منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الدولة الحفصية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49237
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: الدولة الحفصية   السبت 28 مايو 2016, 11:11 am

الدولة الحفصية

د. علي الصلابي




لم يزل الموحدون في أوج عزهم وشاهق سلطانهم إلى أن تصدع شملهم في موقعة العقاب بالأندلس [609هـ/1212م] فاضطربت يومئذ حبل الدولة وأذنبت أيامها بالذهاب. فخرج عنها ولاة النواحي وظهر العصيان من رؤساء العشائر فاستبدوا بالإدارة، ونما فيهم شعور بالقوة الفردية على حين ضعفت الدولة الحاكمة. فتفككت حينئذ وحدة الشمال الإفريقي وأشرقت فيه ثلاث إمارات أو قل هي ثلاث دول إسلامية مغربية متزاحمة على جذب طرف حبله متنازعة نشر نفوذها على هذا القطر والاستحواذ عليه ألا وهي:
دولة بني حفص شرقا، ودولة بني مرين غربا، ودولة بني زيان بالأوسط، فكلها تحاول الاستقلال به، وبسط نفوذها وسلطانها عليه، فتحاربت بينها طيلة نحو قرن كامل، ولتكافؤ القوات -أو ضعفها- لم يخلص بتمامه إلى أي دولة من هذه الدول الثلاث.
 

وأخيرا توزعت –مرغمة- فيما بينها، فكان شرقيه لبني أبي حفص، وغربيه لبني مرين، ووسطة عقده -الجزائر- لبني زيان من بني عبد الواد، وبالإضافة إلى تمركز الدولة الحفصية بتونس إلا أن الجزائر أيضا وقعت مرارا في قبضة الحفصيين، وامتد نفوذهم إليها ونشروا سلطانهم على نواح منها برهة من الدهر [*].
[*]
فمن هم الحفصيون ؟ وما هي ملامح دولتهم ؟ وكيف سقطت الدولة الحفصية ؟
أصل الحفصيون
اختلف علماء التاريخ في نسب أمراء بني حفص، فمنهم من أرجعهم إلى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- كابن نخيل، الذي يعتبر أول كاتب لديوان الدولة الحفصية [1]. ومنهم من أرجعهم إلى قبيلة هنتاتة، التي تعتبر من أهم قبائل المصامدة على وجه الخصوص، ومن أكبر قبائل البربر في المغرب على وجه العموم. وموطنها بجبال درن القريبة لمراكش.

ويعتبر الإمام المهدي الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى من زعماء المصامدة، وله مكانة ونفوذ بين قبائل المصامدة، وهو من خواص ابن تومرت، وآمن بدعوته وبذل قصارى جهده في مناصرته، وكان يأتي بعد عبد المؤمن في المنزلة عند الموحدين، من غير منازع، ويشترك معه في الألقاب الرئاسية، فبينما كان ابن تومرت يسمى بالإمام، وعبد المؤمن بن علي بالخليفة كان يسمى هو بالشيخ [2].
وبلغ من احترام عبد المؤمن له، وحسن تقديره إياه أن كان يأخذ برأيه في كل مشاكل الحكم، وأكرم أولاده من بعده وأسند لهم المناصب والإمارة في الأندلس وأفريقية.
تأسيس الدولة الحفصية
أبو محمد عبد الواحد بن أبي حفص
عندما تولى الدولة الموحدية الناصر بن المنصور [3] أسند إلى أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص الهنتاتي أمر أفريقية، وأعطاه مطلق التصرف في إدارتها؛ كي يستطيع القيام بأعبائها ويقضي على الفتن والثورات المستمرة هناك بزعامة بني غانية وأحلافهم من العرب.

وكان من شروط أبي محمد الحفصي على الخليفة الموحدي، أن يقيم ثلاث سنين، ريثما تترتب الأحوال وتنقطع أطماع بني غانية عنها، وأن يحكمه الناصر فيمن يبقيه معه من الجند ويرضاه من أهل الكفاية، وأن لا يتعقب أمره في ولاية ولا عزل، فقبل الناصر شروطه، ومن هنا ورث الملوك الحفصيون سلطنة تونس وأفريقية [4].
أبو زكريا بن عبد الواحد الحفصي
ويعتبر الانفصال الرسمي عن دولة الموحدين بالنسبة للحفصيين على يد أبي زكريا بن عبد الواحد الحفصي سنة 626هـ/1229م [5].
وكانت هناك عدة أسباب شجعت الأمير أبو زكريا بن عبد الواحد الحفصي بالانفصال منها:
1 - انهيار دولة عبد المؤمن في المغرب والأندلس عقب الهزيمة التي حاقت بجيوشها من موقعة العقاب سنة 1212م.
2 - رفض الخليفة الموحدي إدريس المأمون في عام 626هـ/1229م لتعليم ابن تومرت ثم أزال اسمه من السكة والخطبة.
3 - قتل الخليفة الموحدي إدريس أشياخ الموحدين الذين عارضوا سياسته، ومعظمهم من هنتاتة، قبيلة الحفصيين.

فأستغل أبو زكريا يحيى بن عبد الواحد بن أبي حفص الموقف المتأزم ورفض مبايعة الخليفة إدريس المأمون، واتخذ الأسباب المذكورة ذريعة للخروج عن طاعة عبد المؤمن والاستقلال بولايته، واعتبر نفسه أحق بميراث فكر وعقائد وأهداف حركة ابن تومرت، ولذلك حرص الحفصيون منذ إعلانهم للانفصال على التمسك بتعاليم ابن تومرت، وذكروا اسمه في الخطبة والسكة، كما طبقوا رسوم الموحدين واسمهم وتقاليدهم على دولتهم الناشئة. وإن كانت الظروف اقتضت تعديل بعض القضايا بحكم تغير الزمان والمكان [6].
واستطاع أبو زكريا بن عبد الواحد أن يشكل إمارة في تونس، وقضى على البقية الباقية من بني غانية، واستولى على قسطنطينة وبجاية ودخل تلمسان، وأتته بيعة أهل طنجة وسبتة وسلجماسة، كما أتته بيعة بني مرين عندما كانوا يقاتلون الموحدين في المغرب الأقصى، وكانت مناورة سياسية دلت على دهاء ومكر زعماء المرينيين [7]، ودعا له عدد من ولاة الأندلس وبايعه أهل شرق الأندلس واشبيلية والمرية، وإلى الأمير أبي زكريا عبد الواحد وجه أمير بلنسية وفداً برئاسة ابن الأبار يستصرخه لنجدة أهل بلنسية، فقام ابن الأبار القضاعي بين يدي أمير الحفصيين منشد قصيدته السينية الفريدة، التي قال عنها المقري أنها فضحت من باراها وكبا دونها من جارها [8] وهي:
أدرك بخيلك خيل الله أنْدلُسا *** إن السبيل إلى مَنْجاتها درساً
هَبْ لها من عزيز النصر ما التمست *** فلم يزل منك عزُّ النصر مُلَتَمسا
وحاشى مما تُعانيه حُشاحشَتَها *** فطالما ذاقت البلوى صباح مسا
يا للجزيرة أصبح أهلها جزراً *** للحادثات وأمسى جدُّها تَعسا
يا للمساجد عادت للعدى بيَعاً ***  وللنداء غدا اثنائها جَرسَا
صِلْ حبالها أيها المولى الرحيم فما ***  أبقى المِرَاسُ لها حبلاً ولامرسا
إلى أن قال:
طهر بلادك منهم إنهم نجسٌ *** ولا طهارة مالم تغسل النَّجسا
وأوطئ الفيلق الجرار ارضهم ***  حتى يطأطيء رأساً كل من رأساً
وانصُر عبداً بأقصى شَرِقها شرقت *** عيونهم أدمُعاً تهمي زَكاً وَخَسا
هم شيعة الأمر وهي الدارُ قد نهكت ***  داءً مالم تباشر حَسْمَه انتكسَا
فاملأ هِنئاً لك التأييد ساحتها *** جرداً سَلاِهِبَ أو خطيئة دعساً
واضرب لها موعدا بالفتح ***  ترقبه لعل يوم الأعادي قد أتى وعسى [9]

ولقد لبى السلطان أبو زكريا الحفصي النداء، وأرسل السفن المحملة بالعدة والعتاد والرجال والمؤن إلى المدينة المحاصرة، إلا أن تلك الإغاثة لم تفيد أهل بلنسية؛ بسبب الحصار المحكم من قبل النصارى، مما جعل أهالي المدينة يضطرون إلى التسليم والخضوع للمعتدين النصارى الحاقدين [10].
وفتح أبو زكريا أبواب أفريقية للهجرة الأندلسية، وبلغ التأثير الأندلسي في الدولة الحفصية ذروته في عهد أبي عبد الله المستنصر خليفة أبي زكريا يحيى، وكان من أعظم حكام دولة الحفصيين، وكان بلاطه يزخر بأهل الأندلس الذين هاجروا إلى جواره.
لقد كانت مناورة أبي زكريا بن عبد الواحد السياسية حققت أهدافها، حيث استطاع أن يمكن لبني حفص الحكم في أفريقية، وتوسع نفوذه من أحواز طرابلس شرقاً إلى مدينة الجزائر غرباً، وبدأ كأنه سيعيد الوحدة إلى أقطار المغرب [11].
ولاية العهد في الدولة الحفصية
سلك الحفصيون في ولاية العهد مسلك تعيين الأفراد من الأسرة الحاكمة. وفي عام 633هـ/1235م عين الأمير أبو زكريا ابنه على ولاية بجاية، وحوَّل له معظم الصلاحيات في سائر أعمالها.

وتميز أبو يحيى بحسن الكفاءة وسعة العلم وكثرة الورع وحب العدل، وجعل أهل مشورته وخاصته من أهل العلم والتقوى والدين والرأي السديد.
وكانت وصية أبي زكريا لابنه مليئة بالنصح والإرشاد، ومما جعل في وصيته قبل موته في عام 647هـ/1249م:
1 - المحافظة على إقامة شعائر الإسلام في اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه.
2 - تفقده للجيش وحسن معاملته لأفراده حسب درجاتهم، فلا يلحق السفيه بالكبير، فيجرئ السفيه عليه، ويفسد نية الكبير، فيكون إحسانه مفسدة له في كلا الوجهين.
3 - أوصاه الأمير بعدم الجزع عند حدوث الملمات، لان الجزع يؤدي إلى القلق والاضطراب، وبالتالي إلى الفشل في معالجة الأمور، لذا عليه أن يعالجها بالصبر والاتزان مع استشارة النبهاء، وذوي التجارب من قادة الجيش.
4 - أن يحسن اختيار مستشاريه، ممن اتصفوا بصدق القول والإخلاص في العمل، وأن لا يقتصر في استشارتهم على أحد منهم دون الآخر، بل يأخذ بآرائهم جميعاً، فإن في تعداد الآراء هداية لمعرفة الصواب.
5 - عليه أن يتفقد أحوال رعيته، ويراقب العمال والولاة في أعمالهم، ويبحث عن سيرة القضاء وعن أحكامهم، ومهما دعي للكشف عن ملمة فليكشفها، ولا يراع من حكمه أحداً إذا زاغ عن الصواب، ولا يقتصر على شخص واحد فقط في رفع مسائل وحوائج المتظلمين من أبناء رعيته.
6 - أوصاه بالتواضع والصفح عن الهفوات، لأنهما أنجح الطرق في معالجة الأمور.
7 - أن يعاقب بشدة كل مفسد عابث في طرقات المسلمين وأموالهم، متماد في غيه في فساد صلاحهم وأحوالهم، ومثل هذا ليس له إلا السيف.
أما الحسود فعليه أن لا يقيل عثرته، لأن في إقالته ما يشجعه على القول، والقول يدفعه إلى العمل، ووبال عمله يضر غيره، فليحسم داءه قبل انتشاره ويتدارك أمره قبل إظهاره.
8 - عليه أن يزهد في الدنيا، فلا ينشغل بلهوها وزينتها بل يعمل الأعمال الحميدة المشكورة التي تخلد ذكراه في الدنيا، وينال بها مرضاة الله في الآخرة [12].

إعلان الخلافة الحفصية
أبو عبد الله محمد المستنصر بالله
وبعد موت أبي زكريا الحفصي تولى زعامة الحفصيين ابنه أبو عبد الله محمد المستنصر بالله الذي أعلن نفسه أمير المؤمنين بعد سقوط بغداد بيد التتار عام 656هـ، وكان إعلانه كأمير المؤمنين للمسلمين 657هـ/1259م وبايعه شريف مكة بالخلافة [13].
 

وحاول الحفصيون أن يستندوا إلى الأسس الشرعية اللازمة في باب الخلافة، كالأصل العربي، والنسب النبوي، إلى جانبهم قرابتهم للموحدين. فزعموا أنهم من سلالة عمر بن الخطاب [14]، وعمر -رضي الله عنه- كما تعلم من أشراف قريش وكانت إليه السفارة في الجاهلية، وقد تزوج النبي -صل الله عليه وسلم- ابنته حفصة –رضي الله عنها، فالحفصيون بحكم هذا الأصل القرشي، وهذا النسب النبوي، وبحكم قرابتهم للموحدين، وجدوا في أنفسهم الشرعية الكافية لأن يرثوا خلافة الموحدين المنهارة [15].
وحرص الحفصيون على الاعتزاز بهذا الأصل، وإعلانه في كل حفل ومناسبة، وتبارت أقلام كتابهم وقصائد شعرائهم بإطلاق اسم الدولة العمرية أو الفاروقية على الدولة الحفصية، وذكر نسبهم الذي يرجع إلى عمر الفاروق كما يقولون، فهذا ابن خلدون يمدحهم ويقول:
قوم أبو حفص أب لهم
وما أدراك والفاروق هو أول [16]

ودعم موقف الحفصيين في إعلان الخلافة سقوط بغداد بيد المغول واعتراف شريف مكة وأهل الحجاز بالخلافة الحفصية، وسارع ملك غرناطة ابن الأحمر بمبايعة الحفصيين، وكذلك المرينيين في المغرب الأقصى، يقول السلاوي الناصري: "وَلما نبغ بَنو مرين بالمغرب وغلبوا على الْكثير من ضواحيه، كَانُوا يدعونَ إِلَى أبي زكريا الحفصي تأليفا لأهل الْمغرب، واستجلابا لمرضاتهم، وإتيانا لَهُم من نَاحيَة أهوائهم، إِذْ كَانَت صبغة الدعْوَة الموحدية قد رسخت فِي قُلُوبهم... [17]"، واعترف بنو زيان في تلمسان في المغرب الأوسط بهذه الخلافة.
وبذلك ظهرت خلافة قوية في الشمال الإفريقي عاصمتها تونس وبسطت نفوذها في بلاد الأندلس والمغرب والحجاز، وشعر حكام مصر بخطورة أهداف الخلافة الحفصية، وكانت السياسة المصرية في عهد المماليك تهدف إلى مد سلطانها على الحجاز لأسباب دينية واقتصادية وسياسة، ومن أهم تلك الأهداف السيطرة على البحر الأحمر وتجارته، فجميع الحكام الذين حكموا مصر واستقلوا بها، كالطولونيين، والإخشيديين والفاطميين [العبيديين] قد حرصوا على مد سلطانهم على الحجاز، ثم جاء الأيوبيون والمماليك والعثمانيون، فساروا على نفس هذه السياسة لدرجة أنهم لقبوا أنفسهم بلقب "خدام الحرمين" [18].

وكان يحكم مصر في تلك الفترة [658 - 676هـ] السلطان الظاهر بيبرس وكان من أقوى السلاطين الذين حكموا مصر واستطاع أن يهزم المغول عند الحدود العراقية، وعلى الصليبين في الشام حتى صارت سيرته مضرباً للأمثال، رأى السلطان بيبرس أن سياسة الدولة الحفصية تتعارض مع أهداف دولته، لهذا عمد إلى إحياء الخلافة العباسية في القاهرة سنة 659هـ/1261م، فأتى بأمير من أمراء العباسيين الفارين من المغول وبايعه بالخلافة في احتفال كبير بالقاهرة، ولقبه بالمستنصر بالله وقام الخليفة الجديد، وقلد السلطان بيبرس حكم مصر والشام والحجاز، وما يغزوه من بلاد الأعداء وبهذا العمل كسب بيبرس نفوذاً أدبياً وروحياً وسياسياً، ووجه ضربة موجعة للدولة الحفصية، وشرع بيبرس بعدة إصلاحات بالحرم النبوي الشريف، وأرسل كسوة الكعبة وأرسل الصدقات والشموع والزيت والطيب ... .الخ، ثم أدى بيبرس فريضة الحج وظهر منه خشوعاً وكرماً متميزاً وأزال أنصار الحفصيين، وأمر بالدعاء للخليفة العباسي على منابر الحجاز بدلاً من الخليفة الحفصي، ووضع مندوباً تابعاً له بجانب شريف مكة إلا أن بعد مضي وقت قصير، ضعف نفوذ كل من الخلافتين وصار سلطانها في المنطقة التي تعيش فيها [19].
استطاع المستنصر أبو عبد الله محمد بن أبي زكريا الحفصي أن يطور الدولة ويجعلها مقصداً للعلماء والأدباء وأن تتخذ مكانة رفيعة على المستوى الدولي في زمانه، وجاءته سفارات من دول متعددة، بعضها من السودان، وبعض آخر من أوروبا، وأهتم بعاصمة الدولة، وتطور العمران وازدهرت الأحوال العامة في أيامه وأصبحت أعز أيام الدولة الحفصية.
الحملة الصليبية الثامنة على تونس
تعرضت الدولة الحفصية للحملة الصليبية الثامنة بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا في سنة 668هـ/1270م أي بعد عشرين سنة من غزوته الخائبة لمصر، إلا أنها أخفقت، بسبب الوباء الذي عصف بها وعصف بحياة الملك نفسه [20].

مات المستنصر بالله الحفصي عام [675هـ/1277م] وبعد انقضاء القرن السابع الهجري، ضعف أمرها وتوقف الدعاء لها في المغرب والأندلس، ثم لم تلبث أن نخرتها وأضعفتها الحروب الأهلية، واستقلت بجاية عن تونس، وانتهز المرينيون هذه الفرصة، وأخذوا يتدخلون في شؤون الدولة الحفصية واستولوا على تونس عدة مرات [21] وأصبح الشمال الإفريقي في دوامة الصراع.
ولاية أبي العباس أحمد المستنصر
واستطاع الحفصيون أن يعودوا إلى حكم إفريقية، لدى انسحاب المرينيين، وبزغت مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي في ولاية أبي العباس أحمد المعروف بالمستنصر 772هـ/1370 - 796هـ/1394م، واستطاع أن يقف أمام هجوم من النصارى على المهدية سنة 792هـ/1390م، فهزموهم واستعادت الدولة الحفصية شيئاً من هيبتها وتمكن ابنه أبو فارس من الاستيلاء على تلمسان، وضم بعض الإمارات التي استقلت في حياة أبيه 803هـ/1400م، وعلى بسكرة سنة 805هـ/1402م، ثم نجح في الاستيلاء على مدينة الجزائر سنة 813هـ/1410م.

ولاية أبي فارس عبد العزيز
وفي عهد أبي فارس قدمت السفارات إلى تونس من جميع الأنحاء تخطب مودته، وتطلب مصالحته خاصة ومنها سفارة من غرناطة وفاس ومصر وتوفي أبو فارس سنة 838هـ/1434م.

عهد أبي عمرو الحفصي
خلفه ابنه الأصغر المستنصر فحكم 14 شهراً ومات، وفي عهد أخيه أبي عمرو عثمان بن محمد الحفصي اشتعلت نار الفتنة بسبب أطماع أبناء عمومته بالسلطان إلا أن أبا عمرو استطاع أن يقضي على هذه الثورات سنة 850هـ/1446م ويهزم عمه أبا الحسن [22].

وتقدمت تونس في مجال الحضارة في عهده، وشكلت علاقات ومعاهدات تجارية مع فرنسا، وسلاطين مصر والأندلس.
الأوضاع الاقتصادية في عهد الدولة الحفصية
أصبحت تونس في عهد الحفصيين مزدهرة اقتصاديا، وهذا يبرز من خلال التجارة التي تتمثل في تصدير الحبوب عند توفر المحاصيل والتمور وزيت الزيتون والشمع والملح والأقمشة والزرابي، فعملت تونس على بناء أسواق جديدة في القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي منهم: سوق العطارين، وسوق القماش، لأن نشاط التجارة التونسية مستمر، وكانت البضاعة المورودة تخضع إلى ضريبة قدرها 10% من قيمتها، بحيث كانت المدينة تتاجر مع المشرق برا بواسطة القوافل وبحرا، وساهم هذا في تقدم التقنية التجارية وتطور التامين على المراكب بتنمية النشاط الاقتصادي.
 

أبرمت عدة معاهدات من أجل حماية الأشخاص وممتلكاتهم [البندقية 634هـ/ 1236م - جنوه 634هـ/ 1236م]. وحدثت عدة تطورات أخرى أهمها نزوح العمران إلى السواحل البحرية، ونتج عنه توجيه العلاقات السياسية والاقتصادية نحو الغرب الأوربي.
ويمكن القول أن تركيز النشاط الاقتصادي في السواحل البحرية وازدهار مدن الساحل على حساب مدن الداخل وانفصالها عنها بعض الشيء يعتبر من أهم العوامل التي مهدت لتسرب العثمانية.
سقوط الدولة الحفصية
تمزقت وحدة الحفصيين بعد وفاة أبي عمرو الحفصي، وهاجم الأسبان سواحل تونس، وتبدلت الحال حتى أصبحت حال الحفصيين يرثى لها وعبر أبو محمد الحفصي عن الحالة التي وصلت إليها في بيت شعر قال فيه:
وكنا أسوداً والرجال تهابنا *** فجاء زمان فيه نخشى الأرانبا [23]

وكان هذا الأمير قد تحالف مع الأسبان وثار عليه ابنه، فقبض عليه وثمل عينه وخلعه من منصبه، ثم قام الأسبان بمذبحة في تونس سنة 941هـ/1534م فكانت نهاية الحفصيين.
وبدأ الصراع عليها بين العثمانيين والأسبان، واستطاع العثمانيون أن يتغلبوا على الأسبان، وبذلك دخلت تونس في حكم الدولة العثمانية الإسلامية عام 976هـ/1568م [24]. وخلص الأمر للعثمانيين عام 981هـ/1573م [25].

طرابلس والدولة الحفصية
كانت حركة انفصال المدن عن الدولة الحفصية كثيرة، وكانت الثورات متصلة من أمير ضد أمير، وكان ذلك مما سبب الضعف والوهن للأسرة الحفصية الحاكمة، ومن هذه المدن مدينة طرابلس، التي حاول كثير من الأمراء أن ينفصلوا بها عن الدولة الحفصية حتى تولاها عبد الواحد بن حفص.

ويرى الشيخ طاهر الزاوي بأن طرابلس منذ أن تولاها عبد الواحد بن حفص سنة 833هـ  إلى أن احتلها الأسبان سنة 916هـ كانت في رخاء مستمر وأمن شامل، واستطاع الأهالي أن يجمعوا ثروة هائلة كانت مضرب المثل في الشمال الإفريقي، وانغمس أهلها في متع الحياة ووقعوا في الترف الذي افسد عزائمهم، وأخلاقهم وضعفت روح الجهاد والكفاح والنضال في نفوسهم، فطمع فيهم الأعداء من النصارى فتكالبوا عليهم [26].
سقوط طرابلس في يد الإسبان النصارى
حانت الفرصة للأسبان فجهزوا مئة وعشرين قطعة بحرية، وانضمت إليها سفن أخرى من مالطة، وشحنت بخمسة عشر ألف جندي من الأسبان، وثلاثة آلاف من الإيطاليين والمالطيين.

وفي 8 من ربيع سنة 916هـ تحركت قواتهم نحو طرابلس ووصل أساطيلهم ليلة الثامن عشر من ربيع الآخر سنة 916هـ، الخامس والعشرين من يوليو سنة 1510م، وبدأ القتال بين النصارى الإسبان والطليان والمالطيين وبين أهالي طرابلس، ولم تكن القوات متكافئة، وسقطت المدينة في يد الأعداء، فهتكت الأعراض وسبيت النساء وقتل الرجال وديست المقدسات، واستمر الإفساد الإسباني في البلاد ما يقرب من عشرين سنة، ولم يستطيعوا أن يتجاوزوا فيها أسور المدينة، ثم سلمت طرابلس إلى فرسان القديس يوحنا في عام 942هـ 1535م، واستمر فرسان الدين يوحنا حتى عام 958هـ 1551م، حيث استطاع الأبطال العثمانيون السنيون أن يحكموا الحصار، ويحرّروا أسر مدينتنا الحبيبة طرابلس من قبضة فرسان القديس يوحنا.
أسباب سقوط الدولة الحفصية
1 - اعتمادها للمنهج المنحرف الذي نظّر له ابن تومرت وحرصها على تبني عقائده الفاسدة بعد أن انكشف زيف العقيدية التومرتية ومنهجه البدعي لكثير من أهالي الشمال الإفريقي، فأصبح الولاء ضعيفا للفكر التومرتي حتى عند أمراء الدولة الذين استخدموا تبني منهج ابن تومرت كمناورة سياسية من أجل القضاء على بقايا دولة الموحدين.
2 - الصراع الداخلي على الحكم بين أبناء البيت الحفصي، وما ترتب على ذلك من صراع عنيف وقتال دموي. فقد كانت الدولة الحفصية قد عانت من أهم الأمراض التي تفتك بالدول وتعجل في سقوطها وهو التنافس على الحكم فتنافس كبارها على كرسي الحكم مما أدى بها إلى الانقسام إلى قسمين أحدهما في بجاية والآخر في تونس.
3 - استقلال بعض المدن كإمارات مستقلة عن عاصمة الحفصيين، فتضطر أحيانا الدولة لتجريد الجيوش وتجهيزها من أجل إخضاع المدن لسلطانها، فيكلفها ذلك الكثير من الأموال والعتاد والرجال، وأحيانا تنهزم جيوش الدولة أمام مقاومة المدن الضارية.
4 - استهدفت مدن افريقية من قبل الإسبان النصارى والأوربيين عموما فعملوا على تنصير الشمال الأفريقي والانتقام من المسلمين واستغلال خيراتهم وثرواتهم، فدخلت الدولة في صراع معهم انتهى بالتحالف بين الإسبان والحفصيين.
5 - ظهور قوة إسلامية سنية أصيلة متمثلة في السلطنة العثمانية والتي استطاعت أن تهزم النصارى في ميادين البر وميادين البحر، وكان دافع الدولة العثمانية في صراعها مع النصارى نصرة الإسلام والمسلمين وحب الجهاد في سبيل رب العالمين.
6 - تطلع أهالي الشمال الأفريقي إلى قوة إسلامية سنية تقوم بتحريرهم من الإسبان ومن الأمراء الذين تحالفوا معهم، ولم يحترموا مقدسات الأمة وعقيدتها ودينها، فوجدوا في العثمانيين بغيتهم فراسلوهم واتصلوا بهم وتعاونوا على البر والتقوى من أجل إعزاز الإسلام والمسلمين ودحر النصارى الغاصبين.
7 - كان سقوط الدولة الحفصيين نتيجة طبيعية لما آلت إليه بسبب التنازع بين المسلمين وعدم حرصهم على سلامة وحدة الأمة وأهدافها العظمى.



[*] الدولة الحفصية: بحث مقدم لمعهد التاريخ-  المركز الجامعي بالوادي – الجزائر، الموسم الجامعي : 2009/2010م.
[1] ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ط دار الفكر 1988م، (6/ 371).
[2] بحوث في تاريخ الحضارة الإسلامية، مجموعة من البحوث التي ألقيت في ندوة الحضارة الإسلامية في ذكرى الأستاذ د. احمد فكري 16 - 20 أكتوبر 1976م، شباب الجامعة. ص220.
[3] د. أحمد مختار العبادي: دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ، مؤسسة شباب الجامعة. ص121.
[4] المصدر السابق نفسه.
[5] المصدر السابق، ص180.
[6] انظر: دراسات في المغرب والأندلس للعبادي، ص180.
[7] د. عبادة كحيلة: المغرب في تاريخ الأندلس والمغرب، ، الطبعة الأولى 1418هـ-1997م. ص127.
[8] نجيب زبيب: الموسوعة العامة لتاريخ المغرب والأندلس، دار الأمير، الطبعة الأولى 1415هـ، 1995م. (3/ 120).
[9] انظر: الموسوعة العامة لتاريخ المغرب والأندلس (3/ 120،121،122).
[10] المصدر السابق (3/ 122).
[11] انظر: المغرب في تاريخ الأندلس والمغرب، ص128.
[12] ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، مؤسسة جمال، بيروت-لبنان. 1/ 406 – 408.
[13] انظر: دراسات في تاريخ المغرب والأندلس للعبادي، ص123.
[14] نفس المصدر السابق، ص124.
[15] نفس المصدر السابق، ص124.
[16] ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ط دار الفكر 1988م، 7/ 641.
[17] انظر: السلاوي الناصري: الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق: جعفر الناصري/ محمد الناصري، الناشر: دار الكتاب - الدار البيضاء ، 3/ 28 - 29.
[18] دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص127.
[19] انظر: دراسات في تاريخ المغرب والأندلس، ص127.
[20] المُغرب في تاريخ الأندلس والمغرب، ص128.
[21] عام 1346،1350،1357م نقلاً عن دراسات في تاريخ المغرب والأندلس للعبادي، ص129.
[22] د. السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، دار النهضة العربية، بيروت، 1981م. (2/ 879).
[23] د. أحمد شبلي: موسوعة التاريخ الإسلامي، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، الطبعة العاشرة سنة 1995م. (4/ 305).
[24] المصدر السابق نفسه.
[25] انظر: المُغرب في تاريخ الأندلس والمغرب، ص132.
[26] الطاهر أحمد الزاوي: تاريخ الفتح العربي في ليبيا، دار التراث العربي، الطبعة الثالثة. ص 360.
[*]
المصدر: كتاب دولة الموحدين للدكتور علي محمد الصلابي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
الدولة الحفصية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: التاريخ :: دول غير التاريخ-
انتقل الى: