منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 حديث شريف عن الخلق الحسن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: حديث شريف عن الخلق الحسن   الجمعة 30 سبتمبر 2016, 9:16 pm

حديث شريف عن الخلق الحسن 
د. طالب بن عمر بن حيدرة الكثيري
عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظَنا رسول الله صل الله عليه وسلم موعظةً وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودِّع، فأوصِنا، قال:" أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة وإن تأمَّرَ عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". (رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح).

الشرح الإجمالي للحديث:
كانت موعظة النبي صل الله عليه وسلم لأصحابه مؤثرة في أسلوبها وإلقائها، وكانت كذلك متضمنة لأصول الدين وأعظم الوصايا؛ وتلخصت في ثلاث وصايا:
1- الوصية بالتقوى، وهي أعظم الوصايا، قال تعالى: " وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ " [النساء: 131].
2- لزوم الجماعة والسمع والطاعة لولاة الأمور في المعروف.
3- التمسك بهدي النبي صل الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، وترك المحدثات والبدع.

الفوائد التربوية من الحديث:
1. تأكيد النبي صلى الله عليه وسلم عند اختلاف الناس الاختلاف الكثير على التمسك بالسنة، ومن أهميتها أن النبي صل الله عليه وسلم أكد على العض عليها بالنواجذ، وترك المحدثات، ومن خطرها أن كلها ضلالة، وأن كل ضلالة تدعو إلى النار.
2. طلب الوصية من أهل العلم؛ وخصوصًا عند الوداع، والحرص على استماع المواعظ التي تؤثر في القلب.
3. كلما ابتعد الناس عن زمن الوحي كلما ازدادوا فرقة، والواجب الاجتماع العقدي المنهجي على السنة، والاجتماع البدني على ولاة الأمور.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حديث شريف عن الخلق الحسن   الجمعة 30 سبتمبر 2016, 9:18 pm

البر هو الإيمان والعمل الصالح والخلق الحسن

وليس واحدًا منها فقط

 
حدثني صديقٌ أنَّه لقي رجلاً من المسلمين الطيِّبين يتخلَّف أحيانًا عن صلاة الجماعة ويُصلِّي في البيت بأهله وأولاده، فعاتَبَه على هذا التخلُّفِ، فقال: يا سيِّدي، أنا أحضر إلى المسجد وأصلِّي مع المسلمين كثيرًا، ولكن ممَّا يُزهِّدني في ذلك أحيانًا رؤيتي لناسٍ يُصلُّون في الصفِّ الأوَّل وفيهم مُرابون يَظلِمون الفُقَراء من الفلاحين وذوي الحاجات، وفيهم أغنياء أشحَّاء لا يؤدُّون حقَّ الله في أموالهم، ولا يتَفقَّدون المساكين من أقربائهم، وفيهم مَن يُسِيئون إلى جِيرانهم، وفيهم مَن يعقُّون أمَّهاتهم وآباءهم.
 
فقلت لصديقي: إنَّ هذا الذي ذكَرَه هذا الرجلُ ليس عُذرًا يجعله يتخلَّف أحيانًا عن صلاة الجماعة؛ لأنَّ المسلم ينبغي أنْ يعمل ما أمَر به الله ورسولُه، ولا يضرُّ تقصيرُ العُصاة المقصِّرين.
 
فقال لي: لكنْ أليس أمثال هؤلاء العُصاة المجرمين دعاية سيِّئة للإسلام؟
قلت: صحيح ما تقول، والواجب علينا أنْ نُبيِّن أنَّ الإسلام بريءٌ من هذا الازدِواج في حَياة الناس.. إنَّ هؤلاء العُصاة لا يُمثِّلون الدِّين الحقَّ.
 
وأنا أقول: إنَّ نَفَرًا من هؤلاء دجَّالون يُرِيدون خِداع بعضِ الناس للاستِيلاء على أموالهم.
 
إنَّ الصلاة أعظم ركنٍ في الإسلام بعد الشهادتين، إنها عِماد الدِّين، وينبغي أنْ تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ قال تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45].
 
ومن رحمة الله وفضله أنَّ الصلاة لا تُكلِّف المؤمن مالاً ولا جهدًا، إنها أقوال وأفعال مبدوءة بالتكبير مختومة بالتسليم، إنها فرضُ عينٍ على كلِّ مُكلَّف، وهي مريحةٌ لصاحبها، تُكسِبه ثقة الناس ورضا الله، إنْ هو أخلَصَ فيها لله، ولكنَّ الوقوف أمام شَهوة المال وأمام شَهوة النساء أمرٌ لا يَقوَى عليه إلا الصادقون من المؤمنين، وكذا القيام بما أوجَبَ الله من الجهاد بالمال والنَّفس والإنفاق في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - أمرٌ لا يقوى عليه إلا الصادقون من المؤمنين، قال الشاعر:
سَبِّحْ وَصَلِّ وَطُفْ بِمَكَّةَ زَائِرًا 

سَبْعِينَ لا سَبْعًا فَلَسْتَ بِنَاسِكِ 

جَهِلَ الدِّيَانَةَ مَنْ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ 

أَطْمَاعُهُ لَمْ يُلْفَ بِالمُتَمَاسِكِ[1] 
 
وقال أيضًا:
رُوَيْدَكَ قَدْ غُرِرْتَ وَأَنْتَ حُرٌّ 

بِصَاحِبِ حِيلَةٍ يَعِظُ النِّسَاءَ 

يُحَرِّمُ فِيكُمُ الصَّهْبَاءَ صُبْحًا 

وَيَشْرَبُهَا عَلَى عَمَدٍ مَسَاءَ 

إِذَا فَعَلَ الفَتَى مَا عَنْهُ يَنْهَى 

فَمِنْ جِهَتَيْنِ لا جِهَةٍ أَسَاءَ[2] 
 
نعم؛ كثيرًا ما يُغَرُّ بأمثال هؤلاء الدَّجَّالين بعضُ الناس، ولنتذكَّر ذاك الرجل الواعظ الذي يكونُ في جهنَّم من المعذَّبين، يدور في النار كما يَدورُ الحمار في الرَّحى؛ عن أسامة بن زيد - رضِي الله عنه - قال: سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((يُؤتَى بالرجل يومَ القيامة فيُلقَى في النار فتندَلِق أقتابُ بطنِه، فيدورُ بها كما يدورُ الحمار في الرَّحَى، فيجتمع إليه أهلُ النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكنْ تأمُر بالمعروف وتَنهَى عن المنكر؟ فيقول: بلى؛ كنتُ آمُر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه))[3].
 
إنَّ شُعوبنا الإسلاميَّة يغلب عليها حُسنُ الظنِّ بالمتديِّن، ويثقُ جمهورُهم بالمصلِّي، فيُوافقون على مشاركته في الأمور الماليَّة، وكذا الأمر في الزَّواج والمصاهرة، ويعمد بعض الدَّجَّالين إلى هذا السلوك فيأتون مُبكِّرين إلى المسجد، ويحرِصون على الصفِّ الأوَّل، ويُبالِغون في إظهار الزُّهد، وتراهم يُحسِنون الحديثَ عن الإسلام والدِّفاع عنه، ويحسنون الكلام في الوعظ، حتى إذا وقَع في فخِّ دجلهم مسكينٌ، سلَخُوا جِلدَه، وأكلوا مالَه[4] - والعياذ بالله - ومن ذلك أنَّ شابًّا كان يؤمُّ الناس ويدَّعي أنَّه حافظٌ لكتاب الله، خطب فتاةً دَيِّنةً صَيِّنةً تحمل الماجستير، فرضيت به لدِينِه، ولكنَّها بعد العُرس لم تستَطِعِ البقاء معه إلا شُهورًا ثلاثة، رَأَتْ فيها الوَيْلَ والثُّبور، والبُعدَ عن الدِّين، والضَّرب وإساءة المعاملة التي لا تحمَّلها الجبال، فتركَتْه وعادَتْ إلى أهلها وهي حامل ولم يُعطِها شيئًا من حقِّها.
 
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((إنَّ أوَّل الناس يُقضى يومَ القيامة عليه رجلٌ استُشهِد، فأُتِي به، فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشهدت، قال: كذبتَ، ولكنَّك قاتلت لأنْ يُقال: هو جريءٌ؛ فقد قِيل، ثم أمر به، فسُحِب على وجهه حتى أُلقِي في النار.
 
ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمَه، وقرأ القُرآن، فأُتِي به، فعرَّفه نِعَمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلمتُ العلم وعلمتُه، وقرأتُ فيك القُرآن، قال: كذبتَ، ولكنَّك تعلَّمت العلمَ ليُقال: عالِمٌ، وقرأتَ القُرآن ليُقال: هو قارئٌ، فقد قيل، ثم أمر به، فسُحِبَ على وجهه حتى أُلقِي في النار.
 
ورجل وسَّع الله عليه، وأعطاهُ من أصناف المال كله، فأُتي به، فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أنْ يُنفَق فيها إلا أنفَقت فيها لك، قال: كذبت؛ ولكنَّك فعلت ليُقال: هو جوادٌ، فقد قيل، ثم أُمر به، فسحب على وجهه حتى أُلقِي في النار"[5].
 
فهذه أمورٌ ثلاثة، وهي: الجهاد والاستشهاد، وتعلُّم العلم وتعليمه وقِراءة القرآن، والإنفاق، لم تفدْ أصحابها؛ لأنهم لم يكونوا صادقين، وكانوا لا يعمَلون إلا من أجْل مَصالحهم.
 
قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
 
لقد ذكَر ربُّنا - سبحانه - أنَّ البرَّ لا يكون إلا بمجموع أمور، ولا يكون بواحدٍ منها فقط... ليس البر في أنْ يُولِّي المرءُ وجهَه في الصلاة قِبَلَ المشرق والمغرب، ولكنَّ البرَّ يكونُ عندما تتحقَّق في المسلم أركانُ الإيمان: الإيمان بالله واليوم الآخِر والملائكة والكتب والرسل، وعندما تتحقَّق في المسلم الفضائلُ التي يقتضيها هذا الإيمانُ من الإنفاق على ذوي القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وتحرير الأرقَّاء، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وعندما تتحقَّق في المسلم الأخلاقُ الكريمةُ من الوفاء بالعهد والصبر في الفقر والمرض والحرب.
 
إنَّ البرَّ ليس في تلك الشَّعائر الظاهرة إذا تجرَّدت عن صِفات المؤمنين الصادقين، إنها في هذه الحالة لا تُحقِّق البر، ولا تنشئ الخير ولا التقوى.
 
قال العلامة سيد قطب: "إنما البرُّ تصوُّر وشعور، وأعمال وسلوك؛ تصوُّرٌ يُنشِئ أثره في ضمير الفرْد والجماعة، وعملٌ ينشئ أثره في حياة الفرد والجماعة، ولا يغني عن هذه الحقيقةِ العميقةِ توليةُ الوجوه قِبَلَ المشرق والمغرب.. سواء في التوجُّه إلى القبلة هذه أم تلك؛ أو في التسليم من الصلاة يمينًا وشمالاً، أو في سائر الحركات الظاهرة التي يُزاوِلها الناس في الشعائر".
 
وجاء في "تفسير ابن كثير": قال العوفي عن ابن عبَّاسٍ في هذه الآية: ليس البر أنْ تُصَلُّوا ولا تعمَلوا.
 
وقال ابن كثير: إنَّ مَن اتَّصف بهذه الآية، فقد دخَل في عُرَى الإسلام كلها، وأخَذ بمجامع الخير كلِّه.
 
إنَّ الذي يحسب أنَّه إذا صلَّى، ثم بعد ذلك لم يأتِ بشيء ممَّا أوجبه الله عليه، ولم يدَعْ شيئًا من المحرَّمات ممَّا تميلُ إليه النفس إلا أتاه - إنَّ الذي يحسب أنَّ ذلك يجعَلُه قد اتَّصف بالبر كان في ضَلال مبين.
 
إنَّ المستعمِرين الكفَرَة وعُمَلاءهم من الطَّواغيت الذين يحكُمون كثيرًا من بلاد المسلمين يقولون للشعوب المسلمة: صلُّوا ما شئتُم من الصلاة، واذكُروا ما شئتُم من الذِّكر، وارقُصوا في حلقاته ما شِئتُم من الرَّقص، ثم عليكم بعد هذا أنْ تأخُذوا الأنظمة الاقتصاديَّة والقانونيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة التي تَسُود العالم المتمدِّن، وهذا هو مضمون الفكرة الآثمة؛ وهي فصل الدِّين عن الدولة، وهي مرفوضةٌ من وجهة النظَر الإسلاميَّة؛ يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 208].
 
يأمُر الله تعالى في هذه الآية عبادَه المؤمنين به، المصدِّقين برسوله أنْ يأخُذوا بجميع عُرَى الإسلام، وأنْ يعمَلُوا بجميع أوامره ما استطاعُوا، وأنْ يترُكوا جميعَ زَواجِره، ونهاهُم عن اتِّباع خُطوات الشيطان العدوِّ المبين.
 
والحمد لله ربِّ العالمين.



[1] "أقوال مأثورة" 2/253.
[2] "أقوال مأثورة" 2/106.
[3] رواه البخاري برقم 3267، ومسلم برقم 2989.
[4] ذكرت في شرحي لحديث "ما ذئبان جائعان.." قصصًا من التاريخ، وأخرى من الواقع وقفت عليها بنفسي تظاهَر فيها ناسٌ دجَّالون بالتديُّن ووصلوا إلى مُبتَغاهم الخسيس في خِدمة الكافر المستعمر أو أكْل أموال الناس بالباطل [انظر: شرح الحديث في كتابي "قضايا في الدين والحياة" صـ156-159].
[5] رواه مسلم برقم 1905 والنسائي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حديث شريف عن الخلق الحسن   الجمعة 30 سبتمبر 2016, 9:23 pm

مفهوم البر


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وسلَّم كثيرًا.
 
أما بعد:
مفهوم "البرِّ" في المنهج القرآني مفهومٌ كبير، وحقيقةٌ واسعة تسع بشموليَّتها كينونةَ الإنسان، وحقائقَ الكون، وأسرارَ الحياة، وتعاليمَ الشريعة.
 
إنَّ هذا المفهوم - كما سيتبيَّن لاحقًا إن شاء الله، عزَّ وجلَّ - في المنهج القرآنيِّ، هو منهجُ حياة إنسانيَّة فاضلة، تربط الإنسان "البارَّ" بروابطَ دقيقةٍ وعميقةٍ بكل كائنات الوجود، وأشيائه، وأحداثه، ومشاهده، ومن ثَمَّ يكون الإنسان "البارُّ" هو وحدَه الإنسان الذي استطاع - بتوفيق من الله، عزَّ وجلَّ - أن يرتقي بمشاعره النفسيَّة، ومداركه العقليَّة، وفاعليَّاته التطبيقيَّة إلى مستوى التكريم الإلهي، الذي أنعم به عليه يوم أَذِن له في دخول هذا الكون الفسيح، فلا جرمَ أنَّنا عندما نتحدث عن "مفهوم البِرِّ في القرآن"، فكأننا نتحدث عن مفهوم الإسلام.
 
ولقد يَجمُل بي - قبل الخوض في فلسفة مفهوم "البر" في الرؤية القرآنيَّة - الحديثُ عن مفهومه في العرف اللُّغوي؛ وما ذاك إلاَّ لأنَّ هذا القرآن نزل بلسان العرب، ومن ثَمَّ لا جرم كان لزامًا - لأجل الفهم السديد، أو على الأقل لأجل محاولة ذلك - العودةُ إلى لسان العرب لمعرفة مفردات القاموس القرآني.
 
مفهوم "البر" في العرف اللغوي:
إذا رجعت - أصلحك الله - إلى معاجم اللُّغة، ستجد أنَّ مفردة "البِرِّ" تحمل الكثير من المعاني، خلاصتُها: معنيان اثنان هما:
الأوَّل: الصدق.
الثاني: الإحسان.
 
والإحسان هنا لا يقتصر على إنفاق الدرهم والدينار؛ أي: على العطاء المادي فحسب، كما هو شائع في أذهان الكثير من الناس، وإن كان ذلك جزءًا مهمًّا في رسم حقيقته، بل هو مفهوم شامل واسع لكلِّ العَلاقات التي تربط الإنسان بغيره من الأشخاص والأشياء والأحداث، وكذا مفهوم الصدق لا يقتصر على القول المطابق للواقع؛ أي: على الفعل الخارجي فحسب، وإن كان هذا مظهرًا مهمًّا في ترجمة تلك الحقيقة، بل هو مفهوم يشمل فعاليات الحقيقة الإنسانيَّة كلِّها، وهي تتفاعل مع حقائق الوجود من أشخاص وأشياء وأحداث ومشاهد.
 
وإلى هنا نصل إلى النتيجة التالية:
الصدق والإحسان: هما ركنا مفهوم البر في العرف اللغوي.
 
وبعد هذا، دعْنَا - أكرمك الله - نُحلِّل ذينِك المعنيين؛ لنفهم الحقيقة العميقة التي يضمرها مفهوم "البر" من حيث الوضعُ اللُّغوي
1- تحمل مفردة "الصدق" من وضعها اللغوي المعنيَيْن التاليَيْن:
أ) القوة في الشيء: من حيث إنَّ صاحبَه لا يخشى أحدًا، وهو يتعامل مع هذا الشيء الذي هو قويٌّ فيه.
ب) الإخلاص في التزام الشيء: من حيث إنَّ صاحبه لا تخالطه أدنى شائبة من الشوائب المفسدة، وهو يمارس مظاهر الالتزام بهذا الشيء، وهذان المعنيان متلازمان، بمعنى أنَّ أحدَهما يُنتِج الآخر ضرورةً، وهما: المعنى الذي تسمعه من أنَّ الصدق ضدُّ الكذب
 
2- أما مفردة "الإحسان" فتحمل في وضعها اللغوي كذلك معنيين اثنين:
أ) الإتقان: من حيث إنَّ صاحبه يمارس الفعل بصورة مُحكَمة، ولا يدع أيَّ ثغرة في ممارسته لهذا الفعل لشدَّة حَذْقِه في ذلك.
ب) الجمال: من حيث إنَّ صاحبه يمارس الفعل بصورة جميلة، بكلِّ خصائصها ومقوِّماتها؛ أي: إنَّه يرتقي في ممارسة الفعل إلى مستوى الكمال؛ لأنَّ مفردة الجمال تحمل معنى الجمع والضم، ومعنى الحسن والبهاء، وذلك هو معنى الكمال، وهذان المعنيان متلازمان كذلك ضرورة، بمعنى أنَّ أحدهما ينتج الآخر.
 
إذن فهذه المعاني الأربعة - القوَّة، الإخلاص، الإتقان، الجمال - هي الحقائق الكبيرة التي تكتنِزُها مفردة "البر" في مفهومها العميق وتحليلها الأخير في وضعها اللغوي. وهي – ولا شك - معاني لها دلالاتها المعبِّرة، وإشاراتها الموحيَة، من حيث علاقتُها بمفردة "البر" الموضوعة في سياق النصوص القرآنيَّة.
 
وإلى هنا نستخرج النتيجة التالية:
القوَّة، الإخلاص، الإتقان، الجمال: هي أعمدة مفهوم البر في اللسان العربي.
 
ولك - أكرمك الله - أن تُحلِّل هذه المفردات الأربعة عسى أن تستنبط حقائق أُخَر لها عَلاقةٌ بمفهوم "البر"، ووشيجةُ ما بِبِنْيَتِه النفسيَّة والعقليَّة والحضاريَّة.
 
على أنِّي أودُّ أن أُنبِّهك - أيُّها الأخ الفاضل - إلى معنى آخر، تلك هي القواسم المشتركة بين مفردة "البر" في اللغة من حيث حركاتُها اللغويَّة، أعني مفردة "البِرِّ" بالكسر، وهي ما نتحدث عنه، وهي تفيد معنى الاستقامة النفسيَّة، ومفردة "البَرِّ" بالفتح، وهي الأرض، وتفيد معنى الثبات والاستقرار، ومفردة " البُرِّ" وهي المادة المأكولة - أي: القمح - وهي المفيدة معنى النمو والارتقاء، فانظر - أرشدك الله - كيف أن حقائق: الاستقامة، الثبات والاستقرار، النمو والارتقاء تشترك بينها جميعًا؛ من حيث إن الإنسان البارَّ مستقيمٌ في مشاعره النفسيَّة، ومداركِه العقليَّة، وفاعليَّته التاريخيَّة، ثابتٌ على حقائق المنهج الرَّباني لا يزيغ مع جواذب الانحراف وهواتف الجاهليَّة؛ لتكون النتيجة الدائمة هي النموَّ والارتقاء الدائم، سواء في مشاعره الباطنية، أم في تأملاته المعرفيَّة، أم في ممارساته في عالم الواقع، فهو في نمو وارتقاء أبدًا نحو الحقائق العليا، والآفاق الفسيحة، والعوالم المجهولة، فاعْجب - إنْ كنت تعجب - لهذه اللغة البديعة.
 
ويبدو لي أنَّ تلك المعاني الاستقامة، الثبات، الارتقاء هي حقيقة الكينونة الإنسانيَّة، كما فطرها الخالق - جلَّ وعزَّ - وكما يرضى بها الله - جلَّ جلاله - والله أعلم.
 
وهكذا تكون الخلاصة العامة لمعاني هذه المفردة الكبيرة هي: القوَّة، الإخلاص، الإتقان، الجمال، الاستقامة، الثبات، الارتقاء.
 
مفهوم "البر" في العرف القرآني:
مفردة "البر" في السور القرآنيَّة تحمل الكثير من المعاني والرموز والإشارات ذاتِ الدلالة الواضحة إلى حقيقة هذا الدين، دين الإسلام؛ فلقد وردت هذه المفردة "البر" في النص القرآني: عشرون مرَّة[1]، سبعَ مراتٍ بالعهد المكي، وثلاثَ عشرةَ مرةً في العهد المدني، وهو أمر ملفت للنظر، فتأمَّلْه.
 
وقد وردت على الصورة التالية:
أوَّلاً: مفردة " البِر" وردت ثمان مرات:
1- خمس مرات في سورة البقرة: (أ) ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44]، (ب) ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189]، (ج) ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، وهذه سورة مدَنيَّة.
 
2- مرة واحدة في سورة آل عمران: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92]، وهذه سورة مدنية.
 
3- مرة واحدة في سورة المائدة: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2]، وهذه سورة مدنية.
 
4- مرة واحدة في سورة المجادلة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [المجادلة: 9]، وهذه سورة مدنية.
 
ثانيًا: مفردة "أبرار" وردت ست مرات:
1- مرتان في سورة آل عمران: (أ) ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: 193]، (ب) ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: 198]، وهذه سورة مدنية.
2- مرة واحدة في سورة الإنسان: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴾ [الإنسان: 5]، وهذه سورة مدنية .
3- مرة واحدة في سورة الانفطار: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ [الانفطار: 13]، وهذه سورة مكية.
4- مرتان في سورة المطففين: (أ) ﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾ [المطففين: 18]، (ب) ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ [المطففين: 22]، وهذه سورة مكيَّة.
 
ثالثًا: مفردة "البر" وردت مرة واحدة:
في سورة الطور: كاسم من أسماء الله الحسنى: ﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ [الطور: 28]، وهذه سورة مكية.
 
رابعًا: مفردة "بَرًّا" وردت مرتين:
في سورة مريم: (أ) ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾ [مريم: 14]. (ب) ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ [مريم: 32]، وهذه سورة مكية.
 
خامسًا: مفردة "تبرُّوهم" وردت مرة واحدة:
في سورة الممتحنة: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، وهذه سورة مدنية.
 
سادسًا: مفردة "تبرُّوا" وردت مرة واحدة:
في سورة البقرة: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 224]، وهذه سورة مدنية.
 
سابعًا: مفردة "بَرَرَة" وردت مرة واحدة:
في سورة "عبس" في حق الملائكة: ﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس: 16]، وهذه سورة مكية.
 
والملفت للنظر في هذا التوزيع الهندسي لمفردة "البر" أنَّ في العهد المكيِّ وقعت مفردة "البر" في سياقين:
أولاً: سياق الحديث عن الصفة التي يتصف بها:
1- الله – جلَّ جلالُه - مرة واحدة: ﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ [الطور: 28].
2- الملائكة - عليهم السلام - مرة واحدة: ﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس: 16].
3- الإنسان المطيع لله - تعالى - مرتان: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾، ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ [مريم: 14/32].
 
ثانيًا: والسياق الثاني هو سياق الحديث عن:
1- مآل الإنسان البارِّ في الدار الآخرة، ثلاث مرات: ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ [الانفطار: 13]، ﴿ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴾، ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴾ [المطففين: 18/22].
2- الأمر بالتزام المنهج، وردت مرة: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة:2].
 
وفي العهد المدنيِّ وقعت هذه المفردة في سياق الحديث عن:
1- المنهج الرباني، وردت تسع مرات:
(1) ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44].
(2) ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189].
(3) ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
(4) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [المجادلة: 9].
(5) ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].
(6) ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8].
(7) ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 224].
 
2- مآل الإنسان البارِّ في الدار الآخرة، وردت ثلاث مرات:
(1) ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: 198].
(2) ﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴾ [الإنسان: 5].
(3) ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 92].
 
3- الصفة التي يتحلَّى بها الإنسان، وردت مرة واحدة: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: 193].
 
وبعد هذا التوضيح يمكنني القول:
إنه لمَّا كان العهد المكيُّ المقصود منه تربيةُ الإنسان المسلم، وإعادةُ صياغة شخصيَّته بما يتوافق مع أسس فطرته الأولى التي فطره الله عليها، وبما ينسجم مع معاني الحكمة الإلهيَّة في هذا الوجود، وكذا ما يناسب ثقل الرسالة الملقاة على عاتقه، كان لزامًا التركيزُ على الصفة التي يجب على الإنسان المسلم التحلي بها، والتأكيد على المقام الرفيع الذي يجب أن يرتقي إليه الإنسان المسلم، في مجالات حياته كافة، فالله - جلَّ جلاله - من صفاته الكريمة "البر"، إذًا معناه: أنَّ على الإنسان المسلم التخلُّقَ بأخلاق الله - تعالى - والملائكة الكرام "البررة"، إذًا على الإنسان المسلم التشبه بهم، والنبيُّ الكريم "بَرًّا"، إذًا على الإنسان المسلم الاقتداء به، كلُّ هذا يوحي للإنسان المسلم الذي يُريد المنهج الربانيَّ أن يرتقي بشخصيَّته إلى مستوى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ﴾ [الإسراء: 70]، وأن يحاول المرة تلو الأخرى الارتقاء إلى منزلة "البِر" وهكذا إذا جاء العهد المدني، وهو عهد البناء الخارجي للدولة الإسلامية، والتشييد للحضارة الإسلامية، والذي يجب أن يكون التلقي المطلق فيه قاصرًا على المنهج الرباني "القرآن والسنة"، وهو ما يستلزم التضحية الكبيرة والمعاناة الطويلة؛ حتى تستقرَّ أسسُ الدول الإسلامية على الأرض، أقول: حتى إذا جاء عهد البناء والتلقي، كان الإنسان المسلم له القابلية للتعامل مع تعاليم المنهج الرباني، دون أدنى تلكؤ أو تردد، ولقد كان ذلك هو ما حدث بالفعل.
 
أما في العهد المدني، فبالإضافة إلى وحي مفردة "البر" التي اقتصَرتْ على الإشارة إلى صفة من صفات الله - تعالى - وكذا الملائكة - عليهم السلام - وكذا الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إلى الإشارة إلى مآل الإنسان البارِّ في الدار الآخرة، بالإضافة إلى التنبيه على هاتين الإشارتين - جاء التأكيد على المنهج الربانيِّ الذي يجب على الإنسان المسلم التعامل معه، والأخذ منه دون غيره من المذاهب والفلسفات والعقائد، وبذلك يحدث في نفسيَّة الإنسان المسلم انفصالٌ عن واقع الجاهليَّة بكل عقائدها وقيمها، وقوانينها وعلاقاتها، رقيًّا إلى فضاء المنهج الربانيِّ الرَّحْب، ومن ثَمَّ ترسُخُ في ضميره عقيدة "الاستعلاء الرَّباني" وهو يتعامل مع الأشخاص، والأشياء، والأحداث، وهكذا يكون إنسانًا بارًّا حقيقة، والله أعلم.
 
بعد هذا، دَعْنا نستخلص كيفيَّة ورود مفردة "البر" في القاموس القرآني، من حيث معانيها الكليَّة.
 
لقد وردت مفردة "البر" في السياق القرآني حسب المعاني التالية:
1- بمعنى المنهج الديني، والعقيدة الربانية، والقوانين التشريعيَّة؛ وذلك مثل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44]، ففي هذه الآية - مثلاً - قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة؛ كان الرجل منهم يقول لصهره، ولذوي قرابته، ولمن بينه وبينهم رضاع من المسلمين: اثبُتْ على الدِّين الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل - يعنون به محمدًا، صلَّى الله عليه وسلَّم - فإن أمره حقٌّ، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه"[2].
 
2- بمعنى الصفة الفاضلة التي يتحلَّى بها الكائن المطيع لربِّه، المبادر للاستجابة لأوامره وزواجره، وذلك مثل: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا ﴾ [مريم: 14]، ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: 193]، ﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس: 16].
 
3- بمعنى صفة كريمة من صفات الله - جلَّ جلاله - واسم من أسمائه – سبحانه - وقد وردت مرة واحدة: ﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ [الطور: 28].
 
يمكننا - بعد كلِّ هذا - أن نستخرج ثلاثةَ معاني من دلالة مفردة "البر" كما وردت في القرآن:
1- العطاء: فالإنسان البارُّهو الذي يُعطي ولا يأخذ؛ ﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ﴾ [الطور: 28].
2- المبادرة: فالإنسان البار هو المبادر إلى الطاعة والمسارع إلى الاستجابة للمنهج الرباني؛ ﴿ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس: 16].
3- الاستعلاء: فالإنسان البار هو المعتزُّ بمنهجه الربانيِّ في الحياة، ومن ثَم يستعلي على مناهج الجاهلية أتتْ من حيث أتت؛ ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: 193].
 
وإلى هنا نحصل على النتيجة التالية:
العطاء، المبادرة، الاستعلاء: هي أسس مفهوم البر في القاموس الاصطلاحي القرآني.
 
إذن؛ خلاصة المعاني التي يضمرها "مفهوم البر"، سواء في بِنْيَته اللغويَّة، أو في اصطلاحه القرآني، عشرة معاني يؤدي بعضها إلى بعض، وينتج بعضها بعضًا: القوَّة، الإخلاص، الإتقان، الجمال، الاستقامة، الثبات، الارتقاء، العطاء، المبادرة، الاستعلاء، والله أعلم.
 
ومعنى قولي: إنَّ بعضها ينتج بعضًا؛ فلأنَّك لا تكون مخلصًا حتى تكون قويًّا، ولا تكون متقنًا حتى تكون مخلصًا، ولا تكون جميلاً حتى تكون متقنًا، ولا تكون مستقيمًا حتى تكون جميلاً، ولا تكون ثابتًا حتى تكون مستقيمًا، ولا تكون مرتقيًا حتى تكون ثابتًا، ولا تكون مِعطاءً حتى تكون مرتقيًا، ولا تكون مبادرًا حتى تكون معطاءً، ولا تكون مستعليًا حتى تكون مبادرًا.
 
حقيقة ونتائج مفهوم "البر":
وإذا أردنا تفعيل هذه المعاني التي تُشير إليها دلالات مفردة "البر" - سواءٌ من حيث اللغة أم من حيث رمزيتها القرآنيَّة - في محاولة فهم دلالاتها وإشاراتها، وكذا معانيها ومضامينها، سنجدها ترسم لنا صورةً مكتملةَ الأجزاء، واضحةَ المعالم حول حقيقة هذا الدِّين الذي أنزله الله - تعالى - على محمَّد بن عبدالله القُرَشيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورسالته الكبيرة في الحياة.
 
إنَّ أوَّل حقيقة يجب أن تُرسَّخ معانيها في ضمير المتلقي: هي أنَّ هذا الدين لا يؤخذ أجزاءً وتفاريقًا، ولا يمكن أن يمارس في واقع النفس أو واقع التاريخ بفاعليَّات شكليَّة ومظاهر سطحيَّة، لا تنطوي على إحساس عميق بجماليَّة هذا الدين، وإنما تنبني على رؤية كليَّة لمنهج هذا الدين ومهمَّته في الحياة، تلك حقيقة تبدو لي واضحة بيِّنة لكلِّ مَن تأمل في منظومة هذا الدين وعلاقته بحياة الإنسان في هذا الوجود.
 
إنَّ هذا الدين لا يمكن للإنسان أن يُفعِّل مضامينه في الواقع - سواء الواقع النفسي والواقع التاريخي - إلاَّ إذا أخذه بكلِّ قوَّة، وإخلاص، وإتقان، وجمال، واستقامة، وثبات، وارتقاء، ومن ثَمَّ تكون النتيجة الضرورية هي: "العطاء، والمبادرة، والاستعلاء"، ومعنى هذا الكلام أنَّ الإنسان المسلم مطالب أن يكون:
1- قويًّا في ممارسة تعاليم هذا الدين، سواء في واقعه النفسي أو واقعه التاريخي، ولا يخشى شيئًا وهو يمارس تلك التعاليم؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف))[3].
 
2- مخلصًا في تفعيل حقائق هذا الدين، سواءٌ في واقعه النفسي أو واقعه التاريخي، وألاَّ يشوبَ تفعيلَ تلك الحقائق بشيء من مفسدات العمل، بحسب ما تقتضيه قوانين الشريعة؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قال - تعالى -: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معيَ فيه غيري تركتُه وشركَه))[4].
 
3- مُتقِنًا لفاعليَّته في ممارسة تعاليم الشريعة، بحيث تكون ممارسته لتلك التعاليم، ممارسة محكمة، وليس فيها أيُّ ثغرة لشدَّة حذقه في تلك الممارسة؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((رحم الله امرأً عمل عملاً فأتقنه)).
 
4- مستقيمًا على منهج الحق، وقوانين الشريعة، لا تأخذه في ذلك لومةُ لائم - وما أكثرهم في هذا الزمان - ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ [هود: 112- 113].
 
5- ثابتًا على تعاليم المنهج الرَّباني، لا تُزعزعه الجواذب، ولا تُغريه الهواتف.
 
6- مرتقيًا نحو القمة السامقة التي يُتيحها له المنهج الإلهي.
 
7- مِعطاءً لا يخشى من ذي العرش إقلالاً، ولا تغرُّه مخابل زخرف الحياة الدنيا؛ فهو لذلك سمح كريم لا يضنُّ بالعطاء عن أخيه المسلم؛ ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 261-262].
 
8- مبادرًا إلى تفعيل تعاليم الشريعة، وممارسة حقائق الحكمة، ابتغاءَ مرضاة الله - تعالى؛ ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26].
 
9- مستعليًا على جواذب الأرض، ودوافع الهوى، ومغريات الفتنة؛ ﴿ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾ [ص: 26].
 
وعندما يصل الإنسان المسلم إلى هذا المستوى في ممارسة التعاليم العمليَّة لهذا الدين، فإنَّه بذلك يصل إلى مستوى الممارسة الحقة؛ أي: الممارسة لتعاليم الشريعة في أفق الجمال؛ أي: ممارسةالفعل بصورة جميلة بكلِّ خصائصها ومقوِّماتها، وبتعبير الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - "الإحسان" الوارد في حديث جبريل - عليه السلام -: ((قال: وما الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك))[5].
 
وهكذا يكون قد ارتقى في ممارسة الفعل إلى مستوى الكمال المقدور للإنسان، وتلك هي أقصى درجة مطلوبة لمنهج الإسلام كما نبَّه على ذلك الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حديث جبريل - عليه السلام - المحدد لمعاني الإسلام والإيمان والإحسان.
 
وهكذا نجد أنَّ الإنسان الجادَّ الذي يريد أن يرتقي إلى مستوى "البر" ويريد أن يكون من "الأبرار" وهو يمارس حياته وَفق تعاليم المنهج الرَّباني، إنَّ هذا الإنسان لا يمكنه بلوغ هذا الهدف وإدراك تلك المنزلة - وهو هدف نبيل، ومنزلة جليلة، ولا شك - إلاَّ إذا فهم فهمًا عميقًا أنَّ هذا الدين هو منهجٌ للحياة كافةً، ومن ثَم فهو يقتضي ممارسة تعاليمه في إطارها الكلِّي الشامل المتكامل، وليس أجزاءً وتفاريقًا؛ أي: إنَّه يجب عليه أن يمارس تعاليم هذا المنهج في مستوى "البر" حتى يكون مسلمًا حقًّا، وحتى يرتقي إلى مستوى "البر" في تفاعله مع هذا الدين.
 
ولقد شاءت الحكمة الإلهيَّة أن يكون هذا الإنسان وِحدةٌ كلِّية، وليس أجزاءً متفرِّقة، ومن ثَم لا يستطيع الإنسان أن يمارس حياته في الواقع المعاش - إنْ هو طلب التوازن والسعادة - إلاَّ بمجموع كينونته النفسيَّة؛ أي: بمجموع عقيدته الفكريَّة، وقِيَمه الأخلاقيَّة، ونُظُمه التشريعيَّة، ورؤيته الحضاريَّة، وهو بذلك ليس مبتدِعًا شيئًا غريبًا على فطرته التي فطره الله - تعالى - عليها، بل بالأحرى أنه يستجيب لحقائق تلك الفطرة المكنونة في أبعاد ضميره.
 
وهذه الحقيقة - حقيقة الوحدة الكليَّة التي تشكل إنسانيَّة الإنسان - نابعةٌ من أنَّ الإنسان فكرةٌ وتطبيق، تصوُّرٌ وحركة، عقيدةٌ وممارسة، رؤيةٌ وفاعليَّة، وتلك هي حقيقته التي فطره الله - تعالى - عليها، ولن تجد لفطرة الله تبديلاً، ولن تجد لفطرة تحويلاً.
 
والإسلام؛ لأنَّه دين الفطرة؛ فإنه يُساير هذه الحقيقة المبثوثة في ضمير الفطرة الإنسانيَّة، ولأنه مرآة الحقيقة الإنسانية؛ فإنه ينسجم مع تلك الحقيقة، ويُلبِّي هواتفَها ورغباتِها، ومن ثم كانت حقيقة الإسلام الكبيرة أنه عقيدةٌ وشريعة، قِيمٌ ونُظُم، أخلاقٌ وقوانين، تاريخٌ وحضارة؛ قال الله - تعالى -: ﴿ فأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ *مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الرُّوم: 30-31]، وقال - تعالى -: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162].
 
وتلك هي طبيعة هذا الدين الذي أنزله الله - تعالى - على رسوله الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه هي الحقيقة الكبرى التي يجب أن تتَّضح في عقولنا وضمائرنا ونحن نتعامل مع آيات القرآن.
 
إنَّ هذه الحقيقة - حقيقة أن هذا الدين منهج شامل لحياة الإنسان الممتدة من الدنيا والتي لا تنتهي إلاَّ ببداية جديدة في عالم الآخرة - تُصوِّرُها الهندسة المعرفيَّة للآية تصويرًا دقيقًا وعميقًا له دلالاته المُوحِية، وإشاراته المعبرة، فهذه الآية قد اشتملت على جملة من المعارف الكبيرة، والأسس العميقة التي تُعَدُّ الأساس الأول في بناء إنسانية الإنسان الفاضلة.
 
تطبيق عملي على آية قرآنية:
وبعد كل هذا الذي قلْتُه آنفًا عن حقيقة مفهوم "البر"، أحببتُ أن أظهر تلك المعاني السالفة الذكر من خلال آية من آيات البر في القرآن، وهذه الآية هي قول الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
 
فهذه الآية الكريمة من الآيات الجوامع في القرآن الكريم، إنَّها آية تترجم حقيقة هذا الدين الذي جاء به الرسول الكريم محمد بن عبدالله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حقيقة أنَّ هذا الدين هو منهج للحياة الإنسانيَّة الفاضلة في مجالات حركتها في هذا الوجود كافة، كما أرادها الخالق - جلَّ وعزَّ - حقيقة أنَّ هذا الدين هو منظومة متكاملة متناسقة، سواء في أنساقها المعرفيَّة والعقديَّة، أم في مفاهيمها الأخلاقيَّة والقِيَمِيَّة، أم في نظمها التنظيميَّة والتشريعيَّة، أم في فاعليَّتها التاريخيَّة والحضاريَّة.
 
وبادئ ذي بدء أقول:
إنَّ تداخل تلك المجالات المتعددة في الآية، من العقيدة، إلى العَلاقات الاجتماعية، إلى الروح العباديَّة، إلى القيم الأخلاقيَّة، إلى التعليق على كل ذلك في ختام الآية، إنَّ هذا التداخل والتفاعل بين مختلف هذه العناصر والمكونات، والتي لا يربط بينها رابط، ولا يجمعها جامع بادئ الرأي - ليوحي بطبيعة هذا الدين، وطبيعة هذا المنهج الذي أنزله الله - تعالى - على رسوله الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحقيقة الرسالة التي أراد الله - تعالى - أن يبلِّغها لهذا المخلوق الضئيل المسمى "الإنسان".
 
إنَّ هذا التداخل، وهذا التشابك بين تلك المكونات للآية ليترجم تلك الحقيقة العميقة التي تضمرها النفس الإنسانيَّة، تلك هي حقيقة أنَّ هذه النفس لا تقبل الانفصام بين عناصرها المكونة لحقيقتها الفطريَّة، فهذا الإنسان عقيدةٌ في العقل، وتطبيقٌ في الواقع، فكرةٌ في الضمير، وإنشاءٌ في التاريخ، ولا يمكن أبدًا - مهما حاول الإنسان نفسه أو حاول ذلك غيره من الطواغيت - الفصم بين ذينِك المكونين الكبيرين في الفطرة البشريَّة؛ لا لشيء إلاَّ لأنَّهما عميقين في جذر الروح البشري عمق ذلك الروح نفسه.
 
وحينما نفهم منهج هذا الدين على النحو - حينها فقط - نستطيع أن نقوم بمثل تلك النقلة البعيدة التي قام بها الجيل الأول من المسلمين، فبَلَغوا بذلك مستوى الإنسانية الفاضلة كما خلقها الله - سبحانه وتعالى - وكما أرادها أن تكون في واقع التاريخ البشريِّ، فكان ما كان منهم في صناعة التاريخ وتشييد الحضارة، مما لو اجتمعتْ الجاهليةُ بكل خيلائها ما وجدت إلى ذلك من سبيل إلاَّ في الأجيال المتعاقبة والآماد المتتالية، ثم لا تبلغ إلاَّ عُشر معشار ما بلغ أولئك.
 
من أجل ذلك كان من مقاصد القرآن الكبرى إعادةُ الضمير الإنسانيِّ إلى فهم هذه الحقيقة، والتحقق بمصداقيتها وتطبيقاتها سواء في عالم النفس أم في عالم الواقع، ومن ثم شن حملة ضروس على أولئك الذين رضوا بأن يكون نصيبُهم من هذا الدين المظاهر فقط.
يتبع ........
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حديث شريف عن الخلق الحسن   الجمعة 30 سبتمبر 2016, 9:26 pm

تابع .......

مفهوم البر


ولنبدأ الآية من أوَّلها:
إنَّ أوَّل شيء توحِي به الآية الكريمة هو أنَّ هناك قومًا التبس مفهوم البر في حسِّهم وعقولهم، ومن ثم انعكس هذا الالتباس على واقع حياتهم في الوسط الاجتماعي، الذي يمارسون فيه تطبيقات منهج دينهم كما يفهمونه هم، ولأجل ذلك تأخذ الآية في توضيح حقيقة مفهوم البر، ومصادقه في الواقع؛ الواقع النفسي، والواقع الاجتماعي، وبعد توضيح تلك الحقيقة يتبين لنا - نحن المتلقين - مدى الفرق بين حقيقة مفهوم البر كما هو المنهج القرآني، ومفهومه عند قوم زعموا أنَّهم ملتزمون بالمنهج الرباني في واقع حياتهم ومسيرة تاريخهم، وهو - ولا شك - فرق هائل جدًّا، تلك هي خلاصة الآية الكريمة: ﴿ ليْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ﴾.
 
لقد تصوَّر أولئك القوم أنَّ حقيقة الدين الذي يلتزمون به، تنحصر في الالتزام الشكليِّ بتعاليمه، والصرامة في التقيُّد بمظاهره الخارجيَّة، والأخذ بقوة بتعاليمه الجزئية، وأنهم بذلك يكونون قد أدوا الواجب الذي عليهم تُجاه الرسالة التي يحملونها للإنسانية، ولا عليهم إن لم يكن لها رصيدٌ من الإحساس النفسي العميق، والتصوُّر العقلي الواضح، ولا عليهم إن هم خالفوا تعاليم الدين في واقع حياتهم، ومسيرة تاريخهم.
 
ذلك هو تصورهم لحقيقة مفهوم البر، ومنهج الدين الرباني الذي أنزله على رُسُلِه وأنزل لأجله كُتُبَه، وذلك هو تصوُّرُهم لقيمة المهمَّة التي تجب عليهم لذلك المنهج عليهم، وهو - ولا شك - تصورٌ ساذج، لا يرقَى إلى قيمة الحقائق التي تضمرها تعاليم هذا الدين، وتكتنِزُها حقيقة مفهوم البر في العقيدة القرآنية.
 
إنك عندما تتعمَّق في حقيقة الدين الذي بعث الله - تعالى - به الرسل، وأنزل لأجله الكتب، وأقام له السموات والأرض، ووعد لأجله بالجنة، وأوعد بسببه النار، عندما تتأمل تلك الحقيقة الكبيرة، وتتفهَّم معاني تعاليمها في النفس والمجتمع، حينها فقط تتبيَّن لك ضآلة ذلك التصور - سواء كان في جانب الإفراط، أو كان في جانب التفريط - الذي انخدع به أولئك البؤساء الذين ظنُّوا أنَّ تلك هي غاية الشريعة ومنتهى الديانة.
 
وإنه لتصورٌ صغيرٌ شأنُه، لا يغني عن الحقيقة الكبيرة التي يسعى إليها الإنسان بفطرته شيئًا، ولا بذي قيمة في ميزان حقيقة المهمَّة التي يُريدها الخالق - جلَّ جلاله - من الإنسان.
 
إنَّ الإنسان عندما يكون همُّه من الدين إقامةَ مظاهره الخارجية، ويكون شغلُه الشاغل الالتزامَ بجزئياته الفرعيَّة، ويكون سعيُه الدائب الصرامةَ في تفعيل تعاليمه القريبة، دون الالتفات إلى الحقائق الكبرى التي تتضمَّنها تلك التعاليم، ومن ثم ممارسة معانيها في مجالات الحياة كافة، عندما تكون تلك هي قصتَه مع منهج الدين الذي يلتزمه، لا جرمَ أنه لا يستطيع الانطلاق إلى تلك الآفاق البعيدة التي يفتحها الدين لمن يتفاعل مع تعاليمه بصورة عميقة جدًّا، سواء في ظاهره أم في باطنه، وسواء في محيطه الذاتي، أم في محيطه الاجتماعي، بل بالأحرى أن هذا الدين يفقد مبرر وجوده في أعماق كينونته، ولا يبقى لوجوده معنى في حياته إلاَّّ بالقدر الذي يستفيد هو منه في علاقاته مع الآخرين.
 
ولا جرم أنَّ هذه الإشكاليَّة التي يعاني منها هذا الإنسان – أعني: إشكالية التناقض العميق بين حقيقة الدين الذي يلتزمه، وحقيقة فهمه هو لهذا الدين، ومن ثم ممارسته لتعاليمه في عالم الواقع؛ أي: عالم العلاقات الاجتماعية، والإنسانيَّة - إشكاليةٌ خطيرة تُصيب صاحبَها في أمثل الحالات بفقدان التوازن النفسي، والذي بدوره ينعكس على توازنه الاجتماعي.
 
على أنَّنا - أصلحك الله - لو أردنا فهم الأسس التي تنبثق عنها تلك الإشكاليَّة، فلا جرم أنَّا واجدون الأمر في حقيقته يرتدُّ إلى:
1- ضمور في الإحساس بجماليَّة الدين الرباني، وهو معنى ينسحب على الإنسان المُفرِط في الصرامة بالتزام مظاهر الديانة، دون أن يكون لها رصيدٌ نفسي عميق يؤسس لمنظومته النفسية والاجتماعية تأسيسًا قائمًا على التوازن، وينسحب كذلك على الإنسان المفرِّط في التزام تعاليم الشريعة في مجالات حياته، ما خلا تلك القشور القريبة والطقوس الميِّتة التي يؤديها.
2- ضبابيَّة في فهم حقائق الدين الرباني، وهو معنى ينسحب كذلك على كلاَ الطرفين: الإنسان المُفرِط والإنسان المفرِّط.
 
هذه الثنائيَّة - الجفاف في الإحساس، والاضطراب في التصور - هي التي تهلك هذا الإنسان البائس، وما ذاك إلاَّ لأنَّ لدين الله - جلَّ جلاله - إحساسٌ عميق في أبعاد الضمير، وتصوُّرٌ واضح في أعماق العقل، وحركةٌ متوازنة في واقع الحياة.
 
ولقد ينتج عن تلك الثنائيَّة المقيتة انفصام نكد، واضطرابٌ عميق يفقد الإنسان - من جرَّائه - التوازنَ في كينونته النفسيَّة من جهة، وانقطاع الصِّلة مع الله - تعالى - من جهة أخرى، لينتج عن ذلك إحساسٌ بغيض، وشعورٌ كريه، متمكِّن في القلب بعقيدة الاستعلاء والاحتقار لأفراد المجتمع في جانب الإنسان المفرِط، وعقيدة النفور والتشاؤم والاستهزاء، بالنسبة للإنسان المفرِّط، ودين الله لم يؤسَّس على الإفراط أو التفريط، بل على قانون التوازن والعدل.
 
ولقد حدث في عصر النبوة المحمديَّة - على صاحبها أفضل الصلاة والسلام - أنْ أراد بعض الناس - ابتغاء مرضاة الله - الجنوحَ إلى جهة الإفراط؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: جاء ثلاثُ رهط إلى بيوت أزواج النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يسألون عن عبادة النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فلما اخبِروا كأنهم تَقَالُّوها - أي: اعتبروها قليلةً بالنسبة إلى شخص الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالوا: أين نحن من النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ قد غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، قال أحدهم: أمَّا أنا، فإني أُصلِّي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أُفطِر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأُفطر، وأُصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني))[6].
 
ولقد كان درسًا عظيمًا لهؤلاء الذين جنحوا - ابتغاء الخير - إلى جهة الإفراط، وكما حدثت تلك القصة التي تمثل الإنسان المفرِط في التزام تعاليم الشريعة، دون أن يكون له إحساس جميل بمعانيها، وتصور واضح لمهمَّتها في الحياة، كذلك حدثت قصة أخرى تمثل جانب التفريط في بعض معاني الشريعة، يقول أبو ذَرٍّ - رضي الله عنه -: إني كنت سابَبْتُ رجلاً - هو بلال، رضي الله عنه - وكانت أمُّه أعجميةً فعيَّرتُه بأمِّه، فشكاني إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((يا أبا ذرٍّ، إنَّك امرؤٌ فيك جاهليةٌ))[7].
 
ولقد كانت كلمةً كافية لهزِّ نفسيَّة أبي ذر - رضي الله عنه - وردِّه إلى الصواب، وتفهيمه حقيقة الديانة الإسلامية.
 
إنه - إذن - زعمٌ كاذب عندما يَفصِل الإنسان بين العقيدة والواقع، بين الفكرة والممارسة، وبين العلم والعمل، ثم يظل يجادل عن أحقِّيَّته بهذا الدين وعمق انتمائه له، وهو زعم كاذب؛ لأنه يترجم عدم ترسُّخ معاني تلك العقيدة، وحقائق تلك الفكرة، ومضامينُ ذلك العلم في ضمير كينونة هذا الإنسان الزاعم التحقُّقُ الفعلي بكل مستوياته بمفاهيم ذلك المنهج الذي يزعم الانتماء إليه.
 
إن الإنسان عندما يمنع تفعيل مضامين منهج الدين - كما أراده الله، سبحانه وتعالى - في النفس والواقع، فإنه لابُدَّ أن ينحرف عن الحق، ولابدَّ أن يتنكَّب منهج العدل، سواء في أُفُقه النفسي، أو في أُفُقه الاجتماعي، أو في أفقه الحضاري، ومن ثم تكون النتيجة الحتميَّة "مخادعة" المتابع لمسيرته التاريخيَّة والحضاريَّة، وبذلك يكون في حقيقته كاتمًا لحقائق هذا الدين، وصادًّا للناس عن اتِّباع هذا الدين، الذي أنزله الله - تعالى - للبشرية جمعاء، ولا عجبَ بعد هذا أن القرآن توعَّد هذا الإنسان بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ [البقرة: 159]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 174]، ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: 37]، ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: 187].
 
صحيحٌ أنَّ الدين يظل دائمًا متضمِّنًا الحقَّ والهدى والعدل، بصرف النظر عن مدى التزام أتباعه بتعاليمه وتطبيقها في ذات أنفسهم وواقع حياتهم، ولكنْ صحيح أيضًا - أحسب ذلك - أن الدين عندما لا تكون هناك مصاديق في الواقع تؤكد على حقيقته وتترجم لقيمة مضامينه، ومن قبل عندما لا يكون له رصيدٌ نفسيٌّ في أعماق الضمير، وعقيدة واضحة في أبعاد العقل، عندما لا يكون الأمر كذلك، فإنَّ الدين يصير أشبه بالأسطورة الحالمة، والخرافة التاريخية التي لا تأثيرَ لها في واقع الناس إلاَّ من بعيد، فإن الدين إنما تكْمُن قيمتُه الحقيقيَّة في مدى مقدرته على تفعيل مضامين الفطرة الأولى التي فطر الله - تعالى - عليها الإنسان، وفي مدى قدرته على الارتقاء بالإنسان إلى أُفُق الإنسانيَّة الفاضلة، ومن الحقائق التي لا مجالَ للمجادلة فيها: أنَّ الدين يحيا بحياة أتباعه، ويموت بموت أتباعه، تلك حقيقة قرَّرتْها حقائق التاريخ البشري.
 
من أجل ذلك شنَّ القرآن الكريم حملةً واسعة وشديدة على هذا الصنف من الأتباع، أولئك الذين لا همَّ لهم إلاَّ الصرامة في تطبيق مظهريَّة الفعل في الممارسة دون إحساس جميل في أعماق النفس، وتصوُّرٍ واسع في فضاء العقل، إمَّا اعتقادًا منهم أنَّ ذلك هو لُبُّ الديانة وحكمة الشريعة، وإمَّا لأجل تحقيق بعض المكاسب القريبة باسم الدين.
 
ولك أن تنظر - من جملة ما تنظر فيه - في الآيات الثلاث التي سبقت هذه الآية المقصودة في هذا الفصل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: 174- 176]، انظر فقط في هذه الآيات؛ لتعي جيدًا شدةَ الحملة التي شنَّها القرآن على هؤلاء الأصناف من حملة الشريعة وأتباع الديانة[8].
 
فنحن في هذه الآيات أمام حقيقة مريعة، حقيقة تترجم الإنسانية عندما تؤثر أطماعَها وشهواتِها ورغباتِها على الحقِّ والعدل، حقيقة تصور الإنسانية عندما تتخلَّى عن هواتف الفطرة التي فطرها الله - تعالى - عليها ابتغاءَ أثمان قليلة، وأعواض زهيدة، حقيقة ترسم الإنسانية عندما تَصُدُّ نفسها عن الاستجابة لنداء السماء، إخلادًا إلى الأرض والفناء.
 
هؤلاء قوم آتاهم الله - تعالى - آياتِه وعلمهم كتابَه، فأبوا إلاَّ الكتمان، كتمان ما أنزل الله - تعالى - من الحق والهدى، وصد النَّاس عن سبيل الرشد والصلاح، وإبعادهم عن منهج الله - تعالى - في الحياة، إنَّ هؤلاء القوم يحرصون على الكتمان وصدِّ الناس عن الله - تعالى - خالقهم - جلَّ وعزَّ - لأجل الدنيا، لأجل مطامع قليلة لا تغنيهم عن الحق والعدل شيئًا، ومع ذلك يزعمون أنهم الملتزمون بتعاليم الشريعة.
 
إنَّ الحقيقة الوحيدة التي تتجلَّى من خلال موقف هؤلاء القوم: أن تعاليم هذا المنهج الرباني ومعارف تلك الحكمة التي أنزلها الله - تعالى - في كتابه وعلَّمها هذا الإنسان وفهَّمه حقائقها، أقول: تلك التعاليم وتلك المعارف لم تخالطْ بشاشتُها أعماقَ قلبه، ولم تلامس أبعادَ ضميره، وهذا هو مكمن الحقيقة ومجمع المشكلة، فالإنسان عندما لا تنفعل نفسه بتعاليم الشريعة، ولا تلامس حقائقها مجاهيل كينونته، عندها يفقد عمقَ التواصل مع حقيقة هذا الدين، ويفقد الأسسَ التي تُمكِّنه من التغيير في عالم النفس وعالم الواقع ، ولذلك ترى فيك كلَّ معاني الجاهليَّة إلاَّ معاني الإسلام.
 
إن من عجائب هذا المخلوق الإنساني أنه فكرةٌ وتطبيق، عقيدةٌ وحركة، ومن ثم يستحيل أن تترسَّخ عقيدةٌٌ ما في قلبه، وتتجذَّر فكرةٌ ما في ضميره، ويتأصَّل إحساسٌ ما في شعوره، ثم لا يسعى جاهدًا لترجمة تلك العقيدة واقعًا، ولا يجهد قوة لتفعيل تلك الفكرة عمليًّا، ولا يقاوم شدة لممارسة ذلك الإحساس سلوكًا.
 
إن هذه الحقيقة - بل قُلْ: هذه العجيبة - من عجائب التكوين الإلهي لهذا الكائن الضئيل المحدود، إنما تدل على عظمة هذا المخلوق الصغير، وثقل المسؤولية المطلوب منه القيام بحقوقها، وعظمة المهمة الكبيرة المكلَّف بها في هذا العالم.
 
ولك أن تنظر في هذه الكلمة التالية: ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ لتدرك أنها تصوِّر خير تصوير حقيقةَ التخلف والتناقض مع مكونات العقيدة من جهة، والانفصامَ والانصداع في الممارسة العملية من جهة أخرى في شخصية هذا الإنسان التعيس، فإنك إذا رجعت إلى أصول مفردة "الشراء" وهي: الشين والراء والحرف المعتل؛ أعني: الألف المقصورة "شرى"، ستجدها ترتد جميعًا إلى معنى: قوة التمسك بالشيء، والولوع به ولأجله، وهذا الإنسان الكاتم ما أنزل الله، والمنفصل بوعيه وممارسته عن منهج الدين، ابتغاء أثمان قليلة، إنما هو في حقيقته يعاني من أزمة نفسيَّة ومعرفيَّة، أزمة نفسيَّة؛ لأنَّ جمال التعاليم الربانيَّة لم تترسَّخْ في كينونته النفسيَّة، وأزمة معرفيَّة؛ لأنَّ حقائق الوجود الكبرى - وعلى مقدمتها حقيقة الخالقيَّة والمخلوقيَّة - لم تتمكَّنْ من التغلْغُل في أعماق كينونته العقليَّة، ولأنه - كذلك - لا يستطيع مقاومة بريق هذه "الأثمان القليلة" يدع تعاليم عقيدته جانبًا، ولا يلتفتُ إليها إلاَّ إذا ظنَّ أنها تُحقِّق له بعضًا من المكاسب والمنافع، ومن ثم تجدُه يتمسَّك بهذا الشيء الفاني ويهيج في محاولة الحصول عليه مهما كان الثمن.
 
ولا عجب بعد هذا أن نجد الله - تعالى - يعلِّق على هذا الموقف الذي اتَّخذه هذا الإنسان من منهجه في الحياة - القائم على تحقيق العدل سواء على المستوى النفسي بالنسبة للفرد، أم على المستوى الاجتماعي بالنسبة للأمة - بتقرير الحقائق التالية:
1- أنَّ هذا الإنسان - وهو يشتري بآيات الله ثمنًا قليلاً - إنما يأكل في حقيقته العميقة نارًا تتلظَّى، وهي نار يتلظَّى بها في الدنيا قبل الآخرة، وحسبُك في عذاب الدنيا ذلك العذابُ النفسيُّ الأليم الذي يجده ذلك الإنسان الذي اشترى بآيات الله ثمنًا قليلاً، وحسبك تلك المعاناة الأليمة التي لا تنتهي إلاَّ لتبدأ من جديد، وحسبك ذلك القلقُ المُمِضُّ الذي يُقاسيه وهو يلهث وراء تلك "الأثمان القليلة" التي - في الحقيقة - لا تستحق ذلك الجهد المبذول في سبيلها؛ ﴿ أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ﴾.
 
2- أنَّ هذا الإنسان - وهو يشتري بآيات الله ثمنًا قليلاً - إنما هو في الحقيقة - بفعلته الشائنة، وسلوكه المنحرف - يُكثِّف ويُكاثِر من الحُجُب بيْنَه وبين الله - تعالى - يوم العرض الأكبر، وإن الأمر ليبدو طبيعيًّا جدًّا بالنسبة لهذا الإنسان الذي رضي أن يعرض عن منهج الله - سبحانه وتعالى - في تعامله مع الناس، ورضي أن يكتم عنهم ما فيه صلاحُهم في الدنيا والآخرة، فكما أنه سعى لأجل أثمان قليلة؛ لِأَنْ يصرف وجوهَ الناس عن الله - تعالى - وجاهَد لأجل أثمان قليلة؛ لِأَنْ ينحرف بالناس عن منهج الله، كان العقاب - وهو عقاب عادل بكل مقاييس العدالة ولا شك - أن يُعرض الله - تعالى - عنه ولا يُكلِّمه كلامًا حسنًا؛ فإن الجزاء من جنس العمل، ﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾.
 
3- أن هذا الإنسان - وهو يشتري بآيات الله ثمنًا قليلاً - إنما هو في الحقيقة - بما رضي لنفسه من الانحراف عن منهج الله والخيانة لأمانة العلم الذي أتاه الله له - قد رضي أن ينزل من مستوى الفضيلة، ودرجة الكرامة، وأُفُق الصفاء والنور الذي أكرمه الله - سبحانه وتعالى - به، إلى حضيض الرذيلة، ودرك المهانة، وسجن التلوث والظلام، وهو لم يقتصرْ على نفسه بمنهجه ذاك، وإنما دفع الناس إلى سلوك سبيله وانتهاج منهجه عندما كتم ما أنزل الله - تعالى - من الحق والهدى، فلا جرم أن يكون الجزاء عدم تزكيَتِه وتطهيره ورفع منزلته من لدن الله - تعالى - يوم يلقاه؛ ﴿ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾.
 
وبعد تقرير هذه العقوبات النفسية والمادية التي يُعاقِب بها الله - تعالى - الذين يكتمون ما أنزل من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلاً؛ لأجل الفصام النكد الذي حدث في ضمائرهم جرَّاء مناقضتهم لتعاليم المنهج الرباني في الحياة، بعد هذا يأتي التعليق التالي:
1- أن هذا الإنسان هو في الحقيقة قد اشترى الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، واستبدل الحق بالباطل، واستعاض بالظلمة عن النور، وانظر إلى لفظ ﴿ اشْتَرَوْا ﴾، واستحضر ما تقرَّر لديك آنفًا من معنى "الشراء" لتفهم الغبن الكبير، والصفقة الخاسرة التي مني بها هذا الإنسان البائس.
 
2- التعجب العميق لصبر هذا الإنسان - وهو المخلوق الضعيف الضئيل - على النار، وإنه عذاب ما أفظعه! وعقوبة ما أشدَّها وآلَمَها! إنَّها نار تصيب صاحبَها في الدنيا قبل الآخرة، أما في الدنيا فهي نار القلق والاضطراب، والفوضى والانفصام، والتي يعاني منها الإنسان المنحرف عن منهج الله، سواء على المستوى النفسي والفكري أم على المستوى الاجتماعي والتاريخي، وأما نار الآخرة فهي كما وصفها الله - تعالى - لك في القرآن.
 
إنه كما يوجد في الآخرة جنة ونار، كذلك يوجد في الدنيا جنة ونار، فمن دخل جنة الدنيا لا جرم أن يدخل جنة الآخرة، ومن أَبَى إلاَّ دخول النار في الدنيا لا محالة أنه واردها في الآخرة، نسأل الله العفو والعافية.
 
3- لماذا كلُّ هذا الجزاء الأليم، والعقاب الشديد لمثل هذا الإنسان الذي كتم ما أنزل الله من الكتاب والبيِّنات؟ الجواب يتكفَّل به الله - تعالى - نفسه: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾.
 
لقد خلق الله - جلَّ جلالُه - هذا الكون الفسيح الشاسع، وخلق كلَّ تلك المخلوقات المنظورة والمحجوبة، المعلومة والمجهولة؛ لأجل غاية محددة، تلك هي غاية "العبودية" : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذَّارِيَات: 56]، ولأن حكمة الله - تعالى - اقتضتْ أن يكون في هذا العالم فريقٌ مسخَّرٌ للعبودية المطلقة، وفريقٌ آخر مسخرٌ للمعصية المطلقة، اقتضتْ كذلك أن يكون هناك فريق آخر مخيَّر بين العبودية والمعصية؛ أي: له القابليَّة للحقيقتين معًا، ذلك هو فريق الإنس والجن، ثم إنَّ رحمة الله - تعالى - استوجبتْ أن يُعِينَ هذا الإنسان على سلوك سبيل الحق، ويُمِدَّه بمعالمَ تَهدِيه في طريقه إلى الله، فكان لزامًا في الحكمة الإلهيَّة أن كلَّ مَن يصد الإنسان عن سلوك هذا المنهج، ويصرف كينونته عن هذا الرشد - ولو بشطر كلمة - أن يُجازيَه أشدَّ العذاب ويُنزِلَ به آلام العقوبة؛ وما ذاك إلاَّ لأن الله - تعالى - لا يرضى إلاَّ أن يأتي هذا المخلوق الضعيف إلى قُدُسه وجلاله طائعًا مختارًا، لا مجبرًا مكرهًا.
 
إنَّ هذه الحملة الشديدة على هذا الإنسان الزاعمِ الانتماءَ لدين الله، والزاعم الالتزامَ بمنهج الله في الحياة، وهو خلو من معانيهما، هذه الحملة إنما تُتَرْجم نكران تلك العقليَّة الساذجة التي تجعل همَّها الأكبر، وغايتَها المنشودة في الحياة هو الصرامة في الالتزام بمظاهر التعاليم الدينية، والشدة في الأخذ بالمظاهر الخارجية، دون أن يكون لها رصيدٌ قوي هنالك في أعماق الضمير، وأبعاد القلب، ومجاهل الشعور، وحركة فاعلة في عالم الواقع.
 
إن هذا الكائن المسمَّى "الإنسان" مركب من حقيقتين اثنتين لا ثالث لهما: حقيقة الروح وحقيقة الجسد، الروح هي الجوهر، وهي الأساس، وهي الأصل في الحقيقة الإنسانية، أما الجسد فهو المظهر، وهو الفرع لذلك الجوهر الروحاني، إنه مظهر تجليات حركة تلك اللطيفة الربانية المودعة هنالك في أعماقه، ومن ثم فالأساس الذي تتوجَّه إليه تعاليم الشريعة، والمقصود بحقائق الديانة هي النفس التي يحملها الإنسان بين جنبيه، فمهما كان جوهر الإنسان طاهرًا نقيًّا كان مظهره كذلك، ومهما كان خبيثًا مدنسًا كان مظهره كذلك؛ قال الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ألاَ وإنَّ في الجسد مضغة، إذا صلُحَتْ صلُح الجسد كلُّه، وإذا فسدتْ فسد الجسد كلُّه، ألاَ وهي القلب))[9]، وأنا لست أعني بهذا المظهر الإنسان الفرد فقط، بل أعني الإنسان المجتمع من حيث إن الإنسان الفرد لابد له من حركة متفاعلة مع أفراد مجتمعه، فكل ما انصبغت به نفسه من المعاني - سواء كانت حقًّا أم باطلاً - انعكس على مظهره الخارجي أولاً ثم على حركته في المجتمع ثانيًا، ومن ثم كان الالتزام بتعاليم الشريعة يقتضي التفاعل بها والتجاوب معها على مستوى النفس الباطنة أولاً ثم على مستوى المجتمع الخارجي ثانيًا؛ إن دين الله - تعالى - عقيدة قبل أن يكون سلوكًا، هو إحساس نفسي قبل أن يكون حركة اجتماعية.
 
وقد مثَّلْتُ بآيات ثلاث فقط من القرآن الكريم تصوِّرُ تنديد الله - سبحانه وتعالى - بأولئك الذين يزعمون أنهم حَمَلةُ الشريعة والملتزمون بتعاليم الديانة، ولك بعد هذا أن تتتبع الآيات الواردة في شأن هؤلاء القوم التُّعساء، سواء كانوا ممن يدَّعي العلم والفهم في الشريعة، أو كان من الأتباع والأذناب؛ لتخرج بنتائج أُخَر، تزيدك معرفة بحقيقة الفرق الكبير بين الالتزام المزوَّر الذي ليس له من معنى الالتزام إلاَّ القشور، والالتزام الصادق الذي يملأ أبعاد شعور صاحبه وأعماق عاقلته بجماليَّة المنهج الرَّباني، وحقانيَّة وجوده في حياة الإنسان، ومن ثم يروح باذلاً جهده - حسب استطاعته - لترجمة ذلك الإحساس، وممارسة ذلك الفهم في عالم الواقع وتاريخ الوجود وحضارة الإنسان.
 
وقد أطلْتُ النَّفَس بعض الشيء في تبيين حقيقة أولئك الذين يزعمون أنهم ملتزمون بحقائق الشريعة وهم في الحقيقة في خلاء من معانيها الجميلة.
 
يتبع ......
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حديث شريف عن الخلق الحسن   الجمعة 30 سبتمبر 2016, 9:28 pm

تابع .....

مفهوم البر


حقيقة مفهوم "البر" في القرآن:
ولنا الآن أن نتساءل عن مفهوم البر الذي تُقدِّمه هذه الآية الكريمة، وهي تُندِّد بأولئك الذين اعتقدوا - جهلاً - أن لُبَّ الشريعة هو إقامة مظاهرها الخارجية دون أن يكون لها رصيد في أعماق الضمير وأبعاد العقل.
 
إن الآية الكريمة تُقدِّم لنا مفهوم البر على أنه مفهومٌ واسع يشمل مجالاتِ الكينونة الإنسانيَّة كافة، من عقيدة، وأخلاق، وشريعة، وعلاقات، وحضارة.
 
أولاً: ركائز العقيدة[10]:
ولقد كان انطلاق الآية في إعادة صياغة تصور الإنسان لحقائق المنهج الرباني، من خلال أسس العقيدة التي يجب على الإنسان أن يعتقدها، وهو يمارس فعله في الواقع الوجودي، وما ذاك إلاَّ لأنَّ العقيدة هي الأساس العظيم الذي تقوم عليه إنسانيَّة الإنسان، سواء التصوُّر العقلي، أم القيم الأخلاقيَّة، أم الواقع المعاش، فبحسب طبيعة العقيدة التي يعتقدها الإنسان، تتشكَّل طبيعة تصوراته العقلية، وقِيَمه الأخلاقية، ونوعية العلاقات الاجتماعية التي يُنشِئُها مع باقي أفراد المحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه، ليشمل أفراد البشرية جمعاء، من أجل ذلك تجد المنهج الربانيَّ يركز على العقيدة كأشدِّ ما يكون التركيز، ويفصِّل فيها القول، ويضرب لها الأمثال، ولا يترك شيئًا يمكن أن يساهِم في بناء عقيدة تليق بإنسانية الإنسان، وتترجم حقائق الوجود الكبرى كما هي عليه، إلاَّ وعرَّج عليه ونبَّه إليه، وما ذاك إلاَّ لأن العقيدة هي الأساس النفسي الذي ستقام عليها كلُّ التعاليم والإرشادات التي أتى بها المنهج القرآني، إنَّ العقيدة هي الإنسان، والإنسان هو عقيدة في الأساس الأوَّل.
 
لقد قدَّمتِ الآية الكريمة أسسَ العقيدة في المنهج الإسلامي على الشكل التالي:
1- الإيمان بالله - تعالى -:
وعقيدة الإيمان بالله تعالى - كباقي العقائد الأخرى في المنهج القرآني - تختلف كلَّ الاختلاف عن كلِّ المذاهب والفلسفات والأديان التي عرفتها البشرية قديمًا وحديثًا، وهي تتعامل مع هذه الحقيقة، وحسبنا أن نعرف أن الله - تعالى - في التصوُّر الجاهلي لا يملك من صفات الإله إلاَّ الاسم فقط.
 
أما في المنهج الرباني، فالله - جلَّ جلالُه - إلهٌ مطلق له صفات الجلال والجمال والكمال، وعندما تنظر في القرآن الكريم تجد أنه تناول موضوع الذات الإلهيَّة من خلال محورين رئيسين:
1- الله - جلَّ جلالُه - ضرورة وجوديَّة.
2- الله - جلَّ جلالُه - ليس كمثله شيء.
 
1- أما أنَّ الله - تعالى - ضرورة وجوديَّة: فالقرآن يعتبر أنَّ وجود الله ضرورةٌ حتميَّة، لا يمكن التفكير في عدم جدواها، بمعنى أن وجود الله - تعالى - ضرورة تُحتِّمها الفطرة، ويُوجِبُها العقل، وتقتضيها طبيعة الاجتماع، ويُقررها نظام العالم، ويستحيل تصور وجود الإنسان، ووجود هذا العالم دون عقيدة وجود الله - تعالى -ومن ثم فالقرآن - حسب فهمي - يعتبر وجود الله - جلَّ جلالُه - قضيَّة مسَلَّمٌ بها من قبل الفطرة البشرية، بل هي حقيقة متغلغلة في أعماق الضمير وأبعاد الكينونة، بحيث إن الإنسان لا يجد بُدًّا من الإقرار بوجود الله - سبحانه وتعالى -: ﴿ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾ [إبراهيم: 10]، بل إنَّ القرآن الكريم يقرِّر حقيقة أخرى، وهي أنَّ كلَّ كائنات الوجود المعلومة والمجهولة "الملائكة، الجن، الحيوان"، وكذا كل أشيائه من الذرة الحقيرة التافهة، إلى المجرة العظيمة الهائلة إلى الكون الفسيح، كل أولئك يُقرُّ بوجود الله - تعالى - ومن ثم يتوجَّه إليه بالعبادة الخالصة؛ ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 44].
 
ولقد يجادل الإنسان في هذه الحقيقة في لحظة من لحظات جاهليَّته - ما في هذا شك - ولكن الحقيقة الكبرى تظل هي هي، حتى وإن جادل فيها المجادلون، على أن الحقيقة المقابلة التي يجب إقرارُها هنا، هي أنه حتى هذا الإنسان المجادل العنيد، لا يجد بُدًّا من الرجوع إلى هذه الحقيقة الكبيرة، في مواقف الحرج والخوف والشدَّة التي يجد فيها نفسه أمام هول المجهول، وشبح الفناء، لا لشيء إلاَّ لأن عقيدة رجوعه وإيوائه إلى ذات متجاوزة لذاته؛ أي: كائن مطلق لا تحده الحدود، يملك النفع والضر، ويستطيع مد العون له حتى في أحلك اللحظات، هذه العقيدة ممزوجة ببنية التكوين النفسي للإنسان، ولا يستطيع اقتلاع جذورها من كينونته مهما حاول إلى ذلك سبيلاً، إلاَّ أن يقتلع نفسه الشخصية.
 
ولقد أشار القرآن نفسُه إلى هذه الحقيقة، حقيقة أن وجود الله - جلَّ جلالُه - حقيقة متجذِّرة (متأصلة) في كيان الفطرة، وأنها - لأجل ذلك - لا تستطيع الانفكاك منها، وحتى في لحظات المجادلة والعناد، لا تستطيع الكينونة الإنسانية الاستمرارَ في عنادها وجدالها مهمَا واجهت موقفًا حَرِجًا يُضَعْضِع (يُضْعِف) كيانَها، ويَهزُّ مداَركها، ويكشف عنها حجب الجاهلية، ومن ثم لا تجد بُدًّا من البحث عن شيء ما تلجأ إليه وتأوي إليه في لحظة الحرج والخوف والضعف، انظر في هذه الآيات: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [يونس:22 - 23].
 
تلك هي حقيقة وجود الله - جلَّ جلالُه - وعلاقته بالفطرة البشرية، بل بأشخاص الوجود وأشيائه كما يصوِّرها القرآن الكريم، إنها حقيقة أن هذا الإنسان - وهو فرد من أفراد هذا العالم الكبير - لا يجد بدًّا من الإيمان بضرورة وجود الله - سبحانه وتعالى - وهو يمارس حياته في هذا العالم، ويغذي السير نحو الأبديَّة.
 
إن التاريخ يحدثنا أننا بإمكاننا أن نجد أقوامًا كثيرة لم تكن لها حضارة، ولكنَّه يؤكد لنا أننا لن نستطيع أن نجد قومًا معيَّنين خلَّوا مجتمعَهم من دُور العبادة؛ وما ذاك إلاَّ لأن فكرة التقديس لشيء مطلق، والإيواء إلى موجود متجاوز للكينونة الإنسانيَّة، فكرة عميقة في الروح البشري، عمق الروح نفسه.
 
إن الإنسان لا معنى لوجوده بدون الإيمان بوجود الله - تعالى - وهذه الحقيقة كما تنطبق على الإنسان، فهي كذلك تنطبق على كائنات الوجود وأشيائه كافة.
 
2- وأما أن الله - سبحانه وتعالى - ليس كمثله شيء، فالقرآن يعتبر الله - تعالى - إلهًا مطْلقًا، له صفات الجلال والجمال والكمال؛ ﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].
 
وإذا كان الله - جلَّ جلالُه - ليس كمثله شيء في المنهج القرآني، فهذا لا يعني مطلقًا أن هذا الإله سرٌّ مكتوم لا سبيلَ إلى معرفته، ولا سبيل إلى فهم علاقته بمخلوقاته، بل على العكس من ذلك تمامًا، لقد تحدَّث القرآن الكريم، وأيضًا الرسولُ الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - طويلاً عن الله - تعالى - سواء من حيث أسماؤه وصفاته، أو من حيث أفعالُه وعلاقتُه بالوجود.
 
إن الله - تعالى - في القرآن - كما قلت آنفًا - إلهٌ مطلق، له صفات الجلال والجمال والكمال، هذه الحقيقة الإلهيَّة - أعني: صفة المطلق - هي التي يترجمها القرآن عند الحديث عن الحياة، والقيُّوميَّة، والسمع، والبصر، والخلق، والقدرة، والحكمة، وغير ذلك مما تحدّث عنه القرآن الكريم، والرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن وجود الله - تعالى.
 
وإذا كان كلٌّ مِن القرآن والرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد تحدَّثا عن الله - جلَّ جلالُه - حديثًا مفصَّلاً حول أسمائه وصفاته، وكذا حول أفعاله وعلاقته بالوجود، فإنَّ الحقيقة الأخرى التي يجب ألاَّ نغفل عنها ونحن نتحدث عن الله - تعالى - هي أن كلَّ تلك المعارف عن الله - تعالى - إنما جاءت بما يناسب المدارك العقليَّة والنفسيَّة للإنسان، بمعنى أنَّ القرآن يعرف طبيعة الكينونة الإنسانية، ويعرف طبيعة المهمة المطلوب منها القيام بها في هذا العالم، ومن ثم تطرَّق أثناء الحديث عن الذات الإلهية المقدسة عن الحقائق التي تناسب طبيعة الإنسان النفسية والعقلية، وتعينه على القيام بمهمته في هذا الوجود؛ لأجل ذلك حرص القرآن والرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - على التأكيد على أنَّ الله - تعالى - إلهٌ مطْلَق، لا تجد المدارك الإنسانية - مهما أوتيت من العلم والمعرفة - إلى إدراك الذات الإلهية من سبيل: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103]، وقد ورد: ((تفكَّروا في كلِّ شيء، ولا تفكَّروا في ذات الله))[11]، وانظر كذلك إلى دعاء النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اللهم إِنَّي أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا أُحْصي ثناءً عليك، أنتَ كما أَثنيتَ على نفسك))[12]، وعن يوم القيامة عندما يشفع الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى ربِّه - جلَّ جلالُه - لأجل البشرية قال: ((فيفتح عليَّ من محامده بما لا أحسنه الآن)).
 
إن القرآن يعرف مهمَّة الإنسان في هذا العالم، ويعرف المسؤولية الملقاة على كينونته، ويعرف ضآلة المدارك العقلية والنفسية التي تحد شخصيَّة الإنسان؛ لأنَّه يعرف كلَّ ذلك، فهو لا يبحث في ماهيَّة الذات الإلهيَّة؛ ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103].
 
لأجل ذلك لا تجد في القرآن حديثًا عن الذات الإلهيَّة من حيث الماهيَّة والحقيقة المشتملة عليها، إلاَّ حديثًا عن ضرورة وجود الله - جلَّ جلالُه - في حياة الإنسان، ونظام العالم، وتثبيت قيم الأخلاق الفاضلة، وهذا النهي عن البحث في الذات الإلهية نهي منطقي، ينسجم سواء مع حقيقة الذات الإلهية المطْلَقة، أم مع حقيقة الذات الإنسانيَّة المخلوقة المحدودة، وما كان لمخلوق محدود أن يحيط علمًا بخالق مطلق أبدًا، ولك أن تراجع مقولاتِ وحياةَ الذين غرَّتْهم أنفسُهم وغرَّهم بالله الغرور، فراحوا يبحثون في أسرار الذات الإلهيَّة، وماهيَّتِها الحقيقية، ثم بعد طول العناء والتعب والشقاء والجهد لم يظفروا بشيء، ولَيْتَهم حين لم يغنموا سَلِموا، بل كانت المصيبة الصماء أنهم عادوا بما فرُّوا منه، لقد عادوا بالشك والحيرة، وبالقلق والكفر، وذلك جزاء الظالمين حينما تُعجبُهم عقولُهم القاصرة، فيخوضون لُجَّةَ الأسرار التي ليست في إمكانهم معرفةُ حقائقها.
 
2- الإيمان باليوم الآخر:
الركيزة الثانية التي يبني عليه القرآن نظامه العقدي هي عقيدة "الآخرة"، وعقيدة الآخرة في المنهج القرآني عقيدة لها خصائصها المميَّزة تضفي عليها معاني جليلة لا تجدها في باقي العقائد والمذاهب.
 
إن القرآن الكريم يعتبر الآخرة ضرورة وجوديَّة، بمعنى أن الآخرة ضرورة تحتِّمها طبيعة الإنسان، وتؤكدها طبيعة هذا العالم الذي يعيش فيه الإنسان، ويكون من العبث السخيف بل المقيت تصورُ وجود الإنسان دون عقيدة الآخرة.
 
لقد أقام القرآن عقيدة الإيمان بالآخرة على ركيزتين كبيرتين:
1- اعتبر القرآن الآخرةَ دارَ جزاء لِمَا قدَّمه الإنسان لنفسه في دار الدنيا.
2- اعتبر القرآن الآخرة دار الإنسان الحقيقيَّة.
 
1- أما اعتبار القرآن الآخرة دار جزاء لما قدمه الإنسان لنفسه في دار الدنيا، فذلك لأجل أنه ينظر إلى الإنسان نظرةً مغايرةً لنظرة المذاهب والفلسفات الجاهلية له، فهو يعتبر الإنسان كائنًا مخلوقًا لأجل مهمَّة معيَّنة ووظيفة محددة، عليه القيام بها في عالم الدنيا، وهو بعد ذلك مجزيٌّ عن ممارسته لمهمته تلك في الدار الآخرة؛ ﴿ اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 14]، ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾ [الطور: 21]، ﴿ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى ﴾ [النجم: 38 - 41].
 
2- وأما اعتبار القرآن الآخرة دار الإنسان الحقيقية، فذلك لأجل حقيقة الطبيعة الإنسانية في المنهج القرآني، تلك الطبيعة التي تستوجب - في عقيدة القرآن - عالَمًا آخر غير عالَم الدنيا، يستطيع فيه الإنسان تفعيل مكنونات ضميره، وطاقات روحه المذخورة، التي لا يجد سبيلاً في عالم الدنيا لممارستها وتفعيل حقائقها في الواقع؛ ولأن الله - جلَّ جلالُه - لا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يبدع شيئًا لا معنى لوجوده، فالإنسان وهو الكائن المليء بالأسرار والخفايا، والمليء بالطاقات والقوى المتعددة، كان لزامًا في الحكمة الإلهية أن يتيح له عالمًا يتناسب مع طاقات نفسه وأبعاد روحه، حتى لا تبقى تلك الحقائق المودعة ضمير الإنسان عبثًا لا معنى لوجودها؛ ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون: 115 - 116].
 
ومن خلال هاتين الركيزتين - ركيزة أنَّ الآخرة دار جزاء، وركيزة أنَّ الآخرة دار الإنسان الحقيقيَّة - يقرِّر القرآن حقيقةً أخرى في إعادة صياغة إنسانية الإنسان، صياغةً تتناسب مع حقائق فطرته التي فطره الله عليها، تلك هي حقيقة مسؤولية الإنسان عن أفعاله وممارساته في هذه الدنيا.
 
لقد استطاع القرآن الكريم أن يُعيد تنبيه الإنسان - بعد طول غفلة ونسيان - إلى حقيقة وجوده في هذا العالم، وحقيقة دوره في تقرير مصيره الأبدي، وذلك من خلال تأكيده على أن الإنسان رهينٌ بطبيعة أفعاله ونوعيَّة ممارساته في هذه الدنيا، ومن ثم تجد القرآنَ الكريم يؤكِّد - بشتَّى ضروب التأكيد - على مسؤولية الإنسان في هذا العالم، سواءٌ في شخص نفسه، أم في شخص مجتمعه، وبالتالي فإن طبيعة مصيره الأبديِّ تتعلَّق بمدى قيامه بواجبات المسؤولية الملقاة عليه؛ ﴿ وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 25].
 
ولقد كان القرآن الكريم عارفًا بطبيعة الفطرة الإنسانية، وهو يقرِّر عقيدة الآخرة ضمن عقائده التي جاء بها لأجل الإنسان، هذه الطبيعة التي تستلزم دافعَي "الخوف والرجاء"؛ حتى تستطيع العمل والحركة في عالم الواقع، ومن ثم استثمر القرآن دافعَي الخوف والرجاء في النفسية الإنسانية في تقرير عقيدة الآخرة، التي قرَّر فيها وجودَ الجنة ووجودَ النار؛ لتفعيل معاني الخوف والرجاء في الكينونة البشرية، كيما تستقيم على المنهج الإلهي.
 
إن الإنسان لا يجد بدًّا من اعتقاد عقيدة ما؛ تدفعه نحو الفعل والحركة، وتفتح أمامه أبواب الرجاء في الظفر بالنجاح والسعادة، ولا يجد بدًّا كذلك من اعتقاد عقيدة ما؛ تمنعه من الهجوم على أعمال محددة لا تليق بإنسانيَّته الكريمة، والتي قد تحرمه من الحصول على النجاح والسعادة التي يبحث عنها، ومن هنا فالرجاء والخوف مكونان رئيسان من مكونات الفطرة البشرية، اعتمد عليهما القرآن في تقرير حقيقة الجنة والنار، والله - تعالى - أعلم.
 
3- الإيمان بالملائكة:
الركيزة الثالثة في العقيدة الإسلامية هي ركيزة: "الملائكة".
 
وعقيدة "الملائكة" في المنهج الإسلامي عقيدةٌ فريدة، وما تكْمُن فرائدُها الجليلة تلك إلاَّ في ذلك التصوُّر الكبير والجميل الذي يقدِّمه المنهج الإسلاميُّ للإنسان المسلم حول "الملائكة".
 
لقد تحدث القرآن الكريم عن الملائكة - عليهم السلام - من خلال محورين:
المحور الأوَّل: لقد أكد القرآن الكريم على أنَّ الملائكة - عليهم السلام - مخلوقاتٌ عابدةٌ لله - تعالى - وحده لا شريك له؛ قال الله - جلَّ جلالُه -: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 172]، ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [النحل: 50]، ﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الزمر: 75 ]، ﴿ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الشورى: 5].
 
ثانيًا: أكَّد القرآن الكريم على أنَّ الملائكة - عليهم السلام - موَكَّل إليهم مهمةُ تدبير الكون بما فيه من أشياءَ وأشخاص وأحداث بحسب قوانين الحكمة الإلهية؛ ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ [الرعد: 11]، ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فاطر: 1]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلِائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [فصلت: 30]، ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ [آل عمران: 124].
 
ومن هنا تجد أنَّ الملائكة - عليهم السلام - ضرورةٌ وجوديَّة، بمعنى أن الملائكة ضرورة تؤكدها الحكمة الإلهية؛ لأجل طبيعة الإنسان وطبيعة العالم - سواء الدنيوي والأخروي - اللتين تقتضيان الإمداد من الله - تعالى - إلى الأجل المحدد لهما، والإنسان المسلم عندما تترسَّخ في كينونته هذه العقيدة على هذا النحو تُجاه الملائكة - عليهم السلام - فإنَّ علاقة حميمة تنشأ بينه وبينهم، استشعارًا منه أنهم كائناتٌ تشترك معه في نفس المهمة التي خُلِق لأجلها "مهمة العبودية"، ومعرفة منه بعلاقتهم معه القائمة على أسس الإرشاد والاستغفار، والولاء والنصرة؛ قال الله - جلَّ جلالُه -: ﴿ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [13] أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الشورى: 5]، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اُسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ [فصلت: 30 - 32].
 
وهكذا ينظر الإنسان المسلم - وقد تمكَّنت هذه العقيدة من نفسه، ووضُحتْ معانيها في ضميره - إلى نظرة الجاهليَّة والجاهليين، التي تعتقد أن الملائكة - عليهم السلام - بناتُ الله - تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا - أو أنهم آلهةٌ من دون الله - تعالى - أو أنهم شركاء لله - تعالى - وهي نظرة احتقار واشمئزاز وبغض؛ وما ذاك إلاَّ بمعرفته أنهم - عليهم السلام - مخلوقات خُلِقت للعبوديَّة لله - تعالى - وحده لا شريك له، وأنهم يسارعون في طاعة ربِّهم، ولا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ونشورًا.
 
4- الإيمان بالكتب:
الركيزة الرابعة في العقيدة الإسلامية هي ركيزة الإيمان بـ"الكتب".
 
الإنسان - لأنه كائن مخلوق - لابُدَّ له من منهج كلِّيٍّ، شامل كامل، يُتيح له توفيق مقتضيات حياته الدنيوية بحسب المهمة التي خُلِق لأجلها في هذا العالم، "مهمة العبودية".
 
ولقد يكون الإنسان على قدر عظيم من الألمعيَّة العقليَّة، والإحساس المرْهَف، والحكمة الصائبة، ولكنْ كل أولئك لا يُمكِّنه من الاستغناء عن المنهج الرباني المطلق، الشامل الكامل الذي يضع له المعالم، ويرسم له الخطوط، ويُحدد له القوانين، التي من خلالها يستطيع أن يرقَى إلى مستوى الإنسانية الفاضلة التي خلقه الله - جلَّ جلالُه - عليها، والتي يريد الله - جلَّ جلالُه - من الإنسان أن يُكيِّف حياته وَفق تعاليمها، فالكتب إنما نزلتْ لأجل هذا المعنى، وتأكيد هذه الحقيقة، حقيقة أن الإنسان خُلق في هذا العالم لأجل مهمة معيَّنة، ومن ثم لابد له من منهج يعينه على السير في طريقه نحو الأبدية، نحو الله.
 
ومن هنا كان إنزال الكتب من لدن الله - سبحانه وتعالى - ضروريًّا، رحمةً وفضلاً، فهو ضرورة تُوجِبها طبيعة الإنسان، وتؤكدها الحكمة الإلهية، ويكون من المتعذر تصور وجود الإنسان دون شريعة من الله - تعالى - ترسم له الإطار الكلي - المتضمن للمعاني الجزئية - الذي يجب أن يسير فيه، وتُحدد له المنهج الذي يجب أن يلتزم به في حياته.
 
ولقد يظن البعض أن العقل الإنسانيَّ فيه كفايةٌ وقوة للقيام بهذه المهمة - مهمة التوجيه والإرشاد - ولكن هؤلاء البعض نسي أو تناسَى أن هذا العقل الذي يتحدثون عنه، لا يستطيع إلى ذلك سبيلاً، وأسباب ذلك ما يلي:
أوَّلاً: فالعقل الإنسانيُّ عقل قاصر ناقص مهما أُوتي من وسائل العلم والمعرفة؛ لأنه عقل نسبي محدود، لا يمكنه الانفلات من قبضة الزمان والمكان؛ أي: ليس بوسعه التعالي على مجريات التاريخ، والنظرُ إليها نظرةً عميقة تخوله فهم قوانين الاشتغال، سواءٌ في الكينونة البشرية، أم العلاقات التاريخية، وليس بإمكانه تجاوزُ الدنيا إلى العالم الآخر؛ لمعرفة مصير الإنسان هناك؛ ذلك لأن الإنسان قد خلق للعالم الآخر، للأبدية، وما هذه الدنيا التي يمارس فيها أفعاله وأعماله إلاَّ مرحلة التهيؤ والإعداد للعالم الآخر، ومن ثم لا يستطيع العقل أن يحدد نوعيَّة الأعمال والأفعال التي تحدد مصيره هنالك في العالم الآخر؛ ببساطة لأن الأمر غيب، وهو لا يستطيع خرق حجب الغيب.
 
ثانيًا: فالعقل الإنساني لابد له من مرجعيَّة عُليَا يرجع إليها وهو يتعامل مع الأشخاص والأشياء، والأحداث والحقائق الكبرى في هذا الوجود، إيجابًا أو سلبًا، ومن ثم كان من الضروري في الحكمة الإلهية إنزالُ الكتب؛ حتى تكون المرجعية العليا للإنسان، ونقطة المركز الذي يجب أن ينجذب إليه، مثله في ذلك مثل الكوكب الذي يجب أن يدور في فلكه؛ وما ذاك إلاَّ لأن الإنسان لا يجد بدًّا من مركزٍ ينجذب إليه، ومرجعيَّة عليَا مطلقة يَحْتكِم إليها في مجالات حياته كافة، ومن ثم لا يستطيع - وإن أراد أو زعم ذلك لنفسه - أن يمارس حياته منفلتًا من مركز كلي مطلق، ومنحرفًا عن مرجعية عليا مطلقة تحدد له منهج حياته؛ لأن الأمر - كما قلت آنفًا - أن الإنسان عقيدة قبل أن يكون حركة وفعلاً.
 
وهكذا العقل الإنساني تجاه المرجعية المطلقة، هو بين أحد أمرين: إمَّا أن تكون تلك المرجعية صادرةً عن غيره، سواءٌ كان هذا الغير: "الله" - سبحانه وتعالى، أم كان طاغوتًا من الطواغيت المتفلسفة، وهو هنا لا يملك إلاَّ الاتِّباع، علمًا بأن حقيقة الاتباع تختلف في المرجعية الإلهية، والمرجعية الطاغوتية، وإمَّا أن تكون مرجعية منبثقةً من ذات نفسه؛ أي: هو مَن يحدد مبادئَها وقوانينَها وقيمها، وإن لم يكن الأمر بشكل مطلق، أعني: أن الغير لابد أن يساهم - حتى في هذه الحالة - في تشكيل مرجعيته العليا.
 
إن الذين يقولون بكفاية العقل الإنساني هم في الحقيقة يجنحون إلى اعتلاء عرش الألوهية؛ لأجل محاولتهم فرض مرجعيتهم الذاتية على الآخر، فكأنَّ هؤلاء الطواغيت - سواء كانوا متفلسفةً، أم كانوا مفكرين، أم كانوا علماءَ، أم كانوا حكَّامًا - يقولون: نحن الآلهة وأنتم العبيد.
 
من أجل ذلك؛ قال الله - تعالى - في محكم التنزيل:
من أجل ذلك؛ قال الله - تعالى - في محكم التنزيل: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 165]، فالله - تعالى - لا يؤاخذ العبد إلاَّ بعد إرسال الرسل والأنبياء، ولو كان في العقل الإنساني كفايةٌ ما كان لبعثتهم معنى، ولكنَّ الظالمين لا يأبون إلاَّ المعاندة والاستكبار.
 
إن المنهج الرباني يريد أن يحرِّر الإنسان من التبعية للإنسان؛ ارتقاءً إلى خالق الإنسان الذي هو أعلم بمن خَلق، وأدرى بمتطلبات وجوده الدنيوي، المحدد لمصيره الأخروي؛ ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُو اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، وهذه الحقيقة هي التي ترجمها الصحابي الجليل رِبْعِيُّ بنُ عامر - رضي الله عنه - لقائد الفْرُس، وقد سأله: ما الذي جاء بكم إلى أرضنا؟ فكان الجواب: "إن الله ابْتَعثَنا؛ لنخرجَ العباد من عبادة العباد، إلى عبادة ربِّ العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام"، وحسبنا هذه المقولة.
 
5- الإيمان بالرسل:
الركيزة الخامسة في العقيدة الإسلامية هي الإيمان بالرسل، وهذه العقيدة تنبثق من العقيدة السابقة، عقيدة الكتاب، فالأنبياء هم القدوة المُثْلَى للإنسان أثناء المسير إلى الله - تعالى - ولأجل تحقيق معاني الفطرة التي فطر الله عليه الإنسان، ويكون من المستحيل تصورُ وجود الإنسان دون عقيدة الأنبياء؛ لأن الإنسان من حيث هو كائن، عاقل، مريد، متحرك، لابد له من قدوة حسنة أو سيئة.
 

يتبع .....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حديث شريف عن الخلق الحسن   الجمعة 30 سبتمبر 2016, 9:30 pm

نابع .....

مفهوم البر


ولقد تحدَّث القرآن الكريم عن معشر الأنبياء كثيرًا، ومن خلال تلك الآيات نستطيع معرفة معالم شخصيَّتِهم - عليهم الصلاة والسلام - وفهم حقيقة التصوُّر الذي يقدِّمه القرآن الكريم عن الإنسان "النبي، والرسول".
 
هناك ثلاثة معالم كبرى تحدد شخصية الإنسان "النبي والرسول" في القرآن:
1- الإنسان "النبي والرسول" هو شخص كباقي الأناسي، يحمل بين جنباته كلَّ مقومات الشخصية البشرية، وتعتريه كلُّ العوامل الإنسانية، والفرق الوحيد الذي بينه وبين باقي الأناسي هو الوحي؛ قال الله - جلَّ جلالُه -: ﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 7]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ [الفرقان: 20].
 
2- يؤكِّد القرآن على أن الوحي الإلهيَّ المنزَّل على الرسل والأنبياء الكرام، إنما هو هبة محضة من الله - تعالى - يختار لها مَن يشاء مِن عباده، ومِن ثم لا دخل للإنسان النبيِّ في استحقاق الوحي، فالله - تعالى - وحده أعلم حيث يضع رسالته، ومن المؤهل - بفضله وجوده - لحمل منهج وحيه؛ قال الله - تعالى -: ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ [الأنعام: 124].
 
3- المعلم الثالث في شخصية الإنسان "النبي والرسول" هو المهمة التي يجب عليه القيام بها في المجتمع الإنساني، تلك هي مهمة التوجيه والإرشاد، وتعليم الناس ما فيه الصلاح لهم، والتحذير لهم مما فيه فسادهم؛ قال الله - تعالى -: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4]، ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحديد: 25]، ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 151].
 
كما قلت - آنفًا - الإنسان في هذه الحياة الدنيا، لابدَّ له من طريق يسلكه إلى الغاية التي يعتقد أنها الحق، سواء كانت تلك الغاية هي: الله - جلَّ جلالُه - أم كانت غاية من الغايات الجاهلية، والطريق إلى الله - تعالى - طريق واحد لا تعدُّد فيه[14]، ولأنك لا تستطيع بلوغ الغاية إلاَّ إذا توسَّلتَ إليها بالمعالم التي تقتضيها تلك الغاية، فكذلك الله - تعالى - لا تستطيع التوصُّل إليه إلاَّ إذا توسلت إليه بالوسائل التي يرتضيها هو وحده، وتلك السبل أنت لا تعرفها لأنها غيب عنك، ومن ثم كان دور الأنبياء مهمًا جدًّا بالنسبة للإنسان حتى يستطيع اقتفاء آثارهم إلى الله - تعالى.
 
كانت تلك هي أهم أسس العقيدة الإسلامية، والقواعد التي يَبنِي عليها المنهج الإسلامي باقي التعاليم الأخرى، سواء تعلَّقتْ بالقيم والأخلاق، أم بالتشريع والقوانين، أم بالعلاقات والمعاملات؛ وما ذاك إلاَّ لأن الإنسان لابد له من عقيدة تحدد تصوره لحقائق الوجود "الله، الإنسان، الحياة، المصير" ومن ثم تحدد له نوعيَّة المنهج الذي يجب أن يسلكه في حياته، وهو يخوض السير نحو مصيره الأبدي، والله أعلم.
 
ثانيًا: الشريعة:
﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
 
بعد هذا التحديد لمعالم أصول العقيدة في المنهج القرآني، يجئ الحديث عن تعاليم الشريعة، وذلك من خلال الحديث عن العلاقات الاجتماعية، ومحاسن الأخلاق.
 
ولقد كان من الطبيعي جدًّا أن يجيء الحديث عن العلاقات الاجتماعية، والعبادة، والأخلاق، بعد التأسيس لأصول العقيدة؛ وما ذاك إلاَّ لما قلته لك آنفًا، من أنَّ الإنسان لابد له من قواعد تصوُّريَّة يرتكز عليها وهو يمارس حياته في عالم الواقع.
 
وإنه لمن العجيب أن تتناول الآية الكريمة الحديثَ عن العلاقات الاجتماعية، مركزةً الحديث عن التكافل الاجتماعي دون غيره من المجالات الأخرى، التي تتمثل فيها العلاقات الاجتماعية.
 
ويبدو لي - والله أعلم - أن الآية تريد أن توحي للمتلقي - وهي تتحدث عن مفهوم "البر" - أن العلاقات الاجتماعية هي المظهر الأعظم لترجمة فاعليَّة التعاليم الدينية التي يؤمن بها الإنسان، وخاصة أن التكافل الاجتماعي - وخاصة في جانب المال - يقتضي من صاحبه بعض التضحية لأجل الغير، ومن ثم فإنَّ الإنسان الزاعمَ الانتماءَ لهذا المنهج الرباني، والزاعمَ التقيُّدَ بتعاليمه، إذا لم يكن هناك ما يترجم تلك المزاعم في عالم الواقع؛ أي: إذا لم يمارس التكافل الاجتماعي مع الناس فإنها لا تعد شيئًا، بل تظل كما هي مزاعم فارغة.
 
والنقطة الثانية الملْفِتة للانتباه في توسط العبادة "الصلاة" في تأسيس العلاقات الاجتماعية، والأمر عندي - والله أعلم - أن الآية ترمي من وراء ذلك إلى ربط الإنسان الملتزم بالمنهج الرباني - وهو يمارس مفهوم التكافل الاجتماعي في الوسط الذي يعيش فيه بالله تعالى - حتى تتحقَّق بالنسبة إليه عدةُ أشياء:
1- منها الإخلاص: وهو أمر لابد منه، سواءٌ في حياة الإنسان الفرد أو في حياة الإنسان المجتمع، فبدون الإخلاص لا يستطيع الإنسان الارتقاءَ إلى المستوى الرفيع الذي يريد المنهج الرباني من الإنساني الارتقاءَ إليه، ومن ثم لا يجد الإنسان الذي لا يخلص في عمله - وهو هنا التكافل الاجتماعي - بدًّا من السقوط في حمئة الأخلاق الفاسدة وهي كثيرة.
 
2- منها القوة: التي يجدها الإنسان المرتبط بالله - تعالى - وهو يمارس تعاليم منهج الله - تعالى - في الحياة، تلك القوة التي تسكب في كينونته معاني الانتصار على الوَهَن الذي يُصيب الإنسان عندما يفقد علاقته مع الله - تعالى - والاستماتة في ممانعة هواتف السقوط التي تتجاذب الإنسان عندما يفقد علاقته مع الله - تعالى.
 
3- منها الأخوّة: التي يستشعرها الإنسان المخلص وهو يَمُدُّ يدَ العون لأخيه الإنسان، والتي تملأ نفسَه بمشاعر الحب والمساواة والأخلاق الحميدة تُجاه باقي أفراد المجتمع.
 
وهكذا يستطيع الإنسان المسلم أن يمارس حياته الاجتماعية بكل هدوء وسلام وحب واطمئنان.
 
والآية هنا تصور لنا العلاقات الاجتماعية من جهة مهمة في العلاقات الإنسانيَّة، وذلك من خلال الحديث عن:
1- التكافل الاجتماعي: من خلال إيتاء المال - على حبه – للأقارب: (الأهل، الإخوة، الأخوات، الأعمام، الأخوال) والأباعد: (اليتامى، المساكين، أبناء السبيل، السائلين، والمكاتبين وهو خاص بالرقيق).
 
وهذا الإيتاء يمثل الحد الأقصى في التكافل الاجتماعي، والحد الأدنى هو الذي تمثله فريضة الزكاة.
 
وأنت - أصلحك الله - إذا نظرتَ وأنصفت، وجدتَ التكافل الاجتماعيَّ ضرورةً تقتضيها طبيعة الإنسان؛ لأجل تهذيب نفسيته وتقويم شخصيَّته ﴿ عَلَى حُبِّهِ ﴾، وهو ضرورة توجبها الرابطة الاجتماعية القائمة بين بني الإنسان لها.
 
ومن المعلوم أنَّ أهمَّ مظاهر التكافل في المجتمع البشري هو التكافل المالي، الذي يعد الأساس الأول لكل تجلِّيات التكافل، والتعاون الأخوي بين الإنسان وأخيه الإنسان، ولأجل ذلك أوْلَت الشريعة الإسلامية هذا المظهر اهتمامًا عظيمًا؛ وما ذاك إلاَّ لأجل قيمته في حياة الإنسان، وطبيعة وجوده في هذا العالم.
 
ولنا أن نسأل أولاً: ما هي مهمة المال في الحياة؟ وما هي قيمته في وجود الإنسان؟
يبدو لي لو أنَّ الإنسان استطاع أن يفهم مهمةَ المال في الحياة بشكل جيِّد وعميق، ولو استطاع أن يحدِّد قيمته الحقيقيَّة في واقعه الوجوديِّ على هذه الأرض، إذًا لأراح نفسَه وأراح غيرَه من كثير من المشاكل والمتاعب، وكثير من المصائب والرزايا التي يفتحها عليه سُوءُ فهمه لطبيعة المال ودوره في الحياة.
 
إنَّ مهمة المال في الوجود تتحدَّد في أنه وسيلة، وليس غاية وهدفًا، وإذا فهمنا أن طبيعة الإنسان تقتضي الاجتماع، ولا يستقيم اجتماع الناس إلاَّ بتبادل المنافع والمصالح بينهم، والمال هو مادة تلك المنافع والمصالح؛ ذلك لأنَّ الإنسان - بحكم طبيعته التكوينيَّة، ومهمَّته الوجوديَّة - عاجزٌ عن القيام بكلِّ مهامه وتحصيل منافعه، وإصلاح شؤونه بمفرده، بعيدًا عن غيره من الأناسي، ومن ثم اقتضت الحكمة الإلهيَّة أن يقوم الإنسان بإنشاء علاقات اجتماعيَّة مع غيره من الناس؛ حتى يتسنَّى له تحصيل مصالحه ومنافعه الدينيَّة والدنيويَّة معًا، ولأنَّ تبادل المصالح والمنافع بين الناس لابدَّ له من قيمة محددة لقيمته الحقيقية، كان المال - وهو مصطلح جامع لكلِّ ما من شأنه تحديد قيم المنافع والمصالح المتداولة بين الناس - هو المحدِّد الرئيس لتلك القيم في ميزان الحقيقة الاجتماعية القائمة بين الناس، إذا فهمنا هذه الحقيقة فهمنا أنَّ المال وسيلةٌ وليس هدفًا في حد ذاته.
 
إذًا؛ المال هو في حقيقته وسيلة إلى غاية ما، وليس غاية في ذاته، ومهمَّتُه في حياة الإنسان تستند على منهج هذا الإنسان في الحياة، ورؤيته لحقائق الوجود: (الله، الإنسان، الحياة، الموت، الدنيا، الآخرة)، فعندما يحدد الإنسان مهمته هو نفسه في الحياة، وعندما يفهم هو نفسه غايته من وجوده في هذا العالم، حينها - وحينها فقط - يستطيع إضفاءَ القيمة الحقيقيَّة على هذا المال، وجعْلَه وسيلةً إلى تحقيق غايته من الوجود، وجعْلَه ذريعةً لأجل الوصول إلى مستوى "العدالة" في كلِّ تجلِّياتها في الحياة، المطلوبة منه في منهج الشريعة، وهكذا يكون قد بلغ مستوى "الإنسان البار".
 
ومن هنا فالمال - ككل الأشياء التي خلقها الله تعالى - ليس مكروهًا من حيث هو قيمة محددة للمنافع والمصالح المتداولة بين الناس، وإنما يكتسب قيمتَه - في حكم الشريعة - بالغاية التي يُتَوسَّل بها إليه، والهدف الذي يُتَذرَّع به إليه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، والخير والشر هنا إنما تحدد قيمته قوانين الشريعة، وليست أهواء الناس وشهواتهم.
 
ولقد أمرتِ الشريعة الإسلامية بإيتاء المال وإخراجه؛ لأجل معنيين اثنين:
الأول: ما ذكرتُه لك آنفًا، أعني: أنه ذريعةٌ إلى جلب المنافع والمصالح، ودرء المهالك والمفاسد بالنسبة للإنسان، حتى يستطيع أن يقوم بمهمته الكبرى الملقاة على عاتقه، مهمة العبودية: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، وهذا هو المعنى الاجتماعي.
 
والثاني: هو تحرير الإنسان من طغيان الشهوات الماديَّة، وسيطرة الأهواء النفسيَّة، والتي ليس لها حدود، فهذه النفس من أهم سماتها الاسترسال مع أهوائها الذاتيَّة، المحببة إليها، ورغباتها القريبة منها، والمنهج الرباني يريد من الإنسان أن يكون إنسانًا فاضلاً كريمًا كما خلقه الله - تعالى - لا تستعبده الشهوات الوقتيَّة، ولا تستبد به الأهواء العاجلة؛ لا لشيء إلاَّ لأن هذه الشهوات وتلك الأهواء تطمس نورَ الفطرة التي فطر الله عليها الإنسان، ومن ثَم تصدُّه عن رؤية حقائق الأشياء في هذا الوجود كما ينبغي، وتُثقله روحه عن الانطلاق إلى آفاق الفطرة الإنسانيَّة الرحبة، التي جاءت الشريعة لأجل الارتقاء بالإنسان إلى مستواها الفسيح الجميل؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات))[15]، وهذا "الحومان" من قبل الشياطين لأجل صد الإنسان من الانفلات من قبضة الطين إلى فضاء الروح الفسيح، وهذا هو المعنى النفسي.
 
وانظر - أصلحك الله - إلى قوله - تعالى -: ﴿ عَلَى حُبِّهِ ﴾، فهذه الكلمة المعترضة هنا تصور لك هذا المعنى الذي حكيْتُه لك آنفًا، وإذا فهمت أن الله - تعالى - إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ لأجل إخراج الإنسان من دواعي هواه، حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبدٌ له اضطرارًا، كما يقول علماء الأصول والمقاصد - فهمت هذا المعنى جيِّدًا، وبالله التوفيق.
 
ومن هنا فالمنهج الرباني يقصد أن يعيش الإنسان المؤمن في مجتمع نظيف وطاهر من خبائث البخل والشُحِّ، ومفاسد طغيان الشهوات واستبداد الأهواء.
 
وهكذا تكون القيمة العمليَّة لهذا التشريع راجعةً بالدرجة الأولى على الإنسان في ذات نفسه، ثم على الناس في ذات اجتماعهم بكل خير وصلاح ومنفعة.
 
2- محاسن الأخلاق وجميل القيم والشمائل: فالشريعة أمرتْ بالأخلاق الكريمة؛ لأنَّ الإنسان في حقيقته "مجموعة من الأخلاق" ولا يستطيع أن يمارس نشاطه الإنسانيَّ في مستواه اللائق بإنسانيَّته في هذا العالم بدون تلك الأخلاق الفاضلة، فهي في حقيقة الأمر تدور معه وجودًا وعدمًا، أعني: أنَّ الإنسان بقدر ما يتخلَّق بأخلاق الفضيلة، وقيمِ الإنسانيَّة بقدر ما يكون وجوده الإنساني متحققًا في عالم الواقع، وتاريخ الحياة، وبقدر ما ينحرف عن منهج الأخلاق الفاضلة، والصفات الحميدة بقدر ما يكون وجوده الإنساني خامدًا في مسيرة التاريخ، وضعيفًا في صناعة الأحداث.
 
لقد تحدثتِ الآية الكريمة عن خُلُقَين عظيمين من الأخلاق الكريمة، هما: خلق الوفاء بالعهد، وخلق الصبر.
 
أ) خلق الوفاء بالعهد: خلقٌ عظيم أمرتْ به الشريعة، وحضَّت عليها الفطرة، وأوجبتْه طبيعةُ العمران البشري، إنَّ القيمة العمليَّة لهذا الخلق الرفيع سواء في ثمراتها في النفس الفرديَّة أو النفس الاجتماعية، قيمة كبيرة ولا شك، فهذا الخلق يترجم عظمة تلك النفس التي انبثق عنها، وهي تتعامل مع أفراد المجتمع البشري، ومن ثم كانت مظاهرُ تفعيل هذا الخلق الكريم في حياة الإنسان متعددةً وواسعة، فليست تقتصر على جانب دون آخر، ولا تنحصر في جهة دون غيرها، بل هو مفهومٌ خلقيٌّ رفيع، يشمل علاقاتِ الإنسان كافة، فمن علاقته مع الله - تعالى - إلى علاقته مع نفسه، إلى علاقته مع أقاربه، إلى علاقته مع أفراد المجتمع كلِّه، ولو لم يكن لهذا الخلق العظيم من القيمة إلاَّ توثيق أواصر الأخوة بين الناس، ونفي المفاسد الاجتماعية، وكذا تهذيب النفوس وتطهيرها من مفاسد الأمراض النفسيَّة (الغِل، الكذب، الخيانة)، لو لم يكن إلاَّ هذه الثمرة لكفى به خلقًا كريمًا، ولأجل هذا المعنى تجد الله - تعالى - في القرآن والرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - في أحاديثه قد حضَّا عليه وأمرا به ومدحا صاحبه.
 
ب) خلق الصبر: هو من الأخلاق الرفيعة التي أمرتْ بها الشريعة، وأوجبتْها الديانة، واقتضتْ طبيعة وجود الإنسان في هذا العالم المليء بالعقبات والمشاكل والتحديات، سواء على مستوى الفرد أم على مستوى الجماعة، والآية الكريمة تُنبِّه المتلقي إلى قيمة وضرورة هذا الخلق، سواء أثناء الجهاد والمدافعة للعدو، أم على بوائق الدهر ومصيبات الليالي والأيام (الفقر، المرض،...).
 
وخلق الصبر ينُمُّ عن شخصيَّة صاحبه، وعظمة النفس الكبيرة التي يحملها بين جنبيه، وهي تخوض لجةَ الصراع في هذه الحياة الدنيا، ولأجل ذلك كانت تجليات ممارسة خلق الصبر في حياة الإنسان المتحلي بهذا الخلق كثيرةً جدًّا، وليست محبوسةً على مجال دون مجال، فالإنسان المتخلِّق بخلق الصبر يمارس حقيقة هذا الخلق أثناء التعامل مع الله - جلَّ جلالُه - وذلك من خلال الصبر على القيام بالطاعات؛ لأن فيها مخالفةَ هوى النفس التي لا تحبذ مشقة التكاليف، والصبر على اجتناب المنهيات؛ لأنَّ فيها أهواءَ النفس ومشتهياتها التي تجنح إليها بكل سهولة لأجل اللذة التي تجدها في متابعة الهوى.
 
وهو يمارس هذا الخلق أثناء التعامل مع أفراد المجتمع، ابتداءً من الأهل والأقارب وانتهاءً إلى الأباعد والأقاصي، ممن لا تجمعه بهم إلاَّ رابطة المصالح والمنافع في غالب الأحيان.
 
وهو يمارس هذا الخلق عندما تقتضي الحاجة الدفاع عن الأمة، ويُصابر مصاعبَ الجهاد ابتغاءَ مرضاة الله - تعالى.
 
وهكذا نجد أنه لو لم يكن لهذا الخلق من منفعة سوى تهذيب النفس وتثبيتها وتعليمها الارتقاء إلى مستوى "البر" الذي يقتضي من صاحبه الأناة والتثبت، وأخذ الأمور أخذًا جِديًّا، لا تليق معه العجلة، ولا تستفزه الأهواء، ومن ثم ينظر إلى فرائض الشريعة على أنها ذرائع إلى مرضاة الله - تعالى - ووسائل نحو السعادة الأبدية، وينظر إلى أهواء النفس نظرةَ المستبصر الذي يعرف أنَّ أهواء النفس مصايدُ الشيطان، بل إنَّ متابعتها والاسترسال معها يؤدي إلى الهَلَكة المحققة في الدنيا قبل الآخرة، أقول: لو لم يكن لخلق الصبر عدا هذه المنفعة إذًا لكان لزامًا في قانون العقل وناموس الفضيلة التحلي به والاستماتة في مكابدة تكاليفه؛ ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].
 
وبعد هذه الجولة الطويلة تختم الآية بتقرير حقيقة مهمة: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾، فهؤلاء المتَّصفون بهذا الأوصاف الجليلة، والمتفاعلون معاليم الدين بهذا الشمول والتكامل (العقيدة، الشريعة، الأخلاق، العبادة)، هؤلاء هم وحدهم الذين صدقوا في التزام تعاليم هذا الدين، ومارسوه في الواقع؛ واقعهم النفسي، وواقعهم الاجتماعي، وهؤلاء هم وحدهم -كذلك - المتقون، وحسبك بهذا الختام.




[1] لم أعتبرْ هنا ورودها بمعنى الأرض؛ أي: "البَر" بالفتح.
[2] انظر السيوطي: "الدر المنثور بالتفسير بالمأثور".
[3] رواه الإمام مسلم في صحيحه.
[4] رواه الإمام مسلم في صحيحه.
[5] رواه الإمام مسلم في صحيحه.
[6] رواه البخاري في: "الصحيح".
[7] رواه أبو داود في: "سُنَنه".
[8] لا يجب أن تقول مثل هذه الآيات نزلت في يهود حين كتموا ما كتموا من أمر الرسول محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - فإن العبرة بعموم المعنى لا بخصوص السبب.
[9] رواه ابن ماجة في: "السنن".
[10] سأحاول هنا إعطاء فكرة عامة - ولو يسيرة - عن العقيدة والشريعة والأخلاق، دون الدخول في التفصيلات وضرب الأمثلة الكثيرة؛ لأن هذا الفصل ليس مخصَّصًا لذلك، بل يحتاج كلُّ قسم لكتاب على حدة، وأن عسى أن يأذن الله - تعالى - يومًا للحديث عن نظام العقيدة والشريعة والأخلاق في الإسلام بشكل مفصل، والله الموفق.
[11] قد ورد حديث منسوب للنبي الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلاَّ أنه ضعيف، وإن كان مجموع طرقه يقوي بعضُها بعضًا ، وورد موقوفًا على ابن عباس – رضي الله عنهما - كذلك من طريق صحيح، والله أعلم.
[12] رواه الإمام مسلم في الصحيح.
[13] هذا الاستغفار خاصٌّ بالإنسان المسلم.
[14] قال بعضهم: الطرق إلى الله بعدد أنفاس بني آدم، وهذا حق؛ لأن قائله بعني به تعدد الطرق داخل المنهج الإلهي، أو قُلْ - إن شئت -: الطرق الفرعية، كما نجد بعض الناس أعظم معالم علاقته مع الله: الصلاة، وبعضهم الصيام، وبعضهم تلاوة القرآن، وآخرون الجهاد، وغيرهم الصدقة، وإن كان ذلك لا يعني أنهم تاركون لغيرها من المعالم الرئيسة في المنهج الرباني، ومن ثم فقولي هنا أعني به: وحدانيَّة الطرق من حيث إطارها الكلي لا الجزئي، والله أعلم.
[15] رواه الإمام أحمد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حديث شريف عن الخلق الحسن   الجمعة 30 سبتمبر 2016, 9:33 pm

منزلة الخلق الحسن في الإسلام

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسَّلام على رسول الله صل الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
الأخلاق الحسنَة هي واجِهة المسلِم؛ فالمسلم ذو الخُلُق الرَّفيع سفير للدَّعوة إلى الإسلام، والتحلِّي بمكارم الأخلاق له مآلات حميدة، وعواقب محمودة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34]، ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63]، وعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال: "كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا استفتح الصَّلاةَ كبَّر، ثمَّ قال: ((إنَّ صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمرتُ وأنا من المسلمين، اللهمَّ اهدني لأحسَن الأعمال وأحسنِ الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، وقِني سيِّئ الأعمال وسيِّئ الأخلاق لا يَقي سيِّئها إلَّا أنت))؛ (النسائي، وصححه الألباني)، وعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: ((إنَّ الله تعالى جميلٌ يحبُّ الجمال، ويحبُّ معالِيَ الأخلاق، ويَكره سفسافها))؛ (صححه الألباني).
 
الخُلُق الحسَن في الإسلام له مَنزلة رَفيعة، ومكانَة عالِية، ولقد بيَّن الرسولُ الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك في بيان قيِّم يقتدي به المحسنون، ويسير على نَهجه المسلمون، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله صل الله عليه وسلم: ((إنَّما بُعثتُ لأُتمِّم صالحَ الأخلاق))؛ (صححه الألباني).
 
والشريعة الإسلاميَّة لم تَكتفِ ببيان ظاهر الأخلاق في التعامل مع الغير، بل وتمَّ بيان الأسس الرَّاقية للتخلُّص من الأخلاق المذمومة الباطِنة، التي قد لا يطَّلع عليها الناسُ، والتي قد يُظهِر صاحبُها خِلاف ما يُبطِن، فالمسلِم مأمور بتجنُّب الحسد والحقد، والغيبةِ والنميمة، وبالتخلِّي عن كلِّ النقائص، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: ((لا تَباغضوا، ولا تَقاطعوا، ولا تَدابروا، ولا تَحاسدُوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا كما أمركمُ الله، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يَهجُر أخاه فوق ثلاثة أيَّامٍ))؛ (صححه الألباني).
 
وفي السنَّة النبوية توضيح لكلِّ الأخلاق الحسَنة؛ لكي يتعهَّد فعلها المسلم، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: ((إياكم والجلوسَ في الطُّرقات))، فقالوا: ما لنا بدٌّ، إنَّما هي مجالسُنا نتحدثُ فيها، قال: ((فإذا أبيتم إلَّا المجالس، فأعطوا الطريقَ حقَّها))، قالوا: وما حقُّ الطريق؟ قال: ((غضُّ البصَر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر))؛ (البخاري).
 
والخُلُق الحسَن له أجرٌ كبير، فعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: ((مَا من شيءٍ يوضَعُ في الميزان أثقلُ من حُسن الخُلق، وإنَّ صاحب حُسن الخُلق لَيبلُغُ به درجة صاحب الصَّوم والصَّلاة))؛ (الترمذي، وصححه الألباني)؛ ولذا يَجب علينا التمسُّك بالأخلاق الحسنة، واحتساب أجرها، والتقرُّب إلى الله تعالى بملازمتها، ومواجهة نَزغ الشَّيطان واستثارة النَّفس لمخالفة النَّهج القويم الذي أَمر به الله تعالى ربُّ العالمين، قال الله تعالى: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53].
 
والمتدبِّر في آيات الله تعالى سيجد حافزًا ثريًّا للحرص على ذلك، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83]، وفي الحديث الشريف تَوجيهٌ عظيم لكلِّ أمور الخير؛ فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: ((لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه))؛ (البخاري)، والمؤمن يحبُّ أن يعامِلَه الغير بطريقة حسنة؛ ولذا يجب عليه المبادرة بتقديم ما يَحب أن يتحصَّل عليه.
 
نسأل اللهَ الكريم أن يَجعلنا من ذَوي الأخلاق الحسنَة التي ترضِي الله ربَّ العالمين.
 
والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صل الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اتَّبعه بإحسان إلى يوم الدين.



الحث على الخلق الحسن



إنَّ الحمد لله، نحمَده ونستَعينه، ونستَغفره ونستَهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهَدُ أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.
 
أمَّا بعد: فيا أيها الناس:
اتَّقوا الله الذي لا بُدَّ لكم من تَقواه، فإنَّ مَن اتَّقَى الله وَقاه، وهي التي لا يقبل الله غيرها، ولا يَرحَم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، وإنها خير الزاد في الدنيا والآخِرة، وهي خَلفٌ من كلِّ شيء وليس منها خلف، وقد تَكَفَّل الله لأهلها بالنَّجاة ممَّا يحذرون، والرزق من حيث لا يحتَسِبون، وشرْح الصدور بتيسير الأمور، ووضْع الوزر، ورفْع الذكر، وأنها من أكرم ما أسرَرتُم، وأزيَنِ ما أظهَرتُم، وأفضل ما ادَّخرتُم، فاجعَلُوه إلى كلِّ خيرٍ سبيلاً، ومن كلِّ شرٍّ مهربًا، جعلَنِي الله وإيَّاكم من المتَّقِين المحسِنين؛ فإنَّ الواعظين بها كثير والعاملين بها قليل.
 
أيها المسلمون:
كثيرًا ما يَرِدُ في الكتاب والسنَّة الجمعُ بين تقوى الله وحسْن الخلق، وذلك - والله اعلم - للتنبيه على أنهما متلازمان لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخَر، فتقوى الله شجرةٌ وحسن الخلق ثمرةٌ، وهي أساس وهو بناء، وهي سرٌّ وهو علانية، وحيث انتَفَى حسن الخلق انتَفَت التقوى، وضعفُه دليلٌ على ضعفِها؛ فهو برهانها والدليل عليها، والشاهد الصادق لها، يذكر الله -تعالى- المتقين في مواضع من كتابه فيصفهم بأحسن الأخلاق، ويُبَرِّئ ساحتهم من النِّفاق وسيِّئ الأخلاق، ويذكر - سبحانه - أهلَ البر والإحسان، فيصفهم بالتقوى وعظيم الخشية من الملك الأعلى، ويبيِّن ما لهم عندَه من الخير في الآخرة والأولى.
 
وكان - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يجمع بينهما في وَصاياه، وذلك من سنَّته الثابتة وهُداه، أوصى - صل الله عليه وسلم - معاذًا - رضي الله عنه - فقال: ((اعبد اللهَ ولا تُشرِك به شيئًا))، قال: يا رسول الله، زدني، قال: ((استَقِم، ولتحسن خلقك)).
 
وقال - صل الله عليه وسلم - لأبي ذر: ((أوصيك بتَقوَى الله في سرِّك وعلانيتك، وإذا أسَأتَ فأَحسِن...))، الحديث.
 
وسُئِل - صل الله عليه وسلم -: ما أكثر ما يُدخِل الناسَ الجنَّة؟ قال: ((تقوى الله وحسن الخلق)).
 
وقال - صل الله عليه وسلم - لأبي ذرٍّ - رضِي الله عنه -: ((اتَّقِ الله حيثما كنت، وأَتْبِع السيِّئة الحسنة تَمحُها، وخالِقِ الناسَ بخلقٍ حسن)).
 
ذلكم يا عباد الله لأنَّ الخلق الحسن من خِصال التقوى، ولا تتمُّ إلا به، فإذا رزَقَ اللهُ العبدَ التقوى وحسن الخلق فقد منَحَه القِيام بحقوقه وحقوق عِبادِه، وبذلك يَفُوز العبد بمحبَّته ومعيَّته ونصره، والأمن من عذابه، والفَلاح برِضاه وكريم ثوابه؛ فإنَّه سبحانه يحب المحسنين: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128].
 
وقال في ثواب المتقين المحسنين: ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 136].
 
أيها المسلمون:
ولقد جاء عن النبي - صل الله عليه وسلم - من الحثِّ على الخلق الحسَن والوصيَّة به - ما يدفع كلَّ ذي دينٍ قويم وعقلٍ سليم إلى التخلُّق به والمنافَسة فيه؛ طمعًا في فوائده، وانتِظارًا لكريم عوائده، في الدنيا والآخرة؛ ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26].
 
وفي ميدانه فليستَبِق المتسابِقُون: ﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 61].
 
وفي الصحيحين عن النبيِّ - صل الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ من خِيارِكم أحسَنكم خلقًا)).
 
وفي "صحيح مسلم" عنه - صل الله عليه وسلم - قال: ((البرُّ حُسنُ الخلق)).
 
وفي الترمذي قال - عليه الصلاة والسلام -: ((ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يومَ القيامة من خلقٍ حسن؛ وإنَّ الله يُبغِض الفاحِش البَذِيء))، وفي رواية: ((وإنَّ صاحب حسن الخلق لَيبلُغُ به درجة صاحِبِ الصوم والصلاة)).
 
وقال - صل الله عليه وسلم -: ((أكمَلُ المؤمنين إيمانًا أحسَنُهم خلقًا، وخِيارُكُم خِيارُكم لأهلِه))، وفي رواية: ((لنسائهم)).
 
ورُوِي عنه - صل الله عليه وسلم - قال: ((أحبُّ عباد الله إلى الله أحسَنُهم خلقًا)).
 
ورُوِي عنه - صل الله عليه وسلم - أنَّه قال: ((إنَّ هذه الأخلاق من الله - تعالى - فمَن أراد اللهُ به خيرًا منَحَه خلقًا حسنًا)).
 
ورُوِي عنه - صل الله عليه وسلم -: ((إنَّ الخُلُقَ الحسن يُذِيبُ الخَطايَا كما يُذِيبُ الماء الجليد)).
 
أيها المسلمون:
ويَكفِي المسلم في الرَّغبة في الخلق الحسن، وجِهاد نفسه على التخلُّق به، والبعد عن ضدِّه - أنَّ الله - تعالى - أثنى على نبيِّه - صل الله عليه وسلم - بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، مع قوله - سبحانه -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].
 
فأكمَلُ المؤمنين إيمانًا بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأعظمهم اتِّباعًا له، وأسعدهم بالاجتماع معه - المتخلِّقُون بأخلاقه المتمسِّكون بسنَّته وهديِه؛ قال - صل الله عليه وسلم -: ((أنا زعيمُ ببيتٍ في أَعلَى الجنَّة لِمَن حَسُنَ خلقه)).
 
وقال - صل الله عليه وسلم -: ((إنَّ من أحبِّكم إلَيَّ وأقربكم منِّي مَجلِسًا يومَ القيامة أحاسِنكم أخلاقًا)).
 
فاتَّقوا الله أيها المؤمنون، وتخلَّقوا بالأخلاق الحسنة لعلَّكم تُفلِحون؛ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281].
 
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 69 - 70].
 
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفَعَنا جميعًا بما فيه الآيات والذِّكر الحكيم.
 
أقول قولي هذا وأستَغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم من كلِّ ذنب، فاستَغفِروه يغفر لكم إنَّه هو الغفور الرحيم.
 

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، وبه نستعين، وأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
 
أمَّا بعد:
فقد ورد في "مسند الإمام أحمد" - رحمه الله - عن النبي - صل الله عليه وسلم - أنَّه قال: ((إنَّ الله - سبحانه - قسم بينكم أخلاقَكُم كما قسم بينكم أرزاقَكُم، وإنَّ الله يُعطِي الدنيا مَن يحبُّ ومَن لا يحبُّ، ولا يُعطِي الدين إلا مَن يحبُّ، فمَن أعطاه الله الدين فقد أحبَّه)).
 
فأخبر - صل الله عليه وسلم - أنَّ الناس مُتفاوِتون في الأخلاق كما أنهم مُتفاوِتون في الأرزاق، وتضمَّن ذلك حثَّ كلِّ مؤمن أنْ يجتهد في التخلُّق بالخلق الحسن، كما يجتهد في طلب الرزق بالمباح من المِهَن، وما أُعطِي أحدٌ عطاء خيرًا وأفضل من خلق حسن يدلُّه على الصَّلاح والتُّقَى، ويردعه عن السَّفاه والفساد والرَّدى، والمتحلون بمحاسن الأخلاق هم أفضَلُ الناس على الإطلاق.
 
أيها المسلمون:
حسن الخلق يُمنٌ، وسوء الخلق شؤمٌ، والخلق الحسن ينحَصِر في فعْل المرء ما يجمِّله ويزينه، واجتِناب ما يُدنِّسه ويشينه، وقال بعض السَّلَف: هو فعْل الفرائض والفضائل، واجتِناب مُنكَرات الأخلاق والرَّذائل، وبعضُ الناس حينما يسمَع بحسن الخلق يظنُّه مقصورًا أو مقصودًا ببشاشة الوجه وطيب الكلام، وهذا نوعٌ - ولا شك - من مكارم الأخلاق بالاتِّفاق، ولكنَّه لا يحصرها على الإطلاق، بل حسن الخلق أعمُّ وأشمل من هذا كلِّه، وهو ما وصَف الله به عبدَه ورسولَه ومُصطَفاه، ونبيَّه وخليلَه ومُجتَباه، محمدًا - صل الله عليه وسلم - بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].
 
ولقد بيَّنَتْ أمُّ المؤمنين عائشة - رضِي الله عنها - خُلُقَه العظيم، وفسَّرَتْه حينما سُئِلَتْ عن خلق النبيِّ - صل الله عليه وسلم - فقالت: "كان خُلُقه القرآن"؛ أي: يتأدَّب بآدابه، ويأتمر بأوامره، وينتَهِي عن نَواهِيه، ثم قرَأَتْ: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199].
 
فأمَرَه ربُّه بأنْ يُعطِي مَن حرَمَه وأنْ يصل مَن قطَعَه، وأنْ يعفوَ عمَّن ظلَمَه.
 
ومن حسن خلقه - صل الله عليه وسلم - أنَّه يصل الرَّحِم، ويحمل الكلَّ، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويُعِين على نَوائِب الدهر، ويغيث ذا الحاجة الملهوف.
 
أيها المسلمون:
من حسن الخلق برُّ الوالدين وصِلَة الأرحام، والتودُّد إليهم بوسائل الإكرام والاحترام، حتى يُودع في قلوبهم محبَّته، والثناء عليه والدعاء له، ورضا الله من رضا الوالدين، والوالد أوسط أبواب الجنة؛ سُئِل النبيُّ - صل الله عليه وسلم - عن أكرم الناس فقال: ((أتْقاهم للرب، وأوصَلُهم للرَّحِم، وآمرُهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر)).
 
فبرُّ الوالدين وصلة الأرحام مع أنها من مَحاسِن الأخلاق فإنها سعة في الأرزاق، وبركةٌ في الأعمار، ومحبَّة في الأهل، وسببٌ لدخول الجنة والنجاة من النار، فالواصل موصولٌ بكلِّ خير، والقاطع مقطوعٌ من كلِّ بر، وليس الواصل بالمُكافِئ، ولكنَّ الواصل الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُه وصَلَها.
 
ومن حسن الخلق الإحسانُ إلى الجيران، وإيصال النَّفع إليهم، والعطف عليهم، والإحسان إليهم، ومعاشرتهم بطيب الوفاق وكرم الأخلاق، ومَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخر فليُحسِن إلى جاره.
 
ومن حسن الخلق إفشاءُ السلام على الخاص والعام، وطيب الكلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نِيام، فقد بشَّر النبي - صل الله عليه وسلم - مَن كان كذلك بدخول الجنة بسَلاَم.
 
ومن حسن الخلق أنْ تُسَلِّم على أهل بيتك إذا دخَلتَ عليهم، وهذه سنَّة مشهورةٌ، وقد أصبحت عند كثيرٍ من الناس اليومَ مهجورة، مع أنها بركةٌ على الداخل المسلم وأهل بيته كما بيَّن ذلك النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.
 
ومن حسن الخلق معاشرة الزوجة بالإكرام والاحترام، وبَشاشَة الوجه وطيب الكلام؛ قال - صل الله عليه وسلم -: ((خيرُكُم خيرُكُم لأهلِه؛ وأنا خيرُكُم لأهلي)).
 
ومن حسن الخلق مُعاشَرةُ الناس بالحَفاوَة والوَفاء، وترك التنكُّر لهم والجَفاء، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، والنصيحة لهم، فذلك من أهم أخلاق الإيمان والدِّيانة.
 
ومن حسن الخلق استِعمالُ النظافة في الجسم والثِّياب، وفي المنزل، فإنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال، طيِّب يحبُّ الطيب، نظيف يحب النظافة، وإنَّ الله إذا أنعَمَ على عبده نعمةً يحبُّ أنْ يرى أثَرَها عليه.
 
﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].
 
عباد الله:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].
 
فاذكُرُوا الله العظيمَ الجليلَ يذكُركم، واشكُرُوه على نِعَمِه يزدكم، ولَذِكرُ الله أكبرُ، والله يعلَمُ ما تَصنَعُون.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حديث شريف عن الخلق الحسن   الجمعة 30 سبتمبر 2016, 9:34 pm

حديث: البر حسن الخلق، والإ‌ثم ما حاك في نفسك...


67- عن النوَّاس بن سمعان - رضي الله عنه - عن النبي - صل الله عليه وسلم - قال: ((البرُّ حُسن الخلق، والإ‌ثم ما حاك في نفسك، وكرِهت أن يطَّلع عليه الناس))؛ رواه مسلم.

شرح الحديث:
(البر): كلمة تدل على كثرة الخير.
 
(حسن الخلق)؛ أي: حسن الخُلق مع الله، وحسن الخلق مع عباد الله، فأما حسن الخلق مع الله، فبأن تتلقى أحكامه الشرعية بالرضا والتسليم، وألا‌ يكون في نفسك حرَجٌ منها، ولا‌ تَضيق بها ذرعًا، فإذا أمرك الله بالصلا‌ة والزكاة والصيام وغيرها، فإنك تقابل هذا بصدر منشرحٍ.
 
وأيضًا حسن الخلق مع الله في أحكامه القدرية؛ حيث يأتيه ما يُحزنه في ماله أو في أهله، أو في نفسه أو في مجتمعه، والذي قدَّر ذلك هو الله - عز وجل - فتكون حسن الخلق مع الله، وتقوم بما أُمرت به، وتَنزجر عما نُهيت عنه.
 
أما حُسن الخلق مع الناس، فقد سبق أنه بذْلُ الندى وكفُّ الأ‌ذى، والصبر على الأ‌ذى وطلا‌قة الوجه.
 
وهذا هو البر، والمراد به: البر المطلق، وهناك برٌّ خاص كبرِّ الوالدين مثلاً،‌ وهو الإ‌حسان إليهما بالمال والبدن والجاه، وسائر الإ‌حسان.
 
وهل يدخل بر الوالدين في قوله: (حسن الخلق)؟
فالجواب: نعم يدخل؛ لأ‌ن بر الوالدين لا‌ شك أنه خُلق حسن محمود، كل أحد يَحمَد فاعله عليه.
 
(والإ‌ثم ): هو ضد البر؛ لأ‌ن الله - تعالى - قال: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ... ﴾ [المائدة: 2].
 
(الإ‌ثم ما حاك في نفسك)؛ أي: تردَّد وصِرت منه في قلقٍ، (وكرِهت أن يطَّلع عليه الناس)؛ لأ‌نه محل ذمٍّ وعيب، فتجدك متردِّدًا فيه، وتَكره أن يطَّلع الناس عليك، وهذه الجملة إنما هي لمن كان قلبه صافيًا سليمًا، فهذا هو الذي يَحيك في نفسه ما كان إثمًا، ويَكره أن يطلع عليه الناس، أما المتمردون الخارجون عن طاعة الله - الذين قسَت قلوبهم - فهؤلا‌ء لا‌ يبالون، بل ربما يتبجَّحون بفعل المنكر والإ‌ثم؛ فالكلا‌م هنا ليس عامًّا لكل أحد، بل هو خاص لمن كان قلبه سليمًا طاهرًا نقيًّا، فإنه إذا همَّ بإثم - وإن لم يعلم أنه إثمٌ من قِبَل الشرع - تجده متردِّدًا يكره أن يطلع الناس عليه، وهذا أَمارة وليس بقاعدة؛ أي: علا‌مة على الإ‌ثم في قلب المؤمن.
 
من فوائد الحديث:
1- أن النبي - صل الله عليه وسلم - أُعطي جوامع الكلم، يتكلم بالكلا‌م اليسير وهو يحمل معانيَ كثيرة؛ لقوله: ((البر حُسن الخلق))، كلمة جامعة مانعة.
2- الحث على حسن الخلق، وأنك متى أحْسَنت خُلقك، فإنك في برٍّ.
 
فإن قال قائل: وهل البر ينافي الغضب لله - عز وجل - يعني: لو غضِبت على إنسان وشَددت عليه، فهل ذلك ينافي البر وحُسن الخلق؟!
الجواب: إن ذلك لا‌ ينافي حسن الخلق، بل هذا من حسن الخلق؛ لأ‌ن المقصود به التربية والتوجيه، فهو من حسن الخلق؛ ولهذا كان النبي - صل الله عليه وسلم -‌ لا ينتقم لنفسه، لكن إذا انتُهكت محارم الله - عز وجل - كان أشد الناس فيها.
 
3- إن المؤمن الذي قلبه صافٍ سليم، يَحيك في نفسه الإ‌ثم وإن لم يعلم أنه إثمٌ، بل يتردَّد فيه؛ لقوله: ((والإ‌ثم ما حاك في نفسك))، وهو يخاطب النوَّاس بن سمعان وأمثاله، وموقف الإ‌نسان إذا حاك في نفسه شيء - هل هو إثم أو غير إثمٍ؟ - أن يدَع هذا حتى يتبيَّن؛ لقوله - صل الله عليه وسلم -: ((دعْ ما يَريبك إلى ما لا‌ يَريبك)).
 
ولا‌ تتجاسر، فتقع في الشُّبهات، ومن وقَع في الشبهات، فقد وقع في الحرام؛ كما ثبت ذلك عن النبي - صل الله عليه وسلم.
 
4- إن الرجل المؤمن يكره أن يطَّلع الناس على آثامه؛ لقوله: ((وكرهت أن يطلع عليه الناس))، أما الرجل الفاجر المتمرد، فلا‌ يَكره أن يطلع الناس على آثامه، بل من الناس مَن يفتخر ويُفاخر بالمعصية؛ كما يوجد في الفسَقة الذين يذهبون إلى بلا‌د كلها فجور وخمور، ثم يأتي مفتخرًا، فيتحدث أنه فجَر بكم امرأة، وأنه شرِب كم كأسًا من الخمر، فتكون السيئة عنده حسنة، ويكون مستهينًا بأحكام الله - عز وجل - ومثل هذا يُستتاب، فإن تاب وإلا،‌ قُتِل؛ لأ‌ن هذا من أعظم السخرية بدين الله - عز وجل - يأتي يتبجَّح بما وصفه الله بأنه فاحشة كالزنا، ويأتي يتبجح بشرب مَن لعَن النبي - صل الله عليه وسلم - شاربه، فأين الدين؟ وأين الإ‌يمان؟

وإذا عومِل مثل هذا بما يستحق، ارتدَع كثير من الناس عن مثل هذه الأ‌مور، والله المستعان، والله أعلم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
حديث شريف عن الخلق الحسن
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: الدين والحياة :: السيرة النبوية الشريفة-
انتقل الى: