منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 حقوق الإنسان في الإسلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42569
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: حقوق الإنسان في الإسلام   الإثنين 13 يونيو 2016, 3:26 am

حقوق الإنسان في الإسلام










  مقدمة

  1. مواثيق الحقوق

  2. إعلانات الحقوق الدولية

  3. إعلان حقوق الإنسان وأثره في الحضارة الغربية

  4. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد الدين

  5. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد الحياة والحرية والمساواة

  6. حقوق الإنسان المتعلقة بحق العدالة والسكن وحرمة المسكن

  7. حقوق الإنسان المتعلقة بحق الإقامة والارتحال

  8. حقوق الإنسان المتعلقة بحقه في أن ينال ما يكفيه بما يحفظ له حياته، وحق الرعاية الصحية

  9. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد العقل

  10. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد العرض والشرف

  11. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد المال

  الوثائق

  المصادر والمراجع





       

مقدمة

لحقوق الإنسان في الحضارة الغربية تاريخ طويل، ومؤلم في بعض صفحاته. فمن الثابت تاريخياً، أن الفرنسيين هم أول من أطلق هذا الاسم على مواثيق الحقوق، في إعلانهم الذي صدر في سنة 1789م، على اعتبار أن تلك الحقوق لا تخص إنساناً دون الآخر، بل تخص كل إنسان، أينما وجد. ولذلك، لم يوجهوها إلى الفرنسيين، كما فعل الإنجليز والأمريكيون في إعلاناتهم .

إلاّ أن جوهر الفكرة، وأساسها الفلسفي، ولد في أثينا على يد فلاسفة القانون الطبيعي، ممثلة في مدرسة السوفسطائيين[1]. غير أن الفكرة ظلت فلسفية، لا تحظى بتطبيق عملي، قبل قيام الدولة الحديثة.

وحاولت المسيحية أول عهدها، أن تثبت للفرد قيمته كإنسان، مؤكدة على حق، كان يهمها في المقام الأول، وهو حرية اعتناق العقيدة. إلاّ إن القائمين على شؤون الديانة المسيحية تراجعوا عن تلك الخطوة، خلال القرن الرابع الميلادي، عندما اشتد عود المسيحية، واعترف بها الإمبراطور قسطنطين ديناً رسمياً للإمبراطورية الرومانية، واعتبرت العقيدة الوحيدة المسموح بها داخل الإمبراطورية.

وتاهت فكرة (حقوق الإنسان) في أوروبا بعد ذلك، في خضم ظلام القرون الوسطى، إلاّ من ومضات خاطفة، مثل العهد الكبير في إنجلترا، الذي صدر عام 1215م، والذي حَدّ من سلطان الملك، والأشراف، ورجال الدين لصالح الشعب.

وإذا كان هذا مصير الفكرة في الغرب، فإنها في الشرق، مع ظهور الإسلام في أوائل القرن السابع الميلادي، ظهرت أول قائمة حقيقية ومتكاملة لحقوق الإنسان، في تاريخ الفكر البشري. وكانت دولة الإسلام الأولى، هي أول دولة في العالم تطبق بحزم كل تلك الحقوق.

وبحلول القرن السابع عشر، بدأ ظهور الفرديين أو فلاسفة المذهب الفردي كأمثال: جون لوك (1632 ـ 1704م)، جان جاك روسو (1712 ـ 1778م)، آدم سميث (1723 ـ 1790م)، جان بابتست سأي (1826 ـ 1896م). وقد كان رأيهم، أن الهدف الأقصى للقانون، (حماية الفرد وحريته) . وقد أسسوا فلسفتهم، على أساس نظرية الحقوق والحريات الطبيعية، التي كانت نتاجاً لأفكار مدرسة القانون الطبيعي.

[1] يذكر د. عصمت سيف الدولة، بهذا الخصوص ما يأتي (والحق أن الحضارة الأوروبية الحديثة لم ترث من النظم الإغريقية ما يمكن نسبته إلى الديموقراطية ولكن ميراثها جاء من الفلسفة الإغريقية وخاصة تلك التي كانت تهاجم نظام الحكم في أثينا أي من الثوار ضد نظام أثينا. ويذكر أن فكرة القانون الطبيعي التي أدخلت في الوثائق الدستورية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر والتي ما تزال ركناً من أركان الدراسة الدستورية كانت ميراث الحضارة الأوروبية من السوفسطائيين الإغريق وكانوا ينقدون النظام الإغريقي القائم.



   

       

1. مواثيق الحقوق

يحظى ميثاق الحقوق الفرنسي، لدى معظم فقهاء القانون، دون غيره من مواثيق الحقوق، بالإشادة والتعظيم، على أنه (يمثل فلسفة الديمقراطية الغربية عن الحرية...) مع أن هناك مواثيق أخرى للحقوق، إنجليزية وأمريكية سابقة عليه، كان لها الكثير من الفضل في تدعيم حقوق الفرد وحرياته وذيوعها.

أ. ميثاق الحقوق الإنجليزي

أسفرت ثورة 1668م في إنجلترا، عن خلع البرلمان للملك جيمس الثاني، واستدعي وليم أورانج لتولي الملك. وقُدم إليه في 13 فبراير 1688م (وثيقة الحقوق)، لتكون أساساً للحكم. وقد تضمنت حماية المصالح الاقتصادية للطبقة الوسطى، وتنازل الملك عن أغلب سلطاته للبرلمان، حيث سيطرت الطبقة الوسطى (البرجوازية) على البرلمان، مما أدى إلى تطور كبير في نظام التمثيل البرلماني، اقترب من نظام التصويت النيابي .

وقد كان تنازل الملك عن جل سلطاته للبرلمان ـ في حد ذاته ـ مكسباً للديموقراطية؛ لأنها نقلت السيادة من فرد (الملك) لصالح (جماعة) البرلمان، وكان نوابه، إلى حد ما، يمثلون الشعب، وكل زيادة في سلطاتهم ترتد حتماً لصالح الشعب.

وعلى الرغم من النضج السياسي لبريطانيا، فإن نقطة الضعف التي شابت الحقوق الأساسية عندهم، هي أنها كانت على الدوام " حقوق الإنجليز "، لا " حقوق الإنسان "، وحرموا سكان المستعمرات منها، إلاّ مؤخراً.

ب. ميثاق الحقوق الأمريكي

تُعد الثورة الأمريكية بحق، أول من قننت بصورة واضحة في العصر الحديث، حقوق الإنسان، وضمنتها وثيقة إعلان استقلال ولايات اتحاد جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية، بعد ثورتها على التاج البريطاني، وانتصارها عليه في 4 يوليه 1776م، وقد سبق ذلك إعلان الاتحاد، والدستور سنة 1777م، والتصديق عليه سنة 1781م.

ومما جاء في الوثيقة: نحن نصر ونسلّم، كقاعدة واضحة من تلقاء نفسها، بالحقائق الآتية:

إن الناس كلهم سواسية، وأنهم يتمتعون، كما وهبهم الخالق، بحقوق لا يمكن التنازل عنها، منها الحياة والحرية والسعي نحو السعادة.

وتُعد حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية، أكمل حقوق في أي نظام ديموقراطي، وتبدو أكثر أمناً في أدواته، وفي حمايته. فالحقوق والحريات مدّونة في الدستور الفيدرالي، وفي دساتير الولايات المتحدة، وهي محمية لا من اعتداء السلطة التنفيذية فحسب، بل من اعتداء السلطة التشريعية أيضاً.

ولكن الحدود والقيود على هذه الحقوق، أصبحت واضحة ـ حتى في بلد كالولايات المتحدة ـ تحت ضغط التوترات والأزمات والخطط البارعة، التي تعمل بها الحركات الجماعية الحديثة والضغوط الاجتماعية غير القانونية.

ج. إعلان الحقوق الفرنسي

أولت الثورة الفرنسية حقوق الإنسان، منذ اللحظة الأولى، اهتماماً بالغاً، حتى إنها أصدرت إعلان الحقوق في 26 أغسطس 1789م.

وقد صُدِّر هذا الإعلان في مادته الأولى بشعار (يولد الناس أحراراً متساوين أمام القانون).

أمّا مادته الثانية فتنص على أن (هدف كل جماعة سياسية، هو المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية، والثابتة. وهذه الحقوق هي: الحرية، والملكية، والأمن، ومقاومة التعسف).

وقد اهتمت الدساتير المتعاقبة في فرنسا بحقوق الإنسان، ومنها دستور سنة 1946م، وآخرها دستور سنة 1958م. وقد جاء في ديباجة هذا الدستور، الصادر في 4 أكتوبر 1958: (الشعب الفرنسي يعلن في صراحة تمسكه بحقوق الإنسان، ومبادئ السيادة القومية، كما وردت في إعلان الحقوق سنة 1789م).





       

2. إعلانات الحقوق الدولية

اتفق العالم ـ بعد أن مُني بحربين عالميتين في خلال أقل من نصف قرن ـ على إنشاء هيئة الأمم المتحدة، لعدم تكرار مثل هذه الحرب، حماية للجنس البشرى وحقوقه المشروعة. وبدأ ميثاقها بديباجة نصها:

نحن شعوب الأمم المتحدة، وقد آلينا على أنفسنا أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب، التي في خلال جيل واحد، جلبت على الإنسانية مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف.

وأن نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان، وبكرامة الفرد وقدرته، وبما للرجال والنساء، والأمم كبيرها وصغيرها، من حقوق متساوية.

ثم تضمن الميثاق بعض المواد الخاصة بهذه الحقوق، ومنها:

المادة الأولى للفقرة الثالثة: من مقاصد الهيئة تحقيق التعاون الدولي، على حل المسائل الاقتصادية، وعلى توفير احترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية للناس جميعاً، والتشجيع عليه، من دون تمييز بسبب الجنس، أو اللغة، أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء.

المادة 13 (1) فقرة ب: (تُنشئ الجمعية العمومية دراسات، وتشير بتوصيات، بقصد الإعانة على تحقيق حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس كافة، بلا تمييز بينهم في الجنس ...).

المادة 55 فقرة ج: (رغبة في تهيئة شروط الاستقرار، والرفاهية الضرورية لقيام علاقات سليمة ودية، علاقات تقوم على احترام المبدأ، الذي يقضي للشعوب بحقوق متساوية، ويجعل لها تقرير مصيرها، تعمل الأمم المتحدة على أن ينتشر في العالم احترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية للجميع، بلا تميز بسبب الجنس وصراعات تلك الحقوق والحريات فعلاً).

كما تضمنت المواد 56، 62، 68، 76 إشارات إلى حقوق الإنسان. وقد شكل المجلس الاقتصادي والاجتماعي بهيئة الأمم المتحدة، (لجنة حقوق الإنسان)، بقصد إعداد مشروع وثيقة دولية، بإعلان حقوق الإنسان، وحرياته الأساسية، وكيفية تطبيقها، وما هي وسائل تنفيذها، والإجراءات، التي يجب اتخاذها ضد انتهاك هذه الحقوق. وقد واصلت اللجنة عملها قرابة عامين في Lake Success في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي جنيف، ثم تقدمت بالمشروع الأول الخاص بوثيقة إعلان الحقوق والحريات، وقد أقرته الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة. في قرارها الرقم (217)، في دور الانعقاد العادي الثالث بباريس، بتاريخ 10 ديسمبر سنة 1948. وقد اشتمل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ثلاثين مادة، كلها تدور حول حقوق الإنسان من كافة الوجوه، ومادته الأولى تنص على (يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء).

وقد صدرت اتفاقيات دولية عديدة، في شأن حقوق خاصة للإنسان، كالاتفاقيات الدولية في شأن الحقوق المدنية والسياسية، الصادرة بقرار الأمم المتحدة الرقم (2200) في دور الانعقاد العادي، (21) بتاريخ 16 ديسمبر 1966م، واتفاقية أخرى في التاريخ ذاته والدور، بشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وكذلك اتفاقيات عديدة أخرى، منها على سبيل المثال: القضاء على التمييز العنصري، وتحريم إبادة الجنس البشري، وتحريم الرق، والحرية النقابية، وحق تقرير المصير، وحماية ضحايا الحرب، والأسرى، والمساواة في الأجور، وتحريم السخرة ..الخ .

والذي يهم من أمر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أنه حوى كل حقوق الإنسان، فنص على حماية حقوقه السياسية، والمدنية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، وهي حقوق جديدة لم تتضمنها إعلانات الحقوق من قبل. وهي تتميز بطابعها الإيجابي، أي بفرض التزام على الدولة بتحقيقها للأفراد، مثل ما ورد في المواد 22 إلى 28 (أُنظر وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان).




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42569
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حقوق الإنسان في الإسلام   الثلاثاء 14 يونيو 2016, 12:53 am



       

4. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد الدين

لم تتفق الدول ـ حتى اليوم ـ على مفهوم محدد لحقوق الإنسان. وعلى الرغم من محاولات الغرب لفرض مفهومه الخاص عن حقوق الإنسان، النابع، أساساً، من أسسه الفكرية وخلفيته الحضارية، فإنه يحق للمسلمين أن يقدموا منظورهم الخاص لحقوق الإنسان، النابع من القيم الإسلامية الأصيلة، والمبني على أسس الشريعة الإسلامية.

وفي إطار مفهوم الإسلام للحق، في مقابل الواجب، منظومين معا بنظام العدل: يتقرر ما للإنسان من حقوق، وما عليه من واجبات. وفي ظل العدل الإسلامي الشامل، لا يمكن أن يجور حق إنسان على آخر، ولا يمكن أن توجد ازدواجية في المعايير، أو تفاوت في التطبيق.

وهناك مقاصد تسعى الشريعة الإسلامية إلى حفظها:

أ. حق الاعتقاد والتفكير والتعبير

من حق كل إنسان ـ في الإسلام ـ أن يعتقد، وأن يفكر، وأن يعبر عن اعتقاده وفكره، من دون تدخل أو مصادرة من أي جهة كانت، طالما كان هذا الاعتقاد والتفكير والتعبير يلتزم الحدود والمبادئ العامة، التي يقرها الشرع الإسلامي. فلا يجوز ـ بأي وجه من الوجوه ـ نشر الباطل، ولا إذاعة ما فيه ترويج للفحش، أو تثبيط للدولة الإسلامية، ]لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً (60) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً[ (سورة الأحزاب: الآيتان 60، 61).

إن الإسلام يجعل التفكير الحر النزيه الباحث عن الحق، واجباً على المسلم لا يجوز له أن يتخلى عنه أبداً، ]قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا[ (سورة سبأ: الآية 46).

والإسلام في سبيل تنظيم ذلك، يضع خطوطاً عامة هي التي تحدد ما بين الحلال والحرام، وتحت قاعدة عامة أنه "لا ضرر ولا ضرار". فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r: ]قَضَى أَنْ لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ[ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 2331)، فعلى الإنسان أن يفكر، ولكن فيما ينفع لا فيما يضر، فيما ينفع نفسه وغيره، وفيما يقي نفسه وغيره من الضرر والإيذاء. إن الإسلام يريد من الإنسان أن يفكر، كيف يصعد، لا كيف ينحدر وينزل.

كما أن من حق كل إنسان، بل ومن واجبه، أن يعبر عن رفضه للظلم، وأن ينكره، وأن يقاومه، من دون خوف من أحد، لأن هذا من أفضل الجهاد، الذي أمر الله ورسوله به. عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: ]أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ r وَقَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الغّرْزِ! أي الجهاد أفضل؟ قَالَ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ[ (سنن النسائي، الحديث الرقم 4138).

كما أن إذاعة المعلومات الصحيحة والحقائق، أمر لا يحظره الإسلام إلا إذا كان ذلك يحتوي على خطر يهدد أمن الدولة وسلامتها، يقول سبحانه: ]وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم[ْ (سورة النساء: الآية 83).

وإذا كان الإسلام يُقر حق التفكير والاعتقاد والتعبير، فإنه بناءً على هذا لا يجيز لإنسان أن يسخر من معتقدات إنسان آخر، ولا أن يثير المجتمع ضده، لأن احترام مشاعر المخالفين في الدين من خلق المسلم الحقيقي ]وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ[ (سورة الأنعام: الآية 108).

وحق الإنسان في أن يكون حراً في تفكيره واعتقاده وتعبيره، عبر عنه الإعلان العالمي (أُنظر وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) بقوله: (لكل إنسان الحق في حرية التفكير والضمير والدين)، و(ولكل إنسان الحق في حرية الرأي والتعبير عنه، ويتضمن هذا الحق حرية اعتناق الآراء بمأمن من التدخل، وحرية التماس المعلومات، والأفكار وتلقيها وإذاعتها بمختلف الوسائل دون تقيد بحدود الدولة).

ويُقصد بحرية العقيدة، أن يكون للإنسان الحق في اختيار ما يؤدي إليه اجتهاده في الدين، فلا يكون لغيره حق في إكراهه على عقيدة معينة، أو على تغيير ما يعتقده بوسيلة من وسائل الإكراه.

وإن نظاماً يقوم على الدفاع بالسيف عن حرية العقيدة، ليدل أوضح دلالة على تقديسه لهذه الحرية وكفالتها للناس، ووضعها في أعز مكان من أسسه ومبادئه.

ولذلك، يعيب القرآن على قوم، أن كانت عقائدهم تقليداً لغيرهم من دون وعي أو تفكير، فيقول الله تعالى: ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ[ (سورة البقرة: الآية 170).

وبعد هذا البيان إلى ضرورة التفكير والتبصر، لاختيار العقيدة الصحيحة التي يقتنع بها الإنسان، أوضح القرآن في جلاء أنه ]لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ[ (سورة البقرة: الآية 256).

ولذلك خاطب الله رسوله الكريم، مبيناً مهمته قائلا: ]فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ[ (سورة الغاشية، الآيتان 21، 22)، ]وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ[ (سورة يونس: الآية 99).

وقد اتخذت الشريعة الإسلامية أسلوباً علمياً، لحماية حرية العقيدة، يتضمن طريقين:

الأول: إلزام الناس أن يحترموا حق الغير، في اعتقاد ما يشاء. فليس لأحد أن يكره غيره على اعتناق عقيدة ما، أو تركه أخرى.

الثاني: إلزام صاحب العقيدة نفسه ، أن يعمل على حماية عقيدته ، وألا يقف موقفاً سلبياً ولو أدى إلى أن يهاجر إلى بلد آخر يكفل حرية العقيدة ، ويستطيع فيه إعلان عقيدته . فإن لم يهاجر، وهو قادر على الهجرة، فقد ظلم نفسه قبل أن يظلمه غيره، وارتكب إثماً عظيماً، وحقت عليه كلمة العذاب. ]قَالُوا أَلَمْ تَكُن أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيهَا[َ (سورة النساء: الآية 97). أما إذا كان عاجزا عن الهجرة فلا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها . وقد حرص الإسلام على كفالة الأمن والسلام لأصحاب العقائد الأخرى، والمحافظة عليهم، ووصاياه في ذلك كثيرة. يقول الله تعالى: ]لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُم وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينََ[ (سورة الممتحنة: الآية Cool. وتحقيقاً لذلك، عاش الذميون في الدولة الإسلامية لا يتعرض أحد لعقيدتهم، ولا يكرهون على ترك دينهم؛ إذ المبدأ العام الذي يقره الإسلام قول الله تعالى: ]لَكُمْ دينُكُمْ وَلِيَ دِينَ[ (سورة الكافرون: الآية 6). فقد كفل الإسلام حرية النقاش، ومقارعة الحجة بالحجة، وصولاً إلى الحقيقة، حتى تكون العقيدة نابعة عن اقتناع كامل حر . لذلك، أرسل الله سبحانه الأنبياء مبشرين ومنذرين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة . وقد كفل الإسلام لمخالفيه في العقيدة حقهم، في ممارسة شعائرهم الدينية . كما كفله لأتباعه في حدود النظام العام، وحسن رعاية الآداب . وترك لهم حرية التعامل والتقاضي فيما يتصل بالعقائد، متى كان ذلك مشروعاً ومقرراً لديهم . ذلك، أن عقد الذمة يتضمن إقرار الذمي على عقيدته، وعدم التعرض له بسبب ديانته.

وقد أقر النبي r، اليهود المحيطين بالمدينة، على ممارستهم لشعائرهم الدينية، وفي ذلك فصل الخطاب. كما أعطى عمر بن الخطاب t لأهل إيلياء ـ في بيت المقدس ـ أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم.

وعندما بعث الخليفة أبو بكر t، يزيد بن أبى سفيان على رأس جيش قال له: إنك ستلقى أقواماً زعموا أنهم قد فرغوا أنفسهم لله في الصوامع، فذرهم وما فرغوا أنفسهم له.

كما صالح خالد بن الوليد أهل الحيرة، على ألاّ يهدم لهم بيعة ولا كنيسة، ولا يمنعُون من ضرب النواقيس، ولا من إخراج الصلبان في يوم عيدهم.

وجاء في صلح عمرو بن العاص لأهل مصر: هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان، على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وبرهم وبحرهم، لا يدخل عليهم شئ من ذلك ولا ينتقص.

وقد طُبقت حرية الفكر في صدر الإسلام تطبيقاً لامعاً. فحين خرجت طائفة من المسلمين على علي بن أبن طالب، وكان لهم فكر خاص في مسألة التحكيم وغيره، لم يقاتلهم علي ولم يجبرهم على ترك أفكارهم، بل قال لهم: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نبدؤكم بقتال، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا.

وتحقيقاً لحرية الفكر، دافع فقهاء الإسلام عنها، على الرغم مما نالهم من الأذى والسوء، كما حدث للإمام أحمد بن حنبل.

ومن ذلك، يتضح مدى تمسك فقهاء الإسلام بحرية الفكر ودفاعهم عنها، حتى لو أخطأت السلطة طريقها وحاولت الحجر على حرية الفكر. وكان موقف فقهاء الإسلام في ذلك سبباً في رد الحُكّام عن غيهم، والانتصار للمبادئ التي جاء بها الإسلام، وذلك واجب الفقهاء في كل عصر.

ب. حق اللجوء

هذا الحق كفله الإسلام لكل مظلوم أو مضطهد؛ سواء كان مسلماً أم غير مسلم، أبيض أو أسود، شرقياً أو غربياً ]وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ[ (سورة التوبة: الآية 6) فللمظلوم أو المضطهد أن يلجأ إلى حيث يأمن في نطاق دار الإسلام. وبيت الله الحرام في مكة المكرمة، جعله الله مثابة للناس وأمنا، فلا يصد عنه مسلم أبداً ]وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا[ (سورة آل عمران: الآية 97)، ]وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا[ (سورة البقرة: الآية 125).

والإسلام بتقريره لهذا الحق، سابق للإعلان العالمي الذي عبر عنه بقوله: ( لكل إنسان الحق في أن يلتمس في غير وطنه ملجأ يفيد منه ويلوذ به من الاضطهاد ).

ج. حقوق الأقلية

وضع الإسلام مبدأً عاماً، يحكم الأوضاع الدينية للأقليات، وهو ]لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ[ (سورة البقرة: الآية 256). أمّا الأوضاع المدنية والأحوال الشخصية لهذه الأقليات، فالشريعة الإسلامية تحكمها، إن هم تحاكموا إلى المسلمين: ]فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ[ (سورة المائدة: الآية 42).

فإن لم يتحاكموا إلى المسلمين، كان عليهم أن يتحاكموا إلى شرائعهم ما دامت تنتمي عندهم لأصل سماوي ]وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ[ (سورة المائدة: الآية 43)، ]وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ[ (سورة المائدة: الآية 47).

وقد كفل الإسلام للأقليات، من الحقوق والاحترام والصيانة للأرواح والأموال والأعراض والأديان، ما فاق به كل دين وكل تشريع.

فالذميون، وهم المعاهِدون من النصارى واليهود وغيرهم ممن يقيمون بدار الإسلام، تجرى عليهم أحكام الإسلام. وقد تقررت هذه المساواة بالكتاب والسُّنة وأقوال الخلفاء والفقهاء:

قال تعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ[ (سورة البقرة: الآية 62).

ومفهوم ذلك هو المساواة في الأجر على قدر العمل، دون نظر إلى ما كان سابقاً على الإسلام.

قال تعالى: ]الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين[َ (سورة المائدة: الآية 5). وذلك يقتضي تبادل المنافع بين المسلمين والذميين وحسن العشرة بينهم.

وقال تعالى: ]لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[ (سورة الممتحنة: الآية Cool. وفي ذلك دعوة إلى البر، والقسط بالمخالفين في الدين ما داموا لا يقاتلون المسلمين.







5. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد الحياة والحرية والمساواة

أ. حق الحياة

إن حق الحياة هو الحق الأول في حقوق الإنسان، بل إنه رأس الحقوق جميعاً، فمن دون الحياة تصبح بقية الحقوق عديمة الجدوى والفائدة، من أجل هذا كان لهذا الحق أهمية قصوى في الإسلام.

وإذا كان هذا الحق، قد جاء موجزاً في إعلان حقوق الإنسان (أُنظر وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) حيث يقول: (لكل إنسان الحق في الحياة، والحرية، وسلامة شخصيته)، فإن الإسلام قد فضله وجعله حقاً مقدساً، فلا يجوز لإنسان أن يعتدي على حياة إنسان أو المساس بها بأي شكل من أشكال الاعتداء. ويستوي في ذلك المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، فالجميع بشر متساوون في استحقاق الحياة، ]مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا[ (سورة المائدة: الآية 32).

ويصل حد احترام الحياة، ولو حياة غير المسلم، أن المسلم إذا اعتدى على حياة معاهد لم يُشم رائحة الجنة. فعَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: ]مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 2930).

إن حق الإنسان في الحياة مقدس في الإسلام، ولا يُسلب هذا الحق من أي إنسان ـ مهما يكن هذا الإنسان ـ إلاّ بالإجراءات، التي تقررها الشريعة الإسلامية وقواعدها المنظمة لهذه الأمور، بل إن الإسلام عندما قرر القصاص في حالة القتل العمد، فإنه جعل لولي المقتول أن يعفو عن حقه في هذا القصاص، تقديساً لحق الإنسان في الحياة.

فالإنسانية قيمة لها احترامها في الإسلام، وليس ذلك خاصاً بحالة الإنسان أثناء الحياة فحسب. بل يمتد ذلك الحق، وهذه الحماية للإنسانية في أثناء الموت وبعد الموت أيضاً؛ إذ من حق الإنسان إذا توفي أن يُحترم جثمانه، ونترفق به ونكرمه، لقول النبي، r: ]إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ إِنْ اسْتَطَاعَ[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 13999).

ب. حق الحرية

حق الإنسان في الحرية حق مقدس، ولا يقل قداسة عن حقه في الحياة. فالحرية في الشريعة الإسلامية حق طبيعي لكل إنسان. فهو يولد حراً، وتظل هذه الحرية تلازمه إلى أن يموت. فما من مولود إلا ويولد على الفطرة، التي خلقه الله عليها.

والحرية في حقيقة الأمر هي معنى الإنسانية. ولهذا فمن يفقد حريته، يفقد إنسانيته، إذ الحرية هي الاختيار في الفعل، والترجيح والموازنة في الحكم على الأشياء وتقديرها. والإنسانية، التي يتميز بها الإنسان عن الحيوان، هي استعداده لأن يفكر ويوازن فيما يفكر فيه، ثم يختار ما يراه جديراً بالتنفيذ.

ولو لم يكن للإنسان هذا الاستعداد الفطري، لكان هو والحيوان سواء، في أن الحيوان ـ بحكم الفطرة ـ لا يستطيع أن يفرّق بين ضار ونافع، وبين حسن وقبيح، ومن ثم لا يجد مجالاً للاختيار والترجيح. ومجال حركته في الحياة عندئذ، هو أن يُساق حيث يريد غيره لا حيث يريد هو، ويدفع نحو ما يحقق مصلحة غيره، لا ما يحقق مصلحته الخاصة.

فالإنسان ـ إذن ـ هو وحده صاحب الإنسانية، وصاحب الحرية بين الكائنات الحية. فهو حر فيما يفكر، وحر فيما يعبر، وحر فيما يعتقد، وحر فيما يملك، وحر فيما يعامل به غيره، ولا ضابط لحريته هذه، إلاّ إبعاد الأذى عن نفسه وعن غيره، ممن يعيشون معه في مجتمع الإنسانية.

وما دامت الحرية هي الصفة الطبيعية، التي ولد عليها الإنسان، وهي معنى الإنسانية فيه ولها كل هذه القداسة، فإنه لا يجوز لإنسان أن يعتدي على حرية إنسان آخر، ولهذا قال عمر t، قولته الشهيرة لابن عمرو بن العاص: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).

فإذا كان الأمر كذلك، فيجب توفير الحماية لحرية الإنسان، فلا يجوز أن تُقيد أو يُحد منها، إلاّ بحسب ما تقتضيه الشريعة الإسلامية، التي نزلت أصلاً لمصلحة الإنسان ونفعه ودفع الضرر عنه.

إن الإسلام في تقريره لحق الحرية، سبق الإعلان العالمي  عن حقوق الإنسان، الذي جاء فيه: (يولد الناس جميعاً أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق)، وجاء في المادة الثالثة: (لكل إنسان الحق في الحياة والحرية).

وإذا كان الإسلام يمنع، أن يعتدي إنسان على حرية آخر، فإنه، في الوقت نفسه، يمنع أن يعتدي شعب على حرية شعب آخر، أو أن تعتدي أمة على أمة، أو دولة على دولة، مهما يكن الدافع إلى ذلك. فإذا حدث اعتداء، فللمُعتدى عليه أن يقاوم هذا الاعتداء، وأن يستعيد حريته، ويستردها بما يستطيع من وسائل وإمكانات، وعدة وعتاد ]وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ[ (سورة الشورى: الآية 41)، وعلى المجتمع الإنساني كافة، أن يساند من يجاهد في سبيل حريته حتى يستردها.

ج. حق المساواة

يرجع الناس جميعاً إلى أصل واحد، ومن ثم فلابد أن يكونوا متساوين في القيمة الإنسانية، فكلهم لآدم. ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً[ (سورة النساء: الآية 1).

وآدم يرجع أصله إلى التراب، ]إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[ (سورة آل عمران: الآية 59).

ولهذا يقول النبي، r: ]إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْفَحْمِ جَهَنَّمَ أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنْ الْجِعْلاَنِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ[ (سنن أبو داود، الحديث الرقم 4452).

وإذا كان البشر متساوين في الأصل والنشأة، فليس هناك ميزان للتفاضل، إلاّ الأعمال التي يؤديها كل منهم ]وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا[ (سورة الأحقاف: الآية 19).

وإذا كان الناس متساوين في القيمة الإنسانية، فإنه لا يجوز أن يتعرض إنسان لخطر، أو ضرر، بأكثر مما يتعرض له غير من الناس، لأن (المسلمون تتكافأ دماؤهم).

وإذا كان الأمر كذلك، فليس هناك مبرر ولا مسوغ للتفريق بين الناس على أساس اللون، أو الجنس، أو العرق، أو اللغة، أو الدين. وأي تفرقة من هذا القبيل تكون منافية، وهادمة لمبدأ المساواة، الذي أقره الإسلام الحنيف.

وفي الحديث الشريف: ]مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا إِلاَّ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقَ الْجَنَّةِ وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ[، (سنن أبو داود، الحديث الرقم 3158)، فليس على أساس الجنس أو النسب يتميز الإنسان.

وإذا كان الناس أمام الإسلام متساوين في القيمة الإنسانية، فلابد أن يكونوا متساوين في تطبيق شرع الله عليهم، لا يُستثنى من ذلك أحد، مهما يكن منصبه، أو جاهه، أو غناه، أو شرفه ونسبه. فالناس أمام تطبيق الشرع وقوانينه سواء. ]فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ r فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلاَّ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ r فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 3216).

وما دام الناس متساوين في القيمة الإنسانية، وتطبيق الشرع عليهم، من دون استثناء، فإنه يلزم أن يكونوا متساوين في حق الانتفاع بالموارد المادية للمجتمع، من خلال فرص عمل متكافئة. فلكل إنسان أن يأخذ فرصته في العمل، كما يأخذها غيره، ولا سيما أن موارد الرزق قد أتاحها الله للجميع بقوله: ]هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ[ (سورة الملك: الآية 15).

وإذا كان الجهد المبذول واحداً، والعمل المؤدى واحداً، من حيث الكم والكيف، فإنه فلا تجوز التفرقة في الأجر بين إنسان وآخر، فلا معنى لأن يأخذ إنسان أجراً أعلى من أجر إنسان آخر يعمل العمل نفسه، كما يحدث أحياناً في بعض الدول.

هذا هو حق المساواة، الذي سبق به الإسلام إعلان حقوق الإنسان ، الذي جاء فيه: (يحق لكل فرد أن يستمتع بجميع الحقوق والحريات، المنصوص عليها في هذا الإعلان، من دون تفرقة أو تمييز من أي نوع، كالتمييز بسبب السلالة، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي، أو غيره من الآراء، أو الأصل القومي، أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو غير ذلك من الأوضاع).

وتتخذ المساواة في الإسلام صوراً عدة، مثل:

(1) المساواة أمام القانون

يتبين من الأدلة السابقة، أن المسلمين لا تمايز بينهم أمام القانون؛ فهم جميعاً يخضعون لقانون واحد، بما في ذلك الخليفة نفسه. فلا تعرف الشريعة الإسلامية حصانة لأحد في مواجهة القانون، كما لا تخص فرداً أو فئة بقانون، يخالف ما يطبق على باقي المسلمين، فالمبدأ هو وُحْدة القانون.

وتطبيقاً لهذا المبدأ، حرص النبي، والخلفاء من بعده، على الخضوع لأحكام الشريعة وتنفيذها على أنفسهم.

إن أبلغ ما يستشهد به في المساواة بين الناس أمام القانون، ما كان من أمر جبلة بن الأيهم. وكان من ملوك آل جفنة، أسلم هو وقومه وحضر لزيارة عمر في المدينة في خمسمائة من أهل بيته. ففرح به عمر كقوة جديدة للإسلام، وأدنى مجلسه وخرج معه للحج. وبينما جبلة يطوف حول الكعبة، وطئ إزاره رجل من بني فزارة فانحل الإزار، فأخذت جبلة العزة بالإثم، وضرب الفزاري على وجهه فحطم أنفه. فاستعدى الفزاري عليه عمر، وأقر جبلة بما هو منسوب إليه، فقال له عمر: لقد أقررت فإما أن تُرضي الرجل، وإما أن أقتص منك بهشم أنفك. فقال جبلة: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين، وهو سوقة وأنا ملك؟ قال له عمر: إن الإسلام قد سّوى بينكما. فلست تفضله بشيء، إلاّ بالتقوى والعافية. قال جبلة: قد ظننت يا أمير المؤمنين أني أكون في الإسلام أعز مني في الجاهلية. قال الخليفة في حزم: دع عنك هذا فإنك إن لم ترض الرجل اقتصصت منك. قال جبلة: إذاً أتنصر. قال الخليفة: إن تنصرت ضربت عنقك؛ لأنك قد أسلمت فإن ارتددت قتلتك. ففر جبلة هاربا بليل إلى القسطنطينية وتنصر.

فعمر يحرص على تأكيد المساواة أمام القانون، ولو أدى الأمر إلى فقد كسب كبير للإسلام من القوى المؤيدة له.

وقد أهدر عمر أي تفرقة أمام القانون، بين حاكم ومحكوم، عندما أمر بأن يقتص أحد أقباط مصر من ابن عمرو بن العاص واليها، عندما ضربه. كما طلب من أهالي الأقاليم، أن يحيطوه علما بما ينالهم من حكامهم ليقتص لهم منهم . وبذلك رفض تقرير أي ميزة للوالي على الرعية.

(2) المساواة أمام القضاء

يكاد الإسلام أن يكون هو النظام الوحيد، الذي لا يستثني أحداً، مهما كان شأنه، من المثول أمام القضاء حتى لو كان الخليفة، سواء أحوكم بشخصه أم بصفته. كما أنه ليس هناك أمر ممتنع على القضاء. وفي هذا ضمان أكيد للعدالة في الإسلام، تمتاز به على كثير من النظم، التي تحظر محاكمة رئيس الدولة أو الوزراء أو تنشئ هيئات خاصة لمحاكمتهم. وكذلك، تمنع القضاء من نظر بعض التصرفات والإجراءات.

وقد جرى العمل في الإسلام، على مقاضاة الخلفاء والولاة تماماً، كما يُحاكم سائر الناس أمام القاضي. فليس هناك جهات أو درجات متعددة للقضاء ، ومن ذلك أن الخليفة علي بن أبي طالب عندما افتقد درعه، فوجدها لدى يهودي يدعي ملكيتها، قال له: بيني وبينك قاضي المسلمين. فتحاكما إليه، فحكم القاضي لصالح اليهودي، لأنه حائز للدرع والحيازة سند الملكية . وكذلك عندما أخذ عمر بن الخطاب فرساً من رجل على سوم، فحمل عليه فعطب. فخاصم الرجل عمر فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً. فقال الرجل: إني أرضى بشُريح العراقي. فقال شُريح لعمر: أخذته صحيحاً فأنت له ضامن، حتى ترده صحيحاً سليماً، فأدى عمر ثمنه للرجل، ثم عين شُريح قاضياً.

وادعى جماعة حقاً على الخليفة المنصور، أمام القاضي محمد بن عمر الطلحي. فأرسل القاضي للخليفة يستدعيه، فاستجاب الخليفة وحضر. فلما حضر الخصوم سوّى القاضي بينهما في المجلس. وبعد سماع أقوال طرفي الخصومة حكم القاضي ضد الخليفة. وبعد عودة الخليفة، أمر باستدعاء القاضي، بعد انصراف الناس عن مجلسه. فلمّا مثل بين يدي الخليفة قال له المنصور: جزاك الله عن دينك ونبيك، وعن حسبك وعن خليفتك، أحسن الجزاء.

وهكذا، طبق المسلمون مبدأ المساواة أمام القضاء تطبيقاً لا نظير له في أي نظام آخر. ولعل هذا التطبيق يبدو جلياً في دستور القضاء، الذي وضعه عمر بن الخطاب، في وصيته التي أوصى بها أبا موسى الأشعري حين ولاه القضاء.

وبمقتضى هذا الدستور، لا يجوز للقاضي أن يفرق بين طرفي الخصومة في نظرته، فيقبل على هذا ويعرض عن ذاك؛ ولا في مجلسه، فيواجه طرفاً، ويعطي جنبه أو ظهره للطرف الآخر؛ ولا في قضائه، فيميل إلى خصم على حساب غيره.

(3) المساواة في حق تولي الوظائف العامة

جاء الإسلام بالمساواة في تولي الوظائف، ولم يميز بين فئة وأخرى، أو طائفة وغيرها، ولم يحاب أحداً ولم يؤثر عربياً على غير عربي. فالأفراد يتساوون في تقلد الوظائف العامة، طبقاً لكفاءتهم وعلمهم وقدرتهم، لا لسبب آخر.

وليس معنى المساواة، أن يستوي العالم والجاهل، والحاذق والخامل، بل يكون تحقيق المساواة إذا تساوت الشروط، وهو ما يعبر عنه اليوم بالمساواة القانونية. وليس المساواة الحسابية، يقول الله تعالى: ]قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ[ (سورة الزمر: الآية 9).

وفي ذلك يقول النبي، r، لأبي ذر عندما سأله أن يستعمله: ]يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلاَّ مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا[ (صحيح مسلم، الحديث الرقم 3404).

وقد ولىّ رسول الله، r بعض الموالي مثل بلال، وزيد بن حارثة، حكم المدينة نيابة عنه، عند خروجه للغزوات. ولم يكن هناك أي اعتبار لعدم عروبتهم.

كما ولىّ أسامة بن زيد، قيادة الجيش، لأنه كان يراه أقدر الناس على القيادة. وعندما طُعن عمر بن الخطاب في المسجد، أمر أن يؤم الناس صهيب الرومي، وهو من الموالي وليس عربياً.

ويؤثر عن عمر بن الخطاب، أيضاً، أنه قال، عند ترشيحه، للصحابة الستة، الذين تنحصر فيهم الخلافة من بعده : لو كان سالم مولى حذيفة موجوداً لاخترته.

(4) المساواة في حق العطاء

يتميز النظام الإسلامي، بأنه الأول من نوعه في العالم، الذي فرض لكل فرد في الدولة حقاً في بيت المال، منذ أن يولد حتى يموت. فالنظم المعاصرة في الدول، لا تُفرض فيه من بيت المال مرتبات، إلاّ للعاملين بها، وكذلك لغير القادرين على العمل. وفي ذلك يقول عمر بن الخطاب: والله الذي لا إله إلاّ هو، ما أحد إلاّ وله في هذا المال حق أُعْطِيَه أو منعه . ولا يميز الإسلام بين الأفراد في هذا الاستحقاق، فلا يمنح أحداً ويحرم آخر، ولا يفرق بين ذكر وأنثى، أو بين مسلم وذمي. فقد أخذ عمر بن الخطاب، اليهودي الفقير إلى بيت المال وقال لعامله: اقرض له ( أي: خصص له ) ولضربائه من بيت المال.

على أن الخليفة أبا بكر حين فرض للمسلمين أنصباءهم، أعطى لكل شخصٍ كان رسول الله، وعده شيئاً، وما بقي من المال قسّمه بين الناس بالسّوية، على الصغير والكبير، والحر والمملوك، والذكر والأنثى. فبلغ في أحد الأعوام سبعة دراهم وثلث لكل شخص، وبلغ في العام الذي تلاه عشرين درهماً لكل شخص، فقال بعض الناس لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، إنك قسّمت هذا المال فسويت بين الناس، ومن الناس من لهم فضل وسوابق وقِدم، فلو فضّلت أهل السوابق والقدم والفضل بفضلهم. فقال: أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شئ ثوابه على الله جل ثناؤه، وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الأثرة .

وهكذا، ساوى أبو بكر في العطاء بين الأفراد مساواة حسابية، وترك الجزاء على العمل لله تعالى، على أساس أن العطاء غايته الإعاشة وليس الجزاء. وحدُّ الإعاشة يستوي فيه الجميع. فلما ولي عمر بن الخطاب، اتبع سبيلا آخر في توزيع العطاء، ففرض لأهل السوابق والقدم من المهاجرين، والأنصار، ممن شهد بدراً، خمسة آلاف خمسة آلاف، ولمن لم يشهد بدراً أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام بدر، دون ذلك، وأنزلهم على قدر منازلهم من السّوابق. فلما سئل عن ذلك قال: لا أجعل من قاتل رسول الله، r، كمن قاتل معه.

كما اختص آل بيت النبي، صل الله عليه وسلم، ففرض لأزواجه اثني عشر ألف درهم، لكل منهن، وفرض للعباس خمسة آلاف درهم، وللحسن والحسين خمسة آلاف درهم.

والذي يتضح من ذلك أن عمر، عندما قسّم العطاء راعى ثلاثة مبادئ:

الأول: فضل آل بيت رسول الله، لقرابتهم للنبي r.

الثاني: فضل بعض الناس لقربهم من رسول الله r، إذ فرض لأسامة بن زيد، أربعة آلاف درهم، فقال له ابنه عبدالله بن عمر: فرضت لي ثلاثة آلاف، وفرضت لأسامة أربعة آلاف، وما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي، ولا كان له ما لم يكن لي. فقال له عمر: زدته لأنه كان أحب إلى رسول الله r، وكان أبوه أحب إلى رسول الله r، من أبيك.

الثالث: فضل السابقين في الإسلام والجهاد. إذ فرض عمر لصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمر، من أهل الفتح، أقل مما أخذ مَنْ قبلهم، فامتنعوا عن أخذه، وقالوا: لا نعترف أن يكون أحد أكرم منا. فقال: إنما أعطيتكم على السابقة في الإسلام، لا على الأحساب. قالوا: نعم إذاً.

وهكذا، كانت القواعد التي وضعها عمر للعطاء من بيت المال، وإن اختلفت في الفئات، إلاّ أنها يستوي فيها الأفراد داخل كل فئة، لا يختلف فيها فرد عن فرد. بل إن العطاء يفرض للمسلم وغير المسلم. كما أن ذلك لم يقتصر على العرب في شبه الجزيرة العربية وحدهم، بل كان العطاء حقاً لكل مسلم أينما كان، فقد سحبه عمر إلى المحتاجين من أهل الذمة، كما فرض للأعاجم من بيت المال.

(5) المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق

ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية، في الثواب والجزاء. وبيّن أن المعيار الفاصل بينهما، هو العمل وليس الجنس، وذلك بمقتضى قول الله تعالى: ]وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ[ (سورة الإسراء: الآية 70)، ]فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ[ (سورة آل عمران: الآية 195)، ]كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ[ (سورة الطور: الآية 21)، ]لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ[ (سورة النساء: الآية 32).

ومن هنا، لم يُهْدر الإسلام مركز المرأة، بالنسبة للرجل، في الأمور الآتية:

·   الحقوق  السياسية.

·   التعليم.

·   التصرفات القانونية.

·   نظام الأسرة.

·   الميراث.

وأساس كل ولاية في الإسلام، القدرة على أدائها، ممن هو أهل لقيام المصلحة به. وعلى ذلك، فإن حقوق المرأة تتحدد بقدرتها على القيام بها أفضل من غيرها.

وفي ذلك يقول الفقهاء: فمن كان قادراً على الولاية فهو مطالب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها مطالب بأمر آخر، وهو إقامة ذلك القادر وإجباره على القيام بها.

والمساواة الكاملة، بين الرجل والمرأة، ليست ممكنة، لاختلاف خصائص كل منهما وقدراته وكفاياته. فالصفات الإنسانية، والطبيعة التكوينية، والمستوى العلمي، هي معيار اختيار الشخص للعمل، رجلاً أو امرأة.

ومما يوضح عمق نظرة الإسلام، ويؤكد صلاحية تطبيقه في كل العصور، أن معظم الدول المعاصرة، التي أقرت للمرأة بالحقوق السياسية، بل وغالت بعضها إلى حد المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، سواء في نطاق الدول الرأسمالية، أو الدول الشيوعية، لا يزال معظم المناصب القيادية في تلك الدول، سواء في نطاق الأحزاب السياسية، أم في أجهزة الدولة، في أيدي الرجال. ولم تشغل المرأة تلك المناصب، غالباً، إلاّ بصفة رمزية. كما أن برلمانات الدول، بلا استثناء، شكلت وما تزال، من أغلبية ساحقة من الرجال. كل ذلك على الرغم من مرور زمن طويل على منحها هذا الحق.

والمرأة، وإن كانت ممنوعة من تقلد الولايات الكبرى، كالخلافة وولاية الأقاليم، وولاية الجهاد بإجماع الفقهاء، وكذلك إمامة الصلاة، عند جمهور الفقهاء ما لم يكن المقتدى نساء[1]، إلاّ أنه يحق لها، وفقاً لتقاليد الإسلام، أن تشغل بعض الولايات، التي تناسب طبيعتها. فلها أن تتولى الوزارة التنفيذية، إذا تعلقت أعمالها بشؤون الأسرة، لحاجتها للشفقة والرحمة. كما أجاز أبو حنيفة أن تتولى القضاء، فيما تجوز فيها شهادتها.

كما يجوّز الفقهاء أن يكون للمرأة حق الانتخاب، وحق عضوية المجالس النيابية، إذ لا يعدو ذلك أن يكون تمكيناً لها من إبداء رأيها، شأنها في ذلك شأن الرجل، سواء بسواء. فقد حدث أن قصدت امرأة عمر بن الخطاب في المسجد، وهو يناقش مهور النساء، وعارضته؛ فعدل عن رأيه إلى رأيها، ذلك أن المرأة من حقها أن تؤم المساجد[2]. والمسجد كان برلمان الدولة الإسلامية، وأن المجالس النيابية لها وظيفتان: وظيفة سياسية، هي الرقابة على أعمال الدولة، ووظيفة تشريعية هي سن القوانين.

لا أحد ينكر على المرأة حقها في الرقابة، فقد سبق أن أجرتها على أمير المؤمنين. كما لا ينكر أحد عليها حقها في أن تكون مجتهدة، وبالتالي تملك حق المشاركة في سن القوانين.

والمرأة أهل لأن تُوكِل وأن تُوكَّل، وبذلك يجوز توكيلها للنيابة عن بنات جنسها، قياساً على قيامها بمهمة القضاء عند بعض الفقهاء.

وفيما دون ذلك من وظائف، فإلى جانب الواجب الأصيل للمرأة في رعاية بيتها وأسرتها، ليس هناك ما يمنعها من العمل، الذي يحتاج إليها وتحتاج إليه، مما يُصلح لها بيتها وطبيعة تكوينها، ولا يؤدي إلى مُحَرَمِ أو مكروه، نتيجة تبرجها وخلوتها؛ إذ إن العمل الشريف المنتج، يعصم المرأة من الزلل ويجنبها التعرض للمتاعب.

وفي تاريخ الإسلام ما يشير، إلى أن المرأة كانت تعمل، إلى جانب وظيفتها الأساسية، في المنزل والأسرة. حق المرأة في التعليم.

أباح الإسلام التعليم للمرأة، بمختلف أنواعه ومراحله، كما أباحه للرجل، بل جعله في أمور الدين وفيما يهمها من أمور الدنيا، فهو فريضة عليها في الحدود الضرورية. فعَنْ رَسُولُ اللَّهِ r: ]طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ[ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 220).

وقد كانت أم المؤمنين عائشة من أحفظ الناس للحديث والفقه، وكانت أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب، رضى الله عنهما، تتعلم الكتابة في الجاهلية، على يد امرأة كاتبة، تدعى الشفاء العدوية، فلما تزوجها عليه السلام، طلب إلى الشفاء أن تعلمها تحسين الخط وتزيينه، كما علمتها أصل الكتابة.

(6) المساواة في التصرفات القانونية

سوى الإسلام بين الرجل والمرأة أمام القانون، وفي جميع الحقوق المدنية، لا فرق في ذلك بين المرأة، المتزوجة وغير المتزوجة.

فللمرأة شخصيتها المدنية، وأهليتها للتعاقد، وحقها في التملك. فهي تملك إجراء مختلف العقود، من بيع وشراء، ورهن وهبة، ووصية. كما أنها أهل لتحمل الالتزامات، ما دامت عاقلة مميزة رشيدة، وليس لزوجها ولا لأحد من أهلها حق معها في ذلك. كما لا يحل للزوج أن يتصرف في شيء من أموالها، إلاّ إذا أذنت له بذلك، أو وكلته في إجراء عقد بالنيابة عنها. ولها أن تلغي وكالته، وتوكل غيره، إذا شاءت يقول الله تعالى: ]وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًاً[ (سورة البقرة: الآية 229)، ويقول أيضاً: ]وَءَاتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًاً[ (سورة النساء: الآية 4).

(7) المساواة في نظام الأسرة

تملك المرأة، كالرجل، القيام بأعمال الوصاية على الصغار، والولاية على المال، والنظارة على الأوقاف.

وفي شؤون الزواج، كفل الإسلام حق المرأة في قبول زوجها، أو عدم قبوله. فقد اتفق الفقهاء على أن المرأة البالغة الرشيدة، لا تجبر على قبول زوج من دون موافقتها، بل لها الحرية المطلقة في اختيار الزوج، كما أنها لا تعضل ( أي: تمنع من الزواج ) عن الزوج الكفء. فإن أساء أولياؤها وعضلوها عمن اختارت، رفع القاضي ذلك الظلم، ودفع عنها هذا الإيذاء، وأمكنها من الزواج ممن ارتضته، ما دام من الأكفاء لها.

وبالنسبة للطلاق، فإن الشريعة الإسلامية، لم تُطلق حق الزوج فيه من دون أن يكون للزوجة أي حـق، مما يعتبر مخالفاً لمبدأ المساواة، وإخلالاً بمبدأ إلزام العقود، حيث لا يجوز الفسخ إلاّ برضاء الطرفين المتعاقدين.

والأصل في عقد الزواج في الشريعة الإسلامية، أنه يتم بين الطرفين. وتقبل فيه المرأة أن يتولى الرجل وحده إيقاع الطلاق، في الحدود التي قررها الإسلام، فإذا مارس الزوج حقه في الطلاق، فإنما يكون ذلك وفق ما اتفق عليه الطرفان عند الزواج.

والزوج عند إيقاعه الطلاق، يلتزم لمطلقته بمؤخر صداقها ونفقتها وحضانة أولادها، وبالمثل يكون على الزوجة التي ترغب في الطلاق، أن تتنازل عن كل أو بعض حقوقها قِبَل مطلقها.

[1] أما المالكية فيشترطون إمامة الرجل في كل الأحوال.

[2] أي: تصلي في المسجد لا أن تصبح إماماً.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42569
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حقوق الإنسان في الإسلام   الثلاثاء 14 يونيو 2016, 12:56 am



       

6. حقوق الإنسان المتعلقة بحق العدالة والسكن وحرمة المسكن

أ. حق العدالة

العدل اسم من أسماء الله تعالى، وصفة من صفاته، ومن ثم كانت العدالة من الحقوق، التي لها أهمية عظمى، في اطمئنان الأفراد، واستقرار المجتمعات. والظلم صفة ذميمة سيئة، قال تعالى: ]وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ[ (سورة فصلت: الآية 46).

والعدل أحد الواجبات العظمى، التي أرسل النبي، ليقوم بها؛ قال تعالى على لسان نبيه ]وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ[ (سورة الشورى: الآية 15).

وقد حذر الله تعالى، أن تدفع الخصومة المسلم، إلى مجافاة العدل، وربط رباطاً مؤكداً بين العدل، وبين التقوى التي هي غاية المسلم، فقال تعالى: ]وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى[ (سورة المائدة: الآية Cool. فالعدل صفة خُلُقية عظيمة، تنعكس على حياة المؤمن كلها. وهو في الإسلام مبدأ خلقي مطلق لكل الناس، وفي جميع الظروف والأحوال والأزمان والبيئات.

فمن حق كل إنسان في الإسلام، أن يتحاكم إلى الشريعة، وأن يُحاكم إليها. كما أن من حق كل إنسان أن يدفع الظلم عن نفسه، ]لاَ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ[ (سورة النساء: الآية 148). كما يجب على الإنسان أن يدفع عن غيره الظلم بما يملكه من وسائل. ومن حق الإنسان كذلك أن يلجأ إلى سلطة شرعية، تحميه وتنصفه، وتدفع عنه ما لحقه من ضرر أو ظلم. وعلى الحاكم المسلم أن يقيم هذه السلطة، ويوفر لها الضمانات اللازمة، والكفيلة بحيدتها واستقلالها. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ r، قَالَ: ]إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَلَ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ[(صحيح مسلم، الحديث الرقم 3428).

وحق الإنسان في المطالبة بحقه، مطلبٌ مقدس لا تجوز مصادرته، تحت أي مسوغ كان. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t: ]أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ r يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً ثُمَّ قَالَ أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ فَقَالَ أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 2141).

ويتصل بهذا الحق، حق الفرد في أن يُحاكم محاكمة عادلة. وفي هذا المقام، يرى الإسلام أن براءة الإنسان هي الأصل؛ فعن أَبَي هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ: ]كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 5608).

كما أنَّ الإنسان لا يُعد مجرماً إلاّ بنص شرعي قال تعالى: ]وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً[ (سورة الإسراء: الآية 15). ومن العدالة في الإسلام أنه لا يجوز الزيادة في العقوبات المقررة شرعاً، كما لا يجوز أن يساوى بين ذوى الجرائم صغارها وكبارها، قال تعالى: ]تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا[ (سورة البقرة: الآية 229).

فهذا هو حق العدالة، كما قرره الإسلام وأكد عليه. وقد عبّر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن هذا الحق، فجاء فيه:

كل الناس سواء أمام القانون، ومن حقهم جميعا أن يحميهم القانون دون أي تمييز، وكل منهم ذو حق متساو في أن يحميه القانون من أي تمييز.

لكل إنسان الحق في الالتجاء إلى المحاكم الوطنية المختصة، لتدفع عنه أي عدوان على حقوقه الأساسية.

ب. حق الحماية من التعسف والتعذيب

إن حماية الإنسان من التعسف والتعذيب، حق مقدس في الإسلام. فقد أوجب الإسلام على ولي الأمر، أن لا يحبس أحداً إلاّ بعد وجوب الحبس عليه، بل يجب على ولي الأمر أن يتعهد المحبوسين في حبسهم، في مأكلهم وملبسهم، احتراماً لإنسانيتهم.

وقد كفل الإسلام لكل إنسان حقه، في حمايته من تعسّف السلطات ضده، بأي وجه من الوجوه. فلا يجوز أن يُطالب إنسان بتقديم تفسير لعمل من أعماله، ولا توجيه اتهام له، إلاّ بناء على قرائن قوية وأدلة واضحة، تدل على تورطه فيما يوجه إليه من تهم: ]وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا[ (سورة الأحزاب: الآية 58).

كما كفل الإسلام لكل إنسان حقه في الحماية من التعذيب، فلا يجوز تعذيب المجرم فضلاً عن المتهم. فعَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ]مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنْ الأَنْبَاطِ بِالشَّامِ قَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ مَا شَأْنُهُمْ قَالُوا حُبِسُوا فِي الْجِزْيَةِ فَقَالَ هِشَامٌ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا[ (صحيح مسلم، الحديث الرقم 4734).

وقد أورد الإمام البخاري في باب الحدود: "بَاب ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إِلاَّ فِي حَدٍّ أَوْ حَقٍّ". ولا يجوزـ أيضاً ـ حمل الإنسان على الاعتراف بجريمة لم يرتكبها، وكل اعتراف ينتزع بوسائل الإكراه، هو اعتراف باطل، فعَنْ النَّبِيِّ، أنه قَالَ: ]إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ[ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 2035).

ومهما كانت جريمة الإنسان، ومهما تكن عقوبتها، التي قررتها الشريعة الإسلامية، فإن كرامة الإنسان تظل مصونة ومحترمة، وكذلك إنسانيته.

وهذا ما عبر عنه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حيث ينص على أنه: (لا يجوز تعريض أي إنسان للتعذيب ولا لضروب من المعاملة أو العقوبة القاسية المهنية، المنافية للكرامة الإنسانية). فالمراد بهذا الحق، كفالة سلامة الفرد في شخصه وعرضه وماله، فلا يجوز الاعتداء عليه أو تحقيره أو تعذيبه، سواء أكان ذلك من الدولة أو من الأفراد.

فقد أوجب الإسلام على الدولة، حماية الفرد من الاعتداء والأذى، وتوقيع العقوبات الزاجرة على كل من يقع منه ظلم أو تعد أو تجاوز حدٍ، في اقتضاء حق مشروع. وفي ذلك يقول الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ[ (سورة البقرة: الآية 178)، ]وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ[ (سورة النساء: الآية 92).

ج. حق المسكن

أوجب الإسلام على الدولة، توفير السكن لجميع الأفراد، فللقادر منهم أن يستقل بسكنه، ومن عجز فعلى الدولة تدبير السكن المناسب له.

وفي ذلك يقول الإمام ابن حزم: فُرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات، ولا فيىء سائر أموال المسلمين بهم. فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يقيهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة. وبذلك يؤكد ابن حزم مسؤولية الدولة، عن كفالة حق المأوى.

كما ورد في الفقه الإسلامي أنه إذا كان هناك من لا يجد مأوى، في حين أن بعضاً من الناس يملكون سكناً يزيد عن حاجتهم، فعلى الحاكم إسكان هؤلاء جبراً على المالك.

ويشترط ابن حزم شروطاً في المسكن، هي أن يقي ساكنه المطر في الشتاء وحر الصيف وعيون المارة. وفي ذلك محافظة على كرامة الفرد في بيته ـ وهو موضع أسراره ـ فلا يجوز أن يكون بحيث تطّلع عيون المارة على عوراته.

د. حرمة المسكن

فإذا وجد المأوى، فلا يجوز ـ لكائن من كان ـ أن يقتحم هذا المأوى على صاحبه ويدخله، إلاّ بإذنه، ولو كان الخليفة نفسه. وفي ذلك يقول الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ[ (سورة النور: الآيتان 27، 28). فذلك أمر صريح، بعدم دخول بيت أي إنسان، إلاّ بإذن منه.

وهذا الأمر ملزم لكل أجنبي عن البيت، حاكماً كان أو فرداً عادياً. ولم يقف الإسلام عند هذا الحد، بل كفل حرمة المسكن، حتى بالنسبة للصغار والخدم، مع أنهم من أهل البيت، وذلك تقريراً لحسن الآداب، يقول الله تعالى: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[ (سورة النور: الآية 58).

فقد راعى الله سبحانه أن هناك أوقاتاً يهجع فيها الناس التماساً للراحة، فيتخففون من ملابسهم، ولا يحبون أن يطلع عليهم أحد وهم على هذه الحال، ولو كانوا أولادهم أو خدمهم؛ فأمر بوجوب الاستئذان في هذه الأوقات، حفظاً للكرامة وصوناً للحياء.

ويشمل تقرير حرمة المسكن أيضاً، عدم الاستيلاء عليه أو هدمه جبراً عن صاحبه. فقد أمر الخليفة عمر بن الخطاب، بإعادة جزء من بيت أحد المصريين، كان عمرو بن العاص ـ والي مصر ـ قد استولى عليه وضمه للمسجد. كما فعل الخليفة عمر بن عبدالعزيز مثل ذلك، عند ما أمر بإعادة منزلٍ إلى مالكه. كان والي الشام قد استولى عليه، وضمه إلى المسجد الأموي.




       

7. حقوق الإنسان المتعلقة بحق الإقامة والارتحال

من حق كل إنسان أن ينتقل من مكان إقامته ويرجع إليه. كما أن له أن يرحل ويهاجر من موطنه، ثم يعود إليه، من غير تضييق عليه أو تعويق له: ]هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ[ (سورة الملك: الآية 15)، ]قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا[ (سورة النساء: الآية 97).

فقد حث الإسلام على السعي في الأرض وعمارتها، وهو يكفل في سبيل ذلك حرية الارتحال والإقامة. وفي الوقت نفسه، لا يجوز إجبار شخص على ترك موطنه، ولا إبعاده عنه من غير سبب شرعي، ]يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ[ (سورة البقرة: الآية 217).

ومن هنا، كان فضل المهاجرين من الصحابة لسابقتهم في الإسلام، ولاضطرارهم إلى ترك موطنهم، وقد بين الله تعالى فضلهم فقال ]فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ[ (سورة آل عمران: الآية 195)، وقال: ]لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ[ (سورة الحشر: الآية Cool، فبين بذلك مدى جرم إخراج الإنسان من دياره وأمواله. وقال تعالى: ]الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ[ (سورة الحج: الآية 40)؛ فبين أن لا يجوز أن يُخْرَج الإنسان من موطنه بغير حق.

فقد كفل الإسلام للفرد حريته في التنقل، من مكان إلى مكان كما يشاء. كما منع التزاحم في الطريق، تأميناً لهذه الحرية، ولئلا يؤدي ذلك إلى عرقلة انتقال الناس في غدوهم ورواحهم.

كما أجاز للأفراد السفر إلى خارج الدولة والعودة إليها من دون عائق.

وتأكيداً لحسن استعمال الطرق في الغدو والرواح، قال النَّبِيِّ r: ]إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ فَقَالُوا مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلاَمِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 2285).

وقد كان المحتسب يعمل على كفالة حق الغدو والرواح. فكان لا يجيز لأحد إخراج جدار داره أو دكانه فيها، إلى الممر المعهود. وكذلك كل ما فيه أذى، أو إضرار على السالكين كالميازيب الظاهرة من الحيطان في زمن الشتاء، ومجاري الأقذار الظاهرة من الدور في زمن الصيف إلى وسط الطريق، بل يأمر المحتسب أصحاب الميازيب أن يجعلوا عوضها سهلاً محفوراً في الحائط، مكلساً يجرى فيه ماء السطح، وكل من كان في داره مخرج للأقذار إلى الطريق فإنه يكلفه سده في الصيف، ويحفر له في الدار حفرة يجتمع فيها.

على أن حرية الانتقال، قد ترد عليها بعض القيود إذا ما اقتضى ذلك الصالح العام. وذلك لدواعي الصحة، أو الأمن العام، أو الآداب العامة.

فعن رسول الله r: ]الطَّاعُونُ رِجْسٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 3214). فتقييد حرية التنقل، كان لمصلحة عامة هي عدم نشر الوباء، كما ورد في أخبار عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه منع كبار الصحابة، من الخروج من المدينة، إلاّ برخصة. ففي تاريخ الطبري أن مما زاد الدين صيانة، والفقه صراحة، زمن عمر، أنه كان منع المهاجرين وكبار الصحابة الخروج والانتشار في الأقطار، التي فتحت. فما كان يسمح لهم من مفارقة المدينة إلاّ برخصة منه مؤقتة بضرورة، فكانوا أهل شوراه، وبسبب ذلك قل الخلاف وتيسر الإجماع في كثير من المسائل.

فكان هذا القيد مما تمليه المصلحة العامة، من جمع كبار الفقهاء والصحابة في عاصمة الخلافة، ليسهل تبادل الرأي وتتيسر المشورة. وهذه ضرورة اقتضت ذلك القيد. فلمّا اتسعت الدولة الإسلامية في عهد عثمان t، سمح بالسفر والانتشار في الأرض، حتى ينتشر العلم في البلدان، فعادت حرية التنقل إلى سيرتها الأولى.

ويلاحظ أن هذا القيد كان في فترة مؤقتة، ولفئة معينة، فلا ينطبق على باقي الناس. ولا ينفّذ في جميع الأزمان، فالضرورة ـ كما يقول الأصوليون ـ تقدر بقدرها، فإذا ما انتهت الضرورة، وجب العودة إلى الوضع الأصلي.

ومن القيود على حرية الإقامة، ما ورد من حظر دخول الكفار مكة، وعدم إقامة أهل الذمة، من اليهود والنصارى وكذلك المجوس، في شبه الجزيرة العربية. يقول الله تعالى، في سورة براءة: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا[ (سورة التوبة: الآية 28). فقد نزلت سورة براءة، بعد أن عاد النبي r، من غزوة تبوك، إذ كان الروم قد جهزوا جيوشهم قبيل هذه الغزوة على أطراف شبه الجزيرة العربية، التي كان وجود المشركين فيها تهديداً دائماً للعقيدة الإسلامية.

وقد بينت الآيات أسباب هذا الإجراء ضد المشركين، بما قدّموا للمسلمين من إيذاء، وبما يحملون لهم من ضغن وغل، وما يبيتون لهم من شر، وبنكثهم عهودهم وأيمانهم مع النبي r، يقول الله تعالى: ]أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ[ (سورة التوبة: الآية 13). فهدف إجلائهم عن شبه الجزيرة العربية، تأمين المعسكر الإسلامي، ممن يكيدون له، ويتربصون به الدوائر، ويخونون معه العهود، ويحيكون له الدسائس، من داخل معسكره حتى يتمكن من مواجهة أعدائه، خارج الجزيرة وهو مطمئن إلى مؤخرته.

وتنفيذاً لذلك قال رسول الله، r: فيما روته عَائِشَةَ: ]قَالَتْ كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ r أَنْ قَالَ لاَ يُتْرَكُ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 25148).

كما أجلى عمر أهل الذمة من الحجاز، فلحق بعضهم بالشام، وبعضهم بالكوفة، وأجلى أبو بكر قوماً فلحقوا بخيبر.

على أن بعض الفقهاء يرون، أن عدم إقرار المشركين وأهل الذمة على البقاء في شبه الجزيرة العربية، إنما يقصد به وجودهم كجماعات، لأن تكتلهم هو علة إخراجهم. أمّا وجودهم كأفراد فليس محظوراً. فيرى الحنفية أن قرارهم بالحجاز يجوز مطلقاً إلاّ المسجد. وعن مالك يجوز دخولهم الحرم للتجارة أو مسافرين.

وقال الإمام الشافعي: لا يدخلون الحرم أصلاً، إلاّ بإذن الإمام لمصلحة المسلمين، والنظر فيما تعود عليهم به منفعته، وكذلك يجوز دخولهم لأداء رسالة أو طلب صلح أو مهادنة أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، فيعطيهم الإمام أو نائبه أماناً ما داموا مترددين في دار الإسلام، وحتى يرجعوا إلى مأمنهم وموطنهم وكذلك إذا طلبوا أن يسمعوا كلام الله. يقول الله تعالى: ]وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ[ (سورة التوبة: الآية 6).

وهكذا يقرر النظام الإسلامي الحرية الشخصية بأوضح معانيها، ما دامت في حدود الحق والعدل والخير. فإذا ما تعارضت الحرية مع الحق أو العدل أو الخير، وقفت رعاية الإسلام لها.





   
   

8. حقوق الإنسان المتعلقة بحقه في أن ينال ما يكفيه بما يحفظ له حياته، وحق الرعاية الصحية

أ. حق الإنسان في أن ينال ما يكفيه بما يحفظ له حياته

من حق كل إنسان أن يحصل على كفايته، من مقومات الحياة وضروراتها، من مطعم ومشرب وملبس ومسكن؛ وما يلزم لصحة جسمه من رعاية؛ وما يلزم لصحة روحه وعقله من علم ومعرفة وثقافة، في نطاق ما تسمح به موارد الدولة.

فقد قررت الشريعة الإسلامية، أن هناك ضرورات لا بد من الحفاظ عليها، وحرّمت تحريماً شديداً الاعتداء عليها، وهي ما تعرف بالضرورات الخمس، أو الكليات الخمس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، حفظ النسب، وحفظ المال.

فضرورة حفظ النفس والعقل، توجب أن يوفّر لكل إنسان الحصول على ما يكفيه للحفاظ على حياته.

وتضطلع الدولة في الإسلام بواجبات إيجابية، لضمان حقوق الأفراد وكفالة معيشتهم. وقد اعتبر الإسلام الفرد في كفالة المجتمع، في مختلف المستويات.

فهو في كفالة الأسرة، التي ينتمي إليها، إذ يأمر الشرع بالنفقة على القريب الفقير، كما يأمر بصلة الأرحام.

وهو في كفالة مجتمع القرية، إذا أصبح في حاجة ملحة أو أصابته فاقة ومحنة، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ r: ]مَنْ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ أَصْبَحَ فِيهِمْ امْرُؤٌ جَائِعٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى[.(صحيح مسلم، الحديث الرقم 4648).

وقد سما الإسلام بحق الكفالة الاجتماعية للأفراد، فجعله قربى لله تبارك وتعالى. فأوصى الجار أن يكرم جاره، وأن يحسن معاملته إلى أقصى الحدود. يقول الله تعالى: ]وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا[ (سورة النساء: الآية 36).

وهكذا، يجعل الإسلام للفرد حقاً في كفالة عيشه قِبَل أسرته، وقبل مجتمعه الصغير، من جيرانه وأهل قُربته، ثم حقه قِبَل الدولة. وهذه الكفالة تلتزم بها الدولة، سواء أكان الفرد مسلماً، أم غير مسلم.

يروى أن عمر بن الخطاب، رأي شيخاً يهودياً يتكفف الناس، فسأله عن سبب ذلك، فأجاب: أسأل الجزية والحاجة والسن. قال: ما أنصفناك. أكلنا شبيبتك وتركناك عند الشيخوخة. وطرح جزيته وأمر أن يُعال من بيت مال المسلمين هو وعياله. ذلك أن حق الفرد قِبَل الدولة، تكفله جميع موارد الدولة.

وهكذا، نجد المجتمع الإسلامي كله مسؤولاً عن كفالة المحتاجين، وهي مسؤولية مقررة بالكتاب والسُّنة، يقول الله تعالى: ]وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى[ (سورة المائدة: الآية 2)، ]وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ[ (سورة المعارج: الآيتان 24، 25).

وتقريراً لكفالة الإسلام لحق العيش الكريم للأفراد، تضمن الإسلام نظماً ثلاثة، هي: الزكاة، والصدقات، والوقف.

ب. حق الرعاية الصحية

اهتم الإسلام بصحة الفرد، لأنها تعينه على أداء واجباته الدينية والمعيشية، إذ بها يستطيع الفرد أن ينفع نفسه ومجتمعه، ويحقق آماله، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ]الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ فَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ[ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 76)

وتقرير حق الفرد في الرعاية الصحية، وضعه الإسلام على عاتق الفرد نفسه، باعتباره واجباً عليه. كما اعتبره التزاماً على الدولة، فهو حق للفرد.

(1) ففي اعتبار الرعاية الصحية واجباً على الفرد، أمر الإسلام الناس جميعاً بالبعد عن كل ما يضر صحتهم. فحرّم الخمر، والزنا، حفظاً على الصحة، وأمرهم أن يبتعدوا عما يهلك صحتهم، وينهك قوتهم، ]وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[ (سورة البقرة: الآية 195). فعن ابن عباس أن رسول الله r قال: ]لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَار[َ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 2332).

كما حث الإسلام الناس على النظافة حفظاً على الصحة. فأمر بالوضوء قبل الصلاة، والغسل بعد الجنابة، والعناية بالغذاء الصحي والشراب النقي، ونهى عن الشرب من فم السقاء منعاً للعدوى، كما حبب في الرياضة تقوية للبدن، ومن ذلك جاء القول: " إن لبدنك عليك حقا ". كما أمر الأفراد بالمبادرة بالعلاج عند المرض، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ r قَالَ: ]مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلاَّ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 5246) وكل هذه المبادئ، جاءت في صورة تكاليف، يُثاب فاعلها ويأثم مُخالفها. كما اهتم الإسلام بالرعاية الصحية، بل جعل لها الأولوية على شؤون العبادة.

لذلك، أعفى المرضى من الفرائض الدينية، التي تشق عليهم. فرخص للمريض أن يُفطر في رمضان خوف ازدياد مرضه، أو تأخير شفائه، على أن يقضي عند تمام صحته. وأباح لمن يشق عليه الصيام، أن يفطر ويدفع فدية طعام مسكين.

كما رخص للمسافر أن يفطر في رمضان، اتقاء المشقة التي تؤثر في صحته. يقول الله تعالى: ]فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ[ (سورة البقرة: الآية 185)، ويقول تعالى: ]وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ[ (سورة البقرة، الآية 184)، ]يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ[ (سورة البقرة، الآية 185).

(2) أما الرعاية الصحية، باعتبارها حقاً للأفراد إزاء الدولة، فقد قررها الإسلام في صور شتى. وقد كان النبي، r، يهيئ للمرضى مكاناً يتداوون فيه وينقهون.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42569
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حقوق الإنسان في الإسلام   الثلاثاء 14 يونيو 2016, 12:59 am



       

9. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد العقل

أ. حق إبداء الرأي

كما كفل الإسلام حرية الاعتقاد والتفكير والتعبير، عما يعتقده الإنسان، كفل أيضاً حرية إبداء الرأي في كافة الأمور الدنيوية، غير ذات الصبغة الدينية. واحترم الإسلام العقل، وحفزه على الفكر والإبداع الحقيقي.

وقد كان النبي، r، أكثر الناس مشاورة لأصحابه؛ عملاً بقوله تعالى له: ]وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ[ (سورة آل عمران: الآية 159). وليس مبدأ الشورى في حقيقته، إلاّ احتراماً لحق إبداء الرأي. ولهذا، فإبداء الرأي في الإسلام حق مكفول، لا يستطيع أحد أن ينتزعه.

وقد أولى الإسلام حرية الرأي عناية كبرى، باعتبارها الوسيلة إلى إعلان الدعوة ومواجهة الناس بها، وعرضها عليهم. وقد كان النبي، r، يعرض دعوته على القبائل في بلادهم، وعلى جبل الصفا، ليعلن كلمة التوحيد.

وكان أسلوب الدعوة قائماً على المناقشة والحجة، باعتبارهما مظهراً لحرية الرأي. وفي ذلك يقول الله تعالى: ]لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ[ (سورة الأنفال: الآية 42)، ]إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا[ (سورة يونس: الآية 68)، ]وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءَاتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ[ (سورة الأنعام: الآية 83).

وقال تعالى في قصة فرعون: ]قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ[ (سورة الشعراء: الآيات 23 ـ 30).

وحرية الرأي هي التي تؤدي إلى إفحام الخصم واعترافه، وانكشاف الحق وإزالة الشبهة يقول الله تعالى: ]وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[ (سورة النحل: الآية 125). والقرآن من أوله إلى آخره، محاجة مع الكفار. وفي ذلك ما يبين قيمة الرأي، واعتماد الإسلام عليه في بيان الحجة، وإيراد الدليل.

وحرية الرأي كفلها الإسلام للجميع، حُكاماً ومحكومين. ودعا إلى تحمل الإيذاء في سبيلها، والاستشهاد دونها. فعن رسول الله r أنه قال: ]لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلاَ تَظْلِمُوا[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 1930).

والناظر إلى ما جرى في سقيفة بنى ساعدة، لاختيار خليفة رسول الله، r، يجد أروع تطبيق لحرية الرأي، وحرية التعبير، وحرية المناقشة، وذلك فيما جرى بين المهاجرين والأنصار، وحجة كل منهم في اختيار الخليفة. وكان ذلك تصويراً لأول مجلس نيابي في الإسلام، نوقش فيه اختيار الخليفة.

والحرية في الإسلام مكفولة لاعتناق الآراء والتعبير عنها، حتى ولو كانت مخالفة لرأي الجماعة، ما دامت لا يفرضها أصحابها بالقوة.

القيود على حرية الرأي

تتحدد القيود على الحريات العامة، تبعاً لمدلول فكرة النظام العام، التي تسود النظم السياسية المختلفة. فالنظام العام، هو مجموعة المصالح الأساسية للجماعة، أي مجموع الأسس والدعامات، التي يقوم عليها بناء الجماعة وكيانها، بحيث لا يتصور بقاء هذا الكيان سليماً، من دون استقراره عليها.

والقيود على الحريات العامة، تقررها القاعدة القانونية. وتبعاً لذلك، فإن هذه القيود تتسع وتضيق تبعاً لمدلول فكرة النظام العام، التي تكون في إطار المذهب السياسي للدولة. ولم يطلق الإسلام حرية الرأي بلا ضابط، وإلاّ كان في ذلك الفتنة والفوضى، بل وضع للحرية ضوابط، وحدد لها حدوداً بحيث يقف في سبيلها إذا ما استهدفت الفتنة أو خيف منها الفرقة، أو ألحقت ضرراً بالآخرين، أو خدشاً لكرامتهم أو تعريضاً بهم.

فإذا تعدت حرية الرأي نطاقها، فاعتدت على الأخلاق أو الآداب أو النظام العام، أو تجاوزت حدود الفضيلة، ووجب ردها إلى عقالها. فإذا مُنع الفرد من الخوض فيما يمس هذه الأشياء، فقد مُنع من الاعتداء، ولم يُحرم من حق.

كما لا يجوز أن تصل حرية الرأي، إلى نشر الأهواء والضلالة والبدع. يقول أحد الفقهاء: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء، لفروا منه فرارهم من الأسد.

وقد حظر الإسلام الخوض في أعراض الناس، وإذاعة أسرارهم، فليس ذلك من حرية الرأي في شيء. لذلك شرع حد القذف، وهو ثمانين جلدة، لمن يخوضون في أعراض الناس، ويرمون بالإفك، يقول سبحانه وتعالى: ]إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ[ (سورة النور: الآية 19).

ومن القيود على حرية الرأي، عدم جواز المراء والمجادلة بدعوى حرية الرأي. فهما معصية، فضلاً عما فيهما من إيذاء للغير. فعن أنس بن مالك أن رسول الله r قال: ]مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ بُنِيَ لَهُ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلاَهَا[ (سنن الترمذي، الحديث الرقم 1916).

ب. حق التربية والتعليم

إذا كان البر والإحسان في المعاملة، حق الآباء على الأولاد؛ فإن التربية الصالحة، حق الأولاد على الآباء.

ولكل إنسان ـ ذكر أو أنثى ـ الحق في أن يتعلم. وطلب العلم واجب على الجميع، كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r  : ]طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ[ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 220).

فعلى المجتمع أن يتيح فرصة التعلم والاستنارة لكل إنسان، ولكل إنسان أن يختار ما يتوافق مع مواهبه وقدراته الذاتية، فعن عَبْدِاللَّهِ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ: ]قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ قَالَ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 6996).




       

10. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد العرض والشرف

أ. حق حماية العرض والسمعة

حرّم الإسلام أن تُنتهك سمعة الإنسان وعرضه، فالرسول، r يقول في خطبة الوداع: ]فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 65).

كما حرّم الإسلام ـ أيضاً ـ تتبع عورات الناس، ومحاولة النيل من شخصية الإنسان المعنوية: ]وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا[ (سورة الحجرات: الآية 12)، ]وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ[ (سورة الحجرات، الآية 11).

وهذا الحق نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقال: (لا يجوز تعريض إنسان للتدخل في شؤونه الخاصة، ولا في شؤون أسرته، أو مسكنه، أو رسائله، بغير مسوغ قانوني، ولا للاعتداء على شرفه وسمعته، ولكل إنسان الحق في الاحتماء بالقانون، من مثل هذا التدخل أو الاعتداء).

والحق أن الإسلام يسمو كثيراً، على كل ما جاءت به الإعلانات والقوانين الوضعية، في إقرار هذا الحق المقدس للإنسان. يقول سيد قطب في هذا المجال: (إن للناس حرياتهم وحرماتهم وكراماتهم، التي لا يجوز أن تنهك في صورة من الصور، ولا أن تمس بحال من الأحوال. ففي المجتمع الإسلامي الرفيع الكريم، يعيش الناس آمنين على أنفسهم، آمنين على بيوتهم، آمنين على أسرارهم، آمنين على عوراتهم. ولا يوجد مبرر ـ مهما يكن ـ لانتهاك حرمات الأنفس والبيوت، والأسرار، والعورات. حتى ذريعة تتبع الجريمة وتحقيقها، لا تصلح في النظام الإسلامي ذريعة للتجسس على الناس. فالناس على ظواهرهم، وليس لأحد أن يتعقب بواطنهم، وليس لأحد أن يأخذهم، إلاّ بما يظهر منهم من مخالفات وجرائم، وليس لأحد أن يظن، أو يتوقع، أو حتى يعرف أنهم يزاولون في الخفاء مخالفة ما، فيتجسس عليهم ليضبطهم. وكل ما له عليهم أن يأخذهم بالجريمة عند وقوعها وانكشافها، مع الضمانات الأخرى، التي يُنَصُّ عليها بالنسبة لكل جريمة).

ب. حق الأسرة

الزواج حق لكل قادر عليه، وهو الطريق الشرعي لبناء الأسرة وإنجاب الذرية وإعفاف النفس. وقد حث الله تعالى المجتمع الإسلامي على تيسير الزواج، فقال تعالى: ]وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ[ (سورة النور: الآية 32).

ولكل من الزوجين حق قِبَل الآخر، وعليه واجب ]وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ[ (سورة البقرة: الآية 228). ولكل من الزوجين قِبَل الآخر حق احترامه، وتقدير مشاعره وظروفه، في إطار من المودة والرحمة، ]وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً[ (سورة الروم: الآية 21).

وقد كَفَلَ الإسلام، لكل فرد في الأسرة، أن ينال منها ما هو في حاجة إليه، سواء كان رعاية أو حناناً أو كفاية مادية، وذلك في كل مراحل العمر. كما أن مسؤولية الأسرة شركة بين أفرادها، كل بقدر ما يستطيع.

ولا يُجْبَر في الإسلام، الفتى أو الفتاة، على الزواج ممن لا يرغبا فيه، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ]أَنَّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النَّبِيَّ r فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ [r (سنن أبو داود، الحديث الرقم 1794).





       

11. حقوق الإنسان المتعلقة بمقصد المال

أ. الحقوق الاقتصادية والعمالية

إن الثروات الطبيعية، بجميع أنواعها، وكذا الكون، مِلْك لله سبحانه، ]لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ[ (سورة المائدة: الآية 120). وقد منح الله للإنسان حق الانتفاع بهذه الثروات، فقال تعالى: ]وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ[ (سورة الجاثية: الآية 13).

ومن هنا، فلكل إنسان أن يحصل على رزقه بالطرق المشروعة. قال تعالى: ]هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ[ (سورة الملك: الآية 15).

وقد وضع الإسلام الضوابط، التي تُرَشِّد النشاط الاقتصادي، ومن هذه الضوابط:

تحريم الغش، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r: ]مَرَّ بِرَجُلٍ يَبِيعُ طَعَامًا فَسَأَلَهُ كَيْفَ تَبِيعُ فَأَخْبَرَهُ فَأُوحِيَ إِلَيْهِ أَنْ أَدْخِلْ يَدَكَ فِيهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فَإِذَا هُوَ مَبْلُولٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ[ (سنن أبو داود، الحديث الرقم 2995).

كما حرّم الإسلام الغرر والجهالة، فنهى، r، عن الغرر. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ]نَهَى رَسُولُ اللَّهِ r عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ[ (صحيح مسلم، الحديث الرقم 2783).

وحرّم الاحتكار لضروريات الناس، فقال عليه الصلاة والسلام: ]لاَ يَحْتَكِرُ إِلاَّ خَاطِئٌ[ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 2145). وحرّم الربا، وكل كسب طفيلي يستغل ضوائق الناس. وحرّم الاكتناز، وبيع الأشياء المحرمة، والإسراف في استعمال المال.

ويتصل بالحقوق الاقتصادية، أن انتزاع الملكية المعتبرة شرعاً لا تجوز، قال تعالى: ]وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ[ (سورة البقرة: الآية 188).

أمّا فيما يتعلق بالحقوق العمالية، فقد رفع الإسلام شعار العمل لمجتمعه ]وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ[ (سورة التوبة: الآية 105). وحق العامل أن يأخذ أجراً يتناسب مع ما يبذله من جهد، وأن يحيا حياة كريمة، من دون أن تُستغل ظروفه، بل توفر له الحماية والرعاية. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: ]أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ[ (سنن ابن ماجه، الحديث الرقم 2434).

وقد عبّر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن الحقوق العمالية في قوله: لكل إنسان حق العمل وحرية اختياره، وله حق العمل في ظروف عادلة ملائمة، وحق الحماية من التعطل. ولجميع الأفراد أن يتقاضوا أجوراً متكافئة عن الأعمال، من دون أي تمييز بينهم.

ولم يكتف الإسلام بتحقيق فرص العمل للأفراد وكفالتها لهم، بل كفل لهم أيضاً، الأجر المناسب للعمل، وعدم التأخير في أداء أجورهم. وفي ذلك يقول الله تعالى: ]وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ[ (سورة الأحقاف: الآية 19). فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيِّ r قَالَ: ]قَالَ اللَّهُ ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ[ (صحيح البخاري، الحديث الرقم 2075).

وقد اتجه الإسلام إلى العناية بالعامل، وعدم تركه عرضة لإرهاق رب العمل له واستغلاله. وكفل للعامل قدراً من الراحة، حفظاً لقوته ورعاية لصحته. وفي ذلك يقول الله تعالى: ]لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[ (سورة البقرة: الآية 286). فالقاعدة الشرعية أنه لا تكليف إلاّ بمستطاع. فلا يجوز أن يكلف الشيوخ وأحداث السن بأعمال ينوء بها كاهلهم، كما لا يكلف النساء بما لا يتناسب مع طبيعتهم.

وإذا تعطل العامل، أوجب الإسلام على الدولة إعالته وكفالته، وإعانته على العيش، حتى توفرِّ الدولة له عملاً، وهذا من مصارف الزكاة. فالذين يفتقرون إلى فرص العمل، هم الفقراء حقاً يقول الله تعالى: ]لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ[ (سورة البقرة: الآية 273).

كما روى الإمام أحمد أن النبي، r قال: ]مَنْ وَلِيَ لَنَا عَمَلاً وَلَيْسَ لَهُ مَنْزِلٌ فَلْيَتَّخِذْ مَنْزِلاً أَوْ لَيْسَتْ لَهُ زَوْجَةٌ فَلْيَتَزَوَّجْ أَوْ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَتَّخِذْ خَادِمًا أَوْ لَيْسَتْ لَهُ دَابَّةٌ فَلْيَتَّخِذْ دَابَّةً وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ[ (مسند أحمد، الحديث الرقم 17329).

ب. حق الملكية

أقر الإسلام حق الملكية الفردية، وكفله بأحكام عدة. وقد نهى القرآن الكريم، في مواضع كثيرة، عن الاعتداء على مال الغير، في قوله تعالى: ]لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ[ (سورة النساء: الآية 29).

ولكن الإسلام لم يجعل حق الملكية مطلقاً، وإنما قيده بما يجعل صاحبه أشبه بالوكيل عن الجماعة، فيما تحت يده من أموال. قال تعالى: ]وَءَاتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي ءَاتَاكُمْ[ (سورة النور: الآية 33).

ولذلك، فرض الله على المسلمين الزكاة في أموالهم، ثم جعل للحاكم الحق في أن يأخذ منهم فوق الزكاة ما يلزم حاجة الجماعة، كلّما دعت الضرورة إلى ذلك، دفعا للضرر، ورفعا للحرج، وصونا لمصالح المسلمين.

والإسلام قد أقر الملكية بنوعيها : الفردية، والجماعية، ولهذا لا يجوز لولي الأمر أن يعتدي على مُلك فرد من الأفراد، أو أن يجعله في منفعة عامة مملوكة للمسلمين، إلاّ إذا تطلبت مصلحة المسلمين ذلك. فيأخذه الإمام عن رضا، أو عن قهر، ببدله من دون غبن على صاحبه (يعنى مقابل تعويض عادل)، ذلك أن المصلحة العامة، مقدمة على المصلحة الخاصة.

وملكية الأفراد للأموال في الإسلام ثابتة، سواء كانت عقاراً أو منقولاً، وكان اكتسابها بطريق شرعي. فهي مما هو معلوم من الدين بالضرورة.

فقد أباح الإسلام التملك، ودعا إلى تحصيل المال من أبواب الحلال، وكفل للأفراد حرية التصرف والتعامل فيما يملكون، سواء أكان ذلك بالبيع، أو الهبة، أو الوصية، أو غير ذلك من التصرفات، مع اعتبار حقوق الآخرين وعدم الإضرار بهم. كما دعا القرآن الأفراد إلى حماية أموال الآخرين، والدفاع عنها، وتقرير العقوبات على من يعتدي على حق غيره: ]إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا[ (سورة النساء: الآية 10).

يتبين مما سبق أن حقوق الإنسان في الإسلام، نابعة ـ أساساً ـ من رؤية الإسلام للمنظومة الثلاثية: الكون والإنسان والخالق، ومن علاقة الإنسان بطرفي المنظومة الآخرين. ولا شك أن هناك نقط التقاء كثيرة بين حقوق الإنسان في الإسلام، وبين إعلان حقوق الإنسان العالمي، شأن كثير من الخصال الخلقية، التي يتفق عليها عقلاء البشر، وإن تفاوتت أديانهم، كحسن الصدق، وقبح الكذب.

ومن معاد القول، أن الإسلام سابق في هذا كله. ففرنسا، التي يحظى ميثاقها لحقوق الإنسان بالكثير من الاهتمام، لم يكن يسودها حتى أوائل القرن الثامن عشر، قانون عام شامل، بل كان القاضي في كل منطقة يحكم حسب العادات والتقاليد، في قدر كبير من حرية التقدير، فضلاً عن أن يكون لديها الكثير الذي تقدمه لحقوق الإنسان.

بينما قدّم الإسلام القانون العام الشامل، الذي كان يشمل أقطاراً بأسرها، من دون اضطراب أو تقصير، والذي استطاع أن يقدم للإنسان حقوقه الحقيقية، التي افتقدها قبل الإسلام، والتي ضاعت منه بتوقف الحكم بالشرع الإسلامي.

وقد طُبق النظام الإسلامي في عهد النبوة، على أساس أن القانون الإسلامي يعتمد على دعامتين:

الدعامة الأولى: هي القرآن، الذي أنزله الله على نبيه وفقاً للوقائع والحوادث والمناسبات. والدعامة الثانية: هي أقوال النبي وفتاويه وأحكامه عليه السلام. وفي ذلك العهد طُبّق النظام الإسلامي، بما شمله من تقرير الحريات العامة، تطبيقاً سليماً. الحقوق فيه مضمونة، والحريات مكفولة.

وقد تقررت حرية النفس، باعتبارها جزءاً من العقيدة الإسلامية، وتقرر التكافل الاجتماعي بفريضة الزكاة وبالصدقة، ووطد الرسول الكريم r، بالتطبيق العملي، مبدأ المساواة. فكان موقفه ـ وهو النبي r المؤيد من السماء ـ موقف الأخ من أخيه. كما زوّج بعض الموالي من سيدات كريمات الحسب في قومهن، وحقق الشورى عملاً حين كان يستشير صحابته، قائلاً: لهم (أشيروا عليَّ أيها الناس). كما تقررت مسؤولية كل فرد عمّن يتولى شؤونه، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أسرته راع ومسؤول عن رعيته.

وسار الأمر على ذلك في عهد الخلافة الرشيدة. فكان الخلفاء، كلّما جد في أمور الدولة أمر جديد، جمعوا الصحابة واستشارهم، ثم انتهوا إلى رأي تقره جماعتهم.

ومنذ أوائل القرن الثاني الهجري، امتازت تلك الحقبة بقيام الحضارة الإسلامية ونموها، كما كثرت العلوم العقلية والنقلية، ودوّنت العلوم العربية الخالصة، وظهرت المذاهب الفقهية.

وفي النهاية، نختم البحث بما جاء في توصيات المؤتمر العام العاشر، للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر، حيث كانت أولى توصياته:

أولاً: يوصي المؤتمر بتطبيق الشورى في مختلف مجالات الحياة في البلاد الإسلامية، وتنظيم كيفية ممارسة السلطات حسب ظروف كل دولة إسلامية، سواء في مجال اختيار الحكام، أو تحديد حقوقهم وواجباتهم.

ثانياً: يوصي المؤتمر باتخاذ الوسائل الكفيلة بالالتزام بأحكام الإسلام، في تنظيم حياة الأمة الإسلامية، ومنها احترام حقوق الإنسان السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية من دون تمييز.




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42569
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حقوق الإنسان في الإسلام   الثلاثاء 14 يونيو 2016, 1:00 am


       

المصادر والمراجع

أولاً: القرآن الكريم

ثانياً: كتب السُّنة

ثالثاً: الكتب

1. أبو الحسن الماوردي، " الأحكام السلطانية "، دار الكتب العلمية، بيروت، 1402هـ/ 1982م.

2. أحمد البلاذري، "فتوح البلدان"، تحقيق رضوان محمد رضوان، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، 1350هـ/ 1932م.

3. أحمد سويلم العمري، "مجال الرأي العام والإعلام"، سلسلة المكتبة الثقافية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الكتاب الرقم 321، القاهرة، 1957.

4. ثروت بدوي، " النظم السياسية "، دار النهضة العربية، 1964.

5. جلال الدين عبدالرحمن السيوطى، "حُسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة"، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1387هـ/ 1968م.

6. جوندولين كارتر، وجون هيرز، "نظام الحكم والسياسة في القرن العشرين"، عرض وتقديم ماهر نسيم، دار الكرنك للنشر والطبع والتوزيع، القاهرة، 1962.

7. حازم عبدالمتعال الصعيدي، "النظرية الإسلامية في الدولة"، دار النهضة العربية، ط1، 1397هـ/1977.

8. حامد سلطان، "القانون الدولي العام في وقت السلم"، دار النهضة العربية، ط 5، 1972.

9. حسن إبراهيم حسن، "النظم الإسلامية"، مكتبة النهضة العربية، القاهرة، 1970.

10. حسن كيره، "محاضرات في المدخل للقانون"، دار نشر الثقافة، الإسكندرية، 1954.

11. سليمان الطماوي، "عمر بن الخطاب وأصول السياسة والإدارة"، دار الفكر العربي، القاهرة، 1976.

12. سيد قطب، "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، دار الشروق، بيروت، 1403هـ/ 1983م.

13. سيد قطب، "في ظلال القرآن"، دار الشروق، القاهرة، 1996.

14. عبدالحكيم حسن العيلي، "الحريات العامة في الفكر والنظام السياسي في الإسلام"، دار الفكر العربي، القاهرة، 1403هـ/ 1983م.

15. عبدالحميد متولي، "الحريات العامة"، مركز الحضارة، القاهرة، 1988.

16. عبدالقادر عودة، "التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي"، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405هـ/ 1985م.

17. عبدالله بن قتيبة، أبو محمد، "الإمامة والسياسة"، مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1388هـ/ 1969م.

18. عزالدين بن عبدالسلام، "قواعد الأحكام في نظام الأنام"، دار المعرفة، بيروت، د ت.

19. عزالدين بن علي، ابن الأثير، "الكامل في التاريخ"، دار الكتاب العربي، بيروت، ط4، 1403هـ/ 1983.

20. عصمت سيف الدولة، "النظام النيابي ومشكلة الديموقراطية"، المستقبل العربي، 1979.

21. علي بن محمد، ابن حزم، "المُحلى"، دار الأفاق الجديدة، بيروت، د ت.

22. علي محمد حسنين، "رقابة الأمة على الحكام"، دراسة مقارنة بين الشريعة والقانون ونُظم الحكم الوضعية، المكتب الإسلامي في بيروت، ومكتبة الخاني في الرياض، ط 1، 1408هـ/ 1988م.

23. محفوظ عزام، "حق الإنسان على الإنسان في ضوء الإسلام"، د ن، القاهرة، ط 1، 1996.

24. محمد الغزالي، أبو حامد، "إحياء علوم الدين"، كتاب قواعد العقائد، دار الندوة الجديدة، بيروت، د ت.

25. محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي القرطبي، أبو عبدالله، "الجامع لأحكام القرآن"، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1961.

26. محمد بن أدريس، الإمام الشافعي، "الأم"، الدار المصرية للتأليف، القاهرة، د ت.

27. محمد بن جرير، أبو جعفر، "تاريخ الأمم والملوك"، (تاريخ الطبري)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، 1387هـ/ 1967م.

28. محمد بن علي بن محمد الشوكاني، "نيل الأوطار"، دار المكتبة العالمية، بيروت، 1415هـ / 1995م.

29. محمد عصفور، "أزمة الحريات في المعسكرين الشرقي والغربي"، القاهرة، ط 1، 1961.

30. محمد وفيق أبو اتله، "موسوعة حقوق الإنسان"، إصدار الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع في مصر، القاهرة، 1970.

31. نعيم عطية، "القانون والقيم الاجتماعية: دراسة في الفلسفة القانونية"، سلسلة الكتب الثقافية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، العدد الرقم 257، القاهرة، 1971.

32. وهبه الزحيلي، "آثار الحرب في الفقه الإسلامي"، دار الفكر، بيروت، 1403هـ/ 1983.

33. يعقوب بن إبراهيم، أبو يوسف، "الخراج"، تحقيق إحسان عباس، دار الشروق، لبنان، 1405هـ/ 1985م.

رابعاً: الجرائد والمجلات

1. ثروت بدوي، "مقالة في الدولة القانونية"، مجلة إدارة قضايا الحكومة، السنة الثالثة، العدد الثالث، الصادر في يوليه ـ سبتمبر 1959.

2. جريدة "الأهرام اليومي"، العدد الصادر في 6 يوليه 1998.

خامساً: البحوث

1. أحمد هريدي، "نظام الحكم في الإسلام"، محاضرات لطلبة الدكتوراه، جامعة القاهرة، كلية الحقوق، 1968.

2. علي الخفيف "الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام"، بحث مقدم إلى المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية، الأزهر، شوال 1383هـ/ 1964م.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
حقوق الإنسان في الإسلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: الدين والحياة-
انتقل الى: