منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 بداية نزول الوحي وشق صدر النبي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: بداية نزول الوحي وشق صدر النبي   السبت 21 مايو 2016, 10:17 pm

بداية نزول الوحي وشق صدر النبي
د. راغب السرجاني






الرؤيا الصادقة
تروي السيدة عائشة -رضي الله عنها- قصة نزول الوحي، ولكن قبل الوحي كانت هناك مقدمات لنزول الوحي، فكانت الرؤيا الصادقة من المقدمات التي سبقت الوحي بستة أشهر، فكان رسول الله  لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وإن كان هذا الأمر غير مُصرِح بأمر الرسالة إلا أنه أمر لافت للنظر.
سلام الحجر عليه 
ولم يكن هذا هو التمهيد الأول، بل كانت هناك مقدمات عديدة عجيبة سبقت الوحي، وقد يرى ذلك وحده، وأحيانا يراها غيره معه، ومن ذلك سلام الحجر عليه، يقول النبي : "إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبِعَثَ إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ"
حادث شق صدر النبي 
وهناك حادث أعجب من ذلك، وهو حادث شق الصدر وهذا الحادث ثبت في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان، وهذا أمر ثابت جدًّا وهو أن النبي  قد شُق صدره وهو غلام وأخرج قلبه واستُخرجت علقة من قلب الرسول  وقيل: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسل قلبه في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأم صدر النبي . وكان أنس بن مالك يرى أثر المخيط في صدره .
وبعض من لا يؤمن بالغيبيات ومن لا يؤمن بقدرة الله  ينكر هذه القصة أصلاً معتقدًا أن الله غير قادر على ذلك، ويدعي أنه كان بإمكان الله  أن يستخرج من قلبه حظ الشيطان دون عملية جراحية.
وكل ذلك نوع من الإعداد والتهيئة والتربية لرسول الله  للاستعداد لنزول الوحي.
وكان ذلك أيضًا إعداد وتهيئة لأهل مكة ولجزيرة العرب؛ ليستقبلوا هذا الرسول، فشاع في مكة وفي جزيرة العرب حادث شق صدره ؛ ليعلموا أن هذا الإنسان وضعه مختلف عمن سبقوه، وأن هذا الرجل له وضع خاص.
اختبار وإيمان
ولكن الأهم من ذلك أن هذا الأمر هو في حد ذاته اختبار للمسلمين بعد ذلك بقدرة الله .
فمن آمن بأن الملائكة تستطيع أن تنزل إلى الأرض وتعود في لمح البصر، ومن آمن بأن الملائكة تستطيع أن تحمل جبلاً أو تقلب قرية أو غير ذلك، فمن اليسير أن يؤمن بهذه العملية الجراحية الصغيرة التي حدثت في هذا العمق من التاريخ.
والملائكة لا تقوم بهذه الأشياء لقدرة ذاتية فيها، لكن لأن الله  يريد، والله  قادر على ما يريد.
فالمسألة مسألة إيمان واختبار، فمن كان في قلبه شك فمن الصعب أن يؤمن بهذه القصة وبغيرها كالإسراء والمعراج وشق القمر، أو غير ذلك من الأحداث التي وقعت في زمان النبي .
قصة بدء الوحي
يروي البخاري قصة بدء الوحي عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلاَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إلى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ.
أي أن الله I دفعه إلى ذلك، فكان  يخرج فترة معينة من الزمان، قيل أنها شهر وتقريبًا أنه شهر رمضان، يختلي بنفسه يفكر في هذا الكون، وكيف نعبد هذا الإله، العرب بصفة عامة يعرفون أن الله I خالق هذا الكون وهو خالقهم، يقول سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ} [size=14][لقمان: 25]. ويقول: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [الزُّخرف: 87].

ولكنهم يعبدون هذه الأصنام لتكون لهم شفعاء عند الله كما قال الحق تبارك وتعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ} [يونس: 18].
وليتقربوا بها إلى الله  كما أخبر بذلك I عنهم بقوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلى اللهِ زُلْفَى} [الزُّمر: 3].
لكن الفطرة السليمة تأبى هذه العبادة، وكيف يمكن للإنسان أن يسجد لحجر؟! كيف يمكن أن يعتقد أن هذا الحجر يقدم نفعًا أو ضرًّا؟!
وما سجد النبي  لصنم في حياته قط، فكان يعلم أن لهذا الكون خالقًا ولكن لم يكن يعرف كيف يعبده..{وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى} [الضُّحى: 7].
ومعنى ذلك أنه لم يكن يعرف الطريق المناسبة التي يعبد بها خالق البشر وخالق الكون وخالق السموات والأرض، فهذا ما كان يفعله النبي  في غار حراء، وهو أنه كان يتفكر في الكون.
خلوة ولكن بغير اعتزال.
المؤمن بين العزلة والاختلاط
كان رسول الله  يخلو بربه شهرًا في كل عام، ويعتكف في رمضان، أما غير ذلك فكان يخالط الناس على ما بهم من شرور وآثام وإيذاء، يصلح ما بهم وينصح ويغيّر.
والذي يخالط الناس ويصبر على آذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على آذاهم، كما روى الترمذي وابن ماجه
عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ".
ولكن الحذر كل الحذر من الوقوع معهم في شرهم والاندماج في باطلهم، فالرسول  لم يكن يجلس أبدًا في مجالس اللهو والسمر وأماكن عبادة الأصنام، ولم يكن يشاركهم إلا في فضائل الأعمال مثل بناء الكعبة وحلف الفضول وغيره.
أما الحديث الذي رواه الحاكم والبيهقي من أن الرسول  هَمّ أن يسمر مع الشباب لما سمع عزفًا، فضرب الله على أذنه فنام، فهو حديث ضعيف ضعفه الحافظ ابن كثير والشيخ الألباني.
فالمسلمون وإن كانوا يخالطون الناس إلا أنهم معزولون عنهم عزلة شعورية كما يسميها سيد قطب في معالم الطريق، فهو وإن كان يعيش معهم بجسده إلا أنه يخالفهم ويفارقهم بعقله وقلبه ومنهجه، وما خالطهم إلا لإصلاحهم.
ولو انعزل الصالحون فمن لتعليم الناس، ومن لسد ثغرات المسلمين، ومن لمساعدة الناس، ومن للجهاد ونشر الدعوة.
عبرة وتربية
نلاحظ أن النبي  مر بمراحل من التهيئة والإعداد قبل الرسالة من سلام الحجر عليه، مرورًا بشق صدره إلى غير ذلك من الإرهاصات التي حدثت معه قبل البعثة في طفولته وشبابه.
لماذا كل هذه التهيئة وكل هذا الإعداد الذي استمر أربعين سنة، قد يقال إن الله يعده لحمل الأمانة الثقيلة، ولكن أليس من الممكن أن يعده الله لحمل الأمانة في لحظة واحدة يثبت قلبه فلا يخاف ولا يتردد، ما الحكمة من وراء هذا الإعداد الطويل جدًّا؟
إن الله  يعلمنا أمرًا مهمًّا وهو التأني في التربية، التدرج في حمل الناس على ما نريد، حتى ولو كان سيحمل الرسول رسالته، فيحملها له بالتدرج.
التدرج سنة من سنن الله  في التغيير والإصلاح.
التربية تحتاج إلى تدرج، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى تدرج.
حياة الرسول  ثلاثة وستون عامًا، منها أربعون عامًا إعداد للرسول ليتلقى الرسالة، وثلاث وعشرون سنة ليبلغ الرسالة.
وقد يتمنى البعض أن تكون فترة النبوة أكبر لتكون الاستفادة أكبر وأكبر، لكن كل ما أراده الله منا شرعه لنا، وكل المتغيرات التي قد تحدث في حياة الناس وكل الثوابت التي لا يمكن أن يفرطوا فيها حدثت في هذه الفترة الثلاث وعشرين سنة.
لكن لا بد أن تعرف أنك تحتاج إلى وقت ومجهود وتربية وإعداد لتربي فردًا من الممكن أن يحمل همَّ هذه الأمة الإسلامية. ولقد تربى النبي  أربعين سنة؛ ليحمل بعد ذلك هَمّ الدعوة، فإذا كان ذلك يحدث مع النبي  فلا معنى للاستعجال في تربية الناس.
فلا بد من فقه هذا الدرس جيدًا وهو التأني في التربية، فبعد أربعين سنة في مكة جاء اليوم الذي سيدخل عليه جبريل  وهو في خلوته في غار حراء، جاء جبريل  في هذه اللحظة الماجدة الخالدة في تاريخ الأرض، وهذا الموقف لم يحدث على وجه الأرض منذ ستمائة عام، فلقد بعث النبي  على فترة من الرسل، وبعد وفاة النبي  لن يتكرر هذا الموقف حتى يوم القيامة.
د. راغب السرجاني
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بداية نزول الوحي وشق صدر النبي   السبت 21 مايو 2016, 10:18 pm

كيف ينزل الوحي على رسول الله؟ (20)
د. راغب السرجاني







[size=18]جبريل في الغار:
عاد رسول الله صل الله عليه وسلم إلى الغار ليُكمل جواره، وكان هذا في شهر رمضان كذلك، وكما تعوَّد في الأيام الأخيرة تحقَّقَتِ الرؤيا التي رآها كفلق الصبح، وجاءه جبريل عليه السلام كما رأى في الرؤيا تمامًا!

دخل عليه جبريل عليه السلام في الغار وقال له: "اقْرَأْ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1-5]"[1]. وهكذا تحقَّق ما رآه صل الله عليه وسلم في رؤياه تمامًا بتمام، ولنا مع هذا الموقف وقفات ..
وقفة مع نزول جبريل على رسول الله:
قد يسأل سائل: لماذا الضغطة المتكرِّرة؟ ولماذا الإجهاد على رسول الله صل الله عليه وسلم؟ ولماذا التخويف له بهذه القوَّة الجبارة التي يراها من جبريل عليه السلام؟

ذلك فيما يبدو ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأمر حقيقي، وأنه غير واهم، وأنه يتألم ألمًا حسيًّا لما يراه؛ فمعنى ذلك أنه ليس هناك نوع من الأوهام أو الخيالات يراها، ثم إن هذا نوع من التدرُّج في طريقة نزول الوحي؛ فالوحي سينزل ثقيلاً هكذا؛ يقول ربنا عز وجل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5]. وكلمة {ثَقِيلاً} لا تعني فقط الثقل في المعنى أو المحتوى أو الأهمية أو القيمة، إنما تعني كذلك الثقل الحسي المادي؛ لأن رسول الله صل الله عليه وسلم عندما كان يُلْقَى عليه الوحي كان يشعر بثقل حقيقي مادي يقع عليه.
يُؤَكِّد ذلك زيد بن ثابت رضي الله عنه حين قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَمْلَى عَلَيْهِ  "لاَيَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ". قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يُمِلُّهَا عليَّ فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدتُ. وكان رجلاً أعمى، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله صل الله عليه وسلم وفخذه على فخذي، فَثَقُلَتْ عليَّ حتَّى خِفْتُ أن تَرُضَّ فخذي (أي تدقها أو تكسرها)، ثم سُرِّيَ عنه فأنزل الله عز وجل: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95][2].
فالثقل الذي كان للوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فخذه تشتدُّ ثقلاً على فخذ زيد بن ثابت رضي الله عنه، حتى كادت أن تُكْسَر، وهذا يعني ثقلاً ماديًّا حسيًّا كان ينزل عليه صلى الله عليه وسلم، وتقول عائشة رضي الله عنها: "إِنْ كَانَ لَيُوحَى إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَتَضْرِبُ بِجِرَانِهَا (جِرانُ البعير مقدَّم عُنقه من مذبحه إلى منحره)[3]. وهذا يعني أن الراحلة أو الدابَّة كانت -أيضًا- تشعر بالثقل الذي ينزل على رسول الله صل الله عليه وسلم عندما يُوحى إليه.
فمعظم صور الوحي التي كانت تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تأتيه في شكل شديد، بعضها أشد من بعض؛ سأل الحارث بن هشام رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: "أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ (يقلع وينجلي ما يتغشاني منه) عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلاً فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ"[4].
وهذا يعني أن الوحي كان يأتي في درجات شدَّة متفاوتة أشدُّها صلصلة الجرس، وبعضها أقل شدَّة من ذلك؛ ولكنه على العموم يأتي شديدًا، وتقول عائشة رضي الله عنها: "وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا" [5].
هذا كله يعني أن الوحي سيأتي بشكل شديد؛ ومن ثَمَّ كانت الضغطة والضمَّة التي يقوم بها جبريل عليه السلام لتدريب الرسول صل الله عليه وسلم على ما سيأتي لاحقًا؛ ولإعلامه بالطريقة الشديدة التي سيأتي بها الوحي في السنوات القادمة.
ولماذا يأتي الوحي بهذه الشدة؟
إن هذا -فيما أرى- نوع من الابتلاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان أشدَّ الناس بلاءً؛ فابتُلي في أهله، وماله، وبلده، وأصحابه، وأمور أخرى كثيرة، وكان يُوعَك مثلما يُوعك الرجلان من أُمَّته[6]، وهذا ابتلاء من نوع جديد يتعرَّض له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو ابتلاء تحمُّل ثقل الوحي عليه، وكما يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث: "أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ"[7]. فهذا نوع من الاختبار والامتحان للأنبياء، وكان صل الله عليه وسلم أشدَّ الناس ثباتًا، وأشدَّ الناس تقبلاً لهذا الأمر؛ حتى إنه كان يشتاق إلى ذلك الوحي مع شدَّته عليه.

يروي ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: "مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟"، فنزلت: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} [مريم: 64][8]. فمع هذه الشدَّة فإن رسول الله صل الله عليه وسلم كان يرى من ورائها الخير والهدى والرشاد والنفع للأُمَّة الإسلامية، وكان يشتاق لجبريل عليه السلام، ولكلام الله عز وجل؛ ومن ثَمَّ كان يطلب تكرار الزيارة، وتكرار نزول الوحي، مع كونه ثقيلاً عليه، ومؤلمًا له.
ولعلَّه من الواضح أنه من رهبة الموقف وشدَّة الضغطة لم يستحضر رسول الله صل الله عليه وسلم ما حفظه من كلام الملك في الرؤيا، فلم يرد على الملك عندما سأله: اقرأ. لم يرد عليه بالكلمات التي حفظها من الرؤيا السابقة؛ ولكنه قال: ما أنا بقارئ. وبالتالي تكرَّرت الضمات الثلاث كما بيَّنَّا، وليتحقق قدر الله عز وجل في حدوث الرؤيا على الحقيقة كفلق الصبح.
بعد هذا الموقف اختفى الملك، وخرج صل الله عليه وسلم من الغار مرتعبًا مرَّة أخرى إلى خديجة رضي الله عنها، وكما تقول عائشة رضي الله عنها في روايتها: "يَرْجُفُ فُؤَادُهُ" أي يرتعش فؤاده، وفي رواية "تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ (بادرة وهي لحمة بين المنكب والعنق)"[9]. ووصل إلى خديجة رضي الله عنها وقال لها: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي". فزملوه حتى ذهب عنه الروع، وأخبرها الخبر، ثم قال: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي".
كانت كلمة: "خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي" من رسول الله صلى الله عليه وسلم دلالة على أنه ما زال مرعوبًا مما رأى، ومن الواضح أنه حتى مع هذه التأكيدات التي شاهدناها قبل ذلك في القصة من ورقة بن نوفل، ومن الملك الذي وقف له في السماء، ومن غير ذلك من المشاهدات والإرهاصات؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال غير متيقن من كونه نبي هذه الأُمَّة؛ حيث إن التصريح بالرسالة من الملك كان مرة واحدة عند خروجه صلى الله عليه وسلم من الغار في المرة الأولى بعد "الرؤيا"، ولم يُصَرِّح له الملك بالرسالة عندما جاءه على الحقيقة في الغار، إنما اكتفى بقراءة الآيات دون أن يُوَضِّح مراده منها؛ لذا فإنه من الممكن أن يكون قد دخل في روعه صلى الله عليه وسلم أنه من المحتمل أن يكون هذا مسًّا من الجنِّ، ومسُّ الجنِّ يُحدث ألمـًا جسديًّا في مَن يُصيبون، ويُؤَدِّي إلى أمراض حقيقية يعاني منها البشر، فخشي صل الله عليه وسلم أن يكون الوضع كذلك.
 ولذلك جاء ردُّ فعل خديجة رضي الله عنها واضحًا فقالت: "كَلاَّ وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا". بمعنى أن الله عز وجل لن يفعل بك مكروهًا فيُعطيك الأمارات على أنك رسول، ثم يسحب منك هذه الأمارات، أو يُعطيك الأمل على أنك الذي ستحمل الهداية للناس، ثم بعد ذلك تُصبح مريضًا بسبب الجنِّ أو بغيره، فأنت لا يمكن أبدًا أن يقع معك هذا الخزي من الله عز وجل، وعَلَّلَتْ خديجة رضي الله عنها ثقتها في عدم وقوع الخزي لرسول الله صل الله عليه وسلم بقولها المشهور: "إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ"[10].
فهذه خمسة أعمال تقوم بها، لا يستقيم معها أن تتعرَّض للخزي من الله عز وجل، وفي رواية زادت صفة سادسة حيث قالت: "وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ"[11]. والذي يلفت النظر حقيقةً في كلمات خديجة رضي الله عنها أنها علَّقت في هذه الصفات على علاقة الرسول صل الله عليه وسلم بالناس، ولم تُعَلِّق خديجة في كلماتها على تَعَبُّده أو تَحَنُّثه في الغار، وفي هذا دلالة على أن المحكَّ الحقيقي للداعية هو في علاقته بالناس، وفي الاختبار الكبير الذي يقع فيه عندما يتعامل مع الطوائف المختلفة في المجتمع، خاصة إن كانت هذه الطوائف طوائف ضعيفة؛ كالمعدومين، أو كالمساكين، أو كالواقعين في أزمة من الأزمات.
فكان صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأمور هو المتحرِّك الأول، والمعين الأكبر لهؤلاء الضعفاء في بلده، وهنا تلحظ خديجة رضي الله عنها هذا الأمر، وتربط به بين علاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وبين علاقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالله عز وجل؛ فتقول: إن مَنْ يفعل هذه الأمور فإن الله عز وجل لا يمكن أبدًا أن يخزيه. ولسان حالها يتحدَّث بما قاله صل الله عليه وسلم بعد ذلك عندما أصبح رسولاً: "وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ"[12].
[/size]

[size]
[1] البخاري: بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(3)، واللفظ له، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صل الله عليه وسلم، (160).
[2] البخاري: كتاب الجهاد والسير، باب قول الله تعالى: {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء: 95]، (2677)، والترمذي (3033)، والنسائي (4308).
[3] أحمد (24912)، وقال شعيب الأرناءوط: حديث صحيح وهذا سند حسن. وقال الهيثمي: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 8/257.
[4] البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، (3043)، ومسلم: كتاب الفضائل، باب عرق النبي صل الله عليه وسلم في البرد وحين يأتيه الوحي، (2333).
[5] البخاري: بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صل الله عليه وسلم، (2)، والترمذي (3634)، والنسائي (1006)، وأحمد (26241).
[6] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: "إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ". البخاري: كتاب المرضى، باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول، (5324)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة، (2571).
[7] النسائي: كتاب الطب، أي الناس أشد بلاء، (7482)، واللفظ له، وأحمد (27124)، وقال شعيب الأرناءوط: حديث صحيح لغيره وهذا إسناد حسن. والدارمي (2783)، وقال حسين سليم أسد: إسناده حسن والحديث صحيح. وابن حبان (2900)، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده حسن.
[8] البخاري: كتاب التفسير، سورة مريم، (4454)، والترمذي (3158)، والنسائي (11319)، وأحمد (2043).
[9] البخاري: كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا، (6581)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صل الله عليه وسلم، (160).
[10] البخاري: بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، (3)، واللفظ له، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صل الله عليه وسلم، (160).
[11] البخاري: كتاب التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا، (6581)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صل الله عليه وسلم، (160).
[12] مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، (2699)، وأبو داود (4946)، والترمذي (1425).
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بداية نزول الوحي وشق صدر النبي   السبت 21 مايو 2016, 10:20 pm

جبريل في غار حراء في المرة الأولى
د. راغب السرجاني







[size=18]جبريل في غار حراء في المرة الأولى في منام رسول الله:
من رواية ابن إسحاق يتضح لنا أن جبريل جاء للرسول صلى الله عليه وسلم في المرة الأولى كرؤيا في حال النوم، فقد قال صل الله عليه وسلم نصًّا: "فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ وَأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطِ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ". ثم في آخر الحديث قال: "فَانْصَرَفَ عَنِّي، وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي، فَكَأَنَّمَا كَتَبْتُ فِي قَلْبِي كِتَابًا".

فهذان النصَّان في داخل الرواية يُشيران بشكل واضح أن القدوم الأول لجبريل عليه السلام في الغار كان في الرؤيا، وليس في الحقيقة، وهذا قد يستغربه كثير من الناس؛ لأننا نعرف أن جبريل تكلَّم مع رسولنا صل الله عليه وسلم في الحقيقة، ولكن واقع الأمر أن هذا سيحدث بعد ذلك.
إن هذه الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستتحقَّق بعد ذلك "كفلق الصبح"، وسيرى الموقف نفسه الذي رآه في هذه الرؤيا على وجه الحقيقة بعد ذلك بأيام، وهذا يُفسِّر لماذا جمعت عائشة رضي الله عنها في روايتها الرؤيا الصالحة مع موقف زيارة جبريل الأولى، فعائشة رضي الله عنها كانت تتكلم في روايتها عن رؤية جبريل على وجه الحقيقة؛ ولكنها ذكرت موضوع الرؤيا الصالحة في بداية الرواية للدلالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى هذا الموقف الذي تتحدَّث عنه عائشة رضي الله عنها في منامه قبل أن يراه على الحقيقة؛ بل إن هناك روايةً في البخاريتُصَرِّح فيها عائشة رضي الله عنها بذلك، فتقول: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صل الله عليه وسلم الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ جَاءَهُ المَلَكُ، فَقَالَ: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: 1-4]"[1].
وكما نرى في هذه الرواية أن عائشة رضي الله عنها لم تفصل بين كلمة: "الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ". وبين كلمة: "جَاءَهُ المَلَكُ" بأي فاصل من فواصل العطف، وهذا يعني أن الرؤيا الصادقة كانت عبارة عن مجيء الملك، فهي في هذه الرواية تتحدَّث عن موقف يسبق الموقف الذي تتحدَّث عنه في الرواية الأصْليَّة؛ وهي رواية رؤية الملك على الحقيقة، وواضح أن عائشة رضي الله عنها كانت تروي أحيانًا القصة مختصرة، وفي أحيان أخرى ترويها مفصَّلة، وهذا الذي جعل الالتباس يدخل عند البعض عند قراءة الروايات مجتمعة.
هذه الرؤيا شرحت صورة معينة للوحي، وهي صورة القراءة من كتاب؛ إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ وَأَنَا نَائِمٌ بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ فَقَالَ: اقْرَأْ". فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم هنا يُوَضِّح لنا أن جبريل عليه السلام أخرج كتابًا من النمط الذي يحمله، والنمط هو ثوب له خمل رقيق يُطرَح على هودج الجمل، والديباج هو الحرير، فهذا الثوب الحريري أخرج منه جبريل عليه السلام كتابًا، وطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقرأ من هذا الكتاب، وقال عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا أَقْرَأُ". فضمَّه الملك ضمَّة شديدة حتى قال صلى الله عليه وسلم: "حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ الْمَوْتُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي". في الواقع إن هذا يفتح بابًا مهمًّا من أبواب التفكير والدراسة؛ حيث يُوَضِّح هذا الموقف أن رسول الله صل الله عليه وسلم كان يرى "رسمًا" معينًا لحروف القرآن.

رسم القرآن الكريم، هل هو توقيفي أم اجتهادي؟
والعلماء يختلفون حول رسم القرآن الكريم، هل هو توقيفي؟ بمعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُتابِع هذا الرسم الذي يكتبه الصحابة رضي الله عنهم ويُقِرُّه، وهو بذلك -أي الرسم- من عند الله عز وجل؟ أم أن رسم القرآن الكريم كان اجتهادًا من الصحابة الذين يكتبون الوحي رضي الله عنهم؟ والحق أنني أميل إلى أن الرسم توقيفي بالدرجة الأولى، وهذه الرواية التي بين أيدينا دليل واضح على أن الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد رسمًا معينًا؛ نعم هو في ذلك الوقت لا يستطيع القراءة؛ لأنه لم يكن يقرأ، ولا يكتب، ولكنه يستطيع -ولا شك- أن يحفظ هذه الصورة، وعندما يكتبها الصحابة بعد ذلك فإنه صل الله عليه وسلم كان يُؤَكِّد لهم الصورة التي رآها في يد جبريل عليه السلام عندما طلب منه القراءة، أو أوحى إليه القرآن بعد ذلك.
ويدعم أن رسم القرآن توقيفي أن الكتابة في القرآن الكريم كانت مختلفة عن الكتابة المتداولة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتَّضح هذا الفارق عندما تُقارن بين كتابة القرآن الكريم وكتابة الرسائل التي أرسلها رسولنا صل الله عليه وسلم إلى قيصر أو كسرى أو المقوقس أو النجاشي، وكثير منها محفوظ، فتجد أن الكتابة التي كُتِبَ بها القرآن الكريم كانت خاصة، ومتميِّزة، ومختلفة عن غيرها من الكتابات، بالإضافة إلى أن الكتابة التي كُتِبَ بها القرآن الكريم تشمل إعجازًا واضحًا، وفيها فروقات كبيرة عن بعضها البعض، وتُكْتَب فيها الكلمات أحيانًا بطريقة، وفي آيات أخرى بطريقة مختلفة، وهذه الطريقة المختلفة تحمل معاني جديدة، وأعتقد أنه من المحال أن يكون هذا اجتهادًا من الصحابة؛ حيث إن الإعجاز واضح فيه وبارز، وكما قرأ جبريل عليه السلام القرآن بطريقة معينة، وهي طريقة الترتيل التي نقرأ بها القرآن حتى يومنا هذا، وهي طريقة فريدة لا يتكلَّم بها العرب في كلامهم المعتاد، ولا يقولون بها الشعر، وإنما هي خاصة بالقرآن الكريم؛ وذلك من حيث قواعد الترتيل المختلفة التي نعلمها من غُنَّة ومدٍّ وإدغام وإشمام .. وغير ذلك من قواعد التلاوة، فهذا أمر فريد بالقرآن.

فإذا كان هذا من قبيل السماع، فكذلك -والله أعلم- من قبيل الرؤية، أو من قبيل الرسم، فهو -أيضًا- أمر خاص بالقرآن الكريم، ومحفوظ بحفظ الله عز وجل له، ويُؤَكِّد هذا المعنى -أيضًا- ما قاله صلى الله عليه وسلم في رواية عبيد بن عمير في ابن إسحاق حين قال:" فَكَأَنَّمَا كَتَبْتُ فِي قَلْبِي كِتَابًا". فلم يُعلِّق صل الله عليه وسلم بقوله مثلاً: فوعيت ما يقول، أو فحفظت ما قال. إنما حدَّد أن هناك كتابًا معيَّنًا حُفِظَ في قلبه، وهذا يُعطي الانطباع أن هذه الطريقة -أعني طريقة السماع مع وجود رسم يُشَاهد- هي الطريقة التي ستستمر بعد ذلك في أغلب الوحي، أو على الأقل فيما يختص بالقرآن الكريم؛ لأن الوحي كان منه ما ينقل آيات من القرآن، ومنه ما كان أوامر وتعليقات في السُّنَّة المطهرة وليس من آيات القرآن، فهذا النوع الأخير من الوحي لا يحتاج بالطبع إلى مشاهدة رسم معين لأن الصحابة لا يكتبونه، بعكس القرآن الكريم الذي كان يُسَجَّل أولاً بأول.
وكأن هذه المرة الأولى التي التقى فيها جبريل برسول الله صلى الله عليه وسلم هي محاكاة أو تدريب على ما سيكون بعد ذلك من أمر الوحي، ولا مجال هنا للاعتراض على هذا الرأي بقول: إن هذا الموقف ورد مرة واحدة في السيرة، ولم يتكرَّر ذكر رؤية الرسول صل الله عليه وسلم لكتاب في يد جبريل عليه السلام؛ لأن الواقع في معظم تفاصيل السيرة، أو جزئيات الدين والشريعة، أنها كانت تنقل مرة أو مرتين فقط، وتكون هذه المرة كافية لأخذ الحكم منها، والموضوع كبير، والعلماء يختلفون في هذه القضية اختلافات ضخمة، ولكنني -كما ذكرتُ- أميل إلى رأي أن الكتابة كتابة توقيفية، وأنها من حفظ الله عز وجل.
ولعلَّ مراجعة الحوار اللطيف الذي دار بين عبد الله بن المبارك العلامة الكبير وشيخه عبد العزيز الدباغ، الذي كان من علماء القرآن الكريم المعدودين، يُوَضِّح لنا ما أُريد أن أنقله، أو ما أريد أن أقوله، وسأنقل هذا الحوار في الحاشية؛ لأنه خارج سياق القصة، ولكني وجدت أنه من اللطف بحيث ينبغي للقارئ أن يُتابعه، وفيه من أدب التحاور بين العلماء، وأدب طلب العلم، وفيه من العلم الواسع، وفيه من الحُجَّة البيِّنة ما يُمَتِّع القارئ إن شاء الله تعالى[2].
رؤية جبريل على الحقيقة بعد المنام خارج الغار!
إذن كانت المرة الأولى لجبريل عليه السلام في زيارته لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هيئة رجل جاء إليه في المنام، ودار بينهما الحوار المشهور؛ الذي قال فيه الملك لرسول الله صل الله عليه وسلم: "اقرأ. فقال: ما أقرأ". إلى آخر الحوار المشهور.

هبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه كما يقول: "وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي". وفي الغالب كان يُخالطه شعور كبير من الرهبة، وقد يكون من الخوف؛ لأن الملك كان يضمُّه ضمَّة شديدة، لعلَّها أرهقته حتى عندما استيقظ في الحقيقة، وتَذَكَّر الرؤيا التي رآها، خاصة وأنه يعرف أن رؤاه كانت تتحقَّق كفلق الصبح، فهو يتوقَّع أن يرى مثل هذا الحدث على وجه الحقيقة، بالإضافة إلى أنه سمع في هذه الرؤيا كلمات غريبة، وحفظها؛ فالجمل التي سمعها من جبريل عليه السلام: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} [العلق: 1-4] هذه الكلمات ليست بالشعر ولا بالكهانة، والرسول صلى الله عليه وسلم أفصح العرب قاطبة، ويعلم أنها ليست من كلام البشر، فهذا زاد من رهبته، وخاصة أن الآيات التي سمعها تتحدَّث عن الإله، الذي يُفَكِّر فيه، ويبحث عنه صل الله عليه وسلم.
هذا الشعور بالرهبة والخوف دفعه إلى الخروج من الغار، ومحاولة العودة السريعة إلى بيته ليَسْكُن إلى زوجته خديجةرضي الله عنها؛ لكن الأزمة اشتدَّت عندما خرج من معتكفه! لقد سمع صلى الله عليه وسلم صوتًا من السماء في هذا المكان الموحش يقول له: "يا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ". فيقول رسولنا صل الله عليه وسلم: " فَرَفَعْتُ رَأْسِي إلَى السَّمَاءِ أَنْظُرُ، فَإِذَا جِبْرِيلُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ صَافٍّ قَدَمَيْهِ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ".
هذا الوصف مهم؛ لأنه مغاير لوصف آخر سيراه رسول الله صلى الله عليه وسلم لاحقًا، وهذا الذي يُفَسِّر الاختلافات بين الروايات، فهذه المرة الأولى التي رأى فيها رسول الله صل الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، رآه في صورة رجل "يقف" في السماء.
كان المنظر مرعبًا -لا شك- لدرجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يصرف نظره حتى لا يرى الأمر، فيقول عن نفسه: "فَوَقَفْتُ أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَا أَتَقَدَّمُ وَمَا أَتَأَخَّرُ وَجَعَلْتُ أَصْرِفُ وَجْهِي عَنْهُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ". ولكن عندما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك الأمر ليتجنَّب رؤية الرجل الواقف في السماء، إذا به يرى منظرًا أشدَّ رعبًا، وأكثر تخويفًا؛ إذ إنه رأى الرجل في كل الاتجاهات التي حوله! يقول رسول الله صل الله عليه وسلم: "فَلاَ أَنْظُرُ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا (أي من السماء) إلاَّ رَأَيْتُهُ كَذَلِكَ!".
ثم يُكْمِل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف حالته المرتعبة فيقول: "فَمَا زِلْتُ وَاقِفًا مَا أَتَقَدَّمُ أَمَامِي، وَمَا أَرْجِعُ وَرَائِي حَتَّى بَعَثَتْ خَدِيجَةُ رُسُلَهَا فِي طَلَبِي، فَبَلَغُوا أَعْلَى مَكَّةَ وَرَجَعُوا إلَيْهَا، وَأَنَا وَاقِفٌ فِي مَكَانِي ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنِّي" [3]. لقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكانه، وما استطاع أن يتحرَّك، ويبدو أن الموقف أخذ وقتًا طويلاً؛ لأن خديجة رضي الله عنها رأت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تأخَّر عن موعده، فأرسلت رسلها تطلبه في كل مكان؛ لكنه صلى الله عليه وسلم كان قد غادر الغار، ووقف في بطن الجبل، ولم يره الناس، فظلَّ واقفًا هذه المدَّة الطويلة، ثم بعد أن انصرف الرجل الواقف في السماء عاد رسول الله صل الله عليه وسلم بسرعة إلى خديجة رضي الله عنها وهو في حالة من الرعب الشديد.
من المؤكد أن ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشغولاً في التفكُّر في هذا الحدث المهول الذي رآه منذ لحظات؛ فالرجل الواقف في السماء صرَّح أن محمدًا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصرَّح بكينونته هو؛ حيث عرَّف نفسه على أنه جبريل؛ لكنه لم يُكَلِّفه بشيء، والواقع أننا لا ندري إن كان رسول الله صل الله عليه وسلم يعلم على وجه اليقين أن هذا الزمان هو زمان ظهور نبي، أو أن جبريل هو الملك الذي ينزل على الأنبياء، أم لا يعلم هذه الأمور؛ فالسيرة لم تُوَضِّح هذه النقطة.
نعم ذكر ورقة بن نوفل قبل البعثة لخديجة رضي الله عنها أنه من المحتمل أن يكون الضوء أو الصوت الذي يُشاهده ويسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الناموس الذي كان يأتي موسى عليه السلام، وذكر لها كذلك أنه من المحتمل أن يُصبح محمدٌ صلى الله عليه وسلم رسولَ الأمة، نعم حدث هذا ولكن تبقى كل هذه الكلمات من ورقة وغيره مجرَّد احتمالات لا يدعمها دليل قطعي؛ ومن ثَمَّ فهي تندرج تحت الظنون لا اليقين، ولذلك عاد صل الله عليه وسلم وهو خائف بشدَّة من الحدث، لا يدري على وجه الحقيقة إن كان أمر الرسالة والنبوة سيتحقق كما أنبأه الرجل الواقف في السماء، أم أنها أوهام لا يدري ما تفسيرها.
وقفة تأمل مع اللحظات الأولى لتلقي الوحي:
وخوف الرسول صلى الله عليه وسلم في اللحظات الأولى لتلقي الوحي لا بُدَّ أن نتوقَّف معه؛ لأن هذا أمر متكرِّر عند لحظات الوحي الأولى مع بعض الأنبياء، وقد قصَّ لنا القرآن الكريم قصة اللحظات الأولى من الوحي التي مرَّ بها موسى عليه السلام، وهي اللحظات الوحيدة التي شُرحت في القرآن الكريم عن هذه الصورة، ونقل لنا فيها ربنا عز وجل ما يدلُّ على خوف موسى عليه السلام كذلك، عندما نزل عليه الوحي للمرة الأولى، يقول الله عز وجل على سبيل المثال في سورة النمل: {وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل: 10] وقال تعالى: { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ} [القصص: 31]. فالخوف الذي حدث مع موسى عليه السلام بسبب رؤية العصا تتحوَّل إلى حيَّة، حدث مع رسولنا صلى الله عليه وسلم بسبب الضمَّة الشديدة، التي ضمَّها إيَّاه جبريل عليه السلام في الرؤيا، ثم بعد ذلك عندما رأى جبريل عليه السلام واقفًا في السماء يخاطبه، ولعلَّنا نتفكَّر في سبب هذه الحالة من الخوف التي انتابت الرسولين الكريمين عليهما الصلاة والسلام عند بداية الوحي؛ فنقول: لعلَّ الحكمة من وراء ذلك أن يُدرك النبيُّ أن هذا الأمر حقيقة، وليس نوعًا من الخيال أو الأوهام، كما أن هذا يلفت النظر إلى بشرية الرسول صل الله عليه وسلم، فهو -وإن كان مؤيدًا بالوحي، ومتابعًا من الله عز وجل بشكل مباشر- فإنه في النهاية بشر.

وقد أمر الله عز وجل رسولنا الكريم أن يُصَرِّح بهذه الحقيقة في مواقف كثيرة من القرآن الكريم؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}[الكهف: 110]. وهذا كثير في القرآن الكريم بهدف إثبات بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يُغالي الناس بعد ذلك فيه، ويرفعوه إلى مقامات أعلى من مقامات البشرية، كما فعلوا قبل ذلك مع عيسى عليه السلام، وقد يكون هذا الخوف -أيضًا- لإثبات عدم تشوُّف الرسول صلى الله عليه وسلم للرسالة، أو توقُّعه إيَّاها، وهذا يُؤَكِّد صدق النبوة، وصدق الوحي، وأنه ليس من اختراع أو ابتداع رسول الله صل الله عليه وسلم.
وقد يكون لأسباب أخرى غير التي ذكرناها؛ لكنها في النهاية حقيقة مشاهَدَة، وأمر واقع، أنه كان صل الله عليه وسلم في حالة شديدة من الخوف عندما مرَّت به هذه الأحداث الكبيرة.
[/size]

[size]
[1] البخاري: كتاب التفسير، سورة العلق، (4673).
[2] ذكر العلامة ابن المبارك نقلاً عن العارف بالله شيخه عبد العزيز الدباغ؛ أنه قال في كتابه الإبريز ما نصه: رسم القرآن سر من أسرار الله المشاهدة وكمال الرفعة، قال ابن المبارك: فقلت له: هل رسم الواو بدل الألف في نحو: "الصلاة، والزكاة..". وزيادة الواو في "سأوريكم، وأولئك...". وكالياء في نحو: "هديهم، وملائه...". هذا كله صادر من النبي صلى الله عليه وسلم أو من الصحابة؟ فقال: هو صادر من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أمر الكُتَّاب من الصحابة أن يكتبوه على هذه الهيئة، فما نقصوا ولا زادوا على ما سمعوه من النبي صل الله عليه وسلم. فقلت له: إن جماعة من العلماء ترخصوا في أمر الرسم، وقالوا: إنما هو اصطلاح من الصحابة مشوا فيه على ما كانت قريش تكتب عليه في الجاهلية، وإنما صدر ذلك من الصحابة لأن قريشًا تعلموا الكتابة من أهل الحيرة، وأهل الحيرة ينطقون بالواو في الربا فكتبوا على وفق منطقهم، وأما قريش فإنهم ينطقون فيه بالألف، وكتابتهم له بالواو على منطق غيرهم وتقليد لهم، حتى قال القاضي أبو بكر الباقلاني: "كل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه.." فقال: ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي، وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها؛ لأسرار لا تهتدي إليها العقول، وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية، وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضًا معجز، وكيف تهتدي العقول إلى سر زيادة الألف في مائة دون فئة، وإلى سر زيادة الياء في "بأييد وبأبيكم"؟ أم كيف تتوصل إلى سر زيادة الألف في "سعوا" بالحج ونقصانها من "سعو" بسبأ؟ فكل ذلك لأسرار إلهية وأغراض نبوية، وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تدرك إلا بالفتح الرباني. انظر: محمد عبد العظيم الزرقاني: مناهل العرفان في علوم القرآن، 1/382-385.
[3] ابن هشام: السيرة النبوية 1/236، والطبري: تاريخ الرسل والملوك، 2/300، وابن كثير: البداية والنهاية 3/18، وفي سيرة ابن إسحاق المطبوعة الرواية "عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان... عن بعض أهل العلم أن رسول الله صل الله عليه وسلم حين أراد الله...". انظر: ابن إسحاق: السير والمغازي، 1/167، وقال الصوياني: إسناده صحيح: رواه ابن إسحاق: حدثنا وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عميرة بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله من النبوة.. وهذا الإسناد صحيح: ابن إسحاق لم يدلس، ووهب تابعي ثقة.. انظر: تخريج أحاديث السيرة (1/223)، وسيرة ابن كثير (1/402). انظر: الصوياني: السيرة النبوية 1/64، وقال البرزنجي في صحيح وضعيف تاريخ الطبري: إسناده ضعيف، ورواه بطوله ابن هشام في سيرته... قال ابن إسحاق: وحدثني وهب بن كيسان... وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي. وهذا إسناد مرسل صحيح، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث... قلنا: والحديث حسن بمجموع طرقه. انظر: صحيح وضعيف تاريخ الطبري، 2/14.
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بداية نزول الوحي وشق صدر النبي   السبت 21 مايو 2016, 10:21 pm

اقرأ .. أول ما نزل من القرآن الكريم 
د. راغب السرجاني







[size=17]دخل عليه جبريل عليه السلام في غار حراء، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقْرَأْ". قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [size=14][العلق: 1-5]"[1].
[/size]
وقفة مع الآيات الخمس الأولى التي نزلت:
والحق أننا ينبغي أن نقف وقفة مع الآيات الخمس الأولى التي نزلت، وخاصة مع الكلمة الأولى التي نزلت من هذه الآيات الخمس على قلب رسول الله صل الله عليه وسلم؛ حيث جاءت الآيات تحثُّ على موضوع واحد؛ وهو موضوع العلم، وتختار وسيلة واحدة من وسائل التعلُّم وهي القراءة؛ لتُصبح هي البداية لهذا المنهج الرباني العظيم.

إن القرآن الكريم يزيد عن 77 ألف كلمة، ومن بين كل هذا الكمِّ من الكلمات، كانت كلمة: "اقرأ". هي الأولى في النزول، كما أن في القرآن الكريم آلافًا من الأوامر مثل: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} [هود: 114]، ومثل: {آتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43]، ومثل: {وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} [البقرة: 218]، ومثل: {وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ المُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} [لقمان: 17]، ومثل: {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 254]. وهكذا، ومن بين كل هذه الأوامر نزل الأمر الأول: "اقرأ".
مع الأخذ في الاعتبار أن رسول الله صل الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب، وقد تحلَّى بآلاف الفضائل والأخلاق الحميدة، وكان من الممكن أن يتحدَّث القرآن الكريم في أولى آياته عن أحد هذه الأخلاق العظيمة؛ لكن يبدو أن الإشارة واضحة من أن مفتاح بناء هذه الأُمَّة، وأول الطريق الصحيح هو "العلم"، وإحدى أهم وسائل التعلُّم كما أشار ربُّنا عز وجل هي القراءة، وبالتالي كرَّر الأمر بالقراءة في الآيات الخمس الأولى مرتين.
وذكر كلمة العلم بمشتقاتها ثلاث مرات، وذكر القلم وهو وسيلة من وسائل الكتابة مرَّة، كل ذلك في خمس آيات؛ مما يدلُّ على أهمية العلم والقراءة في حياة أُمَّة الإسلام، ولَفْت النظر إليه كان ضرورةً؛ ليعلم المسلمون كيف يبدءون بناء أمتهم بعد ذلك، كما لفتت الآيات النظر إلى أن القراءة المطلوبة هي قراءة بسم الله عز وجل.
ومعنى هذا أنها قراءة تُرضي الله ولا تغضبه، فهي ليست قراءة منحرفة، وليست قراءة تافهة أو ضالَّة أو مُضِلَّة؛ إنما هي قراءة كما أمر الله عز وجل باسمه تعالى، وعلى الطريقة التي علَّم بها الله عز وجل عباده المؤمنين.
كذلك الآيات تتحدَّث عن صفة من صفات الله عز وجل لم يَدَّع أحد من المشركين أن هذه الصفة منسوبة لأحد الآلهة التي يعبدونها من دون الله، وهي صفة الخلق؛ حيث قال الله عز وجل: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]؛ وهذا لكي ينتفي عن رسول الله صل الله عليه وسلم أي نوع من الالتباس في الذي رآه.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم منذ زمن وهو يبحث عن خالق هذا الكون، وخالق الناس، وكيف يمكن أن يعبده، فيلفت الله عز وجل نظره إلى أن جبريل الذي جاءه بهذه الآيات يتحدَّث عن الإله الذي خلقه وخلق السماوات والأرض، وخلق كل شيء؛ ومن ثَمَّ يأخذ انتباه رسول الله صل الله عليه وسلم، ويجعل وعيه يُدرك أنه في موقف حقيقي، وليس في وهم أو خيال.
[/size]

[size]
[1] البخاري: بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم(3)، واللفظ له، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله صل الله عليه وسلم، (160).
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بداية نزول الوحي وشق صدر النبي   السبت 21 مايو 2016, 10:22 pm

الوضع الثقافي في الجزيرة العربية
د. راغب السرجاني






لماذا مكة؟
تحدثنا عن الزمان الذي بعث فيه رسول الله ، والآن نتحدث عن المكان الذي بُعث فيه .
لماذا مكة؟ هذا هو السؤال الذي نبدأ به، لماذا لم يُبْعث الرسول في فارس أو الروم أو في فلسطين ككثير من الأنبياء؟ أو في مصر كسيدنا موسى ؟
لماذا ينزل الوحي في مكة، وتجري أحداث قصة الرسول في المدينة والجزيرة والطائف وغيرها؟
ليس هناك نقطة واحدة في حياة الرسول  عشوائية، بل كل نقطة بحساب، فإن الرسول  سيصير قدوة لكل المسلمين؛ لذا لا بد أن تكون كل خطوة في حياته محسوبة بدقة.
إذن كان الوضع في جزيرة العرب هو الوضع المناسب لقيام الدعوة الإسلاميّة.
من الواضح أن التجربة الإسلاميّة الأولى كانت تجربة ناجحة تمامًا، ومن الواضح - أيضًا - أن البيئة التي نشأت فيها الرسالة، وخطت فيها خطواتها الأولى كانت بيئة صالحة؛ لأننا رأينا الإسلام ينتشر بسرعة عجيبة وبثبات أعجب، ففي غضون سنوات قليلة لا تحسب في التاريخ بشيء وصل الإسلام من أقصى الأرض إلى أقصاها.
ليس هذا فقط، بل دخل الناس في دين الله أفواجًا، راغبين غير مكرهين، مختارين غير مجبرين.
نريد أن ندرس هذا السؤال لنعلم المقومات التي أنجحت هذه الرسالة. نعم إن الرسالة من الممكن أن تحقق نجاحًا ذاتيًّا، لأنها عظيمة في ذاتها، وتصلح لكل زمان ومكان، ولكن من منظور هذه السطور نحن نقول: كيف نبني أمة؟ وأول البناء وضع الأساس.
نريد أن نعرف لماذا اختار الله  هذه الرقعة من الأرض لوضع الأساس لهذا المشروع الناجح (الإسلام)؟ ما مواصفات هذا المكان؟ ما ظروفه؟ ما طبيعته؟ فإذا عرفنا ذلك فإننا قد نستطيع أن نستخرج قواعد في غاية الأهمية لإعادة بناء الأمة الإسلاميّة على أساس صحيح، وسندرك بعدها أي بيئة ستكون أصلح لنشأة هذا الدين وتمكينه.
ونحن ندرك أنّ الحكمة الكاملة وراء اختيار المكان لا يعلمها إلا الله ، ولكننا في المقالات التالية سنبحث قدر الاستطاعة، ونسأل الله التوفيق.
إيمان أهل مكة بالله
لعل من الحكمة من وراء نزول الرسالة في هذا المكان أنّ أهل هذه البقعة من الأرض كانوا يؤمنون بالله I، ويعلمون أنه خالق، ولكنهم حكموا غيره في حياتهم، واتخذوا إليه شفعاء، قال الله  في كتابه الكريم: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [size=14][الزُّخرف: 87]، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [لقمان: 25]، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى} [الزُّمر: 3].

فالذي يؤمن بالله، ولكن هناك اضطراب في فهمه، وقصور في إدراكه أقرب من الذي يؤمن بإله آخر، أو لا يؤمن بوجود إله أصلاً.
لم يكن في الأرض وقت البعثة النبوية الشريفة من يفقه هذه الحقائق إلا أقل القليل.. كان هناك من يعبد المسيح ، وهناك من يعبد النار، وهناك من يعبد بوذا، وفي الهند كان هناك من يعبد بقرةً أو شجرةً أو فأرًا أو قردًا.
أولويات اختيار المدعو
لكنّ الله  يعلمنا أن ندعو الأقرب فالأقرب:
- فندعو الذي يؤمن بوجود الله قبل الذي ينكر وجوده.
- وندعو الذي يعظِّم الله  قبل الذي لا يعظمه.
- كما ندعو الذي يحب الدين ولكن لا يتبعه قبل الذي لا يحب الدين أصلاً.
وأولى الناس بدعوتنا في هذا الزمان هم المسلمون.
وأنا لست ضد دعوة اليهود والنصارى، بل على العكس هذا أمر عظيم وعظيم جدًّا، ولكن ابدأ بالأقرب فالأقرب: لا تترك جارك في السكن أو في العمل أو في النادي أو في غيره دون دعوة وهو مسلم وتتجه إلى دعوة غيره من غير المسلمين.
أَمَّا إن انتهيت من الدائرة الأولى حولك، فانطلق منها إلى غيرها مع مراعاة الأولويات.
الوضع الثقافي في الجزيرة العربية
الوضع الثقافي في مكة المكرمة خاصة والجزيرة العربية بصفة عامة، فلم يكن فيها فلسفات، ولم يكن فيها تشريعات مركبة، ولم يكن فيها قوانين مفضّلة، إنما هي حياة بسيطة إلى أبعد درجات البساطة، بينما كانت الحضارات المعاصرة ذات أفكار مرتبة، وفلسفات خاصة، وتاريخ طويل، على الوضع التالي:
1- الدولة الرومانية الغربية والشرقية
كان لديها قوانين وتشريعات في مختلف المجالات، بالطبع كان فيها ظلم وإجحاف، ولكنها في العموم قوانين تغطي مجالات الحياة.
2- اليونان
كانت جزءًا من الدولة الرومانية، كما ظهر فيها فلاسفة كبار لهم فلسفات خاصة كسقراط وأفلاطون وأرسطو.
3- الدولة الفارسية
ظهر لديهم فلاسفة كمزدك (صاحب فكرة الشيوعية) وزرادشت.
4- الهند
كان لديهم الكثير من حكمائهم طبقًا لأفكارهم.
5- مصر الفرعونية
 وكان لديهم تاريخ طويل، وقوانين وتشريعات عديدة.
ورغم كل هذا نشأت الرسالة في مكان يعتبر بلا تاريخ ولا وضع ثقافي يُذكر، اللهم إلا الشِّعر، لكن حتى الشعر لم يكن له دور فعال، أو أهمية خاصة في إنشاء الأمة الإسلاميّة، بل إن رسول الله  لم يكن يعرف نَظْم الشعر رغم بلاغته وفصاحته ، وقد قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} [يس: 69]. أي لا يصح له أن يقول الشعر، وليس ذلك لأن الشعر حرام، ولكن لكي لا يختلط على الناس الأمر، فيعتقدوا أن القرآن نوع جديد من الشعر ساقه الرسول من عنده.
وكذلك كان المهاجرون -على فصاحتهم- لا يقولون الشعر إلا قليلاً، فأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وطلحة والزبير، كان معظمهم لا يقول الشعر، ولم يظهر للمسلمين شعراء إلا بعد تثبيت أركان الدولة الإسلاميّة في المدينة، فظهر من الأنصار شعراؤهم: كعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة وغيرهم.
نقاء رسالة الإسلام
كل ما ذكرناه آنفًا لم يكن إلا لشيء واحد، هو من الأهمية بمكان، ألا وهو: نقاء الرسالة؛ حتى لا تختلط الرسالة بأفكار أخرى سابقة، وهنا قد يتهمها الناس بأنها مجرد تطور لمعتقدات معينة، وقواعد خاصة وضعوها منذ آلاف السنين، قد يحث بعضها على معنى أو فضيلة معينة يحث عليها الإسلام أيضًا، ولكن مع شيء من التحويل والتغيير، فقد يحث بعضهم على الصدق، أو الزهد في الدنيا والأمانة، فإذا جاءت هذه الأفكار في الإسلام فقد يعتقد البعض أنها مجرد تطور لأفكار الفلاسفة.
وقد ادعى بعض أعداء الإسلام هذا الادعاء رغم بُعد الرسول  عن هؤلاء الفلاسفة، ورغم كونه  أُمّيًّا وقت نزول الرسالة، فكيف تكون الحال إذا نزلت الرسالة في بلدٍ مملوءٍ بالفلاسفة والمفكرين؟!
كما أنّ هناك أمرًا آخر مهم أيضًا هو ضمان عدم تسرب بعض هذه الأفكار والفلسفات إلى الإسلام شيئًا فشيئًا دون دراية المسلمين بذلك، فيختلط الصواب بالخطأ، والحق بالباطل.
إن الجزيرة العربيّة رغم خلوها من الفلسفات والأفكار القديمة، فإن مجتمع المسلمين فيها احتاج جهدًا كبيرًا لإلغاء عادة مثل التبني، فقد استلزم الأمر طلاق الصحابي الجليل زيد بن حارثة  من زوجه زينب بنت جحش رضي الله عنها، ثم زواج النبي  منها، كل ذلك لإحداث هزة في المجتمع لإلغاء هذه العادة، فكيف لو كان البلد حافلاً بالفلسفات وأصحابها؟!
إن الله  يريد أن يحفظ نقاء الرسالة، ولعل هذا هو السر -أيضًا- في عدم نزول الرسالة في فلسطين، وذلك حتى لا تصبح الرسالة مجرد امتداد لليهودية أو النصرانية.
نعم أصول التوحيد واحدة، ولكن الإسلام أتى بتشريع كامل متكامل يحكم الدنيا والدين، كما أن اليهودية والنصرانية قد حُرِّفَتا بدرجة كبيرة جدًّا، ولم يعد أحد يدري أين الصحيح من المزوَّر؟
أراد الله I أن تنزل الرسالة في مكة ليس فلسطين، حتى لا يدّعي أحد أنَّ الرسول  قد مزج بين التوراة والإنجيل، وحرَّف فيهما قليلاً وغيَّر، وصنع منهما الإسلام.
إن كفار مكة قد ادعوا ذلك على الرسول الكريم  فادّعوا أن الرسول يأخذ القرآن من غلام نصراني، فكيف لو نزلت الرسالة في بلدٍ مملوءٍ بأهل التوراة والإنجيل كفلسطين؟
لذلك نزلت الرسالة في بلد ليس فيه أي نوع من الثقافات السابقة أو القوانين أو التشريعات. كل هذا ليبقى الدين في النهاية نقيًّا خالصًا {أَلاَ للهِ الدِّينُ الخَالِصُ} [الزُّمر: 3].
من هنا نفهم موقف رسول الله  من عمر بن الخطاب  عند رؤيته يقرأ صحيفة من التوراة. روى أحمد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ  أَتَى النَّبِيَّ  بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهُ النَّبِيُّ  فَغَضِبَ (وفي رواية: أن عمر هو الذي كان يقرأ)، فَقَالَ الرَّسوُلُ : "أَمُتَهَوِّكُونَ[1] فِيهَا يَابْنَ الْخَطَّابِ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى  كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِي".
هذا الحديث وإن كان فيه أحد الضعفاء (مجالد بن سعيد) إلا أنه ورد من طرقٍ شتى يقتضي مجموعها أنّ لها أصلاً كما قال ابن حجر في الفتح.
ومن هنا -أيضًا- نفهم النهي المتكرر الصريح والجازم الذي جاء في القرآن الكريم بخصوص قضية اتباع الآباء.
لا شك أنه ستكون هناك تقاليد معينة في مكة، ومعتقدات خاصة عند السابقين، فلو اختلطت هذه المعتقدات (وإن كانت قليلة) بالإسلام، فإنّ ذلك لا يضمن بعد ذلك وضوح الرؤية ونقاء الرسالة، قال الله : {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170].
د. راغب السرجاني
[/size]

[size]
[1] متهوكون: أي متشككون أو متحيرون.



[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: بداية نزول الوحي وشق صدر النبي   السبت 21 مايو 2016, 10:23 pm

اللغة العربية ونزول الرسالة بمكة
د. راغب السرجاني






أهمية اللغة العربية
لعل من الحكمة أيضا من نزول الرسالة في مكة أنها بلد يتحدث العربيّة. فاللغة العربيّة هي أشرف اللغات، وبها نزل القرآن الكريم، وهي لغة أهل الجنة، والقرآن كلام الله ، ولم ينزله الله I بهذه اللغة لأجل أهل الجزيرة العربيّة فقط، بل أنزله للعالم بأسره، في زمان رسول الله  وبعد زمانه إلى يوم القيامة.
كان هناك الكثير من اللغات، واستحدث غيرها من اللغات على مر التاريخ، وستكون هناك لغات أخرى إلى يوم القيامة، ومع ذلك فإن الله  أراد لهذا القرآن وهذا المنهج أن يكون باللغة العربيّة.
والله سبحانه يعلم أنّ اللغة العربيّة قد تكون أقل انتشارًا من اللغة الإنجليزية مثلاً أو الصينية، وقد تكون هناك شعوب كثيرة تتحدث الفرنسية وأخرى كثيرة تتحدث الأردية، وثالثة تتحدث الأسبانية، لكن مع علم الله  هذا إلا أنه أنزل القرآن باللغة العربيّة.
مميزات اللغة العربية
إنّ الحكمة الكاملة من نزول القرآن الكريم باللغة العربية لا يعلمها إلا الله I، ولكن من المعلوم والواضح أنّ اللغة العربيّة ثرية جدًّا، بل هي أثرى لغة عُرفت في الأرض، الشيء الواحد له أكثر من اسم في هذه اللغة العظيمة:
فالعسل له ثمانون اسمًا، والثعلب له مائتا اسمٍ، والأسد له خمسمائة اسمٍ، والسيف له ألف اسمٍ. وإذا أردت أن تصف أحدًا بأنه داهية فلديك أربعة آلاف اسم يمكنك أن تسميه به. كما أن الكلمة الواحدة وبنفس ضبطها، قد يكون لها معانٍ كثيرة لا تحصى.
كل هذا أعطى اللغة العربيّة إمكانات هائلة، فتنزل الآية بكلمات قليلة محدودةً، ومع ذلك فإنها تحمل من المعاني ما لا يتخيل حصره، وكلما نظر مفسِّر في الآية استخرج منها معاني معينة، وقد ينظر المفسر الواحد في الآية أكثر من مرة، فيخرج منها كل مرة بمعنى جديد إضافي، وتمّر الأزمان والأزمان ويأتي مفسرون يستخرجون معاني جديدة، وصدق عليُّ بن أبي طالب  عندما وصف القرآن بأنه: لا يَخْلق (أي لا يبلى) من كثرة الرَّدِّ، أي من كثرة الترديد والقراءة.
وكانت كلمات الرسول  أيضًا باللغة العربيّة، وآتاه الله  جوامع الكلم، فكان يقول الحديث من الكلمات القليلة جدًّا، فإذا به يحوي أحكامًا لا تنتهي. فهي لغة عجيبة جدًّا.
وما دام الله I قد اختار أن ينزل القرآن باللغة العربيّة، فلا بد أن ينزله إلى قوم يتحدثون العربيّة، بل وصلوا فيها إلى أعظم درجات الإعجاز البشري، فصار لديهم إتقان عجيب للغة، والتصرف فيها كما يشاءون.
اللغة في ألسنتهم سهلة لينة طيعة، والشعر عندهم أمره عجيب، فالمعلقات الهائلة كانت تعلق في الكعبة، وهم يقولون الشعر في كل الظروف؛ في الفرح والحزن، في الحرب والسلم، حتى قبل الموت والسيوف على الرقاب يقولون الشعر، والمعارضة بالشعر فنٌّ أصيل لديهم، يقول الواحد منهم بيتًا، فيرد عليه آخر فورًا ببيت على نفس الوزن ونفس القافية، وفي نفس المعنى.
الإعجاز القرآني الفريد
ونحن قد رأينا نجاح التجربة الإسلاميّة في الجزيرة العربيّة، ولا بد أنّ من عوامل نجاحها إتقان أهل هذه البقاع للغة العربيّة، وذلك لأنه أولاً: كان أدعى لإيمان الناس بكلام الله ، وبإدراك الإعجاز الإلهي في كل سورة وفي كل آية، قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ [size=17]* فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 198، 199].

العرب المتقنون للغة أدركوا من اليوم الأول، ومن اللحظة الأولى أن هذا كلام معجز.
لم ينقدوا آية واحدة من آيات القرآن الكريم، ولم يعارضوا القرآن بمثله أبدًا، لم يجتمع شعراؤهم وأدباؤهم وحكماؤهم ليؤلفوا آية واحدةً مع تحدي القرآن لهم بتأليف قرآن مثله أو عشر سور أو حتى سورة واحدة، فلم يستطيعوا وما حاولوا، إنهم في حالهم هذه كرجل قويٍّ طلبت منه حمل عمارة سكنيّة، إنه قويُّ فعلاً، ولكنّ حمل العمارة بالنسبة له حلم كالمعجزات، إذن معرفة العربيّة أدعى لفهم الإعجاز العجيب في كتاب الله.
وليس هذا مقصورًا فقط على الإعجاز اللغوي، بل أي نوع من أنواع الإعجاز في القرآن يحتاج فهمًا دقيقًا للغة، وإتقانًا بارعًا لها، حتى الإعجاز العلمي الذي نتكلم فيه في عصرنا هذا، كيف لنا أن نستخرج الإعجاز العلمي الذي نتكلم فيه في عصرنا هذا من القرآن دون فقه اللغة ومعرفة معنى الكلمات والآيات، والمقصود من ورائها.
والذي يقرأ تراجم معاني القرآن بأي لغة يدرك تمامًا أن كثيرًا من الإعجاز يختفي عند ترجمة المعاني للغة الأخرى، ويدرك بوضوح قصور أي لغة عن الوصول إلى ما وصلت إليه اللغة العربيّة، ويدرك كذلك أنّ الذي يحمل هذه الأمانة أمانة إقامة أمة إسلاميّة قوية لا بد أن يكون متقنًا للغة العربيّة، معظمًا لها، مربيًا أولاده ومجتمعه على احترامها وتقديرها ودراستها دراسة متعمقة تقرب إليه معاني القرآن الكريم، ومعاني الحديث الشريف، فيستطيع أن يفهم مصادر التشريع، ثم يستطيع بعد ذلك أن يتحرك بهذه الرسالة.
أخبرني كيف يمكنك أن تترجم قول الله : {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود: 44].
إن تسعين بالمائة أو أكثر من جمال الآية وإعجازها يضيع إذا ترجمت إلى لغة أخرى، ويمكنكم أن تراجعوا ترجمات معاني القرآن الموجودة بأي لغة لتتأكدوا مما أقول.
وكذلك الحديث الشريف لا يمكن لأحدٍ أن يستمتع به ويفهمه وينقله لغيره لو ترجم لغير اللغة العربيّة.
إن الرسول  كان يكتفي في كثير من الأوقات بقراءة القرآن على الناس فيؤمنوا به، أو على الأقل يقتنعون أنه الحق، لأنهم يعلمون أنَّ هذا الكلام لا يمكن أن يكون من كلام البشر.
أمّا الآن فإن اللغة العربيّة بالنسبة لكثير من أبناء هذا الجيل أصبحت طلاسم، وقد صارت طوائف كثيرة من المسلمين كالأعجمين الذي قال الله  في حقهم كما ذكرنا منذ قليل: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 198، 199].
نريد أن نتأثر بالقرآن مثلما كان الأولون يتأثرون به، ولن يكون هذا بغير لغة.
سيمر علينا في السيرة إسلام عمر بن الخطاب ، وقد كان بسماع بضع آيات من صدر سورة طه.
كذلك آمن الطفيل بن عمرو الدوسي لسماع آيات الله تتلى، وهكذا آمن أسيد بن حضير وسعد بن معاذ  جميعًا.
كما روى البخاري عن جبير بن مطعم  قال: سمعت النبي  يقرأ في المغرب بالطور، وكان جبير في ذلك الوقت مشركًا يزور المدينة، يقول جبير: فلما بلغ الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَ يُوقِنُونَ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ} [الطُّور: 35- 37] قال: كاد قلبي أن يطير.
ثم مال جبير إلى الإسلام وأسلم.
بل كان هذا الأثر يحدث عندما يتلى القرآن على الكفار، وسيأتي موقف عتبة بن ربيعة، وموقف الوليد بن المغيرة، وموقف زعماء بني شيبان، وموقف زعماء بني عامر.
كلهم كان يتأثر بالقرآن لمعرفتهم الكاملة باللغة العربيّة، وإن كانوا لا يتبعونه لأسباب أخرى، سنذكرها إن شاء الله.
جهود أعداء الأمة في مقاومة اللغة العربيّة
إذن من أهم عوامل نجاح الرسالة الإسلاميّة في هذا المكان الذي نزلت فيه هو إتقان الدعاة للغة، وكذلك إتقان المدعوِّين لها، ولذلك كان من همِّ المحاربين للإسلام الذين فقهوا هذه النقطة جيدًا أن يضربوا اللغة العربيّة في أعماقها، وهم يدركون أنه لو وقعت اللغة العربيّة سيقع ما بعدها من الشرع. لذا فإن من أول أعمال (أتاتورك) عندما بدأ في علمنة تركيا هو إلغاء اللغة العربيّة.
- اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر إبَّان احتلال بريطانيا لمصر أراد أن يضرب الأزهر والمدارس الدينية، فماذا فعل؟ لم يغلقها حتى لا يثير الناس، ولكنه أنشأ مدارس علمانية بجوار الأزهر تكون الإنجليزية هي لغتها الأساسية، ثمَّ فتح لخريجي هذه المدارس فرص عمل في البلد بأجور أعلى من فرص العمل المتاحة لأبناء الأزهر والمدارس الدينية، ومن ثَمَّ توجه الناس لإدخال أبنائهم مدارس اللغات بحثًا عن فرص عمل أفضل، وزهد الناس في الأزهر، وزهدوا في اللغة، ثمَّ زهدوا بعد ذلك في الشرع.
إنَّ اليهود عندما أرادوا أن ينشئوا دولتهم على أرض فلسطين، وجمعوا شتاتهم من بقاع الأرض، ماذا فعلوا؟ لقد علموا أبناءهم اللغة العِبرِية إلى درجة الإتقان قبل أن يأتوا بهم إلى أرض فلسطين، ثمَّ أنشئوا الجامعة العبرية أول نزولهم الأرض فلسطين، ودَرَّسوا مناهجهم باللغة العبرية كلغة أولى وليست ثانية، وهم بذلك حققوا أكثر من هدف:
1- زرعوا العز في قلوب اليهود للغتهم ومن ثَمَّ لدينهم.
2- حدث التواصل بين اليهود الذين جاءوا من بلاد شتَّى.
أضرار فقدان اللغة المشتركة بين المسلمين
مأساة ضخمة أن يفقد المسلمون التواصل بينهم لعدم وجود لغة مشتركة، فالأمة الإسلاميّة تتحدث عشرات اللغات، أليس عيبًا أن يضطر المصري أن يتكلم مع الباكستاني -مثلاً- باللغة الإنجليزية ليفهم أحدهما الآخر رغم كون الاثنين مسلميْن؟!
فوق ذلك فداخل البلاد التي تتكلم العربيّة عشرات اللغات العامية، وأقول اللغات وليس اللهجات، فكل كلمة أصبح لها بدائل لا تمتُّ للغة العربيّة بصلة، وأصبح من الصعب جدًّا على مسلمي قطر عربي أن يفهموا مسلمي قطر عربيٍّ آخر، وهذا من العجب.
والطامة الكبرى أن يظهر جيل يفتخر بأنه لا يحسن العربيّة، ويفتخر الأب، وتفتخر الأم أن الابن يتكلم الإنجليزية بطلاقة، ولا يفقه شيئًا من العربيّة.
تعلم اللغات الأجنبية
ومن الجدير بالذكر أن أشير هنا إلى أنني لست ضد تعلم اللغات الأجنبية، أبدًا بل أحبِّذ ذلك وبشدة، ولكن ليس على حساب اللغة العربيّة.
إننا يجب أن نصل باللغة العربيّة إلى جميع آفاق الأرض لنعلم الناس القرآن، وحديث رسول الله ، فإن كنا لا نستطيع ذلك الآن، فليس أقل من أن نحافظ على اللغة العربيّة في ديارنا.
وليعلم المسلمون أنّ من أهم وسائل إعادة بناء الأمة الإسلاميّة: الاهتمام باللغة العربيّة، وتعليمها لغيرنا، وتجميلها في عيون أبنائنا.
إذ هنا قاعدة مهمة نخرج بها من هذه النقطة، وهي الجيل الذي يُرجَى على يده إصلاح شأن الأمة جيل يتقن العربيّة ويعظمها، وليس هذا من منطلقٍ قوميٍّ، أبدًا، فلا فضل لعربيٍّ على أعجمي إلا بالتقوى، ولكن من منطلق أنّ من تكلم العربيّة فهو عربي، ولو كان من عرق مختلف، فالباكستاني الذي يجيد العربيّة عربيّ، والإندونيسي الذي يتقنها عربيُّ، والأمريكي الذي يحسنها عربي، إنما العربيّة اللسان.
د. راغب السرجاني
[/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
بداية نزول الوحي وشق صدر النبي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: الدين والحياة :: السيرة النبوية الشريفة-
انتقل الى: