منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49237
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة   الإثنين 23 مايو 2016, 8:24 am

دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة
د. محمد العبدة
10/05/2010 -


(إن الأمر العظيم لا يسهل دائمًا الاحتفاظ به) قول مأثور
بقيت ذكرى الخلافة الراشدة في أذهان المسلمين حاضرة دائمًا، وما فتئوا يقيسون كل حاكم أتى بعد ذلك على هذه الفترة المضيئة السامقة، بل يقيسون على فترة أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- خاصة، وقد استشرف هذه الحالة علي بن أبي طالب عندما رأى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب يداوي إبل الصدقة بيده، فقال: "لقد أتعبت الخلفاء بعدك". وقد صدق ، فهذا الخليفة الذي ترتجف منه الفرس والروم، وفتحت في عهده بلاد فارس والعراق والشام ومصر يداوي إبل الصدقة بيده، وملبسه خشن ومأكله خشن، وينام بلا حرس ولا جنود، هذا لم يعهد أبدًا في الدول والحكومات.
والمسلمون الذين طالبوا عثمان أن يكون مثل عمر في كل شيء، هؤلاء لا يدركون أن هذا مخالف لطبيعة وتكوين كل شخص، عدا عن صعوبة الأمر بحد ذاته لتميز عمر بشخصية فذة عبقرية، والرسول عندما ربَّى أصحابه لم يكن ليغيِّر من طبائعهم واستعداداتهم، ولم يجعلهم نسخًا متماثلة، ولكنه فجَّر طاقاتهم وأطلقها في الاتجاه الذي يخدم الإسلام؛ فعبد الله بن مسعود فقيه عالم، وخالد فاتح عظيم، وأبو هريرة حافظ للسنة.
لقد اجتهد عثمان في تولية أقاربه وكانوا أكفاء لهذا العمل، ولكن عمر لم يفعل ذلك، وهذا أفضل وأحوط لسياسة الدولة.
إذا كانت الخلافة الراشدة هي القدوة وهي النموذج، فإن الذي جرى على أرض الواقع هو أقل من الخلافة الراشدة، والاستمرار على هذه القمة السامقة لم يتحقق؛ فالإنسان مركب على النقص والضعف، ولذلك تحولت الآمال إلى درجة أو درجات دون الخلافة الراشدة، ولكن مع بقاء العمل بالشريعة والحماية للأمة والحرص على العدل واستقلال القضاء. ذلك لأن هذه الخلافة نموذج فريد في تاريخ البشرية، ومتى عاشت البشرية -بعد عهود الأنبياء- في ظل حكم مثل حكم أبي بكر وعمر، وطريقة عيش هؤلاء الخلفاء معروفة، وهي أشهر من أن تسطر هنا.
هذه النظرة الواقعية لما بعد الخلافة الراشدة هي التي جعلت الإمام الذهبي يتحدث عن آماله في القرن الثامن الهجري، يقول: "ونحن آيسون اليوم من وجود إمام راشد من سائر الوجوه، فإن يسر الله للأمة بإمامٍ فيه كثرة محاسن وفيه مساوئ قليلة، فمن لنا به؟"[1].
وتحدث ابن تيمية عن ملوك بني أمية وبني عباس: "ما قال أهل السنة أن الواحد من هؤلاء كان هو الذي يجب توليته وطاعته في كل ما أمر به، بل كذا وقع، فيقولون (أهل السنة): تولى هؤلاء، وكان لهم سلطان وقدرة، وأقاموا مقاصد الإمامة من الجهاد وإقامة الحج والجمعة والأعياد وأمن السُّبل، ولكن لا طاعة في معصية الله"[2].
ويقول أيضًا في معرض الحديث عن تولية الأصلح: "فإذا تعيَّن رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوةً، قُدِّم أنفعهما لتلك الولاية وأقلاهما ضررًا فيها؛ فيقدَّم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا"[3].
يتولد من عدم فقه هذا الأمر أن المسلمين اليوم لا يحققون شيئًا على أرض الواقع، وإنما يلوذون دائمًا بعالمٍ غير متحقق، وإني لأحسب أن المسلمين اليوم يجمح بهم الخيال أن يأتي حُكّام مثل عمر إن مُكِّن لهم في الأرض، إن الهُوَّة بين الواقع وبين هذا المثال النموذج الذي يجب أن نقترب منه، هذه الهوة لن تعبر أبدًا عبورًا كاملاً إلا ما جاء في الحديث عن عودة الخلافة الراشدة قبل نزول المسيح .
إن عدم عبور هذه الهوة لا يُعفي المسلمين من السعي الدائب للاقتراب من هذا النموذج ومحاولة التحقق به في سياساتهم الشرعية ما أمكنهم ذلك، وهذا السعي شيء إيجابي؛ لأنه يحفِّز الهمم ويظل الأمل يراود الناس لحكم فيه عدل وخير، ودولة تطبِّق شرع الله وإن كان فيها أخطاء أو نقص، وهذا أفضل من دولة تحارب الإسلام والمسلمين، يقول الشيخ رشيد رضا: "ولحريةٌ تبيح بعض المنكر ولا تمنع شيئًا من المعروف أهون من عبودية (استعباد) تنهى عن المعروف وتأمر بالمنكر؛ فالعبودية تطفئ نور الفطرة البشرية"[4].
إن انشداد المسلمين إلى هذه الفترة الوضيئة يجب ألا يمنعهم من الاهتمام بحاضرهم، وكيفية التخلص من واقعهم الضعيف، والتفكير أيضًا بالمستقبل والتخطيط له، وإذا كان الكلام على الدول فإنه يُقاس عليه الكلام على واقع الدعوات الإسلامية اليوم، فمن كان من القادة أو العلماء عنده علم وتقوى نقبل به، وإن كانت له هفوات وأخطاء مع المجاهدة دائمًا لتحقيق المثال الأفضل. إن بعض الناس يحاسب العلماء أو الدعاة على أشياء وقع مثلها من ملوك الدول الإسلامية سابقًا، وهم يبررون لهم أخطاءهم أو يلتمسون لهم الأعذار، فلماذا لا نسير بالدعوة سيرها الطبيعي مع معرفة ما يحيط بها والاستفادة من أخطاء الماضي؟!
د. محمد العبدة
المصدر: موقع المسلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49237
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة   الإثنين 23 مايو 2016, 8:26 am

لماذا يشوه تاريخ الإسلام وحده ؟!
د. عبد العظيم الديب
28/01/2010


لماذا تاريخ الإسلام وحده هو الذي درسناه مشوهًا ممزقًا؟
 إن كنتَ في شكٍّ من هذا فاختبر نفسك، واختبر من حولك، حاول أن تذكر كلمة (التاريخ الإسلامي)، وانظر إلى ما تثيره في النفوس، وارقب ما يسميه علماء النفس (تداعي المعاني)، أية معانٍ ستتوارد على الخواطر!! وأية صور ستحضر في الأذهان!! وأية مشاعر ستتحرك في الوجدان!! ولقد عمَّ ذلك وطمَّ ، حتى إنه لم يسلم منه أحد إلا من رحم ربك وقليل ما هم.

الصورة المشوهة للتاريخ الإسلامي

ذلك أنك إذا ذكرت التاريخ الإسلامي، فأسرع ما يقفز إلى الذهن:
- ما تحفظه من اتهامات لعثمان بن عفان بأنه كان يولِّي أقاربه إمارة الأقاليم، ويحكِّمهم في رقاب العباد، ويطلق يدهم في مال الأمة، ولما ثار الصحابي الجليل أبو ذرٍّ على هذه السياسة، غضب عليه عثمان، ونفاه إلى الربذة.
- ثم حصار الثوار لعثمان وقتلهم له وهو يتلو في المصحف.
- وما صار يُضرب به المثل من نصب معاوية لقميص عثمان الملطخ بالدماء في المسجد، واحتياله بذلك حتى لا يبايع عليًّا ؛ ومن أجل الملْك العضوضِ أشعل حربًا ظالمة على الخليفة الراشد عليّ بن أبي طالب، فكانت معركة (الجمل) و(صفّين).
- ثم مسرحية التحكيم الهزلية، وما تجلّى فيها من منتهى الغفلة والبلاهة، في مقابلة منتهى النصب والاحتيال.
- وقُضي الأمر باستيلاء معاوية على الحكم، وتحويل الخلافة الراشدة إلى قيصرية هرقلية، أخذ فيها معاوية البيعة لابنه يزيد قهرًا تحت تهديد السلاح.
- صورة يزيد بخمرياته وفسقه ولهوه، ولعبه بقروده وكلابه، وسنواته الثلاث السود التي قُتل فيها الحسين، وغزا المدينة المنورة، وأباحها لجنوده، وهدم الكعبة.
- ثم يأتي الحَجَّاج وجبروته، وظلمه، وقتله ابن الزبير، وضرْبه الكعبة بالمنجنيق.
- ويحاول عمر بن عبد العزيز تصحيح الأوضاع، فيموت مسمومًا.
- ثم تدور الدائرة على بني أمية وتسقط دولتهم بسبب ظلمهم وفسادهم، وعنصريتهم المتعصبة للعرب.
- وأما العباسيون، فأوَّلهم الذي استفتح دولتهم أبو العباس السفاح، ومن أبرز ما نذكره عنهم ضَرْب الأئمة؛ أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وخمريات الرشيد، وسرفه، وعبثه، ونواسياته، ثم محنة الفقهاء وأهل الحديث في عصر المأمون، ثم سيطرة الفرس على الدولة -لأنهم هم الذين صنعوها- ولعبهم بالخلفاء، حتى جاء التتار، وكان ما كان، وسقطت الخلافة.
- ثم جاء عصر المماليك، جهلة يملكون سيفًا قويًّا يستخدمونه حينًا ضد العدو دفاعًا عن الإسلام، وأحيانًا ضد بعضهم البعض، ودائمًا ضد الشعب.
- ثم جاء العثمانيون، فكان الجهل والظلام، والقضاء على الحضارة والصنائع والفنون، وإذلال العنصر العربي بالعجرفة التركية التي ما برحت مضرب الأمثال.
- أما الأندلس، فقد غرق ملوكها في الترف، ودارت برءوسهم الكاس والطاس، فقاتل بعضهم بعضًا، بل تحالف بعضهم مع الصليبيين ضد إخوانهم، فكانت النهاية المأسوية التي انتهت بإبادة المسلمين وخروج الإسلام من الأندلس.
هذه معالم تاريخ الإسلام التي استقرَّت في بؤرة شعور مثقفينا عامَّة.
قد يقول قائل: وأين ما يتعلمه أبناؤنا عن انتصارات المسلمين وفتوحاتهم، وحضارتهم وأمجادهم؟!
وأقول: نعم، يوجد شيء من هذا، ولكنه يعرض بصورة باهتة ممزَّقة؛ ولذلك تتوارى في حنايا الذاكرة، وتتخلى عن بؤرة الشعور، وتبقى الصورة البشعة التي عرضتها لك آنفًا هي الحاضرة في الذهن (online) كما يقولون.
وعندي على ذلك ألف دليل ودليل، ولا شك أنك سمعتَ ذلك الإعلامي الناجح وهو يقول في ثنايا حوارٍ له مع أحد ضيوفه: كل الخلفاء الراشدين قتلوا إلا واحدًا. وزميله الذي لم يُطِق صبرًا على محاوره -هو يتحدث عن عمر بن عبد العزيز وإصلاحاته- فيقول له في لهجة ساخرة: ولذلك قتلوه.
وقبل أن أترك الكلام على هذه الصورة البشعة للتاريخ الإسلامي؛ أؤكد أنها صورة كاذبة خاطئة، تقوم على معلومات أخطرها مكذوب لا أصل له، وباقيها بين ثلاث حالات:
1- أحداث ضُخِّمت وبولغ فيها حتى أخذت أكثر من حجمها، حتى حجبت الكثير.
2- أحداث أُسِيء فهمها وتفسيرها، ولو فهمت على حقيقتها ووجهها، لكانت فخرًا لصانعيها.
3- أحداث تدخل في إطار العجز البشري عن الكمال. "كل بني آدم خطَّاء".
ونعود للسؤال: لماذا تاريخ الإسلام وحده؟
لقد درس أبناؤنا ومثقفونا، ودرسنا أيضًا تاريخ أمم الأرض قديمها وحديثها، فما تركت أية دراسة فيها هذه الصورة، لا للفراعنة، ولا للآشوريين، ولا للبابليين، ولا للفينيقيين، ولا اليونانيين، ولا الرومانيين، ولا الأوروبيين والأمريكيين.
أبدًا لا يشعر تجاه هذه العصور التاريخية، وتاريخ أهلها بما يشعر به تجاه التاريخ الإسلامي.
- فإذا ذكرنا الفراعنة تجد شعورًا بالاعتزاز، بل بالفخر والمباهاة، وتقفز إلى ذهنك صورة الحضارة التي أضاءت الدنيا منذ فجر التاريخ، وبهرت العالم بما خلفته من آثار، وما أظن المشاعر نحوها تصل إلى درجة الحياد.
- فإذا ذُكر تاريخ اليونان، فهنا شعور الإكبار والاحترام، وعلى الفور يقفز إلى الذهن سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وما حولهم من هالات التمجيد والتعظيم.
- وبالمثل تاريخ الرومان وكل أمم الأرض.
- فإذا جئنا إلى تاريخ أوربا بعد عصر النهضة، فسنجد الإعجاب والإكبار يصل إلى حد الانبهار والاندحار، والاستخزاء والشعور بالهوان، حتى صرنا نلهث وراءهم، ونقيس تقدمنا بالقُرب منهم، والمسافة التي نقطعها في محاولة اللحاق بهم.
وإن كنت تظن بي المبالغة، فانظر حولك، واقرأ واسمع معي الأسماء الآتية: صحيفة (الأهرام)، وصحيفة (بابل)، ووكالة الأنباء (سبأ)، ومهرجان (جرش)، ومهرجان (قرطاج)، ومهرجان (بعل بك)، وفندق (فلادلفيا)، وشارع (رمسيس)، والحديث عن (دلمون)، و... و...
هذا ما يحضرني عفو الخاطر، ولو تأملت وتتبعت، لرأيت الإصرار على تجلية تاريخ هذه الجاهليات والوثنيات أمرًا يُراد، حتى سمعتُ بأذني مَنْ يتحدث عن التجربة الديمقراطية في بلاده، ثم يختم كلامه: "ولِمَ لا؟ ألسنا أحفاد ملكة سبأ". هكذا على ملأ من مشاهدي إحدى الفضائيات.
- وسمعت آخر يقول مباهيًا: "نحن أحفاد رماة الحدق". ورماة الحدق هؤلاء هم أهل النوبة الذين تصدّوا لجيش الفتح الإسلامي وحالوا بينه وبين فتح الجنوب، وسماهم المسلمون (رماة الحدق) لبراعتهم في الرمي، ودقة إصابتهم. هؤلاء يباهي مثقف مسلم معاصر بأنه من أحفادهم.
- أما صيحة (إحنا الفراعنة)، فما أكثر ما تسمعها عند إصابتهم مرمى الخصم في كرة القدم. وانظر حولك وتأمل ، ستجد من هذا ضروبًا وأفانين.
فلماذا تاريخ الإسلام وحده؟!
إنها بضعة أسطر خاطئة مخطئة في كتاب التاريخ وراء كل هذا.
د. عبد العظيم الديب
المصدر: موقع إسلام ويب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49237
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة   الإثنين 23 مايو 2016, 8:28 am

الاستشراق والتاريخ الإسلامي
د. علي الصلابي
10/08/2009


الرافضة وتحريف التاريخ الإسلامي
إن من أعظم الفرق أثرًا في تحريف التاريخ الإسلامي الشيعة الرافضة بمختلف طوائفها وفرقها, فهم من أقدم الفرق ظهورًا, ولهم تنظيم سياسي وتصوُّر عقائدي, ومنهج فكري منحرف، وهم أكثر الطوائف كذبًا على خصومهم، كما أنهم من أشد الناس خصومةً للصحابة؛ فسبُّ الصحابة وتكفيرهم من أساسيات معتقدهم وأركانه, خاصةً الشيخين أبا بكر وعمر، ويسمونهما الجبت والطاغوت[1]. وقد كان للشيعة أكبر عدد من الرواة والإخباريين الذين تولوا نشر أكاذيبهم ومفترياتهم وتدوينها في كتب ورسائل عن أحداث التاريخ الإسلامي, خاصة الأحداث الداخلية. كما كان للشعوبية والعصبية أثر في وضع الأخبار التاريخية والحكايات والقصص الرامية إلى تشويه التاريخ الإسلامي, وإلى إعلاء طائفة على طائفة, أو أهل بلد على آخر, أو جنس على جنس, وإبعاد الميزان الشرعي في التفاضل وهو ميزان التقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].
استغلال القصاص وتصدي العلماء
كما أن الفرق المنحرفة قد استغلت وضع القصّاص وانتشارهم، وجهل معظمهم وقلة علمهم بالسُّنَّة, وانحراف طائفة منهم تبتغي العيش والكسب, فنشروا بينهم أكاذيبهم وحكاياتهم وقصصهم الموضوعة, فتلقفها هؤلاء القصاص دون وعيٍ وإدراك، ونشروها بين العامة. لقد انتشر عن طريقهم مئات الأحاديث المكذوبة على الصحابة والتابعين وعلماء الإسلام، مما يسيء لهم ويشوِّه تاريخهم وسيرتهم. وقد كان من فضل الله وتوفيقه أن قيّض مجموعة من العلماء النقاد الذين قاموا بجهدٍ في نقد الرواة والمرويات؛ فبينوا الزائف من الصحيح, ودافعوا عن عقيدة الأمة وتاريخها, وجَهَد علماء السنة -في بيان الأحاديث المكذوبة بالنص عليها، وبيان الرواة الضعاف والمتهمين وأصحاب الأهواء, وفي رسم المنهج في نقد الروايات وقبولها- جهدًا كبيرًا وموفَّقًا. من أبرز من تصدى لإيضاح وردّ زيف الروايات المكذوبة القاضي ابن العربي في كتاب "العواصم من القواصم", والإمام ابن تيمية في كثير من كتبه ورسائله, خاصة كتابه القيم "منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية". وكذا الحافظ الناقد الذهبي في كثير من مؤلفاته التاريخية مثل كتاب "سير أعلام النبلاء", و"تاريخ الإسلام", و"ميزان الاعتدال في نقد الرجال". وكذلك الحافظ ابن كثير المفسِّر المؤرخ في كتابه "البداية والنهاية", وأيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "فتح الباري في شرح صحيح البخاري", و"لسان الميزان", و"تهذيب التهذيب"، و"الإصابة في معرفة الصحابة".
الوسائل المستخدمة لتحريف الوقائع التاريخية
أما الوسائل التي استخدمت لغرض تحريف الوقائع التاريخية، وتشويه سير رجال الصدر الأول من الصحابة والتابعين فهي كثيرة، ونذكر منها:
(1) الاختلاق والكذب.
(2) الإتيان بخبر أو حادثة صحيحة فيزيدون فيها وينقصون منها؛ حتى تتشوه وتخرج عن أصلها.
(3) وضع الخبر في غير سياقه حتى ينحرف عن معناه ومقصده, والتأويل والتفسير الباطل للأحداث.
(4) إبراز المثالب والأخطاء، وإخفاء الحقائق المستقيمة.
(5) صناعة الأشعار وانتحالها لتأييد حوادث تاريخية مدعاة؛ لأن الشعر العربي ينظر له كوثيقة تاريخية ومستند يساعد في توثيق الخبر وتأييده.
(6) وضع الكتب والرسائل المكذوبة، ونحلها لعلماء وشخصيات مشهورة, كما وضعت الرافضة كتاب "الإمامة والسياسة" الذي نسبته إلى أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ؛ لشهرته عند أهل السنة وثقتهم به.
المستشرقون وتلقف الأكاذيب
وقد تلقف هذه الأكاذيب والتحريفات في القرن الماضي علماءُ الغرب وكتّابه من المستشرقين والمنصِّرين -إبان غزوهم واستعمارهم للبلدان الإسلامية- فوجدوا فيها ضالتهم, وأخذوا يعملون على إبرازها والتركيز عليها مع ما زادوه من عندهم -بدافع من عصبيتهم وكرههم للمسلمين- من الكذب؛ مثل اختراع حوادث لا أصل لها, أو التفسير المغرض للحوادث التاريخية بقصد التشويه, أو التفسير الخاطئ تبعًا للتصور والاعتقاد الذي يدينون به. ثم شايع هؤلاء طائفة غير قليلة العدد من تلاميذ المستشرقين في البلاد العربية والإسلامية, وأخذوا طرائقهم ومناهجهم في البحث, وأفكارهم وتصوراتهم في الفهم والتحليل وتفسير التاريخ, وحملوا الراية بعد رحيلهم عن بلاد المسلمين, فكان ضررهم أشد وأنكى من ضرر أساتذتهم المستشرقين, ومن ضرر أسلافهم السابقين من فرق البدع والضلال,؛ وذلك أنهم ادَّعوا -كأساتذتهم- اتّباع الروح العلمية المتجردة والمنهج العلمي في البحث.
والحقيقة أن غالبهم لم يتجرد إلا من عقيدته, أما التجرد بمعنى الإخلاص للحق وسلوك المنهج العلمي السليم في إثبات الوقائع التاريخية,؛ كالمقارنة بين الروايات, ومعرفة قيمة المصادر التي يرجعون إليها, ومدى أمانة الناقلين, وضبطهم لما نقلوا, وقياس الأخبار، واعتبارهم بأحوال العمران البشري وطبائعه[2], فلا أثر له عند القوم, فلم يتقنوا من المنهج العلمي إلا الأمور الشكلية مثل الحواشي وترتيب المراجع وما شابهها, وربما كان هذا هو مفهوم المنهج العلمي عندهم[3], يقول محب الدين الخطيب: إن الذين تثقفوا بثقافة أجنبية عنا قد غلب عليهم الوهم بأنهم غرباء عن هذا الماضي, وأن موقفهم من رجاله كموقف وكلاء نيابة من المتهمين, بل لقد أوغل بعضهم في الحرص على الظهور أمام الأغيار بمظهر المتجرِّد عن كل آصرة بماضي العروبة والإسلام جريًا وراء المستشرقين في ارتيابهم، حيث تحس الطمأنينة وميلهم مع الهوى عندما يدعوهم الحق إلى التثبت، وفي إنشائهم الحكم وارتياحهم إليه قبل أن تكون في أيديهم الدلائل عليه[4].
وسائل المستشرقين وأذنابهم لتحريف التاريخ
ومن أهم الوسائل التي اتبعها المستشرقون وتلاميذهم في تشويه وتحريف حقائق التاريخ الإسلامي: التدخل بالتفسير الخاطئ للأحداث التاريخية على وفق مقتضيات أحوال عصرهم الذي يعيشون هم فيه وحسبما يجول بخواطرهم, دون أن يحققوا أولاً الواقعة التاريخية حتى تثبت، ودون أن يراعوا ظروف العصر الذي وقعت فيه الحادثة، وأحوال الناس وتوجهاتهم في ذلك الوقت, والعقيدة التي تحكمهم ويدينون بها, فإنه قبل تفسير الحادثة لا بُدَّ من ثبوت وقوعها، وليس وجودها في كتاب من الكتب كافيًا لثبوتها[5]؛ لأن مرحلة الثبوت مرحلة سابقة على البحث في تفسير الواقعة التاريخية. كما ينبغي أن يكون التفسير متمشيًا مع منطوق الخبر التاريخي, وموضوع البحث, ومع الطابع العام للمجتمع, أو العصر والبيئة التي حدثت فيها الواقعة، كما يشترط ألاّ يكون هذا التفسير متعارضًا مع واقعة أو جملة وقائع أخرى ثابتة. كما أنه لا ينبغي أن ينظر في التفسير إلى عامل واحد -كما هو ديدن كثير من المدارس التاريخية المعاصرة- وإنما ينظر فيه إلى جملة العوامل المؤثرة في الحديث، وخاصة العوامل العقدية والفكرية.
تضخيم دور الفرق الضالة
ثم إن التفسير التاريخي للحوادث بعد هذا كله لا يعدو كونه اجتهادًا بشريًّا يحتمل الصواب والخطأ, ولقد أبرز البعض تاريخ الفرق الضالَّة، وعمد إلى تضخيم أدوارها، وتصويرها بصورة المصلح المظلوم, وبأن المؤرخين المسلمين قد تحاملوا عليها؛ فالقرامطة والإسماعيلية والرافضة الإمامية والفاطمية والزنج وإخوان الصفا والخوارج كلهم -في نظرهم واعتبارهم- دُعاة إصلاح وعدالة وحرية ومساواة, وثورتهم كانت ثورات لإصلاح الظلم والجور. فهذا الشَّغْب والإرجاف على التاريخ الإسلامي، ومزاحمة سير رجاله ودُعاته بسيرِ قادة الفرق الضالة - أمرٌ لا يُستغرب من قومٍ لا يدينون بالإسلام, فهم من واقع عقيدتهم يكيدون له بكل جهد مستطاع, ليلاً ونهارًا, وسرًّا وجهارًا، ولا يتوقع من مطموسي الإيمان وملل الكفر إلا مناصرة إخوانهم في الضلال. ولكن الأمر الذي قد يُحدِث استغرابًا عند البعض أن يحمل رايةَ التشويه والتحريف بعد سقوط "دولة الاستشراق" كتّابٌ يحملون أسماء إسلامية ومن أبناء المسلمين, ويقومون بنشر مثل هذه السموم على بني جلدتهم؛ ليصرفوا بها الأغرار عن الصراط المستقيم. ولقد عمد هؤلاء إلى التشبُّث بالروايات المشبوهة والضعيفة والساقطة، يلتقطونها من كتب الأدب وقصص السمر والحكايات الشعبية والكتب المنحولة والضعيفة, فهذه الكتب هي مستنداتهم في الغالب، مع ما يجدونه من الروايات المكذوبة في الطبري والمسعودي, مع أنهم يعلمون أنها لا تُعتبر مراجع علمية يُعتمد عليها.
أهداف تشويه التاريخ الإسلامي
لقد وقع الاعتداء على التاريخ الإسلامي -خاصة تاريخ الصدر الأول- بالتشويه عن طريق اختيار مواقف مختارة والتركيز عليها؛ كالمعارك والحروب مع تصويرها على غير حقيقتها حتى تزول عنها صفة الجهاد في سبيل الله, أو التركيز على الأحداث والفتن الداخلية بقصد إظهار خلافات الصحابة , وعرضها وكأنها نموذج للصراعات والمكائد السياسية في وقتنا الحاضر, وبالتجهيل وهو إهمال كل ما هو مدعاة للاقتداء والأسوة الحسنة, وبالتشكيك وهو توجيه السهام إلى التاريخ ورجاله وإلى المؤرخين المسلمين أنفسهم والتشكيك في معلوماتهم وصدقهم, وبالتجزئة وهي محاولة تجزئة التاريخ الإسلامي إلى أوصال وأشتات وكأنها لا رابط بينها كالتوزيع الإقليمي والعرقي ونحوه. فكل هذه الوسائل والحملات تسعى إلى تدمير تاريخنا الإسلامي، ومحو معالمه النيِّرة، وإبعاده عن مجال القدوة الحسنة والتربية الصحيحة.
لذا ينبغي على المؤرِّخ المسلم معرفة هذه الوسائل والتنبُّه لها, ومعرفة الذين تابعوا المستشرقين في آرائهم ومناهجهم، وعدم التلقي منهم إلا بحذرٍ شديد, فإذا كان علماؤنا -رحمهم الله- قد نقدوا كثيرًا من الرواة وضعّفوا روايتهم بسبب أخذهم عن أهل الكتاب وروايتهم الإسرائيليات, فإنه ينبغي لنا التوقف في قبول أقوال وتفسيرات من يتلقى من المستشرقين، بل إسقاطها وعدم اعتبارها إلا بدليل وبرهان واضح[6].
د. علي الصلابي


[1]حسن إبراهيم: تاريخ عمرو بن العاص ص206، 207.
[2]إحسان إلهي ظهير: الشيعة والسنة ص32.
[3]محمد صامل: منهج كتابة التاريخ الإسلامي ص502.
[4]المصدر السابق، الصفحة نفسها.
[5]المصادر الأولى لتاريخنا, مجلة الأزهر سنة 1374هـ/ 1954م.
[6] محمد صامل: منهج كتابة التاريخ الإسلامي ص504.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49237
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة   الإثنين 23 مايو 2016, 8:29 am

لماذا يستهدف التاريخ الإسلامي؟
د. محمد العبدة
31/05/2010


إن المتتبع للكتابات في الصحف والمجلات في هذه الأيام، والمتتبع للندوات الثقافية والسجالات العامة والخاصة، لا بد أن يلاحظ أن بين هؤلاء فئة تدَّعي لنفسها شيئًا تسمِّيه (التجديد)، والمقصود التجديد في التراث والتاريخ. ومصطلح التجديد له وقع حسن وله صدى مقبول، ولكن التجديد عند هؤلاء لا يعني إلا شيئًا واحدًا يلازمهم ويلازمونه، ألا وهو تحطيم التراث؛ وذلك لإظهار العصرنة والحيادية -كما يزعمون- وهي حيادية ممجوجة، كما لا يخفى أثر الشعوبية الحاقدة والتي تعمل من وراء الستار، وبما أن هذا التحطيم لا بد أن يكون صعبًا، إذن فليبدءوا بالتاريخ فهو أسهل الأمرين، وأحرى أن يصدق الناس ما يثيرونه من شكوك وشبهات وخاصة أصحاب العقول الضعيفة[1].
لا نستطيع في هذه العجالة أن نبين لهؤلاء الطاعنين كل تفاصيل تاريخ المسلمين، بحلوه ومره، وصعوده وهبوطه، والجانب السياسي والجانب الحضاري، وما فيه من نشر الإسلام ونشر العدل والرحمة للشعوب التي وصلها الإسلام، فهذا شيء يطول ويحتاج إلى مجلدات، ولكن نقول لهؤلاء من ناحية المنطق وبديهيات الأمور: هل يعقل أن تنشأ حضارة وتمتد لتغطي أكثر المعمورة يومها، وتستمر حتى اليوم وإلى أن تقوم الساعة، أن تكون نتاج أمة ممزقة غارقة في الدماء كما يحاولون تصويرها؟! وهل يمكن أن تستمر أمة رغم ما أصابها من ويلات ودمار من أعدائها إذا لم تكن تستند إلى دين وخلق ومدنية؟ هل الإسلام لم يطبق إلا زمن الخلفاء الراشدين كما يقولون، وكأن الدول الكبار: الأموية والعباسية والعثمانية لم تقم فيها شريقة ولم يكن فيها حضارة على أساس الدين؟ هل ننسف تاريخا بأكمله، تاريخًا يموج بأحداث كبار، وانتصارات دعوية وعلمية؟
لقد قبل المسلمون بهذه الدول كبيرها وصغيرها؛ لأنها حافظت على الحد الأدنى المطلوب لشرعيتها، رغم وقوع الظلم وأكل الأموال بغير حق عند بعض حكامها، ورغم الاستبداد السياسي الذي أضعف هذه الدول، ولا نبرِّر هذه الأخطاء، بل تذكر كما هي بعد التحقيق العلمي؛ ليعتبر من يعتبر.. ولكن رغم هذه الأجواء الملبدة بالغيوم كان هناك أمراء وملوك صالحون مجاهدون، أهل علم وتقوى، كان هذا في الأندلس وفي زمن دول الطوائف، وكان ذلك في الدول الكبيرة كالمرابطين والموحدين. هناك تشويه متعمد لهذا التاريخ، وذلك "بالتعميم الجائر الظالم الذي يلقي ظلاًّ كثيفًا قاتمًا كئيبًا على العصور الأولى، يدفع إلى الاستخفاف والتحقير والغلو في التهزؤ بأهل هذه العصور والشك في أمورهم، ويعمي عن معرفة الحقائق"[2].
واللافت للنظر بعد الهجوم على التاريخ الإسلامي كله أن هناك تركيزًا على دولة بني أمية في دمشق، وهي دولة إسلامية لها وعليها، فيها ملوك صالحون، وفتوحات كبيرة بلغت الأندلس والصين. وفيها أمراء وقادة للجيوش، فهذا قتيبة بن مسلم الباهلي القائد المجاهد زمن الوليد بن عبد الملك يخطب في الناس ويقول لهم: "إن الله قد أحلكم هذا المحل ليعز دينه، ويذبُّ بكم عن الحرمات، ويزيد لكم المال استفاضة والعدو قمعًا، ووعد نبيّه النصر بحديث صادق وكتاب ناطق {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]، ووعد المجاهدين أحسن الثواب، فتنجزوا موعود ربكم، ووطنوا أنفسكم على أقصى أثر وأمضى ألم، وإياي والهُوَينى".
وهذا أشرس بن عبد الله السلمي عامل هشام بن عبد الملك على خراسان أرسل لأول عهده إلى أهل سمرقند وما وراء النهر يدعوهم إلى الإسلام على أن توضع عنهم الجزية، فسارع الناس هناك إلى الإسلام، وحين كتب إليه أمير سمرقند أنهم لم يسلموا إلا تعوذًا من الجزية قال له: "من أقام الفرائض وقرأ سورة من القرآن، فارفع خراجه...".
يقول الشيخ رشيد رضا منتقدًا ومنصفًا لبني أمية وبني العباس: "خرج بنو أمية بالخلافة عن حدها، وبعدوا بها عن عهدها، وانغمسوا في الترف وأسرفوا في النفقات، إلا أنهم أعطوا الملك حقه من الفتوح والتغلُّب والعدل في القضاء وحفظ الأمن، وكيف لنا بمثل ذلك اليوم!! ولذلك كان الفقهاء يعتبرون خلافتهم شرعية، ثم دالت الدولة إلى العباسيين، فساروا سيرة حسنة إلى عهد أبناء الرشيد، وقام المأمون على علمه ينتصر للمعتزلة، وغالى بعده المعتصم في الاعتزال، وظهر بعد ذلك مذهب الباطنية، واضمحلت الخلافة العباسية بما اضمحلت به الخلافة الأموية بالخروج عن العدالة، وكثرة الفتن والبدع..."[3].
نعم، هناك أخطاء وهناك ظلم واستبداد ولكن ليس بمعنى الاستبداد المتعارف عليه اليوم؛ لأن تطبيق الشريعة وقيام العلماء بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع الاستبداد الذي يراه الناس اليوم من بعض الحكام، وهو الذي وصف في الحديث بـ(ملك وجبرية).
والسؤال الكبير: من يقف وراء هذه الحملة الظالمة على تاريخنا وتاريخ بني أمية خاصة[4]، والقول بأن تاريخنا كله دماء ومؤامرات، هذه الحملة التي ظهرت في هذا العصر الذي تحطمت فيه القيم الإنسانية؟ ومن أين جاءتهم هذه الجرأة؟
ربما يكون بعض الكُتَّاب لا يذكرون هذا عن تعمُّد، ولكن المتتبع لأخبارهم يدرك أن هناك أصابع خفية تثير هذا الشغب وهذه الشكوك، فيتلقفها بعض الناس الذين يريدون الظهور بمظهر (الناقد) وبمظهر الفهم الجديد للإسلام، فهم يمارسون تحطيمًا للتراث وهم لا يشعرون.
إن من حقنا أن نسأل: لماذا في هذا الوقت الذي انتفشت فيه الباطنية والشعوبية، وأصبح لها قوة إعلامية، ما دام الإعلام اليوم لا يحتاج إلا إلى المال والألسنة الحداد والصدور الممتلئة حقدًا، ولا يردعهم دين ولا أخلاق، ولا يمارسون أي تحقيق علمي تاريخي؟
إن جرأة الذين يكتبون في التاريخ في هذا العصر جاءت من اعتدادهم بأنفسهم، والإفراط في الثقة بفرضيات لم توضع موضع التحقيق العلمي، وخاصة عندما يتعلق الحديث عن تاريخنا الذي يختلف في بعض الأمور عن تاريخ الأمم الأخرى؛ بسبب نشأته بالدين ومن الدين مباشرة. ومع ذلك فإنه لا يخلو تاريخ أمة أو حضارة من واجهة قاتمة لبعض السياسات الظالمة، ويبقى هناك الوجه الإنساني من نبل الرجال وبعض الأسر والحياة الاجتماعية الراقية وعطايا الخير والإحسان.. يقول المؤرخ (ول ديورانت): "الحضارة نهر ذو ضفتين، يمتلئ النهر أحيانًا بالدماء والظلم، ولكننا نجد على الضفتين في الوقت ذاته أناسًا يبنون الحضارة، ولكن المؤرخين متشائمون؛ لأنهم يتجاهلون الضفاف ويتعلقون بالنهر..."[5].
لا نمنع أحدًا من نبش التاريخ إذا كان المقصود بيانًا لحقائق أو تصحيحًا لأخطاء، ولكن ليس للجرأة المتقحمة ولا للتغلغل الباطني الذي يريد إفساد حياتنا وتاريخنا، حتى يكون اليأس والإحباط والنظرة الحاقدة على أجيال محمودة من التابعين ومن بعدهم. يقول الشيخ رشيد رضا: "وكتب التاريخ فيها الصحيح والضعيف والحق والباطل، وكان أستاذنا الشيخ حسين الجسر ينشد:
من طـــالع التاريخ مع أنه *** لم يتمسـك باعتقـاد سليم
أصبـح شيعيًّا وإلا فقـــل *** يخرج عن نهج الهدى المستقيم
ما هو الميزان الذي نستطيع من خلاله أن ننصف أنفسنا، وننصف غيرنا في أمور معقدة من نوازع البشر واختلاف الطبائع والسجايا؟ لا يوجد إلا ميزان واحد هو الذي ذكره القران الكريم {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25].
وهو الذي جاءت به السنة في تزكية أصحاب رسول الله ، وتزكية الجيل الثاني والجيل الثالث (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم)، ورسول الله لا ينطق عن الهوى ولا يداهن في دين، ولا يأمر الناس بما يعلم أن الحق خلافه، ولا ينعت أحد بصفة إلا بما علَّمه ربه وبما أنبأه"[6]. إنه الإنصاف الذي تميزت به أجيال من العلماء والمؤرخين الذين أنصفوا أعتى أعدائهم، والذين يتتبع ما كتبه الذهبي وابن كثير وأمثالهم سيرى مصداق ذلك.
ليس هذا موضع الدفاع عن أحد ولا تبرير أخطاء وقعت، ولكنه موضع الكشف عن أهواء الذين ينقضون غزلهم بعد قوة أنكاثًا، ويتبعون خبث الباطنية من إثارة الأحقاد والشغب على الأصحاب والعرب الذين أزالوا الإمبراطورية الفارسية، وهو ما يفسِّر هذا الحقد الخاص على الخليفة العظيم عمر بن الخطاب ، وعلى كل من اسمه (عمر)! والعجيب أن الذين يشنعون على هذه الفترة من التاريخ الإسلامي (عصر الراشدين وبني أمية) هم من آثار فتوحات هذه الفترة إن كانوا ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، أو يعتزون بالإسلام الذي جاء به محمد .
د. محمد العبدة
المصدر: موقع طريق الإسلام.


[1] انظر ما يكتب هذه الأيام من الطعن في الخلفاء الراشدين والصحابة، مثل كتاب (الإسلام السني) لمؤلفه بسام الجمل، وحيث جُلّ اعتماده على أقوال المستشرقين والمستغربين ومن يتابعهم.
[2] محمود محمد شاكر: جمهرة المقالات 2/972.
[3] مجلة المنار 1/649.
[4] أما تاريخ بني أمية في الأندلس فيقول عنه الشيخ رشيد رضا: "كان خلفاء الأمويين في الأندلس خير خلفاء المسلمين بعد الراشدين، وأقرب في سيرتهم إلى الشرع..." المصدر السابق 1/671.
[5] ول ديورانت: دروس التاريخ ص15.
[6] محمود محمد شاكر: جمهرة المقالات 2/989.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49237
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة   الإثنين 23 مايو 2016, 8:31 am

عوامل تحريف التاريخ الأموي
قصة الإسلام
19/04/2010


تعرَّضَ التاريخ الأموي إلى كثير من التشويه والتحريف، واتسعت هذه الظاهرة لتشمل جُلَّ مصادر التاريخ الأموي، وامتدت لتترك بصماتها على بعض كتب التفسير والحديث التي تشكل مصدرًا خصبًا من مصادر التاريخ الإسلامي في تلك الحقبة. وإذا كان الله تعالى قد قيض للحديث الشريف من يكشف صحيحه من ضعيفه وموضوعه، لما له من أهمية تشريعية خاصة فإن طبيعة علم التاريخ واتساع مجاله وتعدد عصوره وفيض رواياته قد وقفت حائلاً دون تتبع كل محاولات التحريف والكذب فيه على اتساع مصادره وتنوعها.

أدلة تحريف التاريخ الأموي

وتتعدد الأدلة على حدوث الكذب والتحريف في كتابة التاريخ الأموي؛ فقد أثبت بعض المؤرخين القدماء ذلك وحذروا منه، رغم أنهم لم يجدوا بُدًّا من ذكر هذه الأخبار الموضوعة لشيوعها أحيانًا، ولكيلا يتهمهم أحد بجهل شيء ذكره آخرون، أو لأنهم كانوا يعتبرون من الأمانة العلمية أن يذكر أحدهم كل ما يُروَى له، واتجه فريق آخر منهم إلى الانتقاء من هذا الركام الكبير فاختار ما صَحَّ عنده، ونبه إلى زيف كثير مما عداه.
فيقول شيخ مؤرخينا القدماء ابن جرير الطبري في مقدمة كتابه (تاريخ الرسل والملوك): "فما في كتابي هذا من خبر يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة، فليعلم أنه لم يأت ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنما أدَّينا ذلك على نحو ما أُدِّيَ إلينا". ويروي أبو الفرج الأصفهاني ما يعتبره من أكاذيب بعض الرواة وينبه إليه أحيانًا فيقول: "...وهذا من أكاذيب ابن الكلبي، وإنما ذكرته على ما فيه لئلاَّ يسقط من الكتاب شيء قد رواه الناس وتداولوه".
هذا بينما ينتقي ابن الأثير بعض الروايات ويهمل بعضها، ويقول في سبب ذلك: "...فإن الناس قد حشدوا تواريخهم بمقتضى الأهواء". ويشن ابن العربي حملة عنيفة على أهل الأهواء من المؤرخين، ولا يثق إلا برواية أهل الحديث الذين يتفحصون رواياتهم ويميزون بين غثها وسمينها، ويقول: "وغير ذلك هو الموت الأحمر والخطر الأكبر؛ فإنهم ينشئون أحاديث استحقار الصحابة والسلف والاستخفاف بهم، واختراع الاسترسال في الأقوال والأفعال عنهم، فإذا قاطعتم أهل الباطل، واقتصرتم على رواية العدول سلمتم من هذه الحبائل".
وقد حاول خصوم الأمويين تشويه صورتهم أثناء وجود دولتهم وبعد زوالها.. من ذلك ما رواه أبو الفرج الأصفهاني من أنه لما تزوج خالد بن يزيد بن معاوية رملة بنت الزبير بن العوام أنشد فيها أبياتًا من الشعر، فتلقف بعض خصوم الأمويين هذه الأبيات وزاد فيها:
فإن تسلمي نسلم وإن تتنصري *** يخط رجال بين أعينهم صلبانًا
فلما سمع عبد الملك بن مروان هذا الشعر قال لخالد: تنصرت يا خالد؟ فقال: وما ذاك؟ فأنشده هذا البيت، فقال خالد: على من قاله ومن نحلنيه لعنةُ الله.
وقد يكون الخوف من بني أمية حال أحيانًا دون التمادي في صنع الروايات ضدهم، فلما ذهبت دولتهم اتسع نطاق الكذب ضدهم، حتى أصبح الكذابون يقدِّمون قصصًا مخترعة بكاملها فقد ذكر الأصفهاني -أيضًا- أنه قد وقع فَخَارٌ بين رجل من زنادقة الشعوبية ورجل من ولد الوليد بن عبد الملك -وذلك في دولة بني العباس- خرجا فيه إلى أن أغلظ المسابة، فوضع الشعوبي عليهم كتابًا زعم فيه أن أم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك عشقت الشاعر وضاح اليمن، فكانت تدخله صندوقًا عندها، إذا خافت عليه أن ينكشف أمره، فوقف على ذلك خادم للوليد فأنهاه إليه، وأراه الصندوق فأخذه الوليد فدفنه، ودفن الشاعر فيه حيًّا!!

عوامل تحريف التاريخ الأموي

إن تدوين العلوم لم يصبح ظاهرة واسعة مشتهرة إلا في العصر العباسي، لكن ذلك لم يحدث فجأة، وإنما سبقته مراحل طويلة كانت العلوم تُدَوَّن فيها على استحياء كعامل يساعد الذاكرة والحفظ، الذي ظل يمثل عماد الحركة العلمية الأكثر احترامًا وتقديرًا. وقد وُجِدَتْ عدة عوامل أحاطت بذلك التدوين التاريخي في طوره التمهيدي الباكر قبل العصر العباسي، وفي طوره النشط الذي أصبح فيه ظاهرة عامة.
وبعض هذه العوامل أثَّر تأثيرًا كبيرًا على تحريف التاريخ الأموي مثل ضياع معظم النتاج التاريخي الباكر، ومن المؤكد أن كثيرًا من ذلك النتاج التاريخي كان سينصف بني أمية، وسيلقي مزيدًا من الضوء على تاريخهم، وسيعطي وجهات نظر محايدة عنهم أو مؤيدة لهم، إذا كُتِبَ معظمُه في عهدهم، وبأيدي بعض رجالهم، أو علمائهم المقربين منهم والخبيرين بهم. لقد حكمت دولة بني أمية المسلمين أكثر من تسعين سنة، وكان لهم في هذه المدة دعاة وأولياء وحواريون من مؤرخين وفقهاء ومتأدبين وشعراء، وعلى ذلك فمن البديهي أن نفترض أنه كان هناك نتاج ضخم من الكتابات لصالح بني أمية ودولتهم، ولم يأخذ حظه من العناية والتدوين، أو من النشر والإذاعة، أو تعرض عمدًا للإضاعة والإخفاء. ويذكر المسعودي ما يعزز هذا الافتراض بقوله: "ورأيت في سنة 324هـ بمدينة طبرية من بلاد الأردن من أرض الشام عند بعض موالي بني أمية ممن ينتحل العلم والأدب، ويتحيز إلى العثمانية.. كتابًا فيه نحو من ثلاثمائة ورقة بخط مجموع مترجم بكتاب (البراهين في إمامة الأمويين ونشر ما طوي من فضائلهم.. أبواب مترجمة، ودلائل مفصلة)".
كما ضاعت جُلُّ الوثائق السياسية لذلك العصر بما تحمل من دلالات قوية على سير الحياة فيه من وجهة نظر حكومية أو إدارية. وقد ساعدت عدة أسباب على ضياع ذلك التاريخ:
منها نظرة العلماء آنذاك إلى الآثار المكتوبة كعامل مساعد فقط على التذكرة والحفظ، دون أن يُعَوَّل عليها بشكل أساسي في التعليم وحلقات الدرس؛ وذلك لتخوُّفهم مما يَعْرِض للكتابة من تغيير وتبديل أو نسخ وإزالة أو تحريف وتصحيف.
ومن هذه الأسباب قيام كثير من الثورات التي أكلت كثيرًا من التراث المعارض لها وسط مظاهر الغضب الجامح، بل إن كثيرًا من هذه الوثائق السياسية الخاصة بالعصر الأموي كان قد لحقها الدمار حين تعرضت بعض الدواوين التي كانت تحفظ فيها للحريق في أيام بني أمية، مثلما حدث في ديوان الكوفة الذي احترق بما كان يضمه من وثائق سنة 82هـ إبان فتنة ابن الأشعث، ومثلما حدث لديوان الفسطاط الذي تعرَّض للحريق أيضًا في العصر الأموي.
وهكذا لم يبق من مستندات الدولة الأموية إلا ما ندر من أوراق البردي أو بعض المسكوكات التي عُثِرَ عليها أخيرًا، وبعض النصوص الوثائقية التي حفظتها لنا كتب التاريخ المتأخرة مثل ابن سعد والبلاذري والقلقشندي وغيرهم، والتي يجب تناولها بحذر شديد؛ إذ إن معظمها قد نَقَلَ من كتب متقدمة وليس من الأصول، كما أسفرت جهود العلماء حديثًا عن اكتشاف بعض قصور الخلفاء والأمراء الأمويين بالشام؛ مما يعطي صورة قريبة من واقع التطور المعماري والفني في العصر الأموي، واهتمام الأمويين بهذه النواحي الحضارية، ومدى ما بلغوه في هذا الشأن. ومن المؤكد أن ضياع هذه الآثار التاريخية عن دولة الأمويين قد أساء كثيرًا إلى تاريخهم حيث انفردت الكتابات المتأخرة، والتي تم معظمها في العصر العباسي، بالتأثير الأكبر والدور الأعظم في رسم صورة بني أمية، ومعروف عداء العباسيين للأمويين.
ومن أسباب ذلك التشويه الذي أصاب التاريخ الأموي تأثير الحزبية السياسي على عملية تدوينه، فقد شهد العصر الأموي تكوين عدد من التجمعات الإسلامية التي ناصبت الأمويين العداء كالشيعة والخوارج والزبيريين، وبعضها نشأ متأخرًا نتيجة اجتهادات دينية وكلامية مثل المعتزلة، كما كان هناك بعض الموالي الفرس الذين اعتصموا بقوميتهم الفارسية وشكلوا جبهة مناوئة للأمويين في معظم فترات تاريخهم، وقد كان لهذه التجمعات جهود بارزة في تشويه صورة بني أمية كحلقة من حلقات العداء لهم أثناء قيام دولتهم وسيطرتها.
كما أسهم بعض تلك التجمعات في تحريف تاريخ الأمويين عندما كُتِبَ ذلك التاريخ بعد ذهاب دولتهم، حيث برز كثير من المؤرخين الذين يدينون بأفكار تلك الاتجاهات المعادية للأمويين، وكان من الطبيعي أن تأتي كتاباتهم عنها متأثرة بذلك العداء.. وكان للشيعة الدور الأبرز في ذلك المجال؛ حيث وضعوا الأحاديث في فضائل علي وبنيه، ووضعوا الأخبار الكاذبة على خصومهم الأمويين، حتى قال مؤرخهم ابن أبي الحديد: "واعلم أن أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من وجهة الشيعة؛ فإنهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلقة في صاحبهم، حملهم على وضعها عداوة الخصوم".
وكان الإمام الشعبي يقول عنهم: لو أردت أن يعطوني رقابهم عبيدًا وأن يملئوا بيتي ذهبًا على أن أكذب لهم على عليٍّ لفعلوا، ولكن والله لا كذبت أبدًا. وكذلك كان بعض الصادقين من آل البيت يبرءون من هؤلاء الكذَّابين على الملأ، ويحذرون منهم مثل: علي زين العابدين، وجعفر الصادق، وعمر بن علي بن الحسين.
وإذا كان ذلك الكذب كله قد تم في العصر الأموي، وفي أثناء سيطرة الأمويين، وفي الحديث الشريف والتاريخ معًا، فإنه قد ظهر منهم جماعة في العصر العباسي من كبار المؤرخين الذين ترجموا تلك العداوة المتأصلة إلى تَزَيُّدٍ في روايات التاريخ الأموي، واختلاق لبعض الأخبار التي تسيء إلى بني أمية وتشوه سيرتهم، وتلوين لأخبار ثورات الشيعة ضد بني أمية بألوان البطولة والتعاطف مع الثائرين، والاتهام والتشنيع على الأمويين، ومن هؤلاء المؤرخين البارزين: أبو مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن الكلبي، وأبوه محمد بن السائب الكلبي، ثم الأصفهاني، واليعقوبي، والمسعودي، وغيرهم.
وبرع عديد من المؤرخين الموالي -من المسلمين غير العرب- في التاريخ وروايته، مثل: الواقدي والمدائني وابن إسحاق وأبي معشر السندي وأبي عبيدة والبلاذري والطبري والدينوري وغيرهم. واحتفظ بعض هؤلاء الموالي بقوميتهم الفارسية وأحقادهم على العرب واستعلائهم عليهم، وشمل ذلك العداء الدولة الأموية التي مثلت عندهم الرفعة العربية والانتصار الإسلامي؛ مما كان له أثره في تلوين كتاباتهم عن الأمويين بألوان التعصب والعنصرية والبغضاء. وبرع بعض هؤلاء الموالي في تأليف كتب المثالب يجمعون فيها كل ما يشتهون من مساويء العرب وقبائلهم ورجالهم وقد ينسبون بعض هذه الكتب إلى رجال من قادة العرب أنفسهم؛ ليخفى غرضهم، ويشيع وضعهم، ومن أبرز هؤلاء المؤرخين الموالي: أبو عبيدة معمر بن المثنى، وغيلان الشعوبي، والهيثم بن عدي. وقد ضاعت كتب المثالب فلم تصلنا، ولكن وصلتنا روايات أصحابها في كتب التاريخ. وما أحرانا أن نقف عندها وقفة متريثة، وقد عرفنا اتجاهات أصحابها ونواياهم.
وظهرت فرقة المعتزلة في الفترة الأخيرة من عمر الدولة الأموية، وكان موقف المعتزلة من الأمويين سافر العداء؛ إذ يعدونهم فاسقين وفاقدين للعدالة التي يجب توافرها في الخلفاء، وهم يعتبرون أن الفاسق في منزلة بين الإيمان والكفر -وهو ما يعبرون عنه في أحد أصولهم الخمسة بالمنزلة بين المنزلتين- وهو على ذلك في النار، إذ لا توجد في الآخرة إلا الجنة والنار.
ومعروف أن الصلة وثيقة بين التشيع والاعتزال؛ فقد تأثر المعتزلة كثيرًا ببعض آراء الشيعة، مما أدى إلى كراهية مشتركة للأمويين وتحامل عليهم.. وكان جماعة من أبرز المؤرخين والأدباء يدينون بالاعتزال، وقد ظهر ذلك واضحًا في كتاباتهم المعادية للأمويين، والتي يُخرج بعضها الأمويين عن دائرة الإسلام إلى دئرة الكفر -لا الفسوق فحسب!!- ومن أشهر هؤلاء وأشدهم عداًء للأمويين: الجاحظ، وابن أبي الحديد.
وقد مر بنا القول بأن حركة تدوين التاريخ -والعلوم عامةً- إنما نشطت وأصبحت ظاهرة عامة في العصر العباسي.. وقد كان ذلك من سوء حظ بني أمية الذين كُتِبَ تاريخهم في ظل السيطرة العباسية المعادية.. كتاريخ دولة مهزومة، يحيط بتدوين تاريخها مناخ فكري معادٍ لها، ومناخ سياسي متسلط ضدها، وقديمًا قيل: ويل للدولة المهزومة حين يكتب تاريخها المنتصرون.
على أن قوة الأمويين لم تنتهِ بانهيار دولتهم.. بل انبعث أحدهم -عبد الرحمن بن معاوية (الداخل)- عبر البحار والمفاوز ليصل إلى بلاد الأندلس، فيقيم بها دولة ظلت تنافس العباسيين وتهددهم في بعض الأحيان، وظلت ذكراهم عالقة في نفوس بعض المسلمين الذين صدمهم الواقع بعد ذهاب دولة الأمويين، وتبخُّر الأحلام في تغيير حقيقي ورديء، حتى قال قائلهم:
يا ليت جور بني أمية عاد لنا *** يا ليت عدل بني العباس في النار
ونتيجة لهذا الخوف من الخطر الجاثم في الشمال الغربي الأقصى واحتمالات امتداده عبر ما تبقى من عصبية للأمويين في المشرق، مع ما يغذي هذه المخاوف من ماضٍ مؤلم من الحروب والصراع بين الأمويين وخصومهم إبان حكمهم.. نتيجة هذه العوامل جاء الانتقام المريع من الأمويين على يد العباسيين وأعوانهم، وقصص هذا الانتقام تملأ صفحات من التاريخ، ورغم ما قد يكون فيها من تحيز ومبالغة وافتعال فإنها تظل حية الدلالة على مشاعر الكراهية التي حكمت سنوات من خلافة العباسيين ضد الأمويين، فقد أعمل العباسيون القتل الذريع فيمن اشتهر من رجالهم، حتى اضطر كثير منهم إلى الاختفاء عن العيون والتسمي بغير أسمائهم، والانتساب إلى غير جدودهم.
ولم يكن ذلك العداء مقصورًا على الفترة التي تلت نجاح العباسيين في إقامة دولتهم بل ظل يثور ويخبو حينًا بعد حين، حتى إننا نجد الخليفة المعتضد العباسي يصدر منشورًا سنة 284هـ يُقرَأ على العامة يقول فيه: "اللهم العن أبا سفيان بن حرب ومعاوية ابنه ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وولده، اللهم العن أئمة الكفر، وقادة الضلال، وأعداء الدين ومجاهدي الرسول ومغيري الأحكام وسفاكي الدم الحرام، اللهم إنا نبرأ إليك من موالاة أعدائك..." إلخ.
ولما ضعف سلطان الخلفاء وذهبت قوة الخلافة في العصر العباسي الثاني، أصبحت السلطة الكاملة في يد المتغلبين من الجند، وقامت الدويلات المستقلة التي اتخذ بعضها التشيع الغالي مذهبًا، كالفاطميين والبويهيين، ولقد ظهر في ذلك العصر جماعة من أشهر المؤرخين في تاريخ الإسلام كالطبري (ت310هـ) والمسعودي (ت346هـ) وابن الأثير (ت630هـ)، ولم يعد توجه الدولة السياسي صوب معاداة بني أمية؛ فقد ذهبت دولتهم وزال خطرهم، وظهرت مستجدات سياسية جديدة.. غير أن عوامل أخرى أسهمت في استمرار النظرة التاريخية المتحاملة على الأمويين:
منها استقرار الرواية التاريخية إلى حد كبير بشأن الدولة الأموية؛ فبعد مضي عقود من الزمان على ذهاب تلك الدولة كانت أجيال من الرواة لأخبارها الذين نشئوا في عصر العداء الشديد لها قد تركوا رواياتهم وكتبهم، لتمثل المادة التي سيبني عليها المتأخرون من المؤرخين في العصر العباسي الثاني وما تلاه.
ومنها أنه في غياب السلطة الشرعية المؤثرة للخلافة المقهورة، وشيوع روح الخوف والبطش من الجند المتغلبين على الخلافة، علا شأن طبقة من العوام والغوغاء، تغذوها مشاعر الكراهية التي تأصلت منذ عصور سالفة ضد الأمويين، كما تغذوها اتجاهات بعض الدويلات المستقلة من التشيع والمغالاة والرفض.
كانت هذه أبرز العوامل التي أدت إلى تحريف التاريخ الأموي، وإن وُجدت عوامل أخرى مساعدة قادت إلى نفس النتيجة وإن لم تقصد إليها:
من ذلك ظهور التأثيرات الإقليمية على الكتابات التاريخية، وقد بدا ذلك عندما ظهرت مدارس تاريخية متميزة في عدد من الأمصار الإسلامية.. مثل مدرسة العراق والحجاز ومصر والشام، وقد نشطت حركة التدوين التاريخي في مدرستي العراق والحجاز، وكلا المصرين كان من المعارضين في أحيان كثيرة للأمويين؛ فتأثرت كتابات مؤرخيه بهذا العداء القديم.. ونظرة عجلى في تاريخ الطبري تثبت تغلب الروايات الحجازية والعراقية على ما سواها، والطبري شيخ لكثير ممن تلاه، وعلى ذلك جاءت معظم أخبار أحداث ثورة الحسين وغيرها من ثورات الشيعة وثورات الخوارج، ومعظم أخبار ولاة الأمويين البارزين كزياد والحجاج وخالد القسري من رواة مدرسة العراق؛ مما لونها بألوان العداء، كذلك جاء معظم أخبار أحداث ثورة الحَرَّة، وثورة ابن الزبير، وأخبار مجتمع الحجاز.. متأثرة برواة مدرسة الحجاز التاريخية. ومن المؤسِف ذلك الضمور الملحوظ في نشاط التدوين في مدرسة الشام آنذاك، والتي كنا نتوقع أن تجيء أكثر إنصافًا للأمويين ودولتهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49237
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة   الإثنين 23 مايو 2016, 8:34 am

الدولة الأموية نموذجا لتشويه التاريخ الإسلامي
قصة الإسلام
16/06/2011


ادَّعى بعض المؤرخين أن بني أمية أرهقوا البلاد وظلموا العباد، وهذا الادعاء من جملة اللغط الكثير الذي أثير حول بني أميه، وفيه مبالغة شديدة.
ولعل بعضهم قد قارن بين خلافتهم وبين الخلافتين الراشدة والعباسية، فظنوا أنها لم تقدِّم أي تطور للحياة الإسلامية بمفهومها الحضاري، غير تلك الفتوحات التي امتدت شرقًا وغربًا.
وبالغ بعض مؤرخينا المعاصرين والمتأثرين بالنظرة الاستشراقية في تفسير أحداث التاريخ الإسلامي، فاعتبروها دولة مغتصبة للخلافة، متوقةً للزعامة، قامت دعائمها قوية وطيدة بعد أن شردت آل البيت وأبعدتهم عن الحياة السياسية، ثم حولت الخلافة إلى ملك عضوض يتوارث.
والأنكى من ذلك أن يذهب بعض هؤلاء (المؤرخين) إلى الاعتداء على خلفاء تلك الدولة بالتشريح والتجريح لمواقفهم وأفعالهم تجاه الأمة الإسلامية، كمعاوية بن أبي سفيان ، وابنه يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان.. وغيرهم. ثم يقفون عند عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- ويعدونه النقطة الوحيدة المضيئة في تلك البقعة الزمنية المظلمة، ناسين أو جاهلين أدوار الخلفاء الآخرين في نشر الإسلام، وإعلاء كلمته في أنحاء الدنيا.
ولنا مع هؤلاء وقفه يسيرة، فإذا نظرنا إلى الخلافتين السابقة واللاحقة لخلافة بني أمية لوجدنا الآتي:

الخلافة الراشدة:

وهي تلك الفترة السابقة لعهد بني أمية، فهي فترة ربانية بحق لما فيها من ولع بالدين وحب للعلم وشغف بالدراسة وزهد في الدنيا، فرعاياها تلاميذ مدرسة النبي ، وأعظم بها من مدرسة! وخلفاؤها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أجمعين. فكم يتوق الناس لتلك الخلافة!!

الخلافة العباسية:

وهي اللاحقة لعهد بني أمية، امتازت تلك الخلافة وعصرها بالبحث العلمي والنهضة العلمية والأدبية، وذلك بعد أن اتسعت رقعة الدولة الإسلامية شرقًا وغربًا، وحدث الامتزاج بين الحضارات القديمة ليبرز في النهاية الحضارة الإسلامية بصورتها الرائعة وبريقها الأخّاذ. وفي تلك الخلافة تم تدوين التاريخ وكتابته، وإن كانت إرهاصاته بدأت في نهاية عهد بني أمية إلا أن حركة التأليف والتأريخ ظهرت بوضوح في ذلك العصر.
ويكفينا أن نعرف أن تاريخ بني أمية قد كُتب في عهد بني العباس (ألد أعدائهم)، فكان في هذا نظرة مجحفة ظالمة لهم.
ومما سبق نجد أن لكل حقبة من التاريخ مزاياها الخاصة؛ فدولةٌ راشدةٌ عادلةٌ، ثم دولةُ فتوحات ودراسات، ثم دولةٌ حضاريةٌ بالمعنى المادِّي والمعنوي، فما الثانية إلا نتيجة للأولى، وما الثالثة إلا خلاصة المرحلتين الأولى والثانية.
ونعود لمؤرخينا وكتاباتهم؛ فنجد أن ما كتبوه مستمدٌّ من مصدرَيْن:
الأول: كتابات المستشرقين الحاقدين على الإسلام وتاريخه وحضارته. وخاصة دولة بني أمية التي أدخلت الإسلام بلادهم حتى كادت أن تدخل باريس من الغرب، وحاصرت القسطنطينية، وأخذت كثيرًا من ملك الدولة البيزنطية من جهة الشرق.
الثاني: الروايات الشيعيَّة الملفقة والموجودة في بعض كتب التاريخ؛ كتلك الروايات التي نقلها الطبري عن أبي مخنف ذلك الشيعي الكذَّاب، وغيرها الكثير[1].
ثم كيف لهم يجهلون قدر تلك الدولة العظيمة التي اتسعت رقعتها من الصين شرقًا إلى جنوب فرنسا غربًا؟! كل هذا تحت خلافة واحدة تُعلِي كلمة التوحيد وتدافع عنه، وتنشر الإسلام في كل مكان؛ فإن كان لبعض خلفائها هنَّات، فلا نقف عندها طويلاً فنعطي الأمر أكثر مما يستحق، ثم نذهب لنعمِّم ونقول للناس: إنهم كانوا ظالمين معتدين! فهذا هو الخطأ البيِّن، والخطب الفادح.
تلك النظرة المغلوطة للتاريخ الإسلامي وأحداثه قد بدت جلية واضحة في القرن الماضي؛ حيث العلمانية تحكم قبضتها حول العالم الإسلامي، أما الآن، ومع الصحوة الإسلامية التي لاحت بوادرها في الأفق، وراحت تعيد البعث في الأمة من جديد لتعود سيرتها الأولى كما كانت في عهدها الأول (خير أمة أخرجت للناس)؛ مما يشي بأنه حقد على الإسلام لا حقد على بني أمية.
المصدر: موقع طريق الإسلام.
روابط ذات صلة:
- تشويه التاريخ الإسلامي د. راغب السرجاني
- خطورة تشويه التاريخ الإسلامي
- لماذا يستهدف التاريخ الإسلامي؟
- لماذا يشوه تاريخ الإسلام وحده ؟!
- عوامل تحريف التاريخ الأموي
- شبهات حول الفتوحات الأموية
- دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة
- الاستشراق والتاريخ الإسلامي


[1] كان لرواة الشيعة ومؤرخيهم دور بارز في تشويه التاريخ الإسلامي، كما تبدى في "نهج البلاغة" لابن أبي الحديد، و"مروج الذهب" للمسعودي، وغيرها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
دروس التاريخ .. المسلمون والخلافة الراشدة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: التاريخ-
انتقل الى: