، وتعهد بعدم التعرض لهم، فوافق عبد القادر على ذلك، وانتقل هو وصحبه الى منفى زاخو.

   وبعد رحيله مثلت المجاهدة الصابرة امام المحكمة بتهمة مساعدتها وايوائها للثوار وتحريضهم على القتال، حيث حكمت عليها بالاقامة الجبرية في بيتها، وقد امضت فترة من الزمن تحت المراقبة ثم عادت الى القدس خلال اقامة عبد القادر في المنفى.

   وما لبثت السلطان ان ألقت القبض على عبد القادر، واعادته مكبلا بالحديد الى معتقل العمارة على اثر مقتل فخري النشاشيبي في بغداد.

   عادت المجاهدة الى العراق لتشهد محاكمة زوجها، ولما أدخل عبد القادر مكبلا بالاغلال وقفت المجاهدة وقالت: لقد حضرت لاشهد محاكمة زوجي عبد القادر، فهل هو متهم أم شاهد في قضية اغتيال النشاشيبي...؟ وهنا ضجت المحكمة، ورد عليها رئيس المحكمة قائلا:

   «لقد احضرناه ليشهد فقط. فتبسمت المجاهدة وقالت: اذن في أي عرف بل أية قوانين تجيز احضار الشاهد مكبلا...؟ فضجت المحكمة ثانية واعترى اعضاؤها الذهول، وفكت قيوده. وراحت المجاهدة تتردد عليه في المعتقل، وكانت حالتها المادية قد تحرجت كثيرا فأخذت تطلب النقود من الوكيل على أملاكها في فلسطين، لتنفق على زوجها، ولتساعد اخوانه ولما تأخر الوكيل في ارسال النقود اكفهرت الدنيا في وجهها وبلغ الضيق بها حدا لا مزيد عليه، ومما زاد الامر سوءا (انها بينما كانت تسير في شارع الرشيد ببغداد في طريقها الى السجن، لزيارة عبد القادر، اذ بسيارة مسرعة تصدمها وتصيبها في ساقها اصابات اليمنة زادت من حراجة موقفها)(393).

   الا انه بعد فترة وجيزة وصلتها النقود من فلسطين، فأخذت تمد زوجها في السجن بما يحتاجه. وكتب الدكتور قاسم الريماوي في مخطوطه يقول:

   (حدثني ابن عمي السيد عاهد الريماوي - الذي التحق هو واخي اديب الريماوي مع سماحة المفتي الى ايران - قال:

   «اعتقلتني السلطات وقررت ابعادي من العراق الى فلسطين، ولما وصلت بغداد وكنت في حراسة البوليس والحديد في يدي، اذ بامرأة محجبة تقترب مني وتوقفني قائلة للبوليس: «ان هذا اخي، اريد ان احدثه «فعرفتها وقلت لها: كيف حال أبى موسى.. قالت: انه بخير. ثم فتحت محفظتها واخرجت جميع ما فيها من نقود وقالت: خذ هذه النقود فلعلك بحاجة اليها. فقلت لها: يا سيدتي انا لست بحاجة الى شيء، انما اريد الاطمئنان على اخي عبد القادر: فقالت انه بخير وسأحاول الاتصال بمن يكفلك للبقاء فترة في بغداد لتسترد صحتك قال: وتركتني وذهبت الى بعض اصدقائنا التجار، حيث حضر بعضهم وقدم كفالة مالية، كي استطيع البقاء في بغداد بضعة ايام للاستشفاء. قال: لقد اكبرت هذه الروح، ولن تغيب عن بالي هذه الشهامة طيلة حياتي، وانا اعرف انها كانت بحاجة ماسّة الى كل قرش تقدمه».

   ولما اشتد المرض على القائد، صممت المجاهدة على مقابلة (نوري السعيد) الذي كان لا يقبل الوساطة اطلاقا، شخصيا وبدون اذن مسبق، وفعلا استطاعت مقابلته في مجلس رئاسة الوزراء حيث كان مجتمعا مع وزرائه، ولما دخلت وقف الجميع مبهوتين متسائلين عن سبب وجود هذه المرأة.

   عرّفت المجاهدة نفسها ثم قالت:

   «أنتم تعرفون جميعا ان عبد القادر بريء من كل ما نسب اليه، ومع ذلك فقد وضعتموه في المعتقل رغم اعتلال صحته، فهل تمانعون يا سيادة الرئيس في خروجه من العراق.... فردّ نوري السعيد مبهوتا وبلهجته العراقية:

   - لا ماكو مانع... ولكن أين سيذهب..؟

   فردت عليه المجاهدة قائلة: اذا وافقتم على خروج عبد القادر سأكتب للملك عبد العزيز ولا اريد ان اكذب على شخصية مثل شخصية الملك عبد العزيز. فقال نوري السعيد: لا... خير ماكو مانع ماكو مانع ماكو مانع(394).

   وانتقلت المجاهدة الصابرة الى الحجاز، وهناك اقامت مع زوجها حوالي عامين حجت فيهما، ثم رحلت معه الى القاهرة.

   ولم تكد قدما عبد القادر تطأ ارض مصر، حتى هرع اليه احباؤه للسلام عليه وللعمل تحت امرته، فكان يستقبلهم في بيته ويكرم وفادتهم، اما ام موسى فقد قدمت لزوجها كل ما وصل اليها من ريع أملاكها، فاشترى كل ما وصلت اليه يده من اسلحة، وخزنها في بيته، وكانت تقوم بتنظيف الاسلحة وخزنها بنفسها، وكانت تعرف جميع انواع السلاح وتتقن استعمالها.

   وعندما قرر عبد القادر مغادرة مصر متجها الى فلسطين بعد قرار التقسيم - وكان ترافقه زمرة من اخوانه المجاهدين - راحت ام موسى تودعهم واحدا واحدا، وتشد على أيديهم ثم توجهت اليهم بكلمة خالدة:

   (انا لا امانع في ذهاب عبد القادر للقتال، ولكن اوصيكم ان لا تضنوا عليه بالسلاح)(395).

   ودع عبد القار اهله واولاده، ويعلم الله انهم كانوا مسرورين فرحين، لان والدهم سيعود الى الجبهة حيث الجهاد ومقارعة الاعداء، ولما وصل البلاد كانت الرسائل ترد اليه من زوجته واولاده، وكلها تشجيع وحث على الاستمرار في الجهاد.

   كما ارسلت لجنوده العديد من الهدايا (من ملابس واحذية وغيرها). وقد كانوا في حاجة ماسة اليها، وزار مصر بعد التحاقه بالمجاهدين مرتين، وكان فيهما لا يزور اهله الا قليلا ولم يمض بينهم الا بضعة ايام.

   كانت المجاهدة تشعر بضيق حالة زوجها المادية، بعد ان صرف جميع ما يملك وتملك حتى رهنت بعض املاكها، واخيرا ارسلت اليه تفويضا ليرهن او يبيع جميع املاكها وانفاق ثمنها في سبيل الله والجهاد.

   وبعد معركة القسطل، اتصلت الهيئة العربية العليا بالمجاهدة الصابرة وابلغتها ان زوجها قد جرح فقالت: ليست هذه اول مرة يجرح فيها عبد القادر، فهناك اوسمة شرف كثيرة من هذا النوع في جسمه... ان جسمه لا يخلو من محط كفّ الا وفيه اثر لجرح او طعنة، وشعرت السيدة بأن العائلة كلها قد التفت حولها فقالت: خبّروني ولا تخفوا عني شيئا هل مات عبد القادر...؟ وسمعت الردّ الخافت من أفواه الموجودين: نعم.. لقد استشهد فقالت: ولم تخفون الخبر عني... فما ذهب زوجي الى الميدان الا ليستشهد، كما استشهد أبوه وألوف من العرب قبله، ان هذه الميتة هي التي طلبها طائعا مختارا، فشرفه الله بها وشرفنا باستشهاده... انه لشرف عظيم له وللعروبة ولابنائه... ولكن رجائي ان اسافر الى القدس لالقي النظرة الاخيرة عليه).

   ولكن ظروف المواصلات لم تمكنها من السفر في الوقت المناسب لتحقيق رغبتها، واخفي الخبر عن ابناء الفقيد مدة ثلاثة أيام واخيرا تمكنت (هيفاء) كريمة الفقيد وعمرها (12) عاما من الاطلاع على الصحف وعلمت بالنبأ المؤلم، وذهبت الى امها وهي تقول:

   «اننا على استعداد ان نحلّ محلّ والدنا في الميدان يا أماه «ومن هيفاء عرف اشقاؤها الخبر.

خطاب عبد القادر الاخير الى قرينته

   كان الشهيد عبد القادر في دمشق عندما نشبت معركة القسطل بفلسطين، واليك ما كتبه من دمشق الى رفيقة حياته وهي في مصر، ففي كل سطر من هذه الرسالة درس وعبرة،

   «... اكتب اليك من دمشق، ولا ادرى كيف اصف شعوري وما يجول في نفسي، وما يخفق به فؤداي وهذه فترة قصيرة انا فيها بعيد عن مشاغل القتال، وما ذلك رغبة مني ولكن الظروف هي اوجدتني في دمشق بعيدا عن رائحة البارود وعبير الجنة وخوض المعارك الى جانب اخواني الابطال الذين يقومون بتحرير وطنهم، نصرهم الله وأيّدهم بقوة من عنده.

   لقد كانت الفترة الماضية مليئة بالانتصارات الباهرة والاعمال المجيدة التي بهرت العالم وحطمت العدو، لقد سطرنا صفحات مجد لا تنسى في التاريخ، ولكن هذا لم يأت عفوا ولا سهلا، وانما بالتضحيات العظيمة والجهود المتواصلة ليلا ونهارا، وهو عمل نسي كل واحد منا خلاله نفسه واهله واولاده وطعامه ونومه، وكل ما في الدنيا، خلا الرغبة في النصر، وسحق العدو الكبير في عدده والقوى في عدده، بما لدينا من السلاح القليل، ولقد قدرنا الله على ذلك وكافأنا على جدّنا بالنصر المبين، لكننا ما زلنا في اول الطريق، وعلينا ان نضاعف الجهود، ونصل الليل بالنهار حتى نصل الى النصر النهائي، واني أبشرك من الآن بأننا سنصل اليه ان شاء الله

   صحتي جيدة، كيف صحتك، وصحة الاولاد قبّليهم جميعا وبلّغيهم رضائي.

المخلص الى الابد

عبد القادر الحسيني

   وقد كتبت جريدة اليوم البيروتية بتاريخ 11 نيسان 1948 م تحت عنوان:

   (ما يجهله الكثيرون عن حياة الفقيد) ومما قالته في صدد زوجة الشهيد ما يلي:

   أما صاحبة العصمة زوج الراحل العظيم، فهي لا تقل عنه في هذا المضمار، فكانت تسعف المحتاجين، وتقدم المساعدة لمن هو في حاجة اليها، وتحثهم على الجهاد في حماس بالغ»

   وكتب الاستاذ (حبيب جاماتي)(396)

   «.... واذكروا  زوجة الشهيد ورفيقة حياته التي كانت بحبها وشجاعتها وعنايتها، تزيده قوة على قوة، وعزما على عزم، وايمانا على ايمان... واذكروا الاشبال الاربعة الذين تركهم هذا الاسد الذي صرعه الرصاص وهو يملأ بزئيره جبال فلسطين ووديانها:

   هيفاء ((سمّية الفارسة السورية التي قادت كتيبة من رجال البادية في عهد صلاح الدين، وسقطت على مقربة من جبل القسطل ذاته، وموسى سمّي جدّه البطل الخالد والزعيم المطاع، موسى كاظم باشا الحسيني، وفيصل سمّي ابي الفوارس وقائد الثورة العربية الكبرى في الميدان الشمالي (فيصل بن الحسين)، وغازي سمّي الملك العربي الابيّ الذي لو بقي على قيد الحياة لما أبقى الى الآن على قيد من قيود التبعية السياسية والعسكرية في العراق...)

   وبدأ الاشبال الثلاثة يسيرون على غرار والدهم الشهيد العظيم، وكانت والدتهم المصونة قد جعلت لكل واحد من ابنائها صندوقا يوفر فيه بعض النقود لينفقها عندما يصبح شابا في سبيل الدفاع عن بلاده، ولما بدأت الحملة في مصر لجمع التبرعات لصالح الجيش المصري، الذي كان يحارب في فلسطين، شعر ابناء الشهيد (موسى وفيصل وغازي) بواجب المساهمة في التبرع لهذا المشروع الجليل، ولما لم يكن لديهم غير ما وفروه في صناديق التوفير، (20) جنيها، طلبوا الى والدتهم ان تسمح لهم بتقديم ذلك المال الى وزارة الدفاع فرحت الوالدة بطلب اشبالها، واكبرت فيهم هذه الروح العظيمة.

   وذهب الاشبال الثلاثة يحمل كل منهم صندوقه الى وزارة الدفاع، حيث استقبلهم معالي (محمد حيدر باشا) وزير الدفاع، وتقبل منهم تبرعهم، مكبرا فيهم روحهم العظيمة، مسترحما على والدهم البطل الشهيد، وقدم الوزير لكل واحد منهم هديّة (عبارة عن مصحف وقلم حبر ثمين)(397).

   واصلت المجاهدة الصابرة الجهاد بالرغم من المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقها لتربية اشبالها الاربعة والعناية بهم، لتقدم لعدد غير قليل من اللاجئين والمنكوبين المساعدات المالية، ومن ثم البحث عن اعمال لهم هنا وهناك ليعيشوا منها، وقد نجحت في ايجاد العديد من الاعمال النافعة لكثير من اللاجئات.

   وظلت تجاهد الى ان توفاها الله يوم الاثنين (18 شعبان 1403 هجرية الموافق 30/ 5/ 1983 م)

   رحم الله المجاهدة الصابرة وأسكنها فسيح جناته....

(رضوان هَيّئ للوجيهة مقعدا            عند المليك هناك أصدق منزل

في جنّة الرحمن جمّع شملها                 بابن الشهيد شهيد ارض القسطل)(398)

الباب التاسع

عبد القادر الانسان

   ما كان ابو موسى شابا كسائر الشباب، ولا رجلا كسائر الرجال، وانما كان مجموعة من المثل العليا، انصهرت في بوتقة نفسه، فخرجت للناس في شخصيته مثلا اعلى، ونموذجا حيا لجميع صفات الرجولة والنبوغ - لقد كان رحمه الله - مثلا اعلى لانكار الذات وحب التضحية ومثلا اعلى للجرأة والاقدام، ومثلا اعلى للشهامة والاباء ومثلا اعلى للصبر والايمان(399)

   كان في صغره طفلا شهما ذكي الفؤاد، يأبى الضيم ويعاف الذل، وله مستقبل باهر وامر خطير(400). كان ميالا للكسل مع ذكاء شديد، وكان مهملا بكل ما يتعلق بشخصيته وهندامه وملابسه(401)، كما كان في صغره مشاكسا قوي النفس جريئا مندفعا سريع التأثر طموحا الى العلا والمجد، محبا للعروبة مجنونا بحبها(402).

   وكان يقتني المسدسات التي يشتريها من مصروفه الخاص ليشترك في المظاهرات والاضطرابات التي كانت تجتاح البلاد في المناسبات الخاصة، كذكرى وعد بلفور، او قدوم احد اساطين الاستعمار كالسير هربرت صموئيل واللورد بلفور وخلافهما(403).

   كان منذ شبابه شديد الوعي على قوميته عظيم التقدير لها، لما يصبه الاستعمار من مصائب ونكبات، وكان من نشاطه القومي وهو في المدرسة، الدأب على بث روح الوطنية والتمرد بين زملائه، وكثيرا ما كانت له اليد الطولى في اضراب الطلاب ومظاهراتهم، مما ادى الى فصله من الجامعة الامريكية في بيروت (لانه وطني متطرف في رأيها)(404) وسبب له متاعب جمة في حياته الدراسية.

   شاب ربع القامة، جميل الطلعة، جذاب الملامح، ربى شاربيه على الطريقة الامريكية، يرتدي ثيابا بسيطة رخيصة اقرب الى ملابس العمال، نظيفة وعادية، لم يراع هندامها او كيها، صوته نابع من صوت الايمان صادر من اعماق القلب(405).

   عرفت ابا موسى في المعتقل وقضينا واياه شطرا من العمر في مستنقعات العمارة واوحالها، وكان كل ذلك المعتقل يدل على قسوة المناخ وسوء المعاملة والغذاء، لكن ابا موسى لم يعرف الفزع في حياته، هو الذي كان يشكو آن ذاك من علة مستعصية، يحتمل قسوة الحياة بين تلك الاسلاك الشوائك ومن وراء حسك الحديد، فلم يتبرم ولم ينطق بالشكوى بل كان مثال الصابر المحتسب(406)، فما رأيته يتأفف وما شاهدته يتذمر(407).

   كان - رحمه الله - حيا متواضعا لا يكاد يحدث حتى يبتسم، يؤثر الناس على نفسه ولا يحب الظهور اطلاقا، ويكره الدعاية لنفسه، قليل التحدث عنها او الاشادة بأعماله، ولا يتبجح بأعظم الاعمال ان اتمها، بل يعد كل تضحية ونقطة دم نزفت من جسمه واجب يجب ألا يشكر عليه، او يمتدحه انسان به، أبعد الناس بالتظاهر بالعظمة، لشخصيته نكهة محببة متواضعة زاهد في مطعمه ومظهره شريف عفيف في مسلكه، واضافة الى كل هذا، فلم تكن عنده نزعة اعتداد بالاصل مع ان والده العظيم كان زعيم البلاد برمتها، ولم اذكر يوما ان ذكره بوصف الزعامة، ونتيجة لكل ذلك لم يكن من الصعب ان يدرك المرء بأن وراء كل هذه الصفات شخصية عظيمة تنبئك عن عبقرية خفية(408).

   كان يؤثر العمل الصامت، والابتعاد عن كل مظاهر النفاق والتبجح، فكان احب الناس اليه واقربهم الى قلبه الرجال العاملون، يفضلهم على آله وذويه ولا يهتم بقربى الدم واواصر القرابة، بل بقرب الروح والاخلاق والاعمال الصادقة، وكان لا يزدري العمل اطلاقا، فكان يحمل بنفسه الذخيرة والسلاح ويحضر لها، ويبني المخازن وينقلها من مكان الى آخر، ولم يكن متعصبا في رأيه الا مع الحق ويأخذ النصيحة من أي جندي او شخص يرى فيه الصدق والوفاء(409). روحه ممراحة ساعة المرح عنيفة صادقة في الحق، يشعر انه جندي مستنفر من جنود الوطن(410).

   كان متمسكا بدينه حافظا مبتعدا عن كل ما يريب او يشين، ويبتعد عن الدنايا كل الابتعاد، ولا يصاحب من كانت هذه صفاته، كانت عقيدته الدينية قوية جدا وصفاته الخلقية يندر وجودها بين الشباب خاصة، وانه اندمج بأوساط المدنية الحديثة(411) وكان مهتما بالناحية الدينية كثيرا، وله في ذلك دراسات، وكان ينمي الروح الدينية فينا منذ صغرنا(412).

   لا يحب ارتياد المقاهي العامة، بل كان يقضي معظم أوقاته في بيته حيث زواره واصدقاؤه، واذا أراد التنزه، ففي الحدائق والخلاء بصحبة اصدقائه، حيث يحلوله البحث والمجادلة معهم في المبادئ العامة والاسس الصحيحة، كان - رحمه الله - اذا أعياه التعب وكثرة المراجعين الذي كثيرا ما كان ينسيه نفسه فلا يتناول فطوره الا بعد العشاء - كان يركب سيارته ويأخذني بجانبه ونتجه الى حيث لا ادري، واخيرا ينتهي بنا المطاف اما تحت شجرة في بستان صهره السيد (خليل الداودي) على بعد بضعة كيلومترات عن اريحا، او في حرش من الاحراش النائية حيث جمال الطبيعة وهدوء الحياة، او يتجه الى بيت صديق حيث لا يعرف احد، وانني اؤكد انه ما كانت تمضي فترة وجيزة من الزمن في خلوتنا هذه، حتى تسري الاخبار الى المراجعين من الاهلين وقادة المجاهدين، فيهرعون اليه حيث المشاكل الناشئة عن قلة المال والسلاح(413)

   كان رحمه الله مثال الامانة الصادقة لوجه الله (وقد حدث ان راجعه بعض اقربائه مرة وهو (جواد الحسيني) للحصول على بندقية ولو بثمن من بنادق الامة، التي كانت بحيازته لحراسة مزرعته، التي يملك عبد القادر نصفها، فرفض طلبه باشمئزاز، ولما الح عليه وبخه توبيخا لا مثيل له قائلا: ان هذه البنادق ليست لحراسة الاملاك الخاصة، بل للدفاع عن البلاد، ثم امر عددا من جنوده بالتوجه الى داره في المزرعة في الحال ونسفها، وقد كان جادا في ذلك بسبب ما لحق به من الغيظ لهذا الطلب.

   عرفته صديقا وفيا وانسانا هيّبا، يصغي كثيرا ولا يتكلم الا بمقدار، حينما يرى ضرورة للكلام، واذا ما دار نقاش عن المؤامرات الصهيونية وما تبيت من شر للعرب، يحاول ان يقنع جلساءه بهدوئه المعروف وحججه المدعمة بالبراهين، بأن الاستعمار لا يمكن ان ينثني عما دبره في الظلام الا بالقوة وتوحيد الصف، وكان طيلة حياته، ومنذ نشأته حتى يوم استشهاده يعمل لتحقيق هذين الهدفين، ولكن ظروف المنطقة لم تمكنه من تحقيق هذه الآمال(414).

   كان معروفا بالميل الى الجدل والكفاح، يكون رأيه ثم يقف عنده في صلابة وعناد ومع هذا فقد كان لطيف العشرة خفيف الظل والروح، متواضعا بعيدا عن الادعاء والغرور قريبا الى قلوب زملائه واصدقائه(415).

   كان الشهيد المجاهد يحتل مركزا مرموقا في حكومة فلسطين زمن الانتداب البريطاني وكان يعيش عيشة رتيبة مترفا منعما (عز وجاه وثروة وغنى وسيارة خاصة). في الوقت الذي لم يكن يقتني فيه السيارات الا ذو النعمة واليسر «وفي ظهيرة احد الايام زرت بيت المرحوم (موسى كاظم باشا، رئيس اللجنة التنفيذية التي كانت تقود الحركة القومية العربية في فلسطين ووالد الشهيد) واذا بسيارة خاصة - من نوع ويلز - رابضة تحت شجرة كبيرة حزينة كاسفة اللون يعلوها الغبار، فسألت: لمن هذه السيارة.. فقالوا لعبد القادر فقلت: واين عبد القادر؟ فقالوا: لقد تطوع في سبيل الله، والتحق بالمجاهد سعيد العاص في جبال القدس وبيت لحم. فقلت وما جرى بوظيفته؟ فقالوا: اعتبرها عارة مستردة، فردها للحكومة والتحق بوظيفة الخالدين. فقلت: وزوجته واولاده؟ فقالوا: تركهم لعناية الذي لا يغفل ولا ينام فقلت: ما سمعنا بهذا من قبل. فقالوا: لقد هجر الدنيا ونعيمها الى الآخرة وثوابها، وباع نفسه وولده وجاهه لله في سبيل تخليص الوطن وانقاذه من الاستعمار البريطاني والدنس اليهودي، فقلت وما صنعت زوجته؟ فقالوا: لقد شجعته على الجهاد في سبيل الله وزودته بالتأييد المعنوي وبالمساعدة المادية، فكانت تبيع أراضيها قطعة قطعة وتمد زوجها بالمال والسلاح والعتاد وتقول: من باع نفسه لله فالله ناصره ومؤيده(416).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:36 am

وطنيته

   من عرف عبد القادر ايام شبابه، كان يدرك انه ظاهرة وطنية عظيمة، لا بد ان تكون خاتمتها الاستشهاد في سبيل الله، فقد كان يتحلى بمزايا نبيلة جعلته رمزا للشباب العربي، كان صادقا في زمن استشرى فيه داء الكذب، وكان كريما في زمن اشتد فيه البخل، شجاعا في زمن عم فيه الجبن(417).

   كان رحمه الله وطنيا لا غبار على وطنيته وكان يخلص كل الاخلاص لامته وبلاده، طاهر اليد والقلب واللسان، بعيدا عن النعرات العائلية الحزبية، وكان فقيرا انفق كل ما ملكت يداه من اجل السلاح الذي اشتراه وحارب به، ولما مات لم يكن في جيبه فلس واحد، لا بل أنه مات مدينا وبلغت ديونه (16) الف جنيه، انفقها في سبيل الحركة الوطنية(418).

   كان بامكان الحسيني ان يحيا حياة رافهة في برح يتألق باسدال الستائر، ويبدع في ابتكار اسباب الترف، ويتربع على كرسي الحكم، اذ انه من بيت رفيع العماد، ولكنه سما ان يكون حاكما واراد ان يكون بطلا(419).

   اتصلت بالفقيد في بغداد عام 1940م اتصال الطالب بأستاذه عندما كان يدرس الكيمياء في مدرسة التفيّض    ، فرأيت في نفسه جوانب الانسانية، وكان من أشد الناس تأثرا بمظاهر البؤس والحرمان، وقد غرس في نفوسنا قبسا من شعاع وطنيته(420).

   رجل جاد بنفسه في سبيل امته وبلاده طائعا مختارا، لما حيل بينه وبين النصر، فهل يعلو على هذا الجود عال، وهل يضاهيه كرم او تضحية، ولكن من عرف عبد القادر الحسيني وعرف خصائصه وكرم محتده وطيب عنصره، فانه يسهل عليه معرفة سهولة التضحية عنده، وبذل النفس والنفيس في سبيل الله، لقد كان - رحمه الله - يجود بكل ما وصلت اليه يده ونفسه للآخرين، وكان يؤثر الناس على نفسه (كان في كثير من الاوقات يعطي جميع ما يملك من دراهم الى بعض زملائه الذين تكون قد ضاقت بهم الحياة، ونضب ما معهم من دارهم، ويبقى صفر اليدين، وعندما يقول له زميله المذكور ماذا أبقيت لاكلك واحتياجاتك؟ كان يجيب: (يرزقني علام الغيوب)(421). وكثيرا ما كان يخلع بعض ملابسه ليعطيها لسائل او محتاج، وكان بيته بمثابة دار ضيافة، وديوارن يتردد عليه اصدقاؤه وجنوده، وكثير غيرهم ممن لا يعرفهم، فيجدون فيه الراحة والبذل عن نفس صادقة وشعور تام، وكان يحب للجميع ما يحبه لنفسه، بل انه ليؤثر صديقه على نفسه، وهذا ما قربه الى نفوس الشعب فآثروه على ذويهم وتعرضوا للمهالك وخاضوا غمار الحرب بجانبه، حبا فيه وطاعة لاوامره وايمانا بأهدافه وافكاره، وذلك ناتج عن تقديرهم لصدق اندفاعه وحقيقة نواياه وخلوصها لله وحده، لهذا انقاد له الشعب، واقبل على الموت طائعا مختارا في سبيل الله والحق.

   وبهذه الروح تقدم ما يربو عن الخمسمائة شهيد ليعلقوا على اعواد المشانق لاندفاعهم في اعمال الثورة والجهاد، كما استشهد منهم المئات الآخرون في المعارك المختلفة، وعلى ضوء هذه التضحية والايمان انتقل من نصر الى نصر، وقاوم أكبر قوى الشر، بقليل من العدة والعدد، مقدما دمه قبل دمهم، وما يملكه وتملكه زوجته في سبيل هذا الهدف(422).

   وبقدر ما كان عبد القادر حريصا على خدمة الناس متفانيا في سبيل بني قومه، كان بارا بزوجه واولاده يحنو عليهم، ولا ينقطع عن تشجيعهم ومواساتهم، في زمن كان هو احوج فيه الى التشجيع والمواساة.

   كان ينصرف في حياته البيتية الى تربية اولاده تربية خلقية دينية علمية صحيحة وينتهج تلك التربية بعد ان سبق له ان جربها بنفسه، وكان يترك الولد ليتعلم بنفسه ومن محض تجاربه، مع تنمية ثقته بمعرفته وبشخصيته، فكان مثال الاب الكريم يحب ابنته هيفاء حبا شديدا، ممزوجا بالعطف والحنان، وكان يشرف على تلقينهم الدروس(423) وكان يرى ان غازي هو رجل الميدان العسكري، كما كانت تعجبه حيوية فيصل ونشاطه، اما موسى فقد كان يرى فيه رجل معرفة وعلم، وكان يعاملهم على أساس بناء، حسب التخصص في نفوسهم، ويعلمهم الادب العربي، ويسرد لهم قصص الابطال والقادة العرب، كما علمهم على استعمال جميع انواع الاسلحة والرشاشات وسمح لهم باجراء تجارب عديدة لاطلاقها وتحليلها وتركيبها، وكان يحاول ايجاد ألفة صادقة بينهم وبين أصدقائه واعوانه، والحقيقة ان عبد القادر كان يتمتع بحياة بيتية على غاية كبيرة من الاطمئنان والسعادة، وقد زينها وجود اولاد اذكياء يبشرون بمستقبل باهر (فانه وان مات بجسمه، الا انه ما زال حيا بروحه وبذراريه، وقد غرس فيهم حب الوطن وعلمهم دروب الشجاعة والاقدام)(424).

   كان - رحمه الله - يلح دائما بوجوب التخصص في الاعمال، فالسياسة للسياسيين والمال للماليين والشؤون العسكرية للمجاهدين، ولما عهد اليه التنظيم العسكري، لم يتدخل الا في الشؤون العسكرية، وترك الامور الاخرى لبيت المال واللجان القومية والهيئة العربية العليا. ومع انه كان باستطاعته عمل ما يريد، حينما سلمت اليه البلاد زمام القيادة، الا انه لم يحاول التدخل في الامور الادارية او المالية (واذكر انه زار احد الوجهاء في قضاء جنين وكان لا يملك اجرة السيارة التي تنقل جنوده، فقدم اليه الوجيه المذكور مبلغا من المال فرفض عبد القادر استلامه وقال له: «اذا اردت ان تدفع.. يمكنك ان تدفع المساعدة الى بيت المال العربي (مع انه كان بحاجة الى كل جنيه منها).

   وكان رحمه الله لا يحب ان يتدخل في صلاحيات الغير اطلاقا ولا يقبل التوسط، وقد حدث ان قضت المحكمة القضائية التابعة للجنة القومية برام الله بتغريم احد الاشخاص بتهمة تزييف العملة (وهو دكتور)، بمبلغ من المال، يدفعه لصندوق اللجنة، وقد حاول الدكتور المذكور التوسط لدى عبد القادر بشتى الوسائط - حتى ان احد رؤساء الوزارات في البلاد العربية المجاورة-، وزعيما كبيرا كلما عبد القادر لتخفيض الحكم، الا انه رفض التدخل قائلا: «ان هذا ليس من اختصاصي» لان التدخل في جميع الامور يفسدها، ويضيع الفائدة المرجوة منها، وكثيرا ما تعرض لنقمة بعض الاشخاص بسبب انتقاداته المرة لهم، هذا وقد فرض نظام التخصص هذا على جميع القادة الذين كان يوكل اليهم تنظيم القوى الشعبية، واليك صورة اعتماد هؤلاء القادة:

بسم الله الرحمن الرحيم

   (قد عينت السيد.... قائدا مسؤولاً عن قرى... لتنظيم المسلحين فيها وشؤون الدفاع والهجوم،، وتنحصر مسؤوليته هذه في الشؤون العسكرية فقط، فلا يحق له التدخل في شؤون هذه القرى الادارية او السياسية، وهو مسؤول تجاهنا فقط.

والله من وراء القصد

عبد القادر الحسيني

القيادة العامة للجهاد المقدس

عبد القادر الاديب

علمه وادبه

   عندما انهى عبد القادر تعليمه الثانوي بنجاح، والتحق بالجامعة، انصرف بكليته الى علمه الذي جاء ليتخصص فيه وهو الكيمياء، راجيا بذلك ان يأتي اليوم الذي يحيل فيه هذه النظريات العلمية الى حقائق واقعة وأرقام ناطقة.. الى الغام يركبها بيديه الكريمتين، لينسف بها اعداء وطنه، ولهذا فان استفادته من هذه المرحلة من حياته التخصصية في الكيمياء، مضاف اليها بعثته الى المانيا عام 1939م، الذي تخصص فيها بصنع المتفجرات ثم معمله التجريبي، الذي كان ينتقل به أيان حل واينما توجه، كل ذلك مهد السبيل لهذا الرجل العبقري ان يعمد الى قلب اسرائيل فيدكه على رؤوس اهله، مغلوبين في العلم الذين تخصصوا فيه في كل النواحي، وما سلسلة النسف التي تلاحقت في شارع بن يهوذا والبالستاين بوست والوكالة اليهودية والمنتفيوري وغيرها الا ثمرة هذا العلم.

   كان عبد القادر اثناء الدراسة التي قضاها في الجامعة الامريكية موضع اعجاب رفاقه لما امتاز به من روح التعاون، وقد كان اهم ما يستهويه من الدروس الرياضيات والدين والتاريخ العربي والاسلامي، كما كان حبه للمناقشة الحية سببا لكسب الشهرة بين الطلبة(425).

   كان رحمه الله ذا ميل شديد الى الكيمياء، حتى انه كان لا يهبط بيتا، الا وأعد فيه مختبرا لتجاربه الكيميائية، وقد تمكن بفضل تجاربه العديدة من تحضير متفجرات متنوعة الاشكال، كما تمكن في الآونة الاخيرة من استحضار مركب ذي مفعول قوي جدا، لا يزيد حجمه عن 100 سم، ولكنه اذا وضع مع لغم كبير، فانه يزيد من قوته مئة ضعف، وقد كان اثر هذا المركب قويا وناجحا في الانفجارات وحوادث النسف التي قذف بها ضد اليهود، ويذكر ان بعض الخبراء الاجانب الذين اشتركوا في معارك فلسطين، وكانوا من ذوي الرتب العالية والتخصص في المتفجرات في الحرب الاخيرة، قد اعياهم نسف مركز (حزبرون) في يافا، فحضروا اليه في رام الله فركب لهم المركب الكيميائي، ورسم لهم خطة النسف، وقد كانت بالطبع ناجحة فدمرته من أساسه وقد اندهش جميع الخبراء البريطانيين واليهود من قوة الانفجارات التي ألحقها بهم في القدس، وحاولت الاستخبارات البريطانية معرفة نسبية المواد والمواد الداخلة في هذا المركب، ودفعت مبلغا من المال، فرفض اطلاعهم على سرها، وهكذا بقيت امرا مكتوما.

   وقد كان بيته بمثابة مختبر كيميائي يدرس فيه جميع اصدقائه ورجاله، فهو بالرغم من تخصصه الجامعي في الكيمياء، ورحلته التخصصية الى المانيا، فقد استفاد من تجاربه العملية التي اجراها بنفسه. وكان عنده عشرات المؤلفات من هذه الكتب التي تبحث في المتفجرات، وقد رأيته مرة يتجول في شارع فؤاد في القاهرة فيدخل في مكتبة ويخرج من اخرى، يسأل عن كتاب عسكري، فيجاب بأن هذا الكتاب لا يسمح ببيعه الا للعسكريين البريطانيين، عدا انه غير موجود في جميع المكاتب، واخيرا علم انه يوجد في مكتبة يهودية فأرسل من يطلبه منها، فأنكر صاحب المكتبة عليه ذلك، واذا به ذات يوم يصطحب احد معارفه - وله ملامح اليهود - عدا انه يتقن اللغة العبرية - طالبا الكتاب الذي يحتوي بين صفحاته على تجارب عملية ووصفا تاما لجميع انواع المتفجرات التي ظهرت في الحرب الاخيرة، فما كان من صاحب المكتبة الا ان قدمه اليه، وقد درسه - رحمه الله - واجرى جميع تجاربه.(426)

   حدثني احد اصدقائه من الاطباء وهو الدكتور (سليمان سليم) قال:

   طلب الي عبد القادر مرافقته الى غرفته في بير زيت، فلما وصلت الغرفة واذا به يقوم بتجربة صعبة ويريد مساعدتي في اجرائها، فدهشت من قوة معرفته وسعة اطلاعه وقلت له: ان هذا فوق معرفتي يا صاحبي، وما زال يمزج المواد ويركبها، حتى تمكن من تحضير مركب قوي وضعه في زجاجة وقال:

   «أتريد معرفة قوة فاعليته» قلت: نعم... فاذا به يلقي الزجاجة خارج الدار فتحدث صوتا اشبه بصوت الرعد وتتصاعد منها سحب من الدخان تخفي جميع تلك الناحية وتحرق جميع ما وقعت عليه. قال: هذا هو المركب يا دكتور، وله عدة فوائد ستسمع عنها عند هجومنا على مدينة القدس. قال الدكتور: حقا.. لقد استكبرت هذه المعرفة وهذا الاطلاع الواسع وايقنت ان امثال هذا الشاب وبمثل علمه تبنى الامم ويؤخذ الاستقلال(427).

   ولما وصل عبد القادر الى بغداد، عمل استاذا للرياضيات والعلوم (في مدرسة التفيض الاهلية) ولكي يساير الشهيد تطور العلوم الحربية، التحق بدورة ضباط في الكلية العسكرية بمعسكر الرشيد في نيسان 1940، لدراسة الفنون العسكرية، فكان في تدريبه مثال الجندي المطيع يقدر المسؤولية التي يلقيها الجهاد على كاهله، وبعد ستة اشهر تخرج برتبة ضابط، وكان في مقدمة الخريجين في حسن تدريب وحسن استعداد وعلو روح، ونظرا لتفوقه الباهر (حيث حصل على المرتبة الاولي)، عين مدرسا في نفس الكلية العسكرية، بالاضافة الى تدريسه في مدرسة التفيض المذكورة، وكان ينتهز فرصة الدروس ليدرب طلابه على صنع القنابل والالغام والديناميت والمتفجرات، مما كان له اكبر الاثر في توجيه أنظار الشباب العسكري في العراق الى قضية فلسطين.

   وفي معتقل العمارة كانت غرفته داخل المعتقل تضم مكتبة قيمة، فيها انواع مختلفة من الكتب، حيث خصص القسم الاعظم من وقته لتدريس بعض الشباب المتعطش الى العلم، فكان يدرس هذا الطبيعيات ويدرس ذاك الرياضيات، وهكذا كان المرحوم استاذ المعتقل وامامه، يتدفق منه العلم ويشع منه الاخلاص وتنبثق منه الجرأة والاقدام(428).

   كان - رحمه الله - محبا للادب والادباء، واقفا على قدر كبير من المعرفة فيه، سواء اكان الادب المعاصر او الادب القديم، وكانت جلساته مع اصدقائه المثقفين عبارة عن احاديث ومناقشات ادبية متنوعة تدوم ساعات، وكلما طال البحث جادت قريحته بالآراء الحكيمة، صافي الطباع يميز الغث من السمين، وكان يعتقد ان الادب العربي مملوء بالدس حيث اصبح بشكله الحاضر، مغايرا لحقيقته الاولى، وكان يؤمن بالعروبة والجنس العربي ايمانا ما بعده ايمان، ويعتقد ان للعربي خصائص لا تفوقها او تقاربها خصائص أي شعب آخر، وكثيرا ما كان يحتدم الجدال بينه وبين اصدقائه، فبعضهم - مع ايمانه القوي بامتياز مثالية العرب الاولى - الا انه لا يؤمن بالماضي ولا يتشاءم من الحاضر، وهذه النظرة كانت مثار مجادلات عنيفة تمتد لساعات طويلة بينه وبين الطرف الآخر (فيقول له هؤلاء: انك ستقف اخيرا لوحدك وسيتجرد عنك هؤلاء الناس الذين لا يستحقون ثقتك بهم.. فيقول: نعم.. ومع ذلك فان هذا لم ولن يمنعني من القيام بواجبي حتى النهاية ولو منفردا(429).

معرفته بالاديان وعلم اللاهوت:

   تمكن عبد القادر بفضل جهوده في المدارس التبشيرية من الاطلاع على جميع الاديان، فكان اذا ناقش فيها يناقش عن علم وروية، ويورد شواهد مؤيدة من القرآن والانجيل، وكان كثيرا ما يناقش في حقيقة المعتقدات واثرها في الحياة، ولعل مواقفه التي مر ذكرها من تلك المدارس ومن حكومة الانتداب، يعد من الوعي المبكر الصحيح والصادق، في مثل هذه السن في ذلك الوقت. وقد وضع الشهيد مقدمة لكتاب يبحث في حقيقة المعتقدات والاديان وعلاقتها واثرها وللاسف الشديد لقد ضاع الكتاب.

بلاغته:

   كان اسلوبه في الكتابة ينم عن عقيدة راسخة وايمان لا يتزعزع، فالحكمة تغلب عليه، ومع انه كان حييا متواضعا لا يحب الظهور الا انه كان وقت الضرورة خطيبا مصقعا مؤثرا.

   ففي الحفلة السنوية التي كانت تقيمها الجامعة الامريكية في القاهرة عادة بمناسبة تسليم الشهادات للخريجين، وبعد ان تسلم الشهادة طلب ان يؤذن له فيتكلم فأذن له.

   فوقف ذلك الفتى الحيي الخجول امام ذلك الحفل الحاشد خطيبا مصقعا، رافع الرأس غير هياب ولا وجل، واندفع يلقي خطابا مطولا مفصلا، بين فيه حقيقة امر هذه الجامعة التبشيرية، حيث قوبل خطابه بعاصفة من التصفيق الحاد بعد ان الهب حماس الشباب المتعطشين للحرية.

   (لقد شاهدته وهو يخطب عدة مرات في جماهير الناس الذين استقبلوه استقبالات شعبية منقطعة النظير، اثر وصوله الى رام الله وجنين وطولكرم ونابلس، وتجواله في تلك المناطق، فقد ألقى من شرفة اللجنة القومية بجنين خطابا مؤثرا قويا، نال استحسان الجميع، كما ألقى في طولكرم وعزون وقلنسوة والطيرة خطابات رائعة ألهبت الجماهر، وكانت كلها قوة وحث على التسلح والدفاع والتنظيم، وكان كلامه يؤثر جدا في الجماهير التي تؤمن بأهدافه وبما يقول، لانه ما كان ليطلب من احد ان يعمل شيئا الا ويكون قد بدأه بنفسه، فان طلب الى الشعب حمل السلاح فانه حمله قبلهم، وان طلب اليهم الجهاد بالنفس والمال والهجرة في سبيل الله وترك الاهل والولد، فقد كان اسبق الناس الى ذلك، لقد كان لكلامه وقعه فما يغادر القرية الا وباع معظم شيوخها وشبانها أغلى ما عندهم ليشتروا السلاح، وقبل خروجه كان يجمع المسلحين فينظمهم، وينصب عليهم قائدا منهم ويأمر باقامة الاستحكامات للدفاع ويزور جميع مناطق الدفاع في القرية ويزور جميع حمائلها وعائلاتها(430).

شعر عبد القادر

   قليلون هم الذين يعرفون ان المجاهد الشهيد عبد القادر كان ينظم الشعر ويقرضه وقد ظلت أشعاره التي ندونها هنا في كتابنا طي النسيان، الى أن قيض الله لها الدكتور (موسى عبد القادر الحسيني) الذي تفضل مشكورا بجمعها حتى تظهر الى حيز الوجود ولتأخذ مكانها في هذا الكتاب.

   لا شك.. ان اول ما يلفت نظرنا هو قلة شعر الشهيد، ومن المؤكد ان كثيرا من شعره قد فقد، وذلك اثناء تنقلاته وعدم استقراره.

   لقد ارتقى عبد القادر الحسيني سلم الشهادة، وبيده بندقيته الامينة متوجا بأكاليل الغار بعد ان سلم روحه الخالدة الى خالق أعد له جنات ونعيما، لقد قضى عبد القادر معظم حياته مطاردا، فتارة يرقد على فراش المرض اثر أوسمة الجهاد، واخرى رهن الاعتقال والسجن، وثالثة يعد العدة لخوض غمار حرب مقدسة، وفي خلال هذه التحولات في مجرى حياته، فقد استل يراعه وخط سجل جهاده المقدس ما جادت به قريحته الوقادة.

   كان عبد القادر يملك قلبا يعشق فلسطين حتى العبادة، واحساسا صادقا مرهفا، وعاطفة جياشه تفيض حنانا، وشاعرية تنبع من اعماق الروح التي تدفقت بالعطاء.

   لقد راح عبد القادر يستلهم تجسيد الحنين والشوق والتضحية والحماس في اشعاره التي تدفقت من ذوب قلبه، ولو امهلته الشهادة لجادت عبقريته الفذة بمعين لن ينضب من الفداء والعطاء، ولاثرى القضية بمنهل عذب من جواهر الكلم والشعر الوطني والقومي المتدفق.

   لا شك ان العاطفة مظهر من مظاهر الوجدان تصدر عن احساس صادق، وتنبعث من قلب - كقلب الشهيد - المترع بالحنان والشجى والاباء، كان يرقد على فراش المرض في معتقل العمارة ببغداد، بعيدا عن احبته وصحبه وتراب بلده، ولطالما حن اليه، وجاءته رفيقة الدرب وجيهة الصابرة، ومعها كريمته هيفاء لزيارته - وكان عمرها خمس سنوات تقريبا - وما ان رأته حتى تعلقت به، ولا تريد الابتعاد عنه وبعد أن انتهت الزيارة المحددة، حتى اختبأت تحت سريره في السجن، فحملتها ام موسى بينما راحت هيفاء تبكي بحرارة وكأنها تقول:

   - دعوني عند ابي.. لا تبعدوني عنه.. لماذا انتم تسجنونه؟ وما الجرم الذي اقترفه ايها السجانون..؟ وخرجت هيفاء باكية حزينة.

   وما ان غادرت المعتقل حتى تفجرت عاطفة الاب الحنون بأبيات يتدفق منها ينبوع الالم الظاهر، والاسى الذي يلفع ابيات قصيدته التي جاءت بعنوان (صوني دموعك) ومع ذلك لم ينس القائد ان يخاطب رفيقة دربه وجهاده مواسيا في الوقت الذي كان هو احوج بالمواساة، فجاءت تعابيره سلسلة محببة، محاولا نقل انفعاله الى نفوس الآخرين في حسن صياغة، دون تكلف مع وضوح وسلامة الفكرة وصدق في الاثارة العاطفة.

   وفي قصيدته هذه لم ينس عبد القادر ثقته وايمانه الراسخ بقضاء الله وقدره، حينما راح يخاطب زوجته في آخر أبياته مواسيا ومشجعا، وان هجرته هي هجرة  الى الله سبحانه وتعالى وليست الى غيره.

   اما قصيدته (حنين) فقد جاءت معبرة صادقة بكل احساس الشاعر المرهف الذي آلمه البعد وصدع وجدانه الفراق، فراق القدس التي ربته وجعلت منه فارسا.. لقد بث الشاعر حنينه وشكواه حينما تذكر (فراخه الزغب) ولا غرو.. فهم فلذة كبده المتعطشة الى لقياهم رغم رسومهم وصورهم الموجودة عنده في بلاده الغربة، وهم أقباس انوار خبت ونجوم أفلت من جور الزمن الذي منعهم من الورود الى حياض والدهم الحنون ذي القلب المترع بالمحبة الصادقة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: عبد القادر موسى الحسيني   الجمعة 13 مايو 2016, 9:37 am

لقد طرق عبد القادر في شعره - رغم قلته - معظم اغراض الشعر من حنين وشوق الى الفخر والمدح والى اسداء النصح والحكمة وبعث الهمم لاستنهاض الرجال للذوذ عن حياض الثرى الفلسطيني، الذي لوحته خطط المعتدي، كما في قصيدته (ناوليني السيف) وباقي قصائده التي رصعها بدرر ما زالت تلمع في سجل تاريخه الجهادي الخالد.

   كما طرق باب المدح كما نرى في قصيدتيه اللتين يمدح فيهما (رشيد عالي الكيلاني) والملك (عبد العزيز آل سعود) فجاءت معبرة صادقة.

   كما طرق الاسلوب التمثيلي في اغراضه (كما في قصيدة فلسطين وفتاها) فجاءت مثلا صادقا ودقة رائعة في التصوير ودقة التعبير في اسلوب سهل محبب الى النفوس المتعطشة الى التفاني وتلبية نداء الوطن.

   فليرحمك الله يا ابا موسى، وليتغمد روحك جنة الخلد، لقد حاربت بالبندقية الصادقة واردت ان تجالد بالقلم، ولكن الشهادة احرمتنا من يانع عطائك، وصدق عاطفتك وسمو احساسك وروعة ندائك ونبل ذاتك.

1 / ناوليني السيف

حدثيني عن بلادي حدثيني             واسمعيني خبرا لا تكتميني

خبريني كيف سادتها عداها            حدثيني كيف داسوا في حماها

حدثيني عن             بلادي حدثيني

حدثيني كيف خلّفت رباها             واصدقيني خبرا عما دهاها

مرتفع الاسد واجداث الجدود         هل غدت موطئ اقدام اليهود

ناوليني السيف             امي ناوليني     

كم سمعنا منك اوصاف الطّرا             وروينا عنك اخبار الجهاد

ما لغير المجد امي قد ربينا                  قد رضعناه لبانا وروينا

ناوليني السيف             امي ناوليني

كيف ألتذّ بنومي أو رقادي             وبلادي قد غدت نهب الاعادي

شبت النيران واجتاحت فؤادي         مذ دعاني هاتف صوب بلادي

ناوليني السيف             امي ناوليني

هاتف المجد الى الحرب دعاني             ما عنى غيري ولكن قد عناني

ان لي زندا شديدا كالجبال               وأنا الآن جدير بالقتال

ناوليني السيف             امي ناوليني

ما خلقنا توأم الفرش الوثير             ما خلقنا حشوة الثوب الحرير

قد خلقنا وعنينا بالمعالي                 والمعالي نهش اطراف العوالي

   ناوليني السيف             امي ناوليني

2 / صوني دموعك

رقراق دمعك هزّ قلبي الباكي             كفيّ البكا نفسي تراق فداك

هيفاء لا تبك بحق أبوتّي                   هيفاء قد هدّ البكاء اباك

صوني دموعك انها من مهجتي            ذوب الفؤاد ذرفته ببكاك

ان عاداني ترجاج صوتك باكيا           اشفقت ان لا احتيي لاراك

يا أم هيفاء اصبري وتجلّدي                الله والوطن العزيز عناك

الناس تنعم بالرجال بعولة                  وغرقت بين دمائها وشقاك

ما بين آسية الجروح قضيته                 عيشا وبين طريدة لعداك

ما جئت بيتك غير منتجع شفا             دامي الجوانب او معلل شاكي

لا تعلمين اميّت بدمائه                      ام فيه انفاس بهن رجاك

اسمى واثوب مع عينك سائلا               من كل جرح في دمائه باكي

قد نلت من شرف الجهاد مراتبا            ما نالها رجل القتال الشاكي

اعلاك صبرك فوق كل جليلة               وعلى النجوم يطول افق سماك

سيري وربك لا يريد بنا اذى               الا ورب البيت منه حماك

سيري فقلبي يا وجيهة سائر                 أنّى رحلت يطوف حول حماك

والله يعلم ان هجرتنا له                     والله يرعى ما حييت خطاك

3 / بين فلسطين وفتاها

فلسطين: لون الزهور القاني                 شقائق النعمان

    من حمرة الدماء                           تروى بها كالماء

من انفس الاطياب

   الطلّ من دموعي                           يذوب في الربيع

   يجري على الورود                          كالدمع في الخدود

ندبا على الشباب

   ابكي بنيّ الصيدا                            والبطل الشهيدا

   ابكي وما من عار                           ابكي حماة الدار

ابكي ليوث الغاب

فتاها: لا تحزني بلادي                         صبرا على العوادي

   فالدهر فينا قلّب                             لا ينثني يقلّب

وجهين للنفاق

   ان نابت النوائب                             او عمّت المصائب

   الفيتنا الاماجد                               نعدو على الشدائد

بالبيض والرقاق

   نحميك بالمرهوف                            والضرب بالسيوف

   نشقّ هام العادي                             لا تحزني بلادي

لا تدمعي المآقي

فلسطين: قد دنّسوا ربوعي                     فجدت بالدموع

   ان تطلبوا رضائي                            فاسمعوا الى علائي

وطهروا احضاني

   بنيّ لا تهونوا                                 او للعدا تلينوا

ارضعتكم لباني                                 اوهبتكم حناني

فاحموا حمي اوطاني

فتاها: لبيك لن نهونا                           لبيك لن نلينا

   لبيك بالنفوس                               بالغالي والنفيس

بالروح والضلوع

   لا عشت يا بلادي                          ان عاشت الاعادي

   ترتاد في ربوعك                             أقلّ من دموعك

4 الطود الاشم

ما افتر الخطب الجلل                           عزمي ولا همي ثلم 

سود الوقائع الفتي                              عوّدَتها بعد النعم

ما كنت اجهل مرّها                           حتى يعاودني الندم

اني الصبور على البلى                          وكأنني الطود الاشم

هوج الرياح تحطمت                           والطود ثابت لم يضم

تزداد نفسي منعة                               ما حلّ خطب وادلهم

يبلى الجديدان ولا                              تبلى العزائم والهمم

5 نصيحة والد

بنيّ خذوا مني نصيحة والد                     عركت نواحي الدهر والدهر قّلب

كما الدهر عبد للجلود فانه                    وان جمع الويلات بالحزم يغلب

لئيم اذا جسّ الطباع ضعيفه                    كريم اذا يلقاه ناب ومخلب

سلاح الفتى طيب الخصال وعزه               عفاف وبأس في الشدائد يرهب

وخير سلاح للمصائب سمعة                    تفوح جليل الذكر أيان يذهب

بني كرام الناس بالشرّ تنقذ                      مآثرها تنسى ويذهب مثلب

بنيّ أقلوا ما استطعتم عثاركم                    فرب عثار للمكارم يسلب

اقيلوا كرام الناس من عثراتهم                   فذاك الى خطب المودة اقرب

ولا ترجعوا صفر اليدين مؤملا                  صنيع الفتى يبقى اذا المال ينضب

6 نشيد العلى

نحن في العلا                                     دوننا الملا

ما لغيرنا                                         المجد قد حلا

من سيوفنا                                       تقطر الدما

من اكفّنا                                        الجود والندى

اللازمة

وسعّوا الخطى                                   وامتطوا العلا

وارفعوا على                                    اوجها سما

اللازمة

خيرة البلاد                                     مهبط الرشاد

ارض يعرب                                    جنّة العباد

اللازمة

سهلها الجميل                                  وعرها الجليل 

ماؤها الفرات                                  بلسم العليل

اللازمة

نحن نبتها                                       نحن جندها

في لظى الوغى                                 نحن اسدها

اللازمة

اخطأ الهدى                                    بادئ العدا

جاء موردا                                     منهل الردى

اللازمة

دأبنا السلام                                    ما بدا السلام

او عدا غشوم                                  حدّه الحسام

اللازمة

بأسنا حديد                                   مجدنا عتيد

نحن امة