منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48948
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا   السبت 21 مايو 2016, 9:28 pm

بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا
د. راغب السرجاني






الأندلس
بلاد الأندلس هي اليوم دولتا إسبانيا والبرتغال، أو ما يُسمَّى: شبه الجزيرة الأيبيرية، ومساحتها (مجموع الدولتين) ستمائة ألف كيلو متر تقريبًا؛ أي: أقل من ثُلثي مساحة مصر.
ويفصل شبه الجزيرة الأندلسية عن المغرب مضيق أصبح يُعرَف منذ الفتح الإسلامي بمضيق جبل طارق، (ويسميه الكُتَّاب والمؤرخون العرب باسم درب الزقاق)، وهو بعرض 12.8كم بين سَبْتَة وجبل طارق.
جغرافية الأندلس
تقع شبه الجزيرة الأيبرية في الجنوب الغربي من أوربا، على مثلَّث من الأرض، يضيق كلما اتجهنا نحو الشرق، ويتَّسع كلما اتجهنا إلى الغرب، وتتصل في الشمال بفرنسا (بلاد الفرنجة) بواسطة سلسلة جبلية تُعرف بجبال البرينيه(جبال البرتات)، وباستثناء تلك الناحية فإن المياه تُحيط بها من كل جانب؛ مما جعل العرب يُطلقون عليها «جزيرة الأندلس» على سبيل التجوُّز؛ فالبحر المتوسط يُحيط بها من الشرق والجنوب الشرقي، ويُحيط المحيط الأطلنطي بها من الجنوب الغربي والغرب والشمال.
فجبال البرينيه هي الفاصل البري الوحيد الذي يربط شبه الجزيرة مع أوربا، فتلتقي في الشمال مع المحيط الأطلنطي، وفي الجنوب مع البحر المتوسط.
وجبال البرينيه التي تمثِّل فاصلاً بين فرنسا وإسبانيا تجعل الجزيرة وكأنها تُوَلِّي وجهها عن أوربا، فيما تتجه به إلى المغرب، وهذا ما أجمع عليه الجغرافيون المسلمون الذين عدُّوها امتدادًا لإفريقيا، وليست رقعة من القارة الأوربية، والمعروف أن شبه الجزيرة تتشابه مع المغرب في كثير من المعالم النباتية والحيوانية؛ وبخاصة منطقتي سَبْتَة وطَنْجَة
[size=15][1]
.
أمَّا داخل الجزيرة فسنرى أنفسنا أمام هضبة كبيرة تُعْرَف بالمسيتا، تقطعها الجبال بشكل أفقي، وتكثر فيها الأنهار فكأنها تعيش فوق شبكة من المياه.
لماذا سميت «الأندلس»؟
وعن سبب تسميتها بالأندلس فقد كانت هناك بعض القبائل الهمجية التي جاءت من شمال إسكندنافيا من بلاد السويد والدنمارك والنرويج وغيرها، وهجمت على منطقة الأندلس وعاشت فيها فترة من الزمن، ويُقال: إن هذه القبائل جاءت من ألمانيا، وما يهمنا هو أن هذه القبائل كانت تسمى قبائل الفندال أو الوندال باللغة العربية؛ فسُمِّيت هذه البلاد بفانداليسيا على اسم القبائل التي كانت تعيش فيها، ومع الأيام حُرِّف إلى أندوليسيا فأندلس.
وقد كانت هذه القبائل تتسم بالوحشية، و(Vandalism) في اللغة الإنجليزية تعني همجية ووحشية وتخريبًا، وتعني -أيضًا- أسلوبًا بدائيًّا أو غير حضاري، وهو المعنى والاعتقاد الذي رسخته قبائل الفندال، وقد خرجت هذه القبائل من الأندلس، وحكمتها طوائف أخرى من النصارى عُرِفت في التاريخ باسم قبائل القوط (GOTHS) أو القوط الغربيين، وظلُّوا يحكمون الأندلس حتى قدوم المسلمين إليها.


الأندلس قبل الإسلام
د. راغب السرجاني





[/size]

الجهل والتخلف في أوروبا
من المفيد جدًّا أن نتعرَّف على حالة أوربا والوضع الذي كانت عليه -وبخاصة بلاد الأندلس- عند الفتح الإسلامي، وكيف تغيَّر هذا الوضع وهذه الحال بعد دخول أهل هذه البلاد في الإسلام؟
كانت أوربا في ذلك الوقت تعيش فترة من فترات الجهل والتخلُّف البالغ، فكان الظلم هو القانون السائد؛ فالحكَّام يمتلكون الأموال وخيرات البلاد، والشعوبُ تعيش في بؤسٍ شديد، واتخذ الحكَّام القصور والقلاع والحصون؛ بينما عامة الشعب لا يجدون المأوى ولا السكن، وإنما هم في فقر شديد، بل وصل بهم الحال إلى أن يُباعُوا ويُشتَرَوا مع الأرض، وكانت الأخلاق متدنِّية، والحرمات منتهكة، وبَعُدَ حتى عن مقومات الحياة الطبيعية؛ فالنظافة الشخصية -على سبيل المثال- مختفية؛ حتى إنهم كانوا يتركون شعورهم تنسدل على وجوههم ولا يُهَذِّبونها، وكانوا -كما يذكر الرحَّالة المسلمون الذين جابوا هذه البلاد في ذلك الوقت- لا يستحمُّون في العام إلاَّ مرَّة أو مرَّتين، بل يظنُّون أن هذه الأوساخ التي تتراكم على أجسادهم هي صحَّة لهذا الجسد، وهي خير وبركة له.[size=15][1]!

وكان بعض أهل هذه البلاد يتفاهمون بالإشارة، فليست لهم لغة منطوقة؛ فضلاً عن أن تكون مكتوبة، وكانوا يعتقدون بعض اعتقادات الهنود والمجوس من إحراق المتَوَفَّى عند موته، وحرق زوجته معه وهي حيَّة، أو حرق جاريته معه، أو مَنْ كان يُحِبُّه من الناس، والناس يعلمون ذلك ويُشاهدون هذا الأمر، فكانت أوربا بصفة عامَّة قبل الفتح الإسلامي يسودها التخلُّف والظلم والفقر الشديد، والبُعد التامُّ عن أي وجه من أوجه الحضارة أو المَدَنية[2].
ودامت همجية أوربا البالغة زمنًا طويلاً من غير أن تشعر بها، ولم يبدُ في أوربا بعض الميل إلى العلم إلاَّ في القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر الميلاديين[3].
القوط يحكمون الأندلس
القوط الغربيون
في أواخر القرن الرابع الميلادي استطاع القوط الغربيون بقيادة ألاريك أن يُسيطروا على مصائر القسم الغربي من الإمبراطورية الرومانية؛ بما قَدَّمُوه من خدمات أوصلت الإمبراطور الروماني تيودوسيوس إلى العرش، فلما مات الإمبراطور عام (395م) أصبح ألاريك -زعيم القوط الغربيين- أقوى قائد في غرب أوربا ووسطها، فما لبث أن حاول السيطرة على روما نفسها (عاصمة الإمبراطورية الرومانية) ونجح في هذا فعلاً عام (410م) في مأساة لا يزال يتذكرها التاريخ الأوربي.
وفي هذه الفترة كانت الدولة الرومانية قد سمحت لقبائل الوندال الهمجية -التي تستوطن شبه الجزيرة الأيبيرية- بالاستقرار في منطقة الشمال الغربي من الجزيرة؛ بشرط ألا تُهَدِّد استقرار المناطق الأخرى، غير أن كثرة القبائل وهمجيتها وضعف الدولة الرومانية، جعل هذه القبائل تُسيطر على كل الجزيرة -تقريبًا- وتُهَدِّد بلاد الغال (فرنسا الآن) -أيضًا- وتمارس تخريبًا همجيًّا كبيرًا.
ثم انتهى غبار الصراع في روما بموت ألاريك فَخَلَفه أطاووف في زعامة القوط الغربيين، وتطوَّرت الأحوال إلى أن أقرَّت الإمبراطورية الرومانية أطاووف في جنوب بلاد الغال، ثم سَلَّطَتْه على قبائل الوندال، فاستمرَّ زحف القوط الغربيين الأقوياء يُنهي ويضغط ويطرد قبائل الوندال إلى الجنوب، وفي أثناء تراجع الوندال كانوا يُخَرِّبُون ما بقي من حضارة الرومان في شبه الجزيرة، إلى أن انتصر القوط الغربيون وأحكموا سلطانهم على الجزيرة؛ خاصة في عهد الزعيم القوي (واليا Valia).
لم يلبث الأمر كثيرًا حتى تضعضعت الإمبراطورية الرومانية؛ مما جعل القوط الغربيين يستقلُّون عن الإمبراطورية بحكم شبه الجزيرة، واتخذ (يوريك Euric) لقب الملك في عام (467م)، وهو يُعَدُّ المؤسس الحقيقي لدولة القوط الغربيين، الذين سيُعرفون باسم (القوط) في كل مراحل التاريخ اللاحقة[4].
لذريق زعيم القوط
قبل الفتح الإسلامي لإسبانيا بسنة أو تزيد قام أحد رجال الجيش واسمه لُذريق بالاستيلاء على السلطة وعزل الملك غِيطشَة[5]، وغداةَ الفتح الإسلامي كان لُذريق هو حاكم البلاد[6].
كانت إسبانيا قبل الفتح الإسلامي تشكو الاضطراب والفساد الاجتماعي، والتأخُّر الاقتصادي وعدم الاستقرار؛ نتيجة السياسة ونظام المجتمع السائد، والسلطة الفاسدة، لكن هذا لا يعني أن هذه السلطة لم تكن قادرة على الدفاع، كما لا يعني انعدام قوتها السياسية والعسكرية؛ بل كان بإمكانها أن تصدَّ جيشًا مهاجمًا وتُحاربه وتقف في وجهه؛ فقد أقام القوط في إسبانيا دولة اعْتُبِرَتْ أقوى الممالك الجرمانية حتى أوائل القرن السادس الجرماني، وبقيت بعد ذلك تتمتَّع بقوة عسكرية مُدَرَّبة وقوية، تقارع الأحداث وتقف للمواجهات[7].
[/size]

[size]
 
[1]أبو عبيد البكري: جغرافية الأندلس وأوربا (من كتاب المسالك والممالك)، ص81.
[2] أبو عبيد البكري: جغرافية الأندلس وأوربا (من كتاب المسالك والممالك) ص186، 187.
[3] جوستاف لوبون: حضارة العرب ص567.
[4] للمزيد؛ انظر: حسين مؤنس: فجر الأندلس؛ دراسة في تاريخ الأندلس من الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الأموية (711 -756م)، ص15 ومابعدها.
[5] غِيطشَة أو ويتزا. انظر: ستانلي لين بول: قصة العرب في إسبانيا، ص9.
[6] عبد الرحمن حجي: التاريخ الأندلسي ص30.
[7] عبد الرحمن حجي: التاريخ الأندلسي ص30، 31.
[/size]
[size]

التاريخ الأندلسي .. زهرة التاريخ الإسلامي
د. راغب السرجاني





[/size]


[size=18]لماذا نكتب في التاريخ؟

لأن هذا الكون وكل ما فيه يسير على سُنَنٍ ثابتة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل، وأننا في حاجة لإدراك هذه القوانين؛ كي نتمكَّن من استعمال نِعَمِ الله الكثيرة التي خلقهاوسخَّرها لنا في هذا الكون؛ بل لكي نستطيع أن نحيا الحياة الصحيحة باستيعابنا للتجارب السابقة التي جرت عليها سنن الله في كونه، ذلك أن هذه السنن لا تتغيَّر ولا تتبدَّل ولا تتحوَّل، قال :
 {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43].

إنها قاعدة قرَّرها الله I في كتابه، وجعلها -أيضًا- من سننه الثوابت، التي يمكن للجميع إدراكها واستغلالها؛ ومن أبسط الأمثلة العملية على هذا: أننا نجد أن الماء يغلي عند درجة مائة مئوية، وسيظلُّ يغلي عند هذه الدرجة إلى يوم القيامة، فمن رحمته I أن ثَبَّت لنا هذا الأمر؛ إذ لو كان الماء يغلي اليوم عند درجة ثلاثين -مثلاً- وغدًا عند درجة خمسين، وبعد غدٍ عند سبعين فلن تستقيم حياة الناس، ولن تستقرَّ أمورهم؛ لأن كل يوم مغاير للآخر، وكل شكلٍ فيه تبدُّل وتحوُّل لم يُعهَد من قبل.
كذلك النار؛ تحرق وستظلُّ تحرق إلى يوم القيامة..
صحيح أن ثمة استثناءات لا يُبنى عليها، فتلك النار التي من أهمِّ خصائصها الإحراق لم تحرق إبراهيم ، فهذا استثناء أو هي معجزة، والمؤمن الكيِّس لا ينتظر المعجزات ولا يبني على الاستثناءات، ولا يتخذها قواعد، إنما يبني على القوانين التي يمكنه أن يُدرك بنفسه أنها ثابتة؛ إن أحدًا لا يمكنه أن يضع يده -مثلاً- في النار! ثم يقول: قد يحدث لي مثلما حدث لإبراهيم . فذلك غير جائز، ولا يصحُّ أن يتفوَّه به أحدٌ؛ لأنه لا يتوافق مع سُنَنِ الله التي أقرَّها في كونه، وقِسْ على ذلك ما شئت؛ فالإنسان والحيوان بصفة عامَّةٍ لا يستطيع أن يعيش بدون طعام أو شراب، ولو امتنع أي إنسان عن الطعام والشراب فترة فمآله -لا محالة- إلى الموت.
التاريخ والواقع
إن لله I سننًا ثابتة في تغيير الأمم وتبديل أحوالها؛ سواء كان هذا التبديل من الضعف إلى القوة، أو كان من القوة إلى الضعف، فبحسب الطريق الذي تسلكه كل أُمَّة تكون خاتمتها، ونحن حينما نقرأ في التاريخ ونُقَلِّب في صفحاته نُشاهد سنن الله I في التغيير والتبديل؛ فالتاريخ يُكَرِّر نفسه بصورة عجيبة، حتى والله! لَكَأَنَّك وأنت تقرأ أحداثًا حدثت منذ ألف عامٍ أو يزيد - تشعر وكأنها الأحداث نفسها التي تتمُّ في هذا الزمن، مع اختلاف في الأسماء والتفاصيل فحسب.

فأنت حين تقرأ تاريخ الماضي فكأنك تقرأ أحداث المستقبل بتفصيلاتها؛ ذلك أن أحداث المستقبل هذه لن تتمَّ إلاَّ على هذه السنن الثابتة، التي جعلها الله في تبديل الأمم وتغيير أحوالها؛ فانظر في أي طريق تسير الآن لتعرف إلى أي مصير ستصل، والمؤمن العاقل هو الذي لا يبدأ من الصفر فيُكَرِّر كل ما فعل السابقون، وإنما يقف أمام تاريخهم فيسير على درب مَنْ أصاب فأفلح، ويبتعد عن طريق المخطئين الخاسرين.
وفي تاريخ الأندلس خير دليل على هذا؛ لذلك فنحن نحاول تحليل هذا التاريخ تحليلاً دقيقًا؛ نحاول أن نُقَلِّب صفحاتٍ ونُظهر أحداثًا قد علاها التراب أعوامًا وأعوامًا، نحاول أن نُظهر ما حاول الكثيرون أن يطمسوه، أو يُخرجوه لنا في صورة باطلٍ وهو حقٌّ، أو في صورة حقٍّ وهو باطلٌ؛ فكثيرٌ يحاولون أن يُزوِّروا تاريخنا الإسلامي، وهي جريمة خطيرة جدُّ خطيرة، يجب أن يُتصدَّى لها.
لماذا تاريخ الأندلس؟
لأن تاريخ الأندلس يشمل أكثر من ثمانمائة سنة كاملة من تاريخ الإسلام، وتحديدًا من عام (92هـ=711م) إلى (897هـ= 1492م)؛ أي ثمانمائة وخمس سنين (هجريًّا)، هذا إذا أغفلنا التداعيات التي أعقبت ما بعد عام 897هـ، فهي فترة ليست بالقليلة من تاريخ الإسلام؛ فمن غير المقبول إذًا ألاَّ يعرف المسلمون تفاصيل فترة شغلت في الزمن أكثر من ثلثي التاريخ الإسلامي، هذا أمر.

والأمر الآخر أن تاريخ الأندلس لطول فترته، مرَّ فيه كثير من دورات التاريخ التي اكتملت ثم انتهت، فسنن الله في تاريخ الأندلس واضحة للعيان؛ فقد قام فيه كثير من الدول وارتفع نجمها، وسقط فيه -أيضًا- كثير من الدول وأفل نجمها، كثير من الدول أصبحت قوية؛ ومن ثَمَّ راحت تفتح ما حولها من البلاد، وكثير منها أصبحت ضعيفة، وأصبحت لا تستطيع حماية أرضها، أو تعتمد على غيرها في حمايتها؛ مثلما يحدث الآن، وظهر -أيضًا- في تاريخ الأندلس المجاهد الشجاع، وظهر الخائف الجبان، ظهر التقيُّ الورع، كما ظهر المخالف لشرع ربه I. ظهر في تاريخ الأندلس الأمين على نفسه وعلى دينه وعلى وطنه، وكذلك الخائن لنفسه ودينه ووطنه، ظهرت كل هذه النماذج، وتساوى فيها الجميع؛ حاكم ومحكوم، عالم وأمِّيٌّ.
وما من شكٍّ أن دراسة مثل هذه الأمور يُفيد كثيرًا في استقراء المستقبل للمسلمين.
أحداث في تاريخ الأندلس
من الضروري أن نعرف موقعة وادي برباط؛ تلك الموقعة التي تُعَدُّ من أهمِّ المعارك في التاريخ الإسلامي، ليس لأنها الموقعة التي فُتحت فيها الأندلس فقط؛ ولكن لأنها تُشَبَّه في التاريخ بموقعتي اليرموك والقادسية، ومع ذلك فإن الكثير من المسلمين لا يسمع من الأساس عن وادي بَرْبَاط.

ومن الضروري -أيضًا- أن نعلم هل قصة حرق السفن -التي يُقال: إنها حدثت في عهد طارق بن زياد -رحمه الله- حقيقة أم من نسج الخيال؟ كثير من الناس لا يعلم حقيقة وتفاصيل هذه القصة، وكيف حدثت، إنْ كانت قد حدثت؟ وإذا لم تكن حدثت في الأصل فلماذا انتشرت بين الناس؟!
ثم يجب أن نعرف مَنْ يكون عبد الرحمن الداخل -رحمه الله؛ ذلك الرجل الذي قال عنه المؤرخون: لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام بالكلية من بلاد الأندلس.
كما يجب أن نعرف مَنْ هو عبد الرحمن الناصر، أعظم ملوك أوربا في القرون الوسطى على الإطلاق؛ ويجب أن نعرف كيف وصل إلى هذه الدرجة العالية؟ وكيف أصبح أكبر قوة في العالم في عصره؟
وكذلك يوسف بن تاشفِين -رحمه الله- القائد الرباني، صاحب موقعة الزلاقة، يجب أن نعرفه ونعرف كيف نشأ؟ وكيف ربَّى الناس على حياة الجهاد؟ وكيف تمكَّن من الأمور؟ بل وكيف ساد دولةً ما وصل المسلمون إلى أبعادها في كثير من فتراتهم؟
وأبو بكر بن عمر اللمتوني.. هذا المجاهد الذي دخل الإسلامَ على يده أكثرُ من خمس عشرة دولة إفريقية.
ومن المهم -أيضًا- أن نتعرَّف على أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي، صاحب موقعة الأركِ الخالدة؛ تلك التي دُكَّت فيها حصون النصارى، وانتصر فيها المسلمون انتصارًا ساحقًا.
كما يجب أن نعرف دولة المرابطين وكيف قامت؟ ودولة الموحدين وكيف قامت؟
ومن الضروري أن نعرف مسجد قُرْطُبَة، ذلك المسجد الذي كان يُعَدُّ أوسع مساجد العالم، وكيف حُوِّل إلى كنيسة ما زالت قائمة إلى اليوم؟! وكذلك مسجد إِشْبِيلِيَة ينبغي أن نعرفه.
وينبغي أن نعرف جامعة قُرْطُبَة والمكتبة الأموية، وقصر الزهراء ومدينة الزهراء..
ينبغي أن نعرف قصر الحمراء، وغيرها من الأماكن الخالدة التي أمست رسومًا وأطلالاً، وهي اليوم في عِدَاد أفضل المناطق السياحية في إسبانيا، وتُزار من عموم الناس؛ سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين.
موقعة العقاب تلك التي مُنِيَ فيها المسلمون بهزيمة ساحقة، رغم تفوُّقهم على عدوِّهم في العدد والعُدَّة، وكأنَّ موقعة حُنَيْن عادت من غابر التاريخ؛ لتروي أحداثها في موقعة العقاب، تلك الموقعة التي قال عنها المؤرخون: بعد موقعة العقاب لم يُرَ في الأندلس شابٌّ صالحٌ للقتال.
كما يجب أن نعرف كيف سقطت الأندلس؟ وما عوامل السقوط؟ التي إن تكرَّرت في أُمَّة من المسلمين سقطت لا محالة بفعل سنن الله الثابتة.
ثم كيف وأين سطعت شمس الإسلام بعد سقوط الأندلس؟ كيف جاء غروب شمس الإسلام في الأندلس -في غرب أوربا- متزامنًا مع إشراقها وسطوعها في القسطنطينية شرق أوربا؟
كما يجب ألاَّ ننسى مأساة بَلَنْسِيَة، وكيف قُتِل ستون ألف مسلم في يوم واحد؟ وما أحداث مأساة أُبَّذَة؟ وكيف قُتل ستون ألف مسلم آخرون في يوم واحد؟
ثم يجب أن نذكر دائمًا مأساة بَرْبُشْتَر، وكيف قُتل أربعون ألف مسلم في يومٍ واحدٍ، وسُبيت سبعة آلاف فتاة بِكْر من فتيات بَرْبُشْتَر؟! وقد شاهدنا هذه الأحداث الغابرة تُعِيد التحدُّث عن نفسها في البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد المسلمين.
لو عرفنا هذا كله، وعرفنا ردَّ فعل المسلمين، وكيف قاموا من هذه المآسي المفزعة، لعرفنا كيف ننهض الآن ونقوم.
تساؤلات في التاريخ الأندلسي
نعلم أن كثيرًا من التساؤلات، بعد قراءة هذه المقالات ستظل في حاجة إلى إجابة.. إن اتساع مساحة الفترة التاريخية التي نتناولها تجعل من العسير –إن لم يكن من المستحيل- أن نستوعب كل ما يمكن أن يُكتب فيها في مثل هذه المساحة المرصودة للمقالات؛ لذا فلقد حاولنا قدر الاستطاعة وفي حدود ما هو متاح أن نُقَدِّم «قصة الأندلس» كملامح عامة لهذه الفترة التاريخية الثريَّة، كي تكون في ثوبها المختصر ماثلة في الأذهان قريبة من أكبر عدد من شرائح القراء، ولا سيما الشباب الذين هم عدة الحاضر وبشارة المستقبل.

كما أن بعض الأسئلة ستظلُّ بلا إجابة؛ لأن بعض فترات الأندلس تعاني من ندرة في المصادر، ذلك أنه -وحتى هذه اللحظة- ما زال الكثير من نفائس وذخائر التراث الإسلامي الأندلسي والمغربي في حكم المفقود؛ فإما هي كتب مفقودة بالكامل لا يُعرف إلى أين أخذتها يد الزمان، كما أن كثيرًا من النفائس ما زالت في هيئتها المخطوطة، وتحتاج إلى أن تمتد إليها أيدي العلماء والباحثين لتحقيقها وضبطها وإخراجها إلى عالم المطبوع؛ فيسهل انتشارها والاستفادة منها.
إلى جانب هذا، فإن المؤرخين -حين يكتبون- فإنما يكتبون الوقائع وعليها ثوب من رؤيتهم وتحليلهم وتفسيرهم لها، ولا شكَّ أن المؤرخ بشرٌ يناله النقص والخطأ وعدم الاستيعاب، ولئن كان تاريخنا الإسلامي قد تميز بوجود مؤرخين لا يترددون في أن يذكروا للشخصية العظيمة مثالبها، وأيضًا يذكرون للشخصية السيئة محاسنها، فإن هؤلاء المؤرخين -أيضًا- ما زالوا بشرًا، تُؤَثِّر صياغاتهم ومواقفهم وميولهم على التحليل والتفسير للوقائع التاريخية.
لكننا اجتهدنا ما وسعنا الجهد في التقريب والتفسير والترجيح بين ما تعارض من الروايات التاريخية، محاولين الوصول إلى ما نراه الحق، راجين أن يجبر الله عثراتنا، وأن يتقبل منا أعمالنا بقبول حسن.
الأندلس – الفردوس المفقود
إن قصة الأندلس قصة مؤلمة؛ ذلك أننا سنستعرض تاريخًا ومجدًا زاهرًا، ونحن نعلم أن هذا المجد قد انتهى وضاع، وصارت الأندلسُ الفردوسَ المفقود.. إلا أنه لا مناص عن قراءة مقالات هذا المجد السليب، وهذا التاريخ الثريّ.. لنقرأ كيف تقام الأمجاد وكيف تضيع، فلئن كنا نسعى في نهضة أمتنا ورفعتها فَلأَن نسعى ونحن نعلم وندرك خبرة الماضي خير من أن نسعى ولا ماضي لنا ولا خبرة.

إن تاريخ الأندلس بصفحاته الطويلة -أكثر من ثمانمائة عام- يُعَدُّ ثروةً حقيقية.. ثروة ضخمة جدًّا من العلم والخبرة والعِبرة، ومن المستحيل في هذه الدراسة أن نُلِمَّ بكل أحداثه وتفصيلاته، بل لا بُدَّ وأن نُغفِل منه بعض الجوانب؛ ليس تقليلاً من شأنها وإنما اختصارًا للمساحة.
ومن الواجب على الجميع أن يبحث في تاريخ الأندلس -تاريخ ثمانمائة عام- إذ هو يحتاج أكثر وأكثر مما أفردنا له.
[/size]


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في السبت 21 مايو 2016, 9:35 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48948
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا   السبت 21 مايو 2016, 9:29 pm

فتوحات طارق بن زياد في الأندلس
د. راغب السرجاني






طارق بن زياد يتوغل في الشمال فاتحًا
انطلق طارق بن زياد بجيشه الرئيسي نحو طُلَيْطلَة، ووزع باقي الجيش -الذي كثر عدده- في سرايا إلى أنحاء الجزيرة المختلفة؛ توجَّه طارق بن زياد إلى مدينة إِسْتِجَة Ecija وهي -أيضًا- من مدن الجنوب، وكانت فلول القوط قد تجمَّعت بها واستعدَّت لمعركة أخرى مع المسلمين، ففتح في الطريق شَذُونَة ثم مورور، ثم في إِسْتِجَة قاتل المسلمون قتالاً عنيفًا، لكنه -بلا شَكٍّ- أقلُّ مما كان في وادي بَرْبَاط؛ فقد فَقَدَ النصارى معظم قوتهم في موقعة وادي بَرْبَاط، وقبل أن ينتصر المسلمون في أواخر المعركة فتح النصارى أبوابهم وصالحهم طارق على الجزية[1]
وثمة فارق كبير جدًّا بين أن يُصالح النصارى على الجزية، وبين أن يفتح المسلمون المدينة فتحًا؛ لأنه لو فتح المسلمون هذه المدينة فتحًا أي: بالقتال لكان لهم أن يأخذوا كل ما فيها، أمَّا إنْ صالح النصارى على الجزية؛ فإنهم يظلُّون يملكون ما يملكون ولا يدفعون إلاَّ الجزية، التي كانت تُقَدَّر آنذاك بدينارٍ واحد في العام.
خط سير طارق بن زياد
 
من إِسْتِجَة وبجيش لا يتعدَّى تسعة آلاف رجل بدأ طارق بن زياد بإرسال السرايا لفتح المدن الجنوبية الأخرى[2][size=17]، وانطلق هو بقوَّة الجيش الرئيسة في اتجاه الشمال؛ حتى يصل إلى طُلَيْطلَة عاصمة الأندلس آنذاك، فقد بعث بسرية إلى قُرْطُبَة، وسرية إلى غَرْنَاطَة، وسرية إلى مَالَقَة، وسرية إلى مُرْسِيَة، وهذه كلها من مدن الجنوب المنتشرة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، والمطلَّة على مضيق جبل طارق، وكان عدد الرجال في هذه السرايا لا يزيد على سبعمائة رجل، ومع ذلك فقد فُتحت قُرْطُبَة على قوتها وعظمتها بسرية من تلك التي لا تتعدَّى سبعمائة رجل؛ {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} [الأنفال: 17][b][b]، كذلك كانت الحملات الأخرى التي أرسلها إلى غَرْنَاطَة وإِلْبِيرة ومَالَقَة تفتح البلاد والمدن، وفتحت مُرْسِيَة وقاعدتها أوريولة صلحًا
[/b][3].
طارق بن زياد على أعتاب طُلَيْطلَة
وطُلَيْطِلَة مدينة قديمة من مدن إسبانيا تقع في وسط شبه جزيرة أيبريا على مسافة 91 كيلو مترًا جنوب غرب مدريد -العاصمة الإسبانية الحالية- ويُحيط بها نهر التاجو من جهات ثلاث في وادٍ عميق يسقي مساحات شاسعة من أراضيها. 
وكان موسى بن نصير -رحمه الله- الذي اتَّسم بالحكمة والأناة- قد أوصى طارق بن زياد ألاَّ يتجاوز مدينة جَيَّان أو لا يتجاوز مدينة قُرْطُبَة، وأمره ألاَّ يُسرع في الفتح في طريقه إلى العاصمة طُلَيْطِلَة حتى لا يحوطه جيش النصارى[4]
لكن طارق بن زياد وجد أن الطريق إلى طُلَيْطِلَة مفتوحٌ أمامه، وليس فيه صعوبات تُذْكَر؛ فاجتهد رأيه، وعلى خلاف رأي الأمير موسى بن نصير وجد أن هذا هو الوقت المناسب لفتح طُلَيْطِلَة العاصمة، التي تُعدُّ أحصن مدن النصارى على الإطلاق؛ فهي محاطة بجبال من جهة الشمال والشرق والغرب، أمَّا الجهة الجنوبية -وهي الجهة المفتوحة- فقد كان عليها حصن كبير جدًّا، فرأى أنه إن هاجمها في هذه الفترة التي يُصيب النصارى فيها الضعف الشديد، فلن يستطيعوا معه مقاومة جيش المسلمين ويتمكَّن من فتحها، وهذا ما قد يتعذَّر بعد ذلك فلا يستطيع فتحها، وثبتت براعة طارق فقد فتحت المدينةُ أبوابها له، ودخلها دون قتال على قلَّة ما معه، وانعدام المدد من خلفه[5]
ثم لم يكتفِ طارق بفتح العاصمة، بل واصل الزحف شمالاً، فاخترق قشتالة وليون وطارد فلول القوط حتى أسترقة، فلجئوا إلى آخر الشمال الغربي عند جبال جيليقية الشامخة، وعبر طارق جبال أشتوريش استورياس حتى وصل إلى خليج غسقونية بسكونية على المحيط الأطلسي، فكانت هذه نهاية فتوحاته[6]
موسى بن نصير يأتي بالمدد
تَقَدُّمُ طارق بن زياد بهذه السرعة في بلاد الأندلس لم يَنَلْ قَبُولاً لدى موسى بن نصير؛ إذ وجد فيه تهوُّرًا كبيرًا لا يُؤْمَن عواقبه، وكان قد عُرِفَ عن موسى بن نصير الأناةُ والحكمةُ والصبرُ في كل فتوحاته في شمال إفريقيا حتى وصوله إلى المغرب؛ ومن ثَمَّ فقد بعث برسالة شديدة اللهجة إلى طارق بن زياد يأمره فيها بالكفِّ عن الفتح، والانتظار حتى يصل إليه؛ وذلك خشية أن تلتفَّ حوله الجيوش النصرانية. 
وفي أثناء ذلك بدأ موسى بن نصير يُعِدُّ العُدَّة لإمداد طارق بن زياد بعد أن انطلق إلى هذه الأماكن البعيدة الغائرة في وسط الأندلس، فجَهَّز من المسلمين ثمانية عشر ألفًا[7].
من أين جاءوا؟
إن المسلمين من مشارق الأرض ومغاربها قد انهمروا على أرض الأندلس حين علموا أن فيها جهادًا، فقد كان جُلُّ الاثني عشر ألف مسلم الذين فتحوا الأندلس مع طارق بن زياد من الأمازيغ البربر، أمَّا هؤلاء الثمانية عشر ألفًا فهم من العرب الذين جاءوا من اليمن والشام والعراق، اجتازوا كل هذه المسافة البعيدة حتى وصلوا إلى بلاد المغرب، ثم عبروا مع موسى بن نصير إلى بلاد الأندلس نصرةً ومددًا لطارق بن زياد.
[/b][/size]

[size]
[1] مجهول:  أخبار مجموعة ص19، وابن عذاري: البيان المغرب 2/8، والمقري: نفح الطيب 1/260.
[2] مجهول:  أخبار مجموعة ص19، والمقري: نفح الطيب 1/260، 261، وحسين مؤنس: فجر الأندلس ص72 وما بعدها، ومحمد سهيل طقوش: تاريخ المسلمين في الأندلس ص41 وما بعدها.
[3] محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 1/50.
[4] ابن كثير: البداية والنهاية 9/99، وابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 4/117، والمقري: نفح الطيب 1/223.
[5] مجهول:  أخبار مجموعة ص23، 24، والمقري: نفح الطيب 1/264، 265.
[6] محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 1/51.
[7] مجهول: أخبار مجموعة ص24.
[/size]



عصر الولاة في الأندلس
د. راغب السرجاني






عصر الولاة
بعد انتهاء عهد الفتح يبدأ عهد جديد في تاريخ قصة الأندلس يُسمَّى عصر الولاة، الذي يبدأ من عام 95هـ=714م ويستمرُّ مدَّة اثنين وأربعين عامًا حيث ينتهي عام 138هـ=755م [1]، وعهد الولاة يعني أنَّ حُكم الأندلس في هذه الفترة كان يتولاَّه رجل يتبع الحاكم العام للمسلمين، وهو الخليفة الأموي الموجود في دمشق في ذلك الوقت.
وإذا نظرنا إلى عصر الولاة نرى أنه قد تعاقب فيه على حكم الأندلس اثنان وعشرون واليًا، أو عشرون واليًا تولَّى اثنان منهم مرتين[2]؛ فيُصبح مجموع فترات حكم الأندلس اثنتين وعشرين فترة خلال اثنين وأربعين عامًا؛ أي أن كل والٍ حكم سنتين أو ثلاث سنوات فقط.
ولا شكَّ أن هذا التغيير المتتالي للحكام قد أثَّر تأثيرًا سلبيًّا على بلاد الأندلس، إلاَّ أن هذا التغيير في الواقع كان له ما يُبَرِّرُه؛ حيث كان هناك في بادئ الأمر كثيرٌ من الوُلاة الذين يُستَشْهَدون أثناء جهادهم في بلاد فرنسا، ثم جاءت مرحلة كان فيها كثيرٌ من الوُلاة يُغَيَّرون عن طريق المكائد والانقلابات والمؤامرات.. وما إلى ذلك.
ومِنْ هنا نستطيع أن نُقَسِّم عهد الولاة بحسب طريقة الإدارة وطريقة الحكم إلى فترتين رئيستين مختلفتين تمامًا؛ حيث كانت الفترة الأولى فترة جهاد وفتوح وعظمة للإسلام والمسلمين، وتمتدُّ من بداية عهد الولاة من عام 95هـ=714م وحتى عام 123هـ=741م؛ أي: سبعة وعشرين عامًا.
وكانت الفترة الثانية فترة ضعف ومؤامرات ومكائد وما إلى ذلك، واستمرَّت من سنة 123هـ=741م وحتى سنة 138هـ=755م؛ أي مدَّة خمس عشرة سنة، وفي تناولنا لفترتي عهد الولاة هاتين لن ندخل في ذكر تفاصيل كُلٍّ منهما، وإنما سنقتصر على بعض الولاة فقط؛ لما لهم من الأهمية في دراستنا هذه.
عهد القوة
بصفة عامَّة تميَّزت الفترة الأولى من عهد الولاة بعِدَّة أمور؛ كان من أهمها:
نشر الإسلام في بلاد الأندلس
بعد أن تمكَّن المسلمون من توطيد أركان الدولة الإسلامية في هذه البلاد بدءوا يُعَلِّمون الناس الإسلام، ولأن الإسلام دين الفطرة فقد أقبل عليه أصحاب الفِطَر السوية من الناس عندما عرفوه، فاختاروه بلا تردُّد؛ فلقد وجد الإسبان في الإسلام دينًا متكاملاً شاملاً يُنَظِّم كل أمور الحياة، وجدوا فيه عقيدة واضحة وعبادات منتظمة، وجدوا فيه تشريعات في السياسة والحكم والتجارة والزراعة والمعاملات، وجدوا فيه تواضع القادة الفاتحين، وجدوا فيه كيفية التعامل والتعايش مع الأخ والأب والأم والزوجة والأبناء والجيران والأقرباء والأصدقاء، ووجدوا فيه كيفية التعامل مع العدوِّ والأسير، ومع كل الناس.
لقد تعوَّد الإسبان في حياتهم -قبل ذلك- فصلاً كاملاً بين الدين والدولة؛ فالدين عندهم لا يعدو أن يكون مجرَّد مفاهيم لاهوتية غير مفهومة، يتعاطونها ولكن لا يستطيعون تطبيقها، وفي التشريعات والحكم يُشَرِّع لهم مَنْ يحكمهم وَفق هواه، وحسبما يُحَقِّق مصالحه الشخصية، أمَّا في الإسلام فقد وجدوا أن الأمر يختلف عن ذلك تمامًا؛ فلم يستطيعوا أن يتخلَّفوا عن الارتباط به والانتساب إليه؛ فدخلوا فيه أفواجًا.
وفي مدَّةٍ قليلة أصبح عموم أهل الأندلس السكان الأصليين يدينون بالإسلام، وأصبح المسلمون من العرب والأمازيغ البربر قلَّةً بينهم، وأصبح أهل الأندلس هم جند الإسلام وأعوان هذا الدين[3]، وهم الذين اتَّجَهُوا بعد ذلك إلى فتوحات بلاد فرنسا.
نشأة جيل المولَّدين
كان من جرَّاء انصهار وانخراط الفاتحين بالسكان الأصليين، وانتشار الإسلام بصورة سريعة أن نشأ جيل جديد عُرِفَ باسم جيل المولَّدين، وهم أبناء الذين أسلموا من أهل الأندلس الأصليين، فقد كان الأب عربيًّا أو أمازيغيًّا بربريًّا والأم أندلسية[4].
إلغاء الطبقية ونشر الحرية العقائدية
ألغى المسلمون الطبقية التي كانت سائدة قبل ذلك؛ حيث جاء الإسلام وساوى بين الناس جميعًا؛ حتى كان الحاكم والمحكوم يقفان سويًّا أمام القضاء للتحاكم في المظالم، وعمل المسلمون في هذه الفترة على إتاحة الحريَّة العقائدية للناس؛ فتركوا للنصارى كنائسهم، وما هدموها قطُّ، وما كانوا يُحَوِّلونها إلى مساجد إلاَّ إذا وافق النصارى على بيعها لهم، وكان بيع الكنائس للمسلمين يُقَدَّر بأثمانٍ باهظة، أمَّا إن رفضوا بيعها تركها المسلمون لهم[5].
وهذه المواقف العظيمة إنما كانت تحدث والنصارى محكومون من قِبَل المسلمين، وعلينا أن نَعِيَ هذا الأمر جيدًا، ونقارن صنيع المسلمين هذا بما فعله النصارى بعد انتهاء الحكم الإسلامي في بلاد الأندلس، فيما عُرِفَ باسم محاكم التفتيش الإسبانية.
الاهتمام بالحضارة المادية
اهتمَّ المسلمون في هذه الفترة بتأسيس الحضارة المادية أو المدنية؛ فأسَّسوا الإدارة، وأقاموا العمران، وأنشئوا القناطر والكباري؛ ومما يدلُّ على براعتهم في هذا الأمر تلك القنطرة العجيبة التي تُسَمَّى قنطرة قُرْطُبَة[6]، وكانت من أعجب القناطر الموجودة في أوربا في ذلك الزمن، كذلك أنشأ المسلمون دورًا للأسلحة وصناعة السفن، وبدأت الجيوش الإسلامية تقوى وتتعاظم في هذه المنطقة.
تقليدُ الإسبانِ للمسلمين في كل شيء
كان من السمات المميِّزة -أيضًا- في هذه الفترة الأولى من عهد الولاة أن الإسبان بدءوا يُقَلِّدُون المسلمين في كل شيء؛ حتى أصبحوا يتعلَّمُون اللغة العربية التي يتكلَّمها الفاتحون، بل كان الإسبان النصارى واليهود يفتخرون بتعليم اللغة العربية في مدارسهم.
اتخاذ المسلمين قُرْطُبَة عاصمة لهم
كذلك كان من بين السمات المميزة لهذه الفترة -أيضًا- أن اتخذ المسلمون قُرْطُبَة عاصمةً لهم[7]؛ وقد كانت طُلَيْطِلَة في الشمال قبل ذلك هي عاصمة الأندلس، ولكن وجد المسلمون أنها قريبة من فرنسا وقريبة من منطقة الصخرة، وهما من مصادر الخطر عليهم؛ فرأوا أن طُلَيْطِلَة بذلك مدينة غير آمنة؛ ومن ثَمَّ فلا يمكن أن تكون هي العاصمة؛ لذلك اختاروا مدينة قُرْطُبَة، التي تقع في اتجاه الجنوب؛ لانتفاء الأسباب السابقة، وحتى تكون -أيضًا- قريبة من المدد الإسلامي في بلاد المغرب.
الجهاد في فرنسا
كان الجهاد في فرنسا من أهم السمات المميزة لهذه الفترة من عهد الولاة، فاتخذت خطوات كبيرة في هذه الفترة، وسنذكر بعض الولاة الذين كان لهم سَبْقٌ وحضور في عملية الجهاد في بلاد فرنسا.


[size]
[1] المقري: نفح الطيب 1/298-300.
[2] الحميدي: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس 1/3-8، والمقري: نفح الطيب 1/298-300.
[3] مما يدل على ذلك قول السمح بن مالك –رحمه الله- في كتابه إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز –رحمه الله - أمير المؤمنين- عندما أراد أن يخلي الأندلس من المسلمين: «إن الناس قد كثروا بها وانتشروا في أقطارها، فاضرب عن ذلك». والناس هنا المقصود بهم المسلمين. انظر: ابن عذاري: البيان المغرب 2/26، وحسين مؤنس: فجر الأندلس ص340، 341.
[4] انظر في تفصيل ذلك: حسين مؤنس: فجر الأندلس ص344، 350.
[5] حول أوضاع أهل الذمة في الأندلس انظر دراسة حسين مؤنس: فجر الأندلس ص350-409.
[6] مجهول: أخبار مجموعة ص30، وابن عذاري: البيان المغرب 2/26، والمقري: نفح الطيب 1/235، 480، 3/15.
[7] ابن عذاري: البيان المغرب 2/25، والمقري: نفح الطيب 3/14.
[/size]


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في السبت 21 مايو 2016, 9:38 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48948
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا   السبت 21 مايو 2016, 9:30 pm

الفتح الإسلامي لبلاد البرتغال(1)
محمد القاضي





صورة من داخل المسجد الجامع في لشبونة


[size=18]البرتغال قبل الفتح الإسلامي:
كانت البرتغال قبل الفتح الإسلامي تعرف ببلاد (لوزيتانيا)، وقد خضعت للحكم الروماني منذ سنة (137 ق.م)، وطبعت بطابعهم الحضاري والديني واللغوي والمعماري، ووفرت القلاع الرومانية الأمن والنظام لجميع أنحاء البلاد، وأجبروا سكان المرتفعات على أن يستقروا في المناطق المنخفضة، وتجمع السكان خلال تلك الفترة في الولايات البرتغالية اليوم:
EMERITENSIS-BARACARENSIS- LUCENSIS.

وفي بداية القرن الخامس الميلادي، وقعت في قبضة إحدى القبائل الجرمانية (السويف)، الذين صادروا بيوتات وثروات اللوزيتانيين -الرومان (LUSIO-ROMAN)، وسيطروا على الكثير من الحقول الغنية والمزارع في المنطقة (ويخبرنا المؤرخ "OROSIUS" أن السويف قد حولوا سيوفهم إلى محاريث، فزرعوا الأرض حسب شروط واتفاقات جيدة مع الفلاحين اللوزيتانيين - الرومان) [1].
لقد أنشأ السويف دولة قائمة على أسس قومية مستقلة ذات نظام ملكي وراثي، وأثروا تأثيرا حضاريا كبيرا في الشعب اللوزيتاني القديم. وهكذا تأثرت كل من الزراعة والصيد والبحرية والبناء والأسلحة والحرب والسياسة والموسيقى والفولكلور والعادات، وبقية مظاهر الحياة الأخرى بالسويف الذين امتزجوا كليا بسكان البلاد الأصليين. وفي سنة (576م) احتل البيزنطيون جنوبي البرتغال الحالية، وبعض المناطق الأخرى مثل: (ALENTEJO) ومدينة (MYRTILIS) التي كانت أحد المواقع العسكرية المهمة للسويف، وفي سنة (585م) توحدت مملكة السويف مع مملكة القوط الغربيين بعد إجراء عسكري من قبل الملك القوطي (LEOVIGILD) الذي استدعي من طرف إحدى جماعات السويف لغرض تثبيت سيطرتها على بقية الفئات. ومع هذا فقد احتفظت مملكة السويف بسلطاتها ومنظماتها القومية والدينية على الرغم من القوة المركزية لمجالس طليطلة عاصمة القوط الغربيين. وفي سنة (621م) سيطر القوط الغربيون على جنوبي البرتغال الذي كان تحت النفوذ البيزنطي [2].
تاريخ الفتح الإسلامي للبرتغال:
شكلت البرتغال جزءا من تاريخ إسبانيا الإسلامية أو الأندلس الكبرى، فقد كانت ضمن المناطق التي شملها الفتح العربي لشبه الجزيرة الإيبيرية، وذلك بعد حرب عنيفة وجهد متصل (دام أربع سنوات إلا أشهرا (بدأ الفتح في رجب 92هـ وانتهى في أوائل 96هـ). وقد فتح المسلمون خلال تلك السنوات القلائل هذه الجزيرة الضخمة من أقصى الجنوب إلى جبال البرت وشاطئ البحر في الشمال ومن مالقة وطركونة في الشرق إلى قلمرية وأشبونة في الغرب، واستولوا فيها على سهول الجنوب وعلى مرتفعات قشتالة ونواحي الجوف (اكستريمادورا) القاحلة، ولم يغادروا بلدا عظيما أو حصنا مهما إلا رفعوا عليه راية الإسلام، وأدخلوه في حوزة الدولة الإسلامية الكبرى) [3].

وكان المسلمون حينما فتحوا نواحي الغرب سنة (97هـ / 716م) قد قبلوا من أهل قلمرية (صلحهم وأقروا البلد على حاله، وأقام عبد العزيز بن موسى بن نصير عليه حاكما عربيا تسميه وثيقة لاتينية:
ALBOACEM IBN MAHAMAT ALHAMAR IBN TARIF""

وربما كانت صحة الاسم العربي أبا عاصم بن محمد الأحمر بن طريف في سنة (97هـ / 716م). وكانت المدينة إذ ذاك عامرة وبها كنيسة كبيرة فأقام خلفه ابنه (أتانا جيلدو) (ATANAGILDO) وأعقبه ابنه (قيودوس) (THEODUS)، وأقام على الأسقفية قسّاً يسمى (لوربان) (LORBAN). واستمر أمر البلد على هذا الحال من الاستقلال تحت السيادة الإسلامية العليا حتى سقطت في يد النصارى سنة (450هـ / 1058م)، وحول هذا البلد تكونت فيما بعد إمارة البرتغال وحلت محل ولاية لشدانية (لوزيتانيا) الرومانية، وإنما أشرنا إلى ذلك لنضع أيدينا على أوائل فتح المسلمين للبرتغال وحكمهم إياها) [4].
البرتغال في العهد الإسلامي:
وقد عرفت البرتغال في العهد الإسلامي باسم الغرب أو باسم (كور) أو مدن واقعة فيه كأشبونة (لشبونة اليوم) التي كانت جزءا من كورة (باجة) ثم أصبحت كورة مستقلة تتبعها: شنترين، وشنترة، والمعدن [5] وبلمانة، وقصر أبي دانس، وإلى الشمال منها كانت كورة قلمرية (COIMBRA اليوم) حتى نهر دوير، أي أن كل أراضي البرتغال الحالية.

(وكان العرب هم الذين أطلقوا اسم (برتغال) على شمال هذه المنطقة، سموها باسم المدينة الواقعة على مصب نهر دويرو في المحيط الأطلسي، وهو تعريب لاسمها اللاتيني القديم (PORTOCALE)، وقد اختصر الاسم فأصبح (PORTO) (الميناء)، بينما اصطنع البرتغاليون الاسم الذي أطلقه العرب على المنطقة الشمالية فوسعوا دلالته إلى بلادهم كلها بدلا من الاسم القديم (لوزيتانيا)) [6].
ولأبي عبيد البكري نص تفصيلي ومهم للتقسيم الإداري لإسبانيا, وجعلها ستة أجزاء وخص أراضي البرتغال (اليوم) القسم الخامس (قاعدة مدينة ماردة), وأضاف إليها اثنتي عشرة مدينة ذكر منها عشرًا وهي: باجة - أكشونية – يابرة – شنترة – شنترين – الأشبونة – قلمرية - قورية – شلمنتقة = سلامنكا – صمورة [7].
ويذكر محمود علي مكي أن معظم العرب الذين نزلوا بتلك الكور الغربية ينتمون إلى قبائل زهرة وثقيف من العرب العدنانية، وإلى أوس والقبائل الحضرمية من عرب اليمن. كما ساكن هؤلاء عدد من القبائل البربرية من صنهاجة وكتامة ونفزة ومصمودة وهوارة، وقد بقي الكثير من أسماء هؤلاء ماثلا حتى اليوم في أسماء مدن البرتغال وقراها [8].
وقد ذهب (سيزار دوبلر) في بحث قيم عن (منازل البربر في الأندلس) يبحث عن أسماء المواضع الإسبانية التي يمكن ردها إلى أصل بربري، واستنتج من هذه الأسماء أن البربر لا بد أن يكونوا قد سكنوها وأعطوها أسماءهم. واستطاع بذلك اكتشاف الكثير من منازل البربر مما لم يسجله المؤرخون، ونذكر منها ما يتعلق بالبرتغال الحالية وهي [9]:
- نسبة إلى بربر وهران - VILLA NOVA DEOUREM
- نسبة إلى بربر تونس - TUNIS
- نسبة إلى بربر القيروان ALQUERUBIN-
- نسبة إلى بربر أرزيلا وهي أصيلا (المغرب) ARZILA -
- قرب جواردا/ نسبة إلى بني برزال (زناتة) -BARASAL
- نسبة إلى صنهاجة AZINHAGA -
- نسبة إلى كتامة COTIMOS و AL COUTIM-
إضافة إلى قصر أبي دانس الذي ينسب لبني دانس بن عوسجة (وهم بطن من قبيلة مصمودة)، وقد سميت المدينة بعد ذلك (قصر الملح)، واسمها البرتغالي الحالي هو (ALCACERDOSAL) على مقربة من قلمرية [10].
وقد أشار ليفي بروفنسال إلى أنه ربما كان الطابع البربري أظهر وأوضح اليوم في إسبانيا وجنوبي البرتغال من الطابع العربي بالمعنى الدقيق لهذا اللفظ، وذلك في كثير من ظواهر الحياة الريفية والنشاط الزراعي [11].
وعلى العموم فقد انتشر العرب والبربر في نواحي قلمرية وشنترين وإشبونة وباجة ويابرة وشلب ومرتلة وقصر ابن دانس وشنترة التي شكلت البرتغال الحالية، وانصهروا مع أهلها الذين تبنوا عادات وتقاليد الفاتحين إلى حد كبير، وتكاثر عددهم، وشكلوا قوة فاعلة في المجالين السياسي والاقتصادي.
حرب الاسترداد البرتغالية:
على أن امتزاج هذه العناصر لم يتم دائما في سهولة ويسر، ولهذا لم تخل حياة البرتغال الإسلامية خلال القرنين الأولين من ثورات عنيفة مما أتاح الفرصة لبدء ما يسميه النصارى بحرب الاسترداد (RECONQUISTA)، فقام صاحب أشطوريش الفونسو الأول بالسيطرة على شمالي البرتغال الحالية، كما انتهز الفونسو الثاني فرصة انشغال الأمير الحكم بن هشام الربضي بقمع الثورات الداخلية، فاستولى على الأشبونة عام (182هـ / 798م)، وأرسل كتابا بذلك إلى شارلمان في عاصمته (إكس لاشابل).

إلا أن هذا الاستيلاء كان مؤقتا، إذ لم يلبث المسلمون أن استردوها عام (193هـ / 808 - 908م) وانتزى في الأشبونة في العام نفسه مغامر اسمه طومولوس (TUMULUS)، ولكنه هزم في العام نفسه على يد هشام أحد أبناء الأمير الحكم وأعدم في قرطبة، وتمت تهدئة المنطقة كلها ما بين الأشبونة وقلمرية، على أن نهر دويرو لم يصبح حدا فعليا للنصارى قبل عهد الفونسو الثالث الذي استولى على مدينة برتقال (بورتو) عند مصب النهر عام (254هـ / 868م)[12].
[/size]

[size]
[1] انظر دراسة فيلوزو VELOZO عن أثر الحضارة العربية الإسلامية في البرتغال، نشرت بالإنجليزية في مجلة الجمعية التاريخية الباكستانية، عدد 1966,14م، ص53-52، ترجمه إلى العربية عبد الواحد ذنون، نشره في مجلة آفاق عربية، عدد 1, 1980م, ص39.
[2] المرجع نفسه, ص39.
[3] انظر فجر الأندلس، حسين مؤنس, ص 118, الطبعة الأولى, القاهرة 1959م.
[4] المرجع نفسه، ص509-508.
[5] (المعدن) بالاصطلاح الأندلسي والمغربي بمعنى (المنجم) (الدكتور أمين توفيق الطيبي) مجلة الفصول الأربعة الليبية, عدد 19، 1979م، ص130.
[6] انظر مجلة العربي الكويتية, عدد 219, 1977م, ص23 (البرتغال الإسلامية) محمود علي مكي.
[7] نقلا عن فجر الأندلس, حسين مؤنس, مرجع سابق, ص543.
قورية- شلمنتقة- صمورة : CORIA- SALAMANCA- ZAMORA
[8] انظر مجلة العربي, مرجع سابق, ص23.
[9] نقلا عن فجر الأندلس, حسين مؤنس, مرجع سابق, ص382-381.
[10] انظر ما كتبه حسين مؤنس عن قصر أبي دانس في تحقيقه لكتاب الحلة السيراء لابن الأبار, الجزء الثاني, ص272, هامش 1.
[11] انظر تاريخ إسبانيا الإسلامية (بالفرنسية) الجزء الأول, الطبعة الثانية, 1950م, ص88.
[12] انظر عن هذه الأحداث:
- كتاب (دولة الإسلام في الأندلس ... من الفتح إلى بداية عهد الناصر) محمد عبد الله عنان, ص305/304, الطبعة الرابعة, مكتبة الخانجي, القاهرة.
- مجلة الفصول الأربعة, مرجع سابق ص111.
أما عن مدينة برتقال فقد خصص صاحب كتاب (ذكر بلاد الأندلس وفضلها وذكر أصقاعها) مادة لها فقال: "إنها مدينة أزلية من قواعد الأندلس، وكان بها جامع عظيم غَيَّره الروم حين ملكوها، وهي الآن قاعدة الملك الرومي، ولها أسوار عظيمة وأبواب ضيقة وعليها محرث عظيم وأعمال واسعة تحتوي على أكثر من ألفين (كذا) قرية وبها سبعون حصنا وبها الجوز والعنب والتين الكبير. واسم برتقال هو تعريب لفظ PORTUCALE القديم، ولفظ: PORTU/PORTO معناه الميناء. وهذه المدينة الواقعة الآن في شمال البرتغال هي التي تدعى اليوم بالبرتغالية (PORTO) ثاني مدينة في البرتغال بعد لشبونة، وتبعد عنها بنحو 340 كيلومترا. انظر هامش 584 في المقتبس لابن حيان, تحقيق محمود علي مكي, ص635/634 بيروت 1973م".
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48948
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا   السبت 21 مايو 2016, 9:42 pm

ثورة عبد الرحمن بن مروان بالبرتغال(2)
محمد القاضي





مدينة بطليوس التي أسسها عبد الرحمن بن مروان


[size=18]البرتغال في عهد إمارات الطوائف الأولى:
تولى الخلافة عبد الرحمن (الثالث) (الناصر لدين الله) والأندلس تعيش فترة مضطربة بسبب الخلافات السياسية والصراعات الطائفية التي كانت قائمة بين السلطة المركزية والعناصر المكونة للمجتمع الأندلسي (العرب، البربر، المولدون) التي استغلت ضعف حكومة قرطبة، فقامت بثورات عنيفة في جهات مختلفة قادها في البداية المولدون، فالبربر، ثم العرب، أدت إلى ظهور دويلات مستقلة أطلق عليها: (دويلات الطوائف الأولى). نذكر منها -بالنسبة للمولدين- بني قسي أو بني موسى الذين استقلوا بمنطقة سرقسطة أو الثغر الأعلى. ثم بني مروان الجليقي، وقد استقلوا بولاية بطليوس في غرب إسبانيا (حاليا على الحدود البرتغالية). وبني حفصون الذين استقلوا بالمرتفعات الجنوبية الإسبانية الممتدة بين مدينتي رندة غربا ومالقة شرقا, وكانت قاعدتهم قلعة ببشتر [1].

ثورة عبد الرحمن بن مروان الجليقي:
ثار من المولدين عبد الرحمن بن مروان الجليقي (توفي سنة 276هـ) الذي كان يدعو لعصبية المولدين على العرب بناحية ماردة من الثغر الأدنى بعد هروبه من قرطبة سنة (261هـ/ 875م) على إثر إهانة أنزلها به الوزير هاشم بن عبد العزيز, واعتصم بحصن (الحنش) قرب ماردة، ومن هناك بدأ حركة عصيان واسعة المدى عجزت الدولة القضاء عليها في حينها.

يقول صاحب المقتبس: "فخرج إلى ما خرج إليه من الفساد في الأرض، والسعي للإمارة، فأدرك من ذلك حظا عظيما، جسم له مكاره شديدة، وتجرثم جراثم من جهة ظاهره على أمره لما ظهر رجل من أصحابه من مولدي الغرب الدائبين في المعصية يعرف بسعدون السرنباقي، كان شبهه في الشجاعة والشر. وكان المولدون يغلون فيه ويقولون: إنما هو السرور الباقي، فاجتمعا، وضافرا الشرك، وأحدثا في الإسلام أحداثا عظيمة، وبثا الغارات على المسلمين وصارا في القفر بين الإسلام والشرك. فعظم مقدار الخبيثَيْنِ ابن مروان وسعدون في السر. وبسطا على الرعية، وقطعا السبل، وأفسدا في الأرض، وعَلَوَا علوا كبيرا، ووطئا بغاراتهما كورة إشبيلة ولبلة وباجة وأكشونبة وما يليها، فتوسطا أعمالهما، وملكا بأكشونبة -جبلا منيعا يقال له: (منت شاقر- [SERRA DE MONCHIQUE  – [2] وجرت منهما أمور يطول اقتصاصها" [3].
حقا فقد خاض عبد الرحمن الجليقي ومن معه حروبًا كثيرة مع جيوش الإمارة الأندلسية، واتخذوا من بطليوس عاصمة لإمارتهم فحصنوها وأعدوها للدفاع والمقاومة، وعقدوا حلفا مع الفونسو الثالث ملك ليون، وقام عبد الرحمن بدعوة أنصاره إلى مذهب ديني جديد هو خليط من تعاليم الإسلام والنصرانية واستمر على ذلك أعواما، "وهو يسيطر على منطقة بطليوس، ويعيث في أنحائها فسادا، ويخرج منها للإغارة على ناحية الغرب حتى أشبونة، وجنوبا حتى باجة وأطراف أكشونبة (البرتغال)، ولما أعيا الأمير أمره، انتهى أخيرا إلى قبول شروطه في الاستقلال بحكم بطليوس وما جاورها، والإعفاء من المغارم والفروض" [4].
واستمر عبد الرحمن بن مروان الجليقي في إمارة بطليوس التي أورثها من بعده لأبنائه، إلى أن أعادها الخليفة عبد الرحمن الناصر الذي توجه بنفسه لإخماد ثورة أعلنها أحد أبناء الجليقي سنة (317هـ / 929م) يقول صاحب البيان المغرب: "وفي سنة (317هـ) كانت غزاة الناصر إلى مدينة بطليوس لمحاربة أهلها وابن مروان المنتزي عليه فيها، فبرز لغزاته هذه يوم الخميس لعشر خلون من ربيع الأول (23 أبريل 929م), ومعه ولي عهده الحكم المستنصر بالله وابنه منذرا. وكان احتلاله بالجيوش على مدينة بطليوس يوم الخميس لسبع بقين من ربيع الآخر، وواضعهم الحشم القتال في أفنيتهم وعلى أبواب دورهم، وتقحموا عليهم داخل أرباضهم، وقتلوا منهم في ثاني احتلالهم عليهم جملة بُعِثَتْ رؤوسهم إلى قرطبة، وقطعت ثمارهم، وأحرق ما أخلوه من ديارهم خارج سورهم، وبقوا محصورين في المدينة. وأقام عليهم الناصر عشرين يوما، ثم أبقى عليهم أحمد بن إسحاق في قطيع من الجند" [5].
وتوجد بالبرتغال اليوم بلدة يطلق عليها اسم (مروان = MARVAO بالبرتغالية) وتقع في شرق البرتغال مقابلة لمدينة شنترين, وهي الآن من أعمال مدينة بورتاليجري = [PORTALEGRE [6].
ثورات أخرى للمولدين:
كما عرفت مناطق البرتغال ثورات أخرى قادها زعماء المولدين أيضا. وكان أخطرها ما قام به بكر بن يحيى بن بكر وعبد الملك بن أبي الجواد, وكانا من أتباع عبد الرحمن بن مروان الجليقي وأنصاره. فقد ثار الأول بشنتمرية الغرب من كورة أكشونبة وحصنها واستقل بها، وبسط سلطانه على ما حولها وتشبه بالأمراء فأنشأ له بلاطا وحكومة، وكان جوادا يأوي أبناء السبيل ويحفظ الطرق، وفي أواخر عهد الأمير عبد الله عاد إلى الطاعة [7].

كما قامت ثورات محلية أخرى في بعض القواعد والحصون ضد حكومة قرطبة، قادها زعماء من البربر والعرب، ولكنها كانت قليلة، في كتاب المقتبس وابن عذارى المراكشي في البيان المغرب [8].
[/size]

[size]
[1] انظر كتاب: (في تاريخ المغرب والأندلس) أحمد مختار العبادي, ص168.
[2] السلسلة الجبلية القريبة من الساحل الجنوبي الغربي لشبة الجزيرة، وهي تمتد في شمال شلب SILVES، وباسم هذا الجبل دعيت مدينة تحمل حتى اليوم اسم MONCHIQUE وتقع شمال شلب منحرفة قليلة إلى الغرب على بعد 28 كيلومتر (انظر هامش
574 في المقتبس, ص627 مرجع سابق).
[3] المقتبس لابن حيان القرطبي, تحقيق محمود علي مكي, ص344/345 بيروت 1973م.
[4] انظر كتاب (دولة الإسلام في الأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر) محمد عبد الله عنان, ص306/307, مرجع سابق.
[5] ابن عذارى المراكشي, الجزء الثاني, ص199-200, دار الثقافة, بيروت 1980م.
[6] انظر مجلة العربي الكويتية, عدد 219, 1977م, ص23, (البرتغال الإسلامية) محمود علي مكي. والمقتبش ص345.
- من الأبحاث المهمة المنجزة عن المروانيين، بحث فرانسيسكو كوديرا تحت عنوان (بنو مروان أصحاب ماردة وبطليوس) في مجموعة (دراسات نقدية حول التاريخ الأندلسي). المجلد التاسع, مدريد سنة 1917م, ص1 إلى 74.
FRANCISCO CODERA: LOS BENIMERUAN DE MERIDA Y BADAJOZ, EN ESTUDIOS CRITICOS DE HISTORIA ARABE ESPANOLA- MADRID 1917/ VOL .IX.pp 1-74.
[7] انظر كتاب دولة الإسلام في الأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر, محمد عبد الله عنان, مرجع سابق ص330.
[8] المقتبس, تحقيق إسماعيل العربي, دار الآفاق الجديدة, المغرب, 1990م, ص41 إلى 53.
البيان المغرب, الجزء الثاني, ص133 إلى 138.




البرتغال الإسلامية في عهد المرابطين(3)
محمد القاضي





القلعة العربية الأندلسية التي جددها المرابطون
[/size]


[size=18]البرتغال في عهد ملوك الطوائف:
في سنة (422هـ/1031م) سقطت الدولة الأموية في الأندلس، وأعلن الوزير أبو الحزم بن جهور انتهاء رسم الخلافة جملة لعدم وجود من يستحقها، وأصبح الأمر شورى بأيدي الوزراء وكبار العلماء وصفوة الزعماء.

وأعقب ذلك فترة من الاضطرابات والتناحر بين أهلالأندلس أدت إلى ظهور دويلات صغيرة متنازعة، فقد استقل كل أمير بناحيته وأعلن نفسه ملكا عليها، فدخلت البلاد بذلك في عصر جديد هو عصر ملوك الطوائف أو عصر الفرق كما يسميه ابن الكردبوس [1], ومن أهمها: إمارةبني جهور في قرطبة، وبني عباد في إشبيلية, وبنو الأفطس في بطليوس، وبني هود في سرقسطة, وبني صمادح في المرية, وبني برزال في قرمونة، وغيرها.
المرابطون ونهاية ملوك الطوائف:
وبعد مرور أربعة قرون على الفتح الإسلامي، ظهر المرابطون على أرض المغرب (448هـ - 541هـ/ 1056 - 1147م) الذين عملوا على تركيز الإسلام ونشره بين القبائل البربرية، والقيام بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية. ويعتبر يوسف بن تاشفين مفخرة هذه الدولة، فقد قام بتنظيم الجيش تنظيما محكما، واستكثر من القواد الأكفاء، وقضى على الفتن الداخلية، واستطاع مواجهة جميع الصعاب التي واجهته في أثناء حرب الوحدة والتحرير.

كما هب لإنقاذ الإسلام من الخطر الداهم الذي أصاب بلاد الأندلس، حيث تمكن ملك قشتالة الفونسو السادس من الاستيلاء على طليطلة سنة (478هـ/1085م)، وفرض الجزية على كبار ملوك الطوائف، أمثال المعتمد بن عباد في إشبيليا والمتوكل بن الأفطس في بطليوس، وغيرهما، وحينئذ لم ير هؤلاء بدا من الاستنجاد بيوسف بن تاشفين الذي لبى النداء، فعبر البحر بجيوشه إلى الأندلس فنزل في الجزيرة الخضراء وقام بتحصينها وما يتبعها من قواعد عسكرية أخرى على المضيق مثل جبل طارق وطريفة.
ثم زحفت الجيوش نحو إشبيلية ثم بطليوس بغية لقاء العدو الذي أسرع هو الآخر بجيوشه نحو تجمعات المسلمين من المغاربة والأندلسيين، فالتقى بهم في الشمال من بطليوس عند فحص الزلاقة الذي يعرف اليوم باسم (SAGRAJAS)، وهناك دارت المعركة الفاصلة بين الفريقين في منتصف رجب سنة (479هـ / 23 أكتوبر 1086م) حيث انتصر المسلمون انتصارا باهرا.
وتعتبر هذه المعركة من المعارك الحاسمة التي جرت بين المسلمين والأسبان في بلاد الأندلس, ومهدت السبيل لسيطرة المرابطين عليها فأصبحت تابعة لهم بعد القضاء على ملوك الطوائف. وكان يوسف بن تاشفين يقول في كل مجلس من مجالسه: "إنما كان غرضنا في ملك هذه الجزيرة أن نستنقذها من أيدي الروم، لما رأينا استيلاءهم على أكثرها، وغفلة ملوكهم وإعمالهم للغزو وتواكلهم وتخاذلهم وإيثارهم الراحة، وإنما همة أحدهم كأسٌ يشربها، وقنيةٌ تُسْمِعُه، ولَهْوٌ يقطع به أيامه، ولئن عشت لأعيدن جميع البلاد التي ملكها الروم في طول هذه الفتنة إلى المسلمين، ولأملأنها عليهم -يعني الروم- خيلا ورجالا لا عهد لهم بالدعة، ولا علم عندهم برخاء العيش، وإنما هَمُّ أحدِهم فرس يروضه ويسترفهه, أو سلاح يستجيده، أو صريخ يلبي دعوته" [2].
فعلا، فقد بذل يوسف بن تاشفين مجهودا عظيما في استصلاح أحوال الأندلس، وذلك انطلاقا لما كان يمليه الموقف لاستمرار السيادة الإسلامية على هذه البلاد وتفادي وقوعها العاجل في يد العدو. ويذكر صاحب الحلل الموشية: "أقامت بلاد الأندلس في مدته سعيدة حميدة في رفاهية عيش وعلى أحسن حال، لم تزل موفورة محفوظة إلى حين وفاته رحمه الله، وترك الثغور المواجهة لبلاد العدو في حكم الأندلسيين لكونهم أخبر بأحوالها، وأدرى بلقاء العدو وشن الغارات مع الإحسان إليهم، فلما قربت وفاته أوصى ابنه ولي العهد بعده أبا الحسن على ثلاث وصايا أحدها: أن يقبل من محسنِ أهلِ الأندلس ويتجاوز عن مسيئهم" [3].
البرتغال في عهد المرابطين:
واصل المرابطون الجهاد ضد النصارى في غرب الأندلس بعدما سيطروا على مملكة بطليوس التي كانت تضم مساحة شاسعة في البرتغال الحالية. فسيطروا على شلب ويابرة ولشبونة وشنترة وشنترين وتعتبر هذه الأخيرة "من أحصن المعاقل للمشركين، وأثبت المعاقل على المسلمين، أرحب المدن أمدا للعيون، وأخصبها بلدا في السنين، ولا يَرِيمها الخصب ولا يتخطاها، ولا يرومها الجذب ولا يتعاطاها، فروعها فوق الثريا شامخة وعروقها تحت الثرى راسخة، تباهي بأزهارها نجوم السماء، وتناجي بأسرارها أذن الجوزاء، مواقع القطار في سواها مغبرة مربدة، وهي زاهرة ترف أنداؤها، ومطالع الأنوار في حشاها مقشعرة مسودة، وهي ناضرة تشف أضواؤها، وكانت في الزمن الغابر أعيت على عظيم القياصر فنازلها بأكثر من القطر عددا، وحاولها بأوفر من البحر مددا، فأبت على طاعته كل الإباء، واستعصت على استطاعته أشد الاستعصاء. فأمكننا الله تعالى من ذروتها, وأنزل ركابها لنا عن صهوتها" [4].

أما قلمرية فقد حاصرها الأمير علي بن يوسف بن تاشفين سنة (511هـ/1117م) حسب صاحب البيان المغرب عشرين يوما وضيق بها ثم انصرف عنها إلى إشبيلية، ومشى عبد الله بن فاطمة والمنصور بن الأفطس فقابلا أرواما في بلاد الروم ثم وردا إلى إشبيلية واستاقا غنيمة عظيمة وأسرى كثيرة وانصرف الناس إلى بلادهم [5]. ولكن صاحب الحلل الموشية يذكر أن عليَّ بن يوسف افتتح هذه المدينة ودوخ بلاد الشرك بجيوش لا تحصى، وكان أثره بها عظيما [6].
استمر جهاد المرابطين في الأندلس رغم مواجهتهم لخطر الموحدين بالمغرب، فما أكثر ما دارت المعارك والحروب بينهم وبين العدو الذي اشتد بأسه، ولا سيما في غرب الأندلس الذي تكاثرت عليه ضربات القشتاليين، ولكن انشغالهم في حروب مستمرة مع الموحدين على أرض المغرب، أدى إلى ضعف قوتهم، إضافة إلى قيام ثورات وفتن عديدة، لعل أخطرها ثورة المريدين التي قادها ابن قسي في ميرتلة (MERTOLA) بالبرتغال، وثورات أخرى في يابرة وشلب وباجة وغيرها من مدن الأندلس، فانهارت دولة المرابطين، وأفل نجمها، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ المغرب والأندلس مع قيام دولة الموحدين.
[/size]

[size]
[1] انظر كتاب في تاريخ المغرب والأندلس, أحمد مختار العبادي, ص275, مؤسسة الثقافة الجامعية.
[2] انظر المعجب, عبد الواحد المراكشي, ص241/242, تحقيق محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي.
[3] تحقيق سهيل زكار والأستاذ عبد القادر زمامة, ص82/83, دار الرشاد الحديثة, الطبعة الأولى 1979م.
[4] انظر الرسالة التي كتبها الوزير ابن عبدون إلى الخليفة علي بن يوسف بن تاشفين يخبر فيها بفتح المدينة بقيادة يسير بن أبي بكر سنة 1111م, المعجب, ص246 إلى 249.
[5] الجزء الرابع, ص64.
[6] الحلل الموشية, ص86.
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48948
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا   السبت 21 مايو 2016, 9:45 pm

موسى بن نصير وقرار فتح الأندلس
د. راغب السرجاني







[size=18]فتح الأندلس .. تفكير قديم
لم يكن موسى بن نصير -رحمه الله- هو أول مَنْ فَكَّر في فتح الأندلس، وإنما كانت فكرة فتح الأندلس فكرة قديمة؛ فلقد استطاعت الجيوش الإسلامية أيام عثمان بن عفانرضي الله عنه الوصول إلى القسطنطينية ومحاصرتها، إلاَّ أنها لم تستطع أن تفتحها، فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "إن القسطنطينية إنما تُفتح من قِبَل البحر، وأنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتح القسطنطينية في الأجر آخر الزمان[1]".

أي: إنه على المسلمين لكي يتمكَّنُوا من فتح القسطنطينية أن يفتحوا الأندلس أولاً، ثم يتَّجهون منها بعد ذلك إلىالقسطنطينية -في شرق أوربا- ويقصد عثمان  بالبحر ما كان يُعرف بالبحر الأسود في ذلك الوقت، لكن المسلمين لم يستطيعوا أن يصلوا إلى الأندلس إلاَّ أيام بني أمية، وفي ولاية موسى بن نصير على الشمال الإفريقي.
موسى بن نصير وعقبات فتح الأندلس
استتبَّ الأمر لموسى بن نصير في شمال إفريقيا، وانتشر الإسلام وبدأ الناس يُقبلون على تعلُّم دينهم، فلمَّا رأى موسى بن نصير ثمار عمله، بدأ يُفَكِّر في نشر الإسلام في البلاد التي لم يصلها بعدُ، فبدأ يُفَكِّر في فتح بلاد الأندلس، والتي لا يفصلها عن شمال إفريقيا سوى المضيق الذي صار يُعْرف بعد الفتح الإسلامي بـ(مضيق جبل طارق)، ولكن كانت هناك عدَّة عقباتٍ؛ كان أهمها ما يلي:

العقبة الأولى: قلَّة السفن
وجد موسى بن نصير أن المسافة التي سيقطعها في البحر بين المغرب والأندلس لا تقلُّ عن 13 كم، ولم يكن لديه سفنٌ كافيةٌ ليعبر بجيشه هذه العقبة المائية؛ فمعظم معارك المسلمين -باستثناء بعض المواقع مثل: ذات الصواري وفتح قبرص- كانت برِّيَّة؛ ومن ثَمَّ لم تكن هناك حاجة كبيرة إلى سفن ضخمة، ولكن الآن الأمر مختلف، وهم في حاجة للسفن الضخمة لتنقل الجنود وَتَعْبر بهم المضيق ليصلوا إلى الأندلس.

العقبة الثانية: وجود جزر البليار النصرانية في ظهره
كان موسى بن نصير قد تعلَّم من أخطاء سابقيه؛ فلم يكن يخطو خطوةً حتى يُؤَمِّن ظهره أولاً، وفي شرق الأندلس كانت تقع جزرٌ تُسَمَّى جزر البليار -وهي عدَّة جزر تقع أمام الساحل الشرقي لإسبانيا، وأهمها ثلاثة جزر هي: مَيُورْقَة ومَنُورقَة ويَابِسَة، وتُسَمَّى في المصادر العربية بالجزر الشرقية- وهي قريبة جدًّا من الأندلس؛ ومن هنا فإن ظهره لن يكون آمنًا إن دخل الأندلس، وكان عليه أولاً أن يحمي ظهره.

العقبة الثالثة: وجود ميناء سبتة المطل على مضيق جبل طارق في أيدي نصارى على علاقة بملوك الأندلس
لم يكن المسلمون حينئذٍ قد فتحوا مدينة سَبْتَة، وهي مدينة ذات موقع استراتيجي مهم، ولها ميناء يطلُّ على مضيق جبل طارق، فكانت آنئذٍ تحت حكم رجل نصراني يُدْعَى (يُليان)، الذي كانت تربطه علاقات طيبة بملك الأندلس السابق غِيطشَة، وغِيطشَة هذا كان قد تعرَّض لانقلاب قادَه قائد له يُدعى لُذريق، وتولى لُذريق حُكم الأندلس نتيجة هذا الانقلاب، فخشي موسى بن نصير إن هو هاجم الأندلس أن يتحالف يُليان مع لُذريق ضدَّه نظير مقابل مادي أو تحت أي بند آخر، فيُحاصروه ويقضوا عليه هو وجنوده.

العقبة الرابعة: قلة عدد المسلمين
كانت العقبة الرابعة التي واجهت موسى بن نصير هي أن قوات المسلمين الفاتحين التي جاءت من جزيرة العرب ومن الشام واليمن محدودة جدًّا، وكانت في الوقت نفسه منتشرة في بلاد الشمال الإفريقي؛ ومن ثَمَّ قد لا يستطيع أن يُتِمَّ فتح الأندلس بهذا العدد القليل من المسلمين، هذا مع خوفه أن تنقلب عليه بلاد الشمال الإفريقي إذا هو خرج منها بقواته.

العقبة الخامسة: كثرة عدد النصارى
في مقابل قوَّة المسلمين المحدودة كانت قوات النصارى تقف بعُدَّتها وضخامتها عقبةً في طريق موسى بن نصير لفتح الأندلس، وكان للنصارى في الأندلس أعدادٌ ضخمةٌ، هذا بجانب قوَّة عُدَّتهم وكثرة قلاعهم وحصونهم، وإضافة إلى ذلك فهم تحت قيادة لُذريق القائد القوي.

العقبة السادسة: طبيعة جغرافية الأندلس، وكونها أرضًا مجهولةً بالنسبة للمسلمين
كان البحر حاجزًا بين المسلمين وبلاد الأندلس، فلم يكونوا على علمٍ بطبيعتها وجغرافيتها؛ وهذا ما يجعل الإقدام على غزو أو فتح هذه البلاد أمرًا صعبًا، فضلاً عن هذا فقد كانت بلاد الأندلس تتميَّز بكثرة الجبال والأنهار، تلك التي ستقف عقبةً كئودًا أمام حركة أيِّ جيش قادم، خاصةً إذا كانت الخيول والبغال والحمير هي أهمُّ وسائل ذلك الجيش في نقل العُدَّة والعَتَاد.

موسى بن نصير ومواجهة العقبات
لم يستسلم موسى بن نصير رغم هذه العقبات التي كانت موجودة في طريق فتح الأندلس، بل زادته هذه العقبات إصرارًا على فتحها، ومن هنا بدأ -وفي أناةٍ شديدة- يُرَتِّب أموره ويُحَدِّد أولوياته، فعمل على مواجهة هذه العقبات على النحو التالي:

أولاً: بناء المواني وإنشاء السفن
بدأ موسى بن نصير في عام (87 أو 88هـ=706 أو 707م) ببناء المواني التي تُشَيَّد فيها السفن، وإن كان هذا الأمر ربما يطول أمده، إلاَّ أنه بدأه بهمة عالية وإرادة صلبة؛ فبنى أكثر من ميناءفي الشمال الإفريقي
[2].
ثانيًا: تعليم الأمازيغ (البربر) الإسلام
وفي أثناء ذلك بدأ موسى بن نصير -أيضًا- يبذل جهودًا أكبر لتعليم الأمازيغ (البربر) الإسلامَ في مجالس خاصة لهم، أشبه بما نُسَمِّيه الآن الدورات المكثَّفة، فلمَّا اطمأنَّ إلى فهمهم للإسلام بدأ يعتمد عليهم ويستعملهم في جيشه، وهذا الصنيع من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- أن نجده عند غير المسلمين؛ فلم تستطع دولةٌ محارِبَةٌ أو فاتحة غير الدول الإسلامية أن تُغَيِّر من طبائع الناس وحُبِّهم وولائهم الذي كانوا عليه؛ حتى يُصبحوا هم المدافعين عن هذه الدولة والناشرين لدينها؛ خاصَّة إذا كانوا حديثي عهدٍ بهذا الفتح أو بهذا الدين الجديد، فهذا أمر عجيب حقًّا، ولا يتكرَّر إلاَّ مع المسلمين وحدهم؛ فقد ظلَّت فرنسا -على سبيل المثال- في الجزائر مائة وثلاثين عامًا، ثم خرجت جيوشها، بينما ظلَّ الجزائريون كما كانوا على الإسلام لم يتغيَّرُوا، بل زاد حماسهم له وزادت صحوتهم الإسلامية.

علَّم موسى بن نصير الأمازيغ (البربر) الإسلام عقيدةً وعملاً، وغرس فيهم حُبَّ الجهاد وبَذْل النفس والنفيس لله ؛ فكان أن صار جُلُّ الجيش الإسلامي وعمادُه من الأمازيغ (البربر) الذين كانوا منذ ما لا يزيد على خمس سنوات من المحاربين له.
ثالثًا: تولية طارق بن زياد على الجيش
القائد هو قِبلة الجيش وعموده، بهذا الفَهْم ولَّى موسى بن نصير قيادةَ جيشه - المتَّجه إلى فتح بلاد الأندلس - القائدَ الأمازيغي (البربري) المحنَّك طارق بن زياد (50-102هـ=670-720م) ذلك القائد الذي جمع بين التقوى والورع، والكفاءة الحربية، وحُبِّ الجهاد، والرغبة في الاستشهاد في سبيل الله، ورغم أنه كان من الأمازيغ (البربر) وليس من العرب إلاَّ أن موسى بن نصير قدَّمه على غيره من العرب، وكان ذلك لعدة أسباب؛ منها:

1- الكفاءة: لم يمنع كون طارق بن زياد غير عربي أن يُوَلِّيَه موسى بن نصير قيادةَ الجيش؛ فهو يعلم أنه ليس لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي فضلٌ إلاَّ بالتقوى؛ فقد وجد فيه الفضل على غيره، والكفاءة في القيام بهذه المهمة على أكمل وجه، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن دعوة الإسلام ليست دعوة قَبَلِية أو عنصرية تدعو إلى التعصب، وتُفَضِّل عنصرًا أو طائفةً على طائفة؛ إنما هي دعوة للعالمين: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
2- قدرته على فَهم وقيادة قومه: إضافة إلى الكفاءة التي تميَّز بها طارق بن زياد كان لأصله الأمازيغي (البربري) الفضلُ في القضاء على أيٍّ من العوامل النفسية التي قد تختلج في نفوس الأمازيغ (البربر) الذين دخلوا الإسلام حديثًا؛ ومِن ثَمَّ استطاع قيادتهم وتطويعهم للهدف الذي يصبو إليه، ثُمَّ لكونه أمازيغيًّا (بربريًّا) فهو قادر على فهم لغة قومه؛ إذ ليس كل الأمازيغ (البربر) يُتقنون الحديث بالعربية، وكان طارق بن زياد يُجيد اللغتين العربية والأمازيغية (البربرية)[3]؛ ولهذه الأسباب وغيرها رأى موسى بن نصير أنه يصلح لقيادة الجيش فولاَّه إيَّاها.
رابعًا: فتح جزر البليار وضمها إلى أملاك المسلمين
من أهمِّ الوسائل التي قام بها موسى بن نصير تمهيدًا لفتح الأندلس، وتأمينًا لظهره -كما عهدناه- قام بفتح جزر البليار -التي ذكرناها سابقًا- وضمَّها إلى أملاك المسلمين، وبهذا يكون قد أمَّن ظهره من جهة الشرق، وهذا العمل يدلُّ على حُنكته وبراعته في التخطيط والقيادة، ومع هذا كلِّه فقد أُغفِل دورُه في التاريخ الإسلامي كثيرًا.

[/size]

[size]
[1] الطبري: تاريخ الأمم والملوك 2/598، وابن كثير: البداية والنهاية 7/171، والحِميري: الروض المعطار في خبر الأقطار ص33.
[2] المقري: نفح الطيب 1/257.
[3] نستنتج هذا من أن طارقًا منحدر من عائلة كانت -فيما يظهر- سابقة إلى الإسلام، فهو طارق بن زياد بن عبد الله، ثم يبدأ في نسبه ظهور الأسماء البربرية من بعد عبد الله كما في النسب الذي أورده ابن عذاري في البيان المغرب: «طارق بن زياد بن عبد الله بن ولغو بن ورنجوم بن نبرغاسن بن ....». فمنه نتوقع أن يكون جده عبد الله هو أول من أسلم من عائلته فتسمى بعبد الله، أو أن يكون أبو جده «ولغو» هو أول مَنْ أسلم، ولكنه احتفظ باسمه كما هو ثم سمَّى ولده عبد الله؛ لذا فمن الطبيعي أن يكتسب الحفيد لغة العرب ويتقنها، كما ستأتي فيما بعد خطبته الشهيرة لدى فتحه الأندلس، وفيها يظهر تمكُّنه في العربية ولسانها إن نحن أخذنا بقول الذين يرجِّحُون ثبوتها.






إشبيلية شاهد على عظمة الأندلس

د. أحمد الصاوي





إشبيلية شاهدة على عظمة المسلمين
[/size]


[size=17]عندما دخل المسلمون إلى الأندلس قبل اختتام القرن الهجري الأول، كانت إشبيلية مجرد مدينة صغيرة، وقبل أن تسقط المدينة في أيدي ملوك قشتالة من نصارى الأسبان، كانت إشبيلية الأندلسية واحدة من أكبر وأشهر مدن القارة الأوربية.

وعلى الرغم من محاولات ملوك الأسبان لتغيير معالم هذه الحاضرة الإسلامية فما برحت -بما تبقى من أوابدها المعمارية- تقف شاهد عيان على عظمة حضارة الأندلس.
أسست العناصر الأيبيرية هذه المدينة الواقعة في جنوب البلاد تحت اسم "أشبالي"، وبعدما دخلها الرومان سنة 205 قبل الميلاد صارت تعرف بالاسم اللاتيني "أشباليس"، وعرّب المسلمون هذا الاسم الأخير إلى إشبيلية، واشتق الأسبان بدورهم منه الاسم الحالي للمدينة سفيليا sevilla.
إشبيلية جارة المغرب
تقع إشبيلية على الضفة اليمنى لنهر الوادي الكبير قرب مصبه في خليج عميق، بحيث كانت مؤهلة لأن تكون ميناء بحريًّا في جنوب الأندلس.

وكانت المدينة قبل دخول المسلمين إلى شبه جزيرة أيبيريا حاضرة لدولة القوط الغربيين، إلى أن نقل الملك ليوفخلدو العاصمة إلى طليطلة سنة 567م.
ولم يستطع الفاتحون المسلمون أن يستولوا على إشبيلية في موجة الهجوم الأولى التي قادها طارق بن زياد، ولكنهم وصلوا إليها في موجة ثانية من الفاتحين قادها موسى بن نصير، الذي افتتحها بعد حصار دام عدة شهور؛ نظرًا لحصانة أسوارها.
إشبيلية حاضرة الولاة
وقع اختيار موسى بن نصير أول ولاة الأمويين بالأندلس على إشبيلية لتكون حاضرة لولايته، وذلك لوقوعها على مقربة من الشاطئ المغربي حيث توجد قواعد الجيوش الإسلامية، ولارتباطها في ذات الوقت في يسر ودون عوائق تذكر بسائر المدن الأندلسية، ولكن هذا الامتياز لم يستمر إلا لثلاث سنوات فقط، إذ أدى تسارع الأحداث بعد عزل موسى فاتح الأندلس إلى مقتل ابنه والوالي من بعده عبد العزيز بن موسى في سنة 98هـ/ 717م، وفشل خاله أيوب بن حبيب اللخمي في الاحتفاظ بكرسي الولاية لأكثر من أشهر قليلة، وعندما تولى الحر بن عبد الرحمن الثقفي الأندلس في نهاية عام 98هـ، أمر بتحويل العاصمة الأندلسية إلى مدينة قرطبة.

وقد أثر هذا التحول على التواجد العربي بالمدينة، إذ فضّل أغلب الفاتحين النزوح للإقامة في العاصمة قرطبة، ولم يبق بالمدينة سوى عدد قليل من العرب، فيما زخرت المدينة بعدد كبير من النصارى الأسبان باعتبارها المركز الديني المسيحي الأول في إسبانيا منذ عهد القوط الغربيين. ولكن هذا الوضع الاستثنائي لم يستمر لأكثر من ربع قرن، ذلك أن الخلافة الأموية أرسلت فرقة من الجيش الأموي كانت تعسكر بمدينة حمص للإقامة بإشبيلية ولحماية سواحلها، وما إن دخلت المدينة في عام 742م حتى أخذت القبائل العربية في التدفق على إشبيلية مثل بني موسى من بيت غافق، وبني زهرة، وبني حجاج، وبني خلدون.
إشبيلية مهد التسامح
ونظرًا للتسامح الذي عامل به العرب نصارى إشبيلية، فقد توطدت العلاقات فيما بين العنصرين وكثر زواج الفاتحين من الأندلسيات، ونشأ عن ذلك جيل من الأسبان المسلمين عرفوا بالمولدين، حتى أصبحوا في نهاية القرن الثالث الهجري يشكلون غالبية سكان إشبيلية.

اهتمام أموي بإشبيلية 
شهدت إشبيلية أزهى عصورها بعد نجاح عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) في تأسيس الدولة الأموية الغربية بالأندلس، وقد عني أمراء وخلفاء هذه الدولة بالمدينة التي كانت المحطة الأولى في رحلة صقر قريش لاستعادة ملك أجداده.

فقد أنشأ الأمير عبد الرحمن الثاني (الأوسط) مسجدًا جامعًا بإشبيلية في سنة 829م، ولكن غزاة الشمال من النورمانديين (الفايكنج) الذين هاجموا إشبيلية سنة 884م، ونجحوا في دخولها بقواربهم الشراعية السريعة، قاموا بإضرام النار في هذا المسجد وخربوا بعض قصور الأمويين بالمدينة أثناء قيامهم بالسلب والنهب، قبل أن يتمكن المسلمون من هزيمتهم وطردهم من المدينة.
وقد أدت هذه الهجمات التي شنها النورماند إلى تنبيه الأمويين إلى أهمية تحصين إشبيلية، فأنشئوا سورًا حولها، وأقاموا بها دارًا لصناعة السفن الحربية التي شكلت نواة الأسطول الأموي فيما بعد.
وقد شهدت إشبيلية خلال عهد الدولة الأموية الغربية تمردًا واسعًا، أدى إلى نجاح العصاة في الاستقلال بها، حيث استبد بها إبراهيم بن حجاج أحد زعماء المدينة وأشرافها، واستمر بنو الحجاج يحكمون إشبيلية إلى أن تولى عبد الرحمن بن محمد المعروف عبد الرحمن الثالث (الناصر) إمارة قرطبة، وعزم على إخضاع الثائرين وتوحيد الأندلس تحت راية خلافية، ونجح عبد الرحمن الناصر بالفعل في القضاء على أولاد عمر بن حفصون الثائرين بقلعة ببشتر، واستسلم له أيضًا أحمد بن مسلمة بن حجاج.
وبذلك انضوت إشبيلية تحت لواء قرطبة، وعقب سقوط دولة الخلافة في قرطبة استولى المعتمد بن عباد على مقاليد الأمور في إشبيلية سنة 1042م، وفي عهد بني عباد شهدت المدينة ازدهارًا لم تشهده من قبل، وأضحت أعظم مدن الأندلس بعد انهيار قرطبة، وفي قصور ابن عباد ازدهرت الحركة الأدبية والفنية في إشبيلية التي أصبحت قبلة الشعراء والأدباء والمهندسين.
إشبيلية عاصمة الموحدين
سرعان ما انهارت دولة بني عباد وأصبحت تدفع الجزية لملوك قشتالة من النصارى، وما لبث المرابطون الذين جاءوا من المغرب للدفاع عن مدن الأندلس التي كانت تتساقط في أيدي الأسبان أن التفتوا بعد انتصارهم في موقعة الزلاقة الشهيرة إلى ملوك الطوائف، الذين كانوا السبب الرئيسي في نكبة الأندلس، وراح المرابطون يعزلون ملوك الطوائف الواحد تلو الآخر، وقد دخلوا إشبيلية في سنة 1091م وقبضوا على المعتمد بن عباد وجردوه من ثرواته قبل أن ينفوه إلى المغرب، حيث مات هناك فقيرًا معدمًا.

ومع انهيار دولة المرابطين اجتازت جيوش الموحدين مضيق جبل طارق قادمة من المغرب وبايع أهل إشبيلية عبد المؤمن بن علي خليفة الموحدين سنة 1156م، فاختارها حاضرة لملكه في الأندلس، وعادت إشبيلية لتحتل موقع الصدارة بين مدن الأندلس.
ثم تولى أبو يعقوب يوسف بن عبد المؤمن الخلافة سنة 1164م، وكان محبًّا للفنون والآداب رغم ميوله الحربية، فكانت إشبيلية أقرب إلى قلبه من مراكش حاضرته في المغرب، إذ إنه من مواليد قرطبة قضى في إشبيلية قدرًا كبيرًا من طفولته.
وقد اختص يوسف هذه المدينة بعدد من أجمل عمائر الموحدين بالأندلس، فشيد بها القصور والمساجد، وحرص على تجميل حاضرة ملكه التي ازدانت في حلل من الجمال خلال عهد ابنه أبي يوسف يعقوب المنصور.
الخيرالدا
استحق يعقوب أن يلقب بالمنصور بعد انتصاره على جيوش قشتالة في موقعة الأرك الشهيرة (يوليو 1195م)، وقد أراد هذا القائد أن يخلد انتصاره التاريخي، فقرر أن يشيد مئذنة سامقة لمسجد إشبيلية الجامع، فجاءت صومعة شاهقة الارتفاع تطل في إباء ورشاقة على حديقة إشبيلية وما يحيط بها من المنطقة المعروفة بالشرف، وقد أمر المنصور بعد موقعة الأرك بصنع فتاحات أربع مذهبة لتكلل المئذنة ورفعت في حضوره، وركبت بالسفود البارز بأعلى القبة وأزيحت عنها الأغشية التي كانت تكسوها، فبهرت ببريقها أنظار الحاضرين.

وقد تحولت هذه المئذنة التي كانت رمزًا للسيادة الإسلامية إلى برج نواقيس للكنيسة التي حلت مكان المسجد الجامع وهي تعرف اليوم باسم "الخيرالدا"؛ لأنها زودت في أعلاها بتمثال من البرونز يرمز للسيادة المسيحية صنعه برتولومي موريل سنة 1567م بحيث يدور مع الرياح؛ ولذلك أطلق عليه اسم خيرالديو أي دوارة الرياح، ومنها جاءت تسمية المئذنة باسم الجيرالدا أو الخيرالدا، ويبلغ ارتفاع الجزء الإسلامي من هذه المئذنة 65.69 مترًا.
نهاية الحكم الإسلامي
وعقب هزيمة جيوش الموحدين أمام الأسبان في موقعة العقاب سنة 1212م، بدا واضحًا أن نهاية الحكم الإسلامي قد باتت وشيكة، وقد حاول الخليفة الموحدي (أبو العلاء إدريس بن أبي يوسف يعقوب) أن يعيد لإشبيلية رونقها الذي كانت عليه أيام أبيه المنصور، فعمد إلى تحصينها أمام الخطر المسيحي فأقام بها سنة 1221م برجًا ضخمًا هو برج الذهب المشهور، والذي لا يزال قائمًا حتى اليوم، ثم جدد أسوار المدينة وشيد أمامها سورًا جديدًا يتقدمه خندق مائي.

وبموت هذا الخليفة الموحدي تتابع سقوط المدن والحصون التي كانت تشكل خط الدفاع الأول عن إشبيلية، مثل قرطبة وقرمونة وحصن القصر والقلعة وحصن الفرج وقلعة جابر.
وفي 22 ديسمبر سنة 1248م دخلت جيوش قشتالة مدينة إشبيلية بعد حصار دام قرابة العام والنصف، وقاست المدينة أهوال الجوع قبل أن تستسلم للنصارى.
ونظرًا لقرب المدينة من الساحل المغربي، فقد خشي فرناندو الثالث أن تطرقها الجيوش الإسلامية من أجل تحريرها؛ ولذا عمد إلى إعادة تجديد قلاعها وأسوارها، كما دفع المزيد من المقاتلين الأسبان للإقامة بها.
المصدر: موقع إسلام ويب، نقلاً عن جريدة البيان الإماراتية.
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48948
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا   السبت 21 مايو 2016, 9:46 pm

أسباب ضعف المسلمين في الأندلس
د. علي الصلابي







[size=18]أولاً: ضعف العقيدة الإسلامية،والانحراف عن المنهج الربَّاني، وهذا السبب 
هو الأساس.

ثانيًا: موالاة النصارى، والثقة بهم, والتحالف معهم؛ حيث نجد أن تاريخ الأندلس مليء بالتحالف مع النصارى إلى أن بلغ ذروة رهيبة واضطرب بسبب ذلك مفهومالولاء والبراء، والحُبِّ في الله والبغض في الله، بل هذه المعاني كادت تندثر.
إن الأمة حين تخالف أمرَ ربِّها, وتنحرف عن طريقِه, فلا بد أن يحلَّ بها سخطُه, وتستوفي أسباب نقمتِه. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ} [المائدة: 57].
وقوله عزَّ وجلَّ: {لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ} [آل عمران: 28].
وقوله تعالى: {لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ} [المجادلة: 22].
وقد أبان رسول الله صل الله عليه وسلم طريق الأمة في الولاء والبراء، فقال: «أَوثَقُ عُرَا الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحبُّ في الله، والبغض في الله»(1).
ويقول صل الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عزَّ وجلَّ: «مَن عادى لي وليًّا فقد آذانته بالحرب»(2).
فإذا كان هذا كله مُسطَّرًا في كتاب ربِّها وسنة نبيها وتخالفه، فلا بد أن تُرى فيها سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل.
فحين تجد أن المعتمد بن عباد يذهب إلى ملك قشتالة ويطلب منه الصلح ويدفع له المال، نراه جاهدًا في حرب أمراء الطوائف واستئصالهم، أمَا كان الأفضل له أن يتحد مع إخوانه أمراء الطوائف؟! وفي ذلك مصلحة له ولهم وللأندلس عامة، وللإسلام وأهله، ولكنَّك لا تجنى من الشوك العنب(3).
بل ضعف مفهومُ الولاء والبراء، حتى إن بعض حُكَّام المسلمين استوزروا وزراء نصارى ويهود يصرفون أمور دولة الإسلام، فهل يؤمن الذئب على الغنم؟!(4).
ثالثًا: الانغماس في الشهوات واللهو:
السبب الثالث الانغماس في الشهوات والركون إلى الدعة والترف وعدم إعداد الأمة للجهاد، إن الأمة التي تركن إلى الدعة والترف واللهو، وهي غالبة قاهرة يجب أن تُعدّ غير مستحقة للريادة والقيادة، فما بالك بأمة تغرق في اللهو والدعة والترف، وهي لا تدري إن كان العدو قد كسر حصنها واجتاحها، أم أنه لا يزال ينتظر تلك اللحظات؟!

يقول المؤرخ النصراني كوندي: "العرب هُزموا عندما نسوا فضائلهم التي جاءوا بها، وأصبحوا على قلب متقلب يميل إلى الخفة والمرح، والاسترسال بالشهوات"(5).
إن المؤرخين رأوا: "أن الأَنْدَلُسيين ألقوا بأنفسهم في أحضان النعيم، ناموا في ظل ظليل من الغنى الواسع والحياة العابثة والمجون، وما يرضي الأهواء من ألوان الترف الفاجر، فذهبت أخلاقهم كما ماتت فيهم حمية آبائهم البواسل، وغدا التهتك والخلاعة والإغراق في المجون، واهتمام النساء بمظاهر التبرج والزينة بالذهب واللآلي مِن أبرز المميزات أيام الاضمحلال التي استناموا للشهوات والسهرات الماجنة، والجواري الشاديات، وإن شعبًا يهوى إلى هذا الدرك من الانحلال والميوعة لا يستطيع أن يصمُد رجاله لحرب أو جهاد"(6).
دخل المُسْلِمُون الأندلس وأصبحوا ساداتها عندما كان نشيد طارق في العبور "الله أكبر"، وبقوا فيها زمنًا حين كان يحكمها أمثال عبد الرحمن الداخل عندما قُدم إليه الخمر ليشرب فقال: "إنِّي محتاج لما يزيد في عقلي لا ما ينقصه"(7).
يقول الدكتور عبد الرحمن الحجي عن الفاتحين الأوائل للأندلس: "كانت غيرة هؤلاء المجاهدين شديدة على إسلامهم، فَدَوْه بالنفس وهي عندهم له رخيصة، فهو أغلى من حياتهم, أشربت نفوسهم حُبَّه، غدا تصورهم وفكرهم ونورهم وربيع حياتهم"(Cool.
وضاعت ممالك الأندلس من يدي المُسْلِمِين عندما كان نشيد أحفاد الفاتحين:
[/size]
ووزن العود وهات القدحا *** راقت الخمرة والورد صحا
[size]
وعندما قصد الإفرنج بلنسية لغزوها عام 456هـ، خرج أهلها للقائهم بثياب الزينة، فكانت وقعة بطرنة التي قال فيها الشاعر أبو إسحاق بن معلي:
[/size]
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستـم *** حُلَلَ الحرير عليـكم ألـوانًا
ما كان أقبحهـم وأحسنكـم بها *** لو لم يكن ببطرنة ما كانـا(9)
[size]
ضعف المُسْلِمُون في الأندلس وسُلب كثير من ديارهم؛ لما تنافس الولاة والحُكَّام من أجل إسعاد زوجاتهم وجواريهم بالباطل.
وإليك ما فعله المُعْتَمِد مع إحدى زوجاته: اشتهت زوجة المعتمد بن عباد أن تمشي في الطين وتحمل القِرَب، فأمر المُعْتَمِد بن عَبَّاد أن ينشر المسك على الكافور والزعفران، وتحمل قربًا من طيب المسك وتخوض فيها تحقيقًا لشهواتها!!
ولكن الله المعز المذل أراد أن تنقلب الأمور على المُعْتَمِد، فيؤخذ أسيرًا في أغمات وتبقى بناته يغزلن للنَّاس يتكسبن، وفي ذلك يقول المُعْتَمِد وهو شاعر مجيد:
[/size]
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورًا *** فساءك العيد في أغمات مأسورًا
ترى بناتك في الأطمار جائعــة *** يغزلن للناس ما يملكن قطميـرًا
برزن نحـوك للتسليـم خاشعـة *** أبصارهن حسيـرات مكاسيـرا
يطأن في الطين والأقدام حافيـة *** كأنَّها لم تطـأ مسكًا وكافـورًا
مَن بات بعدك في مُلـك يُسَرُّ به *** فإنما بات بالأحلام معـرورًا(10)
[size]
وصدق الحبييب صل الله عليه وسلم, المُؤتَى جوامع الكلم إذ يقول: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذُلاًّ، لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»(11).
رابعًا: إلغاء الخلافة الأموية وبداية عهد الطوائف: 
لا شكَّ أن بداية الانهيار الفعلي في الأَنْدَلُس بزوال الخلافة الأموية, ونشأ على إثر ذلك عهد السنوات الصعاب، كانت كلمة الأمة واحدة وخليفتهم واحدًا فأصبحت الأمة كما قال الشاعر:

[/size]
مما يزهدني فـي أرض أَنْدَلُـس *** أسـماء معتمد فيهـا ومعتضــد
ألقاب مملكة في غيـر موضعهـا *** كالهرَّ يحكي انتفاخًا صولة الأسد(12)
[size]
وكما قال الآخر:
[/size]
وتفرَّقوا شيعًا فكل محلـة *** فيها أمير المؤمنين ومنبـر
[size]
ولم يكن حُكَّام الأَنْدَلُس أهلاً لقيادة الأمة في عمومهم، واسمع إلى ابن حزم وهو يقول عن هؤلاء الحُكَّام: "والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرب المُسْلِمِين، لعن الله جميعهم، وسلط عليهم سيفًا من سيوفه"(13).
ويقول الدكتور عبد الرحمن الحجي عن هؤلاء الحُكَّام: "وهكذا وجدت في الأندلس أوضاع يحكمها أمراء اتصف عدد منهم بصفات الأثرة والغدر، هانت لديهم معه مصالح الأمة، وتُركت دون مصالحهم الذاتية، باعوا أمتهم للعدو المتربص ثمنًا لبقائهم في السُّلطة، ولقد أصاب الأمة من الضياع بقدر ما ضيعوا من الحظ الخُلقي المسلم، انحرف هؤلاء المسئولون عن النهج الحنيف، الذي به كانت الأندلس وحضارته".
خامسًا: الاختلاف والتفرق بين المسلمين: 
كان الاختلاف والتَّفرُّق سمة من سمات عصر ملوك الطوائف، وكان بعضهم يستعدي النصارى على إخوانه، ويعقدون مع النصارى عهودًا وأحلافًا ضد إخوانهم في العقيدة، ومِن أجل شهوة سلطة تُراق على أرض الأندلس دماء المصلين، حتى قال ابن المرابط واصفًا حال المسلمين:

[/size]
ما بال شمل المُسْلِمِيـن مبدَّدٌ *** فيها وشمل الضـد غير مبـدد
ماذا اعتذاركم غدًا لنبيكـم *** وطريق هذا الغـدر غيـر مُمهَّد
إنْ قال لِمَ فرَّطتم في أُمَّتـي *** وتركتمـوهم للعـدو المعتـدي
تالله لو إن العقوبة لم تُخَف *** لكفى الحيا من وجه ذاك السيدِ(14)
[size]
ولما سقطت طُلَيْطِلَة كان من العجيب أن بعض ملوك الطوائف وقفوا جامدين لا يتحركون لنجدة طليطلة, وكأن الأمر لا يعنيهم، فاغرين أفواههم جبنًا وغفلة وتفاهة! بل إن عددًا منهم كان يرتمي على أعتاب ألفونسو ملك النصارى طالبًا عونه, أو عارضًا له الخضوع، بذلّةٍ تأباها النفوس المُسلِمة، تغافلوا عن أن ألفونسو لا يفرِّق بين طليطلة وغيرها من القواعد الأندلسية! لكن العجب يزول إذا تذكَّرنا نزعتهم الأنانية والعصبية(15).
سادسًا: تخلي بعض العلماء عن القيام بواجبهم:
لا شكَّ أن حياة الأمة في حياة علمائها، فهم تاجها ومنارتها، وهم روحها ومادة حياتها, فكلما كان علماء الأمة ربَّانيين كان أمر الأمة في طريقه نحو العزة والرِّفعة والكرامة، وكلَّما ابتعد العلماء عن الربَّانية وتثاقلت نفوسهم إلى الأرض, وحرصوا على مصالحهم الذاتية, خبا نور الأمة، ودبَّ في الأمة الضعف والجهالة.

"فحين كانت الأمة تغرق في الأندلس بسبب الاجتياح النصرانيِّ المتلاطم، انصرف عدد من العلماء إلى العناية المبالغة بالفقه المذهبي وفروعه، ونسوا وتناسوا واقع الأمة وآلامها"(16).
وبعض هؤلاء هم ممن قال فيهم ابن حزم -رحمه الله-: "ولا يغرَّنك الفُسَّاق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المُزيِّنون لأهل الشرِّ شرهم، الناصرون لهم على فسقهم"(17).
ولا ننسى دور العلماء الربَّانيين الذين قاموا بجمع شتات الأمة الممزق, وبذلوا وسعهم في ذلك، من أمثال أبي الوليد الباجي، وأبى مُحَمَّد بن حزم، وأبى إسحاق الإلبيري وغيرهم، عليهم رحمة الله وبركاته.
سابعًا: عدم سماع ملوك الطوائف لنصح العلماء:
لقد بذل مجموعة من العلماء جهدًا مشكورًا لتوحيد صفوف المسلمين، وتصدَّى أبو الوليد الباجي لهذه المهمة بنفسه بعد عودته من المشرق الإسلامي، "فرفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة لصلة ما انبت من تلك الأسباب، فقام مقام مؤمن آل فرعون، ولكنَّه لم يصادف أسماعًا واعية؛ لأنَّه نفخ في عظام نخرة، وعطف على أطلال داثرة، بَيْدَ أنه كُلَّما وفد على ملك منهم في ظاهر أمره لقيه بالترحيب، وأجزل حظه في التنافس والتقريب، وهو في باطن يستجهل نزعته ويستثقل طلعته، وما كان أفطن الفقيه -رحمه الله- بأمورهم، وأعلمه بتدبيرهم، لكنَّه كان يرجو حالاً تثوب، ومذنبًا يتوب"(18).

ولم يكن حُكَّام الأندلس أهلاً لقيادة الأمة، ولم تنفعهم نصائح العلماء حتى حلَّت بهم مصيبة وكارثة، ألا وهي سقوط طليطلة.
ثامنًا: مؤتمرات النصارى ومخططاتهم:
استطاع النصارى أن يضعوا برامج مُحكمة للقضاء على ملوك الطوائف، ومِن ثَمَّ على المسلمين عمومًا، وكان من أكبر المجرمين من ملوك النصارى الذي أشرف على هذه المُخَطَّطَات وسهر على تنفيذها - فرناندو ملك قشتالة.

تاسعًا: وحدة كلمة النصارى: 
في الوقت الذي كان المسلمون في الأندلس يعانون من التَّفرُّق والشتات، كان النصارى في وحدة كلمة وتراصي صفٍّ في مواجهة أمة الإسلام في الأندلس.

عاشرًا: غدر النصارى ونقضهم للعهود: 
لم يكن النصارى عُبَّاد الصليب محلاًّ للعهود وأهلاً للوفاء إلا في القليل النادر؛ فهم تبع لمصالحهم وأهوائهم, وهي التي تحكم وفاءهم ونقضهم(19).

قال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14].
لقد سطَّر النصارى في الأندلس تاريخًا مليئًا بالدماء، وهتك الأعراض، وقتل النفوس، وسبي النساء.
قال تعالى: {لاَ يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} [التوبة: 14]، وقال أيضًا: {وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 12].
لقد استمات النصارى في حربهم للمُسْلِمِين، فمارسوا كل الأساليب المعوجَّة من أجل تحقيق أهدافهم الشيطانية.
الحادي عشر: التخاذل عن نصرة من يحتاج إلى نصرة:
لقد كانت أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة مُعطَّلة، كأنَّهم لم يسمعوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»(20), وقوله صل الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»(21).

لقد تخاذل ملوك الطوائف عن نصرة مَن يستحق النصرة، وإليك ما حدث في طليطلة، يقول الدكتور عبد الرحمن الحجي عن سقوط طليطلة وموقف حُكَّام الطوائف: "قام حاكم بطليوس عمر بن مُحَمَّد الأفطس الملقب بالمُتَوَكِّل على الله ببعض واجبه تجاه طليطلة في محنتها، التي لو أدَّى بقيَّةُ ملوك الطوائف ما يجب عليهم لما لاقت هذا المصير، ولحَمَوْها وحَموا أنفسهم، كان بعضهم لا همَّ له إلا تحقيق مصلحته وإشباع أنانيته, وكأنّ الأندلس وُجدت لمنفعته وليتربع على كرسي حكم، مهما كان قصير العمر ذليل المكان مهزوز القواعد!!"(22).
فهذه مجموعة من الأسباب التي أدَّت إلى الحالة التعيسة التي آلت إليها الأندلس، وعندي أن من أعظم الأسباب في خذلان الأمة ابتعادها عن منهج ربها وضياع عقيدتها وتربيتها على الترف والدعة، وترك الجهاد في سبيل الله؛ ولذلك عندما تربَّى المرابطون على معاني الجهاد في سبيل الله، ومنهج أهل السُّنَّة, وَفَّقَهم الله لإقامة دينه وإعزاز سُنَّة نبيه ونصرة إخوانهم في الدِّين.
إن الجهاد من أعظم الدروس, فلمّا وُجد في الأندلس بقيت الأمة في عزةٍ ومنعة ومَهَابَة، ولما فُقِد أصبحت الأمة مطمعًا لكل جبار عنيد أو متكبر لا يؤمن بيوم الحساب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأسُ الأمر الإسلام، وعموده الصَّلاة، وذروة سنامه الجهاد»(23)، وقال صل الله عليه وسلم: «لغدوةٌ في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها»(24).
المصدر: كتاب (فقه التمكين عند دولة المرابطين).
[/size]

[size]
(1) أخرجه أحمد في مسنده (ج4/286). 
(2) البخاري، فتح الباري، كتاب الرقاق، باب (38 رقم 6501). 
(3) انظر: تاريخ الأندلس، ص390, د. عبد الرحمن الحجي. 
(4) سقوط الأندلس: د. ناصر العمر، ص24.
(5) مصرع غرناطة، ص93. 
(6) المصدر السابق، ص120.
(7) سقوط الأندلس، ص27. 
(Cool انظر: تاريخ الأندلس، ص211. 
(9) انظر: النصر والهزيمة، ص122. 
(10) نفح الطيب، (ج4/273، 274). 
(11) أخرجه أبو داود، كتاب البيوع، (باب 56، ت/ 54م). 
(12) سقوط الأندلس، ص31. 
(13) التاريخ الأندلسي، د. عبد الرحمن الحجي، ص325. 
(14) سقوط الأندلس، د. ناصر العمر ص33. 
(15) المصدر السابق، ص34. 
(16) المصدر السابق، ص35. 
(17) مجموع رسائل ابن حزم (ج3/173). 
(18) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة, الشنتريني، القسم الثاني، ص95. 
(19) سقوط الأندلس، ص40. 
(20) أخرجه البخاري، كتاب المظالم، رقم (2442)، مع الفتح (ج5/116). 
(21) البخاري مع الفتح كتاب المظالم رقم (2446 ج5/117). 
(22) انظر: التاريخ الأندلسي. 
(23) الترمذي, باب الإيمان، باب (Cool رقم (2616). 
(24) البخاري مع الفتح رقم (2792 ج6 / 17).
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48948
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا   السبت 21 مايو 2016, 9:47 pm

أسباب سقوط الدولة الأموية في الأندلس
د. راغب السرجاني







[size=18]أسباب سقوط الدولة الأموية
كان رأي بعض الباحثين أن سبب سقوط الدولة العامرية؛ ومن ثَمَّ سقوط الدولة الأموية في الأندلس هو تولِّي عبد الرحمن بن المنصور عبد الرحمن شنجول الحُكم، ذلك الفاسق الماجن الذي أسقط بني أمية وأحدَث هذه الاضطرابات الكثيرة في البلاد.

وحقيقة الأمر أنه ليس من سنن الله   أن تهلك الأمم لمجرَّد ولاية رجل فاسق لشهور معدودات، فلم يمكث عبد الرحمن بن المنصور في الحكم إلا أقلَّ من عام واحد، ومهما بلغ أمره من الفحش والمجون فلا يمكن بحال أن يُؤَدِّيَ إلى مثل هذا الفشل الذريع، والسقوط المدوِّي للبلاد، فلا بدَّ إذًا أن تكون هناك أسباب وجذور أخرى، كانت قد نمت من قبل وتزايدت مع مرور الزمن، حتى وصلت أوجها في فترة عبد الرحمن بن المنصور؛ ومن ثَمَّ كان هذا التفتُّت وذلك الانهيار.
وكما رأينا سابقًا في تحليلنا لأسباب ضعف الإمارة الأموية، وكيف كانت لهذا الضعف أسباب وجذور تمتدُّ إلى عهد قوة الإمارة الأموية ذاتها، فإن هناك ثلاثة أسباب رئيسة لسقوط الدولة الأموية؛ ومن ثَمَّ الدولة العامرية.
السبب الأول: انتشار الترف والإسراف
ويرجع هذا إلى زمن عبد الرحمن الناصر ذاته، ذلك الرجل الفذُّ الذي اتَّسم عصره بالبذخ والترف الشديدين، وكثرة إنفاق الأموال في زخرفة الدنيا؛ ومن ثَمَّ انشغال الناس بتوافه الأمور، وكانت الدنيا هي المهلكة، وليس أدلّ على ذلك من قصر الزهراء، الذي أنشأه عبد الرحمن الناصر، وكان آية في الروعة والجمال، وأعجوبة من أعاجيب الزمان في ذلك الوقت؛ فقد كان على اتساعه وكبر حجمه مبطَّنًا من الداخل بالذهب، بل كان سقفه -أيضًا- مبطَّنًا بخليط من الذهب والفضة، بأشكال تخطف الأبصار وتبهر العقول[1]، ومع أن عبد الرحمن الناصر لم يكن مُقَصِّرًا في الإنفاق على أي شأن من شئون الدولة؛ مثل: الإنفاق على التعليم، أو الجيش.. أو غيره، إلا أنَّ فِعْلَه هذا يُعَدُّ نوعًا من البذخ والترف المبالغ فيه؛ أَدَّى في النهاية إلى أن تتعلَّق القلوب بالدنيا وزخرفها.

ومما جاء في ذلك أن القاضي المنذر بن سعيد رحمه الله دخل على عبد الرحمن الناصر في قصره وكان على هذا الوصف السابق، فقال له عبد الرحمن الناصر: ما تقول في هذا يا منذر (يُريد الافتخار)؟! فأجابه المنذر ودموعه تقطر على لحيته قائلاً: ما ظننت أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ على ما آتاك الله من النعمة، وفَضَّلَكَ على كثير من عباده تفضيلاً حتى يُنْزِلَك منازل الكافرين.
فقال عبد الرحمن الناصر: انظر ما تقول، كيف أنزلني الشيطان منازل الكافرين؟! فردَّ عليه المنذر: أليس الله تعالى يقول في كتابه الكريم: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف:33].
فقد ذكر الله  السُّقُف التي من فضة في هذه الآية على سبيل التعجيز؛ يعني: لولا أن يكفر الناس جميعًا بسبب ميلهم إلى الدنيا، وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه؛ لهوان الدنيا عند الله ، لكنَّا لم نجعله، إلاَّ أن عبد الرحمن الناصر فعله، وجعل لقصره سقفًا من فضة.
وهنا وجم عبد الرحمن الناصر بعدما سَقطت عليه تلك الكلمات كالصخر، ثم بدأت دموعه –رحمه الله- تنساب على وجهه، وقام على الفور ونقض ذلك السقف، وأزال ما به من الذهب والفضة، وبناه كما كانت تُبْنَى السُّقُف في ذلك الزمن، إلاَّ أن مظهر الترف -لكثرة الأموال ومع مرور الوقت- يعود ويبرز من جديد، حتى أصبح الإنفاق في لا شيء، وقد قال الله I: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء:16][2].
السبب الثاني: توسيد الأمر لغير أهله:
إضافة إلى الترف والإسراف فقد كان توسيد الأمر لغير أهله من أهم الأسباب التي أَدَّت إلى سقوط الدولة العامرية والخلافة الأموية، ولقد تَجَسَّد هذا العامل واضحًا جليًّا حين ولَّى الحكم بن عبد الرحمن الناصر –الحكم المستنصر- ابنه أمور الحُكم في البلاد، وهو ما زال طفلاً لم يتجاوز الثانية عشرة سنة بعدُ، فأذن بهذا زوال الدولة الأموية في الأندلس؛ إذ تولَّى الحُكم رجال لم يملكوا عصبة الأمويين، فلئن كان منهم مقتدورن موهوبون كما كان المنصور وابنه، فلم يكن هذا متوفرًا فيمن بعدهم.

وقد حذَّرنا رسول الله صل الله عيه وسلم من توسيد الأمر لغير أهله حين أجاب السائلَ عن أمارات ووقت الساعة بقوله: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»[3].
وهكذا إذا تولَّى مَنْ لا يستحقُّ منصبًا من المناصب، فلا بُدَّ وأن تحدث الهزَّة في البلاد ويحدث الانهيار، فما البال وما الخطب إذا كان هذا المنصب هو منصب الخليفة أعلى مناصب الدولة؟! فقد ضُيِّعَت الأمانة، ووُسِّد الأمر لغير أهله، فكان لا بدَّ أن تقع الأندلس وتسقط الخلافة الأموية والدولة العامرية.
[/size]

[size]
[1] انظر: المقري: نفح الطيب، 1/566
[2] أبو الحسن النباهي: تاريخ قضاة الأندلس، ص72.
[3] البخاري: كتاب العلم، باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل 59 عن أبي هريرة t، وأحمد 8714، واليهقي 20150.
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
بلاد الأندلس .. التاريخ والجغرافيا
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: التاريخ :: دول غير التاريخ-
انتقل الى: