منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداث  المنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 المسلمون وتطور علم الطب

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: المسلمون وتطور علم الطب   السبت 04 يونيو 2016, 12:23 am

المسلمون وتطور علم الطب
د. راغب السرجاني




منذ وجد الإنسان على ظهر الأرض وهو يهتدي – بإلهام ربه – إلى أنواع من التطبيب تتفق مع مستواه العقلي وتطوره الإنساني، وكان ذلك النوع من الطب يُعرف بالطب (البدائي) انسجامًا مع المستوى الحضاري للإنسان، ولذلك نجد ابن خلدون (ت 808 هـ) يذكر أن: " .. للبادية من أهل العمران طبًا يبنونه في أغلب الأمر على تجربة قاصرة ، ويتداولونه متوارثًا عن مشايخ الحي، وربما صح منه شيء ، ولكنه ليس على قانون طبيعي "..
ولما جـاء الإسلام كان للعرب في الجاهلية مثل هذا الطب، فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم على التداوي فقال (فيما رواه أبو داود عن أسامة بن شريك رضي الله عنه): "تداووا.. فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء.. غير داء واحد: الهرم).. وعُرف عن رسول الله صل الله عليه وسلم التداوي بالعسل والتمر والأعشاب الطبيعية وغيرها... مما عُرف بالطب النبوي..
غير أن المسلمين لم يقفوا عند حدود ذلك الطب النبوي (مع إيمانهم بنفعه وبركته).. بل أدركوا مبكرًا أن العلوم الدنيوية – والطب أحدها - تحتاج إلى دوام البحث والنظر، والوقوف على ما عند الأمم الأخرى منها.. تطبيقًا لهدي الإسلام الدافع دومًا للاستزادة من كل ما هو نافع، والبحث عن الحكمة أنَّى وُجدت.. فنرى أطباء المسلمين يأخذون في التعرف على الطب اليوناني من خلال البلاد الإسلامية المفتوحة، وبدأ الخلفاء يستقدمون الأطباء الروم، الذين سرعان ما أخذ عنهم الأطباء المسلمون، ونشطوا في ترجمة كل ما وقع تحت أيديهم من مؤلفات طبية، ولعل هذا يعتبر أعظم ما حدث في العصر الأموي.
وقد تميز علماء الطب المسلمون بأنهم أول من عرف التخصص؛ فكان منهم: أطباء العيون، ويسمَّون (الكحالين)، ومنهم الجراحون، والفاصدون (الحجامون)، ومنهم المختصون فى أمراض النساء, وهكذا...
وكان من سمات هذا العصر إنشاء المستشفيات النظامية، وبروز الشخصيات الإسلامية في ميدان علم الطب، وكانت عائلة أبي الحكم الدمشقي المسيطرة على هذه المهنة في العصر الأموي، وكان من هذه الشخصيات أيضا: تياذوق، وقد كان قريبًا من الحجاج بن يوسف الثقفي، وأحمد بن إبراهيم الذي كان طبيب الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك..
وما كادت عجلة الأيام تدور في العصر العباسي حتى أجاد المسلمون في كل فرع من فروع الطب، وصححوا ما كان من أخطاء العلماء السابقين تجاه نظريات بعينها، ولم يقفوا عند حد النقل والترجمة فقط, وإنما واصلوا البحث وصوّبوا أخطاء السابقين.. ومن ذلك ما كان من أبي بكرالرازي  (ت 313 هـ) والذي يُعد مبتكر خيوط الجراحة المعروفة بالقصاب، كما أنه أول من صنع مراهم الزئبق، وقدم شرحا مفصلاً لأمراض الأطفال, والنساء والولادة, والأمراض التناسلية, وجراحة العيون وأمراضها..
وكان من رواد البحث التجريبي في العلوم الطبية، وقد قام بنفسه ببعض التجارب على الحيوانات كالقرود؛ فكان يعطيها الدواء، ويلاحظ تأثيره فيها، فإذا نجح طبقه على الإنسان.. ويعد الرازى أول من قرر أن المرض قد يكون وراثيًا.
وهو أول من استطاع أن يفرّق بين النزيف الشرياني والنزيف الوريدي، واستعمل الضغط بالأصابع وبالرباط في حالة النزيف الشرياني.. وكان أول من وصف عملية استخراج الماء من العيون، ونصح بأن تُبنى المستشفيات بعيدًا عن أماكن تعفُّن المواد العضوية..
ويعتبر الرازي سباقًا في تشخيصه للجدري والحصبة، وقد وضع لذلك كتابه الشهير (الجدري والحصبة)، وفيه وصف دقيق لأعراض هذين المرضين، وما يصحبهما من ارتفاع في درجة الحرارة.. وكان بارعًا في التمييز بينهما، معتبرًا (الحمى) ظاهرة عرضية تنشأ أسبابها من حالات مرضية كثيرة، فهي ظاهرة أو عرَض, وليست علة بذاتها، فإذا ما عولج الداء الذي تصحبه الحرارة علاجًا شافيًا انتفت أسباب تلك الحمى..
وكما أظهرالرازي الفرق بين الجدري والحصبة، فقد ميز أيضًا بين (ذات الرئة) وهي قرحة رئوية تسبب ضيقًا في التنفس، وبين (ذات الجنب) أي: القرحة..
كما تطور عند المسلمين طب العيون (الكحالة), ولم يطاولهم فيه أحد؛ فلا اليونان من قبلهم، ولا الللاتين المعاصرون لهم, ولا الذين أتوا من بعدهم بقرون بلغوا فيه شأوهم؛ فقد كانت مؤلفاتهم فيه الحجة الأولى خلال قرون طوال، ولا عجب أن كثيرين من المؤلفين كادوا يعتبرون طب العيون طبًا عربيًا، ويقرر المؤرخون أن علي بن عيسى الكحال (ت 400 هـ) كان أعظم طبيب عيون في القرون الوسطى برمتها.. ومؤلفه (التذكرة) أعظم مؤلفاته.
وإذا طوينا تلك الصفحة المشرقة للرازي وابن عيسى الكحال فإننا نجد أنفسنا أمام عملاق آخر يعتبر من أعظم الجراحين في التاريخ إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق وهو أبو القاسم الزهراوي  (ت 403 هـ) الذي تمكن من  اختراع أولى أدوات الجراحة كالمشرط والمقص الجراحي، كما وضع الأسس والقوانين للجراحة.. والتي من أهمها علم ربط الأوعية لمنع نزفها، واخترع خيوط الجراحة, وتمكن من إيقاف النزف بالتخثير.
وقد كان الزهراوي هو الواضع الأول لعلم المناظير الجراحية وذلك باختراعه واستخدامه للمحاقن والمبازل الجراحية والتي عليها يقوم هذا العلم, وقام بالفعل بتفتيت حصوة المثانة بما يشبه المنظار في الوقت الحاضر.. إلى جانب أنه أول مخترع ومستخدم لمنظار المهبل.
ويعتبر كتاب الزهراوي: (التصريف لمن عجز عن التأليف) - والذي قام بترجمته إلى اللاتينية العالم الإيطالي جيراردو تحت اسم ALTASRIF ) ) - موسوعة طبية متكاملة لمؤسسي علم الجراحة بأوروبا, وهذا باعترافهم (تتألف هذه الموسوعة من30 مجلدًا مقسمة إلى 3 أقسام: الأول في (الطب)، والثاني في (الكيمياء)، والثالث في (الجراحة والأدوات الجراحية).. ويذهب مؤرخو الطب إلى أن الزهرواي كان أول من خص الجراحة بدراسة متميزة وفصلها عن سائر الأمراض التي تعتري جسم الإنسان.
ولقد حل مبحث أبي القاسم الزهراوي في الجراحة محل كتابات القدماء، وظل مبحثه هذا العمدة في فن الجراحة حتى القرن السادس عشر (أي لما يزيد على خمسة قرون من زمانه)، ويشتمل على صور توضيحية للعديد من آلات الجراحة (أكثر من مائتي آلة جراحية!!) كان لها أكبر الأثر فيمن أتى من بعده من الجراحين الغربيين، وكانت بالغة الأهمية على الأخص بالنسبة لأولئك الذين أصلحوا فن الجراحة في أوروبا في القرن السادس عشر.. يقول عالم وظائف الأعضاء الكبير هالر: "إن جميع الجراحين الأوروبيين الذين ظهروا بعد القرن الرابع عشر قد نهلوا واستقوا من هذا المبحث".
وظل المسلمون من بعده رواداً في الجراحة حتى القرن الخامس الهجري، واستعرب تلامذة أوروبا ليتعلموا على يديه ويعودوا لبلادهم بما تعلموه؛ مما بيّن أهمية علم الجراحة وأهمية فصله عن الطب الباطني.
برزت كذلك شخصيات إسلامية أخرى لامعة في ميدان علم الطب من أمثال  ابن سينا (ت 428 هـ) الذي استطاع أن يقدم للإنسانية أعظم الخدمات بما توصل إليه من اكتشافات، وما يسره الله له من فتوحات طبية جليلة؛ فقد كان أول من اكتشف العديد من الأمراض التي ما زالت منتشرة حتى الآن، لقد اكتشف لأول مرة طفيل (الإنكلستوما), وسماها الدودة المستديرة، وهو بذلك قد سبق العالِم الإيطالي "دوبيني" بنحو 900 سنة.. كما أنه أول من وصف الالتهاب السحائي، وأول من فرّق بين الشلل الناجم عن سبب داخلي في الدماغ والشلل الناتج عن سبب خارجي، ووصف السكتة الدماغية الناتجة عن كثرة الدم، مخالفًا بذلك ما استقر عليه أساطين الطب اليوناني القديم. فضلا عن أنه أول من فرق بين المغص المعوي والمغص الكلوى..
كما كشف ابن سينا - لأول مرة أيضًا - طرق العدوى لبعض الأمراض المعدية كالجدري والحصبة، وذكر أنها تنتقل عن طريق بعض الكائنات الحية الدقيقة في الماء والجو، وقال: (إن الماء يحتوي على حيوانات صغيرة جدا لا تُرى بالعين المجردة، وهي التي تسبب بعض الأمراض..), وهو ما أكده "فان ليوتهوك" في القرن الثامن عشر والعلماء المتأخرون من بعده، بعد اختراع المجهر. ولهذا فإن ابن سينا يعد أول من أرسى (علم الطفيليات ) الذي يحتل مرتبة عالية في الطب الحديث؛ فقد وصف لأول مرة (التهاب السحايا الأولي) وفرّقه عن (التهاب السحايا الثانوي) - وهوالالتهاب السحائي - وغيره من الأمراض المماثلة.. كما تحدث أيضًا عن طريقة استئصال (اللوزتين)، وتناول في آرائه الطبية أنواعًا من السرطانات كسرطان الكبد، والثدي، وأورام العقد الليمفاوية.. وغيرها.
ويُظهر ابن سينا براعة كبيرة ومقدرة فائقة في علم الجراحة؛ فقد ذكر عدة طرق لإيقاف النزيف، سواء بالربط أو إدخال الفتائل أو بالكي بالنار أو بدواء كاوٍ، أو بضغط اللحم فوق العرق.. كما تحدث عن كيفية التعامل مع السِّهام واستخراجها من الجروح، و حذَّر المعالجين من إصابة الشرايين أو الأعصاب عند إخراج السهام من الجروح، كما نبَّه إلى ضرورة أن يكون المعالج على معرفة تامة بالتشريح.
ويعتبر ابن سينا أول من اكتشف ووصف عضلات العين الداخلية، وأول من قال بأن مركز البصر ليس في الجسم البلوري كما كان يُعتقد من قبل، وإنما هو في العصب البصري.
وكان ابن سينا جراحًا بارعًا؛ فقد قام بعمليات جراحية دقيقة للغاية مثل استئصال الأورام السرطانية في مراحلها الأولى, وشق الحنجرة والقصبة الهوائية، واستئصال الخرَّاج من الغشاء البلوري بالرئة، كما عالج البواسير بطريقة الربط، ووصف - بدقة - حالات النواسير البولية.. إلى جانب أنه توصل إلى طريقة مبتكرة لعلاج الناسور الشرجي لا تزال تستخدم حتى الآن! وتعرَّض لحصاة الكلى وشرح كيفية استخراجها والمحاذير التي يجب مراعاتها، كما ذكر حالات استعمال القسطرة، وكذلك الحالات التي يُحذر استعمالها فيها.
كما كان له باع كبير في مجال الأمراض التناسلية؛ فوصف بدقة بعض أمراض النساء مثل: الانسداد المهبلي, والأسقاط، والأورام الليفية.
وتحدث عن الأمراض التي يمكن أن تصيب النفساء، مثل: النزيف، واحتباس الدم، وما قد يسببه من أورام وحميات حادة، وأشار إلى أن تعفن الرحم قد ينشأ من عسر الولادة أو موت الجنين، وهو ما لم يكن معروفا من قبل.. كما تعرض أيضا للذكورة والأنوثة في الجنين, وعزاها إلى الرجل دون المرأة، وهو الأمر الذي أكده مؤخرًا العلم الحديث.
وإلى جانب كل ما سبق.. كان ابن سينا  على دراية واسعة بطب الأسنان, وكان واضحًا دقيقًا في تحديده للغاية والهدف من مداواة نخور الأسنان حين قال: "الغرض من علاج التآكل منع الزيادة على ما تآكل؛ وذلك بتنقية الجوهر الفاسد منه، وتحليل المادة المؤدية إلى ذلك..". ونلاحظ أن المبدأ الأساسي لمداواة الأسنان هو المحافظة عليها, وذلك بإعداد الحفرة إعدادًا فنيًّا ملائمًا مع رفع الأجزاء النخرة منها، ثم يعمد إلى ملئها بالمادة الحاشية المناسبة لتعويض الضياع المادي الذي تعرضت له السن، مما يعيدها بالتالي إلى أداء وظيفتها من جديد.
ولم تكن تلك حالات استثنائية للعبقرية الإسلامية في مجال الطب, فقد حفل سجل الأمجاد الحضارية الإسلامية بالعشرات بل المئات من الرواد الذين تتلمذت عليهم البشرية قرونًا طويلة, وشهد بفضلهم وسبْقهم الأعداء قبل الأصدقاء.. منهم ابن النفيس (ت 687 هـ) الذي عارض نظرية جالينوس الذي كان يقول بوجود ثقب بين بطيني القلب الأيمن والأيسر، فصحح ابن النفيس هذا الخطأ.. ومنه اكتشف الدورة الدموية الصغرى، حيث لاحظ من خلال دراسته لحركة الدم في القلب أن الدم الذي يصل إلى التجويف الأيسر من تجويفي القلب يكون مختلطًا بالهواء، وأن الدم الذي تلطّف (أي انخفضت درجة حرارته) في التجويف الأيمن ولا منفذ له من داخل القلب ليس أمامه سوى أن ينفذ إلى الرئة.. وهكذا قرر أن: "انتقال الدم إلى البطين الأيسر إنما هو من الرئة, بعد تسخّنه وتصعّده من البطين الأيمن..", وينفي (ابن النفيس) أن يكون للدم مجرى آخر؛ فهو ليس خاضعًا لأي مدٍّ أو جزر، واتجاهه واحد.
وهكذا أثـبت ابن النفيس أن اتجاه الدم إنما يكون على هذا النحو: يمر من التجويف الأيمن للقلب إلى الرئة حيث يخالط الهواء، ومن الرئة عن طريق الشريان الرئوي إلى التجويف الأيسر ، بل ويزيد على ذلك بأن يفصل القول في (الشريان الوريدي) الرئوي ويصفه بأنه ذو طبقتين؛ وذلك حتى يكون ما ينفذ من مسامه شديد الرقة، وأن شبهه بالشريان جاء من كونه ينبض، ولما كان نبض العروق من خواص الشريان كان إلحاق هذا العرق بالشرايين الرئوى...
وهكـذا قدم ابن النفيس وصفًا دقيقًا للدورة الدموية الصغرى ، لم يُسبق إليه.
وبعد.. فليس ما ذكرناه إلا قليلاً من كثير، ولا يمكن إحصاء أثر المسلمين في تطور الطب في مقال أو حتى في كتاب؛ فهذه قصة حضارة عظيمة شملت مساحات هائلة من الزمان والمكان، وأضاءت بنورها ربوع الأرض بكاملها.. ونسأل الله أن يعيد للإسلام عزته وهيبته، وأن يرد إلى دينهم وقوتهم ومجدهم ردًا جميلاً.. إنه ولي ذلك، والقادر عليه.
وللحديث عن الطب بقية إن شاء الله تعالى..
المراجع :
ـ تطور الفكر العلمي عند المسلمين. . . محمد الصادق عفيفي
ــ رواد علم الطب . . .  علي الدفاع
ــ مختصر تاريخ الطب العربي . . .  كامل السامرائي
ــ من روائع حضـارتنا . . . . . مصطفى السباعي
ـــ العلوم عند العرب . . . .  قدري حافظ طوقـان
ـــ العلم عند العرب . . . ألدوميلي .. ترجمة: عبد الحليم النجـار
................................................
تم نشر هذا المقال في مجلة التبييان العدد الرابع عشر شعبان 1426 هــ / نوفمبر -ديسمبر2005م  صـ54ـي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: المسلمون وتطور علم الطب   السبت 04 يونيو 2016, 12:24 am

الطب الوقائي في الإسلام
د. راغب السرجاني




اهتم المنهج الإسلامي منذ بداية نزوله بتوعية المسلمين لكل ما فيه الخير لدينهم ودنياهم؛ فأمرهم بالعلم وحض عليه، ورغبهم في استخدام هذا العلم في إصلاح كل جوانب الحياة.
ومن أهم هذه المجالات التي أبدع فيها المنهج الإسلامي مجال الوقاية من الأمراض، فقد ظهر فيه بجلاء حرص الإسلام ليس على الأمة الإسلامية فقط ولكن على عموم الإنسانية؛ فإن الأمراض إذا انتشرت في مجتمع فإنها لا تخصُّ دينًا دون دين, ولا تختار عنصرًا دون عنصر، ولكنها تؤثر سلبًا على حياة العموم من الناس.
كيف أخذ الإسلام التدابير اللازمة، والإجراءات الدقيقة لمنع حدوث الأمراض أصلاً؟ وإن حدثت فكيف يمكن أن تُمنع من الانتشار؟!
لقد جاء الإسلام بمنهج معجز فيه سلامة الجسد والنفس والمجتمع.. وكيف لا يكون معجزًا وقد جاء من عند رب العالمين؟!
ففي الوقت الذي كانت القذارة في كل شيء سمة مميزة لحياة الأوربيين، حتى وصل الأمر إلى اعتبار أن الأوساخ التي تعلق بالجسم والملبس هي من البركة، ومن الأشياء التي تعطي القوة للأبدان!! حتى وصل الأمر إلى أن الإنسان كان لا يغتسل في العام كله إلا مرة أو مرتين!! في هذا الوقت نزل المنهج الإسلامي في عمق الصحراء, وبعيدًا عن حياة المدن والحضارات العملاقة، يُرشد الناس إلى وجوب الغسل وإلى استحبابه؛ فالغسل واجب عند الجنابة وعند الحيض وفي الحج وغير ذلك.. ومستحب في العيدين والإحرام وغيرهما، واختلف العلماء في وجوبه أو استحبابه يوم الجمعة، والغالب أنه مستحب، قال رسول الله في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري : "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَسِوَاكٌ، وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ".
بل إنه حدد للمسلم فترة زمنية قصوى للفارق بين الغسلين، فقال فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة : "حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ". ووصل بعض الفقهاء بأنواع الغسل المختلفة إلى سبعة عشر نوعًا من الغسل للدلالة على أهميته.
وقد دعا الإسلام إلى طهارة الأعضاء المختلفة من الجسم، واهتم بالأعضاء التي تكثر فيها الأمراض، أو يحتمل فيها حدوث الوسخ.. ففي طهارة الفم قال في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة : "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ". وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لقد كنا نؤمر بالسواك، حتى ظننا أن سينزل به قرآن".
ودعا رسول الله إلى طهارة ونظافة الأماكن التي يتوقع فيها العرق ولأوساخ والميكروبات، بل جعل ذلك من سنن الفطرة.. فقد روى الجماعة وأحمد عن أبي هريرة واللفظ للترمذي، قال : "خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الاِسْتِحْدَادُ، وَالْخِتَانُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ".
وتخيل مدى رقي هذا الدين الذي يأمر بهذه الآداب في هذا العمق من التاريخ، وفي هذا المكان في الصحراء، وفي هذه الظروف الصعبة التي نشأ فيها الإسلام.
وقد أمر أيضًا بالتنزه من قذارة البول والغائط، وشدد في ذلك حتى إنه مر على قبرين, فقال لأصحابه يحدثهم عن صاحبي هذين القبرين، وذلك كما روى البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لاَ يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ".
وحض الرسول الحكيم المسلمين على حماية أنفسهم من آثار الطعام الزائد عن الحاجة، وحذرهم من آثار التخمة.. روى الترمذي وابن ماجه عن المقدام بن معدي كرب ، أن رسول الله قال: "مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلاَتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَ مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ".
كما أمرهم بالحفاظ على نظافة الأطعمة والأشربة، فقال فيما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنهما: "غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا[1] السِّقَاءَ".
ومنع الإسلام أتباعه من كل خبيث يؤدي إلى ضرر بالصحة الجسدية والنفسية، ويضر كذلك بالمجتمع.. فحرم الإسلام الخمر وما يندرج في حكمها كالمخدرات، قال فيما رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ". وبذلك حمى المسلمين من الأضرار الصحية الخطيرة للخمور والمخدرات، كما حمى البشرية جميعًا من الآثار الضارة للمخمورين، سواء نتيجة للحوادث أو للجريمة أو لغير ذلك من الآثار السيئة لغياب العقل.
والذي ذكرناه في الخمر ينطبق كذلك على تحريم الفواحش؛ فالإٍسلام حرم الزنا وكل العلاقات غير المشروعة، وبذلك لم يحفظ صحة المسلمين ونسلهم وأخلاقهم فقط، ولكن كان لذلك مردود على المجتمع بكامله، مسلمين وغير مسلمين. ولا يخفى على أحد أن انتشار الأمراض الجنسية في البلاد غير الإسلامية أعلى بكثير منه في البلاد الإسلامية، وما ذلك إلا لكون الإسلام يمنع هذه الموبقات. وما أروع ما قاله في رواية أحمد وابن ماجه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- حين قال: "لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا". ولا يخفى أيضًا على أحد أن أمراض الإيدز والإيبولا وغيرها من الأمراض الجنسية القاتلة لم تكن معروفة قبل ذلك، ولم تظهر إلا بظهور الفاحشة في المجتمعات.
وحرم الإسلام أكل الميتة؛ لما في ذلك من أضرار جسيمة بالصحة أثبتها الآن الطب الحديث. ومما جعلني أشعر بالفخر الشديد وأنا في زيارة لأمريكا أن وجدتهم يفتخرون بأنه إذا مات لهم طائر أو حيوان قبل الذبح فإنهم لا يأكلونه؛ لأنه يكون ضارًّا بالصحة، وهذا لم يكتشفوه إلا منذ أعوام قليلة، بينما أوربا إلى الآن تأكل الميتة!! وهذا يجعل الأمريكان يفتخرون بمنهجهم الصحي على الأوربيين، فقلت في نفسي وأمام الأمريكان وغيرهم: ما أروع ديننا! الذي حرم علينا هذا الذي اكتشفتموه حديثًا، ولكنه حرم ذلك علينا منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام. فسبحان الذي يعلم السر وأخفى!!
ولا أشك -من هذا المنطلق- في أن السجائر حرام، وأن الذي يتناولها آثم؛ فالدين الذي حرم على أتباعه الخبائث، لا يمكن أن يحلَّ لهم شرب السجائر بكل ما فيها من خبث وضرر، فإنها لم تترك عضوًا من أعضاء الجسم إلا وألحقت به ضررًا خطيرًا.
الإسلام والصحة النفسية
والإسلام لم يهتم بصحة الجسد فقط بل اهتم أيضًا بصحة النفس، فأمر بذكر الله , وجعل ذلك اطمئنانًا للقلب، فقال I: {أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. وحض المسلمين على الرفق والرحمة وحسن الخُلق ولين الجانب وطيب الكلام, وجعل في التبسم صدقة، وجعل في أدب المعاملات أجرًا، وشجع المسلمين على نسيان أخطاء الغير وعلى العفو والمغفرة، وعظَّم لهم قيمة الرضا بما قسم الله ، وجعل لهم الجنة عوضًا عما أصابهم من مصائب إذا صبروا عليها.
ولا شك أن كل هذا يصبُّ في صحة نفسية جيدة، ويسمو بالروح ويطمْئِن القلب، ويرتفع بأخلاق المسلم وقيمه وأهدافه إلى درجات راقية لا يتخيلها غير المسلم. ولا شك أيضًا أن معدل الأمراض النفسية من قلق واضطراب واكتئاب أعلى بكثير في بلاد الغرب منها في بلاد المسلمين، وليس أدل على ذلك من مراجعة نسب الانتحار هنا وهناك؛ لتعلم قيمة الإسلام.
وانطلاقًا من حفاظ الإسلام على صحة الفرد والمجتمع، فإن الإسلام لم يحض على الاهتمام بالجسد والنفس فقط بل اهتم أيضًا بما يُلبس من ثياب؛ فالثياب النظيفة الجميلة تعود بالفائدة على صاحبها وعلى من يعيشون إلى جواره، بل على من يراه وإن كان لا يعرفه.
ففي أول ما نزل من القرآن نجد قول الله : {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4]. وما أروع أن يكون اهتمام الإسلام من أول يوم نزل فيه للبشر بظاهرهم كما يهتم بباطنهم؛ فهو يقرن التوحيد بنظافة الإنسان فيقول: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 3، 4]. واللفظ يحتمل ظاهر المعنى، وإن كانت له تأويلات أخرى.
كما أن التشريع الإسلامي عدَّ الثوب نجسًا بمجرد وصول شيء من النجاسة إليه كالبول والغائط والدم، ولا تصح الصلاة فيه إلا أن تزول النجاسة، حتى لو كانت النجاسة قليلة، قال أحمد بن حنبل -رحمه الله- عن الثوب الذي أصابه بول أو غائط: "يعيد الصلاة من قليله وكثيره"؛ أي من قليل النجاسة أو كثيرها. كذلك ينجس الماء إذا وقع فيه من النجاسة ما يغيِّر لونه أو طعمه أو رائحته، وكل ذلك يهدف إلى عدم استعمال شيء وصل إليه قذر أو وسخ.
ولا يهتم المسلم بنظافة نفسه وثيابه فقط، بل يجب أن يهتم بنظافة البيئة التي حوله، وهذا موضوع كبير ويحتاج إلى تفصيل، وسنفرد له إن شاء الله مقالاً خاصًّا.
وإذا كان عطاء الإسلام فيما يخص الوقاية من الأمراض على هذا النحو من الرقي، فإنه لا يقف عاجزًا أمام الأمراض إذا حدثت؛ فلا يكتفي بالأمر بالتداوي فقط، ولكن يحض -وبشدة- على منع انتشار الأمراض في المجتمع. وإن المرء ليقف مبهورًا أمام عظمة التوجيه النبوي الذي يحدُّ من انتشار الأمراض في المجتمع، حيث قال فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة : "لاَ يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ". فهو بذلك يوضح لك أبسط وسائل الوقاية من الأمراض، وأنجحها في ذات الوقت، وهذا كله منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام!!
ثم هو يختار أمراضًا خطيرة بعينها -عُلِم الآن على وجه اليقين أنها تنتقل بالعدوى- ويحذر منها تحذيرًا بيّنًا ظاهرًا لا يحتمل التأويل؛ فيقول مثلاً في أمر مرض الجذام الخطير، كما جاء في البخاري عن أبي هريرة : "فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ".
ثم هو يضع أعظم قواعد الحجر الصحي بالنسبة للأوبئة الخطيرة كالطاعون، وذلك كما روى مسلم عن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- أن رسول الله كان يتحدث عن الطاعون فقال: "... فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا بَلَغَكُمْ أَنَّهُ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا".
وهذا هو قمة ما وصل إليه الطب الحديث في محاولة الحد من انتشار الأوبئة الخطيرة كالطاعون.
وأخيرًا.. فإن المنهج الإسلامي في الوقاية من الأمراض لكي يضمن الدقة في التطبيق، والحرص في أداء القواعد الصحية، فإنه يربط كل هذه القواعد برضا الله ، وبالزجر والمثوبة, والجنة والنار؛ فليس الغرض هو الحياة الدنيوية السعيدة فقط -وإن كان هذا متحققًا إن شاء الله- ولكن الهدف أسمى من ذلك وأجلّ وهو سعادة الآخرة؛ فنجد مثلاً في تعظيم أمر السواك وطهارة الفم ونظافته أن الرسول يقول كما روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ". فهو لا يحقق نظافة وصحة فقط, بل يحقق أجرًا ومثوبة.
ونجده يقول في أمر الوضوء والغسل، وذلك كما روى البخاري ومسلم عن أبي مالك الأشعري : "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ"، فجعل هذا الطهور وهذه النظافة نصف الإيمان. ونجده يعطي أجرًا عظيمًا لمن ساهم في منع انتشار الطاعون، حتى يصل هذا الأجر إلى الشهادة في سبيل الله، فيقول فيما رواه البخاري وأبو داود عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- عندما سألته عن الطاعون: "أَنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ".
وهكذا، فإن المنهج الإسلامي يجمع -بدقة عجيبة- بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، ويجمع أيضًا بين رضا العبد عن حياته وصحته ونظافته وأمنه، ورضا الله عن العبد في الدنيا والآخرة، وليس ذلك الجمع إلا في الإسلام، فما أروعه من دين! وما أجلّه من دستور.
د. راغب السرجاني


[1] أوكوا: أي سدُّوا فتحة الوعاء الذي به الشراب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: المسلمون وتطور علم الطب   السبت 04 يونيو 2016, 12:25 am

إسهامات علماء المسلمين في الطب
د. راغب السرجاني




المقصود بعلوم الحياة أو العلوم الكونية

يُطْلَق على علوم الحياة تسميات أخرى مثل: العلوم الكونية، العلوم التقنية، العلوم التطبيقية، العلوم التجريبية.. وقد آثرتُ تسميتها بعلوم الحياة وذلك في مقابل علوم الشرع؛ لأني أرى أن بها تنصلح الحياة على الأرض، وهي تعني: العلوم النافعة التي يهتدي إليها الناس بعقولهم وتجارِبهم ومشاهداتهم، ويستطيعون من خلالها عمران الأرض وإصلاحها وتسخير إمكانياتها، واستكشاف الكون والبيئة، وهي مثل علوم الطب والهندسة والفلك والكيمياء والفيزياء والجغرافيا، وعلوم الأرض والنبات والحيوان، وغير ذلك من العلوم التي تشمل الماديات المبثوثة في الكون، والتي يحتاج إليها البشر في إصلاح حياتهم.
ولقد بلغت مكانة علوم الحياة في ظلِّ الإسلام مبلغًا عظيمًا، حتى أصبح المسلمون فيها سادة، وقد ملكوا ناصيتها كما ملكوا ناصية العالم، فغدت جامعاتهم مفتوحة للطلبة الأوربيين الذين نزحوا من بلادهم لطلب تلك العلوم، وطفق ملوك أوربا وأمراؤها يَفِدُون إلى بلاد المسلمين ليعالَجوا فيها، وهو ما دعا العلاّمة الفرنسي جوستاف لوبون يتمنى لو أن المسلمين استولوا على فرنسا؛ لتغدو باريس مثل قرطبة في إسبانيا المسلمة[1]"[2].! وقال أيضًا تعبيرًا عن عظمة الحضارة العلميَّة في الإسلام: "إن أوربا مدينة للعرب (المسلمين) بحضارتها
وفي هذه المقالات نتناول جوانب من إسهامات المسلمين في علوم الحياة، ونبرز عظمة هذه الإسهامات، ومكانة ذاك التغيير الذي أثّر -ولا يزال- في مسيرة الإنسانيَّة.

تطوير العلوم المتداولة

لا شكَّ أنه كانت هناك علوم كثيرة متداولة قبل المسلمين، ساهمت فيها الحضارات السابقة بآثار طيِّبة، وهو ما اتَّكأ عليه المسلمون -ولهم الفخر في إعلان ذلك والتصريح به- عند بدء نهضتهم وقيام حضارتهم، غير أنهم -وهذا هو المعيار والأساس- لم يقتصروا على مجرَّد النقل عن غيرهم ممن سبقوهم، وإنما توسَّعوا وأضافوا إضافات باهرة من ابتكاراتهم واكتشافاتهم، واستطاعوا أن يسطروا في تلك العلوم التي كانت متداولة قبلهم تاريخًا ناصعًا مشرِّفًا، وهو ما نتبيَّنه ونتلمَّسه من خلال علم الطب.

تطور الطب على يد علماء المسلمين

يُعدُّ علم الطب من أوسع مجالات العلوم الحياتية التي كان لعلماء المسلمين فيها إسهامات بارزة على مدار عصور حضارتهم الزاهرة، وكانت تلك الإسهامات على نحو غير مسبوق شمولاً وتميُّزًا وتصحيحًا للمسار؛ حتى ليُخيَّل للمطَّلع على هذه الإسهامات الخالدة كأن لم يكن طبٌّ قبل حضارة المسلمين!!
ولم يقتصر الإبداع على علاج الأمراض فحسب، بل تعدَّاه إلى تأسيس منهج تجريبي أصيل انعكست آثاره الراقية والرائعة على كافَّة جوانب الممارسة الطبيَّة وقايةً وعلاجًا، أو مرافق وأدوات، أو أبعادًا إنسانية وأخلاقية تحكم الأداء الطبي.
وإن روعة الإسهامات الإسلامية في الطبِّ لتتجلَّى في تخريج هذا الحشد من العبقريات الطِّبِّيَّة النادرة، التي كان لها -بَعْدَ الله - الفضل الكبير في تحويل مسار الطبِّ إلى اتجاه آخر، تابعت المسير على نهجه أجيالُ الأطباء إلى يوم الناس هذا.
وإن بدايات تلك الصنعة تكمن في أن الإنسان منذ وُجِدَ على ظهر الأرض وهو يهتدي -بإلهام ربِّه- إلى أنواع من التطبيب تتَّفِق مع مستواه العقلي وتطوُّره الإنساني، وكان ذلك النوع من الطبِّ يُعرف بالطبِّ (البدائي) انسجامًا مع المستوى الحضاري للإنسان، ولذلك نجد ابن خلدون يذكر أن: "... للبادية من أهل العمران طبًّا يبنونه في أغلب الأمر على تجربة قاصرة، ويتداولونه متوارثًا عن مشايخ الحيِّ، وربما صحَّ منه شيء، ولكنه ليس على قانون طبيعي"[3].
ولما جاء الإسلام كان للعرب في الجاهلية مثل هذا الطب، فحثَّ رسول الله على التداوي فقال - كما روى أسامة بن شريك : "تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاِّ وَضَعَ لَهُ دَوَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الـْهَرَمُ"[4]. وعُرف عن رسول الله التداوي بالعسل والتمر والأعشاب الطبيعية، وغيرها مما عُرف بـ "الطب النبوي"".
غير أن علماء المسلمين لم يَقِفُوا عند حدود ذلك الطبِّ النبوي، بل أدركوا منذ وقت مبكر أن العلوم الدنيوية -والطبّ أحدها- تحتاج إلى دوام البحث والنظر، والوقوف على ما عند الأمم الأخرى منها؛ وذلك تطبيقًا لهدي الإسلام الدافع دومًا للاستزادة من كل ما هو نافع، والبحث عن الحكمة أنَّى وُجدت.. فنرى أطباء المسلمين يأخذون في التَّعَرُّفِ على الطبِّ اليوناني من خلال البلاد الإسلامية المفتوحة، كما أن الخلفاء بدءوا يستقدمون الأطباء الروم، الذين سرعان ما أخذ عنهم الأطباء المسلمون، ونشطوا في ترجمة كل ما وقع تحت أيديهم من مؤلَّفات طبية، ولعلَّ هذا يُعْتَبَرُ من أعظم أحداث العصر الأموي.

عباقرة علماء المسلمين في الطب

أبو بكر الرازي

وقد تميَّز علماء الطبِّ المسلمين بأنهم أوَّل مَنْ عَرَفَ التخصُّص؛ فكان منهم: أطباء العيون، ويسمَّون (الكحَّالين)، ومنهم الجراحون، والفاصدون (الحجَّامون)، ومنهم المختصُّون في أمراض النساء, وهكذا. وكان من عمالقة هذا العصر المبهرين أَبو بكر الرازي، والذي يُعْتَبَرُ من أعظم علماء الطبِّ في التاريخ قاطبةً، وله من الإنجازات ما يعجز هذا الكتاب عن ضمِّه!
وما كادت عجلة الأيام تدور في العصر العباسي حتى أجاد المسلمون في كل فرع من فروع الطبِّ، وصحَّحوا ما كان من أخطاء العلماء السابقين تجاه نظريات بعينها، ولم يَقِفُوا عند حَدِّ النقل والترجمة فقط, وإنما واصلوا البحث وصوَّبوا أخطاء السابقين.

علي بن عيسى الكحال

فقد تطوَّر طبُّ العيون (الكحالة) عند المسلمين, ولم يُطاوِلهم فيه أحدٌ؛ فلا اليونان من قَبْلِهِمْ، ولا اللاتين المعاصرون لهم, ولا الذين أَتَوْا من بعدهم بقرون بلغوا فيه شَأْوَهم؛ فقد كانت مؤلَّفاتهم فيه الحُجَّة الأُولَى خلال قرون طِوَال، ولا عجب أن كثيرين من المؤلِّفين كادوا يَعْتَبِرُون طبَّ العيون طبًّا عربيًّا، ويُقَرِّر المؤرِّخون أن علي بن عيسى الكحال[5] كان أعظم طبيب عيون في القرون الوسطى برُمَّتِهَا، ومؤلَّفه (التذكرة) أعظم مؤلَّفَاته[6].

أبو القاسم الزهراوي

وإذا طوينا تلك الصفحة المشرقة للرازي وابن عيسى الكحال فإننا نجد أنفسنا أمام عملاق آخر يُعْتَبَرُ من أعظم الجرَّاحين في التاريخ، إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، وهو أبو القاسم الزهراوي (ت 403هـ) الذي تمكّن -كما أشرنا قبل ذلك- من اختراع أُولَى أدوات الجراحة كالمشرط والمقصِّ الجراحي، كما وَضَع الأُسُسَ والقوانين للجراحة، والتي من أهمِّها ربط الأوعية لمنع نزفها، واخترع خيوط الجراحة, وتمكَّن من إيقاف النزف بالتخثير.
وقد كان الزهراوي هو الواضع الأوَّل لعلم (المناظير الجراحية) وذلك باختراعه واستخدامه للمحاقن والمبازل الجراحية، والتي عليها يقوم هذا العلم, وقام بالفعل بتفتيت حصوة المثانة بما يشبه المنظار في الوقت الحاضر، إلى جانب أنه أوَّل مخترع ومستخدم لمنظار المهبل، ويُعْتَبَرُ كتابه (التصريف لمن عجز عن التأليف)، والذي قام بترجمته إلى اللاتينية العالم الإيطالي جيراردو[7] تحت اسم (ALTASRIF)، موسوعة طبية متكاملة لمؤسسي علم الجراحة بأوربا, وهذا باعترافهم، ولقد حلَّ الجزء الذي تكلَّم فيه الزهراوي عن الجراحة محلَّ كتابات القدماء، وظلَّ العمدةَ في فنِّ الجراحة حتى القرن السادس عشر (أي لما يزيد على خمسة قرون من زمانه)، ويشتمل على صور توضيحية للعديد من آلات الجراحة (أكثر من مائتي آلة جراحية!) كان لها أكبر الأثر فيمن أتى مِنْ بعده من الجرَّاحين الغربيين، وكانت بالغة الأهمية على الأخصِّ بالنسبة لأولئك الذين أصلحوا فنَّ الجراحة في أوربا في القرن السادس عشر؛ يقول عالم وظائف الأعضاء الكبير هالر: "إن جميع الجراحين الأوربيين الذين ظهروا بعد القرن الرابع عشر قد نهلوا واستقوا من هذا المبحث"[8].

ابن سينا

وقد برزت شخصيات إسلامية أخرى لامعة في ميدان علم الطب من أمثال ابن سينا (ت 428هـ) الذي استطاع أن يُقَدِّم للإنسانية أعظم الخدمات بما توصَّل إليه من اكتشافات، وما يسَّره الله له من فتوحات طبية جليلة؛ فقد كان أوَّل من اكتشف العديد من الأمراض التي ما زالت منتشرة حتى الآن، فهو الذي اكتشف لأوَّل مَرَّة طُفَيْل (الإنكلستوما), وسمَّاها الدودة المستديرة، وهو بذلك قد سبق العالِم الإيطالي (دوبيني) بنحو 900 سنة، كما أنه أوَّل من وصف الالتهاب السحائي، وأوَّل من فرَّق بين الشلل الناجم عن سبب داخلي في الدماغ، والشلل الناتج عن سبب خارجي، ووصف السكتة الدماغية الناتجة عن كثرة الدم، مخالفًا بذلك ما استقرَّ عليه أساطين الطبِّ اليوناني القديم، فضلاً عن أنه أوَّل من فرَّق بين المغص المعوي والمغص الكلوي[9]، كما كشف ابن سينا -لأوَّل مَرَّة أيضًا- طُرُقَ العدوى لبعض الأمراض المعدية كالجُدَرِيِّ والحصبة، وذكر أنها تنتقل عن طريق بعض الكائنات الحيَّة الدقيقة في الماء والجوِّ، وقال: "إن الماء يحتوي على حيوانات صغيرة جدًّا لا تُرى بالعين المجرَّدة، وهي التي تسبِّب بعض الأمراض"[10]. وهو ما أكَّدَهُ (فان ليوتهوك) في القرن الثامن عشر والعلماء المتأخِّرون من بعده بعد اختراع المجهر.
ولهذا فإن ابن سينا يُعَدُّ أوَّل من أرسى (علم الطفيليات) الذي يحتلُّ مرتبة عالية في الطبِّ الحديث؛ فقد وَصَفَ لأوَّل مَرَّة (التهاب السحايا الأولي) وفرَّقه عن (التهاب السحايا الثانوي) -وهو الالتهاب السحائي- وغيره من الأمراض المماثلة، كما تحدَّث عن طريقة استئصال (اللوزتين)، وتناول في آرائه الطبية أنواعًا من السرطانات كسرطان الكبد، والثدي، وأورام العقد الليمفاوية، وغيرها[11].
وكان ابن سينا جرَّاحًا بارعًا؛ فقد قام بعمليات جراحية دقيقة للغاية، مثل استئصال الأورام السرطانية في مراحلها الأولى[12], وشقّ الحنجرة والقصبة الهوائية، واستئصال الخرَّاج من الغشاء البلوري بالرئة، كما عالج البواسير بطريقة الربط، ووصف -بدقَّة- حالات النواسير البولية، إلى جانب أنه توصَّل إلى طريقة مُبْتَكَرَة لعلاج الناسور الشرجي لا تزال تُسْتَخْدَم حتى الآن! وتعرَّض لحصاة الكُلَى وشرح كيفية استخراجها والمحاذير التي يجب مراعاتها، كما ذَكَرَ حالات استعمال القسطرة، وكذلك الحالات التي يُحذر استعمالها فيها[13]
كما كان له باعٌ كبير في مجال الأمراض التناسلية؛ فوصف بدقَّة بعض أمراض النساء؛ مثل: الانسداد المهبلي, والإسقاط، والأورام الليفية، وتحدث عن الأمراض التي يمكن أن تصيب النفساء؛ مثل: النزيف، واحتباس الدم، وما قد يُسَبِّبُه من أورام وحُمِّيَّات حادَّة، وأشار إلى أن تَعَفُّنِ الرحم قد ينشأ من عُسْرِ الولادة، أو موت الجنين، وهو ما لم يكن معروفًا من قبل، كما تعرَّض أيضًا للذكورة والأنوثة في الجنين, وعَزَاهَا إلى الرجل دون المرأة، وهو الأمر الذي أَكَّدَه مؤخَّرًا العلم الحديث[14].
وإلى جانب كل ما سبق كان ابن سينا على دراية واسعة بطبِّ الأسنان, وكان واضحًا دقيقًا في تحديده للغاية والهدف من مداواة نخور الأسنان حين قال: "الغرض من علاج التآكل منع الزيادة على ما تآكل؛ وذلك بتنقية الجوهر الفاسد منه، وتحليل المادَّة المؤدية إلى ذلك". ونلاحظ أن المبدأ الأساسي لمداواة الأسنان هو المحافظة عليها, وذلك بإعداد الحفرة إعدادًا فنيًّا ملائمًا، مع رفع الأجزاء النخرة منها، ثم يعمد إلى مَلْئِهَا بالمادَّة الحاشية المناسبة؛ لتعويض الضياع المادِّيِّ الذي تعرَّضَتْ له السِّنُّ؛ ممَّا يُعِيدُهَا بالتالي إلى أداء وظيفتها من جديد[15].
ولم تكن تلك حالات استثنائية للعبقرية الإسلامية في مجال الطبِّ, فقد حفل سجلُّ الأمجاد الحضارية الإسلامية بالعشرات، بل المئات من الروَّاد الذين تتلمذتْ عليهم البشرية قرونًا طويلة.
د. راغب السرجاني


[1]جوستاف لوبون: حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر ص13، 317.
[2]السابق ص566.
[3]ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر 1/650.
[4]أبو داود: كتاب الطب، باب في الرجل يتداوى (3855)، والترمذي (2038)، وقال: حديث حسن، وابن ماجه (3436)، وأحمد (18477)، والحاكم (8206)، وقال: حديث صحيح. ووافقه الذهبي، والبخاري في الأدب المفرد (291)، وقال الألباني: صحيح. انظر: صحيح الجامع (2930).
[5]علي بن عيسى الكَحّال: هو علي بن عيسى بن علي الكَحّال، (ت 430هـ/1039م). طبيب حاذق في أمراض العين ومداواتها. وكانوا يسمونها "صناعة الكحل"، اشتهر بكتابه "تذكرة الكحالين". انظر: ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء 2/263، والزركلي: الأعلام 4/318.
[6]ابن أبي أصيبعة: طبقات الأطباء 2/263.
[7]جيراردو دا كريمونا Gerardo da Cremona (1114 - 1187م): مستشرق إيطالي، مولده ووفاته في (كريمونا) من مدن إيطاليا الشمالية، أقام زمنًا في طليطلة (بالأندلس)، فترجم عن العربية إلى اللاتينية أكثر من سبعين كتابًا في مختلف العلوم.
[8]جوستاف لوبون: حضارة العرب ص591.
[9]عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية ص132، 133.
[10]علي بن عبد الله الدفاع: رواد علم الطب في الحضارة الإسلامية ص298.
[11]عامر النجار: في تاريخ الطب في الدولة الإسلامية ص133، وانظر: فوزي طوقان: العلوم عند العرب ص17.
[12]انظر: محمود الحاج قاسم: الطب عند العرب والمسلمين ص148.
[13]انظر: ابن سينا: القانون 3/165.
[14]المصدر السابق 2/586.
[15] انظر: ابن سينا: القانون 1/192.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: المسلمون وتطور علم الطب   السبت 04 يونيو 2016, 12:26 am

إسهامات المسلمين في علم الصيدلة
د. راغب السرجاني




بلغ المسلمون من المدنيَّة والتقدُّم والحضارة درجة عظيمة لم يبلغها شعب من شعوب الأرض في مثل هذه الفترة القصيرة، كما امتدَّت حضارتهم عدَّة قرون وأضاءت كل أرجاء المعمورة، ومن مظاهر هذه الحضارة إسهاماتهم في علم الصيدلة، ذلك العلم الذي يُعَدُّ ابتكارًا من ابتكارات المسلمين.
ولقد اعترف كثير من علماء الغرب بالمكانة المرموقة التي وصل إليها المسلمون في علم الصيدلة، فهم أوَّل مَنْ أسَّس لعلم الصيدلة بمفهومه الحديث؛ حيث تقول الموسوعة البريطانية عن ذلك: "والحقُّ أن كثيرًا من أسماء الأدوية وكثيرًا من مركَّبَاتها المعروفة حتَّى يومنا هذا، وفي الحقيقة المبنى العامّ للصيدلة الحديثة - فيما عدا التعديلات الكيماوية الحديثة بطبيعة الحال - قد بدأه العربُ" .

بعض علماء الصيدلة

وعندما نستعرض إسهامات المسلمين في علم الصيدلة نجد أن هناك قائمة كبيرة تحوي عشرات الصيادلة المسلمين، الذين كان لهم دورٌ فعَّال في تطوير وتحديث علم الصيدلة؛ القائم على الملاحظة والتجريب والتحديث، والبحث عن كل جديد من خلال الأسفار المتعدِّدة في البلدان القريبة والبعيدة، فتوصَّلُوا إلى نباتات وأعشاب جديدة أثبتت التجارِبُ أن لها دورًا مميَّزًا في علاج الأمراض الصعبة، والأمراض التي لم يكن لها أدوية من قبل.
فمن علماء الصيدلة المسلمين الذين ذاع صيتهم، وانتشرت مؤلَّفاتهم (علي بن العباس المجوسي) المتوفى سنة 384هـ، وقد كان ابن العباس المجوسي من أشهر الأطباء والصيادلة المسلمين في القرن الرابع الهجري، قال عنه القفطي: "طبيب فاضل كامل" . ومن أشهر كتبه كتاب (الملكي) المعروف بـ(كامل الصناعة الطبية)، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات المهمَّة في العلوم الطبية والدوائية؛ حيث قسم الكتاب إلى جزأين يشتمل الأول على عشر مقالات؛ الأولى في الأمزجة والطبائع والأخلاط، والثانية والثالثة في التشريح، ولقد كانتا المرجع الرئيسي لعلم التشريح في سالرنو بإيطاليا وفي غيرها في المدَّة ما بين عامي (1070-1170م)، أمَّا الجزء الثاني فمقصور على المداواة وطرق العلاج والصيدلة؛ حيث تختصُّ إحدى مقالاته بالأدوية المفردة وامتحانها ومنافعها، فيذكر الطُّرُق التي يُسْتَدَلُّ بها على قوَّة الدواء من التجربة على الأبدان والأمراض، وامتحان الدواء من سرعة استحالتها وعُسرها، ومن سرعة جموده وعُسر جموده، ومن طعمه ورائحته ولونه، ومعرفة قوى الأدوية المسكنة للأوجاع، والمُفتِّتَة للحصى، والمُدرَّة للبول، والمُدرَّة للطمث، والمولِّدَة للَّبَنِ، كما تحدَّث عن الأدوية النباتية وأنواعها؛ من حيث الحشائش أو البذور أو الحبوب، ثم الأوراق والأنوار (الأزهار)، ثم الثمار والأدهان... .
وقد أثنى فيليب حتِّي على كتاب (الملكي) بقوله: "إنه الكتاب الوحيد الذي نقله الصليبيون إلى اللغة اللاتينية وقد ظلَّ كتابًا مدرسيًّا في الشرق والغرب إلى أن حلَّ محلَّه الكتاب الذي وضعه ابن سينا، وهذا أشبه بموسوعة طبية" .
ثم جاء الزهراوي أبو القاسم خلف بن عباس الأندلسي (ت 404هـ) ليُكمل مسيرة علي بن العباس، فرغم شهرته الواسعة في مجال الجراحة - فهو أوَّل مَنِ استعمل ربط الشرايين لمنع النزف- إلاَّ أن إسهاماته في علم الصيدلية كانت تضاهي إسهاماته في علم الجراحة ولا تَقِلُّ عنها؛ فقد ألَّف في الأدوية كتابًا أسماه: (مقالة في أعمار العقاقير المفردة والمُركَّبة)، ويرجع عدم تقدير الزهراوي باعتباره صيدليًّا بارعًا إلى أن المؤلفين العرب وغيرهم لم يُعنوا إلاَّ بالجزء الخاصِّ بالجراحة والطِّب الذي ذكره في كتابه: (التصريف لمن عجز عن التأليف).
وحتى في كتابه (التصريف) يمكننا أن نلحظ بوضوح أن عناوين مقالاته الثلاثين في هذا الكتاب قد اهتمَّتْ بالأدوية وطرق تركيبها، والأشكال الصيدلية وطُرق تحضيرها، وتعاطيها وجرعاتها، وأن المقالة الثلاثين هي المقالة الوحيدة التي اهتمَّتْ بموضوع الجراحة .
و أشهر مقالة عن الصيدلة في كتاب (التصريف) تلك المقالة التي تناول فيها كيفية تحضير العقاقير المعدنية والنباتية والحيوانية وتنقيتها، وقد ذكر الزهراوي أسماء العقاقير بأربع لغات إلى جانب العربية؛ هي: اليونانية والفارسية والسريانية والبربرية، وهو عمل يمكن أن يُطْلَقَ عليه الآن معجم مصطلحات الصيدلة المتعدِّد اللغات، كما أورد أسماء الأدوات والأجهزة الكيميائية والصيدلانية، وأبدال الأدوية المفردة وذكر مصادرها - إن وُجِدَتْ - وأعمار الأدوية المركبة والمفردة - أي تاريخ صلاحية الدواء - وكما فعل مَنْ سبقه أتى في النهاية على ذِكْرِ الأوزان والمكاييل، ورتَّبها ترتيبًا ألف بائيًّا. وكان الزهراوي أوَّل من استخدم الفحم في ترويق شراب العسل البسيط .
كما أسهم ماسويه المارديني (ت406هـ) إسهامات رائدة في علم الصيدلة؛ فقد كان يُلَقَّبُ في الأوساط العلمية الأوربية باسم ماسويه الصغير، ومن أشهر كُتبه كتاب: (المادة الطبية)، وقد بلغت شهرة هذا الكتاب حدًّا كبيرًا؛ جعلته أقدم دستور للأدوية في العالم، ولقد كان كتاب (المادَّة الطبية) عاملاً أساسيًّا في ظهور الأدوية عند الغرب، كما كان العمدة في الصيدلة في أوربا، وبقي هذا الكتاب محافِظًا علي قيمته العلمية وعلى أثره الكبير في الطبِّ والصيدلة في أوربا إلى أمد بعيد وصل إلى نهاية القرن الماضي؛ فمِنْ هذا الكتاب عَرَفَ العالم عامَّة وأوربا خاصَّة معظم الأدوية التي اخترعها الصيادلة العرب بأنفسهم، أو جلبوها من أقطار أخرى للاستعمال في علم المداواة ويقع كتاب (المادة الطبية) لماسويه الأصغر في ثلاثين جزءًا.
ويُعَدُّ ابن وافد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكريم، المولود في طُليطلة (387-467 هـ) من أبرز العلماء المسلمين في الصيدلة؛ فقد كتب ابن وافد العديد من الكتب في مجال الأدوية المفردة، ومن أهمِّهَا كتابه المعنون باللغة اللاتينية: (MINERALIBUS SIMPLICIBUS)، وهو كتاب ذاعت شهرته في الأوساط اللاتينية، ورغم أن الأصل العربي لهذا الكتاب قد فُقد إلاَّ أن ترجمته اللاتينية ما زالت موجودة حتى الآن، وقد كان هذا الكتاب من أهمِّ الكتب التي عرفتها أوربا في القرون الوسطى .

علم العقاقير عند المسلمين

ممَّا تفرَّد به المسلمون في العلوم إسهاماتهم في علم العقاقير، ففي بادئ الأمر كان المسلمون لا يعرفون من الطبِّ إلاَّ الطبَّ التجريبي، فاستعملوا العقاقير وبعض النباتات واستفادوا من خصائصها في معالجة الأمراض والجراح، ومن هنا كان اهتمامهم بالعقاقير، وازداد ذلك بتقدُّمهم في المعرفة والعلم واتِّصَالهم بالنساطرة والفرس والروم والهنود، فانكبُّوا على دراسة الأدوية مفردة كانت أو مركبة، وتعرَّفوا قواها، ووضعوا مواصفاتها، وتحقَّقُوا منها، بل واخترعوا عشرات العقاقير المفردة والمركبة التي لم تكن معروفة لمن قبلهم من اليونانيين الأقدمين.
ولقد كانت دراسة الأدوية ومعرفتها والتأكُّد من صحَّتها وفاعليتها حجر الأساس لدى كل مهتمٍّ بالطبِّ والعلاج والمداواة؛ فلا نجد مؤلَّفًا من مؤلَّفات كبار الأطباء المسلمين وغيرهم إلاَّ أَفْرَدَ فيه للأدوية المفردة والمركبة قسمًا مهمًّا خاصًّا؛ فنجد ابن سينا خصَّص لها الكتاب الثاني والخامس في مؤلَّفِهِ (القانون)، وخصَّص الرازي الجزء العشرين والحادي والعشرين في كتابه (الحاوي)، وابن ربن في كتابه (فردوس الحكمة)، وكذا ابن زهر في كتابه (التيسير في المداواة والتدبير)، والذي ذكر كذلك في نهايته وصايا وإرشادات في تركيب الأدوية المركبة واستعمالها، ووصفات من الأدوية المركَّبَة التي أثبتها، وكذلك بيان تحضير الأشربة والمراهم والمعاجين، وابن التلميذ في كتابه (الأقراباذين الكبير)، هذا بالإضافة إلى أن هناك كثيرًا من المؤلَّفات التي خُصِّصَتْ للأدوية فقط مثل كتاب (الجامع للأدوية والأغذية) لابن البيطار، و(الجامع لصفات أشتات النبات) للإدريسي، وكتاب (شرح أسماء العقاقير) لابن ميمون، وكتاب (الأدوية المفردة) للغافقي، وغيرها من الكتب الأخرى .
وبالنسبة لمواصفات العقاقير وانتقائها؛ فقد كان العلماء المسلمون يتحقَّقون من النباتات المختلفة عن طريق أيِّ الأجزاء من النبات يكون أفيد وأقوم وأفضل للعقار، وكذلك أوقات جمع العقاقير من النباتات وجنيها، وكيفية تخزينها دون أن يتطرَّق إليها الفساد.
فالأوراق يجب أن تبقى على هيئتها قبل أن يتغيَّر لونها، وتنكسر قوتها، والأصول لا بُدَّ من أخذها بعناية فائقة، والسيقان والأغصان يجب أن تُجنى قبل الذبول والتشنُّج، وأمَّا الزَّهر فيجب أن يُجْنَى بعد التَّفَتُّح التامِّ، وقبل التذبُّل والسقوط، بل عَلِمَ الصيادلة المسلمون أيضًا أن المجتنى في صفاء الهواء أفضل من المجتنى في حالة رطوبة الهواء وقرب العهد بالمطر، وما يُلتقط من الأدوية في الصيف كان أقوى مما يُلتقط في الشتاء، وما ينبت في الجبال اليابسة كان أقوى ممَّا ينبت في السهل والرطوبات، وبالنسبة لعصارات النبات نجد أن علي بن العباس المجوسي يوضِّح أن العُصارات ينبغي أن تُعتصر من النبات والأوراق الغضَّة الطرية التي قد أَخَذَتْ منتهاها، واتَّسعت سوقها، وما كان من عصارة الثمار، فيجب أن تكون الثِّمار بالغة ناضجة.
كما اهتمَّ علماء المسلمين باستخلاص العقاقير المناسبة من النباتات المختلفة في طول البلاد وعرضها، فلم يكن العامل الجغرافي أو القُطري عائقًا أو حاجزًا لهم، لذلك وجدنا الكثيرين منهم يسيحون في طول البلاد وعرضها بحثًا عن الجديد من النباتات، ومن ثم العقاقير الجديدة، ومن هؤلاء العلماء الرُّحَّل أبي جعفر الغافقي صاحب كتاب (الأدوية المفردة) الذي بحث عن كل جديد من النباتات في كل من الأندلس والمغرب العربي، وقد ذكر في هذا الكتاب كل نبات وعقار باسمه العربي والبربري واللاتيني؛ ممَّا يُدلل على اتساع ثقافته في مجال النباتات والصيدلة .
وممَّا يلفت الأنظار ويَتَعَجَّب لمعرفته كل قارئ لأحوال علماء المسلمين في مجال استخلاص العقاقير من النباتات المختلفة، ما كان يفعله بعض هؤلاء العلماء في مصنفاتهم كرشيد الدين الصُّوري (ت 639 هـ)، الذي كان يصطحب معه مصوِّرًا مزوَّدًا بالأصباغ على اختلاف أنواعها، ثم يطوف مَوَاطِن النبات، ويطلب من المصوِّر أن يصوِّر له النبتة في بيئتها بألوانها الطبيعية، وأن يجتهد في محاكاتها، وكان يطلب منه تصوير النبتة في أطوارها المختلفة من أيام إنباتها ونضارتها، وإزهارها وإثمارها وجفافها، فيكون التحقيق أتمَّ والمعرفة أبين، وكان هذا منهجه في كتابه (الأدوية المفردة)، الذي يضمُّ إلى جانب الأدوية أوصاف ورسوم النباتات الملونة في أطوارها المختلفة، وكذلك كتابه (التاج)، وهذا كله يؤكِّد سبق العلماء المسلمين واستخدامهم المنهج العلمي التجريبي .
وأمَّا التداوي بهذه العقاقير، فإن الصيادلة المسلمين كانوا يُفَضِّلون البدء بالأغذية الطيبة النافعة ما أمكن ذلك قبل البدء في استخدام الأدوية والعقاقير، فإذا ما اضطروا إلى استخدام الأدوية فلا يَرَوْنَ التداوي بالعقاقير المُركَّبة، وإذا اضطروا إلى المركَّب فلا يُكثرون منه، وهذا ما ذكره المجوسي في كتابه (كامل الصناعة الطبية) بقوله: "إن أمكنك أن تعالج العليل بالغذاء فلا تُعطه شيئًا من الدواء، وإن أمكنك أن تُعالج بدواء خفيف مفرد فلا تُعالج بدواء قوي، ولا بدواء مركب، ولا تستعمل الأدوية الغريبة المجهولة". وقد عالج الرازي هذه المسألة بقاعدة يسيرة عادلة، ومبدأ علمي سليم، إذ قال: "إن استطاع الحكيم أن يُعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة". وقال أيضًا: "إن العُمر قصير عن الوقوف على فعل كل نبات الأرض، فعليك بالأشهر ممَّا أُجمع عليه، ودَعِ الشاذَّ، واقتصر على ما جُرِّب".
ومع هذا التقدُّم الإسلامي في التداوي بالأغذية والعقاقير المفردة والمركبة، استطاع العلماء المسلمون أن يُضيفوا الكثيرَ من مفردات الأدوية في مادَّتهم الطبية، ولم ينقلوها عمَّن أخذوا عنهم من اليونانيين والنساطرة، فأوردوها في كتبهم مُحلاَّة بأوصافها، وقوَّة مفعولها، ومنافعها وفوائدها في العلاج، ومن ذلك ما ذكره الإدريسي في كتابه (الجامع لصفات أشتات النبات)؛ فقد ذكر كثيرًا من العقاقير لم يذكرها ديسقوريدس أو أغفلها، وقد بلغ ما أحصاه من هذه المفردات حوالي 125 مفردة، أوَرَدَ ذكرها في أربعة عشر حرفًا الأولى من الحروف الأبجدية، وهو الجزء من كتابه الذي أمكن الحصول عليه.
وأمَّا طريقة تحضير الأدوية -مفردة كانت أم مركبة- عند المسلمين فقد كانت على هيئة مستحضرات ذات أشكال مختلفة تتوقَّف على طُرق استعمالها وتعاطيها والغرض منها، كما كانت تُعَدُّ بغرض أن يكون مفعولها محقَّقًا مضمونًا، وفي الوقت نفسه لا تَكْرَهُهَا النفس، بل تقبلها وتستسيغها، مع سهول تعاطيها، وقد ابتدع المسلمون طُرُقًا كثيرة استعملوها في تحضير وتنقية الأدوية والعقاقير؛ منها: التقطير، والترشيح، والتحويل، والتبخير، والتصعيد، والتذويب (الصهر)، والتبلور، والغسل، وأول مَنْ أدخل تغليف الحبوب بالذهب والفضة هو ابن سينا، وأوَّل من حضَّر الأقراص بالكبس في قوالب خاصَّة هو الزَّهراوي.
هكذا كان للمسلمين فضل كبير في الإسهام العلمي النظري والتطبيقي في مجال الصيدلة؛ فقد بذلوا الجهد الكبير في استجلاب العقاقير من الهند وغيرها، وهم الذين أَسَّسُوا علم الصيدلة وطوَّرُوه، وهم أول مَنِ اشتغل في تحضير الأدوية والعقاقير، وهكذا كُنَّا من قبلُ فمتى نكون؟!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: المسلمون وتطور علم الطب   السبت 04 يونيو 2016, 12:27 am

مراقبة الطبيب في الحضارة الإسلامية
محمد إلهامي

واحدة من أبرز الأزمات التي يعانيها الجيل المسلم الحاضر هو جهله بتاريخ حضارته، كثيرون يندهشون إذا عَلِموا أن المسلمين هم من عَلَّموا أوربا النظافة، وإذا علموا أن شوارع الأندلس هي الوحيدة التي كانت تضاء ليلاً في كل أوربا، وأن المسلمين اكتشفوا العدوى قبل أوربا بأكثر من ثمانية قرون، وغير هذا كثير.
إن هذا يكشف عن أمرين: أصالة الأمة التي تنحاز إلى هويتها وحضارتها حتى وهي لا تعرف عنها إلا النزر اليسير، وعن مسئولية الباحثين في التاريخ والحضارة الإسلامية في كشف المزيد من صفحات هذه الحضارة الزاهرة، فبها يؤمن من كان لا يعلم، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا.
في السطور القادمة نرصد بعضًا من إنجاز الحضارة الإسلامية في مجال الطب، وبالأخص في مجال مراقبة المهنة وتنظيم شئونها والعاملين فيها.
* * *
منذ القرن الثالث الهجري ابتكر المسلمون نظام الشهادة الطبية التي تجيز للطبيب ممارسة المهنة، وكان أول من ابتكر "نظام الإجازة" هو سنان بن ثابت، فقد طلب الخليفة العباسي المعتضد (ت 279هـ) من سنان بن ثابت رئيس الأطباء امتحان جميع الأطباء ببغداد، وكانوا حوالي 860 طبيبًا، وأمر المُحْتَسِب[1] بعدم السماح لطبيب أن يُمارس مهنته إلا بعد اجتياز الامتحان[2]!
إلا أن أصول هذه "الإجازة الطبية" موجود من قبل هذا القرار؛ إذ يتحدث الطبيب الشامي علي بن إسحاق الرهاوي في كتابه "أدب الطبيب" –الذي ألفه في القرن الثالث الهجري- عن ضرورة أن يستوثق المريض من الطبيب "هل أخذ نفسه بالقبول من أفاضل صنعته؟ وهل هو ملتزمٌ واجباته ومُنْتَهٍ عما يَنهى عنه"[3].
وكان لكل تخصص طبي كتاب يُمْتَحَن فيه الطالب، فإذا استوعب الطالب تخصصه أُجيز وأخذ الشهادة بذلك، وهذه الصورة من إجازة ابن النفيس لتلميذه المسيحي أبو الفضل بن أبي الحسن في طب العيون كانت في استيعابه كتاب أبقراط في هذا التخصص:
"بحث معي الشيخ الحكيم العالم الفاضل شمس الدولة أبو الفضل بن الشيخ أبي الحسن المسيحي أدام الله سعادته جميع كتابي هذا، وهو شرح كتاب الإمام أبقراط، وهو كتابه المعروف بطبيعة الإنسان كما دلَّ على صفاء ذهنه واستقامة من خاطره، والله تعالى ينفعه وينفع به. كتب الفقير إلى الله تعالى علي بن أبي الحزم القرشي المتطبب حامدًا لله على نعمه ومُصَلِّيًا على خير أنبيائه محمد وآله مسلمًا. وذلك في التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة ثمان وستين وستمائة"[4].
* * *
كانت الرقابة على الأطباء من مهمات مؤسسة الحسبة، وذكر المؤلفون في أمر الحسبة ما ينبغي للمحتسب أن يتابعه في أمر الأطباء:
1- كان امتحان الأطباء الجدد يتم تحت إشراف المحتسب، فمن وجده مقصِّرًا في علمه أمره بزيادة الدراسة، وأوقفه عن مزاولة التطبيب لحين ثبوت أهليته بعد اختبار جديد.
2- أما من تثبت أهليتهم يُقْسِمون القَسَم الطبي أمام المحتسب.
3- يُكَلَّف الطبيب بأن يكتب دواءه للمريض كتابةً يحتفظ بها أهله، وإذا ساءت حالة المريض أو تُوُفِّي كان لأهل المريض أن يرجعوا بالرُّقَع التي كُتِب عليها الدواء إلى شيخ صناعة الطب، فإن كانت على مقتضى ما يقول به العلم كانت الوفاة قضاء وقدرًا، وإن كانت على خلاف ذلك كان لأهل المريض مطالبة الطبيب بِدِيَّة المتوفَّى؛ بسبب سوء صناعته وإهماله.
4- يشرف المحتسب على أعمال الأطباء والصيادلة وسلوكهم المهني.
5- يراقب المحتسب الأدوات الطبية التي يستعملها الطبيب.
6- والمحتسب هو الذي يتصدى لمن يمارس الطب دون علم أو خبرة[5].
وتكشف لنا كتب الحسبة عن حرص عالٍ، وحساسية مرهفة في متابعة أمر الأطباء، ونسوق كمثال على هذا ما كتبه عبد الرحمن بن نصر الشيزري مؤلف "نهاية الرتبة الظريفة في طلب الحسبة الشريفة" حين عرض لبعض الأمور التي ينبغي للجراحين أن يلتزموا بها، وعلى أساسها يقوم عمل المُحْتسِب في مراقبة أعمالهم.
وسنرى في هذه الفقرة التي ننقلها من كلامه عنايته بالجراح، مهارة أنامله، وقوة بصره، ثم استئذان أولياء المريض إن كان قاصرًا، وضرورة أن يكون الأمر مستدعيًا للجراحة، وضرورة أن تتم الجراحة في الوقت المناسب من حيث الأجواء القائمة واستعداد جسد المريض، وتجهيزات المكان من حيث الإضاءة القوية، وكذلك الحالة النفسية للجراح نفسه، وطبيعة المشرط المستعمل في الجراحة، ثم الاحتياطات والأدوات التي ينبغي للطبيب استحضارها في حال الجراحة، والحالات التي يمنع فيها الجراحة، والحالات التي يحذر فيها إجراء الجراحة، وكيفية إمساك المشرط بحيث يكون متمكنًا منه مسيطرًا على حركته بدقة..
يقول: "لا يتصدى للفصد[6] إلا من اشتهرت معرفته بتشريح الأعضاء والعروق والعضل والشرايين، وأحاط بمعرفة تركيبها وكيفيتها؛ لئلا يقع المبضع (المشرط) في عِرْقٍ غير مقصود أو في عضلة أو شريان، فيؤدي إلى زمانة[7] العضو وهلاك المقصود؛ فكثيرٌ هلك من ذلك.
ومن أراد تعلم الفصد فليدمن فصد ورق [نبات] الشلق -أعني العروق التي في الورقة- حتى تستقيم يده، وينبغي للفاصد أن يمنع نفسه من عمل صناعة مُهِينة، تُكْسِب أنامله صلابة وعُسْر حِسٍّ، لا يتأتى معها نبش العروق؛ وأن يراعي بصره بالأكحال المقوية له والأيارجات، إن كان ممن يحتاج إليها؛ وألا يفصد عبدًا إلا بإذن مولاه، ولا صبيًّا إلا بإذن وليِّه، ولا حاملاً ولا طامثًا (أي امرأة في وقت الحيض)، وألا يفصد إلا في مكان مضيء وبآلة ماضية (أي: مشرط حاد)، وألا يفصد وهو منزعج الجنان (أي: مضطرب أو غاضب).
وبالجملة ينبغي للمحتسب أن يأخذ عليهم العهد والميثاق ألا يفصدوا في عشرة أمزجة (أي: حالات)، وليحذروا فيها حذرًا، إلا بعد مشاورة الأطباء، وهي: في السن القاصر عن الرابع عشر، وفي سن الشيخوخة، وفي الأبدان الشديدة القضافة (أي: الأجساد النحيفة)، وفي الأبدان الشديدة السمن، وفي الأبدان المتخلخلة، وفي الأبدان البيض المُرَهلة، وفي الأبدان الصُفْر العديمة الدم (أي: المصابة بفقر الدم)، وفي الأبدان التي طالت بها الأمراض، وفي المزاج الشديد البرد، وعند الوجع الشديد؛ فهذه الأحوال يجب أن تكشف على الفاصد عند وجودها.
وقد نهت الأطباء عن الفصد في خمسة أحوال أيضًا، ولكن مضرته دون مضرة العشرة المتقدم ذكرها؛ فالحالة الأولى الفصد عقيب الجماع، وبعد الاستحمام المحلل، وفي حال الامتلاء من الطعام، وفي حالة امتلاء المعدة والأمعاء من الثقل، وفي حالة شدة البرد والحر؛ فهذه أحوال يتوقى الفصد فيها أيضًا.
واعلم أن الفصد له وقتان: وقت اختيار ووقت اضطرار، فأما وقت الاختيار فهو ضحوة نهار بعد تمام الهضم والنقص، وأما وقت الاضطرار فهو الوقت الموجب الذي لا يتسع تأخيره، ولا يلتفت فيه إلى سبب مانع.
وينبغي للمفتصد ألا يمتلئ من الطعام بعده، بل يتدرج في الغذاء ويلطفه؛ ولا يرتاض بعده، بل يميل إلى الاستلقاء؛ ويحذر النوم عقيب الفصد؛ فإنه يحدث انكسارًا في الأعضاء، ومن افتصد وتورمت عليه اليد افتصد في اليد الأخرى، بمقدار الاحتمال.
وينبغي أن يكون مع الفاصد مباضع كثيرة، من ذوات الشعيرة وغيرها (أي مختلفة الأحجام والمقاسات)، وأن يكون معه كبة من حرير أو خز، أو شيء من آلة القيء، من خشب أو ريش، وينبغي أن يكون معه وبر الأرنب، ودواء الصبر والكندر، وصفته أن يؤخذ من الكندر والصبر والمر ودم الأخوين، من كل واحد جزء، ومن القلقطار والزاج من كل واحد نصف جزء؛ ويجمع الجميع، ويعمل كالمرهم؛ ويرفعه عنده لوقت الحاجة إليه. وينبغي أن يكون معه نافجة مسك وأقراص المسك، ويعتد بجميع ما ذكرناه، حتى إذا عرض للمفصود غشي بادر فألقم الموضع كبة الحرير، وألقمه بآلة القيء، وشممه النافجة، وجرعه من أقراص المسك شيئًا، فتنعش قوته بذلك، وإن حدث فتوق (نزيف) دم، من عرق أو شريان، حشاه بوبر الأرنب ودواء الكندر المذكور.
ولا يضرب [الفاصد] بمبضع كال (أي: غير حادٍ)، فإنه كبير المضرة؛ لأنه يخطئ فلا يلحق العِرْق، فيورم ويوجع، وليمسح رأس مِبْضَعِه (المشرط) بالزيت، فإنه لا يوجع عند البضع، غير أنه لا يلتحم سريعًا.
وإذا أخذ المبضع فليأخذه بالإبهام والوسطى، ويترك السبابة للجَسّ، ويكون الأخذ على نصف المبضع، ولا يكون فوق ذلك، فيكون التمكن منه مضطربًا، ولا يدفع المبضع باليد غمزًا، بل يدفع بالاختلاس، ليوصل طرف المبضع حشو العروق.
ومتى تغير لون الدم، أو حدث غشي (إغماء) وضعف في النبض، فليبادر [الفاصد] إلى شد العِرْق ومسكه"[8].
ومضى الشيزري في شرح أنواع العروق وطريقة العمل في كل منها، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتاب نفسه، وإنما كان القصد بيان الدرجة التي وصل إليها أمر متابعة الطبيب والرقابة على عمله في الحضارة الإسلامية التي جُهِلت بأثر من التغريب، وتيارات الغزو الفكري، والإعلام الذي لم ينتمِ إلى الأمة وهويتها حتى الآن، واستبداد جثم على الأمة قرونًا حتى أنزلها من مكانتها إلى حيث صارت، ثم عمل على إلحاقها بعدوها في مقام التابع وقد كانت في مقام القائد.
بقلم: محمد إلهامي[9]
روابط ذات صلة:
- الأطباء ونصرة فلسطين
- الطب الوقائي في الإسلام
- المسلمون وتطور علم الطب
- منهج إسلامي فريد لدراسة الطب
- قبسات من الطب النبوي العلاجي
- إسهامات علماء المسلمين في الطب
- الرازي .. معجزة الطب عبر الأجيال
- هدي النبي في الوقاية من أمراض القلب
- أبو القاسم الزهراوي .. رائد علم الجراحة
- دور الطبيب المسلم في نشر تعاليم الإسلام


[1] المحتسب: هو موظف الرقابة، والحسبة هي نظام إسلامي فريد في مراقبة الأنشطة المختلفة في المجتمع الإسلامي.
[2] ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق عامر النجار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001م، 1/112.
[3] فاضل السباعي: أدب العليل عند الرهاوي وابن زهر، مجلة آفاق الثقافة والتراث، عدد 6، سبتمبر 1994م، ص52، وهو ينقل عن مخطوطة الكتاب.
[4] د. محمد فؤاد الذاكري: وثيقة عن التعليم الطبي في الحضارة الإسلامية، مجلة آفاق الثقافة والتراث، عدد 13، يونيو 1996م، ص61، 62. وهو ينقلها عن المكتبة الطبية الأمريكية (National Library of Medicine Bethesda, Meryland) وتحمل الوثيقة رقم NLM MS A69.
[5] السابق.
[6] الفصد: هو شق العرق لإخراج الدم الفاسد من جسد المريض.
[7] الزمانة: هو المرض الذي يطول، ومنه أخذ تعبير المرض المزمن.
[8] الشيزري: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، إشراف: محمد مصطفى زيادة، لجنة التأليف والنشر، القاهرة، 1356هـ/ 1946م، ص89-92.
[9] باحث في التاريخ والحضارة الإسلامية، صاحب مدونة المؤرخ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
المسلمون وتطور علم الطب
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: الصحة والغذاء :: محرك بحث صحي..-
انتقل الى: