منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
هذا منتدى ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الدولة الزنكية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50685
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: الدولة الزنكية   الأربعاء 01 يونيو 2016, 4:19 am

قصة الدولة الزنكية

قصة الإسلام

كان آق سُنْقُر والد عماد الدين زنكي من أصحاب السلطان ملكشاه الأول، وقيل: إنه كان لصيقه، ومن أخصِّ أصدقائه؛ فقد نشأ الرجلان وترعرعا معًا، ولما تسلم ملكشاه الحكم عينه حاجبًا له، وحظي عنده فكان من المقربين، وأنس إليه ووثق به حتى أفضى إليه بأسراره، واعتمد عليه في مهماته، فكان أبرز قادته.



وقد قال عنه ابن كثير: "كان من أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة، وكانت الرعية في أمن وعدل ورخص"[1].
عمل آق سنقر على توطيد حكمه في حلب، وكان في صراع مع تتش أخي السلطان ملكشاه الأول الذي فشل في التخلص من آق سنقر في فترة حكم أخيه بسبب العلاقات الطيبة بين آق سنقر والسلطان، ولكن بعد وفاة ملكشاه حدث نزاع بين تتش وآق سنقر انتهى بوقوع آق سنقر في الأسر بعد موقعة تل السلطان وقتله هو وبوزان، وأسر كربوغا[2].
وتُعدّ الفترة الأولى من قيام الدولة الزنكية مرحلة تمهيد لقيام دولة قوية استطاعت أن توحد المسلمين، وتقف في وجه الصليبيين؛ وذلك للأسباب الآتية:
- إقامة أحكام الشريعة.
- تبني سياسة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين.
- طرد اللصوص وقطاع الطرق والقضاء عليهم، والتخلص من المفسدين.
- القضاء على الفوضى التي كانت متفشية في البلاد[3].
- معاملة الحكام لأهل البلاد معاملة حسنة؛ فنجد مثلاً أنَّ آق سنقر عامل أهل حلب بالحسنى حتى "توارثوا الرحمة عليه إلى آخر الدهر" على حدِّ قول ابن الأثير[4].
وقد ظهر في هذه المرحلة عدة شخصيات كان لها دور كبير في التمهيد لظهور عماد الدين زنكي ونور الدين محمود؛ إذ حملوا لواء الجهاد ضد الصليبيين، وحافظوا على جذوة الجهاد متقدةً في صدور المسلمين؛ ومن هؤلاء:
1- قوام الدولة كربوغا (489- 495هـ/ 1096- 1102م) الذي تزعم حركة الجهاد الإسلامي ضد الصليبيين، ومن ذلك مساندته القوة الإسلامية في أنطاكية أثناء تعرضها للحصار الصليبي في عام (490هـ- 1097م)، ولكنه فشل في حملته بعد الصراع والانشقاق بين قادته.
بعد ذلك انغمس كربوغا في النزاعات السلجوقية الداخلية إلى أن تُوُفِّي في مراغة بأذربيجان في (شهر ذي القعدة 494هـ/ شهر أيلول عام 1101م)[5].
2- شمس الدولة جكرمش (495- 500هـ/ 1102- 1106م):
فبعد وفاة كربوغا قامت نزاعات على تولي حكم الموصل انتهت بفوز جكرمش بحكم الموصل، ولكن أثناء هذه الصراعات حاول بلدوين الثاني دي بورج، صاحب الرها القيام بحملة على حران في (أواسط عام 497هـ/ ربيع عام 1104م)، فما كان من جكرمش إلا أن قام بالاتحاد مع سُقْمان بن أُرْتُق صاحب ماردين وديار بكر، واجتمعوا عند رأس العين ودارت معركة بينهم وبين الصليبيين في (شعبان 497هـ/ 1104م) على ضفة نهر البليخ، وانتصر المسلمون على الصليبيين على ضفاف نهر البليخ، ووقع بلدوين أمير الرّها وجوسلين صاحب تل باشر في أيدي المسلمين[6].
3- شرف الدولة مودود (501- 507هـ/ 1108- 1113م):
الذي بعد تولِّيه إمارة الموصل كان متمسكًا بفكرة الجهاد ضد الصليبيين؛ لذلك اتحد مع جيرانه من المسلمين وأعدَّ حملة عسكرية في (503هـ/ 1110م) لانتزاع مدينة الرها، وقد سانده إيلغازي الأرتقي أمير ماردين بعساكره من التركمان، وسقمان القطبي أمير أرمينية، وكانت هذه أول مرة يجتمع فيها هذا العدد من الأمراء المسلمين لقتال الصليبيين، وحاصروا الرها لمدة شهرين دون أن يتمكنوا من اختراق استحكاماتها، فرفعوا الحصار عنها خصوصًا بعد قدوم جيش الصليبيين من القدس[7].
4- آق سنقر البرسقي:
وقد تولى فترتين: الفترة الأولى من 507- 509هـ/ 1113- 1115م، والفترة الثانية من 515- 520هـ/1121- 1126م. وقام في فترته الأولى بالهجوم على الرّها في 508هـ/ 1115م، واكتفى بعد حصارها بتخريب بعض القرى المجاورة مثل سروج، وبلد، وربض الرها، وسميساط. وقام بمحاولات عديدة في محاربة الصليبيين[8].
تبدأ فترة الازدهار الفعلية للدولة الزنكية منذ عهد عماد الدين زنكي الذي كان الولد الوحيد لقسيم الدولة آق سنقر، وقد قتل هذا القائد في دفاعه عن الدولة السلجوقية ضد الخارجين عليها، ولم يترك وراءه سوى بطلنا الفذ ورائد الجهاد ضد الصليبيين عماد الدين زنكي وهو في العاشرة من عمره.
تولى الأمير كربوغا أمير الموصل تربية عماد الدين زنكي وتعهده بالعناية والرعاية وتعليمه فنون الفروسية والقيادة والقتال، وترقى في سلك الجندية حتى صار مقدم عساكر مدينة واسط، ثم ظهرت كفاءته القتالية سنة 517هـ/ 1123م في قتاله مع الخليفة العباسي المسترشد بالله ضد أحد الثوار الشيعة واسمه (دبيس بن صدقة)؛ مما جعل السلطان السلجوقي محمود يرقيه ليصبح قائدًا لشرطة بغداد سنة 521هـ/ 1127م، ويعطيه لقب الأتابك أي (مربي الأمير)؛ ذلك لأنه توسم فيه الخير والصلاح والنجابة، فعهد إليه بتربية ولديه ألب أرسلان وفروخ شاه.
وبعد وفاة أمير الموصل "عز الدين مسعود" حاول بعض المنتفعين تولية ولده الصغير مكانه، لكن عندما ذهب قاضي الموصل بهاء الدين الشهرزوري، وصلاح الدين محمد الياغسياني إلى السلطان محمود طلبا منه تعيين أمير قوي وكفء للموصل التي على حدود الشام حيث الوجود الصليبي، فقرر السلطان محمود أن يسند ولاية الموصل وأعمالها إلى عماد الدين زنكي، وذلك عام 521هـ/ 1127م[9].
وباعتلاء عماد الدين زنكي سدة الحكم في الموصل قامت الدولة الزنكية[10].
كان عماد الدين زنكي قائدًا محنكًا من دواهي العصر فطنةً وذكاءً وحدةَ بصيرة، كما كان من أشجع الناس وأقواهم وأجرَئِهم على القتال، لا يجاريه أحد من جنده في ذلك، وكذلك كان مربيًا وقائدًا قدوة يعرف كيف يحمس الشباب والنشء ويحفز طاقاتهم، فقبل فتح مدينة الرها وضع مائدته للطعام وقال: "لا يأكل معي على المائدة إلا من يطعن معي غدًا باب الرها"، وهي كناية عن شدة القتال والشجاعة؛ لأن طاعن الباب يكون أول فارس في الجيش يصل إلى باب المدينة، ولا يفعل ذلك إلا أشجع الناس، فلم يجلس معه على المائدة إلا صبي صغير؛ فقيل له: "ارجع؛ ما أنت في هذا المقام؟!" فقال له عماد الدين زنكي: "دعوه؛ فواللهِ إني أرى وجهًا لا يتخلَّف عني". وبالفعل أثمرت هذه الكلمات طاقةً جبارةً عند الصبي، فكان أول طاعنٍ، وأول بطل في هذه المعركة[11].
تراوحت علاقة عماد الدين زنكي بالخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية بين التعاون المثمر والعداء الشديد وفقًا للمصلحة العامة والشخصية في نفس الوقت، على أن هذه التقلبات لم تؤثر على مركزه في ولاية الموصل والجزيرة وبلاد الشام.
وفي خضم النزاعات السلجوقية سعى كل طامع في السلطة في العراق إلى استقطاب عماد الدين زنكي للاستفادة من قدراته العسكرية[12].
وكان للحروب التي حدثت بين السلاجقة فيما بينهم من جهة، ثم فيما بينهم وبين الخلافة العباسية من جهة أخرى، واشتراك عماد الدين زنكي فيها، نتائجُ مهمة على وضعيه: السياسي والعسكري منها:
* اتسعت شهرته كأمير ذي قوة مؤثرة في الصراع الدائر في المنطقة.
* خرج من تلك الحروب وقد تعرف على عائلة بني أيوب، مما سيكون له أثر كبير في تطور هذه العائلة وازدياد نشاطها.
* تدهورت العلاقات بينه وبين الخلافة العباسية[13].


[1] ابن كثير: البداية والنهاية، 12/147.
[2] د/ محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص57:50.
[3] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص47.
[4] ابن الأثير: الكامل 8/ 152.
[5] محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص60 :63.
[6] السابق نفسه، ص62: 68.
[7] د/ محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص69.
[8] السابق نفسه، ص78،79.
[9] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص87، 88. شريف عبد العزيز الزهيري: أبطال سقطوا من الذاكرة، ص137، 138.
[10] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص88.
[11] شريف عبد العزيز الزهيري: أبطال سقطوا من الذاكرة، ص141: 143.
[12] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص89: 91.
[13] السابق نفسه، ص91: 93.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50685
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الزنكية   الأربعاء 01 يونيو 2016, 4:21 am

النصارى في الدولة الزنكية

د. راغب السرجاني




كان تعامل الدولة الزنكية مع النصارى تعاملاً راقيًا، وقد شمل تسامح الزنكيين مع غير المسلمين مَنْ حاربهم -أيضًا- من النصارى؛ وذلك أنهم كانوا يُؤْثِرُون الصلح متى وجدوا إليه سبيلاً، كما أنهم كانوا يُطلقون للعدوِّ أسراه؛ زيادة في الإحسان إليه.. فقد أقام نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي صُلحًا مع الإمبراطور البيزنطي مانويل، منع بموجبه حربًا كانت على وشك الحدوث -رغم قوَّة استعداد جيشه للمعركة- وذلك في جُمَادَى الأولى سنة 554هـ، وقد تضمَّن اتفاق الصلح أن يُطلق نور الدين محمود سراح ستة آلاف من الأسرى النصارى الذين كانوا عنده(1).
وإن إطلاق مثل هذا العدد الكبير من الأسرى في مرَّةٍ واحدةٍ يُشير -وبوضوح- إلى حبِّ الزنكيين المسلمين للسلام والوئام مع غير المسلمين، وإيثارهم للإحسان على الإساءة، رغم قدرتهم على خوض الحرب والانتصار فيها، كما يُنبئ -أيضًا- عن أخلاق حسنة عامل بها المسلمون غيرَهم إِبَّان الدولة الزنكية.
ومن الأمثلة البارزة على تسامح الزنكيين قيام نور الدين محمود عقب معركة حارم في رمضان سنة 558هـ -والتي استعاد فيها نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي هذا الحصن التابع لإمارة أنطاكية من أيدي الصليبيين، وأَسَرَ عددًا من أمرائهم- بإطلاق سراحِ كُلٍّ من قسطنطين كولومان حاكم كيليكية البيزنطي، وبوهيمند الثالث صاحب أنطاكية، وقد كان في إمكانه قتلهم، إلاَّ أن العفو كان هو ما حدث في واقع الأمر(2).
ولم يُعرَف عن نور الدين محمود القائد المسلم أيَّ تعصب، فكانت نفسه من السماحة بمكان، وقد اكتسب ذلك من طبيعة الإسلام السمحة؛ وقد حارب الصليبيين لأنهم مغتصبون معتدون، لا لأنهم نصارى. ومن هنا فإنه لم يمسَّ النصارى الوطنيين بسوءٍ، وكان لهم عنده حقُّ الرعاية الكاملة؛ فلم يهدم في حياته كنيسة، ولا آذى قسًّا أو راهبًا، على عكس ما كان يفعله الصليبيون.
وقد أكسبته سماحته هذه احترام خصومه من الصليبيين؛ فكانوا على عداوتهم له يحترمونه ويعترفون له بالامتياز عليهم، حتى إن المؤرِّخ وليم الصوري، الذي أفاض في كتاباته بالحقد على الإسلام والمسلمين؛ لم يستطع إلا أن يعترف بفضله وعدله وصدق إيمانه(3).
المصدر: كتاب (مستقبل النصارى في الدولة الإسلامية).


(1) ابن الأثير: التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل ص84 بتصرف، وأيضًا محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص309، 310.
(2) طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص338، 339، بتصرف.
(3) وليم الصوري: تاريخ الأعمال المنجزة فيما وراء البحار 2/742، وانظر أيضًا: طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص415، 416.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50685
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الزنكية   الأربعاء 01 يونيو 2016, 4:24 am

تأسيس جيل النصر .. نور الدين زنكي نموذجا

د. عادل باناعمة



تعودنا أن تقف الأمة عند مفاصل التاريخ العظيمة، ولحظات الانتصار أو الانكسار الحاسمة، لتملأ ماضغيها فخرًا عند الأولى، وتملأ الدنيا صريخًا وعويلاً عند الثانية.

لم نتعود بما يكفي أن نبحث عن الأسباب، عن المياه العذبة التي غذت الثمرة الناضجة، أو عن السوس الذي نخر جذع الشجرة الوارفة فسقطت.

لقد عانت القضية الفلسطينية من المشكلة ذاتها.. منذ خمسة قرون والأمة في عامتها لا تعرف إلا صلاح الدين وفتحه لبيت المقدس، وكلما ذكرت فلسطين ذُكر صلاح الدين، بل كلما دعا داعي فلسطين للجهاد والبذل تمتم العجزة: رحم الله صلاح الدين.. لو خرج فينا اليوم صلاح، لقادنا إلى النصر!!

وهذا وهمٌ، فقد كان صلاح الدين الثمرة.. فهل هناك ثمرة بدون شجرة؟ وهل هناك شجرة بدون جذور؟ وهل تنبت الجذور إلا من بذرة؟

فمن الذي ألقى بذرة الشجرة؟ ومن الذين تعهدها بالسقي والرعاية حتى أثمرت صلاح الدين؟

إن صلاح الدين لم يأت فجأة، لم ينزل معجزة من السماء، ولا كان ملكًا مرسلاً، فرد جناحيه على الأمة فانقادت إلى النصر، وحررت بيت المقدس.

من قبل صلاح.. كان هناك ألف صلاح.. بل ألف رجل أعظم قدرًا وأجل أثرًا من صلاح. وحسبي أن أقف اليوم مع واحد من هؤلاء الذين مهدوا لصلاح الدين الأيوبي.

مع رجل كان هو الذي هيأ -بإذن الله- كل شيء لصلاح الدين. مع البطل العملاق الذي أسس جيل النصر الذي قاده صلاح الدين إلى فلسطين.

من هو هذا الرجل؟ وكيف أسس جيل النصر؟ وكيف هيأ الأمور ليقود صلاح الدين الأمة إلى النصر؟ وما هي الخطوات التي اتبعها؟ كيف خطط؟ ماذا عمل؟ على أي سياسة سار؟

هذا ما نريد معرفته اليوم..

إنّه نور الدين زنكي.. القائدُ الفذُّ الذي مهَّد لصلاح الدين الطريق.

والمتأمل في سيرة نور الدين يجدُ أنّه شَرَع السبيل لفتح القدس عبر أربع تأسيسات مهمة:

التأسيس الأول: تأسيس القيادة النموذج

لقد عمل نور الدين أول ما عمل على أن يصنع للأمة قيادة راشدة تقية تمثلت في شخصه الشريف رحمه الله، فجمع الدين والتقوى والعلم والشجاعة والبصر بالقتال وفنونه.

اسمعوا ما يقوله ابن الأثير: "طالعت السير، فلم أر فيها بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز أحسن من سيرته، ولا أكثر تحريًا للعدل، وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا من ملك له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، لقد طلبت منه زوجته، فأعطاها ثلاثة دكاكين فاستقلتها، فقال: ليس لي إلا هذا، وكان يتهجد كثيرًا"[1].

قال الذهبي: "وكان نور الدين مليح الخط كثير المطالعة يصلي في جماعة ويصوم ويتلو ويسبح، ويتحرى في القوت ويتجنب الكِبر، ويتشبه بالعلماء الأخيار.. وكلُّ من رآه شاهد من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره، فإذا فاوضه رأى من لطافته وتواضعه ما يحيره، حكى مَن صحبه سفرًا وحضرًا أنه ما سمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في هجره"[2].

وقال الموفق عبد اللطيف: "كان نور الدين لم ينشف له لبد من الجهاد، وكان يأكل من عمل يده، ينسخ تارة ويعمل أغلافًا تارة، ويلبس الصوف، ويلازم السجادة والمصحف"[3].

وكان ذكيًّا ألمعيًّا فطنًا لا تشتبه عليه الأحوال، ولا يتبهرج عليه الرجال.

وكان ينام بعد صلاة العشاء ثم يستيقظ في منتصف الليل، فيصلي ويتبتل إلى الله بالدعاء حتى يؤذن الفجر، كما كان كثير الصيام.

وجاءه التشريف من الخليفة العباسي بأن يدعى له على المنابر على هذا الوجه: "اللهم أصلح المولى السلطان الملك العادل العالم العامل الزاهد العابد الورع المجاهد المرابط نور الدين وعدته، ركن الإسلام وسيفه، قسيم الدولة وعمادها، اختيار الخلافة ومعزها.. سيد ملوك المشرق والمغرب وسلطانها، محيي العدل في العالمين، منصف المظلوم من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين"، فألغى ذلك كله، واكتفى بدعاء واحد هو: اللهم أصلح عبدك الفقير محمود بن زنكي!!.

التأسيس الثاني: تأسيس الوحدة النموذج

لقد حرص نور الدين على تحقيق أكبر قدر من الوحدة الإسلامية دون أن يريق دماء المسلمين، فقد كان شديد الحفاظ عليها، وكان يقول: لا حاجة لقتل المسلمين بعضهم بعضًا، وأنا أوفرهم ليكون بذل نفوسهم في مجاهدة المشركين.

وكانت الإمارات -لما عرف عنه من دين وحزم- تفرح بالانضمام إليه، وتسر بالدخول تحت حكمه.

ضمَّ نور الدين حمص ودمشق وتوالت سيطرته على مدن وقلاع الشام حتى خضع معظمها له دون إراقة دماء، ثم تابع جهوده حتى تمكن من السيطرة على مصر التي كانت بيد الفاطميين، وطوق بذلك فلسطين التي كان يستولي عليها الصليبيون، وحقق بذلك وحدة طوقية رائعة كان لها أكبر الأثر في تحرير فلسطين. ثم تمكن بعد ذلك من ضم الموصل والمناطق التي تتبعها إلى حكمه، ثم ضم اليمن إلى حكمه، وبذلك امتدت الجبهة الإسلامية المتحدة من العراق إلى الشام فمصر واليمن؛ مما أنذر بقرب القضاء على الصليبيين.

ومن حرص نور الدين على وحدة الأمة أنه لم يستقل بدولته عن خليفة المسلمين، بل كان يعلن نفسه أميرًا تابعًا للخليفة العباسي في بغداد، ولما فتح مصر أسقط الخلافة الفاطمية، ودعا في المنابر للخليفة العباسي المستضيء.

التأسيس الثالث: تأسيس المجتمع المسلم

حيث حرص على تطبيق أحكام الشريعة، ورفع المظالم، وإنصاف الناس، وكان يقول: حرام على كل من صحبني ألا يرفع قصة مظلوم لا يستطيع الوصول إليَّ.

ومن فقهه أنه لما كثرت غزواته، قال له بعض مستشاريه: لو أخذت بعضًا من الأموال المرصودة للفقراء والمساكين، وجعلتها في مصارف الجهاد. فقال رحمه الله: والله إني لا أرجو النصر إلا بأولئك، فإنما تُرزقون وتنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات أقوام يقاتلون عني وأنا نائم على فراشي بسهام لا تخطئ، وأصرفها على من لا يقاتل عني إلا إذا رآني بسهام قد تصيب وقد تخطئ؟! وهؤلاء لهم نصيب في بيت المال، كيف يحل لي أن أعطيه إلى غيرهم؟!".

كما حرص على البناء الإيماني التربوي والثقافي للجيل المسلم، فاستقدم العلماء العاملين، وأفسح لهم مجال العمل والدعوة، وسعى في بناء المدارس والمساجد، وحارب البدع والأضاليل، وأحيا سمت احترام العلماء وتوقيرهم، وكان يقول عن العلماء: إنهم جند الله، وبدعائهم ننصر على الأعداء، ولهم في بيت المال حق أضعاف ما أعطيهم، فإن رضوا منا ببعض حقهم فلهم المنة علينا. وفي زمانه صارت بلاد الشام مقرًّا للعلماء والفقهاء.

وكان يقول: "إنّ البلخي -وهو أحد العلماء- إذا قال لي: يا محمود، قامت كل شعرة في جسدي هيبة له، ويرقّ قلبي"!!

كما اعتنى بالإعمار والبناء الحضاري والاجتماعي؛ لأنه أدرك أن مجتمعًا مفكك الأوصال متخلف الحضارة لا يمكن أن يصنع نصرًا؛ ولذلك عمل على كفالة الأيتام وتزويج الأرامل وإغناء الفقراء، وبناء المستشفيات والملاجئ، ودور الأيتام، والأسواق، والحمامات، والطرق العامة، وتوطين البدو، وإقطاعهم الأراضي.

كما رتب الزكاة ونظم جبايتها وتوزيعها وفق الأسس الشرعية، وشجع التجارة بتأمين المواصلات، ورفع الضرائب التي تثقل حركة التجارة.

وبذلك كله أسس مجتمعًا إسلاميًّا راقيًا؛ دينًا، وحضارةً، وأخلاقًا.

التأسيس الرابع: تأسيس الروح الجهادية

"لقد سعى نور الدين في إحياء المعاني الجهادية في النفوس وتربية الأمة على معانيها، وتكريس عزة المسلمين ومنعتهم وقوتهم، وبذل الجهد في توفير العدة والعتاد، وحماية المدن، وبناء الأسوار والحفاظ على أرواح المسلمين، وكان يشجع ألعاب الخيل التي تعود على الكر والفر.

وكانت معاركه الفعلية، وحروبه التي خاضها ضد النصارى من أكبر ما أحيا روح الجهاد في الأمة.

فخلال فترة حكمة التي استمرت ثمانية وعشرين عامًا لم تتوقف معاركه مع الصليبيين مطلقًا -وقد تمكن من تحرير منطقة الرها وأنطاكية- كما أسهم في تحطيم الحملة الصليبية الثانية. وكان انتصاره الأعظم في تل حارم تاجًا يتلألأ على جبينه رحمه الله، فقد استطاع في تلك المعركة الكبرى أن يقتل عشرة آلاف صليبي، وأن يأسر عشرة آلاف، وكان من بين الأسرى أمير أنطاكية وأمير طرابلس وحاكم قلقيلية.

هكذا هيأ نور الدين كل شيء لقطف الثمرة وهي تحرير المسجد الأقصى.. وقد كان على وشك قطفها، فإنه في عام 569هـ أعدَّ العُدَّة للهجوم النهائي على بيت المقدس لتحريره من الصليبيين، حتى إنه قد جهز منبرًا جديدًا رائعًا للمسجد الأقصى يوضع فيه بعد الانتصار على الصليبيين.. ولكن المنية عاجلته فتوفي عام 570هـ.

وهكذا أصبح الطريق معبدًا أمام خليفته صلاح الدين؛ ليقطف الثمرة، وينال شرف تحرير الأقصى.. وتم له ذلك عام 584هـ عقب معركة حطين.

لقد استمر إعداد نور الدين ثمانية وعشرين عامًا، واستطاع صلاح الدين أن يقطف الثمرة خلال أربعة عشر عامًا.

لقد كان الإعداد أطول بكثير من قطف الثمرة..

وهذه سنة الله في كونه..

فهل لنا عظةٌ وعبرة؟

المصدر: كتاب (إلى طريق النصر).
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50685
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الزنكية   الأربعاء 01 يونيو 2016, 4:25 am

عماد الدين زنكي وجهاد الصليبيين

قصة الإسلام


بعد تثبيت أقدامه في الموصل التفت عماد الدين زنكي إلى تنفيذ الشق الأول من خطته القاضي بإنشاء دولة وتوسيعها عن طريق ضم الإمارات الإسلامية في الجزيرة وبلاد الشام، والمناطق الشرقية وتوحيدها مع إمارة الموصل، تمهيدًا للانتقال إلى الشق الثاني من الخطة، وهو مجابهة الصليبيين.
ففي عام 522هـ/ 1128م استطاع عماد الدين زنكي ضم حلب، وفي أواخر العام السابق ضم سنجار، وفي العام التالي استولى على حماة، وفي نفس العام 523هـ/ 1129م ضمَّ حران، وأقطعها أحد ضباطه وهو سوتكين الكرجي الذي كان ذا نزعات استقلالية، فاستقل بحران ولم تسنح الفرصة لعماد لدين زنكي لبسط سيطرته عليها إلا في عام 533هـ/ 1139م، وفي عام 526هـ/ 1132م ضم إربل إلى أملاكه، وفي عام 529هـ/ 1135م ضم الرقة، ثم ضم دقوقا في عام 531هـ/ 1137م عنوة، ودخل بعد ثلاث سنوات قلعة شهرزور، ثم توالت فتوحاته وتوسعاته حتى استولى على حمص سنة (٥٣٢هـ/ ١١٤٣م)؛ وبذلك صار الطريق ممهدًا أمامه لتوجيه ضربة قوية للصليبيين، وجاءت هذه الضربة سنة ٥٣٩هـ/ ١١٤٤م حين استطاعت قوات عماد الدين زنكي أن تستولي على الرها بعد حصار دام ثمانية وعشرين يومًا فقط، وكانت الرها ذات مكانة كبيرة لدى الصليبيين؛ إذ كانت أول إمارة صليبية تقوم على أرض الشرق العربي الإسلامي، وكان سقوطها صدمة نفسية مؤلمة وعنيفة للصليبيين ترددت أصداؤها في كل مكان؛ إذ إن المدينة كانت ترتبط بتراث المسيحية الباكر[1].

وفاة عماد الدين زنكي:

بينما كان عماد الدين زنكي يحاصر قلعة جَغْبَر عام (541هـ/ 1146م) الواقعة على الفرات بين بالس والرقة قرب صفين على الطريق إلى دمشق، انقض عليه وهو نائم أحد مماليكه المكلفين بحراسته ويدعى "يرنقش"، فقتله وهرب إلى القلعة المذكورة، وأعلم سكانها بحقيقة الأمر ففتحوا له الأبواب، وما أن انتشر نبأ الاغتيال في معسكره حتى اضطرب أمر جيشه وسادت الفوضى صفوفه، فاضطر قادته إلى فك الحصار والرحيل[2].
استطاع عماد الدين زنكي أن يؤسس خلال مدة قصيرة نسبيًّا دولة قوية متماسكة شملت حدودها ما بين شهرزور شرقًا إلى سواحل بلاد الشام غربًا، ومن آمد وديار بكر وجبال الأكراد شمالاً إلى الحُديثة جنوبًا[3].
وقد ترك عماد الدين زنكي أربعة أولاد من الذكور هم: سيف الدين غازي وهو أكبرهم، ونور الدين محمود، ونصرة الدين أمير أميران، وأبو الملوك قطب الدين مودود وهو أصغرهم.
لم يصادق هؤلاء الإخوة صعوبة في الاحتفاظ بملك أبيهم بفضل مساعدة اثنين من رجال عماد الدين زنكي الأوفياء هما: جمال الدين محمد الأصفهاني، وصلاح الدين الياغسياني[4].
ولم يشكِّل الأخوان الأخيران (نصرة الدين وأبو الملوك قطب الدين) أية عقبة في اقتسام الإرث الزنكي، فقد كان قطب الدين مودود في رعاية أخيه سيف الدين غازي الأول في الموصل، في حين كان حُكم نصرة الدين لحَرَّان تابعًا لأخيه نور الدين محمود، وهكذا انقسمت مملكة عماد الدين زنكي إلى قسمين: القسم الشرقي تحت حكم ابنه الأكبر سيف الدين غازي الأول ومقره الموصل، والقسم الغربي تحت حكم ابنه نور الدين محمود ومقره حلب، وكان نهر الخابور وهو الحد الفاصل بين أملاك الأخوين[5].
وأدَّى ذلك التقسيم إلى أن:
-                           يرث سيف الدين غازي الأول المشاكل الداخلية مع كل من الخلافة العباسية والسلطنة السلجوقية في العراق.
-                           يحمي حدود الإمارة من غارات سلاجقة فارس.
-                           يحمي ثغور الإمارة الشمالية من تعديات سلاجقة الروم والدانشمنديين والبيزنطيين في آسيا الصغرى.
-           أمّا القسم الغربي فقد ورث نور الدين محمود المشكلتين الكبيرتين المتمثلتين بأتابكية دمشق والإمارات الصليبية المنتشرة في مختلف بلاد الشام[6].
 
وكان من الطبيعي أن تنشأ بين البيتين الزنكيين في كل من الموصل وحلب علاقات وثيقة بفعل الروابط الأسرية من جهة، واشتراك آل زنكي بعامة بهدف واحد هو الجهاد ضد الصليبيين في بلاد الشام، وكانت حلب تشكل بالنسبة للموصل خط الدفاع الأول وصمام الأمان ضد أي خطر تتعرض له، فنشأت نتيجة ذلك علاقات جيدة بين سيف الدين غازي الأول صاحب الموصل، وأخيه نور الدين محمود صاحب حلب، ثم بين الأمراء الذين توالوا على حكم الموصل بعد غازي الأول، إلا أن هذه العلاقات الودية القائمة على التعاون والدفاع المشترك، شهدت في بعض الأوقات فتورًا عامًّا، كان لا يلبث أن يتلاشى لتعود المحبة والألفة[7].
ولعل أول ثمار التعاون بين الأخوين هو اشتراكهما في التصدي للصليبيين ضد الحصار الذي فرضه هؤلاء على دمشق في شهر ربيع الأول عام 543هـ/ شهر تموز عام 1148م.
فقد استنجد معين الدين أَنُر الذي تولى زمام الأمور في دمشق بأمير الموصل سيف الدين غازي الأول وهو أقوى الأمراء المسلمين في ذلك الوقت، يستصرخه ويخبره بشدة بأس الصليبيين.
لبى سيف الدين غازي الأول نداء الاستغاثة، فخرج من الموصل على وجه السرعة، وعبر الفرات على رأس جيش كبير مصطحبًا معه أخاه نور الدين محمود، ونزل الأخوان مدينة حمص، واجتمع لديهما سبعون ألف مقاتل، وبعد حصار دام خمسة أيام لدمشق أجبر الأخوان الصليبيين على الرحيل عن دمشق.
وعندما توجه نور الدين محمود لفتح حصن العريمة ـ إحدى قلاع الساحل الشامي ـ وانتزاعه من أيدي الصليبيين، أرسل إلى أخيه سيف الدين غازي الأول في حمص ليمده بالعساكر، فأرسل إليه قوة عسكرية بقيادة عز الدين أبي بكر الدبيسي، وتمكن المسلمون من فتح الحصن، فدمروه وأسروا من كان فيه، وعاد نور الدين محمود إلى حلب، في حين عادت عساكر الموصل إلى حمص.

وفاة سيف الدين غازي الأول:

كان حكم سيف الدين غازي الأول للموصل قصيرًا؛ إذ لم يلبث أن توفي في شهر جمادى الآخرة عام 544هـ/ شهر تشرين عام 1149م، بعد أن حكم ثلاث سنوات وشهرًا وعشرين يومًا، وخلفه أخوه قطب الدين مودود؛ فتسلم ما كان لأخيه من البلاد التابعة للموصل، وسانده الأميران جمال الدين الأصفهاني، وزين الدين علي كوجك[8].


[1] قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص112،113.
[2] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص159.
[3] السابق نفسه، ص162.
[4] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين، ص167.
[5] السابق نفسه، ص168.
[6] السابق نفسه، ص168، 169.
[7] السابق نفسه، ص169.
[8] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين، ص174: 177.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50685
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدولة الزنكية   الأربعاء 01 يونيو 2016, 4:26 am

جهاد نور الدين ضد الصليبيين

قصة الإسلام
29/07/2010 - 10:37am
1

 تسلم نور الدين محمود بن زنكي القيادة بعد سقوط أبيه، وكان نور الدين مثل أبيه في الشجاعة والحزم والإخلاص والطموح، وزاد على ذلك شدة تقواه وزهده، وسلامة نيته، فقد كان يعتقد بأن الله تعالى قد أوكل إليه مهمة اقتلاع الفرنجة من ديار المسلمين، وتوحيد هذه الديار وأهلها تحت راية واحدة ولهدف جهادي واحد[1].
استهل نور الدين حكمه بالقيام ببعض الهجمات على إمارة أنطاكية الصليبية، واستولى على عدة قلاع في شمال الشام، ثم قضى على محاولة "جوسلين الثاني" لاستعادة الرها التي فتحها عماد الدين زنكي، وكانت هزيمة الصليبيين في الرّها أشد من هزيمتهم الأولى.
وكان نور الدين دائم السعي إلى استمالة القوى الإسلامية المتعددة في شمال العراق والشام وكسب ودها وصداقتها؛ لتستطيع مواجهة العدو الصليبي، فعقد معاهدة مع "معين الدين أنر" حاكم دمشق -رغم ظلمه- سنة (541هـ/ 1147م) وتزوج ابنته، فلما تعرض "أنر" لخطر الصليبيين وكانت تربطه بهم معاهدة وحلف، لم يجد غير نور الدين يستجير به، فخرج إليه، وسارا معًا واستوليا على بصرى وصرخند قبل أن يقعا في يد الصليبيين، ثم غادر نور الدين دمشق؛ حتى يبعث في قلب حاكمها الأمان، وأنه لا يفكر إلا في القضاء على الصليبيين؛ فتوجه إلى حصون إمارة أنطاكية، واستولى على أرتاح وكفر لاثا وبصرفوت.
بعد سقوط إمارة الرها وتحريرها على يد عماد الدين زنكي ذهب وفد من فرنجة الشرق إلى بلاد البابا إيجينيوس الثالث، بعد أن اعتلى العرش البابوي بوقت قصير، كما ذهب وفد آخر من الأرمن يستنهض همم البابوية وملوك الغرب لمحاولة استرداد الرها التي ضاعت منهم.
ونتيجة لتلك المساعي تجمَّع جيش فرنسي كبير قوامه سبعون ألفًا على رأسه لويس السابع ملك فرنسا، وتجمع جيش ألماني قوامه سبعون ألفًا أيضًا على رأسه إمبراطور ألمانيا كونراد الثالث، وشنَّ الجيشان الحملة الصليبية الثانية سنة 542هـ/ 1147م.
اتخذ الجيشان طريقين مختلفين للوصول إلى المشرق العربي، فالجيش الألماني اتخذ طريق البحر، ورست سفنه على شواطئ آسيا الصغرى، ثم عبر البسفور، أمّا الجيش الفرنسي فسار بطريق البر حتى وصل إلى القسطنطينية[2]، ووصل كل من لويس وكونراد وجيوشهما إلى القدس عام 543هـ/ 1148م.
اتفق قواد الحملة الصليبية الثانية على الاتجاه لمحاصرة مدينة دمشق، وأقاموا معسكرهم على تخوم البساتين المحيطة بدمشق، فأرسل معين الدين أَنُر إلى ولاة الأقاليم يطلب منهم إرسال كل من يستغنون عنه من الرجال، كما هرع رسول إلى سيف الدين غازي أمير الموصل، ونور الدين محمود بحلب يطلب منه النجدة، غير أن الموقف لم يلبث أن تحول بصورة حاسمة في الأيام التالية؛ فقد بدأت الإمدادات التي طلبها معين الدين أنر بالتدفق على المدينة عبر أبوابها الشمالية الأمر الذي ساعد معين الدين أنر على شن هجوم مضاد طرد به الفرنج من المنطقة المحيطة بالأسوار، كما توغل رجال دمشق من المجاهدين في الحدائق والبساتين، فانسحب الصليبيون إلى السهل الواقع خارج السور الشرقي ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى تبين لقادة الجيوش الصليبية خطأ القرار الذي اتخذوه، فتوافر للمجاهدين في سبيل الله من أبناء دمشق فرصة للانتقال عبر الحقول والبساتين لاصطياد جند الصليبيين والإيقاع بهم، وإلحاق الخسائر الفادحة بهم.
وكان لتدفق الإمدادات على دمشق واقتراب نور الدين محمود بجيشه منها أثره في تصعيد المقاومة ضد الصليبيين حتى بات الجيش الصليبي بكامله محاصرًا وهو الذي جاء لحصار دمشق[3].
لقد بدأ التحول الحاسم لمصلحة المسلمين، وكان الفضل الأول والأخير في هذا التحول لنور الدين محمود وسيف الدين غازي، ولو أن أمير دمشق معين الدين أنر قد قام بدور لا ينكر[4].
وما أن انزاح الخطر عن دمشق حتى سار نور الدين إلى حصن العريمة لإعادة فتحه وانتزاعه من قبضة الصليبيين، فقد أراد برتراند الصغير حاكم تولوز وهو ابن غير شرعي للكونت ألفونسو صاحب طليطلة الذي لم يحتمل أن يرى إمارة طرابلس الوافرة الغنى بيد ابن عم له يدعى ريموند، فحاول انتزاعها منه واتخاذها مقرًّا له وتكوين إمارة صليبية يحكمها، فأرسل ريموند إلى دمشق يطلب الدعم من معين الدين أنر فاستغل معين الدين هذه الفرصة، وأرسل إلى نور الدين محمود الذي استجاب بدوره لتقديم الدعم من أجل قتال الصليبيين، وليس من أجل دعم قضية ريموند حاكم طرابلس.
ونزل نور الدين ومعين الدين بجيشهما فحاصرا حصن العريمة، وتقدم إليه النقابون فنقبوا السور، فاستسلم حينئذٍ مَن به من الصليبيين وملكه المسلمون سنة (543هـ/ 1148م)، وأخذوا كل من فيه من فارس وراجل وصبي وامرأة، وكان برتراند وأخته من نصيب نور الدين، فحملهما إلى حلب حيث أمضيا في الأسر اثنتي عشرة سنة، وقال المسلمون فيهما المثل المعروف: "جاء الحمار يطلب قرنين، فعاد مصلوم الأذنين"[5].
وقد حدث أثناء حصار دمشق أن خرجت قوة عسكرية إسلامية من حلب وأغارت على إمارة أنطاكية، فاستغل ريموند غياب نور الدين محمود عن حلب، وقرر الانقضاض على المدينة، واستعان بالحشيشية الذين يُكنُّون الكراهية لنور الدين.
كان نور الدين آنذاك يهاجم حصن العُريمة، فتوجه بعد فراغه من منازلة الحصن لملاقاة ريموند وذلك في شهر جمادى الأولى عام 543هـ/ شهر سبتمبر عام 1148م، ودارت بين الطرفين رحى معركة قاسية عند مكان يعرف بـ"يغري" إلى الشمال الشرقي من بحيرة العمق انتهت بانتصار نور الدين محمود، وقتل المسلمون عددًا كبيرًا من رجال ريموند ووقع آخرون في الأسر، وأرسل نور الدين محمود بعض الغنائم والأسرى إلى أخيه سيف الدين غازي الأول، وإلى الخليفة العباسي في بغداد، وإلى السلطان مسعود السلجوقي[6].
ثم التقى نور الدين محمود وريموند في السهل الواقع بين إنب ومستنقع الغاب، ودارت بين الجانبين رحى معركة شديدة انتصر فيها المسلمون، وتعرض الجيش الصليبي للدمار، ثم لقي ريموند مصرعه بعد ذلك على يد شيركوه، وأرسل نور الدين محمود رأس ريموند وذراعه اليمنى في صندوق من الفضة هدية إلى الخليفة العباسي في بغداد[7].
وهكذا فشلت الحملة الصليبية الثانية التي كان هدفها استرداد إمارة الرها، وانسحبت جيوش الصليبيين إلى أوروبا وهى تشعر بمرارة الخزي والهزيمة[8]، ولكنها أسدت خدمةً عظيمةً للمسلمين؛ إذ إنها تسببت في إقامة تحالف بين دمشق وحاكمها الضعيف وبين البطل المجاهد نور الدين محمود. وقد أسفر ذلك عن دخول نور الدين محمود دمشق سنة ٥٤٩هـ/ ١١٥٤م برغبة أهلها الذين سئموا ظلم حاكمهم[9].
 

وفاة نور الدين محمود:

 قدم نور الدين محمود إلى دمشق في ربيع عام 569هـ/ 1174م لإعداد حملة على مصر، فبعث يطلب العساكر من الموصل والجزيرة الفراتية وديار بكر، لكنَّ الأجل كان له بالمرصاد فتُوفِّي يوم الأربعاء في (11 من شوال عام 569هـ/ 21 من مايو عام 1174م) إثر التهاب لوزتيه وإصابته بالحمى والاختناق نتيجة ذلك[10].

مرحلة انهيار الدولة الزنكية:

 تعتبر وفاة نور الدين محمود بداية النهاية للدولة الزنكية؛ وذلك لأن وفاة نور الدين محمود أثارت مشكلة تقسيم دولته الواسعة بين ورثته، فقد حدث صراع على الملك بين أفراد البيت الزنكي بين سيف الدين غازي الثاني أمير الموصل، وعماد الدين زنكي الثاني أمير سنجار، وحدث صراع آخر موازٍ للصراع السابق بين أقوى اثنين من قادة نور الدين محمود هما شمس الدين علي بن الداية في حلب، وشمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدم في دمشق، مما ساعد على تفتيت وحدة الدولة الزنكية.
في ذات الوقت لم يكن بين رجال الأسرة الزنكية من يصلح لأن يكون خلفًا لنور الدين محمود الذي لم يترك سوى ابنٍ طفلٍ في الحادية عشرة من عمره، وابنة صغيرة وزوجة.
إضافةً إلى ذلك لم يستجب أمراء الدولة الزنكية لنصيحة القاضي كمال الدين الشهرزوري بضرورة التعاون مع صلاح الدين والانقياد له؛ خوفًا على مصالحهم[11].
وقد انقسمت دولة نور الدين محمود إلى ثلاث دويلات تركزت كل منها حول واحدة من المدن الرئيسية الموصل وحلب ودمشق، وظلت مصر بحكم هذا الوضع معزولة عن بلاد الشام تحت قيادة صلاح الدين، وبذلك تحولت الجبهة الإسلامية الموحدة إلى أقسام منفصلة يتربص كل منها بالآخر.
وقد تحالف أمراء دمشق مع الصليبيين بزعامة عموري الأول ملك بيت المقدس؛ مما أدَّى إلى سعي صلاح الدين الأيوبي لضم بلاد الشام إلى مصر بعد وفاة نور الدين محمود بهدف استمرار السياسة التي بدأها عماد الدين زنكي، وجرى عليها نور الدين محمود والتي تقضي بتوحيد كلمة المسلمين، والقضاء على الصليبيين[12].


[1] سهيل زكار: حطين مسيرة التحرير من دمشق إلى القدس، الطبعة الأولى، دار حسان للطباعة والنشر، دمشق، 1404هـ/ 1984م، ص69،70.
 [2]مصطفى وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبية، ص32.
[3] بسام العسلي: نور الدين القائد، ص65: 68.
[4] السابق نفسه، ص70.
[5] بسام العسلي: فن الحرب الإسلامي أيام الحروب الصليبية 4/75. بسام العسلي: نور الدين القائد، ص70، 71.
[6] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين، ص260، 261.
[7] السابق نفسه، ص262.
[8] مصطفى وهبة: موجز تاريخ الحروب الصليبية ص32.
[9] محمد سعيد مرسي: عظماء الإسلام عبر أربعة عشر قرنًا من الزمان، ص228.
[10] ابن الأثير: التاريخ الباهر في الدولة الأتابكية بالموصل، ص161.
[11] د/ طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام، ص421، 422.
[12] السابق نفسه، ص422: 427.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
الدولة الزنكية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: التاريخ :: دول غير التاريخ-
انتقل الى: