منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الفاتح العربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44765
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: الفاتح العربي   الإثنين 23 مايو 2016, 8:36 am

الفاتح العربي
قصة الإسلام
12/07/2011


من أجل الحقِّ والخير والهداية، ومن أجل حقوق الإنسان وكرامته وعزَّته - ركبَ العربيُّ فرسَه، وانساب في شِعاب الأرض، غازيًا مجاهدًا؛ ليبدِّدَ الظلمات التي كانت تحتوي البشرية، وليمحوَ من طريق الإنسان الأشواك والعقاب.
وكان أوَّلُ سيفٍ ضربه العربي باسم الله في بدر، ثم استمر في ضرباته الحاسمة المنتصرة، وفتح "العربيُّ" الدنيا، أو هكذا خيِّل إليه، ووقف بفرسه على شاطئ البحر الأبيض، وقال له: "يا بحرُ، والله، لو أعلم أن وراءك أرضًا لخضتك مجاهدًا في سبيل الله"[1].
ومرَّت الأيام والأعوام، وعَلِم العربي أن وراء شمال إفريقيا أرضًا أخرى اسمُها "الأندلس"، فقرَّر أن يخوضَها مجاهدًا في سبيل الله، ونجح العربي واستطاع أن يملأ هذا الأفقَ الجديد نورًا وهداية ورَشادًا، كان ذلك في عام 92هـ/711م.
ومرت أيام وأعوام أخرى، وسمع العربي أن وراء "جبال البرنات" أرضًا أخرى، ينبغي ألاَّ يبخل عليها بما أفاء الله عليه من نور، كانت هذه الأرض هي (الأرض الكبيرة)، هي: (فرنسا)[2].
وارتجَّ العالم الأوربي كله لهذه الرغبة الجديدة! ماذا يريد هذا العربي الطموح؟ أيريد أن يخضع الدنيا كلها لسلطانه؟! لا، لن يكون ذلك، لن تتحقق أطماع "الفاتح العربي"، ولن يكون ما يريد، وفعلاً تراجع "الفاتح العربي"، لا لأن العالم الأوربي أراد ذلك؛ فلم تكن للعالم الأوربي في ذلك الإبان إرادةٌ، ولكن لأن خَلَلاً وقع في صفوف الجيش العربي الوثاب.
لقد كانت فكرة رائعة للغاية، تلك التي كانت تسيطر على عقلِ ذلك "الفتى الجريء"، إنه يريد أن يصل إلى "آسيا" عن طريق "أوربا"! ومعنى هذا إخضاع العالم القديم كله للراية المسلمة.
وفي هذا يقول الشاعر الإنجليزي "سوزي"[3]:
"جمع لا يحصى من شام وبربر وعرب وروم وخوارج، وفرس وقبط وتتر.
عصبة واحدة، يجمعها إيمان هائم راسخ الفتوة، وحمية مضطرمة، وأخوة رائعة.
ولم يكن الزعماء أقلَّ ثقةً بالنصر، وقد شمخوا بطول ظفر، يتيهون بتلك القوةِ الجارفة، التي أيقنوا أنها كما اندفعتْ حيثما كانوا بلا منازع، ستندفع ظافرة إلى الأمام.
حتى يصبح الغرب المغلوب كالشرق يطأطئ الرأس؛ إجلالاً لاسم محمد، وينهض الحاج من أقصى المنجمد؛ ليطأ بأقدام الإيمان الرمالَ المحرقة المنتشرة فوق صحراء العرب، وأراضي مكة الصلدة".
اكتفى العربي بالأندلس: جنة الله في الأرض، ولم يطق لها براحًا: "كيف أفارق الأندلس، وقد علم سيدي أنها جنة الدنيا، بما حباها الله من اعتدال الهواء، وعذوبة الماء، وكثافة الأفياء، وأن الإنسان لا يبرح فيها بين قرة عين، وقرار نفس، وأفق صقيل، وبساط مُدبَّج، وماء سائح، وطائر مترنم؟!"[4].
وراح العربي يشيد في هذا الجو الفروسي الحالمِ حضارةً لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، ومدنيَّة ظلَّت الدنيا تنعم بخيراتها حتى اليوم.
يقول الأستاذ "لابن بول": "أنشأ العرب حكومة قرطبة التي كانت أعجوبة القرون الوسطى، بينما كانت أوربا تتخبَّط في ظلمات الجهل، فلم يكن سوى المسلمين مَن أقام بها منائرَ العلم والمدنية".
ويقول المستشرق الإسباني "جاينجوس": "لقد سطعتْ في إسبانيا (الأندلس) أولُ أشعة لهذه المدنية التي نثرت ضوءها فيما بعدُ على جميع الأمم النصرانية، وفي مدارس قرطبة وطليطلة العربية جُمعت الجذوات الأخيرة للعلوم اليونانية، بعد أن أشرفت على الانطفاء، وحُفظت بعناية، وإلى حكمة العرب وذكائهم ونشاطهم يرجع الفضل في كثير من أهم المخترعات الحديثة وأنفعها"[5].
ولقد كان الفاتح العربيُّ متسامحًا للغاية مع الذين يخالفونه في الدين والاعتقاد، لم يكن يعاملهم بتعصب أو عنف، يقول المؤرخ الأمريكي (سكوت): "وكان يُسمحُ للورِع المتعصب أن يزاول شعائره دون تدخل، كما يسمح للملحدِ أن يجاهر بآرائه دون خشية المطاردة، والأحبار يزاولون شئونهم في سلامٍ، أمَّا أقوال الكتَّاب النصارى التي ينسبون فيها للعرب أفظعَ المثالب، فهي محض مبالغة وافتراء"[6].
من أجل هذا، ومن أجل سماحة العربي ونبله، وأخلاقه وعدله، كنا نرى أن أصحاب البلاد المفتوحة يقابلونه بكل ترحيب وإجلال.
أَوَلَيْسَ مع هذا العربي الدواء الشافي، والطب الناجع؟ أوَليس هو المنقذ الرحيم الذي سيرفع عنهم إصرَهم والأغلال التي كانت عليهم؟
لهذا لا نعجب، إذا ما رأينا أهل الأندلس يلاقونه بكل حبٍّ وإخلاص، ويفتحون له أبوابهم الموصدة، ويمهدون له الطرق الملتوية؛ بل ويتمادون في تكريمه، فيرسلون له السفن التي تُقِلُّه وتحمله إلى ديارهم[7].
ويقول "جوستاف لوبون" في كتابه (البعث): "لقد بلغ مِن نُبل الدعوة التي حملها أبناء الجزيرة العربية إلى العالم في كل مكان توجهوا إليه، أن أصبح قادةُ هؤلاء الأقوام الذين تبيَّنوا أن بلادهم ستكون ممرًّا لجحافل العرب، يترقبون في لجح وشوق اقتراب ساعة ظهور تلك الطلائع المتهلِّلة نصرًا، والحاملة لشعلة العدل والرحمة والحضارة؛ حتى يقدِّموا القرابين، ويذبحوا الذبائح لأبطالها؛ ذلك لأن السمعة الطيبة، وسموَّ الأهداف، كانا يسبقان خيولَ أبناء يَعْرُب المجلبة في فيافي آسيا وإفريقيا، وكانت تلك الخلالُ المحببة ينتشر عبيرُها المعطر على الناس في الشرق والغرب قبل وصول العرب إلى مقاطعاتها المديدة الكثيرة بألوف الفراسخ"[8].
إن العربي يوم أن دخل الأندلس مجاهدًا فاتحًا، كان يريد أن ينتقل بالدنيا الأوربية عن غفوتها العميقة، ونومتها المستغرقة، إلى يقظة بنَّاءة؛ ومن أجل هذا جشم نفسه المتاعب والمصاعب؛ ليوقظ النيام، وليحيي الموتى.
أَوَلَيْسَتْ هذه رسالتَه؟ أوَليست هذه مهمتَه في الحياة؟
"لو لم تُقِم جنوبَ أوربا الحضارةُ الأندلسية العربيةُ، لظلَّت هذه القارة -أي: أوربا- تسبح إلى اليوم مع شعوبها المختلفي النِّحَلِ والنزعات في حَلَكٍ من ظلمة الجهل والبداوة، ولَمَا ظهر للمدنية الأوربية الحالية من أثر في الوجود". هكذا تكلم (جون دوانيورت) المؤرخ الإنجليزي.
ولكن، هل كان يعلم العربي أنه يوقظ الماردَ الذي سيستذلُّه ويستعبده؟ هل كان يعلم أن "أوربا" ستجزيه جزاءَ سِنِمَّار؟ هل كان يعلم أنه سيذوق أفانينَ من التعذيب والذبح والإرهاب، على تلك الأرض التي وهبها الحياة والمدنيَّة والنور؟!
لا؛ فإن السماء كانت صافية، والريح كانت رُخاء، والزورقُ المجنح كان يتهادى في أمن وطمأنينة وسلام، والربان كان ينبعث بزورقه وراء أحلام ورديَّة، وأمانٍ خضراءَ كانت تتراءى له من بعيد.
المصدر: موقع الألوكة، نقلاً عن كتاب (دموع قديمة) للدكتور محمد جميل غازي.




[1] قال هذه الكلمة الفاتح العربي "عقبة بن نافع" بعد أن فتح شمال إفريقيا.
[2] دخل العرب أرض "فرنسا"، ووصلوا إلى "بواتييه"، وهي على بعد 330 كيلومتر من الجنوب الغربي لباريس.
[3] ص94 "دولة الإسلام والأندلس" الجزء الأول، محمد عبد الله عنان.
[4] من خطابٍ كتبه "موسى بن سعيد" إلى مَن رغَّبه في الانتقال إلى "مراكش".
[5] "دولة الإسلام في الأندلس" ج1، ص62، محمد عبد الله عنان.
[6] "دولة الإسلام في الأندلس" ج1، ص 62، محمد عبد الله عنان.
[7] كان ذلك حينما أرسل "يوليان" سفنه لنقل جيوش المسلمين الفاتحة.
[8] ص67 "بين الديانات والحضارات" تأليف: طه المدور.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44765
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الفاتح العربي   الإثنين 23 مايو 2016, 8:38 am

روح التسامح عند المسلمين
د. يوسف القرضاوي
20/12/2010


إن روح السماحة التي تبدو في حُسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان - من الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية، ولا يغني فيها قانون ولا قضاء, وهذه الروح تكاد لا توجد في غير المجتمع الإسلامي.
تتجلى هذه السماحة في مثل قول القرآن في شأن الوالدَيْن المشركَيْن اللذيْن يحاولان إخراج ابنهما من التوحيد إلى الشرك: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].
وفي ترغيب القرآن في البر والإقساط إلى المخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
وفي قول القرآن يصف الأبرار من عباد الله: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8], ولم يكن الأسير حين نزلت الآية إلا من المشركين.
وفي قول القرآن يجيب عن شبهة بعض المسلمين في مشروعية الإنفاق على ذويهم وجيرانهم من المشركين المُصِرِّين: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَِنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة: 272].
وقد روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ومدوِّن مذهبه: أن النبي r بعث إلى أهل مكة مالاً لما قحطوا؛ ليوزَّع على فقرائهم[1]. هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه.
وروى أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت أمي وهي مشركة, في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي r فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفـأصِلُها؟ قال: "نعم، صِلي أمك"[2].
وفي قول القرآن يبين أدب المجادلة مع المخالفين: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ} [العنكبوت: 46].
وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول r لأهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم.
ذكر ابن إسحاق في السيرة: أن وفد نجران -وهم من النصارى- لما قدموا على الرسول بالمدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله r: "دعوهم", فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وعقب المجتهد ابن القيم على هذه القصة في (الهدي النبوي) فذكر ما فيها من الفقه: "جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين، وفي مساجدهم أيضًا، إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكنون من اعتياد ذلك"[3].
وروى أبو عبيد في (الأموال) عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تُجْرَى عليهم[4].
وروى البخاري عن أنس: أن النبي عاد يهوديًّا، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار".
وروى البخاري أيضًا: "أن النبي مات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله". وقد كان في وسعه أن يستقرض من أصحابه، وما كانوا لِيَضِنُّوا عليه بشيء, ولكنه أراد أن يُعَلِّم أمته.
وقَبِل النبي الهدايا من غير المسلمين، واستعان في سلمه وحربه بغير المسلمين، حيث ضمن ولاءهم له، ولم يخش منهم شرًّا ولا كيدًا.
ومرت عليه جنازة فقام لها واقفًا، فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال عليه الصلاة والسلام: "أليست نفسًا؟".
وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الصحابة والتابعين لغير المسلمين, فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين، ثم يقول: قال الله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60], وهذا من مساكين أهل الكتاب[5].
ويمر في رحلته إلى الشام بقوم مجزومين من النصارى, فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين.
وأصيب عمر بضربة رجل من أهل الذمة -أبي لؤلؤة المجوسي- فلم يمنعه ذلك أن يوصي الخليفة من بعده, وهو على فراش الموت فيقول: "أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، أن يوفي بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألاَّ يكلفهم فوق طاقتهم"[6].
وعبد الله بن عمرو يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة، حتى دهش الغلام، وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي؟ قال ابن عمرو: إن النبي r قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"[7].
وماتت أم الحارث بن أبي ربيعة وهي نصرانية، فشيَّعها أصحاب رسول الله [8].
وكان بعض أجلاء التابعين يعطون نصيبًا من صدقة الفطر لرهبان النصارى, ولا يرون في ذلك حرجًا, بل ذهب بعضهم -كعكرمة وابن سيرين والزهري- إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها.
وروى ابن أبي شيبة عم جابر بن زيد: "أنه سُئل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين، وأهل ذمتهم"[9].
وذكر القاضي عياض في "ترتيب المدارك" قال: "حدَّث الدارقطني أن القاضي إسماعيل بن إسحاق[10] دخل عليه الوزير عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي، فقام له القاضي ورحب به, فرأى إنكار الشهود لذلك، فلما خرج الوزير قال القاضي إسماعيل: قد علمت إنكاركم، وقد قال الله تعالى: {لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8]، وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد, وهذا من البر"[11].
وتتجلى هذه السماحة بعد ذلك في مواقف كثير من الأئمة والفقهاء، في الدفاع عن أهل الذمة، واعتبار أعراضهم وحرماتهم كحرمات المسلمين، وقد ذكرنا مثلاً لذلك: موقف الإمام الأوزاعي، والإمام ابن تيمية.
ونكتفي هنا بكلمات نيرة للفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي شارحًا بها معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم, فذكر من ذلك: الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم -على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة, واحتمال إذايتهم في الجوار -مع القدرة على إزالته- لطفًا منا بهم، لا خوفًا ولا طمعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم، إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم... إلخ[12].
المصدر: كتاب "غير المسلمين في المجتمع الإسلامي" للدكتور يوسف القرضاوي.


[1] شرح السير الكبير 1/144.
[2] تفسير ابن كثير 4/349.
[3] زاد المعاد جـ3 ط. مطبعة السنة المحمدية.
[4] الأموال ص613.
[5] أبو يوسف: الخراج ص26، انظر: كتابنا "فقه الزكاة" 2/705، 706.
[6] أخرجه البخاري في الصحيح، ويحيى بن آدم في الخراج ص74، والبيهقي في السنن 9/206 باب الوصاة بأهل الكتاب.
[7] القصة رواها أبو داود في كتاب الأدب من سننه، والترمذي في البر والصلة، والبخاري في الأدب المفرد رقم (128). أما الحديث المرفوع فهو متفق عليه.
[8] انظر: فقه الزكاة السابق.
[9] ذكر ذلك ابن حزم في المحلى 5/117.
[10] من أعلام المالكية وقاضى بغداد، توفي سنة 282هـ. انظر ترجمته في "ترتيب المدارك" 3/166-181. ط. دار الحياة ببيروت, تحقيق الدكتور أحمد بكير محمود.
[11] المرجع السابق ص174.
[12] الفروق 3/15.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
الفاتح العربي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: التاريخ-
انتقل الى: