منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 د.عبد اللطيف عربيات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: د.عبد اللطيف عربيات   الخميس 8 ديسمبر 2016 - 1:35

د.عبد اللطيف عربيات

الحلقة الأولى
عربيات: عشائر الأردن شاركت بجميع ثورات فلسطين



محمد خير الرواشدة


عمان - تبدأ "الغد" اليوم بنشر سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع الدكتور عبد اللطيف عربيات، الذي سيستذكر محطات ومفاصل من حياته الدراسية والمهنية والسياسية.
وفي خط زمني منتظم يسترسل عربيات في الحديث مع "الغد" عن تفاصيل حياته منذ تفتح وعيه على العمل التنظيمي مع جماعة الإخوان المسلمين، والفرص التي أتيحت له لالتقاء علماء ومفكرين أسسوا لفكر الجماعة.
وفي الحلقة الأولى من حلقات "سياسي يتذكر" يقدم عربيات جانبا من تفاصيل حياته الاجتماعية في مدينة السلط ودراسته الابتدائية والثانوية، التي تزامنت مع أحداث النكبة الفلسطينية العام 1948.
ويكشف عربيات اليوم عن تفاصيل قصة استضافة والده لعائلة من اللاجئين الفلسطينيين في منزلهم، بعد أن خصص لهم جانبا من بيت العائلة، وكيف أن العلاقة بين العائلتين ماتزال مستمرة حتى يومنا هذا.
وينقل عربيات في الحلقة الأولى صورة عن واقع مرور الجيوش العربية من السلط باتجاه فلسطين، ويستذكر بطولات لشخصيات أردنية في الحرب ضد الإسرائيليين، ويصف كيف كان الناس يصطفون على جنبات الطريق لتحية المجاهدين.
وعن تلك الفترة يقول عربيات إن الأهالي كانوا يقدمون التبرعات المجزية لتحضير المقاتلين من الأردن والكتائب العربية القادمة من سورية والعراق ولبنان، وكانت تجمع التبرعات النقدية ومصاغ النساء الذي كان يقدم بكميات كبيرة.
واليوم يكشف عربيات عن الأسباب التي دفعت به لتأجيل دراسة الصف السابع (الأول الإعدادي) حتى يتمكن من مساعدة والده رحمه الله في ترميم منزل العائلة، إلا أن هذا القرار كان سببا في غضب أساتذته عليه، ما دفع بواحد منهم للتوجه إليه وإعطائه مبلغ رسوم التسجيل ظنا منه أنه لا يملك ثمن الرسوم الدراسية، إلا أن عربيات شرح ظروفه، وأعاد السنة الدراسية بعد ذلك ونجح بتفوق.
وفي سياق تلك المرحلة يروي عربيات عن جوانب سياسية واجتماعية أثرت وعي الأجيال، كان على رأسها النكبة الفلسطينية العام 1948، ووحدة الضفتين ثم الانتخابات النيابية العام 1949، وما بعدها من انتخابات، ووضع الدستور الأردني العام 1952، وما تضمنه من رسم هوية الأردن من أنه جزء من الأمة العربية، والإسلام دين الدولة وحقوق المواطنين وواجباتهم وحرية تشكيل الأحزاب وفق قانون العام 1955 والاجتماعات العامة العام 1953، وقدوم معلمين أردنيين من الجامعات العربية المحيطة، وهم يحملون أفكاراً ومبادئ حزبية واضحة وصريحة مع أجواء مبادئ الحريات الدستورية وغيرها.
كل ذلك شكل أوساطاً سياسية واجتماعية وتطلعات فكرية واضحة ومحدودة. كما أن المناطق العربية المحيطة كانت تموج بالانقلابات العسكرية والتحركات السياسية الفكرية والعقائدية كما هي أجواء المنطقة بكاملها، التي هزها الاحتلال الصهيوني لفلسطين العام 48.
* لا بد لنا من بدايةٍ نوضح فيها جانبا من بيئتك الاجتماعية، التي أثرت بك، وشكلت وعيك، خصوصا وأنكم كجيل كامل عشتم ظروفا مختلفة عن ظروف أجيال كثيرة جاءت بعدكم، لنبدأ من هناك؟
- أنتمي إلى عائلة من الطبقة المتوسطة في مجتمع السلط؛ فوالدي هو سليمان سالم سليمان العيد، وهذا أبو الفخذ من أفخاذ عشيرة العربيات المعروفة بالسلط. ووالدتي هي آمنة حسن الهواري الحياري وهذه من كبريات عشائر السلط المعروفة، ووالدتي تنتمي بنسبها أيضاً إلى أخوالها عشيرة أبو حمور المعروفة أيضاً، كما ينتمي والدي بنسبه أيضاً إلى أخواله آل الساكت المعروفين في السلط والأردن.
كان عند والدي رحمه الله عائلة مكونة من ثمانية ذكور وابنة واحدة، وهي أصغرنا وهم: محمد ومحمود ويوسف وعبدالفتاح وعبدالحليم (وأنا السادس)، وأحمد وعبدالقادر والشقيقة شومة، وقد تُوفِّيت أختي البكر واسمها أميرة وهي طفلة، كما توفي أخ أصغر مني واسمه عبدالكريم.
كان والدي رحمه الله يعمل في الزراعة ويستأجر الأرض فوق ما عنده من ملك ويشتغل عنده عمالٌ في الفلاحة، بالإضافة إلى معونة أولاده.

* عشت ظروف النكبة، وتبعاتها، وكان لك في تلك المرحلة ذاكرة متصلة حتى يومنا. نحتاج أن نعرف عن طبيعة مشاعرك تجاه ذلك المشهد، الذي عاشت السلط تداعياته المؤلمة، سواء في استقبال اللاجئين، أو حتى أجواء الحرب؟
- نكبة فلسطين العام 1948 هي نكبة للأمة بكاملها، وكما ذكر رئيس وزراء بريطانيا في العام 1907 في رسالته لرؤساء حكومات أوروبا: "إننا نسعى لإقامة كيان غريب في فلسطين تكون مهمته الأساسية فصل شرق البلاد العربية عن غربها، ويبقى معسكراً متقدماً لنا للسيطرة وإدارة شؤون المنطقة بشكل دائم".
وبريطانيا هي صاحبة وعد بلفور العام 1917 المشهور. المخطط ما يزال هو المخطط والمتابع لذلك بالتعاون مع دول أوروبا، ودخلت الولايات المتحدة اليوم لتدير المخطط وتنفذه.
كنت في الصف السادس الابتدائي عندما قدم إخواننا مهاجرين من فلسطين، والمحطة الأولى في الوسط كانت مدينة السلط، وكان معظم القادمين من الساحل الفلسطيني يافا وحيفا واللد والرملة، ولكن كانت عين كارم غرب القدس أكثر من جاء منها، إذْ سكن كثير منهم في السلط، وبعضهم مايزال يعيش فيها حتى اليوم. كانت دار الإخوان المسلمين في السلط مفتوحة ليلاً ونهاراً لاستقبال اللاجئين، وكانت مركزاً للاجتماعات من أجل جمع التبرعات وتنظيم الخدمات وتوزيع العائلات على بيوت أهالي السلط حتى يتم الاستقرار لهم، وكنا نحن الطلاب الصغار نساعد في الإرشاد في إيصال بعض القادمين إلى الأماكن التي خصصت لهم عند أهالي السلط.
وقد تم قبول الطلاب في مدرسة السلط الثانوية، ومنهم الدكتور إسحق فرحان من عين كارم الطالب في ذلك الوقت، والمهندس عوني الشاكر، والمهندس منير الكيلاني وكلاهما من يافا، وآخرون كثر، ولكنني أذكر هذه الأسماء للصلة المستمرة بهم حتى اليوم.
ومن الصدف أن طالباً لاجئاً قبل معنا في الصف السادس وهو كبير في السن ومتزوج، وكان يحضر معه أحياناً ابنه عيسى، ولكنه لم يستمر معنا لأسباب أخرى خاصة به، وأما إسحق وعوني ومنير فقد أنهوا الثانوية في السلط وكانوا من المتفوقين.

* وما كان نصيبكم من استضافة العائلات من اللاجئين، هل استضفتم في منزلكم أحدا منهم؟
- نعم؛ وأذكر أن والدي رحمه الله خصص قسماً من بيتنا لعائلة من يافا كانت عائلة أبو خالد، وسكنوا معنا عدة سنوات، ثم انتقلوا بعدها إلى الزرقاء. كان خالد فني سيارات، وعمل في الزرقاء، ووالدته وأخوه خميس وأخته الصغرى أصدقاء لنا، والصغيرة عندهم أصبحت اليوم صاحبة محل ملابس نسائية لبيع الألبسة الشرعية في صويلح، والزيارات بيننا ما تزال قائمة.
كانت مشاركة أهالي شرقي الأردن فيما يجري في فلسطين واضحة وقوية، فمنذ ثورة العام 1936 شارك الكثير من أهالي السلط والبلقاء وعموم عشائر الأردن في ثورات فلسطين، والمؤتمرات الإسلامية التي كانت تعقد في بيت المقدس من أجل نصرة فلسطين.
كما شارك العديد من أبناء السلط في الثورة قبل العام 1948، وكانت أسماؤهم تتردد في قصائد الأفراح والمناسبات العامة ومنهم: أحمد النجداوي، وعبدالرزاق أبو هزيم، وعلي العبويني، وحسين الرجا العربيات، وغيرهم كثير.

* بالتأكيد نرغب في الاستزادة حول الجانب الإنساني لتداعيات النكبة، خاصة أن السلط كانت طريق الجيوش المحاربة، والسؤال هنا عما تحمله ذاكرتك حول تلك الأحداث؟
- في حرب العام 1948، كانت السلط المعبر الرئيسي إلى فلسطين، وكانت كتائب المناضلين وفي مقدمتها كتائب الإخوان المسلمين في الأردن وسورية ولبنان والعراق تمر من السلط، ويقف الناس على طول الطريق للتحية والتشجيع، وكانت تجمع التبرعات النقدية ومصاغ النساء الذي كان يقدم منهن بكميات كبيرة. كما كانت تمر من السلط كتائب الجيش العراقي ويقف أهالي السلط على طول الطريق المار من السلط لتحيتهم وتشجيعهم.
كانت كتائب الإخوان تجهز وتلتحق بالمجاهدين في فلسطين، وفي مقدمتهم كتيبة الإخوان المسلمين في الأردن بقيادة المرحوم عبد اللطيف أبو قورة رئيس جماعة الإخوان المسلمين، والمرحومين ممدوح الصرايرة وهارون الجازي وغيرهم من القادة الذين قادوا كتائب المتطوعين هناك. وكان بجانبهم كتائب الإخوة من سورية ولبنان بقيادة المرحوم الدكتور مصطفى السباعي المراقب العام، ومجموعة الإخوان في العراق بقيادة المرحوم الشيخ محمد محمود الصواف. كل ذلك كان بجانب كتائب الإخوان في مصر، أولئك الذين جندوا الآلاف للالتحاق بالمجاهدين في فلسطين، وكان لطلاب الجامعات دور كبير، ومن القادة كامل الشريف والقائد أحمد عبدالعزيز الذي تمركز في صور باهر في القدس، وكيف أن كتائب الإخوان في مصر ساعدت وحمت مؤخرة الجيش المصري، ويشهد لهم الجيش المصري وبتضحياتهم. كانت مشاركتهم وتحريك الشعب المصري لهذا الهدف هو السبب الرئيسي لاستشهاد المرحوم الأستاذ البنا رحمه الله في شباط العام 1949.
كانت تعقد في الأردن دورات تدريبية للشباب الذين يريدون الالتحاق بالمجاهدين في فلسطين، وتجمع لهم الأموال والأسلحة بشكل فردي، وبعضهم يلتحق بطريقته الخاصة. وأذكر هنا نموذجاً حياً لرجل مؤمن من عامة الناس، ولكن عقيدته وصفاء نواياه وصدقها جعلته يتصرف بطريقته الخاصة، ألا وهو المرحوم أحمد الدوجان الحياري، كان رحمه الله فلاحاً عادياً وكان ذا قدرة فائقة على القنص، وكان يحضر بعض تدريبات المجاهدين الذاهبين إلى فلسطين ويتشوق للذهاب معهم، وكان يشاركه في حضور تدريبات واجتماعات يقيمها المجاهدون في كتائب الإخوان المرحوم أحمد محمد عربيات.
في أثناء الحرب كان المرحوم أحمد الدوجان يحصد القمح في منطقة القسام الغربي جنوب السلط حيث يسكن، وكان يسمع أصوات المدافع في القدس وهي مقابلة له ويراها بالعين المجردة، وكان كثير التحدث عن الجهاد، فهزه ما سمع ورأى أثناء قيامه بالحصاد ما يجري في القدس، فقرر الجهاد وترك ما بيده، من منجل الحصاد، وذهب إلى أهله، وودعهم وحمل بندقيته وأخذ طعامه الفردي ومشى على قدميه ليلتحق بالمجاهدين في القدس مشياً على الأقدام.
التحق أحمد الدوجان بكتيبة للمجاهدين في منطقة الشيخ جراح في القدس، وقد شكا المجاهدون من مركز إطلاق نار عند العدو أنه يصيد كل من يمر بالطريق في منطقة الشيخ جراح، قام رحمه الله برصد مصدر النار، وعرف أن هناك برجاً فيه فتحة تخرج منها النار، فأخذ موقعه بالجهة المقابلة وعند إطلاق أول طلقة من المكان المذكور ضربه طلقة واحدة فأسكتت المصدر نهائياً، وتبين فيما بعد أن فتاة يهودية هي التي تطلق النار من الاستحكام المذكور، وبطلقة واحدة قتلها في الوقت المناسب، ليخمد مصدر النار رحمه الله، واستمر يحارب في منطقة القدس لمدة ثلاثة أشهر حتى انتهت الحرب، وعاد إلى أهله بعد وقف القتال في القدس.
هذه قصة سقتها كمثال حي على طبيعة الأشياء في الأردن والبلاد العربية المحيطة، فكان الإنسان يقوم بواجبه، إما في الكتائب الجهادية التي يقوم عليها المخلصون من أبناء الأمة ويذهب للجهاد أو يتصرف بطريقته الخاصة كما عمل المرحوم أحمد الدوجان الحياري وأمثاله، فكان القرار فردياً وحراً، ولا يوجد حدود ولا سدود تعوق الإنسان الذي يريد القيام بواجبه نحو أمته ومقدساته.

* طفولتك مع تلك الأحداث، بدأت معها دراستك في مدرسة السلط الثانوية، فكيف شكل هذا المزيج بين العاطفة والدراسة وتأثير كل ذلك، توجهك السياسي المبكر في الانخراط مع جماعة الإخوان المسلمين؟
- أنشئت مدرسة السلط الثانوية في بدايات عشرينيات القرن العشرين، وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة في شرقي الأردن لما يقارب ربع قرن. كان الطلاب من كل أنحاء الأردن بما فيها عمان العاصمة يكملون دراستهم الثانوية فيها. 
قدَّر الله لي الدراسة في هذه المدرسة من الصف الأول الابتدائي إلى نهاية المرحلة الثانوية المترك، التوجيهي اليوم، وبدأت الدراسة فيها في العام الدراسي 1923-1924 وقد تم تشييدها من قبل أهالي السلط، حيث لا حكومة مستقرة، وبصورة فريدة من حيث التخطيط والتنفيذ، إذ كانت التبرعات تقدم من كل أبناء السلط، ومن كل الطبقات، ومن لم يستطع التبرع بالمال كان يقدم نفسه للعمل باليد وتقديم الخدمات التي تتطلبها عمليات البناء، وكان التخطيط من اختيار الموقع وإعداد مخططات البناء من أناس قادرين ومؤهلين، ويذكر منهم المرحوم أديب وهبة رحمه الله، كان الحجر والبلاط مميزاً فالحجر الأصفر من السلط، والبلاط الملون من يافا، والهندسة وتوزيع الخدمات من مستوى متقدم ما يزال صالحاً حتى اليوم وبصورة جيدة، وكان المعلمون فيها من كل بلاد الشام: سورية ولبنان وفلسطين بالإضافة إلى الأردن، كما جاء معلمون من العراق ومصر وحتى من الهند لتعليم اللغة الإنجليزية.
كانت الدراسة من الصف الأول الابتدائي حتى نهاية الصف السابع تسمى المرحلة الابتدائية، وكان يجري فيها امتحان عام (مترك/ ابتدائي)، ولا يقبل في المرحلة الثانوية إلا من ينجح في هذا الامتحان. كان للمدرسة ساحتان: واحدة للمرحلة الابتدائية وهي الساحة الجنوبية، وأخرى للمرحلة الثانوية وهي الساحة الشمالية، كما كان هناك مدير للمرحلة الابتدائية وآخر للمرحلة الثانوية وهو المدير العام للمدرسة.
كنا ونحن في المرحلة الابتدائية ننظر إلى طلاب المرحلة الثانوية كأنهم أساتذة لنا، خصوصا أنهم كانوا من كل أنحاء الأردن، ولباسهم مهندم. وتُلْقى في الصباح الكلمات الصباحية واحدة في الساحة الشمالية للمرحلة الثانوية، وأخرى للمرحلة الابتدائية في الساحة الجنوبية، وكان عدد الطلاب يقارب الألف وأحياناً ألفاً ومئتين، وكنا نذهب إلى الملعب الكبير لإجراء التمرينات والألعاب الرياضية، ومنها الألعاب السويدية لمدة ربع ساعة ثم نخرج بصفوف على الساحتين المذكورتين كل حسب مرحلته، وتُلقى الكلمات وندخل إلى الصفوف بانتظام وبإشراف المعلمين والمدير المختص.
كان اليوم المدرسي يشمل الفترتين؛ الصباحية والمسائية، ففي الصباح تبدأ الحصة الأولى الساعة الثامنة، ونهاية الرابعة الثانية عشرة والنصف، مع مدَّة ربع ساعة بعد الحصة الثانية، وبعد الحصة الرابعة، نذهب للغداء ونعود في الواحدة والنصف ونأخذ حصتين أو ثلاث حصص، وننتهي في الرابعة والنصف. كما كان هناك نشاطات ثقافية ورياضية تستمر حتى السابعة والنصف أحياناً، فكنا نقضي في المدرسة ما يقارب الاثنتي عشرة ساعة في كثير من الأحيان. إضافة إلى ذلك، كان هناك نشاط الكشافة الذي يضاف إلى نشاطات المدرسة الأخرى، وكانوا يذهبون في رحلات كشفية مدرسية إلى العراق وسورية ولبنان وغيرها، ويساهمون في العروض المختلفة في كثير من المناسبات الوطنية.
أردت بهذا الوصف الموجز لصورة الدراسة في مدرسة السلط الثانوية التي لم تكن تستوعب كل من هو في سن التعليم في ذلك الوقت، أن أبين أن الدراسة كانت ذات قيمة ومعنى ومستوىً حياتياً، وكانت الدراسة فيها مقدَّرة ومحترمة؛ معلماً وطالباً وبيئة مدرسية، فالمدرسة مركز شعاع حقيقي ومديرها كان من المستويات المقدرة في المدينة وعلى مستوى الأردن كله، وكذلك المعلمون لهم مكانتهم في مدينة السلط، ويقومون بنشاطات ثقافية وعلمية مرافقة فوق التدريس الصعب، وكانت مشاركتهم في الحياة العامة الاجتماعية والسياسية ملحوظة، بقيادة المظاهرات والاجتماعات والمساهمات حتى في الأعمال الزراعية، إذ كانت هناك عطلة الربيع لمدة أسبوعين، يقوم الطلاب فيها بمساعدة أهلهم في الزراعة والمساهمة في أداء واجبات بيتية يخطط لها قبل ذلك.
إن واقع المدرسة كان إعداداً حياتياً متقدماً بالنسبة لواقع الأردن، فالكل يقدر المسؤولية، وللمدرسة دور متميز ومنتج، ومن يتخرج من الثانوية العامة كان يجد العمل الذي أعد له في أي موقع من مواقع العمل الوظيفي، المدني أو القوات المسلحة؛ لأن الحاجة كانت قائمة لبناء مؤسسات الدولة وفي جميع القطاعات ومن الأساسيات الأولى.
كان القسم الابتدائي في المدرسة حتى نهاية السابع الابتدائي، كما ذكرت سابقاً، وينتهي بامتحان عام (مترك) في نهاية المرحلة الابتدائية، وكان بإمكان الطالب إعادة الامتحان مرة أخرى إذا لم ينجح في الصف السابع في تلك السنة أو أكمل، ومن أجمل الذكريات عندي حتى اليوم تلك التي أشعر أن الله سبحانه وتعالى قد وفقني باتخاذ القرار فيها هي موافقتي مع والدي رحمه الله على تأجيل تقديم امتحان السابع (المترك) للسنة التالية، وملخص القصة هو، أن والدي رحمه الله كان مريضاً بالقلب وكان معظم إخوتي الكبار في أعمالهم خارج البيت إلا عبدالفتاح الذي كان يعمل بالفلاحة ويدير شؤونها، وكنا نسكن في بيت فلاحي كبير وأمامه غرفة. كان البيت بحاجة إلى صيانة وإعادة ترتيب، وخشي والدي أن يسقط سقفه أو بعضه إن لم تجر له هذه الصيانة، وهو يحتاج إلى من يساعده في هذه العملية، ففكر بي أن أكون بجانبه، قال لي: ما رأيك لو أجلت امتحان (المترك) للعام القادم وتساعدني في عمل صيانة، لاحظت أنه يقرأ في وجهي ردة الفعل، وكان متردداً في هذا السؤال، فأجبت وبدون تردد أو تذمر: لا مانع أنا جاهز، وفعلاً وقفت بجانبه في تلك العملية وكان سروره كبيراً ويدعو لي دائماً، وكان يستشيرني في الأمور كلها أكثر من أي فرد من إخوتي.
ما أزال حتى اليوم أشعر بحلاوة طاعتي له، وأشعر بتوفيق الله سبحانه لي في أموري جميعاً.
وهذه القصة كانت سببا في غضب أستاذي جريس شرايحة مني عندما سأل المدير الأستاذ علي سيدو الكردي الصف من لا يرغب منكم بتقديم امتحان المترك، فرفعت يدي، فجاءني الأستاذ جريس وقال: أنزل يدك، أنت من الناجحين المضمونين، وأخرج من جيبه مبلغ دينارين ونصف (رسم التسجيل) وقال: خذ هذا إذا لم يكن معك الرسم، فأخرجت من جيبي الرسم وقلت له شكراً يا أستاذي هذا الرسم في جيبي، وإنما عندي ظرف خاص، فقال: سأضع عليك إكمال إنشاء إنجليزي حتى لا تنفصل من المدرسة تبعا للنظام في ذلك الوقت.
في العام التالي قدمت الامتحان ونجحت وانتقلت إلى المرحلة الثانوية وأنهيت الصف الثانوي الأخير العام 1954 ودراستي في الثانوية كانت أمتع أيام حياتي الدراسية واعتبرتها أثمن مرحلة في حياتي للإعداد الحياتي وبناء الشخصية.
واجهنا في المرحلة الثانوية ظروفاً وأحداثاً سياسية واجتماعية، ألهبت الواقع الاجتماعي والسياسي في الأردن، ومن هذه الأحداث نكبة العام 1948، وتبعتها وحدة الضفتين ثم الانتخابات النيابية العام 1949، وما بعدها من انتخابات، ووضع الدستور الأردني العام 1952، وما تضمنه من رسم هوية الأردن من أنه جزء من الأمة العربية، والإسلام دين الدولة وحقوق المواطنين وواجباتهم وحرية تشكيل الأحزاب وفق قانون العام 1955 والاجتماعات العامة العام 1953، وقدوم معلمين أردنيين من الجامعات العربية المحيطة، وهم يحملون أفكاراً ومبادئ حزبية واضحة وصريحة مع أجواء مبادئ الحريات الدستورية وغيرها.
كل ذلك شكل أوساطاً سياسية واجتماعية وتطلعات فكرية واضحة ومحدودة. كما أن المناطق العربية المحيطة كانت تموج بالانقلابات العسكرية والتحركات السياسية الفكرية والعقائدية كما هي أجواء المنطقة بكاملها، التي هزها الاحتلال الصهيوني لفلسطين العام 48.
عربيات في "الحلقة الثانية" غدا
• مجلس النواب في الخمسينيات كان يتابع ويمارس صلاحياته في الرقابة
• الطلاب ثم المعلمون ثم العمال كانوا أكثر المنتسبين إلى دار الإخوان في الخمسينيات 
• نفذنا إضرابا ومظاهرة ومسيرة نحو عمان احتجاجا على اعتداء اليهود على منطقة أم الرشراش وضد حكومة الراحل سمير الرفاعي التي لم تردّ على المعتدين
• خلال مسيرة احتجاجية لعمان لحقت بنا سيارات عسكرية ووزعوا على الطلاب ما معهم من خبز وماء
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الخميس 8 ديسمبر 2016 - 1:37

عربيات: الوعي السياسي الأردني بالخمسينيات كان متوقدا

يأخذنا السياسي المخضرم رئيس مجلس النواب الأسبق، والقيادي في حركة جماعة الإخوان المسلمين د.عبد اللطيف عربيات بالحلقة الثانية من "سياسي يتذكر"، إلى بدايات انتظامه بالجماعة خلال فترة الخمسينيات التي كانت تمور بالعمل السياسي، مدفوعة بأجواء نكبة فلسطين العام 1948. ودور مركز "الإخوان" في السلط بنشر الوعي والتثقيف في المدينة.
ويتطرق عربيات في هذه الحلقة للمنافسة التي احتدمت بين "الإخوان" وحزب التحرير، والمناظرات التي أقيمت من أجل إثبات كل طرف لوجهة نظره، وكيفية انسحاب الشيخ تقي الدين النبهاني من "الاخوان" لتأسيس حزب التحرير الذي عاب على "الإخوان" طريقتهم في العمل، ووصفها بأنها "فاشلة"، وأن الطرق الانقلابية وليست التربوية هي التي توصل إلى الهدف في تحقيق وتطبيق شرع الله في المجتمع.
 كما يلقي عربيات، الضوء، على نوعية المدرسة في ذلك الوقت، مبينا أن الطلبة كانوا يدا واحدة، يقررون ما يشعرون بصحته، ويمارسون تلك القناعات على أرض الواقع عملا سياسيا وطنيا دفاعا عن الثوابت. 
ويروى عربيات العديد من الأحداث التي شهدتها تلك الفترة، والتي توضح أهمية المعلم والطالب، مسهبا بشرح تفاصيل مسيرة طلابية دعا إليها معلمون، وكيف أقبل الطلبة على التعامل مع القضايا والهموم العربية، وتحديدا القضية الفلسطينية.
ويتوقف عربيات مطولا عند محطة مهمة من ذكرياته، متعلقة بدور مجلس النواب في الخمسينيات من القرن الماضي، حيث أكد أن المجلس أخذ مسؤولياته الرقابية على محمل الجد، وتمسك بكامل صلاحياته الدستورية.
ويشير عربيات إلى أن مجلس النواب تمسك بكامل صلاحياته الدستورية، بعد أن طالبت لجان نيابية بإعادة فتح التحقيق بالمسيرة الطلابية الحاشدة التي انطلقت تنديدا بالاعتداء الإسرائيلي على قرية أم الرشراش، في حين أن معلمين شيوعيين كانوا يريدونها احتجاجا ضد قرارات حكومة سمير الرفاعي الأولى.
ويرصد عربيات الفارق بين ما كانت عليه المدارس في ذلك الوقت وما وصلت إليه في أيامنا هذه.
وفيما يلي نص الحلقة:
*نحتاج إلى التعرف أكثر إلى البيئة السياسية في السلط خلال مرحلة دراستك الأولى، وكيف كان العمل السياسي؟ هل كان ضمن مؤسسات وتنظيمات، أم كان الأمر يخضع لاجتهادات شخصية، وتأثركم بأشخاص لا أفكار؟
- كان في السلط في نهاية الأربعينيات وأوائل الخمسينيات مركزان فكريان، هما جماعة الإخوان المسلمين، ونادي جلعاد الذي أصبح اسمه فيما بعد نادي الاتحاد. الأول كان للاتجاه الإسلامي، والثاني للاتجاه القومي واليساري، وكنا نحضر الكثير من المحاضرات والندوات في كلا المركزين.
كنت في الصف السابع الابتدائي عندما استمعت في دار الإخوان المسلمين لمحاضرة للشيخ تقي الدين النبهاني وكان معه المحامي داود حمدان. شرح لنا يومها ما هي دعوة الإخوان المسلمين، وسألنا إن كنا قرأنا رسائل الأستاذ حسن البنا، وشرح لنا بعضها، وأشاد بوضوح هذه الدعوة. 
من يومها، بدأنا نتردد على دار "الإخوان"، ونحضر المحاضرات، كما كنا نمارس بعض النشاطات الرياضية التي كانت متوفرة مثل كرة الطاولة.
أذكر أن بعض المسؤولين في دار "الإخوان" وضعوا إعلاناً عندهم يمنع دخول طلاب الابتدائي للدار، ويومها كنت في السابع الابتدائي، فتجمعنا نحن طلاب السابع ودخلنا الدار محتجين على هذا القرار، وقابلنا بعض المسؤولين وشرحنا لهم الأمر، فألغوا القرار وعدنا إلى الدار بقرار جديد.
كنا نحضر محاضرات لإخوة مصريين، مثل المرحوم سعيد رمضان، والمرحوم عبدالحكيم عابدين، وأحمد العسال، ويوسف القرضاوي، وكنا معجبين بهم كثيرا.
وأذكر أن المرحوم سعيد رمضان التقى طلاب المدرسة في دار "الإخوان"، ومن السُّنة كان التعارف، فيقف كل واحد ويذكر اسمه وصفته أو وظيفته، فكنت واحداً من الذين عرف بنفسه أمامه، وبعد عام عاد إلينا، وجلسنا في المكان نفسه، ونحن داخلون إلى المكان، قابلته، وقبل أن أقول كلمة واحدة، قال لي: "إزيك يا عبداللطيف"! وكان رحمه الله من أهل الذكاء الحاد والذاكرة والقدرة الخطابية المتميزة.
كانت دار "الإخوان" جاذبة لكل الناس؛ مسلمين وغير مسلمين، طلاباً وغير طلاب، وأذكر أن مدير المدرسة الثانوية أصدر أمراً يمنع الطلاب الذهاب إلى النوادي والجمعيات بما فيها دار "الإخوان"، فاحتج الطلاب في ساحة المدرسة، وأذكر من الخطباء المحتجين الطالب حبيب الزعمط، وهو مسيحي، وكان يقول: إذا منعونا من دخول دار "الإخوان" فأين نذهب؟ كما أذكر الأستاذ الشاعر سليمان المشيني، وهو مسيحي أيضا، كان يتردد على الدار باستمرار، وسمعته مرة يسأل: كم قيمة الانتساب والاشتراك السنوي؟ فقالوا له: خمسة عشر قرشاً، فأخرج المبلغ من جيبه وقال هذا اشتراكي من الآن.
أذكر، أيضا، الأستاذ المشيني وهو يخطب في دار "الإخوان" وفي المسجد المجاور ترحيباً بالأستاذ المرحوم حسن الهضيبي المرشد العام عندما زار الأردن، وزار السلط العام 1954.
كان أكثر المترددين على دار "الإخوان" الطلاب والمعلمون، وكان من أقدم رؤساء "شعبة الإخوان" المرحوم الشيخ عبد الحليم زيد الكيلاني، والمرحوم الصيدلاني عبدالحليم بدران، والمرحوم المهندس يحيى الخطيب، ومن أكثر النشطاء المرحومون منصور الحياري وسليمان عربيات وحسين الحياصات، وعبدالكريم الخطيب وعبداللطيف الصبيحي.
ومن المعلمين الذين كانوا يترددون على الدار المرحومون حسن البرقاوي، وشوكت تفاحة، ومحمد الرجا المسعود، وجميل شاكر الخانجي، وأمين زيد الكيلاني، وغيرهم.
كان ترتيب أعداد المنتسبين إلى دار "الإخوان" في الخمسينيات؛ اولا الطلاب، إذ كان العدد كبيراً، والطلاب هم طلاب المرحلة الثانوية إذ لم يكن يومها في الأردن أي جامعة، وعدد قليل من معاهد المعلمين أو كليات المجتمع كما تسمى اليوم، وكان هناك اتحادات للطلاب غير معترف بها رسمياً، وأغلبها في يد الإسلاميين، والفئة الثانية كانت من المعلمين، إذ انتشرت دعوة "الإخوان" بينهم في الضفتين، وكان رئيس اتحاد المعلمين المنتخب في الضفتين العام 1954 هو الأستاذ عبد خلف داودية، وكان يومها معلماً في كلية الحسين بعمان.
وأذكر آنذاك، أن وزير التربية أنور نسيبة، ألقى كلمة بالمعلمين في كلية الحسين باحتفال عام، ووقف داودية المعلم في مدرسة كلية الحسين ليناقشه بجرأة كبيرة. فقال له الوزير: "أهكذا يخاطب الوزير من قبل معلم"؟! فرد عليه داودية قائلا: "أنا معلم وأمثل المعلمين في الضفتين، وأنت وزير، ولولا المعلمون والطلاب لما كنت وزيراً".
الفئة الثالثة في حجم المنتسبين لـ"الإخوان" كانت فئة العمال، إذ سيطر "الإخوان" على نقابة العمال العامة في الخمسينيات، حيث كان المرحوم حسن علي رشيد هو نقيب العمال في الأردن، وكان رئيساً لنقابة العمال في منجم الفوسفات في الرصيفة، وهناك قسم للعمال في كل شعبة من شعب "الإخوان".
كانت أقسام المعلمين والطلاب والعمال هي الأقسام الرئيسة في كل شعبة من شعب "الإخوان "من حيث العدد والنشاط، وكان قسم الجوالة من الأقسام المهمة أيضاً؛ إذ كانت المعسكرات الكشفية تعقد في الضفتين، والزيارات المتبادلة والتدريبات الميدانية يحضرها أعداد كبيرة يتم فيها التعارف على مستوى الضفتين، إذ كان التعرف على المبادئ الكشفية وممارستها في مراكز التدريب يتم فيها معرفة المناطق والأشخاص؛ لما لذلك من فوائد في الإعداد القيادي والتدريبي على المعيشة في أجواء المخيمات الكشفية.
فئات الموظفين وأفراد العشائر وشيوخها من الفئات التي كان لها دور مهم أيضاً، فكنت أرى التجار والموظفين من مختلف الوزارات والمحامين والأطباء والمهندسين وغيرهم من أبناء العشائر والتجار، فكانت بحق تمثيلاً حقيقياً لفئات المجتمع ومن مختلف الأعمار.
هذا هو الجو والمناخ الذي كنا نجده في دار "الإخوان"، ويعرف كل منا الآخر بالأسرة والكنية والرحلة والزيارة، إذ كنا نقوم كأفراد في شعبة السلط بزيارات لإخواننا في شعبة إربد مثلاً، ونستمع إلى المحاضرات، وكان إخواننا يوزعون إخوانهم الضيوف على بيوتهم ويتم التعارف الأسري كذلك.
قبل عام، تقريباً، ذكر لي الأخ الدكتور أحمد البشايرة أن حصته من الضيوف إلى إربد المرحوم أخي عبد الحليم، وأخذه إلى بيته في قريته، وما يزال يذكر تلك الزيارة حتى اليوم.

* ألم تختلط عليكم الاتجاهات بعد أن انخرطتم في الجماعة، خصوصا أن تلك الفترة شهدت مماحكات واضحة بين "الاخوان" وحزب التحرير، في ذلك الوقت هل كنت مع الإخوان تنظيميا، أم كنت مراقبا لذلك المشهد خلال سنوات دراستك الابتدائية؟
- ذكرت أن أول من عرفني بدعوة "الإخوان" هو المرحوم الشيخ تقي الدين النبهاني وكان معه المرحوم المحامي داود حمدان، الذي أعطانا محاضرة في دار "الإخوان" في السلط عن الدعوة الإخوانية، وشرح لنا مزاياها، وبعض رسائل البنا. وبعد أقل من عام من ذلك التاريخ، بدأ الإخوان يتحدثون عن حزب التحرير برئاسة الشيخ تقي الدين. وتبين لنا أن حزب التحرير جذب إليه بعض الإخوان من السلط ومنهم: المرحومان أحمد عربيات، ومحمد الحديدي، وكانا أكبر منا وأقدم في الدعوة، وإذا بالشيخ عبد العزيز الخياط، أحد خطباء "الإخوان" الكبار أيضاً يلتحق بحزب التحرير.
في ذلك الوقت، بدأت حوارات ونقاشات حادة بين أفكار الحزب الجديد التي تعيب على الإخوان طريقتهم بإحداث التغيير المطلوب وتصفها بالفاشلة، مؤكدة أن الطرق الانقلابية وليست التربوية هي التي توصلنا إلى أهدافنا في تحقيق وتطبيق شرع الله في المجتمع.
بدأنا نسمع من عمان من إخواننا المسؤولين أنهم عرضوا على الشيخ النبهاني أن يصبح رئيساً لـ"الإخوان" في الأردن، ولكنه رفض وقال: إن طريقتكم لا توصل إلى الهدف، وأن طلب النصرة والوصول إلى الحكم هو الطريق الصحيح، وإن الطريقة التربوية التدريجية غير مجدية.
انتشر حزب التحرير في الضفة الغربية أكثر من الضفة الشرقية من الأردن، وأصبحت حلقات النقاش بين مؤيدي كل طرف والطرف الآخر تعقد في الطرقات والبيوت وساحات المدارس.
أذكر أن نقاشاً حضرته في مطلع الخمسينيات بين مجموعتين من الإخوان وحزب التحرير دارت فيه كلمات "مفاهيم مغلوطة، الوصول إلى الحكم غير محدد لديكم، وصار لكم ايها الإخوان أكثر من عشرين عاماً ولم تصلوا إلى الحكم". فسألت المتحدث: "تعيبون علينا أننا لم نصل للحكم خلال عشرين عاماً، أما أنتم فكم تقدرون من الزمن حتى تصلوا إلى الحكم؟ فنظر إلى ساعته وقال: ستة أشهر! فقلت له: بارك الله فيك ونحن بالانتظار".
بعد سنوات قليلة، بدأت تخبو فترة الحماسة الشديدة، وانسحب من حزب التحرير بعض الأسماء المشهورة من مثل الشيخ عبدالعزيز الخياط، والشيخ عز الدين الخطيب، والشيخ أسعد التميمي، وأحمد عربيات، وغيرهم كثير.
قيل وقتها عن ذهاب شباب من حزب التحرير لمقابلة المرحوم سيد قطب، وعرضوا عليه أفكارهم وأساليبهم في الدعوة، فقال لهم رحمه الله: ستنتهون من حيث بدأ "الإخوان".
حزب التحرير انتشر خارج الأردن وفي العالم، ولكن بعد ستين عاماً على إنشائه لم يحقق ما عابه على " الإخوان". وهناك قصص رويت عن الأسباب والدوافع لنشوء هذا الحزب، ولا أريد أن أخوض بها، ويبقون إخواناً لنا، نختلف معهم في الأسلوب، ونتفق معهم في الهدف.

* بين أوراقك التي اطلعت عليها، كانت هناك قصة لاعتداء اليهود على المرشرش (أم الرشراش) العام 1951. هل نستطيع ذكرها هنا أيضا، خصوصا أن فيها جانبا شيقا عن حراك الطلاب في تلك الفترة؟
- بعد نكبة فلسطين العام 1948 ووحدة الضفتين العام 1950، كان الوعي السياسي متوقداً وجاهزاً للتجاوب مع أي حدث يقع في الأردن أو في المنطقة. كما كان لدينا معلمون حزبيون من خريجي الجامعات في المنطقة مثل الجامعة الأميركية في بيروت والقاهرة، التي تخرج منها أردنيون حزبيون مثل عيسى مدانات، الشيوعي القديم، وإبراهيم الطوال، شيوعي أيضاً، وإبراهيم العايد بعثي، وعلي خريس بعثي، وغيرهم.
شاع بين الطلاب خبر اعتداء اليهود على منطقة المرشرش بجانب العقبة بإطلاق النار على رعاة في المنطقة المحاذية، فقام بعض الطلاب بالدعوة إلى الاجتماع العام للطلاب في منطقة الميدان (أم عطية) في السلط، وقام طلاب بشرح أهداف الاجتماع وهي التظاهر في اليوم التالي ضد الاعتداء وضد الحكومة التي لم تردّ على اليهود المعتدين.
في الصباح بدأنا بالتجمع في ساحة الكراجات والتظاهر في شوارع المدينة، وقمنا بتنفيذ ما اتفقنا عليه وطفنا في الشوارع أكثر من مرة خلال أقل من ساعة، وهتفنا ضد اليهود والحكومة التي لم ترد عليهم. عند جولتنا الأخيرة عندما وصلنا منطقة كراجات خشمان، أي مقابل المركز الثقافي في السلط اليوم، شاهدنا الأستاذين إبراهيم العايد وعيسى مدانات في سيارة من نوع "فيات" صغيرة، وأشارا لنا باليد نحو عمان، فهتف بعض الطلاب: "على عمان، على عمان".
اتجهت المظاهرة نحو البياضة وطريق عمان، حيث قامت الشرطة بإغلاق الطريق على السيارات، التي لم تتمكن من التقدم إلى الأمام، ولذلك، أكملنا نحن الطلاب المظاهرة باتجاه عمان، وتخطينا أفراد الشرطة الواقفين على الطريق، وتابعنا مشياً على الأقدام، وبعضنا بقي يسير على الطريق العام في وادي الشجرة، وآخرون أخذوا الطريق المباشر عن طريق العامرية، وقلنا لبعضنا: اللقاء في منطقة السرو.
التقينا في السرو، عند بوابة جامعة عمان الأهلية اليوم، وقد أنهكنا التعب والجوع، والجميع مُصر على الوصول إلى عمان للتظاهر ضد الحكومة هناك. مرت بنا سيارة (بك أب) قادمة من البقعة إلى السرو ومن ثم إلى عمان، فقفز بها بعض الطلاب ومنهم أخي عبدالحليم، رحمه الله. وعند وصولهم إلى عمان كان بانتظارهم أبو المطيع، حكمت مهيار، قائد شرطة عمان، فأعادهم في أول سيارة ذاهبة إلى السلط.
في تلك الأثناء، لحقت بنا بعض سيارات الجيش فيها خبز وماء، ووزعوا على الطلاب ما عندهم من خبز وماء، وقالوا: "يا شباب يستحيل الوصول إلى عمان، فها هي أصبحت عصراً". عندها، اتفقنا أن نعود إلى السلط وغداً "يفرجها الله". وفعلاً عدنا إلى السلط، إما سيراً على الأقدام أو في السيارات التي عادت إلى السلط من عمان. وهكذا مر ذلك اليوم المتعب ونحن على الطريق بين السلط وعمان.
عدنا إلى المدرسة في اليوم التالي، وبدأت تصلنا أخبار وتحليلات عن أسباب المظاهرة والمسيرة الحقيقية، واختلفت الروايات حول ذلك. وبعد يوم أو يومين دعانا مدير المدرسة، وكان الأستاذ محمد سالم الجنيدي رحمه الله، وقال لنا: "يا شباب إن بعضكم مطلوب إلى دار المتصرفية؛ من أجل التحقيق معكم عن سبب الإضراب، وأوصيكم أن تذكروا مدرستكم بخير ولا تنسوها". هذا كل ما قاله المدير، رحمه الله، وكان إنساناً مهذباً.
* هل كنت من الطلبة المطلوبين للتحقيق؟
- نعم، كنت واحداً من الذين طُلبوا للتحقيق في دار المتصرفية، المحافظة اليوم. ذهبت إلى هناك، فناداني شرطي وأدخلني في غرفة فيها طاولة وكرسي، والمحقق يجلس على الكرسي الآخر خلف الطاولة. سألني: ما اسمك؟ فأخبرته باسمي. فسألني: هل شاركت بالمظاهرة؟ قلت له: نعم، وتابعت: بسبب عدوان اليهود على المرشرش وعدم رد الحكومة على الاعتداء. قال: وأين تقع المرشرش؟ قلت له: في منطقة العقبة.
واستمر المحقق بالأسئلة: من الذي دعاكم؟ فأخبرته عما تم من اجتماعات وقرارات، فقال: هل أنت مقتنع بذلك؟ قلت له: نعم. فسأل: هل تعرف شيئاً عن الوزارة وتشكيلها؟ وتابع: سمِّ لي بعض الوزراء؟ قلت له: فلان وفلان كما أذكر. قال: هل لك اعتراض على الوزارة؟ قلت: فقط لأنها لم تردع اليهود.
ظل المحقق يسألني ويكتب ما أقول، وبعد التحقيق سألني: هل رأيت أحداً من المعلمين؟ فقلت: رأيت فلانا وفلانا في سيارة. قال لي: إذا سمحت وقع في نهاية الصفحة، فوقعت، وقال: شكراً مع السلامة.
في ما بعد، عرفنا أن الذي حقق معي هو المرحوم حسن الكايد، مدعي عام عمان آنذاك.

* كنت كطالب محسوبا على جماعة الإخوان، ودعاك للمسيرة أستاذ محسوب على الحزب الشيوعي هو عيسى مدانات، فهل كان الأمر مقبولا لدى قيادات وأعضاء الجماعة؟
- لقد سرت بعد ذلك إشاعات في المدرسة أن المظاهرة كانت بسبب خلل في تشكيل الحكومة، وكان رئيس الحكومة آنذاك الراحل سمير الرفاعي.
كما علمت من بعض الطلاب أن المحقق حسن الكايد، كان قاسياً مع بعض الطلاب، وأذكر كمثال الطالب سامي العمارين. ومضت مدة وسمعنا أن تحقيقاً وزارياً حصل مع بعض المعلمين، ومنهم الأستاذان المدانات والعايد.
بعد أسابيع، دعينا نحن الذين حقق معهم في المرة الأولى إلى المتصرفية، وكان الكايد جالساً على جنب وهناك محقق آخر وأظنه المتصرف. فقال: هل هذا توقيعك؟ قلت: نعم. قال: هل هذا خطك؟ قلت: لا. قال: أريد أن أقرأ عليك الشهادة التي أعطيتها، فإذا وجدت خطأ أو اختلافاً قل لي هذا خطأ. قرأ الشهادة، فقلت له: نعم، هذه شهادتي ولا زيادة ولا نقصان. فقال: شكراً، وقع مرة أخرى هنا، ففعلت ما طلب، لأفهم فيما بعد أن مجلس النواب طلب التدقيق وإعادة التحقيق، وقد شعرت أن المحقق الأول كان مسروراً من عدم تغيير شهادتي.
هذه القصة توضح أهمية المعلم والطالب، ودور مجلس النواب، وكيف أن كرامة المعلم والطالب كانت على درجة كبيرة من التقدير، وكيف أن مجلس النواب يتابع ويمارس صلاحياته في الرقابة، وكيف أن الشعور الوطني كان عالياً، وكيف أن الحكومة والجيش يشعران الطلاب أنهم مقدَّرون، وكيف يلحقون بهم في خارج المدينة ومعهم الماء والغذاء، وكيف أن طلاب المدرسة كانوا جميعاً يداً واحدة، يجتمعون ويقررون ما يشعرون بصحته، وأن قضاياهم واحدة، وكيف أن وحدة كلمتهم كانت في أعلى درجاتها.
هذا الذي افتقدناه اليوم في مدارسنا وجامعاتنا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الخميس 8 ديسمبر 2016 - 1:38

الحلقة الثالثة
عربيات: الانقسام بالسلط لم يكن على أسس عشائرية بل فكرية

يواصل رئيس مجلس النواب الأسبق والسياسي المخضرم القيادي في صفوف جماعة الاخوان المسلمين الدكتور عبد اللطيف عربيات سرد محطات من ذكرياته عن مرحلة الدراسة في مدينة السلط، وبدايات تعلقه بنشاطات الجماعة في مدينته ومسقط رأسه.
وفي الحلقة الثالثة من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" يتوقف عربيات عند تجربة الحياة الحزبية خلال خمسينيات القرن الماضي، التي شهدت حراكا حزبيا منظما. على أن الحالة الحزبية في تلك المرحلة شهدت صراعا فكريا بين الإسلام واليسار والقومية والعلمانية الغربية، حيث كانت تعمل في الميدان أحزاب تحمل هذه الأفكار، مثل: الإخوان المسلمين، حزب التحرير الإسلامي، والبعثيين والشيوعيين والقوميين العرب وغيرهم.
ويذكر عربيات أن اشتباكا بالأيدي وقع فعلا في مدرسة السلط الثانوية، وعلى خلفية المواقف السياسية للطلبة، ويقدم عربيات تفاصيل تلك المشاجرة التي شارك بها مع زملاء له ينتمون لجماعة الاخوان المسلمين.
لكن المفارقة التي يقف عندها عربيات في حلقة اليوم كانت رصده للفرق الكبير للتجربة السياسية بين عامي 1952 والعام 2016، فبعد أكثر من نصف قرن، يتساءل: كيف كنا وكيف صرنا، وكيف انحطت المبادئ والأفكار عند عامة الناس، ما الذي حدث؟ وما هي معاول الهدم التي تفعل فعلها في مجتمعاتنا!!.
وكان عربيات تطرق في الحلقة الثانية أمس إلى المنافسة التي احتدمت بين الجماعة وحزب التحرير، والمناظرات التي أقيمت من أجل إثبات كل طرف لوجهة نظره، وكيف أن الشيخ تقي الدين النبهاني انسحب من الجماعة من أجل تأسيس حزب التحرير الذي عاب على الإخوان طريقتهم في الوصول، ووصفها بأنها فاشلة، وأن الطرق الانقلابية وليست التربوية هي التي توصل إلى الهدف في تحقيق وتطبيق شرع الله في المجتمع.
* من المفاهيم التي تطرقت إليها في أوراقك الخاصة، كان هناك عنوان لافت، مضمونه يشير إلى أن العشائرية في الأردن وقفت إلى جانب فكر الأمة وعقيدتها. هل لك أن تفسر ذلك الآن؟
- مطلع خمسينيات القرن الماضي كان بداية عمل حزبي منظم، وصراع فكري بين الإسلام واليسار والقومية والعلمانية الغربية، وكانت تعمل في الميدان أحزاب تحمل هذه الأفكار، مثل: الإخوان المسلمين، حزب التحرير الإسلامي، البعثيين والشيوعيين والقوميين العرب وغيرهم، وكان يقود هذه التيارات المعلمون الذين درسَ أغلبهم في الجامعات الأميركية في بيروت وسورية والعراق ومصر، ولم يكن يومها في الأردن جامعة واحدة، وتصدر لحمل هذه الأفكار الطلاب في الثانوية، وفي مقدمتهم السلط والكرك وإربد وعمان.
حول الأردن كانت هناك حكومات وأحزاب وإذاعات وصحف تدعو إلى مثل هذه الثورات الفكرية، وتعززت بانقلابات في سورية ومصر، وتبنت هذه الانقلابات قوى عالمية، مثل: قوى الاشتراكية الدولية والرأسمالية العلمانية الغربية، وما تحمله من أفكار فصلت فيها بين الدين والقومية، وروجت للعلمانية المادية، وقادت عمليات التشكيك بقدرة الدين على حل مشاكل المجتمع، وبعضها قاد إلى التشكيك بمقدرة الأمة على النهوض من دون اللحاق بالتيارات الاشتراكية الإلحادية الشرقية أو العلمانية المادية الغربية.
هذه الأجواء الصاخبة في الفكر المتناقض والآيديولوجيات التي لا تلتقي على قواسم مشتركة، تجمع الطلبة على أسس نهضة الأمة وتحقيق أهدافها العليا. كل هذا شكل انقسامات وشروخاً حادة بين الطلبة.

* أنت تقصد أن المشاجرات التي كانت تحدث في مدرسة السلط بين الطلبة كانت على أساس سياسي، وليس لها اتصال بأي جانب اجتماعي عشائري جهوي؟
- لقد حصل فعلا في بعض الأحيان اشتباك بالأيدي داخل المدرسة الواحدة وخارجها، وأذكر أنه تصادف أن اختلى بعض الطلبة القوميين واليساريين بالأخ غالب أبو عبود، رحمه الله، وضربوه بسبب الخلافات الفكرية التي أشرت إليها، كان الحادث خارج المدرسة، وسجلت قضية في المحكمة وتوترت العلاقة بين الطلاب جميعاً في المدرسة، فمنهم بين مؤيد للأخ أبو عبود، ومطالب بالرد السريع، أو كانوا من التيار الآخر الذي لم يحرك ساكناً في حل المشكلة.
وبدأ الإسلاميون يتحفزون للرد وينتظرون سبباً للقيام بذلك. وقتها كان مدير المدرسة الأستاذ جريس القسوس، وطلب البعض من المدير التدخل في الأمر، فعلمت أنه قال: "هذه قضية خارج المدرسة، وهي في المحكمة". ولم يتدخل فعلياً لحل المشكلة.
توتر الجو الطلابي والكل ينتظر وقوع المشكلة بأي لحظة، وفي يوم الأربعاء 15-11-1951  وبعد الحصة الثالثة، خرج طلاب الصف الثانوي الأخير، وذهبوا إلى الغداء لعدم وجود معلم؛ لأن النظام كان فيه أربع حصص صباحية، ويوجد ساعة للذهاب للغداء والعودة إلى حصتين بعد الظهر. خرجت من صفي المقابل، وكنت في الصف قبل الأخير، ولحقت بالأخوين غالب أبو عبود، ورضوان حياصات، فرآني المدير وقال لي: "أين يا عبد اللطيف عندك حصة؟"، فقلت له: "لا أريد أن أحضر الحصة". والتحقت بالصف الذي خرج من المدرسة. وشككت من ساعتها أن المدير عرف أن هناك شيئاً يدبر.
أثناء عودتنا إلى المدرسة بعد الغداء، بحثنا الأمر؛ الأخ غالب والأخ رضوان وأنا، وقلنا: يجب أن نبدأ تحت أي عنوان، واتفقنا أن نبدأ في صف الأخوين غالب ورضوان، ويرد غالب ورضوان على الاعتداء أولاً، ثم بعدها يشارك الطلاب بشكل أو بآخر.
وفعلاً قبيل الحصة الخامسة تحرش الأخ رضوان بطالب من صفه يقف أمامه، فضربه وكانت إشارة الرد في كل المدرسة. يومها كان هناك مطر خفيف والطلاب في قاعة المدرسة المواجهة لمعظم صفوف المدرسة الثانوية، وقام البعض بإغلاق البابين الرئيسين، وكنا نرى الطلاب إما ضارباً أو مضروبا، حتى الأذنة كانوا منحازين لجانبنا. وكانت في جانبنا أعداد لا بأس بها، وبالمقابل كان العدد ليس بالقليل. تدخل المعلمون ومنهم عودة العمارين، وهو يحمل عصا يستخدمها للحجز بين الطلاب، وحاولت أخذها من يده، فقال لي: "روحي تخرج قبل أن أعطيك إياها"، فتركته وكانت بيننا صداقة وتقدير.
رأيت أحد الأساتذة يفتح باب المختبر ويخرج قضبان حديد استخدمها بعض الطلاب اليساريين، والمدير لم يكن وقتها في المدرسة، وهنا حللّ البعض أنه تأخر حتى لا يحضر المعركة. حاول الأستاذ علي خريس الاتصال بالشرطة، ولكن الإدارة كانت مغلقة، وفيها التلفون الوحيد، فقام بمساعدة البعض بخلع الباب والاتصال بالشرطة، وفعلاً اتصل وأخبرهم بما يجري.
في هذه الأثناء وصلت قوات الشرطة والدرك، ووجدوا أن الكل يشارك، فلا تعرف من المعتدي ومن المعتدى عليه، وكانت الغلبة للاتجاه الإسلامي إلى حد ما، ووقع بعض الطلبة من الطرف الآخر على الأرض مغمى عليهم، وضُرب بعض المعلمين الذين انحازوا للطرف الآخر، وتم كسر مجمع الزجاج على الطاولة الكبيرة التي بداخلها الكؤوس في وسط القاعة، كان في مقدمة الضاربين رضوان، وغالب، وإسحاق، وهاشم أبو عبود، وأنا، ومن الطرف الآخر، عز الدين الضرغام، وسالم عربيات، حيث أصيبا في هذه الحادثة.
ومباشرة قمنا بوضع  خطة: أن نتقدم بشكوى مسبقة بأننا المعتدى علينا. فقلت للأخ غالب: قدم الشكوى بأننا المعتدى علينا. وفعلاً، سجل ضباط الشرطة والدرك أن المشتكي غالب أبوعبود وجماعته، والمشتكى عليهم الطرف الآخر.
طلب ضباط الشرطة من المعلمين تسجيل المشاركين من الجانبين، ولاحظ الضباط أننا هادئون، والطرف الآخر هو الذي يشتم ويتوعد ويتهدد، فقاموا بضربهم ولم يفطن الطرف الآخر إلى الخدعة إلا متأخرين.
أخذوا من الطرفين حوالي ثمانين طالباً إلى سجن الدرك في مركز الفرسان، وجمعونا في باب إسطبل الخيل، وقال شاويش من الدرك: الكل يدخل الإسطبل. قلت له: "لا، نحن لا ندخل الإسطبل"، فحدثت مشادة كلامية بيننا وبين الشاويش.
حاول الطرف الآخر الرد علينا بخدعة في المقابل، فأوعزوا إلى بعضهم بالدخول حتى نتعرض نحن إلى اعتداء الدرك، فدخلوا وملأوا الإسطبل، فقلت للشاويش: امتلأ الإسطبل. فقال: أين يذهب الباقي؟ قلت له: إلى ساحة نادي الضباط. فقال: تعالوا معي.
أخذنا إلى الساحة، وفيها كراسي ومكان مشرف، وهو لا يعرف ما الذي حصل، حيث تجمع الطرف الآخر في الإسطبل، ونحن في ساحة النادي نجلس على الكراسي.
أذّن المغرب في تلك الأثناء، وبدأنا نتوضأ على حنفيات أحواض الخيل أمام الإسطبل، وقلت للأخ حسان بدران: أذِّن يا حسان، فوقف في باب الإسطبل وأذن بصوت عالٍ، وأصبحنا نسمع الصيحات من الداخل، وأصوات تقول: هذا أذان معركة بدر!
حين وصل الخبر إلى الأهالي، هرع أهل السلط، ومن جميع العشائر، إما استفساراً أو نصرةً لابن أو قريب، وتجمع الناس خارج الموقع الذي كنا فيه، وكان الصوت عالياً لنصرة الإسلاميين، وهتافات ضد الآخرين أو معهم، ولكن الغالب كان "نصرة لأهل الدين"، كما كانوا يعبرون عنها، ولم يظهر أي صوت عشائري ضد آخر، بل إما مع هذا الطرف أو الطرف الآخر، وهي انقسامات فكرية وعقائدية.
هذا ما أردت قوله إن السلط بعشائرها لم تنقسم عشيرة ضد عشيرة، بل فكرة ضد فكرة وهذا مثل نسوقه لما يجري اليوم في جامعاتنا مع الأسف الشديد.

* وعلى ماذا انتهت المشاجرة، من انتصر قضائيا؟
- عندما وصل وفد وزارة المعارف برئاسة الأستاذ وكيل الوزارة، ألقى كلمة في الجميع، وقال: بون شاسع، ثمانون طالباً من المدرسة إلى السجن! كيف يحدث هذا؟!
وجرى التحقيق، وتم إيقاف حوالي عشرة طلاب عن المدرسة كنت واحداً منهم، وبعد التحقيقات مع الجميع وبمشاركة بعض المعلمين، تم نقل ثلاثة إلى عمان، ووجهت إنذارات لآخرين كنت واحداً منهم.
كل المشاجرة كانت لتوضح الفكر السائد في ذلك الوقت وشدة الحماسة للمبادئ والأفكار الإسلامية والقومية السائدة آنذاك، وكيف أن مجلس الوزراء اجتمع اجتماعا، طارئاً لبحث الحادث، وأن أهالي السلط شاركوا وانحازوا للمبادئ وليس للعشائرية.
أقول ذلك؛ وبين العام 1952 والعام 2016 أكثر من نصف قرن، وأنظر كيف كنا وكيف صرنا، وكيف انحطت المبادئ والأفكار عند عامة الناس، وأتسأل ما الذي حدث؟ وما هي معاول الهدم التي تفعل فعلها في مجتمعاتنا!!.
بعد تلك الأحداث تم نقل مدير المدرسة الأستاذ جريس القسوس، وحلّ مكانه مدير ثانوية إربد يومها الأستاذ سيف الدين الكيلاني، وازداد زخم النشاط الطلابي في جميع المجالات زيادة ملحوظة سواء بالنشاطات المدرسية من ثقافية ورياضية واجتماعية، أو نشاطات خارج المدرسة بحضور النشاطات الثقافية والمهرجانات بالمناسبات الوطنية. كنا نذهب إلى عمان كثيراً لهذه الغايات، وللمشاركة بالمسيرات وغيرها.
في العام 1954 كانت أحداث مصر بين الإخوان والانقلابيين العسكر، وكان النشاط الشعبي في الأردن في أوجه، والطلاب كانوا عنصراً مهما في هذه النشاطات، كما كانت تجري انتخابات طلابية داخل المدرسة، وكنا نفوز فيها بدرجة كبيرة، كما كنا نساهم بالفرق المدرسية الرياضية، وكان معظم طلاب المدرسة يشاركون في هذه النشاطات. وعند تشكيل الفرق المختلفة، كان مدير المدرسة الجديد يأخذ رأينا مسبقاً في هذه التشكيلات؛ خوفاً من المعارضة للنشاطات.

* لدى جماعة الاخوان المسلمين أسلوب في التعامل مع فئة الشباب، ولعل المخيمات كانت فكرة لها جانب ترغيبي للشباب في المراحل المختلفة، ما هو دورك ومشاركتك في تلك المخيمات؟
- كانت إقامة المخيمات والمعسكرات الكشفية على أشدها، تقيمها الجماعة، وتحضرها كل مستويات الإخوان ومراكزهم الاجتماعية وشباب الدعوة من الطلاب والعمال والمعلمين.
كنا نعرف كل أنحاء الأردن من الضفتين عن طريق هذه المخيمات التي تعقد في مختلف المواقع، ففي السلط وعمان وإربد والكرك وغيرها في الضفة الشرقية، وفي القدس وأريحا والخليل ونابلس وجنين وغيرها في الضفة الغربية، وكان يحضر بعضها إخوان من مصر مثل: الشيخ القرضاوي والعسال، وعبد العزيز علي، وغيرهم.
أذكرُ في العام 1952 عقد مخيم إخواني كبير في وادي السلط بمنطقة "المكرفت"، وحضره كمحاضر رئيسي الشيخ يوسف القرضاوي، والأخ عبد العزيز علي، وهو من مصر أيضاً، وكان مدرباً عنيفاً، أدار المخيم بكل حزم واقتدار.
كنت يومها في السنة قبل الأخيرة في الثانوية، وذهبت والأخ الدكتور إسحاق فرحان، وكان طالباً أيضاً في ثانوية السلط، لزيارة المخيم القريب منا في وادي السلط، والذي يبعد عن المدرسة عدة كيلومترات فقط. ذهبنا والكتب المدرسية بأيدينا وبلباس المدرسة، ونحن نفكر بزيارة تعارف على إخواننا الذين جاؤوا من مختلف مناطق الأردن، ومنهم الإخوة محمد عبدالرحمن خليفة، ويوسف المبيضين، ومحمد وهبة، وغيرهم.
عند وصولنا إلى مدخل المخيم سألنا الحارس ماذا تريدون؟ قلنا زيارة المخيم. فأخبر قائد المخيم الأخ عبد العزيز علي، فجاء مسرعاً وسألنا بنبرة قوية ماذا تريدون؟ قلنا: نريد زيارة إخواننا. فقال: هكذا والكتب بأيديكم وبلباس المدرسة!!. ارموا الكتب وخذوا الأرض وازحفوا. فزحفنا على بطوننا فوق أرض كلها أشواك وحجارة خشنة، ودخلنا المخيم زحفاً، ثم أمرنا بالنهوض، وقال: الآن التحقا بإخوانكم وطبقا نظام المخيم.
كان ذلك المخيم من أمتع المخيمات، حيث كان الشيخ القرضاوي محاضراً دائماً، والإخوة الكبار يركضون أمامنا في الطابور، ويطبق علينا أشد أنواع التدريب والركض لمسافات بلغت عدة كيلومترات، حيث ركضنا وعلى دفعة واحدة من مكان المخيم إلى جسر وادي شعيب، الذي يبعد عنا عدة كيلو مترات، وفي مقدمة الصف الإخوة خليفة والمبيضين، وبقية كبار الإخوان.
كانت مدرسة متكاملة فكرية وروحية وجسمية وتقشف من الدرجة الأولى، وكنا بحاجتها، ولكن سرورنا كان بالغاً بما واجهناه في هذا المخيم الشهير.

* لا بد من تسليط الضوء هنا على بعض المواقف الطلابية التي تشير إلى طبيعة المرحلة وزخم الحراك، وتأثيره على وعي الطلبة؟
- فعلا؛ كانت تجري مناكفات ومساجلات مع الطلاب، وحتى مع المعلمين ومدير المدرسة. كانت مساجلات تجري حتى على الموضوعات الدراسية، مثل ما يقوله معلم الأحياء اليساري آنذاك عن داروين ونظريات النشوء والارتقاء، محاولا المس بدور الدين في الحياة، وكنا نرد عليه بالصف، ونحضر أطروحات للرد على تلك الآراء.
أذكر أننا كنا نعود إلى ما كتبه الإمام الغزالي في الرد على الدهريين، وكان معلم الأحياء يسارياً ولكنه غير مختص في المادة، وكنا نناكفه في القضايا العلمية، واشترطنا عليه في امتحان الشهرين أن لا يأتي بسؤال من المادة التي عليها الخلاف، وهددناه أننا سننسحب من الامتحان إذا وضع سؤالاً من المختلف عليها، ولكن يوم الامتحان وضع سؤالاً من الموضوعات التي كانت محل خلاف بيننا، وحسب الوعد انسحبت من الصف ولم يلحق بي أحد. فرآني المدير وسألني عن سبب وجودي خارج الصف، فذكرت له القصة. عندها قال: "أنا معك في رأيك، ولكن اكتب هذا ما قاله المعلم". 
وقتها، لم يكن هناك كتاب مقرر، بل يعتمد على ما يحضره المعلم عن نظريات النشوء والارتقاء، وهو الذي كان يؤكد على الدوام أن أصل الإنسان قرد. طلب مني المدير العودة معه إلى الصف، وقال للمعلم: "أنا أقنعت عبداللطيف أن يشارك في الامتحان". دخلت الامتحان متأخراً عن التلاميذ أكثر من ربع ساعة، ولكنني لحقت بهم وقدمت المادة، وأذكر أنني حصلت على علامة الثمانين.
تلك القصة تعبر عن شكل الحراك الطلابي مع المعلمين الذين يحملون أفكاراً أخرى، وقس على ذلك معلم التاريخ الذي كان يحمل أفكار المستشرقين في القضايا الفكرية التاريخية.
وهناك قصة أخرى فيها شيء من الطرافة، ولكنها تدل على مدى تأثيرنا في المدرسة، فقد كان المدير يستشيرنا قبل أي إجراء في المدرسة، سواء في تقسيمات النشاطات الاجتماعية والرياضية أو في تعيين عرفاء للصفوف من الصفوف الأعلى على الأدنى.
ذات يوم، حصل أن عين شخصاً يسارياً عريفاً على صف أدنى، فجئت إلى المدير وكان واقفاً في وسط القاعة، وقلت له: هل تعين فلاناً عريفاً وهو يحتاج إلى عريف؟.
ما إن قلت ذلك، حتى أدركت بأنني قد أخطأت، لأن الطلاب سمعوا ما قلت، وقد علم المدير بأنهم سمعوا ما قلته، فقال: "لا أسمح أن تعطيني أوامر، أنا لا أخاف منك ولا من حزبك". عندها قلت له: "شكراً"، وانصرفت.
ظن المدير أننا سنثير المشاكل في المدرسة، وكان الوقت بعد نهاية الحصة الأخيرة. كان المرحوم الأستاذ حسن البرقاوي، وله كل التقدير عند الجميع، وهو كبير في السن، فناداه المدير من دون علمنا، وقال له: "اذهب وسوِّ الأمور"، وأخبره عما حصل. كنا بعد انتهاء الحصص المدرسية نذهب إلى دار الإخوان، وقد كان في الدار يومها الأخ أبو ماجد، المراقب العام وشقيقه المحامي عبد الرزاق، ورئيس محكمة السلط يومها الأستاذ حسن الكايد، رحمهم الله جميعا، وقد جاؤوا مع أبي ماجد إلى دار الإخوان بعد قيامهم بواجب تعزية قريب. وكان في الدار، أيضا، الأخ حسين محمد حياصات.
دخل أبو ماجد، لمسجد الدار ليصلي العصر، وإذ بالأستاذ البرقاوي يدخل الإدارة في الشعبة ونحن جميعاً فيها، وفوراً بادر قائلاً: "ما هذا يا ابني عبد اللطيف! أنت مقدر عند المدير وكل المعلمين، وما كان لك أن تتحدث مع المدير بالصورة التي تمت". وأخذ يمتدحني ويذكّر بتقدير المعلمين لي.
تساءل الأخ حسين: "ما هي القضية؟". شرحت له ما تم، وحتى تكتمل النكتة سحب الأخ حسين مسدسه وقال لي: "هذا معبأ، افرغ كل ما فيه في رأس المدير. هل يجوز أن يتحدانا جميعاً بقوله لا أخاف منك ولا من حزبك!".
صاح البرقاوي، وقد ظن أن الأمر جدي: "يا حسين يا مجنون، هل يعقل هذا!". وحتى تكتمل قصة النكتة، قال المحامي عبد الرزاق خليفة: "يا عبد اللطيف، أنا محامي، وسأدافع عنك بدون مقابل". عندها أردف رئيس المحكمة حسن الكايد: "يا عبد اللطيف؛ عمي أنا رئيس المحكمة وسأبرئك من أول جلسة!".
هنا صاح الأستاذ البرقاوي بأعلى صوته: "يا مجانين هذا شاب، وسيصدقكم"، وكان يحسب أن الأمر جاد، وأصبح يصيح: "يا أبا ماجد، تعال انظر هؤلاء المجانين. هذه جريمة هذا لا يجوز من مسلم. وأشهد الله أنه أرسلني لأصلح الموضوع وأبلغكم اعتذاره".
 قلت من جانبي: "الليلة أنفذ الأمر"، ووضعت المسدس في جيبي، فزاد صراخ المرحوم البرقاوي وهو وينادي على الأخ أبي ماجد الذي دخل ساعتها، فشرح له القصة. عندها عرف أنها "مقلب" من الحضور ضد الأستاذ البرقاوي، لكنه أكمل القصة قائلا: "لا يجوز لنا أن نخالف الدين. هذا حرام، ولا يجوز قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، لذلك أرجو إنهاء هذا الموضوع".
في تلك الأثناء، كان المدير عند دار الشيخ عبد الحليم زيد، رحمه الله، وكانت مقابلة لدار الإخوان، فأرسل من يدعو الجميع لزيارة الشيخ عبد الحليم زيد. ذهبوا جميعاً، ولم أكن معهم، فألقى الأستاذ المدير قصيدة في مدح الإخوان، وكان شاعراً كبيرا، وانتهت القصة عند هذا الحد، وتمت المصالحة.
وفي قصة ثالثة، قام المرحوم الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان بزيارة بلاد الشام العام 1954 في أوج أزمة الإخوان مع الرئيس جمال عبدالناصر والعسكر الآخرين في مصر. وبدأ زيارته إلى بيروت، وعقد هناك اجتماعاً لمكتب الإرشاد العالمي، وبعدها قام بزيارة سورية ثم الأردن.
عند قدومه إلى الأردن، خرجت الألوف لاستقباله على حدود الرمثا، وسيل السيارات من الرمثا إلى عمان كان متصلاً، فقد كان استقبالاً شعبياً فريداً. ومن جملة زيارته للأردن، زار السلط فاستقبلته جماهير السلط بكثافة، وألقى كلمة في دار الإخوان والساحة المقابلة لها، كما تحدث عدد من الخطباء، وأذكر منهم الشاعر المسيحي الأستاذ سليمان المشيني، وأُلقِيَتْ كلمات أخرى في احتفال المسجد مع كلمة أخرى للأستاذ المشيني. وحضرت أعداد كبيرة من الطلاب، وكذلك من جميع أبناء عشائر السلط، ومن التجار والعمال والمعلمين، وكنا نحسب أن كل أبناء السلط شاركوا في الاستقبال من شدة الحماسة وحرارة الاستقبال، وكان يقود السيارة التي تقله المرحوم هاني الحاج حسن، وهو من الشخصيات المرموقة في عمان والسلط، وجند نفسه وسيارته لمرافقة الأستاذ الهضيبي.
كان من المقرر للضيف أن يزور العراق، فاستعدت بغداد لذلك، وأعد شاعر الدعوة هناك المرحوم الأستاذ وليد الأعظمي قصيدة رائعة لتلقى في استقباله وكان مطلعها: 
"همزيتي يا أبا الإخوان عصماء
ما خانني فيها ألف ولا ياء"
 لكن المداخلات الخارجية والداخلية هناك حالت دون الذهاب لبغداد، فقد كانت أزمة الإخوان مع عبد الناصر على أشدها، واضطر المرشد العام للعودة إلى مصر ليواجه التحديات والمشاكل التي نشبت بين الإخوان وحكم العسكر آنذاك، وكان الجميع في مصر والبلاد العربية ينتظرون ما ستسفر عنه تلك الخلافات، وكان الأمر بحاجة إلى تقويم دقيق، إذ إن الإخوان كانوا يقودون الشعب المصري، ولهم في رجال الانقلاب قادة كبار، وهم الذين أعطوا إزاحة الملك فاروق معنى الثورة، وهم القيادة الشعبية الكبيرة.
بالنسبة لنا في الأردن، كنا نتابع بدقة ما يجري في مصر ساعة بساعة، ونتابع التجمهر في ساحة عابدين الذي لا ينفك إلا بإشارة المرحوم عبد القادر عودة: "انصرفوا راشدين". فكان ذلك سبب إعدامه بدون ذنب، سوى موقعه القيادي ومكانته المرموقة عند الإخوان والشعب المصري هو وإخوانه الشهداء، وبسبب مصنوع سمي بحادث المنشية التي رتبها عبدالناصر وبشهادة أقرب المقربين إليه.
كان الناس في الأردن ينتظرون قدوم الإخوان، وكان مركز الإخوان في عمان يستقبل وفوداً شعبية، ومن كل فئات الشعب، بما فيهم الوزراء ورؤساء الوزارات للاطمئنان على ما يجري في مصر، وانتظار نتيجة الصراع السياسي هناك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الجمعة 9 ديسمبر 2016 - 1:23

الحلقة الرابعة
عربيات: ما تعيشه القضية الفلسطينية اليوم بسبب سلخها عن بعدها الإسلامي

يؤكدُ رئيسُ مجلس النواب الأسبق والقيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عربيات في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" التي تنشرها "الغد" على أولوية القضية الفلسطينية بالنسبة للأردنيين عموما، وبالنسبة إلى جيله الذي عايش أحداث النكبة الفلسطينية العام 1948.
ويكشف عربيات بأنه في مرحلة دراسته الثانوية كان يشارك في المظاهرات والمهرجانات وحضور المحاضرات، والاستماع إلى المحاضرين القادمين من مصر وفي مقدمتهم، المرحوم سعيد رمضان ويوسف القرضاوي وأحمد العسال وعبد الحكيم عابدين، وغيرهم.
كما يروي في حلقة اليوم تفاصيل حضوره لجلسات المؤتمر الإسلامي في بيت المقدس، وكان مؤتمراً شعبياً عالمياً يحضره علماء من مصر والعراق وسورية والمغرب العربي، وعلماء من إيران وأندونيسيا وباكستان وروسيا وأوروبا.
ويكشف عربيات في حلقة اليوم عن سلسلة المحاولات التاريخية لنزع القضية الفلسطينية عن مساراتها العربية والإسلامية، وأنه كان شاهدا على أول المحاولات التي أقصت القضية الفلسطينية عن بعدها الإسلامي في المؤتمر الإسلامي في بيت المقدس.
ويقول إن هناك مستوى من مستويات "التآمر" عندما بدأت تظهر على السطح في أواخر الخمسينيات قوى ضد عقد المؤتمر، كان أخطرها اجتماع منظمة التحرير في القدس برئاسة أحمد الشقيري العام 1964، والذي تم فيه طرح سؤال: هل القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية أم قضية عربية؟، حيث جرى التصويت المُعد له والمرتب له مسبقا من فئات معروفة، وكانت النتيجة، وبالأغلبية للحضور، أنها قضية عربية وليست قضية إسلامية.
كما يروي عربيات في حلقة اليوم جانبا من قصة أسر والده في السجون الإسرائيلية والذي امتد لنحو 9 أشهر، ويغطي جانبا شيقا من رحلة معاناة والده ومن كانوا برفقته حتى عادوا إلى مدينة السلط.
وكان عربيات قد تحدث في حلقة الأمس عن تجربة الحياة الحزبية خلال خمسينيات القرن الماضي، التي شهدت حراكا حزبيا منظما، وأن الحالة الحزبية شهدت صراعا فكريا بين الإسلام واليسار والقومية والعلمانية الغربية، حيث كانت تعمل في الميدان أحزاب تحمل هذه الأفكار، مثل: الإخوان المسلمين، حزب التحرير الإسلامي، والبعثيين والشيوعيين والقوميين العرب وغيرهم.
وذكر عربيات أن اشتباكا بالأيدي وقع فعلا في مدرسة السلط الثانوية، وعلى خلفية المواقف السياسية للطلبة، وقدم عربيات تفاصيل تلك المشاجرة التي شارك بها مع زملاء له ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين.
وفيما يلي نص الحلقة الرابعة:
* معايشةُ تداعياتِ النكبةِ، حصّنتْ جيلَكم برباطٍ معنوي ومادي بفلسطين والقدس، وعند الحديث عن انتمائك الفكري لجماعة الإخوان المسلمين في سنوات دراستك الأولى، يكون للحديث جوانب مختلفة، نريد التركيز على تلك الفترة من الذاكرة؟
- ليس سرا أن القضية الفلسطينية، كانت، وما تزال، الهاجس الأول لدى أبناء الشعب الأردني، وكنا في المرحلة الثانوية أول من يتصدى ويشارك في العمل العام، ليس داخل مدينة السلط وإنما في كل المدن الأردنية، سواءً كان ذلك في المشاركة في المظاهرات والمهرجانات وحضور المحاضرات، والاستماع إلى المحاضرين القادمين من مصر وفي مقدمتهم، المرحوم سعيد رمضان ويوسف القرضاوي وأحمد العسال وعبد الحكيم عابدين، وغيرهم.
كنا نشارك في حضور جلسات المؤتمر الإسلامي في بيت المقدس، وكان مؤتمراً شعبياً عالمياً يحضره علماء من مصر والعراق وسورية والمغرب العربي، وعلماء من إيران وأندونيسيا وباكستان وروسيا وأوروبا.
كنا نذهب من السلط وبقية المدن الأردنية لنشارك في المؤتمر، وتقديم الخدمات ولقاء العلماء من أنحاء العالم الإسلامي، والاستماع إلى محاضراتهم. وكنا ندعو بعضهم إلى محاضرات في السلط وعمان، ونذكر منهم البشير الإبراهيمي والفضيل الورتلاني، ومحيي الدين القليبي، وغيرهم. وكان أهالي السلط يسألوننا: "أين الشيخ ذو العباءة البيضاء والثوب الأبيض؟ ويقصدون البشير الإبراهيمي.
كنا نستمع إلى علماء الإسلام في بقاع الأرض، ونعرفهم، وندير معهم النقاش العام والخاص فيما يخص شؤون المسلمين.
كانت مناسبة عقد المؤتمر الإسلامي لبيت المقدس فرصة حقيقية للتعرف على الفكر السائد في العالم الإسلامي، والذي كان يعرضه علماء كبار وقادة فكر من مثل الشهيد سيد قطب، الذي حضر إلى المؤتمر الإسلامي في القدس العام 1953. وكانوا يقبلون دعوتنا للاستماع إليهم والذهاب إلى مخيمات الطلبة التي كانت تقام في أريحا وعقبة جبر وعمان وإربد والخليل وغيرها.
وأذكر الأستاذ المودودي، أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، وآية الله كاشاني، في إيران وأمجد الزهاوي، ومحمود الصواف من العراق. كنا نرافقهم  في حلهم وترحالهم في الأردن، نعرض الأسئلة عليهم، ونستمع إلى أجوبة أولئك القادة والعلماء من كل أنحاء العالم الإسلامي. كل هذا ونحن طلاب في المرحلة الثانوية.

*أنت هنا تتحدث عن مستوى تنظيمي لدى جماعة الإخوان المسلمين، باستثمار قضية عربية إسلامية في التعبئة والاستقطاب لصالحها؟
- بالنسبة لنا؛ كانت القضية الفلسطينية في دائرتها الإسلامية الخالصة، وكان المؤتمر يعقد باسمها، وكان كامل الشريف، ومحمد عبد الرحمن خليفة، وسعيد رمضان، وسالم علي سالم، وجمعة حماد، من أركان المؤتمر والعاملين على بناء سور القدس الذي أوقف الكثير من التدهور في الحد الفاصل بين القدس المحتلة والقدس القديمة بيد الأردن.
لذلك، فإن محور كل هذه النشاطات هو القدس والقضية الفلسطينية كقضية إسلامية في الدرجة الأولى، بل هي قضية العالم الإسلامي الأولى، وبدون منازع، على الرغم من وجود قضايا أخرى في العالم الإسلامي، تستحق الاهتمام والعناية والمساعدة والدعم من مثل: كشمير والشيشان وقضايا المغرب العربي، مثل الجزائر، إلى قضايا الاحتلالات والتقسيمات المخربة في جسم العالم الإسلامي كله.
وأذكركم هنا بأن أول مؤتمر عقد في القدس للعالم الإسلامي كان في العام 1931، واستمر الأمر كذلك حتى زاد عقد هذه المؤتمرات وبانتظام بعد الاحتلال الصهيوني العام 1948.

* مؤتمر إسلامي لبيت المقدس عام، وليس لجماعة الإخوان المسلمين، يجري التحضير له من دون منغصات، لا من احتلال متغرطس، ولا من مناوئين سياسيين؛ ألم تسقط أهداف المؤتمر من يدكم؟
- المسألة هنا، تذهب ليس ضد الإخوان المسلمين، ولعلها تتجاوز الأمر، لتصل مستوى التآمر على القضية الفلسطينية، فقد كان هناك مضايقات كثيرة، لكن الأبرز منها ما بدأ يظهر على  السطح في أواخر الخمسينيات ضد عقد هذا المؤتمر، ومن أطراف عديدة، وأخطرها كان في اجتماع منظمة التحرير في القدس برئاسة أحمد الشقيري العام 1964، والذي تم فيه طرح سؤال: هل القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية أم قضية عربية؟
انظر إلى معنى هذا السؤال وإلى من يطرحه، وأين يتم طرحه. من ذلك السؤال، وما آل إليه الوضع اليوم، نتبين حقيقة المؤامرة الكبرى على سلخ إسلامية القضية وتحويلها إلى ما هو أدنى!
عنده، وقف الشيخ مشهور الضامن نائب ومفتي نابلس رحمه الله فقال: يا ناس هل يعقل أن يوجه هذا السؤال وبهذه الصيغة ونحن مجتمعون في القدس!!. فقال له آخرون: دعنا نصوت على هذا السؤال!!.
وفعلا، جرى التصويت المُعد له والمرتب له مسبقا من فئات معروفة، وكانت النتيجة، وبالأغلبية للحضور، أنها قضية عربية وليست قضية إسلامية، هذا تم باسم منظمة التحرير التي قامت لتحرير كامل التراب الفلسطيني. المنظمة التي تقول إنها ممثلة للشعب الفلسطيني.
خطوة منظمة التحرير الفلسطينية تلك، تبعتها خطوة أخرى أكثر خطورة، فبعد عشر سنوات، وفي العام 1974 في مؤتمر القمة العربي في الرباط، وبترتيب وإدارة رئيس لجنة القدس ملك المغرب وموافقة جميع البلاد العربية باستثناء الأردن، تم إعلان أن القضية الفلسطينية ليست قضية عربية، بل هي قضية فلسطينية، وأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد لهذه القضية.
قد سمعتها من الملك الراحل الحسين في أوائل التسعينيات، حيث قال: "ذهبت إلى المؤتمر في الرباط، ووجدت نفسي وحيداً، ولم يقف معي أحد يومها عند اتخاذ القرار أن القضية الفلسطينية ليست قضية عربية بل قضية فلسطين، ومنظمة التحرير هي الممثل الشرعي الوحيد لها. ومن يومها ونحن نرى مسلسل التراجع والانهيار في مسار القضية وعلى مستويات مختلفة، فتخلى العرب عن دورهم ومسؤولياتهم، واختبأوا خلف أن هناك ممثلا شرعيا وحيدا، ونحن نساعد إذا طلب إلينا ذلك".
من وقتها، بدأت التراجعات وتعديل دستور المنظمة وإلغاء التحرير الكامل للتراب الفلسطيني، والقبول بقرارات الأمم المتحدة المتخذة للتنازلات القادمة، وفك الارتباط وإلغاء دور السلاح في عملية التحرير، والاكتفاء بالمفاوضات والذهاب إلى مؤتمر مدريد ووضع استراتيجية الحل السلمي، فكانت أوسلو، ثم خارطة الطريق، وبعدها الانقسام الفلسطيني ودواعيه ونتائجه، وما نراه اليوم من تهديد لما تبقى من أرض ومقدسات!.
بعد هذا المسلسل التنازلي المكشوف، هل يبقى لأحد بعد اليوم ثقة بما يجري من قبل منظمة التحرير التي أوشكت على الانتهاء، والكل ينتظر ما هو البديل وبأي اتجاه.
هنا، أقف عند ما قاله الدكتور كامل أبو جابر، حول الاعتداء على المقدسات في فلسطين، حيث قال: "كنت في مؤتمر مدريد رئيساً للوفد الفلسطيني الأردني كوزير للخارجية، وسمعت كلاماً في ذلك المؤتمر من شامير، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، ورئيس الوفد في مؤتمر مدريد، حيث قال: سندخل مفاوضات ولو استمرت لعشر سنوات". واضاف أبو جابر: "قبل أيام بدأت أراجع ما تم الحديث عنه في مؤتمر مدريد العام 1991، ولم أعِ ما قاله شامير تماماً، إلا الآن".
هذا ما قلناه  للمسؤولين قبل الذهاب لمدريد: "لن تحصلوا على شيء"، لكن كلامنا كان غريباً وغير مقبول في ذلك الوقت.
وإمعانا في توضيح المشهد سأروي القصة التالية التي حصلت في العام 1991،  وقبيل مؤتمر مدريد، فقد كان الراحل ياسر عرفات ومحمود عباس يستعدان لمؤتمر مدريد، حيث ذهبت كرئيس وفد برلماني إلى طرابلس الغرب لنصرة ليبيا، وسافرنا إليها عن طريق تونس لعدم وجود طيران إلى طرابلس يومها بسبب الحصار. كان معي في الوفد الأخوان آنذاك العين سعيد التل والنائب عبد الله العكايلة.
استقبلنا في مطار تونس السفير الأردني يومها الأستاذ حيدر محمود، وأبلغنا أن السيد ياسر عرفات، يدعونا للعشاء في سفارة فلسطين في تونس، وقال: "ما رأيكم أن نزوره في مكتبه عصراً قبل العشاء"، فوافقنا على ذلك.
قمنا بالزيارة، وحصلت مناقشات عامة حول مؤتمر مدريد ومخاطره، وسألت السيد عرفات عن خطورة إلقاء السلاح والتوجه استراتيجياً إلى المفاوضات والحل السلمي. وقلت له: "أنت تلقي السلاح وتتوجه استراتيجياً إلى المفاوضات؛ هب أن هذا الذي تفاوضه وبعد عشرين سنة من هذه المفاوضات خرج من الاجتماع وقال لك: ليس لك عندي شيء، فما هو موقفك؟".
قال عرفات: لا شيء.
فقلت: هل تعتمد على حسن أخلاق اليهود ليوفوا بوعودهم؟.
قال: هذا هو الواقع.
وأثناء العشاء في سفارة فلسطين وبوجود السيد حكم بلعاوي، السفير الفلسطيني، وكان يشترك في النقاش السيد محمود عباس، فكررت السؤال نفسه، عندها قال لي عباس: يا فلان.. مفاوضات من أجل المفاوضات!!

*وما قصة تأثرك بقصة والدك رحمه الله، واعتقاله مدة تسعة أشهر، وهو ما قرأته في أوراقك الخاصة، السؤال الذي أريد أن أطرحه، كم شكلت القصة من وعيك الإنساني طفلا، والسياسي شابا؟
- خلال الحرب العالمية الأولى، قام الجيش البريطاني باحتلال فلسطين والقدس، حيث عبر الجنرال اللمبي نهر الأردن من منطقة أريحا، وبنى جسراً سمي باسمه على نهر الأردن، وتقدم الجيش البريطاني إلى السلط واحتلها في شهر نيسان (أبريل) العام  1918.
وقتها، قام الجيش التركي بحشد قوات لاسترداد مدينة السلط الحصينة. ولما شعر الإنجليز بقدوم هذه الحشود انسحبوا غرباً إلى ما وراء النهر. وعند انسحابهم من
السلط أخذوا معهم بعض أعوانهم من أهالي السلط والفحيص، وأسكنوهم في أريحا والقدس والمنطقة المحيطة.
بعد بضعة أشهر، أعاد الإنجليز العبور شرقاً واحتلوا السلط مرة أخرى، وكان دخولهم في المرة الثانية من جنوب غرب وشمال السلط وعلى شكل فكَّي كماشة، وكان الدخول من منطقة وادي حادي جنوب غرب السلط، والثاني من جهة منطقة زي وهي شمال السلط.
كان والدي - رحمه الله - وبعض أقربائه من عشيرة العربيات وبعض مزارعي مدينة السلط، يعملون في مزارعهم في منطقة القسام الغربي، وإذْ بقدوم الجيش البريطاني إلى تلك المنطقة متجهاً إلى مدينة السلط. كان مع الجيش البريطاني بعض الأدلاء والمعرفين من أبناء مدينة السلط، فأشاروا على الجيش أن يعتقل والدي وبعض أفراد عشيرتنا وبعض المزارعين الموجودين في المكان، وقد زاد عددهم على العشرين، بحجة أن هؤلاء من أقارب المرحوم نمر الحمود العربيات، الذي كان معروفاً بمناصرته للأتراك.
أخذ الجيش البريطاني هذه المجموعة أسرى، وأخذ ما وجده معهم من سلاح فردي وأخلاهم إلى الخلف؛ إلى الأغوار ثم إلى مدينة أريحا.
وقد روى لي بعض أعمامي المأسورين أنهم وأثناء مرورهم بمدينة أريحا شاهدوا عدداً من أبناء السلط الذين انسحبوا مع الجيش البريطاني في المرة الأولى، ورووا لي قائلين: "نادينا على أحد زعماء العشائر معهم، وقلنا: يا أبو كذا لا تشوفنا وتتخلى عنا. فقال لنا: روحوا على نمر حتى يخلصكم..".
بعدها، أخلوا المجموعة التي يزيد عددها على العشرين إلى منطقة صرفند جهة حيفا، وفيها معسكر الإنجليز هناك، ثم تم نقلهم إلى معسكر الجيش البريطاني في رفح جنوب. وقد روى لنا الأعمام أنهم أثناء وجودهم في رفح تطاول أحد الجنود البريطانيين على المرحوم عم والدي (عبد الهادي السليمان) فقام المرحوم عبد الهادي بضربه كفّاً على وجهه، وبعد قليل جاءت ثلة من الجنود وقالوا: عبد الهادي استخانة، أي: أنت مطلوب أو تحتاج إلى مستشفى. فقال: أنا لم أطلب ولست بحاجة إلى ذلك"، فأخذوه بالقوة ولم يعد بعدها، ويبدو أنهم قضوا عليه -رحمه الله.
وقد تم نقل الأسرى إلى معسكر الزقازيق للجيش البريطاني في مصر، وبقوا هناك حتى انتهت الحرب، ثم قام البريطانيون بنقلهم إلى مدينة العقبة وأخلوا سبيلهم هناك.
كنا نستمع إلى قصص الاعتقال والتنقل من أريحا إلى صرفند وإلى رفح ثم إلى معسكر الزقازيق في مصر، من بعض أعمامنا الذين عاشوا بعد والدي الذي توفاه الله عام 1950، رحمه الله.
ورُوِيَ لنا كيف أن الجيش البريطاني ألقى بهم في العقبة الأردنية، وكيف أنهم ساروا على الأقدام من العقبة إلى السلط، وكيف أن أهالي مأدبا استقبلوهم باحتفالات كبيرة، ومن أسباب هذا الاستقبال هو النسب والقربى، إذ إن ابنة عم والدي (عائشة المحمد) متزوجة من أحد وجهاء عشيرة الحشايشة في مأدبا، ولها أخوان مع الأسرى هما: عبد الرحيم وعبد الرزاق، والباقي من عشيرة العربيات من الأسرى هم إما ابن عمها أو قريب جداً منها، فكان الاهتمام مضاعفاً.
وقد احتفل الأقارب وأهالي السلط عامة بعودتهم من الأسر الذي استمر أكثر من تسعة أشهر كما ذكر بعضهم لنا، وهناك قصص روَوْها لنا مما واجهوه وشاهدوه وسمعوه أثناء الأسر.

* ونحن على أعتاب مرحلة الانتقال من الدراسة الثانوية، إلى الدراسة الجامعية، هل تزوجت مبكرا، أم تزوجت بعد انهائك دراستك الجامعية؟ وهل صحيح أنك تزوجت مرتين؟
- صحيح، فقد تزوجت في المرة الأولى العام 1962 من زينب ابنة المرحوم الصيدلاني عبد الحليم بدران، ولم يرزقني الله سبحانه منها الولد. وتزوجت في المرة الثانية في العام 1977 من ابنة عمي إلهام بنت الحاج عبد الكريم عربيات، ورزقني الله سبحانه وتعالى منها خمسة أولاد وثلاث بنات.

*لكن في المرحلة الثانوية، نحتاج لتسليط المزيد من الضوء على أبرز المباحث التي كنت متفوقا فيها، وهل أثرت على مسارك في التعليم الجامعي لاحقا؟
 - يحكم التطلع للدراسة الجامعية عوامل عدة، منها: الحالة المادية العائلية، وتوفر الجامعات في البلد الذي يعيش فيه الإنسان، ويبقى الطموح قائماً عندما تتوفر الظروف المواتية لذلك ولو بعد حين، أو على مراحل في درجات التعليم العالي.
عربيات في الحلقة الخامسة
• حين أنهيت الثانوية العامة اخترت الوظيفة على التعليم الجامعي
• أشرنا على العراقيين بإقامة اعتصام فقرر نوري السعيد فصلنا من كلية الزراعة وتسفيرنا إلى الأردن
• ذهبت لمقابلة أمين عمان المرحوم فرحان الشييلات فحصلت على وظيفة في الحال
• العراق خلال دراستي كان يشهد غليانا فكريا وسياسيا كبيرا
• على مدار أسبوعين بقيت هاربا من الأمن العراقي ومهددا بالتسفير قبل تسليم نفسي
• نخوة ورجولة المستشار الثقافي بالسفارة الأردنية في بغداد إبراهيم صلاح من أسباب عودتنا إلى الدراسة في العراق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   السبت 10 ديسمبر 2016 - 1:57

الحلقة الخامسة

عربيات: الأردن كان بأوج غليانه السياسي بعد انتخابات 1956


يستكمل اليوم رئيس مجلس النواب الأسبق والقيادي الإسلامي الدكتور عبد اللطيف عربيات مشوار الذكريات عن المرحلة المدرسية، وظروفه التي دفعته للبحث عن الوظيفة قبل أن يصل لقرار بخصوص تعليمه الجامعي في العراق.
ويتوقف عربيات عند محطة الوظيفة الأولى التي كانت محفوفة بالتحديات على الرغم من سهولتها على كل من أكمل تعليمه الثانوي، وحمل شهادة "المترك"، وبتفاصيل مشوقة يسرد عربيات جانبا من مواقفه الصدامية مع قيادات تربوية خلال بحثه عن الوظيفة. لكنه يستذكر موقف فرحان شبيلات رحمه الله الذي أمر بتعيينه فور مقابلته.
وبعد أن استطاع أن يسهل تأمين كلف دراسته الجامعية بعد عام من العمل بمهنة التعليم، وبعد أن حدد مسار القبولات الجامعية، كانت وجهة عربيات صوب بغداد. يتوقف ابو سليمان عند محطة اختياره للتخصص، ومدى جديته في اختيار الهندسة الزراعية، التي تعلق بها قبل أن يتخصص في موادها العلمية الدقيقة.
وهناك لم يجد عربيات بدا من استكمال سلسلة مشاغباته السياسية، فأمام ما كانت تعانيه المنطقة العربية من اضطرابات، وعلى وقع العدوان الثلاثي على مصر، فقد ازدحم الشارع الطلابي في العراق بالاعتصامات والمسيرات.
مادفع عربيات إلى اقتراح بتنفيذ اعتصام لطلبة كلية الزراعة في بغداد، التي كانت تبتعد عن العاصمة، وهو حراك سياسي لم يمارسه طلبة العراق من قبل، وبعد أن نُفذ الاعتصام، جرى ملاحقة عربيات وعدد من الطلبة الأردنيين، بعد أن كشفهم رئيس الحكومة العراقية نوري السعيد، وأمر بملاحقتهم، مادفعهم للهرب إلى عمان.
وكان عربيات قد كشف في حلقة أمس عن سلسلة المحاولات التاريخية لنزع القضية الفلسطينية عن مساراتها العربية والإسلامية، وأنه كان شاهدا على أولى المحاولات التي أقصت القضية الفلسطينية عن بعدها الإسلامي في المؤتمر الإسلامي في بيت المقدس.
وقال إن هناك مستوى من مستويات "التآمر" عندما بدأت تظهر على  السطح في أواخر الخمسينيات قوى ضد عقد المؤتمر، كان أخطرها اجتماع منظمة التحرير في القدس برئاسة أحمد الشقيري العام 1964، والذي تم فيه طرح سؤال: هل القضية الفلسطينية هي قضية إسلامية أم قضية عربية؟، حيث جرى التصويت المُعد له والمرتب له مسبقا من فئات معروفة، وكانت النتيجة، وبأغلبية الحضور، أنها قضية عربية وليست قضية إسلامية.
كما روى جانبا من قصة أسر والده في السجون الإسرائيلية والذي امتد لنحو 9 أشهر، ويغطي جانبا شيقا من رحلة معاناة والده ومن كانوا برفقته حتى عادوا إلى مدينة السلط.
وفيما يلي نص الحلقة الخامسة:
• نبدأ مع رحلة التعليم الجامعي والظروف المصاحبة لهذه الرحلة التي كان الطالب الأردني يتكبدها نتيجة اضطراره للسفر. جيلكم عانى من صعوبة التعليم الجامعي بسبب الظروف المادية أو بسبب الظروف التعليم نفسه، أو حتى الاضطرابات التي كانت تشهدها دول الجوار وانعكاسات ذلك على الطلبة الأردنيين. فما الذي تخبرنا إياه عن تلك الفترة المرحلة، وعن تجربتك فيها؟

- قطعا رحلة التعليم الجامعي لم تكن سهلة، سواء لجهة الظروف التي ذكرتها، أو لظروف أخرى مشابهة أو أشد وطأة.
بالنسبة لي، كان والدي، رحمه الله، قد توفي وأنا في  الصف السابع الابتدائي، وكان معظم إخوتي الكبار في وظائفهم البسيطة، ومعظمهم لم يتزوج بعد، وليس هناك من مصادر لتمويل التعليم الجامعي بالنسبة لي.
لقد أنهيت الثانوية العامة (المترك) العام 1954، وكانت الوظيفة ميسورة لكل من ينهي الثانوية العامة، فهناك شواغر في التربية أو في المرافق الأخرى في الدولة، فاخترت أن أذهب باتجاه الوظيفة، وتقدمت بطلب للوظيفة معلماً في مديرية تربية البلقاء، وكان مركزها عمان.
حينها، كان مدير التربية المرحوم جميل عبد الهادي، فدخلت لمقابلته، ودخل معي مساعدوه المرحومون حسن البرقاوي وعوض الرويلي وشوكت تفاحة، من أجل التعريف بي وبدون طلب مني.
الرجال الثلاثة يعرّفون بي، وأنني كذا وكذا وهو ينظر إلي. وبعد أن أنهوا التعريف قال المرحوم عبد الهادي لي: ألست أنت الذي جئت إلى مكتبي ومعك مجموعة من الطلاب، وكان في يدك مسبحة وقلت كذا وكذا؟ قلت: نعم وليس أحد غيري.
وكان يومها الحديث الذي أشار إليه هو حديث سياسي، فقال: اسمعها من المدير الذي أمامك إنك لن تُعين في السلط. عندها قلت له: تأكد أنني لن أُعين إلا في السلط. وخرجت. وتفاجأ الأساتذة الكرام الحاضرون بما حدث، فهم لا يعرفون القصة.
ذهبت في اليوم نفسه وقابلت المرحوم فرحان الشبيلات، أمين عمان يومذاك، وكانت الساعة الثانية عشرة ظهراً، فقال لي:  يا ابني، داوم من اليوم في أمانة عمان. كان الأمر مفاجئا بالنسبة لي، فقلت له: يا باشا آتي غداً، فقال لي: يا ابني اجلس. ثم نادى رئيس الديوان وقال له: اكتب كتاب عبد اللطيف الآن وسلمه العمل من اليوم.
وقد تم ذلك، وكان التأكيد عليّ أن لا أترك العمل وأن أستمر عندهم.
بعد أسبوع، جاءني المرحوم أحمد محمود خليفة، وكان مديراً لمدرسة أديب وهبة في السلط، وقال لي: قم وامشِ معي، أنت معلم في مدرسة عقبة بن نافع في السلط. فقلت له: مدير التربية أقسم أن لا أُعين في السلط. فقال: الكتاب موقع، وهو عند رئيس الديوان.
وقد كان ذلك، وداومت في مدرسة عقبة بن نافع في السلط معلماً، وكانت مدرسة ابتدائية في ذلك الوقت.
أذكر أيامها أن مدير المدرسة كان المرحوم عبد الحافظ العزب، ومن المعلمين رضوان حياصات، وشحادة دبابنة، وفايز فاخوري، ومنور المناصير، ومن الطلاب محمود أبو طالب، وفكتور بله، وعبد الرزاق النسور، ومنذر مسمار، وغيرهم.
أمضيت عاماً  كاملا ممتعاً ومليئاً بالحيوية والنشاط الإسلامي، وقد انتخبت في هذا العام في الهيئة الإدارية في شعبة الإخوان المسلمين في السلط، كما انتخبت أميناً للسر فيها.
من هناك بدأَ التفكير لدي في إمكانية مواصلة الدراسة، وكان همِّي الأول الواقع العائلي، وحساب إمكانية أن أذهب للدراسة والكلف المترتبة على القرار.
أذكر بالخير دائماً الأخ المرحوم محمد نمر وهبة، أمين سر جماعة الإخوان في الأردن حينها، والذي كان يتابعني بشكل مستمر، ويقول: ماذا عملت بالدراسة؟، وكان له الفضل أن أرشدني إلى الدراسة في العراق وأنها غير مكلفة، وقال: إذا رشحتك وزارة التربية لهم ستكون الدراسة على حسابهم.
شرحت هذا الأمر لعمي المرحوم عبد الحليم النمر، فقال: سأسأل الوزارة. وبعد بضعة أيام أخبرني أن أذهب وأقدم طلباً بذلك.
كان الوقت مناسباً وميسوراً، وقد تم إرسال اسمي للعراق لدراسة الهندسة الزراعية، ومن هنا بدأت مرحلة الدراسة الجامعية، وشجعني أهلي وأصدقائي على ذلك، وما كان في ذهني ولا حساباتي أن تتيسر الأمور بهذه الطريقة وبهذه السرعة.

 •  إذا كانت الوجه بغداد ودراسة الهندسة الزراعية، فماذا عن البدايات في هذا المجال؟

- بعد ترشيحي للدراسة في جامعة بغداد من قبل الوزارة، بدأت أبحث عن الاختصاص الذي يمكن أن أحصل عليه. صادف ذلك عودة الأخ فاروق بدران مفصولاً من الجامعة في مصر، وقد سجن هناك بتهمة العمل مع الإخوان المسلمين، وله في ذلك قصة ذكرها في كتابه "محطات تربوية". تشجعت على دراسة الهندسة الزراعية، خصوصا أن الأخ فاروق بدران كان بهذا الاختصاص، واتفقنا أن نلتحق معا بجامعة بغداد، وقد شجعنا الأخ إبراهيم الساكت أن نذهب للتسجيل في الجامعة بهذا الاختصاص.
لقد لامه بعض أقاربه بقولهم: إنكم مخطئون إذا شجعتموه ليذهب للدراسة؛ لأن أهله أولى به الآن، وهم في حاجة إليه.
في البداية واجهنا مشكلة معادلة شهادة الدراسة الثانوية العامة (المترك)  مع ما يقابلها بالشهادة المماثلة في العراق. لقد وجدنا أن النظام الثانوي في العراق فيه علمي وأدبي، أما عندنا في الأردن فلا تفريع فيه بل هو نظام عام. عند معادلة شهادتي حسب النظام العراقي وجدوها أقرب إلى الفرع العلمي، ونظام كليات الزراعة في العراق تشترط تخصصاً علمياً كاملاً.
عرضوا علي أن أدرس الحقوق، فرفضت وقلت: سأعود للأردن إذا لم أحصل على ما طلبت، وبعد مراجعات واستشارات وافقوا على دخولي كلية الزراعة، وهذا ما أردناه أنا وصحبي الذين جئنا معا لهذا الغرض.
وفعلا سجلنا للفصل الأول في دائرة التسجيل، ثم سجلنا للقسم الداخلي الذي كان مهيأ للطلاب من خارج العراق ومن الطلاب العراقيين من خارج بغداد.
 قابلنا في قسم العهدة للقسم الداخلي شاباً طويلاً جداً، وأثناء التسجيل كان ينظر إلينا بشكل خاص، وبعد انتهاء التسجيل لحق بنا وقال: يا إخوان أنتم من الأردن؟ فقلنا له: نعم، وأصبح يتحدث معنا بطريقة استفهامية عن الأردن وماذا فيها. وبعد حديث مفصل قال: هل أنتم من الإخوان؟ فقلنا له: نعم، ففرح فرحاً شديداً وقال: والله من أول نظرة إليكم عرفت أنكم من الإخوان، وأصبح يزورنا ونزوره وكان اسمه صالح مهدي السامرائي.
كان صالح موظفاً بسيطاً في كلية الزراعة آنذاك، وبعدها التحق بالكلية ودرس الزراعة وأخذ الدكتوراه، وهو أستاذ في الاختصاص الزراعي وداعية إسلامي على المستوى العالمي، خصوصا في اليابان.
قُبلت أوراق الأخ فاروق التي قدمها من جامعة القاهرة المفصول منها، وسجل في السنة الثانية في الكلية، ونحن الجدد في السنة الأولى.
في الكلية، واجهنا صعوبات في بعض المباحث مثل: الرياضيات والأحياء بسبب تغير المناهج علينا، بسبب طبيعة التخصص العلمي لديهم في العراق، وغير الموجود لدينا في الأردن. كان ذلك في السنة الأولى فقط، ثم تجاوزنا ذلك في السنوات الباقية.
أذكرُ أن السيد زياد صلاح من نابلس دخل معنا في السنة الأولى، ولم يوفق بإكمال السنة الأولى بسبب مبحث الرياضيات، فذهب إلى جامعة أخرى وتخصص في الهندسة، وأصبح من كبار مهندسي ومتعهدي العمارة في الأردن، وهو الذي تعهد بناء كلية الهندسة في الجامعة الأردنية.
هذا مثال على مستوى الكلية وصرامة الأنظمة ومستوى الدراسة، حيث إن من لا يحصل على مستوى معينٍ ما كان يسمح له أن يكمل الدراسة اعتباراً من نهاية السنة الأولى.
نجحنا في السنة الأولى، وسجلنا للسنة الثانية، وبدأنا بصورة مريحة من حيث صعوبة الدراسة ونشاطنا الطلابي مع الإخوة العراقيين، ولقاؤنا في أعداد كبيرة منهم. كان ذلك في بداية العام الدراسي 1955-1956.
• مع هذا التاريخ بدأت أحداث كبيرة في العالم العربي؛ العدوان الثلاثي على مصر، والغليان في العراق خلال النظام الملكي؟

- كان الواقع العربي في ذلك العام مأزوما سياسياً، ففي العراق كان رئيس الوزراء نوري السعيد، في العهد الملكي، وكان الغليان الفكري والسياسي على أشده، وكانت مصر بقيادة جمال عبدالناصر في موقع التحدي مع الكيان الصهيوني، حيث تم العدوان الثلاثي على قناة السويس، وكان الوضع في الأردن في أوج غليانه السياسي بعد انتخابات العام 1956، وتشكيل الحكومة من الأغلبية في المجلس النيابي، والتي سميت بالحكومة الوطنية.
في هذه السنة، وقع العدوان الثلاثي على مصر، فأضربت الجامعات العراقية، وكلية الزراعة في جامعة بغداد التي كنا فيها، تقع خارج بغداد في منطقة أبو غريب، وكان من الصعب على طلاب الكلية الذهاب إلى بغداد للمشاركة في الإضرابات هناك.
بدأ التشاور بين الطلاب حول ما يمكن عمله، فقدمنا نحن الأردنيين اقتراحاً لهم يتمثل بإقامة اعتصام للتعبير فيه عن النفس والموقف. عندها سألونا: ما هو الاعتصام؟ فقلنا لهم: تعطيل الدراسة من الصباح، بحيث يتجمع الطلاب في الساحة العامة في الكلية، وتُلقى كلمات وترفع لافتات للتعبير عما تريدون.
قدمنا لبعضهم الذين نثق بهم هذه النصيحة فأخذوا بها، وقد تم تعطيل الدراسة والتجمع وإلقاء الكلمات والشعارات المتفق عليها، ولم نظهر نحن الأردنيين بشيء سوى وقوفنا معهم.
تم الاعتصام بدءا من الصباح وحتى الثالثة عصراً، حيث ذهبنا نحن المصلين إلى مصلى الكلية، فأدينا الصلاة.
بعد انتهائي من الصلاة، ناداني عامل بدالة التلفون، وأبلغني بما يلي: أثناء اعتصامكم قام عميد كلية ممتاز عارف بالاتصال بنوري السعيد رئيس الوزراء، وأبلغه بأن لدينا اعتصاما قام به الطلاب وهم الآن في الساحة العامة، فسأله نوري السعيد: ما هو الاعتصام؟ فوصف له ما تم، عندها قال له نوري السعيد: هذه ليست فكرة عراقية. ماذا لديكم من الطلاب الأجانب؟ فقال: عندنا طلاب أردنيون، فقال: هذه هي، هؤلاء الأردنيون هم أصحاب الفكرة. وطلب إعطاءه أسماء الأردنيين الذين شاركوا في الاعتصام، فأعطاه اسمي وأسماء فاروق بدران وإبراهيم الساكت ونعيم بقاعين وهاني حدادين، فأبلغ نوري السعيد العميد أنه أصدر أمره بطردهم من العراق فوراً، وأن يُلقى بهم عند خشبة الحدود الأردنية العراقية!.
عدت إلى الشباب، ووجدت فاروق وإبراهيم، فسألت عن نعيم وهاني، قالا لي إنهما ذهبا إلى بغداد.
كانت عيوننا تراقب بوابة الكلية، فوجدنا الشرطة تفتش الباصات الخارجة من الكلية بحثاً عنا، عندها اتخذنا قرارا سريعا، ونفذناه على الفور، وهو أن نذهب مشياً على الأقدام إلى محطة الباص التي تقع مقابل مدخل الكلية.
ركبنا الباص متظاهرين بأننا لسنا طلاب كلية، فمررنا على محطة الكلية، وكان أفراد الشرطة ما يزالون منهمكين بالتفتيش عنا، ومررنا من عندهم بدون أن ينتبهوا إلينا.
حين وصلنا إلى بغداد سألنا عن هاني ونعيم، فقيل لنا إنه تم إلقاء القبض عليهما من قبل الشرطة.
استقلَّ ثلاثتنا سيارة وطلبنا إيصالنا إلى منطقة الصليخ في ضواحي بغداد، حيث يسكن مجموعة من الطلاب الأردنيين؛ قنديل شاكر وعدنان الجلجولي وعبدالحليم أبو طالب وعبدالحكيم غيث، وغيرهم. سكنا عندهم، وبدأنا من هناك، وبطريقة غير مباشرة، نتابع القضية مع سفارتنا في بغداد.
كان المستشار الثقافي آنذاك الأستاذ إبراهيم صلاح رحمه الله والسفير الأستاذ عبدالله زريقات، وكان المستشار يأتي ليلاً عندنا في الصليخ، ونتشاور ويعطينا الأخبار أولاً بأول. كان رجلاً شجاعاً ومخلصاً، وكان يطلب من السفير التدخل، وآخر هذه التدخلات أنه أخذنا بسيارته الدبلوماسية إلى وزارة الزراعة، حيث إن السفير أخذ موعداً من الوزير لبحث قضيتنا ومعه المستشار الثقافي.
دخل السفير لمكتب الوزير العراقي ومعه المستشار الثقافي، وكان الوزير حينها عبد الهادي الشلبي. جلسنا عند مدير المكتب وكنا نسمع صوت الحوار بينهم، فكان الوزير يقول: أنا لا أستطيع أن أبحث الأمر مع الباشا نوري السعيد، وهذا أمر غير قابل للنقاش. عندها، خرج إلينا المستشار وأعطانا إشارة تعني أن نهرب قبل أن يتم إلقاء القبض علينا. خرجنا بسرعة، وركبنا سيارة وعدنا إلى مخبئنا في الصليخ.
فيما بعد، علمنا أن نوري السعيد قد شدد على مدير الأمن العام أن يبحث عنا بكل الوسائل إلى أن يجدنا، وهدده بالعقوبة إن فشل في ذلك.
قام مدير الأمن بطلب تفتيش السفارة الأردنية لأنه يشك بأننا مختبئان فيها، وتم التهديد بإيقاف الاعتراف بالمستشار الثقافي إذا لم يتم تسليمنا إليهم.
مكثنا على هذه الحال على مدار أسبوعين، لكننا في نهاية المطاف لم نجد وسيلة إلا تسليم أنفسنا حتى لا نحرج السفارة والمستشار الثقافي على الخصوص.
طلبنا من المستشار أن يساوم مدير الأمن العام على تسليم أنفسنا بشرط أن نخرج من العراق خروجاً طبيعياً من دون اعتقال، خصوصا عندما علمنا أنهم قاموا بتسفير هاني ونعيم بطريقة الاعتقال.
فرح مدير الأمن العام بالشرط، وقال: أريد أن يخرجوا، وأبلغ الباشا أنني أخرجتهم كما أراد. أبلغ المستشار مدير الأمن العام بما تم ترتيبه، وبأننا حجزنا مقعدين لي وللأخ فاروق، لأنهم كما علمنا كفوا الطلب عن إبراهيم. وأخبرهم حينها أن الحجز كان في تكسيات طبلت، وفي مكاتبهم بساحة القاضي، وأعلمه عن الساعة كذلك.
ذهبنا في الساعة المعينة ووجدنا اثنين من الشرطة تحقَّقا من جوازات سفرنا، وأننا قد حجزنا للسفر بالفعل، وانتظرا حتى خروج السيارة، وأديا لنا التحية وهما مسروران. وعدنا إلى الأردن بشكل عادي.
في الطريق إلى الأردن، مررنا في طريقنا على كليتنا في أبو غريب، فنظرت إليها بحزن عميق، وأنا أساءل: يارب، هل لنا من عودة لإكمال الدراسة!!.
كان الوضع في الأردن ملتهباً وداعماً لمصر، وكان عمي المرحوم عبد الحليم النمر نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للدفاع والداخلية، وقال لي: ما رأيك أن تتحول إلى جامعة القاهرة في مصر. كان المقترح جيدا، فوافقت على الفور، وقمت بتقديم الطلبات على هذا الأساس.
قدمت الطلبات إلى السفارة المصرية بعمان، ووعدوا بمتابعتها. كان المرحوم غازي عربيات في القيادة العامة الأردنية، وقال لي المستشار العسكري في السفارة المصرية إنه سيتابع لي الأمر، وسيترك الجواب "عند الأخ غازي عربيات"، لمعرفته به.
كان تقديم الطلبات في أواخر العام 1956، وحين لم يأتِ جواب خلال شهرين، عملت معلماً في مدرسة أديب وهبة، ومديرها حينذاك كان المرحوم أحمد محمود خليفة، ولأن الأخ فاروق بدران كان مفصولا من جامعة القاهرة، فلم يستطع أن يقدم معي طلباً، وبقي ينتظر أمر الحل من أي جهة كانت.
جاءني الجواب بالقبول في جامعة القاهرة في نهاية شهر نيسان (أبريل) العام 1957، وكنت أعمل معلماً، كما ذكرت، فقررت عدم الذهاب في هذا الوقت بل الانتظار لبداية العام الجديد لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.
بقيت معلماً حتى بداية العام الدراسي الجديد، وبعد مرور ما يقارب الشهر على بدء الدراسة بالجامعة في بغداد، وصلت برقية من المستشار الثقافي في بغداد لوزارة التربية يقول فيها: على فاروق وعبد اللطيف أن يحضرا فوراً إلى بغداد، وبالطائرة، في يوم كذا، وعدم التأخير نهائيا، لأن الدراسة بدأت من مدة، والتأخير لا يحتمل!!.
كان الأمر مفاجئا، فسارعنا معا إلى حجز السفر، وغادرنا عمان إلى بغداد بالطائرة.
وصلنا بغداد في الساعة الثامنة مساءً، وعندما فُتح باب الطائرة وإذا بالمستشار إبراهيم صلاح يقف على رأس سلم الطائرة. أخذ منا جوازات السفر، وقال اتبعوني. دخل إلى قسم الأمن الذي يدقق الجوازات، وقال لهم: أنا المستشار الثقافي الأردني، رجاءً ختم هذين الجوازين، فتم ذلك بسرعة وبدون تأخير. بعدها أشار إلينا أن نتبعه من جديد، فخرجنا معه، وإذا بجموع الطلاب الأردنيين، حوالي الخمسين، تجمعوا لاستقبالنا، وقالوا لنا: أين حقائبكما، فأشرنا إليها، فحملوها، وأخذوا واحدة زيادة ليست لنا. حين وصلنا منزلهم في الصليخ، اكتشفنا الحقيبة الزائدة، فاتصلنا بالمطار وأعلمناهم بذلك. وكانت فرحة إخواننا بنا كبيرة لا توصف.
في اليوم التالي، ذهبنا إلى الكلية وقابلنا العميد، وكان وقتها الدكتور عبد الصاحب العلوان، وأعطى أمرا بالتحاقنا فوراً بالدراسة، وعدم المحاسبة على التأخير. الأساتذة والطلاب وأولهم العميد كانوا فرحين بعودتنا، والكل يقول الحمد لله على السلامة.
وهنا، أسجلها للحق بأن نخوة ورجولة الأستاذ إبراهيم صلاح، المستشار الثقافي في السفارة الأردنية في بغداد، وكذلك نخوة ورجولة إخواننا العراقيين الذين تجاوزوا كل الشكليات وتعاونوا معنا بدون حدود، كانا سببا من أسباب عودتنا إلى الدراسة.
بدأنا بالدوام في الكلية، وبحسب الأصول فإنه لابد من إبلاغ دائرة الإقامة بعودتنا  إلى العراق، وقد كان في ذهننا أنه قد تم السماح لنا بالدخول، وأن أمر الإبعاد أُلغي ولم يعد قائما.
دخلنا إلى مكتب مفوض الإقامة وقدمنا له الجوازات وطلب الإبلاغ، فإذا به ينظر إلينا باستغراب، ويقول كيف دخلتم؟! أنتم ممنوعون من الدخول، واسماكما موجودان في القائمة السوداء!!.
أخبرناه تماما كيف تم الأمر وقصة مجيئنا في الطائرة. عندها تحدث مع المستشار الثقافي الأردني، الذي أخبره أن أوراقنا جاهزة، والمعاملة كاملة ستأتيه في أقرب وقت. عندها، قال لنا بأنه سيمنحنا أسبوعين فقط لإتمام المعاملة.
خرجنا من عنده، وعدنا إليه من جديد بعد أسبوعين، ليخبرنا بأن الأمر ما يزال على حاله، وأن معاملتنا لم تصل. وأشار إلى الشرطة بعدم السماح لنا بالخروج.
بدأ يقلب الملفات أمامه، وكنا نحن ننتظر على أحر من الجمر، وإذا به يقول: ها هي قد وصلت.
وأعطانا إذن الإقامة، وهنأنا بالسلامة. فشكرناه وغادرنا مكتبه.
درست السنة الثانية التي فصلت فيها، لكن شعورا عاما بعدم الاطمئنان وعدم الاستقرار ظل مسيطرا علي. كان ذلك الشعور مرده إلى أسباب كثيرة؛ داخلية وخارجية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   السبت 10 ديسمبر 2016 - 1:57

عربيات في الحلقة السادسة
•  شهدنا الغليان ببغداد بعد الإطاحة بـ"الملكية" والفوضى التي أعقبت الانقلاب
•  بعد انقلاب 1958  العراقي أطلقت شعارات السحل بكل هتاف أو نشيد  
• المستعمر البريطاني ساهم بزيادة الشرخ بين السنة والشيعة في العراق
• العلماء وقادة الفكر بإمكانهم إنهاء أي نوع من الاصطفاف المذهبي
• الخلاف المذهبي لا يحول دون نصرة الإسلام وتوحيد الأمة ضد عدوها الحقيقي

الحلقة السادسة
عربيات: الخلاف المذهبي لا يحول دون توحيد الأمة ضد عدوها الحقيقي

محمد خير الرواشدة

عمان - تتوالى الأحداث في مسيرة رئيس مجلس النواب الأسبق والقيادي الإسلامي الدكتور عبداللطيف عربيات، ويكشف في حلقة اليوم جانبا من بداياته مع تنظيم جماعة الاخوان المسلمين، بعد أن بدأ ينخرط أكثر في نشاطاتهم في الأردن وخارجها.
ويروي عربيات في الحلقة السادسة من سلسلة "سياسي يتذكر" التي تنشرها "الغد" ذكرياته حول الانتخابات النيابية العام 1956، ومدى الزخم السياسي الذي ولدته المشاركة والمنافسة الحزبية بين القوى السياسية المتعارضة.
ثم يذهب في روايته إلى جهة الدعم السياسي المتبادل بين إخوان الأردن وإخوان سورية، ويستذكر زيارة المراقب العام للإخوان المسلمين السوريين الدكتور مصطفى السباعي، وخطابه الشهير أمام ساحة الجامع الحسيني الذي طالب خلاله الجماهير بانتخاب المرشحين من جماعة الأردن في انتخابات العام 56.
ثم يأخذنا إلى مشاركته في تعبئة السوريين في انتخاباتهم العام 1957، ودعمهم للدكتور السباعي، وجانب من المضايقات التي مورست عليهم خلال تواجدهم في دمشق، وتفاصيل تلك الأحداث التي يسردها عربيات بطريقة مشوقة.
وإلى أحداث طريفة يأخذنا عربيات اليوم، من خلال سرده لقصة ذهابه لبيروت خلال رحلة عودته للدراسة في بغداد، حيث يكشف تفاصيل محاكمته من قبل عبدالرؤوف الروابدة الذي كان ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، والحكم الذي أصدره عليه بمصادرة علب حلوى كان عربيات يريد أن يوصلها لأحد اصدقائه.
ثم يتوقف عند تفاصيل مشوقة عن رحلته الدراسية في العراق، التي كانت تشهد في تلك الفترة أجواء أمنية صعبة بسبب الانقلابات العسكرية.
وكان عربيات قد تحدث في حلقة أمس عن الطريقة التي تعين فيها في وظيفته الأولى، ليعبر منها بعد أن استطاع تأمين كلف دراسته الجامعية، التي قدرت الظروف أن يكملها في العراق ليتخصص في الهندسة الزراعية.
كما تحدث عن استكمال سلسلة مشاغباته السياسية، بعد أن تقدم باقتراح لتنفيذ اعتصام لطلبة كلية الزراعة في بغداد، التي كانت تبعد عن العاصمة، وهو حراك سياسي لم يمارسه طلبة العراق من قبل، وبعد أن نُفذ الاعتصام، جرت ملاحقة عربيات وعدد من الطلبة الأردنيين، بعد أن كشفهم رئيس الحكومة العراقية نوري السعيد، وأمر بملاحقتهم.
وفي ما يلي نص الحلقة السادسة:
* خلال الدراسة الجامعية في بغداد، هل زادت الأوضاع سوءا حركة الانقلابات التي شهدتها كل من سورية والعراق؟

- من العراق كنا نتابع أخبار الأردن. كانت الانتخابات النيابية الأردنية التي جرت العام 1956 في البلاد معلماً كبيراً لتلك الفترة، فبالإضافة إلى المنسوب الكبير للحرية، كانت هناك فرصة لتطبيق روح الدستور، بمعنى إجراء هذه الانتخابات وتكليف حزب الأغلبية بتشكيل الحكومة.
تجمع للإخوان أربعة نواب، هم الأخ محمد عبدالرحمن خليفة في عمان وهو المراقب العام وقد نجح على منافسه سليمان النابلسي الذي تسلم فيما بعد رئاسة الوزراء، كما نجح الشيخ عبدالباقي جمو عن الزرقاء، والأستاذ عبدالقادر العمري عن إربد، والدكتور حافظ عبدالنبي عن الخليل، كما نجح اثنان من حزب البعث وواحد عن اليسار، والشيخ أحمد الداعور عن حزب التحرير الإسلامي.
في تلك الانتخابات، أي في فترة الدعاية الانتخابية، جاء الدكتور مصطفى السباعي، المراقب العام للإخوان المسلمين في سورية، وخطب في المهرجان الكبير لنصرة الحركة الإسلامية، وأخذ العهد على الجماهير في ساحة المسجد الحسيني لنصرة الإسلام والمسلمين.
وفي العام 1957، جرت انتخابات نيابية في سورية، وكان التنافس كبيراً بين الدكتور مصطفى السباعي وعدنان المالكي البعثي في دمشق. قام الإخوان في الأردن بحشد عدد كبير من الإخوان، وذهبنا إلى دمشق لنصرة الدكتور السباعي.
أذكر من الإخوان العمال في السلط الأخوين أحمد جفال (حصام)، وأحمد السعيد الحياري (خباز)، والكل مستعدون لبذل كل جهد في سبيل أداء مهمته في توزيع المنشورات والإعلانات واللافتات.
حاولت الشرطة العسكرية السورية منع إخوان الأردن من توزيع المنشورات في ساحة المسجد الأموي، وهم يحملون رشاشاتهم ويهددون بها، فقام الإخوان جفال والحياري بالدفاع عنا ومنع الاقتراب منا. وبعد ساعات جاءت مفارز شرطة وأحاطت بالموقع واعتقلوا الأخوين جفال والحياري.
قمنا بالتظاهر مطالبين بإطلاق سراحيهما، وحضر إلى الموقع الدكتور مصطفى السباعي، والدكتور معروف الدواليبي، والدكتور مصطفى الزرقاء، والدكتور محمد المبارك، وغيرهم، ووعدونا بإخراجهم فوراً، وقد تم ذلك.
في الساعة الواحدة ليلاً قامت مباحث المكتب الثاني السوري بمداهمة الفنادق التي يسكن فيها الإخوان الأردنيون، وإلقاء القبض عليهم وترحيلهم إلى الأردن فوراً، وقد أخذ ضابط المكتب الثاني الوثائق من جيبي وفيها أوراق الجامعة والهويات وغيرها، وقال لي: لن تدخل سورية  إلا إذا صار السباعي رئيساً للجمهورية، فقلت له: إن شاء الله.
أخذوني في سيارة جيب وجدت فيها الأخ وليد الحاج حسن، والأخ الدكتور محمد بشير الخضرا، وكان طالباً في بيروت، وحضر من أجل الهدف الذي جئنا من أجله، وتم تسليمنا إلى نقطة الحدود الأردنية. قبل ذلك تم طردي من العراق، وها أنا ذا أطرد من سورية.
في شهر تموز (يوليو) من العام 1958، جرى انقلاب عبدالكريم قاسم وعبدالسلام عارف في العراق، وكان ذلك في العطلة الصيفية التي كنت أقضيها في الأردن. أغلقت الحدود الأردنية العراقية، وليس هناك من طريق إلا من الحدود السورية العراقية. حاولت أن أدخل سورية فأعادوني عن الحدود؛ لأنني أخرجت منها قبل عام.
عدت بعد شهر على أمل أن واسطة السيد نذير رشيد في دمشق تفيدني، فطردوني مرة أخرى، وقالوا لي: إذا عدت مرة أخرى سيكون مصيرك السجن. قام الأخ وليد الحاج حسن، رحمه الله، بمحاولات كبيرة من داخل دمشق، لكنه لم يصل إلى نتيجة، فقررت الذهاب بالطائرة إلى بيروت ومنها بالطائرة إلى بغداد.
وبسبب سمعة بيروت التي لم تكن جيدة في ذلك الوقت، سألت عن فندق "نظيف" في العاصمة اللبنانية، فأرشدني بعض الإخوة إلى فندق الأهرام. وبالفعل ذهبت إلى بيروت، وبدأت بالتسجيل في الاستقبال، وتم تحديد غرفة لي في الفندق، وكدت أهم بالذهاب إليها، وإذا بمجموعة من الشباب لا أعرف منهم أحداً يسألون: أين عبداللطيف عربيات؟
فقلت: نعم.
جاؤوا نحوي، وإذا بهم يعرفون صاحب الفندق، فقالوا له: أغلق الحساب. ثم وجهوا الكلام لي: "يا أخي ما فيه حدا بعينك، تأتي لبيروت وتذهب إلى الفندق".
تبين أن ناطقهم المفوه هو عبدالرؤوف الروابدة، ومعه حسين رشيد وأحمد السيد، وخليل رباع، وكلهم طلاب صيدلة ما عدا حسين رشيد، الذي كان يدرس الطب.
قام الأخ خليل رباع بتخصيص غرفته لي، وكانت لديهم مساحات واسعة وفرش كثير. وقالوا: كلما تأتي لبيروت سنسكنك هنا.
في الصباح، ذهبت إلى السفارة العراقية، وقدمت طلباً وبيانات تثبت بأنني طالب في جامعة بغداد من أجل سمة الدخول، ثم عدت إلى البيت، وتناولنا الغداء عند الإخوة الكرام.
كان العام 1958 عام الانقلابات، وكانت إشارة الانقلاب نشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي، وإذا بالمسجل يرتفع فيه نشيد الله أكبر فوق كيد المعتدي وإذا برفاقي يحملون بنادقهم (شماسي) ويقولون لي: أرفع يدك أنت معتقل، فقلت: حاضر، ثم أحضروا الأخ خليل رباع، كمتهم معي، وإذا بطاولة المحكمة تنصب والادعاء العام عبدالرؤوف الروابدة، قد أعد خطاباً نارياً يقول فيه: مصلحة الأمة والوطن توجب القبض على المتآمرين، كذا وكذا، والمتهمان فلان وفلان ألقي القبض عليهما في حالة تآمر كذا، فالمتهم الأول دخل البلاد بصورة غير مشروعة ووجدناه يتردد على السفارة العراقية بصورة مشبوهة، وأما المتهم الثاني فقد آوى المتهم الأول وأسكنه في غرفته، وفوق هذا وجدنا طردين مشبوهين في حقيبة المتهم الأول، نطالب بالتحقيق وبيان الحقيقة... إلخ.
بعد تشاور قليل بين "هيئة المحكمة"، عادت وأصدرت أحكامها بما يلي: ثبت قول الادعاء بحق المتهم الأول من تردده على السفارة العراقية، فيحكم عليه بالطرد من البلاد وعلى أول طائرة إلى بغداد، ثانياً فض الطردين المشبوهين أمام المحكمة الموقرة، ويحكم على المتهم الثاني بعشر جلدات خفيفة.
كانت فكاهات حلوة وأخوية ومعبرة، أما قصة الطردين فهما علبتا حلويات أرسلهما الأخ أحمد أبو طالب، إلى ابن عمه عبد الحليم أبو طالب معي.
في اليوم التالي جاء إلى بيروت الأخ وليد الحاج حسن رحمه الله، وكان يدرس الحقوق في جامعة دمشق، وهو يحمل أمراً بالسماح لي بدخول سورية والذهاب منها إلى العراق، فشكرته وقلت له: حلت من هنا وجزاك الله خيراً.

*إذن، عدت إلى بغداد مع بدء الانقلاب على النظام الملكي في العراق؟
- ذهبت إلى بغداد بالطائرة من بيروت. كان وقتا صعبا، فقد واجهنا، إلى جانب الدراسة، حالة الغليان في بغداد وبقية المدن العراقية إثر الانقلاب العسكري ونتائج المجازر التي رافقت الانقلاب وتبعته، وتشكيل قوى المقاومة الشعبية من طلاب الجامعات والقوى اليسارية العمالية التي أعلنت أنها مسؤولة عن حماية الثورة والمكتسبات الشعبية، فصبوا جام غضبهم على البعثيين والقوى الشعبية الأخرى.
كنا في الأقسام الداخلية نفيق في منتصف الليل على دخول المقاومة الشعبية الطلابية التي كانت تقتحم الغرف وتقوم بتفتيش الخزائن، للبحث عن السلاح أو المنشورات أو الكتب المعادية للشيوعية. كانوا يعرفوننا كوننا طلاب كلية واحدة، وعندما وصلني الدور في التفتيش قال قائدهم وهو طالب كردي واسمه محمد صالح: لا تفتشوا خزانة عبداللطيف، هذا مناضل مثلنا حيث فصلنا قبل عام معا أثناء مظاهرات العدوان الثلاثي على مصر.
في إحدى الليالي، جاءني طالب كردي ضخم الجسم اسمه عبدالله، وكانت الساعة الثانية صباحاً، وقال لي: أخ عبداللطيف، أنت تقول إنكم الأردنيون لا تتدخلون في شؤوننا الداخلية. تعال وانظر ماذا وجدنا عند جميل الزريقات، منشورات معادية وغيرها من الوثائق.
ذهبت معه إلى ردهة جميل الزريقات، فوجدتهم يحيطون به بصورة مزعجة، وحين رأوني قالوا لي: انظر ماذا وجدنا عنده؛ منشورات وكتب.
نظرت إليه، وكانوا قد أشبعوه ضرباً، فقال: هم الذين وضعوها في خزانتي.
ما إن قال ذلك، حتى عادوا إلى ضربه من جديد، فتدخلت وقلت لهم: يا شباب هذا أحد الطلاب معكم، وهو زميلكم. قد تختلفون معه في الرأي، ولكن تبقى الزمالة والأخوة بينكم هي أقوى. لا يليق هذا الفعل بكم كطلبة.
فقالوا: حسنا؛ سنأخذه الآن ونسلمه إلى معسكر الجيش القريب من الكلية.
قلت لهم إن الوقت غير مناسب، وأشرت عليهم أن يبقوه تحت الحراسة، وأن ينام في مكانه حتى الصباح، على أن نلتقي في الصباح الباكر لتسوية المشكلة.
خرج اثنان منهم لمناقشة الاقتراح ودراسته، وعادا بعد قليل بالموافقة عليه.
هذا مثال واحد من أحداث أشهر طويلة على هذا المنوال. كنا نقضي وقتاً طويلاً بمتابعة محاكمات فاضل عباس المهداوي، رئيس المحكمة العسكرية آنذاك، أو محكمة الثورة. كانت المحاكمات مسلية جداً؛ لأنها لا تعتني إلا قليلاً بموضوع الاتهامات والتحقق منها. كانت تُلقى فيها أشعار الردح والذم بالآخرين في داخل العراق وخارجه، وكانت مصر عبد الناصر إحدى الجهات التي خصصت لها التعليقات والنكت والتهكمات، في ما محمد حسنين هيكل، من جانبه، يهاجم العراق، أما المهداوي في المحكمة العسكرية فيخصص قسماً كبيراً من الوقت للرد عليهم.
كانت شعارات السحل على لسان كل هتاف أو نشيد، فكنا نسمع "ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة"، وكنا نشاهد الحبال في أيدي النظارة في قاعة المحكمة، يلوحون بها فوق رؤوس المهتمين في قفص الاتهام.
ومن المحاكمات المثيرة التي كنا نشاهدها، محاكمة سعيد القزاز وزير الداخلية في عهد نوري السعدي، ومحاكمات كبار الضباط من أمثال ناظم الطبقجلي ورفاقه الذين أعدموا في ساحة أم الطبول ببغداد.
كان موقف سعيد القزاز موقفاً مميزاً وشجاعاً، فبعد أن كان المهداوي يوجه مختلف التهم والسباب والشتائم إليه، قال في دفاعه موجهاً كلامه إلى المهداوي: "أنا أعرف أن حكم الإعدام سيصدر ضدي، ولكنني عندما أرتفع على أعواد المشنقة ستكون أقدامي فوق رؤوس الكثيرين ممن لا يستحقون الحياة من بعدي".
عندها، ارتجف المهداوي، وقال: ماذا تقصد يا مجرم يا كذا؟
قال القزاز: أنا أعني ما قلت.
وكررها مرة أخرى، وبعد تردد عرف المهداوي مغزاها، فأمطره بالشتائم من مختلف الأنواع.
أيامها، روى لنا بعضهم أن عبدالكريم قاسم زار القزاز في زنزانته في السجن، وأراد أن يفاوضه، فأدار القزاز ظهره له ولم يجب عن أسئلته. كما روي، أيضا، أنهم أرسلوا له زوجته في محاولة لإيجاد صيغة العفو عنه، فكان جوابه لها: "هل تريدين أن أموت وأنت على ذمتي أم مطلقة؟".
فعادت بدون نتيجة، وتم إعدامه، رحمه الله.

* لا بد لنا أن نستحضر تلك الفترة بوعيك اليوم، وتراكم سنوات خبرتك السياسية، ما هي آثار ذلك الانقلاب، وهل أدى ذلك لميلاد التفرقة المذهبية بين السنة والشيعة منذ ذلك الوقت؟
- عملية التمذهب بين السنة والشيعة في العراق عميقة لدى الجانبين، وقد رعى تعميقها وإدامتها ومنع اللقاء فيها المستعمر البريطاني، الذي شجع ذلك بمختلف الوسائل.
هناك شيء أصيل ويمكن اللقاء على أساسه، وهو السنة المحمدية التي يلتقي عليها الجميع، والمذهب الشيعي الجعفري الاثني عشري اعترفت به السنة كمذهب سادس وذلك على لسان الشيخ شلتوت رحمه الله وهو شيخ الأزهر، والذي قرره باسم السنة جميعاً.
لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد غالت الشيعة الصفوية بالخلافات، وفي المقابل كانت هناك ردة فعل من قبل السنة، إضافة إلى أن هناك، وحتى اليوم، من يرعى ويحرك الخلاف بدوافع وأسباب متعددة.
أؤمن أن هذا الأمر يمكن الاتفاق عليه إذا وُجد من يعي حقيقة هذا الخلاف، من الجانبين، ومن يعمل بروح الإسلام بتجرد وعلم وعمل جاد لتحقيق مقاصد الشريعة وأهداف الإسلام العليا.
سأورد مثالا حدث في العام 1959 بعد انقلاب العام 1958، وأثناء حكم الزعيم عبدالكريم قاسم، فقد قام الرجل بإفساح المجال لتشكيل أحزاب حرة ومستقلة لمن يريد ذلك، فأعلنت القوى الشيوعية تشكيل حزب لها، والإسلاميون أعلنوا تشكيل الحزب الإسلامي في العراق، وقد حضرت حفل افتتاح أول اجتماع للحزب في مقر جمعية الأخوة الإسلامية في باب المعظم في بغداد، وشهدت بنفسي حضور وفد من أكراد الشمال وتكلموا في الاجتماع، وبلسان واحد، بقولهم علناً: نحن نأتي لنكون جنوداً للحزب الإسلامي. حين قلتم أنتم عروبة قلنا نحن أكراد، ولكن عندما قلتم إسلام جئنا لنعلن أننا من جنودكم، ولا نطالب بالقيادة.
وحدث أيضاً أن تقدم أحد إخواننا الشيعة برخصة جريدة باسمه لتكون ناطقة باسم الحزب الإسلامي، وسمعنا في حينه أن عبدالكريم قاسم قد استدعى هذا الأخ الشيعي وقال له: أنت شيعي، فكيف تعطي رخصة جريدتك للحزب الإسلامي السني؟. فقال له: هذا هو الإسلام.
وهناك مثال آخر حصل في تلك الآونة؛ فعندما اشتد نفوذ الشيوعيين في الجيش والحكومة، وشعر المسلمون جميعاً بخطر الشيوعية تهددهم، صمموا على توحيد الصفوف ضد الخطر الداهم، فقام الشيخ أمجد الزهاوي، كبير علماء السنة في بغداد بتنظيم زيارة للعتبات المقدسة في النجف الأشرف، وأخذ وفداً كبيراً معه في هذه الزيارة. كما قام الإخوة الشيعة في النجف، علماء وجماهير شعبية، بتنظيم استقبال لهم لا نظير له، وقيل في حينه إنه لم يحصل عليه أي زائر قبله. وقيل إن علماء الشيعة قد قدموا الشيخ الزهاوي ليؤمهم في الصلاة، وأقيمت احتفالات وندوات كبيرة بمناسبة هذه الزيارة، وتحدثوا جميعاً عن أهمية توحيد الصفوف والاستعداد لمواجهة الخطر الشيوعي القادم.
كما نظم علماء السنة زيارة لعلماء الشيعة في بغداد، وقد كانت في رمضان العام 1959، وتم استقبالهم في كلية الشريعة ومسجد الإمام أبي حنيفة النعمان، وقد أقيم لهم حفل إفطار كبير حضرته أعداد غفيرة، وكنت من الذين حضروا هذا الإفطار مع طلاب من الحركة الإسلامية.
كانت الفرحة غامرة، عند الجميع وقد ألقيت الكلمات والقصائد، وكان من أبرزها قصائد شاعر الدعوة الإسلامية وليد الأعظمي رحمه الله، التي هاجم فيها محمد مهدي الجواهري الذي أصبح نصيراً لليسار في ذلك الوقت. وبقيت هذه الاحتفالات من بعد صلاة التراويح حتى الفجر، وكان الجميع في عيد وفرح مستمر.
هذا مثال واضح وجلي على أن الخلاف المذهبي بين الشيعة والسنة لا يصل إلى درجة القطيعة والحرابة كما يريد ذلك أعداء الإسلام، وأن المحن توحد الجميع وأن العلماء وقادة الفكر بإمكانهم إنهاء أي نوع من الاصطفاف ضد بعضهم البعض، وأن الخلاف في بعض المسائل لا يحول دون نصرة الإسلام وتوحيد الأمة ضد عدوها الحقيقي.
عناوين الحلقة المقبلة من سياسي يتذكر
أنهيت السنة الأخيرة لدراستي في الكلية بتقدير امتياز
لم نتأثر كثيرا بالظروف السياسية والأمنية في العراق
الأكراد لم يكونوا يعرفون الدينار العراقي
الإهمال وعدم العدالة والمساواة تؤدي إلى القلاقل
التفريع الأكاديمي إلى علمي وأدبي في العراق سبق الأردن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الإثنين 12 ديسمبر 2016 - 3:36

الحلقة السابعة

عربيات: الإهمال وعدم المساواة وفقدان العدالة تؤدي للقلاقل


محمد خير الرواشدة
عمان- يأخذنا رئيس مجلس النواب الأسبق والقيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور  عبد اللطيف عربيات في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" إلى رحلة سياحية قام بها عربيات خلال دراسته الجامعية، ويؤكد بأنه وعلى الرغم من الظروف السياسية والأمنية في العراق، إلا أنه واصل رحلة اكتشافه للمجتمع العراقي بألوانه السياسية وأطيافه المذهبية.
ويؤشر عربيات في حلقة اليوم إلى مفاصل مهمة من رحلته الجامعية الأولى، ويؤكد حصوله على تقدير امتياز في نهاية مشواره العلمي من جامعة بغداد، وأنه استفاد من نظام التعليم الجامعي في العراق، الذي كان يطبق دراسة الفروع العلمية والأدبية قبل الأردن بسنوات.
وكعادة عربيات في معظم الحلقات فإنه يعرج إلى عمله الدعوي والسياسي خلال محطات من عمره، ويشير إلى أنه ظل يحاول مناقشة اساتذته الجامعيين ويسعى للتأثير بهم، وله في ذلك محطة مع الدكتور سعدون حمادي الذي أصبح لاحقا رئيسا للوزراء زمن رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين.
ويقفل عربيات في حلقة اليوم رحلة دراسته الجامعية الأولى في بغداد، يأخذنا نحو عودته لوزارة التربية والتعليم، التي أخرت التحاقه ببرنامج الدراسات العليا في الولايات المتحدة، ما دفعه للتظلم وتسجيل شكوى بحق القائمين على البعثات، إلا أنه يؤكد حصوله على المنحة في نهاية المطاف.
وكان عربيات تحدث في الحلقة الماضية عن الدعم السياسي المتبادل بين اخوان الأردن واخوان سورية، واستذكر زيارة المراقب العام للاخوان المسلمين السوريين الدكتور مصطفى السباعي، وخطابه الشهير أمام ساحة الجامع الحسيني الذي طالب خلاله الجماهير بانتخاب المرشحين من جماعة الأردن في انتخابات العام 56.
كما تحدث عن مشاركته في تعبئة السوريين في انتخاباتهم العام 1957، ودعمهم للدكتور السباعي، وجانب من المضايقات التي مورست عليهم خلال تواجدهم في دمشق، وتفاصيل تلك الأحداث التي يسردها عربيات بطريقة مشوقة.
فيما عرج على أحداث طريفة حصلت خلال ذهابه لبيروت برحلة عودته للدراسة في بغداد، حيث كشف تفاصيل محاكمته من قبل عبد الرؤوف الروابدة الذي كان ينتمي إلى جماعة الاخوان المسلمين، والحكم الذي أصدره عليه بمصادرة علب حلوى كان عربيات يريد أن يوصلها لأحد اصدقائه.
وفيما يلي نص الحلقة السابعة:
* في تلك الفترة، وأنت تتعرف على العراق، ماذا وجدت، وما تأثير الظروف السياسية عليكم كطلبة وافدين؟
 - لم نتأثر كثيرا بالظروف السياسية والأمنية في العراق، وقد قمنا بزيارات إلى أماكن كثيرة في العراق.
أذكر زيارتنا إلى المناطق الشمالية، فقد ذهبنا إلى مدينة الموصل، وقمنا هناك بزيارة المواقع المهمة فيها، خصوصا موقع الشواف المدمر، ومسجد عجيل الياور الذي وجدنا ساحاته الخارجية ملطخة بالدماء.
كما قمنا بزيارة إلى محطة البترول في عين زالة، وقد كانت تحيط بنا قوات المقاومة الشعبية المسلحة بالرشاشات، حتى أننا كنا نجلس إلى مائدة الطعام والأسلحة الرشاشة تتدلى فوق رؤوسنا خوفاً من أن نقوم بشيء ما!!
كانت المجموعات الطلابية، التي كنا ضمنها، مكونة من الشيوعيين والبعثيين والإسلاميين، وخلال ركوبنا الحافلة والسير فيها قاطعين تلك المسافات، ظلت الأناشيد والهتافات والتهديدات تدوي متوعدة بالقضاء على أعداء الثورة. كانوا يخصُّون، بالدرجة الأولى، البعثيين، بينما كانوا يتجنبون الإسلاميين.
يومها، قام الزملاء البعثيون بأداء الصلاة والمبيت معنا، والتماهي معنا، فكان الشيوعيون يقولون لنا: نهنئكم بمن دخل الإسلام من جديد. كنا نقول لهم أننا جميعنا زملاء وطلاب صف واحد، ونهدئ من روع البعثيين المستهدفين.
زرنا نهر الخابور الشهير، وسبحنا فيه، وتعرفنا على أجمل المناطق في تلك الجهات المحاذية لتركيا. بعدها، انتقلنا باتجاه الشرق حيث المدينة الكردية "السليمانية"، وهي منطقة جميلة للغاية.
في أثناء دخولنا إلى منطقة السليمانية، سمعنا من خلال الراديو أن الزعيم عبدالكريم قاسم قد عزل اللواء داود الجنابي قائد الفرقة الثانية، وطرد عدداً من الضباط الشيوعيين، وهم من رتب صغيرة.
عندها انقلبت الموازين كثيرا، وتبعها انقلاب الهتافات والتهديدات، فقد أصبح زملاؤنا الشيوعيون يتراجعون في هتافاتهم، ويهاجمون عبد الكريم قاسم. فقام الطرف الآخر باتهامهم أنهم ضد الزعيم الأوحد، كما كانوا يسمونه.
في الحافلة، كان معنا طالبان من الأردن؛ أحدهما يساري والآخر منتفع معهم، فأصبحا يتوددان لنا بعد أن كانا قبل يوم واحد يهددان الخونة بالتصفية في أي لحظة أثناء السفر.
دخلنا السليمانية، كانت بلدة جميلة، وأهلها طيبون وأنقياء. توجهنا إلى إحد المطاعم وقد كنا جائعين جدا. وأذكر أنني طلبت كباب، وهو من المأكولات المشهورة عندهم. فأكلنا على جوع، وبعد أن فرغنا أردت أن أدفع ثمن ما طلبته. لم يكن أهالي السليمانية يتحدثون اللغة العربية، لذلك، أخرجت النقود من جيبي وبسطتها في يدي ليأخذ منها صاحب المطعم ما يريد. فأخذ ستين فلساً فقط. أشرت إليه أن يأخذ أيضا، فأجابني بإشارة (لا)، وأن هذا هو حقه فقط. الأكراد في منتهى الخلق والأمانة.
صلينا الجمعة في مسجد المدينة، ووجدنا عندهم عادة ذبح الأغنام وسلخها في ساحة المسجد، وتقديم اللحم لمن يحتاج إليه.
أيضا، قمنا بزيارة منطقة حاج عمران على الحدود الإيرانية، فوجدنا المعاملة نفسها كما في السيلمانية، وهي منطقة جميلة جداً، إذ كانت المنطقة مزهرة بكل أنواع الزهور والنباتات الجميلة.
كما زرنا منطقة فيها مصيف صغير للملك فيصل تسمى "قوبي قرداغ"، وهي منطقة مرتفعة ووعرة ولم تستطع الحافلة صعود الطريق إليها، فاستأجرنا شاحنات لكي تقلنا وتصعدنا إلى ذلك المرتفع الصعب وذي الطريق الوعرة.
أردنا أن نصنع طعاماً لطلاب الرحلة، وهم حوالي ثلاثين طالباً، فاتفقنا أن نشتري اثنين من الماعز ونكلف هناك من يقوم بذبحهما وطبخهما. جمعنا من كل طالب مئة فلس، وهي حوالي ثلاثة دنانير.
بعدها، هبطت المرتفع مع القائم مقام الذي كان يرافقنا في الرحلة لنشتري ما نريد. وجدنا راعي أغنام قريب، فاخترنا من غنمه اثنتين، وسألناه عن الثمن، وقد كان الحديث يدور باللغة الكردية بين الراعي والقائم، فلاحظت أنهما اختلفا، فسألت القائم مقام عم يدور، وما سبب الخلاف، فقال لي: هو يريد دينارين ثمن الاثنتين، وأنا أقول له دينار وثمانمائة فلس فقط. عندها ضحكت، وقلت له: أرجوك، أنا سوف أدفع له ما يريد، وقمت بإخراج دينارين من جيبي، وأعطيتهما لصاحب الغنم. عندها، بدا عليه الاستغراب، وقد أمسك بالدينار وهو يسأل: ما هذا. قلنا له: هذا دينار. فقال الراعي: أريد دراهم، هذه الورقة لا أعرفها. فجمعت من الطلاب دراهم وسلمتها له. تصوروا، لقد كانوا لا يعرفون الدينار العراقي، والدرهم المعدني أعلى عملة يعرفونها!
جلسنا عند بركة الماء في محطة الملك فيصل. عندها، عرضوا علينا تحديا، وهو من يستطيع أن يضع يده في الماء مدة خمس دقائق. تصديت أنا لهذا التحدي، وفعلا، وضعت يدي داخل الماء وأنا أنظر إلى ساعتي. ولكن، بعد ثلاث دقائق فقط، شعرت أن يدي تجمدت.
لكن، ذلك الجمال، وتلك الأرض الخصبة والماء الوفير، فيما المواطن الكردي لا يعرف عُملة البلد، وهو الدينار الورقي العراقي. إن ذلك يدل على إهمال مقصود لمناطق معينة، والإهمال وعدم العدالة والمساواة هي التي تؤدي إلى القلاقل في أي منطقة.
عدنا إلى بغداد عن طريق أربيل وشقلاوة، وهي مناطق جميلة وخصبة وأهلها طيبون، كما أنها مناطق كثيرة الثمار والأشجار الحرجية. إن مناطق صلاح الدين وشمال الموصل وشرقه، مروراً بالسليمانية، وحتى حدود إيران، هي من أجمل المناطق العراقية إن لم تكن أجملها.
 * كم أفادك، أو ضرك، أنك اجتمعت مع عدد من الطلبة الأردنيين، ومدى تفاعلكم مع المشهد السياسي الخطر في العراق؟
- كانت دراستنا في العراق، كمجموعة أردنيين في الكلية وفي جامعة بغداد، مثمرة جداً، فمن الناحية العلمية يعد مستوى الدراسة متقدماً، وفي الكلية التي كنا فيها كانت صارمة في التعامل من الناحية العلمية، وما كان ليسمح للطالب أن يستمر فيها إن كان مستواه لا يلائم المستوى العام، فكان فيها أساتذة أميركان وألمان وهنود ومصريون في اختصاصات مختلفة ومن مستوى متقدم.
ذكرت أن التفريع إلى علمي وأدبي في العراق سبق الأردن، ولهذا كان المعدل العام متصاعداً عندي في السنوات الأربع، وفي السنة الأخيرة كان تقديري امتيازا والمعدل العام للسنوات الأربع كان جيدا جداً، والتصاعد هذا نتيجة الاختلاف في المناهج في المستوى الثانوي، والذي تأثرنا به كثيرا خلال  السنة الأولى فقط.
من الأساتذة في الكلية كان  الدكتور عبدالصاحب العلوان والدكتور سعدون حمادي، وقد كانا أستاذين في الاقتصاد وفي الكيمياء الحيوية، كما كان هناك أستاذ من باكستان، هو الدكتور صدّيقي، وهو من العلماء المعروفين في العالم.
كان النشاط الإسلامي في العراق متصاعداً، وجامعة بغداد كانت الجامعة الوحيدة في العراق، وطلابها من جميع أنحاء العراق، فيما كانت حصة الأردن فيها جيدة. كان الطلاب الأردنيون في جميع الكليات؛ في الحقوق والتربية والهندسة الزراعية والطب.
ومن خريجي العراق كان المهندس يحيى الخطيب، وعمر عبد الله، وأحمد اللوزي، ومحمد نمر وهبة، ومنذر حدادين، وغيرهم كثير.
ومن الطلاب الذين كانوا في زماننا محمد خليل خطاب، وعرفات التكروري، وغالب أبو عبود، وأحمد عبيدات، ومحمد عبيدات، وفاروق بدران، وحسن المومني، وعدنان الجلجولي، وقنديل شاكر، وعبد الحليم أبو طالب، وطارق التل، ومحمود التلهوني، وسالم الخضيري، وإبراهيم الساكت، وهؤلاء كانوا أقرب إلى الاتجاه الإسلامي. وكان أيضا؛ سليمان عوجان وزهير كريشان، وعبد الهادي المجالي، وهاني حدادين، ونعيم بقاعين، وجميل زريقات، وسعد شموط، وسليم الشامي، وغيرهم كثير.
كان نشاطنا الإسلامي في هذه التجمعات المتجانسة، وفي حضور ندوات ومحاضرات في مركز جمعية الإخوة الإسلامية في باب المعظم ببغداد. كنا نناقش في المحاضرات والندوات الجامعيين، خصوصا الأساتذة الذين يدرسوننا، ومنهم الدكتور عبدالصاحب العلوان الذي أعطانا أكثر من مساق في الاقتصاد.
ذات مرة، سألت الدكتور عبد الصاحب العلوان، وقد كان من خريجي إحدى الجامعات الأميركية العريقة: لماذا تذكر الاقتصاد الرأسمالي والاقتصاد الاشتراكي فقط، أين هو الاقتصاد الإسلامي؟
فقال لي: لا أعرف شيئاً عن الاقتصاد الإسلامي.
فقلت له: هل تريد أن أحضر لك بعض المصادر.
وجدت الأستاذ علوان يرحب بالأمر، وفعلا جلبت له بعض المصادر من كتب الدكتور محمود أبو السعود، والمودودي، والسباعي، فقام بتلخيص ما يزيد على أربعين صفحة "فولسكاب" بخط يده، وصورها ووزعها على الطلاب تحت عنوان "الاقتصاد الإسلامي".
كنا نعرف اتجاه كل أستاذ ونناقشه في مادته، ومنهم الدكتور سعدون حمادي، الذي أصبح فيما بعد رئيساً للوزراء في عهد الرئيس صدام حسين، ورئيساً للمجلس الوطني العراقي، حيث كان يدرسنا مادة الاقتصاد العام.
بصراحة، كنا محتارين بشأن الدكتور سعدون حمادي؛ هل هو قومي عربي أم بعثي. كنت أناقش ذلك مع الأخ فاروق بدران، فاختلف التحليل بيننا، فقلت له: أنا أكشف ذلك في المحاضرة القادمة.
دخلنا المحاضرة، ووجهنا سؤالاً له حول ما هو نوع النظام الاقتصادي الذي تراه في حال تشكيل حكومة وطنية قومية. فأجاب بأننا لا نحرص على تحديد نوع النظام مسبقاً، بل عندما تُشكل تلك الحكومة يتم الاتفاق على نوع النظام ويقرره الشعب،
هنا عرفت من هو، فخرجت أنا والأخ فاروق وكنا معا في المحاضرة. سألت الأخ فاروق: هل عرفت الحزب الذي ينتمي إليه الدكتور سعدون؟
ثم تابعت قائلا: هذا من جماعة "دم حديد نار.. وحدة تحرر ثار". وكان هذا شعار القوميين العرب، وما كدت أنهي جملتي، إلا وأنا وجهاً لوجه مع الدكتور سعدون. نظر إلي وقال: ماذا؟
أخبرته القصة التي حصلت للتو، وكيف أننا أردنا معرفة ما إذا كان قوميا عربيا أم بعثيا. ضحك كثيراً، وقال لنا قصة دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، وأنه كان من جماعة العروة الوثقى، ثم ذهب إلى الولايات المتحدة لدراسة الدكتوراه، وحصلت حركة أو انقلاب عبد الكريم قاسم بعد ذلك، فإذا بالدكتور سعدون رئيساً لتحرير جريدة الجمهورية العراقية، ومن يومها التزم مع البعثيين. وقد تسلم بعدها أعلى المراتب الحكومية، وبقي معهم حتى سقوط نظام صدام حسين.
في دراستنا في العراق، كنا مخضرمين بين العهدين الملكي والجمهوري، ولاقينا ما لاقينا من النظامين، ولكنها فترة كانت مليئة بالأحداث الكبرى والمتغيرات شديدة الأثر على دراستنا، فمن الفصل من الجامعة إلى المضايقة في الدراسة، والمنع من الدخول سواء إلى العراق أو إلى سورية، ولكن تلك الصعاب جعلت الإنسان يتمرس في مواجهة الأحداث الجسام، وبالتالي يتحقق المطلوب، ولكن بتعب وجد وصبر، والحمد لله رب العالمين.
تعرفنا على الطلاب الأردنيين في الدراسة هناك، وكذلك على أعداد جيدة من الطلاب العراقيين، وكانوا طليعة شباب العراق آنذاك، وبقيت معرفتنا وصداقتنا مستمرة حتى اليوم، حيث كنا نلتقي مع الكثيرين منهم سواء في الأردن أو في العراق أو في مؤتمرات خارجية، ونشعر بالمودة والمحبة والتقدير، وهذه طبيعة أبناء الأمة الواحدة الذين تجمعهم روابط الأخوة والأمة الواحدة، ذات الفكر والتراث والهوية والعمل المشترك.
تخرجت من بغداد العام 1960، وكانت سنة هادئة قياساً بما سبق من سنوات، وكنت أسأل نفسي: هل بقي من إشكالات نواجهها في السنة الأخيرة؟ والحمد لله كانت سنة دراسة ونشاط إسلامي، وكانت نتائج هذه السنة بتقدير امتياز، وبدرجة جيدة من الراحة والاطمئنان.
* لكن دراستك في بغداد حفزتك على مواصلة دراساتك العليا، فأين كانت وجهتك التعليمية بعدها؟
- بعد التخرج من جامعة بغداد العام 1960، عملت في وزارة التربية بضع سنوات، ثم بدأ البحث عن إكمال الدراسة للدرجة الجامعية الثانية. كانت وزارة التربية تعرض في كل عام تقريباً منحاً دراسية أو تدريبية تمول خارجياً وفي اختصاصات مختلفة، وحدث أن قدمت لمنحتين في العامين 1964 و1965، وتم اختياري أصيلاً في كلا المرتين. كانت المنح مقدمة من المساعدات الأميركية للأردن، وتم استثنائي في المرتين وإرسال البديلين وحرماني كأصيل انتُخِبَ من لجنة المقابلة.
شكوت ذلك إلى وكيل الوزارة آنذاك المرحوم الدكتور محمد نوري شفيق، وقلت له: لن أقدم للسنة القادمة. لكنه أخبرني أن أعمد إلى التقديم عند عرض المنح الدراسية والتدريبية، لكنني أقسمت له أنني لن أقدم حتى يتضح لي من هو صاحب القرار في تلك المنح. عندها، كلف الدكتور نوري، السيد سليم عرفات أن يقدم طلباً باسمي، وتم طلبي للمقابلة للسنة الثالثة على التوالي.
عند المقابلة قال لي العضو الأميركي في اللجنة، وأمام اللجنة كلها: لماذا قدمت هذا العام. لقد رفضناك في مرتين سابقتين؟
فقلت له: إذا كنت أنت صاحب القرار فارفضها.
وصل كلامي لوكيل الوزارة، فقال للجهة المانحة: إذا تم رفض عبد اللطيف، سوف أقوم بإلغاء البرنامج كله.
عندها، قررت اللجنة، وبالإجماع باستثناء المندوب إياه الذي سجل اعتراضه سابقا، تنسيب اسمي مع الأسماء المرشحة. وكوكيل وزارة، أقرّ الدكتور نوري شفيق القائمة كما هي، ولكن الجهة المانحة حولتها إلى سنة واحدة تدريبية.
كنت قد قدمت طلبات للقبول في عدد من الجامعات الأميركية، وجاءني قبول من جامعة تكساس (A&M) ووصلني برنامجهم الدراسي.
وجدت في البرنامج أن موعد القبول في المساق الخريفي في يبدأ شهر أيلول (سبتمبر)، وقبله يوجد مساق صيفي لمدة شهر ونصف الشهر لدراسة اللغة الإنجليزية كمتطلب لقبول الدراسة في فصل الخريف.
كنا ستة، وقيل لنا إن البرنامج تدريبي في الجامعة للمقبولين فيها، ويمكنكم أخذ عدد من المساقات التي ترغبون بها، ولا يشترط الحصول على درجة الماجستير.
صممت أن أستغل هذه الدورة لدراسة الماجستير، وقررت دراسة ثماني ساعات لغة إنجليزية في المساق الصيفي في أقل من شهرين. وقد وجدت في برنامج الجامعة المذكورة أن المساق الصيفي يبدأ في الخامس عشر من تموز (يوليو) العام 1966.
غادرنا الأردن في اليوم التالي، ووصلنا واشنطن، وقابلنا رئيس البعثات هناك، فقال لنا: عليكم حضور دورة تعريفية في واشنطن لمدة أسبوعين، ثم تلتحقون في جامعاتكم بعد ذلك.
لكنني وجدت أنني إذا أخذت ببرنامجهم سوف أفقد مساق اللغة الإنجليزية الذي هو متطلب للفصل الخريفي، وهو الذي أعتبره المدخل لبرنامج الماجستير. قال لي المسؤول: هذا برنامج يجب أن نحضره فهو إلزامي على الجميع.
قلت له: عندي ترتيب أن أسافر غداً صباحاً إلى تكساس لكي أقبل في البرنامج الخريفي، فرفض. وبعد جدال طويل، قلت: إن لم أسافر غداً إلى تكساس فسوف أعود للأردن فورا. وأخيرا، انصاع لإصراري، وقال: هذه بطاقة السفر، اذهب إلى حيث تريد. فسافرت كما خططت، والتحقت بمساق اللغة الإنجليزية، ولو متأخراً حوالي أسبوع. أنهيت هذا المتطلب ومقداره ثماني ساعات معتمدة لغة إنجليزية، وسجلت للماجستير فوراً ست عشرة ساعة دراسات عليا، وكلها كمتطلب للماجستير.
حاول الأستاذ المشرف أن ينقصها إلى اثنتي عشرة ساعة، فأصررتُ على ما طلبت، وقال: إن الطلاب الأميركان لا يأخذون هذا العدد من الساعات في الدراسات العليا. فقلت له: صحيح، ولكن ظرفي استثنائي حتى أكمل الدراسة مع المتطلبات المطلوبة، فوافق أخيراً.
كان خريفاً صعبا، ولكن التصميم وبذل أقصى الجهد بعد التوكل على الله ساعد على تنفيذ الخطة في مرحلتها الأولى بنجاح والحمد لله. وسجلت للفصل الثاني الربيع أربع عشرة ساعة، وبقي علي ساعتان مع البحث في المساق الصيفي الأول، وبذلك أنهي متطلبات الماجستير. وتمت الخطة بحمد الله في الوقت المحدد، بينما رفاقي، وهم ستة، أخذوا مساقات اللغة الإنجليزية في فصل الخريف، ثم حصلوا على أربع عشرة ساعة في بقية المدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الثلاثاء 13 ديسمبر 2016 - 8:15

الحلقة الثامنة

عربيات: تركنا انطباعا إيجابيا عن الإسلام أثناء الدراسة بأميركا




يروي رئيس مجلس النواب الأسبق والقيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عبد اللطيف عربيات في حلقة اليوم من حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" قصة بناء مسجد في الولاية التي زارها وأقام فيها خلال رحلته الدراسية العليا.
وفي هذه القصة يكشف عربيات جانبا عن التفاصيل التي ألهمته في الفكرة، وبعد أن سأل عن أعداد الطلبة المسلمين الذين يدرسون في الجامعة، قرر التقدم بطلب لرئاسة الجامعة يتضمن مطالبة بتخصيص مصلى. وكيف أنه وعددا من زملائه في الجامعة استطاعوا فرش المصلى وإقامة الصلاة فيه.
وفي حلقة اليوم يفرد عربيات جانبا من ذكرياته في الدعوة الإسلامية خلال إقامته في الولايات المتحدة، ويرسم جوانب مهمة من الصورة التي كان الطلبة يسعون لنشرها عن الدين الإسلامي، وعن جوانب من نشاطاتهم سواء من خلال الجامعة أو من نشاطات خارجها.
ويؤكد عربيات قدرته في ترك انطباع إيجابي عن رسالة الدين الإسلامي، ونبذ الصورة المشوهة التي كان الغرب يحاول إلصاقها بالمسلمين. وفي السياق يروي عربيات قصته من اكتشاف خطأ محاسبي تسبب في وصول أموال زائدة إليه، ما دفعه لإعادتها، وكيف أن الموظف المحاسب تفاجأ من الموقف، ليسأله: بتلك البساطة تقوم بذلك؟، فأجابه إن تعاليم الدين الإسلامي تلزمه بأن يكون أمينا.
وكان عربيات قد تحدث في الحلقة الماضية عن عمله الدعوي والسياسي خلال محطات من عمره، وأشار إلى أنه ظل يحاول مناقشة أساتذته الجامعيين ويسعى للتأثير بهم خلال رحلته الدراسية الأولى إلى العراق، وروى موقفا مع الدكتور سعدون حمادي الذي أصبح لاحقا رئيسا للوزراء زمن رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين.
مقفلا في الحلقة السابقة الحديث عن رحلة دراسته الجامعية الأولى في بغداد، وعودته لوزارة التربية والتعليم، التي أخرت التحاقه ببرنامج الدراسات العليا في الولايات المتحدة، ما دفعه للتظلم وتسجيل شكوى بحق القائمين على البعثات، إلا أنه أكد حصوله على المنحة في نهاية المطاف.
وفيما يلي نص الحلقة:
* هل انقطعت عن العمل الدعوي أو النشاط مع جماعة الإخوان المسلمين، في تلك الفترة؟

- رغم قصر المدة وصعوبة الدراسة، كان الميدان مفتوحاً للقيام بنشاطات مرافقة كثيرة، والتي أعتبر أنها كانت مهمة وذات فوائد جمة على المستوى الإسلامي والاجتماعي والعلاقات العامة والتعريف بالإسلام، وبواقع الأمة وطموحاتها المشروعة، على المستوى العالم.
بعد وصولي إلى الجامعة، وفي اليوم الثاني من الوصول، التقيت أحد الإخوة السوريين، وهو الأخ أدهم السقاف، وكان طالب دكتوراه فيزياء، فسألته: هل تصلون الجمعة؟ فقال: لا، فقلت: لماذا؟  فأجاب: تحتاج إلى إذن من الجامعة لتخصيص مكان كمصلى.
وأضاف قائلا: هذا يحتاج إلى طلب يقدم إلى جمعية الـ(ymca)، فلديهم أماكن كثيرة.
سألت عن الطلاب المسلمين في الجامعة، فقيل لي إن عددهم يفوق الأربعمائة طالب، فقمنا على الفور بكتابة الطلب والتوقيع عليه، وجمعنا تواقيع حوالي ثلاثين شخصا، ثم قمنا بتقديمه إلى الجمعية المذكورة في اليوم نفسه.
جاءت الموافقة الفورية، وبعدها ذهبنا لنرى القاعة الملائمة عندهم للصلاة، فاخترنا واحدة، وسألونا إن كنا نحتاج أي شيء آخر، فطلبنا ميكرفوناً، وقاموا بإحضاره سريعا.
قمنا بشراء سجاد وجمعنا بعض المصاحف، وبدأنا صلاة الجمعة بعد ذلك، ومنذ أول يوم جمعة.
بقي هذا المصلى قائماً لنا نصلي الجمعة فيه، وعندما عدت إلى الجامعة نفسها بعد ست سنوات لدراسة الدكتوراه، وجدته قائماً مع بعض الإضافات، وعلمت بعد سنوات أن مسجدا بني في المنطقة، وأن العمل الإسلامي أصبح كبيراً هناك.
زرت مدينة دلاس بولاية تكساس بعد حوالي عشر سنوات كمدير لمشاريع البنك الدولي في وزارة التربية، فاستقبلني عدد كبير من المسلمين في مطار المدينة، والتي لم تكن فيها سجادة صلاة واحدة معروفة عندما كنا طلاباً في مرحلتي الماجستير والدكتوراه.
ومن باب المصادفة، وقبل عدة أعوام دعاني الأخ زهير أبو الراغب، رحمه الله، لعشاء في مزرعته في منطقة زي في السلط على شرف مجموعة من الإسلاميين العرب المسلمين في ولاية تكساس، وكان معهم الأخ الدكتور ياسر بشناق، الذي كان ناشطاً إسلامياً في الولايات المتحدة، فذكرني إخواني في ولاية تكساس، بما هو عليه الأمر الآن، وهو والحمد لله يشير بالخير الكثير إن شاء الله، واعتبروني من أصحاب السابقة في الولاية.

* ومن هناك عدت للنشاط الطلابي، فالمصلى كان فرصة للقاءات الجانبية، وبالتالي استعدت ذكرياتك في العمل الطلابي.
- قد يكون كذلك؛ ففي الأسبوع الأول من وصولي للجامعة في العام 1966، جاءتني مكالمة هاتفية من شخص لا أعرفه، اسمه أحمد التوتنجي. عرفني بنفسه، ورحب بي في الولايات المتحدة. وقال لي إن الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة لديهم اتحاد، وأعطاني عنوانه، مبشرا وواعدا بالتعاون في العمل الإسلامي.
سررت كثيراً بهذا الاتصال، وشكرت أخي الدكتور أحمد التوتنجي الداعية المعروف، الذي هو اليوم من قيادات العمل الإسلامي العالمي ومؤسس في المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ومجاهد وداعية أطال الله في عمره.
كنا خلال هذه المدة على اتصال دائم، وتصلني منهم النشرات والمطبوعات الصادرة عن الاتحاد، ونتعاون معهم في نشاطاتهم في أماكن مختلفة.
في تلك الفترة كذلك، طلب إلي الأستاذ المشرف أن أعطي محاضرة في مدرسة الأحد قرب الجامعة، وهذه المدرسة يحضر إليها بعض أساتذة الجامعة وعائلاتهم، ويستمعون إلى محاضرات حسب ما تنظمها اللجنة المشرفة على المدرسة. طلب مني الأستاذ أن أعطي محاضرة عن الإسلام، فقلت له: أنا جديد ولغتي قد لا تسعفني في إعطاء الصورة كاملة، وهؤلاء أساتذتي، فكيف أحاضر بهم عن الإسلام؟
قال لي: أنا أعرف من أنت، وماذا عندك، وأنت قادر على ذلك.
بدأت بالتفكير في ما عساي أن أقدم لهذا الجمع المثقف، وهو الجمهور الذي لا يعرف ما هو الإسلام، على الأغلب. جمعت أفكاري ورتبتها بطريقة سلسة، من مثل: الإله الواحد، والخلق الواحد، ومن عند آدم عليه السلام حتى آخر الأنبياء، وخاتمة الرسالات، وهي رسالة الإسلام، وماذا يقول الإسلام عن مريم والمسيح وموسى وبقية الأنبياء. وأن الإسلام توج حضارة سادت العالم عصوراً طويلة، وأخذ الغرب عنها في نهضته الحديثة، وعن تداول الحضارات والأيام وماذا يمكن أن يأتي بعد الحضارة الغربية المادية، وبعض نقائص هذه الحضارة من ناحية مادية ومعنوية وإنسانية.
ذهبت إلى المكان في الوقت المحدد، وقدَّمني مدير البرامج وعرف بي على أنني عربي مسلم من الأردن، وأدرس في الجامعة،وغير ذلك من التعريفات البسيطة. كما تحدث عن محاضرتي، على أساس أن أعطي محاضرتي، ثم يدور نقاش حولها، على أن لا يتعدى كل ذلك الساعة ونصف الساعة.
بدأت الحديث بما لدي من أفكار، وأنهيت المحاضرة طالباً توجيه الأسئلة. بدأت الاستفسارات والأسئلة بشكل استمر لأكثر من ساعتين ونصف الساعة. وفي نهاية المحاضرة، طلبوا مني أن أكمل ما بدأت الحديث عنه في محاضرة أخرى في الأحد المقبل، وقد كان ذلك.
لمست تعطشا من الجميع لسماع أشياء أخرى والإجابة عن تساؤلات وأمور يجهلونها، وعن أمور تلبي لديهم رغبة الإجابة عن شبهات لديهم نتيجة التشويه المتعمد في مناهجهم الدراسية والإعلامية.
في نهاية المحاضرة الثانية، طلب مني أحد الأساتذة أن يتحدث معي على انفراد. وحين صرنا وحدنا، سألني: ما حكم الذي يؤمن بكل ما قلته، هل يحاسبه الله على ما كان لديه؟
فقلت له: لست فقيهاً لأفتيك، ومن الآن فصاعداً عليك أن تلتزم بما تؤمن به، فـ"العداد شغال عليك" من الآن.
فصار يسأل عن كيفية مفاتحة عائلته بذلك، وكيف يبدأ بممارسة العبادات وغيرها، فتحدثنا عن بعض الوسائل والمصادر المعرفية التي يمكن أن يستخدمها في إقناع أهل بيته، وما إلى ذلك من الأمور.
في تلك الفترة أيضا، وفي زيارة نظمتها الجامعة لبعض المدارس الثانوية، قابلت مدير المدرسة، وتم التعريف عني بصعوبة كبيرة. قال لي: عرّف أين الأردن؟ ثم سأل: هل عندكم عملة؟ فأجبته أن لدينا عملة، وأريته الدينار الأردني، وأخبرته أنه يساوي ثلاثة دولارات في حينها. فأخذني إلى بعض الصفوف في المدرسة، وسأل الطلاب إن كان أحد منهم يعرف أين يقع الأردن. لكن أحدا لم يعرف.
عندها، قال المدير: هذا الضيف من الأردن، وهو عربي انظروا إليه؛ إنه مثلنا، ولديهم عملة، انظروا إلى الدينار الأردني إنه مثل الدولار.
هذه أمثلة واقعية عن مقدار التوجيه الخاطئ والمعلومات المشوهة التي يتلقاها أولئك الناس عن العرب والمسلمين، فهم لا يعرفون إلا أنفسهم، وهم ضحايا تشويه مقصود، سواء كان في المناهج المدرسية أو الإعلام الذي توجهه القوى الصهيونية الحاقدة.

*هنا بدأت تنخرط دعويا واجتماعيا، فهل كان الأمر مقبولا عند الأميركيين؟
 - قد يكون للأمر علاقة بقدرتك الذاتية على استغلال الفرص السانحة، فعند الأميركيين دعوة عيد الشكر، الذي تعطل فيه الجامعات والمؤسسات الرسمية، ومن عادة الجامعة، بالاتفاق مع بعض المؤسسات والمناطق المختلفة، دعوة الطلاب الأجانب لزيارة عائلات أميركية، وجزء من هذا التقليد فيه شيء من التبشير بشكل مباشر أو غير مباشر.
كانت الدعوة في تلك السنة من مدينة كوربس كرستي على الحدود المكسيكية، ومنظم الزيارة هناك هو مدير البنك الأول في المدينة، وهو الذي تولى توزيع الطلاب على العائلات هناك. وسمعت فيما بعد أن مدير البنك هذا قد طلب من المسؤول عن الرحلة في الجامعة أن يخصص له اثنين موثوقين من الناحية الأخلاقية؛ لأن عنده بنات ويريد أن يتأكد من نوعية ضيوفه، وقد نسب له المنسق في الجامعة اسمي ولم يجد شخصا آخر، إلا بعد مدة، فاختار طالباً أفريقياً من النيجر.
عرفت ذلك في ما بعد، عندما وصلنا بالحافلة إلى المدينة، واستقبلنا مدير البنك ومعه قائمة ينادي منها على الطلاب الضيوف، وينادي إلى مضيف كل اثنين. كنا حوالي ثلاثين شخصا، وكان اسمي آخر اسم مع الأفريقي، فنادانا المنظم وكان اسمه براون، وقال لنا: أنتما ضيفاي.
كانت زوجته وابنه وابنتاه برفقته، فأخذونا في السيارة، وعادوا بنا مساءً إلى البيت. كان هناك حديث مطول عن القدس وعن الأردن ومعي نشرات عن الأردن وفلسطين أعطيتهم معظمها. وكان عنده والدته وهو يسكن في بيت كبير محاط بالحدائق، وعنده كلب له ما يشبه الشقة، ويعتني به عناية خاصة.
قال لنا: أنا اخترتكما بعد التشاور مع منسق الجامعة؛ لأنه في بعض السنين كان يأتينا ضيوف غير مريحين من ناحية سلوكية، فاخترتكما بعد شهادة منسق الجامعة الذي أعطاني اسمك فوراً، ثم بحث عن زميلك من النيجر.
وفي الصباح أعلمنا أننا سنذهب لشاطئ المحيط القريب من المدينة ونتناول الغداء هناك، أركبني بجانبه في سيارته والضيف الآخر ووالدته في الكرسي الخلفي. بعد قليل، توقف أمام عمارة من طابقين مكتوب أمامها أنها ملجأ للعجزة. هبط من السيارة، وأخذ بيد والدته وصعد بها إلى سكنها في الطابق الثاني.
انتابني شعور بالألم من هذا المنظر. كانت والدته بصحة جيدة، وفي تقديري، بأنها كانت تستطيع القيام بمسؤولية أكبر بيت، فلماذا توضع في هذا الملجأ وهي في هذه الحالة.
سألته: كم مرة تأتي والدتك لزيارتك؟
قال: مرة واحدة، في عيد الشكر.
كنت قد رأيت ما لديه من غرف إضافية في بيته الكبير، فحتى الكلب كان لديه شقة فاخرة، فقلت له: براون أخبرني؛ بعد كم سنة سيأخذك ابنك هوارد ويصعد بك هذه الدرجات في الملجأ؟
قال: أعد السؤال. فأعدت السؤال. كان كأنما أصيب بصدمة غير متوقعة، فأطفأ محرك السيارة وقال لي: يا رجل لقد قتلتني!
فقلت له: أنا فقط أسألك بعد كم سنة، فلم يعرف بماذا يجيب، فصارت زوجته تعطي أصواتاً بالسيارة وكأنها تسأل ماذا حدث.
وصلنا إلى الشاطئ وجلسنا على كراسي بانتظار الغداء، ولمدة ساعتين أو ثلاث ساعات والحديث بيني وبينه عن الإسلام وحقوق الوالدين، فنقلت له حديث رسول الله صل الله عليه وسلم قوله: تعس وندم ثلاثاً، وأجاب، من لحق بأبويه أو بأحدهما ولم يدخل بهما الجنة. وشرحت له حقوق الوالدين وصلة الرحم والمودة بين الآباء والأبناء، وكيف أن الأسرة جنة الدنيا.
قال لي: هذه أول مرة أسمع مثل هذا الكلام، مع إنني في كل عام أستقبل طلاباً، ومعظمهم من المسلمين.
أخذ براون عنواني، واستمر لسنوات يبعث لي أجندة البنك، وأنا أرسل له بعض المطبوعات.
وبمناسبة الحديث عن كوربس كرستي على الحدود الأميركية المكسيكية، توجد مدينة أخرى على هذه الحدود، واسمها مات مورس، أي مات المورس "المورسكيون"، وهم المسلمون الذين أخرجوا من الأندلس بعد إنهاء دولة الإسلام هناك. فعلى إثر نشوة النصر على المسلمين، اجتاح الإسبان جنوب الولايات المتحدة الأميركية وأميركا الجنوبية، وعند وصولهم حدود المكسيك أطلقوا على البلدة هذا الاسم.
إن نمط البناء في جنوب الولايات المتحدة هو نمط إسلامي، فجامعة تكساس التي كنت أدرس فيها مثلا، عندما تدخل البناء الأصلي لها فكأنك في الأندلس بنمط البناء من الأقواس والقباب.
وقيل لي: إن البناية الأساسية في جامعة منيسوتا، وعلى حجر الغلق في قبة البناء كتب بالعربية "لا إله إلا الله"، وهم يحسبونه نوعاً من الزخرفة.

*سمعنا عن قصة لها اتصال بأموال زائدة تسلمتها في البعثة، وعند اكتشاف الخطأ الذي وقع به الموظف في الجامعة، أعدت له الأموال بطريقة لفتت الانظار، وكان درسا بالأمانة والأخلاق؟
- في آخر شهرين لي في الجامعة دعاني مسؤول البعثات وسألني عن عدد الشيكات التي وصلتني مؤخرا، فسألته عن السبب، وإذا به يشرح لي قصة المديرة المالية في دائرة البعثات في واشنطن، حيث أبلغني أنها أرسلت لي شيكات زائدة، وقام بشرح ظروف هذه الموظفة الجديدة على العمل، وأن ذلك قد يؤثر على مستقبلها الوظيفي.
حينها، كنت مشغولاً جداً بامتحانات نهاية الفصل سألته باختصار ماذا يريد، فقال: أنا أشرح لك الأمر فقط. فسألته عن قيمة الشيك الذي تدعيه، فأخبرني أن المبلغ ثلاثمائة وعشرين دولاراً. ومن دون نقاش أخرجت دفتر الشيكات وكتبت له المبلغ المطلوب، وقلت له: أرسل لها هذا الشيك، فأنا مشغول جدا، وليس لدي وقت أقضيه في هذا النقاش.
نظر إلي باستغراب، وقال: بهذه السهولة تفعل هذا الأمر؟
قلت له: لو كنت موجودا في الأردن، وعلمت أن خطأ حصل على هذا النحو، فسأرسل لكم المطلوب، لأننا، كمسلمين، لا نأكل حراماً ولا نقبله لأحد.
تسلم مسؤول البعثات الشيك، ومضى. لكن، وفي اليوم التالي، تسلمت منه رسالة مطولة يشكرني فيها، ويشيد بالأمانة وعدم محاورته ونقاشه بموضوع حول شيء مشكوك فيه، وليس لديهم بينة واضحة عليه.
بعد انتهاء الفصل الدراسي، كان علينا أن نذهب لواشنطن، لدائرة البعثات، وذلك لتقييم البرنامج، وإبداء الملاحظات عليه. عندما دخلت باب الدائرة المالية، وجدت رجلاً يقف عند الباب وسألني: هل أنت فلان؟ فقلت: نعم، فقال: تفضل معي.
وأدخلني إلى اجتماع ترأسه المديرة المالية، فرحبت بي، وقالت للحاضرين: هذا فلان الذي تحدثت لكم عنه، وأعادت قصة الشيك وسهولة عودته والسرعة التي سويت بها الأمور.
وأضافت: هذا الرجل جاء مع ستة من المبعوثين من الأردن، وجاء في دورة تدريبية ورتب على عاتقه أخذ مساقات دراسية أنهى بها متطلبات الماجستير، وهو الوحيد بينهم الذي قام بهذا العمل.
وشرحتْ لهم المديرة المالية كيف أن التقارير الشهرية تصل كاملة وفي وقتها، وأن علاماتي في الدراسة متقدمة، إضافة إلى كثير من التفاصيل حولي، ثم بينت كيف أنني لم أصرف سنتاً واحداً من التأمين الصحي. وبعد الاجتماع، سألتني إن كنت أريد أي مساعدة في شراء بعض الحاجات قبل السفر، فشكرتها على ذلك.
سافرت عائدا إلى الأردن في الوقت المقرر، وداومت في وزارة التربية والتعليم. اتصل بي السيد الدجاني مسؤول البعثات في دائرة المساعدات والبعثات الأجنبية، وقال: هل تسمح أن أزورك؟ فقلت له: تفضل أهلاً وسهلاً.
جاءني في اليوم التالي، وقال: أنا جئت معتذراً ومستفسراً. أما الاعتذار فهو لتعطيلي لبعثتك مدة عامين، والسبب هو سياسي، وأما الاستفسار، فأريد أن أعرف منك ماذا فعلت لهم في واشنطن حتى سطروا لك كتاباً لم يسطر لأحد قبلك؟
وأضاف: أنت "بيضت وجه" دائرة البعثات، وحققت ما لم يحققه أحد من زملائك المبعوثين هذا العام. ثم كرر اعتذاره وشكره.
شرحت له ما حدث، سواء من حيث الخروج على ترتيبات البعثة، أو التعامل مع الناس هناك. فقال: أهنئك على هذا، وهكذا يكون الرجل المسلم الذي يعطي مثل هذا المثال.
فشكرته، وقلت له: نحن هكذا وبهذه الصورة، وهكذا علمنا الإسلام.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الثلاثاء 13 ديسمبر 2016 - 20:33

الحلقة التاسعة

عربيات: لم أحتمل رؤية القدس محتلة فبللت قميصي بكاء


يكشف رئيس مجلس النواب الأسبق القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عبداللطيف عربيات في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" قصة عودته من الولايات المتحدة وانتظامه في السلك التعليمي في وزارة التربية والتعليم.
وفي تزامن عودة عربيات مع العام الدراسي 1966 - 1967، تحديات كبيرة جراء الأوضاع الأمنية والسياسية ومرارة الهزيمة بعد حرب العام 1967 واحتلال بقية فلسطين. ويؤكد "لقد عانينا من ذلك ونحن في الغربة معاناة نفسية هائلة، فكيف نقوم بواجباتنا الدراسية ونحن نعيش مرارة الهزيمة والاحتلال".
وفي حلقة اليوم يؤكد عربيات مواصلة نشاطات جماعة الإخوان المسلمين الجهادية ضد الاحتلال، حيث لم يتح لهم إلا معسكر خاص باسم قاعدة الشيوخ في قرية الرفيد شمال المملكة، وتحت جناح حركة فتح العام 1968.
ومن هناك يكشف عربيات الذي كان عضوا في المكتب التنفيذي للجماعة، أن مشاركة إخوان الأردن في العمل قوية، على الرغم من وجود بعض الاجتهادات الخاصة التي لم تُعِقْ زخم العمل الجاد والبناء.
لكن عربيات يتوقف عند محطة أحداث العام 1970، ويؤكد سلامة موقف الجماعة من عدم التدخل في أحداث أيلول، ويقول: وقف المجاهدون موقفاً تاريخياً إذ لم يدخلوا في تلك الفتنة، وكان رأيهم واضحاً وتاريخياً بأننا جئنا لمقاتلة اليهود، ولا نقبل أن نرفع السلاح بوجه أحد غير اليهود والمحتلين"، ويشدد "مرت الأيام وثبت صحة الموقف المبدئي السليم بداية ونهاية".
ومن هناك يغادر عربيات إلى الولايات المتحدة الأميركية ليكمل مشواره الدراسي في الجامعة، ويحصل على شهادة الدكتوراة التي كانت الأولى على مستوى المنطقة والإقليم، ويكشف عن قصص له في تلك المرحلة، وقدرته في مواصلة رحلته التعليمية والدعوية.
وكان عربيات قد تحدث في الحلقة الماضية عن قصة بناء مسجد في الولاية التي زارها وأقام فيها خلال رحلته الدراسية في الولايات المتحدة الأميركية لحصوله على شهادة الماجستير. كاشفا عن التفاصيل التي ألهمته في الفكرة، بعد أن سأل عن أعداد الطلبة المسلمين الذين يدرسون في الجامعة، ليقرر التقدم بطلب لرئاسة الجامعة يتضمن مطالبة بتخصيص مصلى. وكيف أنه وعددا من زملائه في الجامعة استطاعوا فرش المصلى وإقامة الصلاة فيه.
وفيما يلي نص الحلقة:
* عدت من الولايات المتحدة الأميركية، لتواجه مع الأردنيين تداعيات النكسة. كيف كانت الأجواء حينها، وكيف تعاملت الحركة الإسلامية، التي صرت ناشطا فيها، مع تلك النكسة؟ وكذلك أسأل عن المستوى الوظيفي الذي بلغته؟

- عملت بعد عودتي في العام 1967 في وزارة التربية والتعليم كما ذكرت، وكان العام الدراسي 1966-1967، عاماً صعباً وقاسيا، سواء في الجهد المبذول أو في الوضع السياسي المتمثل باحتلال بقية فلسطين.
لقد عانينا من ذلك ونحن في الغربة معاناة نفسية هائلة. فكيف نقوم بواجباتنا الدراسية ونحن نعيش مرارة الهزيمة والاحتلال.
أذكر أنني عندما عدت في نهاية العام 1967، وجدت مؤتمراً إسلامياً منعقداً في عمان لعلماء المسلمين، وشاركت فيه وكنت مع المستقبلين والمرافقين لهم، خصوصا في زيارتهم للحدود وجسر الملك حسين.
كنت في سيارة فيها اثنان من الضيوف من شرق آسيا، وعندما أطللنا من ناعور على القدس، أذكر أنني كنت أشرح لهم عن القدس المقابلة لنا من هناك، ولا أدري ماذا حصل معي. وقفت وأنا قريب من الأغوار، وإذا بي قد بللت قميصي من البكاء؛ لأنني لم أحتمل رؤية القدس محتلة.
قال لي من في السيارة: قدرنا وضعك عندما توقفت عن الكلام وأصابك نوع من الإغماء، واتفقنا أن ندعك حتى ترتاح.
في العام 1968، كان نشاط الإخوان في الحشد للجهاد ضد الاحتلال، ولم يتح لهم إلا معسكر خاص باسم قاعدة الشيوخ في قرية الرفيد شمال المملكة، وتحت جناح حركة فتح. دخل الكثير من إخواننا الكرام في تلك القاعدة، وشارك معنا إخوان من السودان ومصر واليمن وسورية، واستشهد عدد منهم من الأردن وخارجه، ونحسبهم من المقبولين إن شاء الله.
كنت في تلك الأثناء في المكتب التنفيذي للجماعة، وكانت مشاركة إخواننا في الأردن في العمل قوية، على الرغم من وجود بعض الاجتهادات الخاصة التي لم تُعِقْ زخم العمل الجاد والبناء.
وعند أحداث العام 1970، وقف المجاهدون موقفاً تاريخياً إذ لم يدخلوا في تلك الفتنة، وكان رأيهم واضحاً وتاريخياً بأننا جئنا لمقاتلة اليهود، ولا نقبل أن نرفع السلاح بوجه أحد غير اليهود والمحتلين.
وقد سعى الإخوان بكل قوة لجمع الكلمة وعدم الدخول في قضايا داخلية تحبط العمل الشريف الذي حملنا السلاح من أجله، ومرت الأيام وثبت صحة الموقف المبدئي السليم بداية ونهاية.

* ومتى أكملت دراستك الجامعية العليا، أي الدكتوراه، ومن أين حصلت على شهادتك؟
- كما أسلفت؛ بعد الثانوية العامة عملت مدة عام معلماً في مدرسة عقبة بن نافع في السلط، كما عملت معلماً مدة سنة في منتصف الدراسة الجامعية الأولى عندما فصلت من الجامعة، بسبب إضرابات العام 1956، والعام 1957، على إثر العدوان الثلاثي على مصر، وقد عملت معلماً ومشرفاً تربوياً مدة خمس سنوات، بين الدرجة الجامعية الأولى والثانية، ومثلها بين المرحلتين الجامعيتين الثانية والثالثة، حيث كنت مديراً لمكتب الكتب المدرسية ورئيساً لقسم المناهج المركزي في الوزارة.
في تلك المرحلة بدأت أفكر في إتمام المرحلة التعليمية الجامعية العليا، وقد كانت وزارة التربية والتعليم تعمل مسابقات لمنح دراسية تقدم من جهات مختلفة. قدمت منظمة اليونسكو عدة منح للوزارة، ومنها منحة لدراسة الدكتوراة في موضوع التعليم المهني والمناهج والإدارة التربوية، قدمت لهذه المنحة وكانت مناسبة للموقع الذي كنت فيه وهو رئيس قسم المناهج المركزي في وزارة التربية والتعليم.
تم اختياري لهذه المنحة، وجاءني القبول من الجامعة نفسها التي درست فيها الماجستير، وهي جامعة تكساس، وكنت قد تعرفت سابقاً على مستوى هذه الجامعة التي كانت تضنف من الجامعات العشر الأوائل في الولايات المتحدة في هذا الاختصاص.
كانت الدراسة في الولايات المتحدة هذه المرة مريحة ومبرمجة زمناً وموضوعاً، بالإضافة إلى الخبرة في الاختصاص ومكان الدراسة والوقت الذي تتيحه المنحة، وهو من 2-3 سنوات. كما أن منظمة اليونسكو ذات أهداف تربوية واضحة، من أجل تطوير التعليم في المناطق أو الدول التي تتعامل معها، وهذا يتفق مع موضوع الدراسة وأهدافه التربوية.
تميزت وزارة التربية والتعليم في الأردن في مؤسستها الفريدة في داخل الأردن والبلاد العربية منذ وضع قانون التربية والتعليم العام 1964. هذا القانون حدد فلسفة للتربية والتعليم منذ ذلك التاريخ، وهو الوحيد في البلاد العربية الذي حدد الفلسفة والأهداف بمستوياتها المختلفة والمراحل والهياكل التنظيمية لمختلف المستويات وميادين العمل.
القانون، كذلك، جعل صاحب السلطة العليا في الإدارة والتوجيه الأعلى هو مجلس التربية والتعليم الذي يرأسه الوزير، ويشاركه من الوزارة 3 أو 4 أشخاص، منهم الأمين العام، والباقي وزراء وأصحاب اختصاص، وتأهيل تربوي من قطاعات مختصة من خارج الوزارة.
إضافة إلى ذلك، جعل القانون كل السلطة في موضوع المناهج والكتب المدرسية بيد مجلس التربية والتعليم، وتضمن مواد خاصة بالامتحانات العامة، ومنها أن نتائج امتحانات الثانوية العامة محصنة ضد أي طعن أو استئناف أو تمييز لدى المحاكم، وذلك لدقة الموضوع وخطورته وأهميته.
وعلى الرغم من سرعة تغيير الوزارات وتبدلها، قامت الوزارة بالالتزام بالخطط المركزية فيها لتطوير التربية وحشد الكفاءات اللازمة لذلك، ومن ضمن ذلك ابتعاث العديد من الكفاءات في جهاز الوزارة للحصول على أعلى التخصصات في ميدان التربية، حتى حصلت الوزارة على الدرجة الأولى خلال الأربعين سنة الماضية في البلاد العربية، بحسب تقرير الأمم المتحدة الأخير بهذا الشأن.
كان التعاون مع منظمة اليونسكو مثالاً حياً لابتعاث بعض الكفاءات لتلبية حاجات الوزارة من المختصين في ميادين المناهج، والتعليم المهني، والتخطيط التربوي، وتقنيات التعليم، والمدارس الشاملة.
كما أسلفت سابقا، فبعد أن أعلنت الوزارة عن فتح المجال لبعض التخصصات للحصول على درجة الدكتوراة في ميدان المناهج والتعليم المهني، تقدمتُ مع من تقدم، وقد تم اختياري مع من اختيروا، وجاءني قبولات من أكثر من جامعة، لكنني اخترت الجامعة التي درست فيها الماجستير.
هنا، لا أنكر فضل الخبرة الطويلة في الإشراف والمناهج وفي ميدان التعليم المهني، وأيضا معايشتي لواقع التعليم المهني في المرحلة الثانوية. كما أنني لم أكن مقتنعا بما يتم من تصنيف الطلاب في المرحلة الإعدادية إلى مهني صناعي أو زراعي أو تجاري ومن دون رغبة أو معرفة بما هو مطروح للاختصاصات.
كل ذلك جعل موضوع الدراسة لرسالة الدكتوراة واضحا تماما لدي، وفي الميدان الذي يجب أن أبدأ فيه، إضافة إلى إيماني بأن من حق الوزارة والبلد الذي أنتمي إليه أن أخدمه بصورة حقيقية ومفيدة، وأن أفيد من هذه الفرصة لتقديم الخدمة المطلوبة له، خصوصا في ميدان الاختصاص والعمل.
من المهم جداً في الدراسات العليا وضوح الصورة لمسار الدراسة، وما يراد تحقيقه، ومتطلبات ذلك، والعائد الذي يسعى الباحث إلى تحقيقه. ومن منطلق هدفي الصادق في خدمة الأردن وفي ميدان في أمس الحاجة لإحداث التغيير، ولعدم وجود اختصاصات عليا في هذا الميدان في الأردن، فكانت رسالتي في التعليم المهني هي أول رسالة في هذا الميدان، وكان عنوانها "الخطوط العريضة لتطوير التعليم المهني الإعدادي وإعداد المعلمين في الأردن"، أما عنوانها الذي اتفقت عليه مع المشرف واللجنة المسؤولة فهو "الخطوط العريضة لتطوير التعليم المهني الإعدادي في الأردن".
بعد الاتفاق مع المشرف على العنوان السابق، أضفت عليها "وإعداد المعلمين"، فقال لي المشرف: هذا يكلفك جهداً إضافياً وهو غير مطلوب لنا. فقلت له: هذا مطلوب لنا نحن في التربية الأردنية. فقال: هذه أول مرة أصادفها أن يطلب المشرف الأقل والباحث يطلب الأكثر والأصعب.
وضعت اثنين وأربعين خطاً عريضاً للتعليم المهني الإعدادي، وأربعين خطاً عريضاً لإعداد المعلم اللازم لتدريس هذه المادة، وهذا يبين أهمية الخبرة في ميدان البحث والسعي لتحقيق الحاجة التي تحل مشكلة قائمة في ميدان العمل.

*وهكذا عدت إلى جامعتك، وبدأت مشوارا أطول في دراساتك العليا. هل كان الأمر أكثر سهولة بالنسبة إليك، خصوصا أنك تركت أصدقاء وإنجازات لك هناك، وماذا عن طبيعة الدراسة أيضا؟
- الإنسان يسعد ببذل الجهد المطلوب مهما كانت درجة الصعوبة فيه إذا وضح الهدف والغاية لما يقوم به، خصوصا عندما يشارك دافعاً في التخطيط والتنفيذ والتقويم لهذا العمل.
في الشوط الثالث من الدراسات الجامعية العليا، كنت في حالة من الراحة النفسية، والثقة بما أقوم به، والوضوح للمتطلبات الواجب اتباعها أو الإعداد لها.
في هذه المرحلة من الدراسات العليا، كانت لدي القدرة على التخطيط والتنفيذ والتقويم، على ضوء الخبرات السابقة، بما فيها من تجارب وصعوبات، وبما لدي من وضوح في حاجات التعليم في الأردن وأولويات التطوير أو التحديث فيه.
من الأمور التي يواجهها الباحث في الدراسات العليا؛ موضوع الدراسة ومدى ملاءمتها للباحث وقبولها من المشرفين، أو مدى الحاجة إليها في نظر من له حق قبولها وإقرارها.
كان هذا الموضوع واضحاً في ذهني نتيجة خبرتي في وزارة التربية وفي هذا الميدان بالذات، والإشكالات التي تعاني منها الوزارة وتحتاج إلى من يقدم الحل بطريقة علمية مقبولة لدى المعنيين؛ لهذا طرحت على الأستاذ المشرف قضية التعليم المهني الإعدادي، ومتى يمكن أن يسأل الطالب عن نوع المهنة التي يريد، وتتوافق مع ميوله واتجاهاته.
هذه قضية تربوية أساسية، خصوصا أن النظام الأميركي قد أدخل نظام المدارس الشاملة منذ العام 1909. لكن حتى الآن لم يتم تعميمه، وبقي تحديد الاختيار يتفاوت الأخذ به من ولاية إلى أخرى حتى اليوم. وكان تعليق الأستاذ المشرف أن "بحثك هذا سيضيف شيئاً جديداً في هذا الميدان لدينا هنا في الولايات المتحدة؛ لأن موضوعي المدارس الشاملة والإعداد المهني ما يزالان يحتاجان إلى المزيد من البحث والدراسة".
يتراءى وضوح الهدف والثقة بالنفس في أكثر من موقف، ومنها عند مناقشة مشروع البحث الذي اخترته عن الأردن، ولمعالجة واقع قائم نريد له تأصيلاً تربوياً وتطويراً يتفق مع المصلحة العامة والاتجاهات التربوية الحديثة.
بدأت في كتابة مشروع البحث وتقديمه للمشرف قبل إتمام الساعات المعتمدة التي أنجزتها حسب النظام الخاص بذلك، شرحت للمشرف أنني مضطر إلى مناقشة المشروع قبل نهاية الفصل الذي كنا فيه، وذلك بسبب أن البحث عن الأردن، وأنني أريد أن أوزع الاستبانة على المدارس والمسؤولين في الأردن قبل بدء العطلة الصيفية هناك. قَبِلَ الأستاذ المشرف العذر ورفع الطلب إلى الجهات المعنية لأخذ الموافقة، وقد تم ذلك، وبدأتُ في إعداد المشروع وتقديمه، وطلبتُ عقد اللجنة لمناقشته.
أثناء نقاش اللجنة المشرفة لمشروع البحث، حدثت مناقشة حادة بيني وبين أحد أعضاء اللجنة، وطعن ذلك العضو بصحة الطريقة الإحصائية لاستخراج النتائج.
حاولت كل جهدي أن أوضح له صحة هذه الطريقة، ولكنه أصر على طعنه، وأعلن تمسكه برأيه، وبقية أعضاء اللجنة والمشرفين يتفرجون على الحوار بيننا.
استمر الأمر في النقاش والحوار والإعادة مع التوضيح لما يزيد على ساعة. كان الحوار بيني وبينه مباشرا. حينها، كنت أوازن الأمر في عقلي، وأقيمه، وأنا أفكر كيف يمكن أن أقول له إنه مخطئ، وما أثر ذلك على النقاش، وعلى النتيجة بعد ذلك.
وجدت أنه لا بد لي من أن أصر على رأيي، وأن أقول له بصراحة إنه مخطئ، خصوصا أنني رجحت أن الأستاذ المذكور ليس مختصاً بالإحصاء. نظرت إلى الأستاذ المختص بالإحصاء في اللجنة وقد أخذ ورقة وبدأ يتشاغل فيها. تشجعت على أن أصارحه بخطئه، وفعلت ذلك.
قلت له: يا أستاذ، أنت مخطئ بما تقول، وأنا واثق مما لدي في الطريقة الإحصائية بالتحليل.
تفاجأ الأستاذ، وقال: إذن دعنا نسأل أهل الاختصاص في الإحصاء في هذه المسألة.
وجه المعترض السؤال لأستاذ علم الإحصاء في اللجنة، فكان الجواب أن الطريقة صحيحة، وأنها أفضل طريقة لمثل هذه الحالة.
عندها، قام الأستاذ المعترض بالاعتذار. وقال: أهنئك. استمر في البحث.
بعد إقرار خطة مشروع البحث، ذهبت إلى الأستاذ المشرف وسألته عن النقاش الذي دار في اللجنة، وهل كنت غير واضح في شرحي أم أن هناك شيئا آخر، فقال: كنت موفقاً وقوياً، ولو لم تقم بما قمت به وتقول له أنت مخطئ لتحفظت أنا على بحثك.
سار البحث بصورة جيدة، وقمت بتأدية الامتحان التحريري لكل واحد من أعضاء اللجنة، وكانت النتائج جيدة، خصوصا من الأستاذ الذي اعترض في اللجنة، وقد بعث برسالة إلى المشرف يخبره فيها أنني أحسن طالب أجنبي في امتحانه التحريري، وأبلغه تهنئتي.
أبلغني الأستاذ المشرف ذلك، كما أنه أخبرني أن الأستاذ بيركنز، لم يرسل مثل هذه الرسالة في حق أي طالب من قبل.
في تلك المرحلة أيضا، كان من متطلبات الدراسة لنيل درجة الدكتوراه دراسة مساقين خارج دائرة الاختصاص، أو الدائرة التربوية التي فيها الاختصاص الذي ينتمي إليه الدارس، ولما كانت دائرة الاختصاص عندي هي التربية وفي مجال التعليم المهني العام، رغبت في دراسة مساقين في الإدارة بسبب قرب هذا الموضوع من ميدان اختصاصي، ولميلي ورغبتي الشخصية في ذلك.
بدأت التحضير لهذا الأمر، وسجلت في كلية الإدارة على الأساس الذي ذكرت، وقبل التسجيل كان لي أصدقاء في دائرة الإدارة، كان منهم صديق سعودي هو الدكتور رويد العقاد، وهو مهندس بترول أخذ مساقين في تلك الدائرة. كل أولئك الأصدقاء حذروني وبالإجماع: إياك أن تأخذها عند الدكتور وولف، لأنه صعب جداً ولا يعجبه العجب.
من باب التحدي، خصوصا أن العلامة في هذين المساقين لا تحتسب بالمعدل العام الذي سأحصل عليه في النتيجة؛ كونه خارج الاختصاص، قررت أخذ هذين المساقين عند الدكتور وولف، فكل ما أحتاجه هو علامة النجاح فقط.
بدأت أفكر في موضوع الإدارة وأبحث عن بعض المصطلحات والتعريفات في هذا الموضوع، وصدفة وقع تحت يدي عدد من مجلة في ميدان الإدارة، ورغبت أن أبلور ما هو تعريف الإدارة.
قرأت تعريفاً بسيطاً جداً لمفهوم الإدارة، وما أزال أذكره حتى اليوم لبساطته، ولما ترتب عليه عند أخذي لهذا المساق.
ذهبت إلى الحصة قبل دقيقتين من بدء الحصة، ووجدت الدكتور ولف يتبختر داخل الصف، وبدأ الحصة بالسؤال ما هي الإدارة؟
دخل الحصة طالب متأخر حوالي دقيقتين، فخاطبه بصوت عالٍ: يا سيد أنت متأخر، لا تفعل ذلك مرة أخرى. ثم عاد وطلب من الطلاب تعريف الإدارة.
انبرى كثيرون لتقديم تعريف مقنع للإدارة، بينما بقيت أنا صامتا، ولم أضع نفسي معهم، كوني جديدا واختصاصي متقدم وعالٍ، وطلابه يدرسون اختصاصهم، فلماذا أضع نفسي من المبادئين. لكنني صرت أسترجع التعريف الذي قرأته في المجلة، ووضح في ذهني.
بعد حوالي ثلث ساعة من التعريفات غير المقبولة، توقف الطلاب عن رفع الأيدي، وصار الأستاذ يسأل ويكرر: ما هي الإدارة؟ ولا يجد مجيبا.
قلت في نفسي لماذا لا أقول ما في ذهني. وقررت رفع يدي. فقال: تفضل. فقلت له التعريف البسيط الذي كونته من قراءتي للمجلة، وهو: وضع أشياء مع بعضها للوصول إلى حالة نريدها. قال: أعد التعريف مرة أخرى. فأعدته. فكتبه على السبورة، وأعاد الكرة على الطلاب سائلا: ماذا عندكم من تعريفات. واستمر النقاش بعد ذلك طويلا، لكن، وقبل أن تنتهي المحاضرة، أشار إلى تعريفي المكتوب على السبورة، وقال: هذا أحسن تعريف سمعته في حياتي. وأصبح يشرح أهمية هذا التعريف الجامع المانع والبسيط والقصير. كان للأستاذ المحاضر مؤلفات عديدة في علم الإدارة، وهو يعتبر نفسه من المراجع المعروفة في هذا الاختصاص.
في نهاية المحاضرة جاء إلي، وسألني من أين جئت بهذا التعريف، فقلت له إنني وجدته في مجلة في مكتبة الجامعة، ثم أخذ يسألني من أين أنا، وماذا لدي من خبرات.
في المحاضرات التالية، كان يسألني حول رؤيتي المادة، كما يسألني إن كان لي أي اقتراحات، خصوصا عندما علم عن خبراتي في الإدارة التربوية.
ذات مرة، أعطى امتحاناً تجريبياً للطلاب، وقال فيه: أنا وفلان متفقان تماماً في نظرتنا للموضوع الفلاني. (صح أم خطأ). وكان قد قال ذلك فعلاً، فوضعت مقابلها علامة (خطأ).
حين تسلم الأوراق، سأل: من وضع هذه النقطة خطأ؟
قلت له: أنا وضعتها خطأ.
فقال: أنا قلت لكم ذلك، فلماذا وضعتها خطأ؟
قلت له: السؤال خطأ.
قال: كيف؟
قلت له: لا يوجد في خلق الله اثنان متشابهان مائة بالمائة.
فقال: أين هذا؟
قلت له: في القرآن.
دار نقاش مطول حول هذا الموضوع، وبعدها سألني: كيف يمكن أن يكون السؤال صحيحاً؟
شرحت له ذلك بأن يضع (تقريباً، إلى حد ما) في مجمل الموضوع، في نهاية السؤال حتى يظهر أن الفروق أساسية مهما تشابهت الآراء في أي موضوع في مثل هذا السؤال.
بدأ الأستاذ وولف يلتفت إلي، ويتابعني في موضوعات تخص علم الإدارة. وذات مرة، وحين كان يشرح مثلث الإدارة: الشخصية والاختصاص والأمانة، سألني: هل لديكم شيء في القرآن عن الإدارة؟ فقلت له: نعم.
وشرحت له ما جاء في القرآن على لسان ابنة شعيب عليه السلام عندما قالت عن موسى عليه السلام (القصص آية 62)، فقارن القوي الأمين بما هو متعارف عليه في مثلث الإدارة، الشخصية والاختصاص والأمانة.
عندها، قال إنهما كلمتان بدل ثلاثة، كما أن القوة أشمل من صفتي الشخصية والاختصاص، كما أن الصفة الثالثة واحدة في الطرفين. فقال: القوي الأمين أفضل من الأخرى، وسوف أعدل مثلث الإدارة بما جاء عندكم في القرآن؛ لأن هذا شيء في منتهى الدقة.
خلال هذا المساق والذي تلاه في علم الإدارة، كان الأستاذ ولف يسألني عن أمور كثيرة في القرآن الكريم، كما طلب ألفاظ القرآن المفهرسة، ولم يكن عندي ما طلبه، فأرشدته إلى من يؤمن له ذلك.
كان الأستاذ الذي يخافه الطلاب من أكثر الأساتذة تقديراً لي، وكان يتابعني بعد أن أنهيت الدراسة معه، ويسأل عن قضايا سياسية واجتماعية، ويقول لمن حوله: أنا استفدت من هذا الرجل، وأعتز بفكره وآرائه.
كانت نتيجة المساقين في الإدارة لي عنده هي أعلى درجة، وكان معنا في الصف طالب من ليبيا تخصص علم الإدارة، وكانت نتيجته في المساق أقل، فقال له الطلاب الأميركيون: أنت هذا هو اختصاصك وعبد اللطيف من اختصاص آخر، فكيف تأخذ أنت هذا وهو أفضل منك؟
فكان يجيبهم عني: أنه كان يناقش بالإسلام وما فيه، وأنا قصرت في ذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الخميس 15 ديسمبر 2016 - 0:45

الحلقة العاشرة

عربيات: سمعت باغتيال هزاع المجالي وأنا بطريقي لاستلام العمل بجنين


بين تكساس وعمان وجنين يأخذنا رئيس مجلس النواب الأسبق عبداللطيف عربيات في رحلة تعليمية مهنية تزيد من حجم الخبرات التي نالها الرجل خلال سنوات عمره.
وفي الحلقة العاشرة من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" يتوقف عربيات مع آخر محطاته التعليمية في الولايات المتحدة الأميركية، وحصوله على درجة الدكتوراة التي كانت الأولى في ميدان تخصصه على مستوى المنطقة.
ثم يقفل عربيات عائدا إلى عمان، ليواصل عمله في وزارة التربية والتعليم، تاركا وراءه عددا من عروض العمل التي كانت مغرية في ذلك الوقت، سواء لجهة العمل في المملكة العربية السعودية، أو في البنك الدولي، بعد ما حققه من إنجازات خلال سنوات عمله.
ويؤكد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية في حلقة اليوم أن الالتزام بشروط الابتعاث للدراسة كان وراء تخليه عن عروض العمل المغرية، مقدما التزامه بشروط التوظيف التي وقع عليها قبيل مغادرته في رحلة اكمال دراساته العليا.
وكان عربيات قد تحدث في الحلقة الماضية عن تزامن عودته من رحلة الماجستير ومواصلة عمله التدريسي العام الدراسي 1967-1966، حيث واجه تحديات كبيرة جراء الأوضاع الأمنية والسياسية ومرارة الهزيمة بعد حرب العام 1967 واحتلال بقية فلسطين.
لكنه أكد أيضا مواصلة نشاطات جماعة الإخوان المسلمين الجهادية ضد الاحتلال، حيث لم يتح لهم إلا معسكر خاص باسم قاعدة الشيوخ في قرية الرفيد شمال المملكة، وتحت جناح حركة فتح العام 1968.
وكشف عربيات الذي كان عضوا في المكتب التنفيذي للجماعة، أن مشاركة إخوان الأردن في العمل قوية، على الرغم من وجود بعض الاجتهادات الخاصة التي لم تُعِقْ زخم العمل الجاد والبناء.
وتوقف عند محطة أحداث العام 1970، ويؤكد سلامة موقف الجماعة من عدم التدخل فيها، وقال: وقف المجاهدون موقفاً تاريخياً إذ لم يدخلوا في تلك الفتنة، وكان رأيهم واضحاً وتاريخياً بأننا جئنا لمقاتلة اليهود، ولا نقبل أن نرفع السلاح بوجه أحد غير اليهود والمحتلين"، ويشدد "مرت الأيام وثبت صحة الموقف المبدئي السليم بداية ونهاية".
وفيما يلي نص الحلقة:
* توقفنا في الحلقة الماضية عند نشاطاتك الدعوية في مرحلة دراسة الماجستير، فماذا عن نشاطاتك تلك بعد عودتك الثانية إلى تكساس؟
- ميادين العمل الإسلامي في ذلك الوقت كانت مفتوحة وميسورة، سواء على مستوى النشاط في الجامعة، أو على مستوى اتحاد الطلاب المسلمين في الولايات المتحدة كلها، وكانت تتم إما عن طريق المؤتمرات العامة التي يلتقي فيها الآلاف، أو بحضور ندوات متخصصة لبحث موضوع معين.
من هذه اللقاءات المتخصصة بحث موضوع مصطلح إسلامية المعرفة، وكان الأخ الدكتور محمود الرشدان رئيساً للاتحاد، وقد تم عقد أكثر من ندوة في مركز الاتحاد في أنديانا والمؤتمر العام عُقَد في أوهايو.
كما عقدت ندوة خاصة حول المدرسة الإسلامية أو منهاج المدرسة الإسلامية ومقرراته، وقد حضره المرحوم الدكتور إسماعيل الفاروقي. وكان حديث الحضور التعاون في ندوات متخصصة من هذا النوع مع الاتحاد الإسلامي، كما بحث موضوع تأسيس ودعم رابطة الاجتماعيين الإسلاميين، التي ما تزال مجلتهم تصدر حتى اليوم وبدرجة متخصصة عالية ومفيدة، وكان يرأسها المرحوم الفاروقي.
من الملاحظات التي أذكرها في مؤتمر أوهايو، حضور أعداد كبيرة من المسلمين، ومن جميع الطبقات والجنسيات، ومن مختلف الولايات المتحدة الأميركية. ومن الملاحظات على ذلك المؤتمر الكبير أيضاً، حضور بعض المسلمين الأميركيين، وكان بعضهم جديد الدخول في الإسلام ولبس دشداشاً وبيده عصا طويلة.
وفي أثناء الحوارات كان يقف بعض المسؤولين في المؤتمر ليرشدوا المتحدثين المتحمسين في المؤتمر، ويدعوا لأسلوب الحكمة وعدم الصدام.
فوقف مسلم أميركي يلبس دشداشاً وبيده عصا طويلة، وقال رداً على المسؤول في المؤتمر: ماذا تقول أيها الناصح. في قلبك لا إله إلا الله وتخشى أحداً من البشر. نريد التحرك والعمل.
كان معنا آنذاك الأخ الدكتور عمر الصوباني، فقال لي: هل سمعت التعليق؟ فقلت: نعم. فقال: حقيقة إنه يقول الصدق، فمن يملك أن يقول له لا.
كان من حضور ذلك المؤتمر الدكتور إبراهيم يزدي، من إيران وهو من منطقة هيوستن في تكساس، وكنت التقيته في تكساس، فخرج من المؤتمر وقال: أخ عبد اللطيف، طريقكم طويل. نحن لا ننتظر على طريقتكم.
والدكتور يزدي، دخل مع الإمام الخميني طهران عند بدء الثورة، وأصبح أول وزير خارجية في إيران الإسلامية في عهد الخميني، ولم أره من يومها إلا بعد بضع سنوات في طهران في عام الثورة، حيث زرته في مكتبه في الخارجية الإيرانية وهو وزير لها، مع المرحوم كامل الشريف، وقد ذكرني بأيام اتحاد الطلبة المسلمين والنشاطات هناك. والدكتور يزدي عقلية شامخة وهو على خلاف مع الحكم القائم الآن في طهران، وقد شكل حزباً معارضاً في إيران.
لقد كان النشاط الإسلامي في الجامعة في تلك المدة مستمراً، إضافة إلى لقاءات الجمعة وخطبتها والكتب التي نزود بها المصلى في الجامعة، مع إعطاء محاضرات في بعض الكنائس بناء على طلبهم.
أمّا الإفطارات الرمضانية والإفطار العام والعيد في ساحات الحدائق العامة، فكانت مستمرة أيضا، بالإضافة إلى لقاءات الدارسين في الجامعة، وهم في أغلبهم من تونس والباكستان ومصر والعراق والسعودية، هذا بالإضافة إلى إقامة ندوات في الجامعة في موضوعات تهم المسلمين والغرب، وكان يحضرها أساتذة وطلاب من مختلف الجنسيات.
زرت المشرف على إعداد أجندة الجامعة، وقلت له: لماذا لا تضعون في أجندة الجامعة المناسبات الإسلامية؟ فقال: ماذا عندكم؟ فأعطيته مناسبة يومي عيد الفطر وعيد الأضحى، فسجلهما تحت الاسم والمناسبة التي أعطيته إياها، وأوَّل مرةٍ تظهر مثل هذه الملاحظات في أجندة الجامعة.
كان بعض الطلاب العرب والمسلمين، خصوصاً الذين معهم عائلاتهم يضحون في عيد الأضحى، وكنا نأخذ الأضاحي إلى مزرعة قريبة ونقوم بذبحها وتوزيعها حسب الأصول.
ومن النشاطات أيضا، استقبال الطلاب الجدد الذين يلتحقون بالجامعة، سواء للدراسة أو التدريب، خصوصا المجموعات التي كانت تحضر للجامعة من الطلاب السعوديين للتدريب لبضعة أشهر أو سنة واحدة، وكانت توضع لهم برامج خاصة بالتعاون مع إخواننا السعوديين الدارسين في الجامعة.
* ماذا عن البعثة واستكمال متطلبات شهادة الدكتوراة؟
- تضع وزارة التربية والتعليم شروطاً للابتعاث، سواء أكان ذلك على حساب الأردن مباشرة أو بصورة غير مباشرة عن طريق الجهات المانحة، وتشمل هذه الشروط بنوداً تُلزم المبتعث أن يعمل في الوزارة ضعف المدة التي قضاها في الدراسة في الخارج، ومؤكدة بكفالة مالية عالية. لكن الكثير من المبتعثين يحاولون العمل خارج الأردن بعد التخرج لأسباب مصلحية، ويبذلون من أجل ذلك الوسائل الكثيرة.
شخصياً، أشعر أن الابتعاث دين في عنق المبتعث، واجب السداد والوفاء من دون أي مماطلات أو تسويغات أو مبررات، وقد أصبحت أميناً عاماً لوزارة التربية في فترات لاحقة، وكنت أحاسب على ذلك بدقة، ولا يُعفى أحد منها إلا إذا كانت الوزارة ليست بحاجة إلى هذا الإنسان وبمؤهلاته الجديدة. وأعرف بعض الذين حصلوا على منحة، وبشروطها ولكنهم نكثوا بذلك بعد عودتهم، مع أن أحدهم مركزه كان ما يزال شاغراً بعد عودته، وبذل كل مستطاع للتهرب من الوفاء بالتزامه، مع أنه من المنظرين الدائمين في قضايا التربية، ويعلق الألقاب والنياشين في شؤون التربية، وهو ما يزال حتى اليوم من الكتاب الذين لا أقرأ ما يكتب بسبب ذلك السلوك.
* عدت من الولايات المتحدة، فماذا كانت خططك ومشاريعك بعد حملك للدرجة العلمية العليا؟
- أذكر أنني كنت رئيساً لقسم المناهج والكتب المدرسية عندما ابتعثت للدكتوراه في موضوع المناهج والتعليم المهني، ولي خبرة مستمرة في هذين الميدانين. لم أفكر ولو للحظة واحدة أن أعمل خارج وزارة التربية والتعليم أو خارج الأردن.
في الوقت ذاته، كنت أفكر كيف يمكن أن أخدم الوزارة في بحثي بعد عودتي، وأسوق المثالين التاليين على مدى الالتزام الأخلاقي لتنفيذ شروط العقد مع الوزارة، وبكل قناعة ووعي لمعنى الالتزام الأخلاقي والرسمي.
الأول، نتيجة لعملي المستمر في وزارة التربية، وفي موضوع التعليم المهني والمناهج، اتضح لي أن هناك مشكلة تربوية فنية ومهنية في تدريس مادة التربية المهنية في المرحلة الإعدادية. حيث كان يصنف الطلاب بين اختصاصات الزراعة أو التجارة أو الصناعة، ومن دون اختيار منهم.
كان يفرض تدريس الزراعة في مناطق القرى والريف، والصناعة أو التجارة في مناطق المدن، وحسب توفر التجهيزات لكل من النوعين المشار إليهما، أي: الصناعة أو التجارة، والسؤال الذي اخترته لموضوع البحث هو "هل صحيح أن إدخال الطلاب في إحدى هذه الاختصاصات بعد الصف السادس الابتدائي، يتفق مع مبادئ التربية والتخصص المهني؟". فما هو السن المناسب، في حده الأدنى، لدخول هذه التخصصات؟ وما متطلبات ذلك الاختيار من توفر المعرفة عمّا يقدم للطلاب من أجل الاختيار، أو تفضيل تخصص على آخر؟
هذه الأسئلة كانت جاهزة في ذهني مع بدء دراستي في الولايات المتحدة، وكنت أبحث عن الإجابات الصحيحة أثناء الدراسة.
هذا أمر مفيد جداً أن تكون لديك مشكلة تسعى لحلها من خلال البحث والتمحيص الدراسي في المستويات العليا الجامعية. بدأت للتحضير من أجل اختيار عنوان البحث وموضوعه منذ الفصل الأول الدراسي، وكنت أناقش ذلك مع الأستاذ المشرف.
كان إعجاب المشرف كبيراً من وضوح أبعاد المشكلة التي أبحث لها عن حلول من خلال الدراسة، ولكنه قال لي: كيف يمكن أن تبحث عن موضوع في أميركا ومجتمع الدراسة له في الأردن؟
أوضحت للأستاذ المشرف أن لي من الأصدقاء والمساعدين الذين يقومون بتوزيع ما أعده هنا في الجامعة وإعادته إلي بصورة منظمة؛ ولهذا صممت الاستبيانات والبيانات المطلوبة لكي يتم توزيعها وجمعها قبل عطلة المدارس في الأردن. من أجل ذلك طلبت تبكير مناقشة مشروع البحث من اللجنة المسؤولة قبل الموعد، وقد تم ذلك كما ذكرت سابقاً.
كان عنوان الدراسة وموضوعها كما ذكرت هو: "الخطوط العريضة لتطوير مناهج التعليم المهني الإعدادي في الأردن، وإعداد المعلمين اللازمين لذلك"، وهذا البحث تم الأخذ به قبل عودتي للأردن بشهرين، حيث طلب مني أحد الأصدقاء الكبار السابقين في الوزارة موضوع رسالتي، كما طلب إرسال نسخة له قبل طباعتها النهائية، وقام بعرضها على الوزير، فكلفه الوزير، مع لجنة، بإجراء وإدخال التعديلات اللازمة، وسميت "تدريس المادة المهنية المشتركة"، لكنهم، مع الأسف، أهملوا إعداد المعلم اللازم، وهذه نقطة ضعف وارتجالية غير مقبولة.
أما المثال الآخر، فكما ذكرت في المثال الأول، كنت مصمماً أن لا أسعى لتقديم طلب عمل خارج وزارة التربية بعد حصولي على الدكتوراة في موضوع التعليم المهني، وكانت رسالتي ودرجة الدكتوراه في هذا المبحث هي الأولى في الأردن.
في منتصف السبعينيات، وبعد دوامي في مركز الوزارة، بدأ التوجه لتطوير التعليم المهني وتشعيب التعليم على أكثر من مستوى في مواد الثانوي أو الجامعي المتوسط (كليات المجتمع)، كما تمت تطويرات على إدخال مساقات مهنية أو مختلطة في الدراسات العليا؛ لمواجهة متطلبات التنمية داخلياً وخارجياً.
بعد عودتي للأردن، زارني وفد من جامعة الملك عبدالعزيز في السعودية، وعرضوا علي أن أعمل عندهم في الجامعة. فكان جوابي السريع الشكر وعدم تلبية الطلب، لأنني لم أضع في حسابي العمل خارج الوزارة.
بعدها، زارني الوفد أكثر من مرة، ثم ذهبوا إلى مصر، واتصلوا بي من هناك مكررين الطلب، وكان الجواب نفسه والتأكيد علي بذلك.
بعد مدة قصيرة من عودتي للوزارة، تسلمت إدارة وحدة مشاريع البنك الدولي في الوزارة، وهذه الوحدة هي المسؤولة، وباستقلالية تامة، عن إدارة مشاريع البنك الدولي من معاهد فنية مهنية ومدارس شاملة ومراكز إعداد مهني ومعاهد معلمين (كليات مجتمع).
كان نجاح مشاريع البنك الدولي في الأردن مجال نقاش وبحث تقييمي لدى البنك الدولي، وصنفت مشاريع الأردن التي أشرفت عليها وأدرتها بالدرجة الأولى المميزة في المنطقة، وكان اعتزاز مدير المشروع في البنك الدولي كبيراً بهذه الإنجازات، وفي إحدى زياراته لنا في عمان، أحضر معه نموذج طلب للعمل في البنك الدولي، وعرضه علي، وطلب تعبئته. وقال: أنا مكلف بذلك. وضعت الطلب على مكتبي، وقلت له: أنا لا أفكر بالعمل خارج الأردن.
بعد أشهر، عاد مندوب البنك إلى دخل مكتبي، ورأى طلب البنك في مكانه على الطاولة، فأمسك به وقال: لم تعبء الطلب، ولم يتحرك من مكانه؟ فقلت له: أنا لا أفكر بالعمل خارج الوزارة. فنظر بتعجب وقال: يا فلان، البنك الدولي لا يعرض الطلبات على كل إنسان. إننا نتلقى طلبات من كل العالم من وزراء ورؤساء وزارات سابقين للعمل في البنك، ولا تقبل إلا بعد مراجعات وتدقيقات ومتابعات. نحن أحضرنا لك الطلب وأنت تعتذر!!
فقلت له: الاعتذار ليس لعدم الحاجة، وإنما في ذمتي عهد وعقد أن لا أعمل خارج الوزارة إلا بعد وفائي بالتزاماتي.
في أحد اجتماعاتنا في البنك الدولي بواشنطن، كنت في مكتب مدير المشروع في الأردن، فجاءته مكالمة هاتفية وبعدها قال لي: سيأتي المدير الفلاني في البنك للتعرف إليك. وقد تم ذلك. وفي اليوم الثاني كنت عنده في مكتبه، فأبلغني أن مديراً آخر يريد زيارتك والتعرف إليك. وقد تم ذلك أيضاً.
كان الحديث في المرتين عن مشاريع الأردن، وأنها ناجحة بدرجة عالية. وقالوا لي: نشكرك ونهنئك. وفي نهاية الدوام سألني مدير المشروع: هل تعلم لماذا جاء هذان المديران لزيارتك؟ قلت: لما سمعته من مجاملة طيبة.
فقال: فقط من أجل هذا؟ قلت: طبعاً. قال: لا. جاء كل منهما ليتعرف إليك، ويعرف لماذا أنت رفضت العمل في البنك الدولي مع تقديم البنك الطلب ومن دون أن تطلب أنت ذلك.
فقلت له: أنا لم أقصد سوى أنني ملتزم بعملي في الأردن، وأود أن أكون وفياً لالتزامي مع بلدي.
عبر لي عن تقديره العالي لهذا الالتزام، وقال إنه أيضاً صنف المشروع الذي يشرف عليه عندنا بالدرجة الأولى بين المشاريع وإنه حصل على تقدير وإعجاب رؤسائه في البنك.
* بدأت عملك في وزارة التربية والتعليم معلما، ثم تدرجت في المراتب الوظيفية. نحتاج تسليط الضوء أكثر على تجربتك كمعلم، وكيف تدرجت في سلك الإدارة العامة؟
- كما تعلم، بعد الثانوية العامة، عملت معلماً في مدرسة عقبة بن نافع بين العام 1954 والعام 1955، مدة عام واحد، كما عملت معلماً أيضاً بعد فصلي من الجامعة في بغداد بعد العدوان الثلاثي على مصر العام الدراسي 1956-1957، في مدرسة أديب وهبة في السلط.
كان عملي في السلط، في المرتين، خلال أوج نشاط الحركة الإسلامية في الأردن بعامة والسلط بخاصة، وكانت في ذروة النشاطات الطلابية ونشاطات نقابة المعلمين التي أنشئت العام 1954.
كانت المهرجانات الحاشدة في كل أنحاء الأردن خصوصا في عمان، فكنا نشارك في مهرجانات عمان بشكل واسع، حيث يتم تهيئة عدة حافلات للذهاب في الصباح والعودة في المساء في كثير من الأحيان والمناسبات ذات العلاقة بالأوضاع المتوترة في مصر وسورية والعراق.
شعبة الإخوان المسلمين في السلط، كانت في مقدمة شعب الأردن في مختلف النشاطات والمناسبات الوطنية والإسلامية. العمل كان مفيداً ويقدم لنا الخبرة والاتصال بالناس من جميع الطبقات، وفيه نشاط دعوي ومشاركة في القضايا المحلية والوطنية.
كان التعليم في المرحلة الابتدائية، وكنت أُعلِّم العلوم الاجتماعية، وهي المفضلة لدي. ولكن في بعض الحالات كنت أُعلم ما يتوفر أو يسد فراغاً في المدرسة بصفتها من المستوى الابتدائي.
لا أنكر الفائدة التي جنيتها من خبرة التعليم، لما فيها من تعزيز لأي دراسة تالية لذلك، مع أن بعض الناس لا يفضلها، ويجد فيها فاصلاً بين الدراسة في المرحلة التي سبقتها، وفيها تطويع لمن كان موظفاً معلماً أو غير ذلك، ويعود للدراسة في غرفة الصف كطالب. لكنني أرى فيها زيادة في التأهيل والقدرة على مواجهة ظروف الحياة، وفيها تطويع للنفس ومعرفة حقيقة أن هذه هي الحياة؛ فإما أن تُعلم أو تتعلم، أو تمارس الحالتين جنباً إلى جنب، وفي ذلك فائدة كبيرة على المستوى الشخصي أو العام.
* أي بقيت معلما من بعد نيلك الدرجة الجامعية الأولى، وعودتك من بغداد العام 1960، وحتى بعد عودتك حاملا شهادة الدكتوراة من الولايات المتحدة؟
- بعد عودتي من بغداد، وفي ذلك الوقت كان وزير التربية والتعليم هو المرحوم محمد الأمين الشنقيطي، وكان يقابل كل خريج أو من يتعين حديثاً بنفسه، وبحضور وكيل الوزارة أو مساعده. وكان رئيس قسم البعثات الدكتور محمد نوري شفيق قدمنا له كرئيس البعثات بصورة جيدة، وكنت والأخ موسى زيد الكيلاني.
قال للوزير: هذان الخريجان حصلا على علامات عالية في جامعة بغداد، فالأول هندسة زراعية، والثاني في اللغة الإنجليزية، مع التوصية بتعيننا في المكان المناسب لكل منا.
كان من عادة الوزير أن يفاجئ كل خريج بقوله: هل أنت حزبي؟ أنت مع كذا من الأحزاب، والجواب كان لا، لسنا حزبيين. وبعد ذلك يسأل: أين ترغب بالتعيين؟ فيقول: أنا أرغب في المكان كذا، فيكون جواب الوزير عكس رغبته، وفي المكان النقيض.
فسألني: أنت عربيات؟ قلت: نعم. فقال: أنت بعثي؟ فقلت له: لا. فقال: أين تريد أن تتعين؟ فقلت: كل الأردن بلدي، وحيث يوجد مكان لاختصاصي ومصلحة لبلدي فهو المكان الذي أرغب فيه.
تفاجأ الوزير بهذا الجواب، فطلب منا الجلوس، وأرسل في طلب الشاي لنا، ثم سألنا عن الجامعة. وقال لمساعد الوكيل يومئذ الشيخ إبراهيم القطان، رحمه الله: يعين عبداللطيف في المكان الذي يرغب فيه، فهذه النوعية من الخريجين هي التي تخدم البلد بصدق.
لم أسأل من هي اللجنة التي تقرر المراكز، وقد تم طلبي بعد أيام، وأبلغني المسؤول أن مكان تعييني هو مديرية تربية نابلس. قلت له: لا بأس، وتسلمت الكتاب منه، وخرجت.
في اليوم التالي، ذهبت إلى نابلس، وقابلت المسؤول هناك، وكان مدير التربية المرحوم عبداللطيف عابدين، ومساعده المرحوم محمد رجا المسعود الخريسات، فقال لي المسؤول: إن مكان تعيينك في مدرسة جنين الثانوية لتعليم الأحياء وبعض الموضوعات العلمية، فأخذت الكتاب، وتوجهت من فوري إلى جنين.
أثناء الذهاب إلى جنين، سمعنا في الأخبار عن الانفجار الذي أودى بحياة رئيس الوزراء آنذاك المرحوم هزاع المجالي.
قابلت، في اليوم التالي، مدير المدرسة الثانوية الأستاذ مختار كمال الذي رحب بي كثيرا، وأخبرني عن المواد التي تنتظرني لتدريسها. ثم أخبرني أنهم رتبوا لي، كذلك، حصة في مدرسة البنات الثانوية. لكنني قلت له إنني لا أدرس إلا في مدرسة الذكور الثانوية، وبقيت مصرا على ذلك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   السبت 17 ديسمبر 2016 - 3:02

الحلقة الحادية عشر

عربيات: رفضت أن أكون مديرا لمدرسة السلط الثانوية


في حلقة اليوم يعود رئيس مجلس النواب الأسبق عبداللطيف عربيات إلى ذكرياته في سنوات عمله معلما في الضفة الغربية، وفي تلك السنوات يحكي عن مواقف وتجارب ثرية.
ويكشف القيادي الإسلامي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عربيات في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، عن مدة إقامته القصيرة في جنين، ومقابلته للدكتور عبدالله عزام هناك، قبل أن يغادر إلى طولكرم ليدرس العلوم الزراعية في مدرسة خضوري المتخصصة.
وهنا يكشف عربيات أيضا عن رفضه عرضا يقضي بنقله مديرا لمدرسة السلط الثانوية للمساعدة في ضبط الأمور والسيطرة على نشاطات الطلبة، وهو العرض الذي رفضه، حتى يكمل عمله في مدرسة خضور الزراعية، مقدما النصيحة لوزارة التربية والتعليم في أن تعين لنفس الموقع حسين كوكش.
وفي نهاية الحلقة يوضح عربيات قصة نقله إلى القدس مساعدا لمدير التربية، وهي القصة التي يعتبرها عربيات مؤامرة ضد مدير مدرسة خضوري الزراعية، بسبب إضعافه في القيام بمهامه ومسؤولياته. ورغم مساعي عربيات في إلغاء قرار نقله إلى القدس، إلا أنه امتثل للقرار في نهاية المطاف.
وكان عربيات تحدث في حلقة الأمس عن رحلته في مشواره لنيل الدرجة العلمية الثانية والثالثة، ورحلته بين العواصم ونشاطاته الدعوية، كاشفا عن زهده في القبول بعدد من عروض العمل التي كانت مغرية في ذلك الوقت، سواء لجهة العمل في المملكة العربية السعودية، أو في البنك الدولي، بعد ما حققه من انجازات خلال سنوات عمله.
وأكد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية عربيات في حلقة أمس أن الالتزام بشروط الابتعاث للدراسة كان وراء تخليه عن عروض العمل المغرية، مقدما التزامه بشروط التوظيف التي وقع عليها قبيل مغادرته في رحلة إكمال دراساته العليا.
وفي مايلي نص الحلقة الحادية عشرة:
* بدأت معلما بشكل رسمي في الضفة الغربية بعد الشهادة الجامعية. كيف بدأت؟ وما هي انطباعاتك عن مهنة التعليم في مدن الضفة الغربية؟
- جنين بلد طيب، وأهلها كرماء، وقد ساعدني إخواننا هناك على استئجار البيت، وتناوبوا على استضافتي، وفي مقدمتهم المرحوم الشيخ فريز جرار، وكان هناك ابنه مأمون وإخوته الصغار في بيت الشيخ فريز، وهي عائلة ودودة، يقدم كل منهم المساعدة على طريقته الخاصة وبتوجيه من والدهم الكريم.
وما إن علم الشيخ الشهيد عبدالله عزام رحمه الله بقدومي، حتى جاءني مسرعا، وأخذني إلى بلدة سيلة الحارثية، حيث يسكن، ثم جمع الناس، وعمل مأدبة عشاء للجميع، ونمت عنده في تلك الليلة الأنيسة.
في جنين، شعرت بأنني بين إخواني وأهلي، وانسجمت مع المدير، وهو رجل مهذب، وكذلك الإخوة المعلمون.
الطلاب كذلك كانوا مميزين، وشعرت منهم أنهم يرغبون في التعرف والحديث عن القضايا العامة إلى جانب المادة الدراسية المقررة. ومع أنها مادة علمية بحتة، إلا أن الذي يريد الاتصال بالناس فالباب مفتوح في كل لحظة.
ومن عائلات جنين الرئيسية؛ آل جرار وآل عبد الهادي، وكان الجميع يتسابقون على إكرام الضيوف القادمين من خارج جنين.
كانت شعبة الإخوان في جنين ملتقى لكثير من أبناء البلدة، خصوصا المثقفين منهم، وكانت تعقد فيها محاضرات وجلسات ولقاءات عامة، وكنا نحضر ونشارك فيها.
مدة عملي في جنين كانت حوالي أسبوعين أو أكثر بقليل، ولكنها كانت ثرية ومريحة من جميع الوجوه. كانت اللقاءات مع الطلاب تجري في الحصص وفي خارج الحصص، وكان باستطاعتي رؤية الحماسة الشديدة في وجوه ونفوس المعلمين والطلاب والمدير، فتشعر أنك مدفوع بعوامل عديدة لأداء أقصى ما لديك، وهذه من ميزات البيئة المدرسية الناجحة.
* درًست في جنين فقط اسبوعين. ما هي أسباب مغادرتك لها بهذه السرعة؟
- كنت قد ذكرت لبعض المسؤولين في الوزارة أن مدرسة خضوري الزراعية في طولكرم هي المكان المفضل والمناسب لي من حيث الاختصاص، وفعلا، بعد أسبوعين من العمل جاءني مدير المدرسة وقال لي: هناك خبر يفرحك ويزعجني. قلت: ما هو؟ قال: اتصل بي الوزير شخصياً وأخبرني أن على عبد اللطيف عربيات أن يتحرك ابتداءً من الغد إلى خضوري الزراعية في طولكرم، والكتاب في الطريق.
فقلت له: هذا يسرني، وبالتأكيد ويؤسفني فراقكم.
العمل في جنين انطبع في ذاكرتي، وها أنا ذا أذكره تماما بعد حوالي ستين عاماً وكأنه أمامي الآن.
غادرت جنين إلى طولكرم، وهو بلد جميل أيضاً تابع إلى متصرفية نابلس، كما هو الحال لجنين في ذلك الوقت.
طولكرم تقع بين أرض الساحل والجبل، وتبعدُ عن البحر حوالي اثني عشر كيلومتراً، وكنا نشم منها رائحة البحر، وأرضها عميقة وخصبة ومياها متوفرة.
قيل لنا إن خضوري اليهودي أنشأ مدرستين زراعيتين؛ واحدة للعرب وهي هذه المدرسة، وأخرى لليهود في مدينة حيفا، وقد تناوب على إدارتها الأستاذ أحمد طوقان، وزير المعارف ورئيس الحكومة الأردنية لاحقاً، كما أن الأستاذ علي رؤوف، كان مديراً تاريخياً لها، وله سمعته ومكانته في إدارة المدرسة، وبنى لها صورة وهيبة أكسبتها أهمية حتى خارج الأردن، حتى إن جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأميركية كانت تقبل خريجيها، وتحسب لهم مساقات تعادل عامين جامعيين، وخريج هذه المدرسة يدرس عامين في أميركا ويحصل على بكالوريوس في الزراعة.
ومن خريجيها الدكتور عدنان بدران والدكتور صبحي القاسم وغيرهما الكثير، وكان يدرس فيها أوائل الطلبة في الضفتين، وبعدد محدود حوالي أربعة وعشرين طالباً للشعبة الواحدة، والتجهيزات العلمية الزراعية متوفرة بصورة جيدة، كما أن فيها مزرعة متقدمة للتطبيق العملي وإجراء التجارب لمن يرغب في ذلك.
حين بدأت العمل التدريسي في مدرسة خضوري في العام 1960، كان مدير المدرسة هو الأستاذ المرحوم شفيق الحسيني، وكان قبله بعام الأستاذ علي رؤوف، وبعد عام من عملي في المدرسة وعند بدء التدريس في كلية الحسين الزراعية التي أنشئت في أرض المدرسة، جاء الدكتور سليم الناشف عميداً للكلية ومديراً للمدرسة.
عملت في خضوري مدة سنتين، الأولى كانت في المدرسة وحدها، وفي السنة الثانية درّست في الكلية والمدرسة معاً، وكانت من أسعد أيام عملي الوظيفي، وذلك لأسباب علمية تطبيقية، وكذلك لأسباب اجتماعية من حيث السكن والتعامل اليومي مع أساتذة وطلاب متميزين، وحياة بيئية اجتماعية نظيفة.
للعمل في طولكرم ميزات كثيرة، وأنا فعلا أعتبرها من أمتع أيام عملي الوظيفي، لأن هناك أسبابا مهنية وأسبابا ذاتية أيضا؛ فمن الجانب العلمي التطبيقي كنت أتعامل مع طلاب منتخبين من مدارسهم، وبأعداد محددة، وحسب المعايير التربوية المتقدمة. كان الأمر يدفع المعلم للعطاء وبالاتجاه المفيد الذي يشجع على المزيد من النجاح في تحقيق النتائج المرغوبة.
كنت أدرّس مادة البستنة، موضوع اختصاصي، إلى جانب مادة الأحياء وبعض العلوم المرافقة، وكنت أجري بعض التجارب على تكثير الحمضيات والزيتون بطريقة العُقل، ومعروف أنها تتكاثر بالبذور أولاً، ولكن من باب إجراء التجارب على أمور جديدة في هذا الميدان. أذكر أنني عملت تجربة رئيسية في تكثير بعض أصناف الحمضيات بالعقل، فكانت ناجحة، ووصلت نمواتها حوالي 30 سم.
في السنة الأولى أذكر أن الأستاذ الدكتور عبد الكريم الخضيري، رئيس جامعة بغداد، وهو مختص في الهرمونات النباتية، جاء لزيارتي في الكلية، وحين أطلعته على تلك التجربة، سأل عن نوع الهرمونات التي استخدمتها. قلت له: لم أستخدم أي هرمونات، بل هي خلطة ترابية معروفة للجميع. فقال: أنا أستخدم الكثير من الهرمونات ولا تصل نموات العقل لهذه الدرجة في هذه المدة التي لديك!
كما أذكر أن أحد طلابي، وهو من قرية كفر اللبّد، قال لي إن عنده أنواعا من العنب يكون عليها قطوف ناضجة وأخرى غير ناضجة (حصرم)، إضافة إلى أخرى في طور النخل (الإزهار)، فطلبت منه أن يحضر لي عقلة منها في شهر شباط (فبراير)، وقمت بزراعتها بمشاركة الطلاب في ذاك الشهر، ونمت العُقل، فاستمر سقيها ورعايتها، وعندما عاد الطلاب إلى المدرسة في شهر آب (أغسطس)، وجدنا أن طولها كان ستة أمتار، كما أننا وجدنا عليها عنبا ناضجا، إضافة إلى مستويات أخرى من العنب كما ذكر.
في طولكرم أيضا، لم أغفل جانب النشاط الإسلامي، فقد كانت المدرسة شبه مغلقة عن أي نشاط إسلامي، سواء في داخل المدرسة أو خارجها، حيث الطلاب يسكنون في القسم الداخلي ويطبق عليهم نظام إغلاقي. ولم يكن هناك من يوجه أو من يجرؤ على الحديث في موضوع ديني.
والسبب الذي أبعد الناس في المدرسة عن الاتجاهات الإسلامية كان سببا فكريا، إذ إن الناصرية كانت في أوجها والناس كانوا متعلقين بأفكار الرئيس المصري جمال عبد الناصر من أجل التحرير.
أما السبب الثاني، فقد كان سببا أمنيا، إذ إن الناس أيضاً في المدرسة لا يجدون من يحثهم على التمسك بالدين، ولو بحدود معينة، وقد التقيت هناك مع المهندس محمد الحنبلي، وهو من نابلس، وكان جديداً، وأيضا المهندس أحمد سعيد عبد الكريم، وهو من قرية أم الفحم، وهذا الرجل طيب بذاته، لكنه لم يكن قادرا على النشاط والتحرك بسبب مجمل الظروف المحيطة. وكان هناك الأستاذ عبدالله حسنات، وهو جيد في فكره وسلوكه، ولكنه كان غير مهيأ للنشاط لأسباب مختلفة.
عندما التحقت بمدرسة خضوري، اخترت أن أقيم في سكن المدرسة، فطُلب مني أن أكون مشرفاً على القسم الداخلي فيها مع وجود مدير للمنزل، وهو يحمل الفكر القومي المعادي للفكر الإسلامي.
بدأت بطلب عمل مصلى في المدرسة للطلاب ومن يرغب من الأساتذة، فقالوا: لا يوجد مكان محدد لذلك، فاتفقنا على تخصيص قاعة في المدخل في الطابق الثاني، وهي مقابلة لسكني في المدرسة.
خصصنا فرشاً لتلك القاعة، وهو مكون من مجموعة من الحصر بالعدد اللازم، وبدأت بتأدية صلواتي في ذلك المصلى، فبدأ يحضر معي بعض الطلاب في الصلوات العادية. وعندما جاء رمضان زاد العدد كثيراً، وصرت أعطي بعض الكلمات، وأكلف بعض الطلاب بذلك، فزاد النشاط إلى حد أقلق بعض المسؤولين، خصوصا مدير المنزل للقسم الداخلي، الذي قام بإبلاغ مدير المدرسة الأستاذ شفيق الحسيني بذلك.
كان الطلاب بعد السحور يصعدون للقاعة بانتظار صلاة الفجر، وكان الكثير من الطلاب يلقون بشاكيرهم على رؤوسهم أثناء الصلاة أو الانتظار لها، وللوهلة الأولى، فإن من يراهم يحسب أن الأمر مرتب، وتظهر القاعة كما لو أنها مليئة بالعمائم.
* الحياة السياسية كانت ناشطة في الضفة الغربية، ولعل خصومك من اليسار والقوميين لن يدعوا نشاطك الإسلامي يمر بسهولة؟
-نعم، لقد حدثت بعض الأمور في هذا الاتجاه، فقد طلب مدير المنزل من مدير المدرسة أن يحضر قبل صلاة الفجر وبعد السحور ليرى هذا المنظر الجديد.
فعلاً، جاء مدير المدرسة على غير عادته، وللمرة الأولى في حياته في هذه الساعة من الليل، ودخل القاعة، ورأى المنظر. وقال: ما شاء الله، هذا معهد أزهري.
كنت في الجهة المقابلة له من القاعة، وأمام غرفة مكتبي الداخلية. فقلت: نعم هؤلاء هم عدة الأمة، وهؤلاء شباب طيب وفيهم الأمل، تفضل يا أبا نبيل اشرب فنجان قهوة قبل الإمساك. بعدها قلت بعض العبارات لكي أدخل الطمأنينة إلى قلوب الطلاب وأشعرهم أن الأستاذ المدير جاء ليطمئن عليهم، وأنني أرحب به كما لو أن كل شيء اعتيادي. أدخلت المدير إلى غرفتي وطلبت له القهوة، ثم خرج بعدها، فدعوته للصلاة معنا، لكنه اعتذر وقال: لست على وضوء. أنا ذاهب إلى البيت.
وفي حادثة أخرى، دعانا المدير في أحد الأيام إلى عقد مجلس معلمين لبحث أمر منشور وزع في المدرسة باسم الإخوان المسلمين. شرح المدير المسألة، وقال: وجدنا هذا المنشور في مكان كذا، ونريد أن نحقق مع الذي وزع هذا المنشور، فنحن لا نسمح بأن تدخل الحزبية إلى المدرسة.
ثم بدأ المدير يشرح عن محتوى المنشور، فسألته هل في هذا المنشور ما يمس بأمن البلد أو أي مخالفات أخرى من أي نوع؟ فقال: لا نسمح بأي شيء، فالجهات الأمنية حذرتنا.
وبينما نحن نستمع إلى تعقيبات بعض المعلمين وبعض الشهود، فإذا بطالب يدخل علينا الاجتماع، وقال موجها كلامه لرئيس الجلسة مدير المدرسة: أنا الطالب أحمد سليمان الشراري آل خطاب، أنا الذي وزعت المنشور، وأتحمل كامل المسؤولية عن ذلك. فما هي المشكلة؟
وجهت أنا كلامي للمدير، وقلت له: أجبه. فقال المدير: هذا ممنوع، فقال الطالب: ليس فيه أي شيء ضد البلد، وأنا أتحمل كامل المسؤولية عنه، ثم تركنا وانصرف.
نظرنا إلى بعضنا بعضاً من دون أي تعليق، وبعد قليل، قلت لهم: أغلقوا ملفاتكم، لا توجد عندنا مشكلة، ولا حاجة بنا لاستمرار هذا التحقيق. وفعلاً كان ذلك.
ذلك الطالب الشهم كان من معان، وكان طلاب المدرسة، في ذلك الوقت، من جميع أنحاء الأردن بضفتيه. تخرج هذا الطالب من المدرسة وعمل في وزارة الزراعة، ثم أصبح مديراً  لزراعة معان، وبعدها أصبح نائباً في البرلمان، ثم وزيراً للزراعة، وهو من وجهاء معان المعروفين المقدرين، وصلتي به لم تنقطع حتى اليوم.
* نعود إلى مهنة التعليم ومدى انخراطك فيها، ومدى المتعة في هذه المهنة الصعبة مهنة التدريس، خصوصا وأنت تتنقل بين عمان وطولكرم والسلط؟
-الأسباب المهنية هي التي دفعتني للتعلق بمهنة التدريس في مدينة طولكرم، وكما ذكرت لك أن بدايات عملي الوظيفي في جنين وطولكرم، كانت أمتع أنواع العمل الوظيفي الذي استلمته في حياتي، وقد تعرضتُ لإغراءات عديدة لتغيير هذا العمل بما هو أعلى وأهم، ولكنني رفضت، وفضلت هذا العمل على غيره في أكثر من مرة. فبعد عام من عملي معلماً في طولكرم، جاءني المرحوم حسني فريز إلى طولكرم ومعه الدكتور عبد الكريم خليفة. كان فريز في ذلك الوقت وكيلاً للوزارة، أما خليفة، فقد كان رئيس مفتشي اللغة العربية في الوزارة.
قال لي فريز: نريدك مديراً لمدرسة السلط الثانوية. قال ذلك وهو ينتظر مني أن أشكره، وأن أفرح بما عرض علي.
لكن، ورغم أن ما عرضه كان كبيرا ومهما، إلا أنني قلت له: شكراً لك، لكنني أعتذر عن عدم القبول بذلك لأنني أحب عملي هنا، وأنا مرتاح فيه كثيرا.
فقال: مدرسة السلط أكبر ثانوية في الأردن، وهي في بلدك السلط، وستكون مديرها!
قلت له: كل ذلك واضح لدي، ولكنني أعتذر عن عدم تلبية هذا الطلب، مع شكري لك.
قال: هل عقلك معك!! قلت له: نعم، فأنا بكامل قواي العقلية.
وبعد شرح مطول والرد على ذلك، قال: هناك مشاكل طلابية في السلط الثانوية، وقد قمنا بتغيير المدير، ولكن هناك رأي ونصائح في الوزارة أن تأتي أنت من أجل ضبط المدرسة، وإعادة النظام إليها.
قلت له: أكرر الشكر، وأنصح أن تأخذوا الأستاذ حسين كوكش في جنين ليكون مديراً للمدرسة. وقد كان أن أخذوا بنصيحتي، وعينوا كوكش مديرا لمدرسة السلط الثانوية.
بعد عام من ذلك التاريخ، وقد كنت أصبحت مدرساً في المدرسة وفي كلية الحسين الزراعية، بجانبها، وكان العميد فيها الدكتور سليم الناشف آنذاك، عرفت أن هناك تخطيطاً في الوزارة لإفشال سليم الناشف.
كانوا يتحينون الفرصة لإفشاله، وقد أرادوا تنفيذ ذلك حين طلب الناشف من الوزارة أحد المعلمين ليتم تعيينه عنده، وكان يحمل شهادة الماجستير. قالوا له: إذا أعطيتنا عبد اللطيف فسنلبي طلبك بفلان، فوافق على ذلك وهو لا يعرف خطوط المؤامرة عليه.
وسرعان ما تم إصدار كتاب من الوزارة يقضي بنقلي إلى مساعد مدير التربية والتعليم في القدس، وبتعيين من طلب عنده في المدرسة.
جاءني الدكتور سليم في اليوم التالي، وأخبرني بالقصة، وقال لي: هذا ما حصل معي مع الوزارة، ولا أدري هل أخطأت في ذلك أم أصبت. قلت له: وقعت في الفخ، فهم يخططون لذلك ويسعون لإفشالك.
تحدثنا مطولا في الأمر، وبعد ذلك قال لي بعد أن أعطاني كتاب نقلي موقعاً من الوزير: أرجوك أن تذهب الآن إلى الوزارة، وأن تحاول إلغاء النقل.
ذهبت في اليوم التالي إلى الوزارة، وقابلت وزير التربية وقد كان حينها المرحوم إبراهيم القطان، وقلت له: أرجو أن تقوم بإلغاء نقلي إلى القدس، فأنا مرتاح بالتدريس في طولكرم.
نظر الوزير نحوي مستغربا، وقال: يا عبد اللطيف، أنت تعلم مدى سنوات خدمتك القليلة، ومع ذلك يتم نقلك إلى وظيفة مساعد مدير تربية القدس، ثم تأتي لتعتذر. أنت تعلم أنك أصغر سناً من أي مفتش هناك.
بعد حوار طويل مع الوزير، لم أستطع أن أثني الوزير عن قراره، وقال لي: أرجوك؛ أنا وقعت الكتاب وصدر رسمياً، ولن ألغي توقيعي.
عدت إلى طولكرم، وأبلغت الدكتور الناشف بما تم، فأبدى أسفه الشديد، وقال: لقد وقعت في الخديعة. أرجوك أن نعمل معا من أجل عودتك إلى الكلية.
قلت له: لا أعتقد أن ذلك سيجدي، فالأمر قد انتهى، ومن عمل ذلك لن يتراجع تحت أي سبب.
اتضح فيما بعد أن المخطط  يقضي بسحب عبد اللطيف عربيات من الكلية، لأنه يساعد الناشف في ضبط طلبة المدرسة والكلية، وبعدها تكثر احتجاجات الكلية وتصل إلى الوزارة التي ينتظر بعضهم فيها ذلك بفارغ الصبر.
ما توقعناه حصل فعلاً، فجاءت لجان من الوزارة للتحقيق في إدارة هذا المعهد المتقدم الذي أسيء إليه كثيراً بهذا العمل. فقد وقعت إضرابات واحتجاجات من قبل الطلبة، سواء كان ذلك من خلال مشاكل بين طلاب المدرسة أو طلاب الكلية أو بسبب النتائج، وحتى في العمل الفني في المزرعة. كل تلك الاحتجاجات كانت تجد آذاناً صاغية في الوزارة، وبعضهم كان يشجعها من طرف خفي لأسباب شخصية بحتة لا علاقة لها بالعملية التربوية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   السبت 17 ديسمبر 2016 - 3:03

الحلقة الثانية عشرة

عربيات: قانون التربية 1964 حجر الأساس بنهضة الأردن التعليمية


يذهب بنا اليوم رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبد اللطيف عربيات إلى رحلة العمل في مدينة القدس، والجوانب الاجتماعية والمعيشية لتلك الفترة، وحتى طبيعة العمل الذي كان يقوم به في مديرية التربية والتعليم هناك.
وهناك يكشف القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عربيات جوانب مهمة عن المضايقات الأمنية التي كانت تلاحقه كمعلم منتم إلى تنظيم جماعة الاخوان المسلمين، وأساليب التحري الأمني عنه في أماكن اقامته في مدينة القدس.
وإلى جانب الجدية التي يسبغ بها روايته، يروي عربيات لنا في حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد" كيف أن أحد زملائه ذهب إلى مركز وزارة التربية والتعليم وكذب على المسؤولين وزعم بأنه وعربيات "سكرا" في أريحا، لكي ينفي تهمة الانتماء لتنظيم جماعة الاخوان المسلمين عن عربيات. وهو ما كان يعيق انتقال أبو سليمان إلى عمان.
وفي رحلة عودة عربيات إلى عمان يكشف عن جوانب أساسية في رحلة إقرار وتطبيق قانون وزارة التربية والتعليم العام 1964، الذي يعده عربيات بأنه كان وراء نهضة مسيرة التربية والتعليم في البلاد، وأن القانون حقق سمعة رائدة للأردن في هذا المجال.
ويسند عربيات الفضل في "تأميم" كتب المناهج المدرسة إلى قانون التربية، وهو الذي أقر وشكل واعتمد مجلس التربية والتعليم كمظلة للقرارات التعليمية والتربوية المفصلية.
وكان عربيات قد عاد في الحديث في حلقة الأمس إلى ذكرياته في سنوات عمله معلما في الضفة الغربية، كاشفا عن مدة إقامته القصيرة في جنين، ومقابلته للدكتور عبد الله عزام هناك، قبل أن يغادر إلى طولكرم ويدرس العلوم الزراعية في مدرسة خضوري الزراعية المتخصصة.
كما كشف عربيات أيضا عن رفضه عرضا يقضي بنقله مديرا لمدرسة السلط الثانوية للمساعدة في ضبط الأمور والسيطرة على نشاطات الطلبة، وهو العرض الذي رفضه، حتى يكمل عمله في مدرسة خضور الزراعية، مقدما النصيحة لوزارة التربية والتعليم في أن تعين لنفس الموقع حسين كوكش.
*توقفت في الحلقة الماضية عند قصة نقلك إلى القدس حيث سعيت إلى إلغاء قرار نقلك، على الرغم من أنها فرصة لا تعوض، وقد كنت متعلقا منذ دراستك الابتدائية بالمكان وقدسيته، فلماذا التردد، كما أن في الأمر شكلا من أشكال الارتقاء الوظيفي؟ والسؤال الآخر، ماذا وجدت هناك؟ وما هي الظروف الأمنية في ذلك الزمن؟
-هنا وبالمحصلة الأخيرة التحقت بعملي في القدس مساعداً لمدير التربية في ميدان العلوم والزراعة. وكان للعمل الجديد ميزات تختلف عن واقع طولكرم والعمل في التدريس، فأنت هنا مفتش كما كان يسمى العمل الوظيفي، كما أن القدس مدينة متقدمة في حضارتها وتعامل أهلها والتزامهم بالنظام وشدة المتابعة الأمنية على كل تحرك، حتّى في ذهابك إلى المطعم وغير ذلك من الممارسات العادية.
وكان مدير التربية، حينها، المرحوم الأستاذ بشير الدباغ، وسكنت وإياه في بيت واحد في حي الشيخ جراح في القدس، ثم جاء بعده الأستاذ المرحوم عبد اللطيف عابدين، الذي بقي مديراً حتى انتقالي أخيراً لعمان.
كان من المساعدين لمدير التربية الأستاذ الشيخ سليمان الجعبري، والأستاذ الشيخ عبد الرحيم مريش، والأستاذ مصباح العابودي، والأستاذ مصطفى الكسواني، والأستاذ عبد اللطيف الحسيني، والأستاذ جريس قمعية، وغيرهم.
وبصدق كان العمل الجديد فيه تجربة جديدة، وفعلا تعرفت على مواقع وقرى جديدة، وعلى ميادين اجتماعية أخرى غير تلك التي كانت في طولكرم وجنين، ويمكن أن أذكر جوانب وصفية عن طبيعة العمل بمدينة القدس، فمن الناحية الأمنية مثلا، هناك صرامة وشدة في التعامل، وعلى مختلف المستويات.
فمثلا، عندما عملت في طولكرم، وصلتني أكثر من رسالة شفوية من مدير مخابرات المنطقة يطلب فيها أن أقابله، بدعوى أنه يريد التعرف علي. فكنت أقول لمن يذكر لي ذلك: أنا لا أذهب إلى أحد من أجل التعرف، فمن يريد التعرف علي فليأتِ لزيارتي، وأهلاً وسهلاً. وطوال عملي في طولكرم لم يحصل أن قابلت الرجل.
خلال فترة عملي في طولكرم، كنت أعلم أن المتابعات الأمنية كانت مستمرة، حتى حين كانت تتم دعوتي عند أي أحد، فقد كانت هناك تقارير بمجمل الجلسة والأحاديث فيها، وحتى نوع الطعام الذي تم تقديمه.
ذات مرة، سألني أخي عبد القادر في السلط: أين تغديت الجمعة الماضية؟
قلت له: في عنبتا.
فقال لي: وكان الغداء مسخن؟
قلت له: نعم، ومن قال لك ذلك؟
قال: وصل تقرير بك تقرير كامل اشتمل على زيارتك ونوع الطعام الذي تم تقديمه. هذا ما أبلغني به مسؤول مخابرات السلط، السيد سمارة.
حين انتقلت إلى القدس، أرسل مسؤول مخابرات طولكرم برقية إلى القدس يقول فيها إنني انتقلت عندهم، وإنني من جماعة الإخوان المسلمين الخطيرة، ويتوجب عليهم وضعي تحت الرقابة الشديدة. لقد تبينت ذلك من المتابعة الشديدة في مديرية التربية في القدس، وعندما كنت أذهب إلى مطعم السلام في المدينة، وأرى من يجلس مقابلي في المطعم، أو عندما أذهب إلى دار الإخوان في القدس وأرى الأشخاص أنفسهم يتابعونني.
في صباح كل يوم عندما كنت أخرج إلى العمل في الميدان، كنت ألاحظ أشخاصاً يقفون وينظرون إلى، ثم يتركون المكان عندما نغادر بالسيارة.
ذات مرة، وكان الأستاذ أحمد رشيد عودة قد أصبح مفتشاً عندنا بعد أن انتقل من عمله مديراً للمدرسة الرشيدية الثانوية، قال لي: هل تلاحظ المتابعات المكثفة؟
قلت: نعم ألاحظ ذلك على الدوام.
 فقال: هؤلاء رجال مخابرات، وأنا أعرفهم عندما كنت مديراً للرشيدية، فقد لاحظت أن أحدهم بعين واحدة.
في مدينة القدس، سكنت في بيت حنينا عند أنسبائنا والد الأخ حمزة طنطش. وفي إحدى المرات، أبلغني أبو حمزة رحمه الله أنه، وبعد أن أغادر البيت، يأتي من بعدي اثنان أو ثلاثة أشخاص يسألون عني. أخبرني بذلك وهو خائف.
يومها سألته: هل يوجد بينهم واحد أعور؟
قال: نعم.
كان يبدو عليه الخوف الشديد وهو يسأل، وأنا كنت أريد أن أدخل الطمأنينة إلى نفسه ونفوس أسرته، لذلك أخبرته أن هؤلاء الرجال يبحثون عن عمل، وأنهم يراجعوننا في المكتب باستمرار.
*ألم تؤثر المتابعة الأمنية لك على عملك الوظيفي في القدس، وكيف أكملت مهامك المهنية وما هو طبيعة وظيفة المفتش في ذلك الوقت؟
-كان مدير التربية عبد اللطيف عابدين من الرجال الجادين والأمناء على العمل، وكانت برامج الزيارات والاجتماعات في المديرية والمتابعات الميدانية منتظمة ووفق جدول دقيق.
في ذلك الوقت، كان نظام دوام الفترتين الدراسيتين سائدا، وكنا، خلال العمل، نأخذ معنا الغداء إلى الميدان، وأكثر ما كنا نوصي عليه من الطعام هو القِدرة الخليلية، وكان يعدّها أو يشتريها السائق المرافق لنا خلال الزيارات.
ومع أن زيارتنا للمدارس رسمية، إلا أنها كانت زيارات ممتعة وودية، وكانت تتم بواقع أكثر من مرة للمدرسة الواحدة. أما الفريق الزائر فقد كان موزعاً على سيارتين، ومن أجل التقييم والفائدة، كنا نلتقي في مساء أو صباح كل يوم، ونتبادل الرأي حول الزيارات، كما نستعرض الملاحظات التي خرج بها كل فريق، ونقوم بمناقشتها.
كانت الزيارات تشمل القدس ورام الله والبيرة والقرى المحيطة بها جميعها، وتشمل قضاء القدس كله، وقضاء بيت لحم والقرى المحيطة. كان العمل يتطلب منا المعرفة الجيدة والمباشرة للجغرافيا، وواقع توزيع المدارس في المنطقة، والمشاكل التي تعاني منها القرى، وطريقة توزيع المدارس فيها.
كنا، وبالتعاون مع الحكام الإداريين، نتدخل لحل المشاكل التي تعاني منها تلك المناطق، إضافة إلى أننا كنا نتابع التقارير الفنية والإدارية لكل المدارس، فقد كان كل ما في المدرسة قابل للرقابة والملاحظة والمتابعة، حتى التعيينات كنا نبدي الرأي فيها، ونقدم التوصيات بحسب حاجة المدارس.
أذكر يوماً أن مدير التربية حوّل إليّ طلب تعيين آذن في الحديقة المدرسية بقرية ترمسعيا، وقد أرفق مع الطلب ورقة توصية من الوزير من أجل تعيين شخص معين. حين تلقيت الطلب، قمت بإرسال رسالة إلى المدرسة المعنية، وطلبت منهم أن يقوموا بتنسيب ثلاثة أشخاص حسب الأولوية، فجاء التنسيبات بما لا يقر ما أوصى به الوزير، فلا مدير التربية ولا المساعد (أنا)، قبلا التدخل في تنسيب مدير المدرسة.
* لكن السؤال هنا يتناول جانبا من المضايقات الأمنية لك، وطبيعة موقفك السياسي في عملك التعليمي في القدس؟
-مركز وزارة التربية، كان يتابع العديد من القضايا، وكان يزورني في القدس باستمرار الأستاذ علي رؤوف، وهو مدير التعليم الزراعي في المركز. حينها، كنت قد طلبت منه أن أنتقل إلى عمان، خصوصا أن المكان كان شاغراً بعد سفر المساعد الزراعي في مديرية عمان، وقد وعدني أن يلبي لي هذا الطلب.
ذات مرة، أخبرني أن نقلي قد تم فعلا، وأنه أخذ الموافقة على ذلك. بعد حوالي الشهر، وعندما سألته من جديد عن الأمر، وماذا حدث بموضوع النقل. قال لي بلغته وأسلوبه في الكلام: "يا معلم، شوف قرابتك الوكيل". وكان يعني بذلك الأستاذ حسني فريز.
بعدها بمدة قصيرة، قمت بمقابلة الأستاذ حسني فريز في مكتبه، وسألته عن أمر النقل. كان يوجد عنده في المكتب شخص آخر، فقام من وراء مكتبه، وأخذ بيدي نحو خارج المكتب إلى الصالة الواقعة أمامه.
ثم سألني فجأة: هل أنت من الإخوان المسلمين؟
قلت له: ما علاقة هذا الأمر بالنقل. ثم قلت له من جديد: إن كان كذلك، فهل القدس غير تابعة لكم؟
سحبت يدي من يده، وقلت له: لا أريد النقل. أنا باق في القدس.
بعد مدة ليست بالطويلة، جاءني الأستاذ علي رؤوف، وقال: يا معلمي سامحني، أنا كذبت عليك في الوزارة.
قلت له: كيف؟
قال: قلت لهم بالاجتماع، يا جماعة لماذا هذه الحملة على عبد اللطيف، هذا ليس من الإخوان المسلمين. فقالوا لي أنت لا تعرفه، عندها أخبرتهم إنني وإياك (سكرنا) معا الأسبوع الماضي في أريحا.
فقلت: كيف تقول ذلك؟
قال: أريد أن أخفف الحملة عليك في الوزارة، فهم يقولون إن عبد اللطيف عندما يأتي غدا إلى عمان ويلتقي بالشيخ عبد العزيز الخياط والشيخ محمد أبو سردانة، سيؤسسون الدولة الإسلامية، لذلك أردت أن أخفف عنك.
فسألته كيف كان رد فعلهم على ما قاله، فقال: والله (انبسطوا العكاريت).
قلت له: هذه مزحة ثقيلة، وما كان ينبغي لك أن تقولها.
قال: أردت أن أمرر نقلك إلى عمان، لكنهم اكتشفوا النكتة بالتالي، وأخبروني أنهم لن يثقوا بكلامي مرة أخرى.
هذا مثال واضح على مستوى التعامل والتفكير في الوزارة، وكيف كانوا ينظرون إلى الاتجاه الإسلامي والعاملين فيه، رغم أن بعض من كانوا في الوزارة حينها، كانوا من الحزبيين الكبار، وبعضهم وصل إلى ما وصل إليه تحت هذا العنوان.
*وهل فعلا تم نقلك بهذه "المزحة" وإلى أين تم نقلك؟
-كان النقل إلى مساعد مدير تربية عمان بالصورة التي ذكرت، وقد تم تعييني مشرفاً تربوياً زراعياً لمعان والعقبة، إضافة إلى عمان وتوابعها. كنا نكلف بالإشراف على المواضيع العلمية من كيمياء وفيزياء وأحياء، إضافة إلى موضوع الزراعة الذي كان يُدرس في المرحلة الإعدادية، وكنا نقوم به في منطقة معان بشكل خاص، حيث لم تكن الاختصاصات مكتملة آنذاك.
للعمل في مديرية عمان وما يتبعها، جوانب أخرى يمكن الإشارة إليها لبيان بعض الحقائق عما كان يتم حينها، وأيضا، لبيان ما تم تطويره أو تحديثه في الوزارة.
بعد إقرار قانون التربية والتعليم للعام 1964، سيطرت على مركز الوزارة مجموعات من المتنفذين والمنتفعين من عمليات تأليف وبيع الكتب لصالح أفراد، وما سمي في حينه تجارة الكتب المدرسية. بدأ الوعي في وزارة التربية إلى هذه الحقيقة، ومنهم بعض المختصين المتخرجين بشهادات عليا في التربية مثل الدكتور نوري شفيق، والدكتور إسحق فرحان، والدكتور سعيد التل، والدكتور نجاتي البخاري، وغيرهم، إضافة إلى بعض الوزراء الذين كان لهم دور كبير في إصدار قانون التربية والتعليم رقم 16 لسنة 1964، والذي شكل حجر الأساس في نهضة الأردن التربوية التعليمية.
كان قانون التربية والتعليم ذاك عنواناً لنهضة تربوية تعليمية، وهي النهضة التي أخذت بيد الأردن نحو قيادة التجديد التربوي في البلاد العربية، حيث أصبح الأردن مركزا لتصدير الكفاءات التعليمية للبلدان المجاورة، مثل دول الخليج، وحتى البعيدة، مثل الجزائر والمغرب وليبيا.
هذا القانون، الذي يعد أول تشريع بهذا المستوى، عالج القضايا التربوية المتخصصة مثل: فلسفة التربية، والمناهج، والأهداف التربوية ومستوياتها، والتنظيم الإداري في الوزارة، والامتحانات وغيرها.
من أهم  الأبواب التي عالجها القانون، هي فلسفة التربية والتعليم، والتي نص فيها على انبثاق تلك الفلسفة في الأردن من الإيمان بالله والمُثل العليا للأمة العربية.
وعلى ضوء القانون، تم تشكيل لجنة عليا للمناهج من داخل الوزارة وخارجها لها صلاحيات، بموجب القانون، في وضع المناهج وتعديلها وإدارتها، وذلك رداً على شركات الكتب التي أثرى منها بعضهم.
نص القانون الجديد على شراء أصول الكتب وطباعتها وتوزيعها بالمجان على المرحلة الإعدادية، وبسعر الكلفة على المستوى الثانوي، وكان ذلك بمثابة "تأميم" الكتب المدرسية، لأن كلمة "التأميم" كانت دارجة في ذلك الزمان، وكنا نقول عملية التأميم الوحيدة الناجحة في البلاد العربية هي تأميم الكتب المدرسية في الأردن.
أذكر أنني كنت مديراً لمكتب الكتب المدرسية في أواخر ستينيات القرن الماضي، وطبعنا كتاباً في اللغة العربية للمرحلة الابتدائية، كانت كلفته للأعداد المطلوبة لجميع مدارس المملكة قرشين ونصف للنسخة الواحدة، بينما كان يباع للطلبة قبل التأميم بخمسة وعشرين قرشا.
اللجنة العليا للمناهج أصبحت فيما بعد مديرية المناهج والكتب المدرسية، وهي أهم وأكبر مديرية في الوزارة.
من الجوانب المهمة الأخرى التي أثراها القانون، كانت إلزامية التعليم، بعد أن حدد الدستور الأردني العام 1952، أن إلزامية التعليم تكون حتى نهاية الصف السادس الابتدائي، فجاء قانون التربية المشار إليه بإلزامية التعليم حتى نهاية المرحلة الإعدادية، وهي الصف التاسع منذ ذلك التاريخ. واليوم أصبح حتى نهاية العاشر الأساسي، وهو ما يسمي اليوم بالتعليم الأساسي.
كما شمل القانون الكثير من المجالات الأخرى، مثل: التعليم الخاص والامتحانات المدرسية والعامة، وكان نصيب امتحان الثانوية العامة واضحاً، حيث نص القانون على أن قرارات الامتحانات العامة (شهادة الدراسة الثانوية العامة)، قطعية وغير قابلة للطعن أو التمييز لدى أي محكمة.
كما أكسب القانون وزارة التربية والتعليم رؤى واضحة لحفظ وتطوير جميع مناحي التربية، وهذه الخطط عشرية المدى، أي يتم تطبيقها في كل عشر سنوات، فكانت خطة التربية لعقد الستينيات: كم التعليم، ولعقد السبعينات: تنويع التعليم، ولعقد الثمانينات: نوعية التعليم، ولعقد التسعينات: تطوير التعليم.
هذه الخطط بهذه الرؤى الواضحة وبوضع أنظمة إدارية موازية لذلك، جعلت التربية المؤسسة المدنية الأولى في الأردن من هذه النواحي.
أذكر أنه بعد بضعة أشهر من تعيين الأستاذ مضر بدران وزيراً للتربية في السبعينات، وقد كان قبلها مديراً للمخابرات ورئيساً للديوان الملكي. قال لي: وزارتكم لا تحتاج إلى وزير.
قلت: كيف؟
قال: جئت إلى الوزارة منذ أشهر عديدة، وحتى اليوم أنا لا أستطيع أن أغير أو أبدل في أي تنسيب يقدم لي، فكل التنسيبات تقدم إلي بموجب مادة محددة بالقانون أو النظام أو التعليمات الصادرة، لذلك لا يكون أمامي سوى التوقيع عليها، لأن كل شيء مقنن وفق تشريع واضح.
هذا مثال على سلامة مسيرة التربية والتعليم على مدى أربعين عاماً، حيث حصلت أخيراً على أفضل وزارة للتربية في الأربعين سنة الماضية، حسب تقرير اليونسكو الأخير.
كما تم تشكيل مجلس التربية والتعليم، بدلاً من اللجنة العليا للمناهج والكتب المدرسية، واعتبر ذلك من الإنجازات الكبرى في قانون التربية والتعليم للعام 1964، فتم تشكيل مجلس التربية والتعليم الذي حل بدلاً من اللجنة العليا للمناهج والكتب المدرسية.
كما جاء في القانون المذكور، وأعطي هذا المجلس صلاحيات مباشرة ومحددة فيما يخص المناهج والكتب المدرسية، ويرأسه وزير التربية والتعليم، وثلث أعضائه فقط من الوزارة، أما الثلث الثاني فهو مشكل من أصحاب الخبرة والاختصاص، ويتم اختيارهم بصفاتهم الشخصية، والثلث الأخير ممثلون للوزارات ذات الاختصاص، وحسب العلاقة بالعملية التربوية في الدولة. ويرأس هذا المجلس الوزير، ويمثل الوزارة فيه أمين عام الوزارة ومدير عام المناهج والكتب المدرسية ومدير التخطيط ومدير عام التعليم العام.
لذلك، فمجلس التربية هو صاحب الحق والصلاحية في تغيير أو تطوير أي جزئية في المناهج والكتب المدرسية والسياسات العامة للوزارة، وما يتبع ذلك من أمور تربوية. فالقانون حفظ مسيرة التربية لعقود كثيرة بالرغم من التغيير المستمر للوزراء، ولكن المسيرة في خطها المرسوم الذي يشرف عليه مجلس التربية والتعليم، الذي أشرنا إليه فيما سبق، مستمر وبشكل مؤسسي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الأحد 18 ديسمبر 2016 - 0:37

الحلقة الثالثة عشرة

عربيات: آلاف الطلاب شجروا وادي السير وناعور بناء على طلب التل



يسهب رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبداللطيف عربيات بشرح تجربته في العمل في وزارة التربية والتعليم، حيث يأخذنا إلى مواصلته ارتقاء السلم الوظيفي.
وفي حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد" يوضح القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية جوانب مفصلية في مسيرة وزارة التربية والتعليم، التي رفعت شعار "تنويع التعليم" في حقبة السبعينيات من القرن الماضي.
ويروي عربيات نقلا عن الشيخ عبدالعزيز الخياط رحمه الله، قصة معلم الحميمة، حيث زار الخياط تلك المدرسة كمفتش تربوي ووجد أن المدرسة عبارة عن خيمة، وأن الطلبة يقيمون فيها، بعد أن "شرق" أهلهم مع "الغنم"، وتركوا أبناءهم أمانة في المدرسة التي كانت عبارة عن خيمة تغوص وسط الرمال، لكن الدهشة التي انتابت من سمع الرواية، كانت بسبب تفوق طلبة تلك المدرسة في مناقشة مناهجهم التي كانوا يدرسونها.
كما يروي عربيات قصة قرار الشهيد وصفي التل إبان تسلمه رئاسة الحكومة في منتصف الستينيات، حيث أمر وزارة التربية والتعليم بأن تشرف على مشروع تشجير مناطق واسعة من ناعور ووادي السير، وكيف أن الوزارة جندت 10 آلاف طالب ونظمتهم لإنجاح هذه المهمة.
وكان عربيات تحدث في حلقة أمس عن رحلة العمل في مدينة القدس، والجوانب الاجتماعية والمعيشية لتلك الفترة، وطبيعة العمل الذي كان يقوم به في مديرية التربية والتعليم هناك.
كما كشف عن تفاصيل المضايقات الأمنية التي كانت تلاحقه كمعلم منتم إلى تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وأساليب التحري الأمني عنه في أماكن إقامته في مدينة القدس.
وروى عربيات في الحلقة الماضية، كيف أن أحد زملائه ذهب إلى مركز وزارة التربية والتعليم وكذب على المسؤولين وزعم بأنه وعربيات "سكرا" في أريحا، لكي ينفي تهمة الانتماء لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين عن عربيات. وهو ما كان يعيق انتقال "أبي سليمان" إلى عمان.
كما تحدث عن قصة إقرار وتطبيق قانون وزارة التربية والتعليم العام 1964، الذي يعده عربيات وراء نهضة مسيرة التربية والتعليم في البلاد، وأن القانون حقق سمعة رائدة للأردن في هذا المجال.
وفيما يلي نص الحلقة:
•  بالعودة إلى مسيرتك المهنية، هل استمررت في موقعك مفتشا في وزارة التربية؟

- لقد استقر مفهوم الإشراف التربوي في منتصف الستينيات بدلاً من مفهوم التفتيش، خصوصا بعد وضع قانون التربية والتعليم. وقد أصبح الإشراف ميدانياً، أي من خلال مديريات التربية في الميدان، بدلاً من التفتيش المركزي من الوزارة.
كنت مشرفاً في موضوع التعليم الزراعي في منطقة الوسط والمركز هو عمان، وكذلك أضيف إلي، ولبعض المشرفين، العمل مدة أسبوع في معان التي كانت تضم العقبة وما يتبعها اليوم.
كنت مكلفا بالإشراف على الموضوع الزراعي وبعض الموضوعات العلمية كالأحياء والكيمياء. هذا الميدان الواسع في مديريات التربية أعطاني خبرة واسعة، إضافة إلى عملي السابق في مدن الضفة الغربية.
ويمكن أن أُشير هنا إلى بعض المميزات التي منحني إياها هذا النوع من العمل، فقد قمت بالتأليف في ميدان الاختصاص، ووضعت ثلاثة كتب للتعليم الزراعي في المرحلة الإعدادية مع آخرين من الزملاء، في نفس الاختصاص، وقد تم تدريسها لسنوات طويلة في هذه المرحلة.
كما قمت منفرداً بوضع كتاب بعنوان "نباتات الخضر في الأردن"، وكان الوحيد بهذا العنوان وبهذا المستوى في الأردن في حينه. وقد طلبه مني بعض الأساتذة من الجامعة الأردنية لإرساله إلى بعض دول الخليج، والتي كانت قد طلبت هذا العنوان منهم.
كما قمت بوضع كتاب العلوم العامة للمرحلة الابتدائية مع آخرين، وقد تم تقريره من الوزارة في هذه المرحلة.
إضافة إلى ذلك، شاركت بترجمة كتب الأحياء للمرحلة الثانوية مع الدكتور عدنان بدران، ووضعنا كتب العلوم العامة مع أُخوة آخرين، كما شاركت في وضع كتاب "المناهج المدرسية الإسلامية"، ومنفرداً كتاب "دور القيم في التعبير الاجتماعي".
أذكر قصة رواها لنا الأستاذ عبدالعزيز الخياط رحمه الله، وكان من الفريق الذي تم تكليفه بالإشراف على منطقة معان بالإضافة إلى محافظة العاصمة والوسط، وكنا نخرج للتوجيه أو الإشراف في مجموعات، وبحسب البرنامج الموضوع. وفي مساء إحدى الجولات قام الأستاذ الخياط بسرد قصة معلم الحميمة في لواء العقبة الذي أعطاه تقدير "امتياز" في تقريره الإشرافي. روى لنا أنه عندما وصل إلى المنطقة، قام بالبحث عن "مدرسة الحميمة"، في حينه، لكنه لم يجد بناءً، وكل ما وجده كانت خيمة تغوص في الرمال المتحركة. فسأل هل هذه مدرسة الحميمة الابتدائية؟ فقال له المعلم: نعم، وأنا المعلم والمدير المسؤول.
ومضى الأستاذ الخياط في سرد قصته قائلا: جلس الطلاب على الأرض، فجلست معهم، وبدأت أسألهم في المقرر، فتفاجأت بأنهم كانوا على مستوى تعليمي جيد جداً، وكان دفتر تحضير المعلم ممتازاً، والمادة التي قطعها معهم متقدمة بالنسبة إلى الزمن الذي كنا فيه.
ثم قال: سألت المعلم أين أهالي الطلاب؟. فقال: شرّقوا مع الغنم، وهذا يعني أنهم ذهبوا بأغنامهم إلى الشرق طلباً للكلأ. فسألت أين يسكن الطلاب، فقال المعلم: هنا في هذه الرمال. قلت: كيف ذلك؟. قال: عند النوم يحفر كل طالب حفرة له في الرمل، وبطوله، ثم يضع نفسه فيها ويهيل التراب فوقه ولا يبقى إلا رأسه، وفي الصباح ينهض الطلاب ويغسلون وجوههم أو يتوضؤون، ونُعد لهم الفطور، ثم يقومون ببعض الرياضات الخفيفة، قبل أن نبدأ الدراسة.
وسأله كيف يصنعون الطعام، قال: عندنا مجموعة من الأدوات البسيطة، ونعجن معا، ونخبز العجين على النار، وهكذا.
أخبرنا الأستاذ الخياط بأنه دهش كثيرا عندما اطلع على هذه التجربة الفريدة في التعليم، والحماسة التي كان يبديها المعلم وطلابه. وقال: كنت لا أملك إلا أن أشكر المعلم والطلاب، وأن أعلن أن تقدير المعلم امتياز بامتياز.
القصة كانت غريبة على جميع من سمعها، وقد أكدوا على ضرورة تقدير هذه المدرسة ولفت الانتباه إلى الجهود التي يقوم بها ذلك المعلم مع طلابه.
ألفت الانتباه إلى أن هذا الأمر حدث في منتصف الستينيات من القرن الماضي، وقبل عقود قليلة أصبحت الحميمة مدرسة ثانوية كاملة، ومن كبريات مدارس محافظة العقبة اليوم.
كما أذكر في تلك الفترة قضية التشجير الإجباري أو التطوعي، ففي منتصف الستينيات كان رئيس الوزراء السيد وصفي التل، رحمه الله، وكان وزير التربية والتعليم السيد ذوقان الهنداوي  رحمه الله. طلب السيد رئيس الوزراء من السيد الوزير إخراج عشرة آلاف طالب من عمان لزراعة الأشجار في منطقتي وادي السير وناعور، فقام الوزير بإبلاغ ذلك لمدير التربية وناداني المدير وأنا مساعده والمسؤول الزراعي، فأبلغني بالأمر، وطلب التنفيذ فوراً حسب طلب دولة الرئيس. حين سألت ما إذا وضعوا مخططات لتنفيذ هذا الأمر، جاءني الجواب: "دبروا حالكم". سألت، حينها، عن التبرعات المدرسية لعمان والزرقاء ومأدبا، فكان المبلغ كما أذكر 823 ديناراً، وهو مبلغ لا يكفي أجرة حافلات لنقلة واحدة، فكيف نستطيع تدبر الأمر والتكليف ينبغي أن يكون مدة أسبوع.
قلت للمدير: لا بد من الاستعانة بسيارات الجيش، فهم الأقدر على تنفيذ مثل هذه المهمة. وطلبت منه أن نذهب إلى محافظ العاصمة ليتولى ذلك.
كان المحافظ، حينها، ضيف الله الحمود، رحمه الله، وطلبنا منه الاتصال بالقيادة لتخصيص العدد الكافي من الحافلات لنقل الطلاب وإحضار الأشتال من مشتلي فيصل ووادي الوالة. ولم يتردد المحافظ لحظة، وأجاب مطلبنا.
سألنا وزارة الزراعة عن أدوات الحفر، فلم نجد لديهم شيئاً يذكر، فطلبنا العون من وزارة الأشغال العامة لتزويدنا بالعدد اليدوية المطلوبة، وكلفنا الطلاب مع سيارات الجيش بحملها وإيصالها إلى مكان العمل. وطلب محافظة العاصمة من مديري الدوائر في عمان حضور حفل الافتتاح، وألقى المحافظ كلمة عصماء خلال الحفل، وبقينا نعمل على التشجير مدة أسبوع.
اليوم، وكلما دخلت وادي السير أو مررت بناعور، أذكر تلك الأيام المجيدة، وأشعر أن هذه الأشجار الجميلة التي تعطي ذلك الشعور، وكأنها حديقة خاصة في بيتي، فتتملكني السعادة الغامرة.
لو أن كل جيل قدم شيئاً وأضاف شجرة جديدة لكان واقع الأردن غير هذا الذي نرى من أن نسبة الأرض المغطاة بالأشجار أقل من 1 % من المساحة العامة للأردن. لقد تناوب العديد من رؤساء الحكومات ووزراء الزراعة، فماذا أضافوا في هذا الميدان؟
أذكر في ذلك الوقت معسكرات الحسين للشباب التي كانت تقوم بأعمال تطوعية، وأعمالها في هذا المجال، ولكن كم من الهدر في طاقات الشباب لدينا اليوم، في حين لا يفكر أحد من المسؤولين باستثمارها.
•  كم بقيت مفتشا تربويا، وماذا كانت الخطوة اللاحقة للعمل في وزارة التربية والتعليم؟

 - بعد عودتي من الولايات المتحدة، وحصولي على شهادة الماجستير، عملت مدة قصيرة مساعداً لمدير التعليم المهني في الوزارة، ثم انتقلت إلى مديرية المناهج والكتب المدرسية.
بموجب القانون، أصبحت مديرية المناهج والكتب المدرسية قلعة التطوير والتحديث في المناهج والكتب المدرسية. وبموجب القانون، أيضاً، كان الوزير والأمين العام ومدير المناهج وأحد مديري التربية، وغالباً ما يكون مدير التخطيط، أعضاء في مجلس التربية والتعليم.
هذا المجلس هو الحاكم، بموجب القانون، على جوانب العملية التربوية، خصوصا المناهج والكتب المدرسية، حيث لا يجوز لأحد أن يغير جملة أو كلمة أو يقرر شيئاً جديداً في هذا المجال إلا عن طريق مجلس التربية والتعليم، ما حفظ التقدم المخطط له في ميادين الوزارة المختلفة.
كان تشكيل المجلس بموجب القانون على أساس ثلث للوزارة وثلث من أهل الاختصاص، والمهتمين من خارج الوزارة وثلث من الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة بالتربية، كما ذكرت سابقاً.
مديرية المناهج والكتب المدرسية كانت هي البوابة المباشرة على مجلس التربية، وهي التي تُعد، بالتعاون مع أمين سر المجلس، جدول الأعمال وتقدم أوراق العمل فيما يخص المناهج والكتب المدرسية.
بعد أن تم تأميم الكتب المدرسية، وأصبحت أصول جميع الكتب المدرسية ملكاً للوزارة، كان لا بد من طباعتها سنوياً بالأعداد التي تلبي حاجة جميع الطلاب من الكتب كافة، وفي جميع المستويات، كما ذكرنا سابقاً، وحسب إلزامية التعليم حتى نهاية المرحلة الإعدادية، فأصبحت الكتب توزع بالمجان على المرحلة الإلزامية (الإعدادية) وبسعر التكلفة على المرحلة الثانوية.
تسلمتُ إدارة مكتب الكتب المدرسية في أواخر الستينات، وهذا يحتاج إلى تخطيط وتنفيذ وتقويم بمستوى دقيق، وحجم عمل كبير ومسؤولية واسعة لشراء ما نحتاج من الكتب من مؤلفيها، ثم تدقيقها وطباعتها وتوزيعها قبل بدء العام الدراسي.
تقدير الأعداد الجديدة من الطلاب، كان من ضمن مهمة المكتب، وطرح العطاءات والتعامل مع المطابع ومتابعة التنفيذ في الوقت المحدد. هي عملية دقيقة ومستمرة على نطاق المملكة كلها.
• متى تسلمت إدارة المناهج في وزارة التربية والتعليم، وكما تعلم، هناك اتهامات دائمة بسيطرة جماعة الإخوان المسلمين على المناهج المدرسية. كما أننا نحتاج إلى تسليط الضوء على هذا الجانب من سيرتك المهنية؟

 - كما قلت سابقا، فإن مديرية المناهج والكتب المدرسية وفقاً لقانون التربية والتعليم أصبحت هي المسؤولة مباشرة وقانوناً عن كل ما يتعلق بالمناهج والكتب المدرسية، اختباراً ووضعاً وطباعة وتوزيعاً، وبإشراف الوزير رئيس مجلس التعليم، صاحب السلطة العليا والنهائية وفقاً للقانون، وفي هذا رد على جانب من الاتهامات.
كان مدير المناهج في تلك الفترة الدكتور إسحاق فرحان قبل أن يصبح وزيراً للتربية والتعليم في العام 1970. وخاضت مديرية المناهج والكتب المدرسية ميداناً جديداً هو الأول في البلاد العربية، حيث تم تأميم الكتب المدرسية، وملكت أصول جميع الكتب المدرسية، ولجميع المستويات، بعد أن أشترت حق التأليف من كل مؤلف وأجرت التعديلات اللازمة عليه، ومن خلال أعضاء قسم المناهج والكتب المدرسية.
كما قامت بخطوة أخرى جذرية وهي وضع مناهج جديدة وفق خطة شاملة، أدت بالتالي، إلى تغيير جميع المناهج والكتب المدرسية وفق المعايير الجديدة التي أقرها مجلس التربية والتعليم.
كانت مسابقات التأليف وفق المناهج الجديدة أيضاً غير مسبوقة في الأردن والبلاد العربية، إذْ أعلنت الوزارة من خلال مديرية المناهج طرح مسابقات التأليف وفق المعايير والمقاييس التي أُعدت وأرفقت في كل منهاج من المناهج المدرسية وفي عطاء عام لجميع المواطنين من معلمين وأساتذة جامعات وكليات مجتمع وقطاع خاص. كما تم تشكيل لجان سرية يقوم كل فرد فيها بكتابة تقرير حسب النماذج المُعدة، وكانت أسماء المؤلفين طبعاً غير معروفة، ويستعاض عنها بأرقام سرية والمادة مطبوعة بحرف مميز، ولا يستطيع أحد أن يضع إشارة أو علامة فارقة ليعرفها أي فاحص آخر.
هذه المنهجية أعطت قسم المناهج خبرات جديدة في جميع جوانب العملية التربوية فنياً وإدارياً، ومعرفة جميع الطاقات التربوية في الأردن وفي جميع المستويات.
ومن طرائف هذه التجربة أنها اكتشفت الطاقات المميزة وفي جميع المواقع التربوية، إذ نجح في تأليف كتاب الرياضيات للصف الخامس الابتدائي معلم في مدرسة حلحول الإعدادية في قضاء الخليل مع منافسة له من أساتذة الجامعات وكليات المعلمين، ناهيك عن معلمي التعليم العام كله.
كانت دفعة تربوية متقدمة أن يشارك المعلم والمشرف والمدير وأستاذ الجامعة في وضع المنهاج وتأليف الكتاب، وأن تملك الوزارة أصول هذه الكتب وتطبعها وتوزعها تحت إشراف قسم المناهج، الذي لديه أعضاء متخصصون في جميع المواد وعلى جميع المستويات.
كما قامت مديرية المناهج بتأسيس فريق قومي لكل مبحث من المباحث الرئيسية يشترك فيه أساتذة الجامعات المؤهلون، وأعضاء المناهج والمعلمون القادرون أو المنتسبون وفق أسس واضحة ودقيقة، وكل فريق معني بتطوير المادة المناطة به مع متابعة ما يجري في العالم من تطوير وتحديث.
أثناء عملي رئيساً لقسم المناهج، كان أساتذة المناهج في كلية التربية بالجامعة الأردنية يدعونني لإعطاء محاضرات لطلاب هذا الاختصاص، وكان بعض الطلاب المطالبين بأبحاث في ميدان المناهج، يأتون لقسم المناهج للاستزادة في بحوثهم فيما يجري في الأردن في هذا الميدان.
وخلال دراستي في الولايات المتحدة لدرجة الدكتوراه، وعندما اطلع بعض المختصين على ما جرى في الأردن في موضوع المناهج وعملية المشاركة الواسعة في وضع المنهاج والكتاب، كان إعجابهم شديداً بهذه المنهجية، وطلبوا مني أكثر من مرة أن أشرح التجربة الأردنية في موضوع المناهج على مستوى التعليم العام، وفي ندوات خاصة وعلى المستوى العربي كانت المؤتمرات التربوية العربية غالباً تعقد في الأردن، وكان يطلب إلى مندوبي الأردن شرح النموذج الأردني في وضع المناهج والكتب المدرسية.
• لكن متى تسلمت وحدة مشاريع البنك الدولي في وزارة التربية والتعليم؟
- حمل عقد السبعينيات من القرن الماضي شعار تنويع التعليم، أي إدخال أنواع من التعليم إلى جانب التعليم الأكاديمي، مثل أنواع من التعليم المهني إلى جانب الأنواع المتعارف عليها سابقاً، وهي الزراعي، والصناعي، والتجاري، فقد أصبحت حسب الخطة الجديدة، إضافة إلى السابق، تخصصات الفندقة والبريد والتمريض، والباب مفتوح لغيرها وحسب حاجة السوق.
وأيضا، المدارس الشاملة التي تعلم، بالإضافة إلى التعليم الأكاديمي بشقيه الأدبي والعلمي، تخصصات مهنية يحتاجها المواطن بدرجة أو بأخرى في حياته اليومية.
أما على المستوى الجامعي المتوسط فقد صممت برامج إعداد مهني على مستوى سنة واحدة في بعض المهن، أو مستوى السنتين أو الثلاث سنوات لبعض المهن المتخصصة صناعياً وهندسياً، كما وضعت بعض البرامج الإرشادية المهنية في مراكز خاصة لتلبية حاجات مختلف المناطق، ومنها المركز المهني في منطقة معدي في الأغوار، وعلى مستوى ثلاث سنوات كان معهد البوليتكنك في ماركا بعمان.
أما مستوى العامين، فشمل ما كان يُسمى معاهد المعلمين أو كليات المجتمع فيما بعد، كل هذه المشاريع ما كان لها أن تنفذ من الموازنة العادية للتربية لولا اتفاقية التمويل لها من البنك الدولي التي عقدها الأردن من خلال المجلس القومي للتخطيط الذي رعى هذه الاتفاقية، وقد أنشئت وحدة مشاريع متخصصة في الوزارة للتخطيط والتنفيذ لهذه المشاريع، والتي عقد مثلها في بعض الدول العربية مثل سورية على سبيل المثال.
تسلمتُ إدارة هذه الوحدة في وزارة التربية والتعليم العام 1976، وكان لها قبلي مديران هما الدكتور نجاتي البخاري، والأستاذ محمد الشامي، وكان لدى مدير هذه الوحدة صلاحيات الإدارة والصرف المالي، بحيث لا يجوز لأي مسؤول في الوزارة التدخل أو الإعاقة إلا بموجب بنودها التي أعطت الوحدة ومديرها صلاحيات كاملة، وذلك حسب شروط القرض من البنك الدولي الذي يشرف على تنفيذها وفق شروط محددة وواضحة.
كان المشرفون من البنك الدولي يقومون بزيارات منظمة وفق برنامج خاص ومتفق عليه، وكانت العطاءات للتنفيذ تُطرح على المستوى الدولي، ويشارك بها متعهدون محليون ودوليون. وحسب مواصفات البنك، تطرح كل مجموعة من المشاريع في عطاء واحد يُعطي رقماً معيناً للتمييز والمتابعة من قبل المعنيين المحليين والدوليين.
ومن المواقف التي أذكرها في تلك الفترة، وتعد دليلا على الرقابة الصارمة والتدقيق الحازم على صدقية التنفيـذ، أن فاجأني المرحوم محمد الحلالشة، بكتاب يشير فيه إلى ما يقارب العشرين كتاباً أرسلها سابقاً للوحدة يحتج فيها على التنفيذ المخالف في مشروع معهد المعلمين "كلية السلط". وبعد التدقيق تبين صحة ما أشار إليه، وتمت إعادة تنفيذ مكونات مشروع المعهد بما يساوي مئتي ألف دينار أردني على حساب المتعهد، كان منها 40 ألفاً فقط لوحدة التدفئة المركزية في المعهد المذكور. كما تم في موقع معهد البوليتكنك في عمان استرداد مبلغ 20 ألف دينار من المتعهد بعد أن تم تصديقها وصرفها، بعد تصديق ممثلي ديوان المحاسبة على ذلك.
وللمرة الأولى، على ما أعلم، تقوم الوزارة "وحدة المشاريع"، بكتابة كتاب لديوان المحاسبة يبين فيه مخالفات موظفي ديوان المحاسبة في الوزارة ويطلب محاسبتهم، في الوقت نفسه قد استرجعنا مبلغ العشرين ألف دينار نقداً وباليد عند مفاتحة المتعهد بذلك.
ومن غرائب قضايا الحكومة التي تحولت إلى المحاكم، أن قضية شركة باوتكنك الألمانية والغرامات المترتبة عليها لم تنته حتى قبل سنوات قليلة كما أخبرني المهندس يحيى الكسبي، الذي كان مهندساً جديداً في مشاريع وحدة المشاريع بالتربية، حيث إنه أبلغ المعنيين أنه لن يعود للشهادة في هذه القضية بعد أن قدم مثل هذه الشهادة بما يزيد على عشرين مرة منذ العام 1978، والمهندس الكسبي، أصبح لاحقاً مديراً عاماً لدائرة العطاءات العامة، وقد أصبح وزيراً للأشغال أخيراً.
خبرتي في هذا الميدان أعتز بها، فقد كانت على مستوى دولي، وأشعر أنني نلت ثقة كل من عملت معه وزيراً أو أميناً عاماً أو زميلاً في الميدان، وأشعر أنني أوليت هذا العمل كل ما لدي من طاقة ومعرفة وخبرة ووقت؛ ولهذا كان طلب البنك الدولي أن أعمل فيه ليس طلباً عارضاً، بل نتيجة إدارة مشاريع الأردن التي وصلت إلى المشروع السابع للبنك الدولي، بينما المشروع السوري وصلوا فيه نهاية المشروع الثاني عندهم في ذلك الوقت.
كانت لنا جولات من الحوارات حول ضرورة التعليم المختلط في المشاريع التي ينفذها البنك الدولي، وكنا نتصدى لهذه الشروط والإيحاءات، ونقول إن مهمة البنك أن يقوم بالتمويل وتهيئة المتطلبات حسب الحاجة الفعلية للوطن فقط، لكن ذلك ما كان يروق لهم، إذ إن التوجيهات والشروط غير المعلنة كانت ظاهرة للعيان، وكان التركيز على معاهد المعلمين بدءاً بمعهد السلط (كلية المجتمع فيما بعد)، وقد ظهر هذا مؤخراً عند إحالتي إلى التقاعد بعد سنوات، وبناء على توجيهات خارجية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الإثنين 19 ديسمبر 2016 - 2:20

الحلقة الرابعة عشرة

عربيات: علاقتنا بالنظام مبدئية.. وخالفنا إخوان سورية باحتجاجهم المسلح


إلى زاوية حرجة يأخذنا رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبد اللطيف عربيات في حلقة اليوم، ويكشف عربيات عن تقييم مختلف للإخوان المسلمين في الأردن، عن إخوانهم السوريين على خلفية الأحداث التي دارت في سورية في العام 1979 وتسببت بأحداث حماة الشهيرة.
ويؤكد القيادي الإسلامي البارز في صفوف الحركة الإسلامية عربيات أن إخوان الأردن لم يقروا لإخوانهم السوريين حربهم على نظام الأسد، وأن تقييم الحركة الإسلامية في الأردن كان مخالفا لتوجهات الإخوان السوريين.
ويشدد عربيات في زاوية "سياسي يتذكر" مع "الغد" على أن النظام العراقي السابق هو من قدّم الدعم للإخوان السوريين، وذلك بسبب الخلاف بين حزبي البعث؛ السوري والعراقي، موضحا أن إخوان سورية دخلوا عبر الحدود العراقية السورية، وتلقوا التدريب والسلاح داخل أراض عراقية.
ويكشف عربيات أن إخوان الأردن كان تقييمهم بأن الموقف العسكري لإخوان سورية بأنه "خاطئ" وأن تحركهم ضد نظامهم، بالتعاون مع النظام العراقي السابق، حيث تلقوا السلاح وبعثوا كتائب، قاد إلى أحداث حماة، والنتيجة المأساوية التي وقعت.
ويؤكد عربيات "الحقيقة المثبتة أن إخوان الأردن ليسوا على علم في كل تلك المخططات، ولا يمكن لنا أن نقرها"، مضيفا "ما علمناه لاحقا أن فصيلا من الإخوان السوريين هو الذي قاد تلك العملية، فدخل سورية، ووقعت المأساة".
كما يروي عربيات عن محطات له في طهران بعدما زارها وكان له محطات من الحوارات الساخنة مع مرجعيات دينية إيرانية، ويكشف عن تفاصيل تلك الحوارات.
*في السياق الزمني الذي نتدرج فيه، ثمة أزمة نشبت بين اللاجئين إلى الأردن من إخوان سورية. وهنا نود السؤال عن الأزمة بين إخوان سورية والنظام السوري، وعلاقتكم بها، أو دعنا نقول مدى تجاوبكم معها. وهل كان لكم دور في أي من الأحداث تلك؟
- بداية عليك أن تفرق بين طبيعة النظام الأردني وطبيعة النظام السوري، لتصل إلى الفرق بين أزمة إخوان سورية، وموقفنا نحن منها أو علاقتنا بها.
فالنظام الأردني دائما يحمل صفتين متلازمتين؛ صفة الاستقرار وصفة الاستمرارية، فهو النظام الأكثر استقرارا في المنطقة، أما الاستمرارية فأقصد بها استمرارية التشريع فيه، فلم ينقطع هذا النظام عن استمرارية التشريع منذ المجالس الاستشارية بين أعوام 1921-1929، ثم من الأعوام 1929-1946 كانت مجالس نيابية، وإلى يومنا هذا يستمر عمل المجالس التشريعية، التي نظمت نمط الحياة في الأردن وطبيعة التعاون بين الأفراد والمؤسسات.
ولا عجب أن يكون الأردن ملاذا للفارين من أنظمتهم، فقبل إخوان سورية، استقبل الأردن بعض إخوان مصر الذين فروا من نظام عبد الناصر.

*فهل هو لقاء مصالح بينكم وبين النظام الأردني؟
- ليست مصالح؛ هو موقف مبدئي، فالعلاقة بين الملك حسين وعبدالناصر كانت علاقة متذبذبة، لكن الأساس كان هو الموقف الشعبي الداعم للنظام هنا، نتيجة تلك الخلافات بين الناصريين وبين الإخوان في مصر.
وكان موقف إخوان الأردن، ضد الناصريين. لذلك في العام 1957 كان عبدالناصر يريد أن يطيح بالنظام الأردني، فكان موقف الاسلاميين هنا ضد هذا التوجه، وكان لنا دور في حماية الجبهة الداخلية، والحوادث مشهودة، والمواقف ما تزال علنية، في حوادث الزرقاء، وحوادث عمان، والحكومة العسكرية.
كل هذا أبطل مفعول المؤامرات على الأردن، نتيجة وجود قوى شعبية تدعم النظام ضد الاتجاه الآخر، وتلك نقطة جوهرية، فلما جاء اخوان مصر واخوان سورية، حتى عندما ضيقوا على إخوان العراق في فترة من الفترات، صارت الأردن رئة للاخوان في المنطقة، وقيل ذلك علنا. فكان أي مطارد من نظامه يلجأ للأردن.
بالنسبة للإخوان المسلمين في سورية، فهم جاؤوا إلينا وعاشوا معنا، ونشأت صلات نسب وقرابة بيننا. ولما دخلوا إلى البلاد دخلوها كلاجئين.
الجميع يعرف، بالطبع، الأحداث التي جرت في سورية العام 1979، وأحداث الكلية العسكرية في حلب، والصدام الذي قتل فيه الشيخ مروان حديد أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين في دمشق. كما قتل عدد من رفاقه.
وإذا تحرك إخوان سورية ضد نظامهم الذي أخرجهم من بلادهم، فلم يكن ذلك بالاتفاق معنا، ولما فتحت العراق معسكرات تدريب لهم وشجعتهم ضد نظام الأسد لم نكن بصورتها، ولم نعلم عنها، ولم نتدخل في كل ذلك، وهذا موقف أنا مطلع عليه.
وحتى ما تم تقديمه من قبل نظام صدام حسين للإخوان السوريين، كان مرتبطا بالخلاف بين حزبي البعث؛ السوري والعراقي، وهؤلاء دخلوا عن طريق الحدود العراقية السورية، وليس من حدودنا، وهذا أمر محسوم لا نقاش فيه.
بعض الاخوان السوريين اتفقوا مع النظام العراقي ضد سورية، وبعثوا كتائب، وبتقييمنا فقد كان الموقف العسكري خاطئا، وهو ما قاد إلى أحداث حماة، للأسف الشديد، لتكون النتيجة مأساوية.
الحقيقة المثبتة أن إخوان الأردن ليسوا على علم في كل تلك المخططات، ولا يمكن لنا أن نقرها، وما علمناه لاحقا أن فصيلا من الإخوان السوريين هو الذي قاد تلك العملية، فدخل سورية، ووقعت المأساة، وهي المأساة التي ما تزال آثارها حاضرة حتى يومنا هذا.
وأيضا، الثابت أن إخوان سورية لم يكونوا في تلك الأحداث فئة واحدة، بل كانوا فئات.
* لكن، لولا ثبات تورط إخوان سورية الموجودين في الأردن لما تم إبعادهم في العام 1979؟
-هذا أمر له ارتباط بالضغوط السورية، والنظام السوري هو من اتهم إخوان الاردن بالتآمر، واتهم الأردن أنه على علم بتحركات الإاخوان السوريين في العراق.
حافظ الأسد عاتب الراحل الملك الحسين على لقائه مع القيادي الاسلامي السوري سعيد حوا، وبالتالي حاول الأردن سد باب الشبهة وأبعد اخوان سورية. الملك الحسين تحدث إلى بعض إخوان سورية قائلا لهم بأنكم لاجئون وعليكم الالتزام بأدبيات اللجوء وعدم التدخل السياسي في دول الجوار. بعدها، ذهب بعضهم إلى العراق، وبعضهم إلى دول خليجية أخرى.
* لكن قرار إبعاد إخوان سورية من الأردن كان بعد ثبات صحة معلومات السوريين عن تدبيرهم لمخططات في الأردن ضد نظام الأسد؟
- هذا الكلام يحتاج إلى دليل، وما أعرفه أن إبعادهم جاء بضغط من السوريين نتيجة التقارب بين الملك الحسين والأسد في وقتها، ورغبة الملك الحسين في تبريد الجبهة السورية. لقد عايشت الحدث، وأقولها اليوم بلا تردد، إن إخوان سورية لم يكونوا فئة واحدة بل فئات، وهو ما تسبب بالمشكلة تلك، والذين لم يلتزموا بموقف الأردن ذهبوا إلى العراق، ومن هناك نفذوا ما كانوا يخططون له.
وفي وقتها، أعلنا موقفنا بكل وضوح، بأننا ضد القوات التي دخلت سورية من العراق وأرادت العمل العسكري.
وللعلم فإخوان الأردن يرفضون رفضا باتا هذا الأسلوب لناحيتين؛ أولا لأنه عمل عسكري فاشل ولا قيمة له، ثانيا أن تقدير الموقف لإخوان سورية من ذلك العمل لم يأخذ بالحسبان العواقب الاجتماعية له.
*ما دمنا نتحدث بإطار معايشتك لظروف سياسية، نود أن نسأل عن زياراتك لطهران خلال عملك في وزارة التربية والتعليم، وحتى خلال رئاستك لمجلس النواب الأردني، حيث كان لك مواقف هناك كنت قد تطرقت لها في أحاديث سابقة؟
- لقد زرت طهران فعلا في عهد الشاه، وكانت أول زيارة لي لإيران، وكانت خلال العام 1976 على رأس وفد تربوي. وفي ذلك الزمن كانت تعاني إيران ما تعانيه من أبسط الأمور، فحتى ازدحامات السير كانت قضية معقدة لديهم قبل الثورة. كما لمست في الزيارة الأولى حجم الاستياء من الأوضاع الاقتصادية والسياسية، ودرجة الرعب عند بحث أي موضوع سياسي.
كما زرتها بعد الثورة، ففي شهر تموز من العام (1979) شكل وفد إسلامي لزيارة إيران لتقديم التهنئة بالثورة الإسلامية، وكان الوفد برئاسة وزير الأوقاف الأردني المرحوم كامل الشريف وعضوية الصادق المهدي من السودان، وأحد إخواننا من المغرب واثنين من الأردن كنت أحدهما.
أخذ رئيس الوفد هدية للإمام الخميني وهي عبارة عن مجسم لقبة الصخرة، وكان أول وزير خارجية لإيران الإسلامية هو الدكتور إبراهيم يزدي وهو طبيب أعرفه جيداً حيث التقيناه في أميركا أثناء الدراسة، وكنت أحضر وإياه مؤتمرات اتحاد الطلاب المسلمين في الولايات المتحدة.
ولما وصلنا طهران الساعة الثامنة صباحاً وجدنا الدكتور يزدي وزير الخارجية في استقبالنا في المطار، وبعد أن وصلنا إلى الفندق طلب إلينا أن نكون جاهزين عند الساعة العاشرة صباحاً للتحرك إلى (قُم) لمقابلة الإمام الخميني.
وفعلا اصطحبنا الدكتور يزدي بنفسه في طيارة هليوكبتر عسكرية، وصلنا قم ودخلنا على بيت الخميني مباشرة وكان ذلك مفاجئاً لنا جميعاً أن تتم الزيارة بهذه السرعة وبهذه الطريقة الاستثنائية.
جلسنا في غرفة عادية على الأرض ووجدت مكاناً خالياً في الغرفة عليه بطانية قديمة موضوعة على الموكيت الذي نالت منه الشمس، فجلست على طرف البطانية، فناداني الدكتور يزدي وأشار إلي أن أجلس بجانبه وليس على هذه البطانية وسألته عن السبب فقال هذا مكان الإمام الخميني.
دخل الخميني وسلم على الجميع وجلس ورحب بالضيوف وشكر على الهدية، وقال: نحن في هذه الأيام نعيش الإسلام بكل معانيه وهذه أيام الإسلام التي يلتقي فيها الجميع. وتحدث عن الثورة والمخاطر التي تحيط بها وشكا من سطوة الأميركان على المنطقة العربية.
بعدها انتقلنا من عنده لزيارة أحد الآيات الكبرى في قم ولكنه أقرب إلى الخط الصفوي، حيث وجدنا السجاد الفاخر وأثر النعمة في كل شيء وهو يختلف تماماً عما وجدناه عند الخميني ولغة الخطاب والأفكار المتبادلة تختلف عن الزيارة الأولى.
*ما المقصود بالفرق بين الزيارتين، ولماذا هذا الفرق الكبير بين تواضع الأول وثراء الآخر، هل وصلتكم إجابات مقنعة عن أهداف الثورة الإيرانية؟
- في الإجابة على سؤالك فبعد أن انتهت زياراتنا إلى قم، قمنا وفي اليوم التالي بزيارة مركز الحزب الجمهوري وكان رئيسه الدكتور آية الله بهشيت وهو رجل عامل يتقن عدة لغات، ويتحدث العربية بشكل رائع، وكان يساعده آية الله خامنئي، مرشد الثورة الآن، تحدث المرحوم كامل الشريف والصادق المهدي وكل منهما يسأل الكثير عن أهداف الثورة والشيعة والسنة وغيرها، فأجابهما آية الله بهشتي جواب العالم الواضح المقنع، الذي لم يترك لأحد بعدها من سؤال أو استفسار.
وفي اليوم التالي طلب مني المرحوم كامل الشريف أن أرتب مع الدكتور إبراهيم يزدي وزير الخارجية أن نلتقيه في الوزارة، فذهبنا سوية إلى مكتبه ودار نقاش، تحدث فيه الأستاذ كامل ووجه عدة أسئلة عن الشيعة وعلاقتهم في السنة، فقال له  يزدي أحب أن أوضح لك الأمر وببساطة أريد أن أسأل الأخ عبداللطيف
الذي كنت أنا وإياه في أميركا: هل سبق لي أن سألتك أو أنت سألتني هل أنت شيعي أو سني؟! نحن مسلمون وكفى، ولكن أريد أن أجمل كل ذلك بما يلي: إذا كنتم سنة محمدية ونحن شيعة اثني عشرية جعفرية فنحن شيء واحد لا فرق بيننا، وأما إذا كنتم أنتم سنة أموية ونحن شيعة صفوية فلا لقاء بيننا، ولذلك هذا جوهر الموضوع وانتهى الحديث عن هذا الموضوع بهذه الكلمات الواضحة المحددة والمفيدة.
والتقينا في صلاة الجمعة في طهران بالقيادات الإيرانية واستمعنا إلى خطبة الجمعة التي ألقاها أحد علماء الشيعة الواعين، إذ سمعته يتحدث عن صحابة رسول الله صل الله عليه وسلم جميعاً أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وقال نحن في ثورة للإسلام ومن أجل المسلمين جميعاً وهذه أيام الإسلام وانتصاراته.
كان ذلك مطمئناً للجميع، خصوصا بعد أن وجدنا أن الثورة تحتفل بذكرى استشهاد الشهيد حسن البنا وسموا أحد شوارع طهران باسم الشهيد سيد قطب، ويذكرون سيد قطب كأحد علمائهم ومفكريهم.
كما أن الثورة الإيرانية الإسلامية تعتبر الثورة الفلسطينية قدوة لها في كثير من الوجوه الجهادية، وقدسية الحركة ومنطلقاتها، ولكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً بعد انتصار الثورة الإيرانية اكتشف الإيرانيون أن أفراد منظمة التحرير الفلسطينية وقادتها لا يلتزمون بالإسلام لا فكراً ولا سلوكاً، حيث شكا لنا الإيرانيون أن سلوك أفراد المنظمة الذين استلموا السفارة الإسرائيلية في طهران غير إسلامي، فهم لا يصلون نهائياً، وقد أعلمونا ذلك وهم مستاؤون.
لقد سلمت الثورة الإيرانية مفاتيح السفارة الإسرائيلية إلى منظمة التحرير بما فيها من ملفات وأسرار، وسألت الأخ هاني الحسن أول سفير للمنظمة في طهران: ماذا وجدتم في السفارة الإسرائيلية، وهل فتحتم الصناديق المغلقة فيها، فقال: أهم ما وجدناه هو أسرار السلاح في العالم، كذلك أسرار ومعلومات عن النشاط الماسوني في العالم. فسألته: من الذي تصرف بهذه الأسرار؟.
ولم يكن هناك جواب واضح بهذا الشأن، فمزحت معه وقلت: مشايخ إيران لا يعرفون كيفية فتح الخزائن المذكورة، فمن فتحها لكم؟ وذهبت مزحة بدون جواب.
* بعد أكثر من 10 سنوات عدت وزرت طهران، لكن بموقع سياسي كرئيس مجلس نواب وليس من موقعك المهني كقيادي في وزارة التربية والتعليم، هل اختلف الخطاب الإيراني، أو هل تبدلت أهداف ثورتهم؟
-نعم كانت الزيارة الثانية في العام 1991، حيث اصطحبت وفداً نيابيا من النواب والأعيان، لحضور المؤتمر الإسلامي العالمي والنيابي لنصرة القدس، وقد حضر ذلك المؤتمر قادة ونواب وأعيان من العالم الإسلامي كله، وقد شارك الاتحاد البرلماني العربي في هذا المؤتمر، وقررنا أن يكون أيضاً لقاءات للاتحاد البرلماني العربي على هامشه.
وكان في المؤتمر أيضاً وفد الإخوان المسلمين في الأردن برئاسة الأخ المرحوم محمد عبد الرحمن خليفة، المراقب العام للإخوان المسلمين في الأردن.
وكنا في اتحاد البرلمان العربي قد اتفقنا أن يتكلم باسمنا السيد عبد العزيز بلخادم رئيس البرلمان الجزائري رئيس دورة الاتحاد البرلماني العربي. فوجئت ونحن ندخل قاعة المؤتمر في جلسة الافتتاح بالإخوة الإيرانيين يطلبون مني أن أكون المتحدث الأول بعد رئيس المؤتمر، فقلت لهم: نحن في الاتحاد البرلماني العربي اتفقنا أن يتحدث باسمنا الأخ عبد العزيز بلخادم رئيس دورة الاتحاد رئيس البرلمان الجزائري. فقالوا بعد نقاش: هذا قرار وسوف نعطي الأخ بلخادم دوره، ولكنك أنت مطلوب أن تكون أول المتحدثين بعد رئيس المؤتمر.
ألقيت كلمة ارتجالية عبرت فيها عما أشعر به دون مجاملة أو تنميقات دبلوماسية، وتحدثت بما أومن به وما أراه بغض النظر عن الموقع أو حدود المسؤولية، ودون مجاملة لطرف على حساب طرف، وأثناء نزولي من المنصة متوجهاً إلى مقعدي سمعت صوتاً من جهة اليسار حيث يجلس العلماء وآيات الله يقول: يا عبد اللطيف.. والله إننا نحبك في الله. نظرت إلى جهة مصدر الصوت، وإذا بي أرى شخصا مهيبا يبتسم ويحييني، عرفت بعدها أنه آية الله محمد حسين فضل الله، وهو العالم المعروف الذي أهداني كتاباً من تأليفه عن الحركات الإسلامية.
كان رئيس المؤتمر هو آية الله مهدي كروبي رئيس مجلس الشورى الإيراني، وبعد جلسة الافتتاح تم انتخابي والأخ عبدالعزيز بلخادم نائبين لرئيس المؤتمر، وكانت جلسات صاخبة وفي ظروف صعبة، والحضور من العالم الإسلامي كله، وفي مكان ليس عليه أي قيود أو حدود، والكل يتحدث بما يؤمن به وبالطريقة التي يراها. ولما جاء دور الحديث لآية الله محمد باقر الحكيم رئيس حركة الثورة الإسلامية في العراق آنذاك، صب جام غضبه على العراق، ولم يعط موضوع المؤتمر ما يلزم من عناية وبيان.
فقلت له: وأنا على المنصة وأثناء مروره بجانبي: هذا تخريب. فنظر إلي وقال: أنا؟، فقلت: نعم، فنظر إلى رئيس المؤتمر آية الله كروبي بجانبي مستغربا ومستفسرا. فقال رئيس المؤتمر: نعم أخطأ الحكيم. فنزل وذهب إلى مقعده بدون تعليق. وبعد الجلسة تعاتبت أنا والحكيم، وأوضحت له ماذا عنيت ومن عنيت.
*وما هي حجم مناصرة ذلك المؤتمر للقدس، وهل نجحت طهران في تحشيد الصف الإسلامي في ذلك المؤتمر؟
- في تلك الأيام كان رئيس وفد منظمة التحرير المرحوم الشيخ عبدالحميد السائح، وقد سمع كلاما قاسيا من المنظمات الفلسطينية المعارضة لها.
في مقابلتنا لمرشد الثورة آية الله خامنئي كانت هناك حوارات موسعة، وكنت قد أخذت له هدية مجسم قبة الصخرة المشرفة في القدس، وأثناء دخولنا أخذها المستقبلون الإيرانيون من أجل فحصها قبل أن نسلمها لمرشد الثورة، وبدأ المتحدثون بإلقاء خطبهم وقصائدهم، وأخذ الأمر أكثر من ساعتين، وكان بجانبي الدكتور علي أكبر ولايتي وزير الخارجية السابق مستشار المرشد، فسألني: هل تريد أن تتحدث؟، فقلت: اجعلني آخر المتحدثين.
وعندما أعطاني الكلام قلت: أنا لا أريد أن ألقي القصائد والمدائح، وإنما أريد أن أتساءل، ماذا عملتم خلال الثلاث عشرة سنة الماضية، أين النظام التربوي الإسلامي والاقتصادي والاجتماعي، أين أنظمة ولوائح الحكم والإدارة في الإسلام، وأنا أرى نقصاً بينكم في إدارة مؤتمر في فندق، فكيف بنا ونحن نحكم باسم الإسلام أمام العالم.
وبعد حديثي رد علي مباشرة المرشد، وقال: يا أخي لو طلب منا أن نقدم لكم تقريرا لقدمناه لكم، ولكن نحن في جلسة مجاملات. فقلت له: من أكثر من ساعتين أخذ مني المسؤولون عن الاجتماع الهدية التي أحضرتها معي لكم باسم مجلس النواب الأردني، وأخذوها للفحص، وللآن لم تعد، بل لم يتم فحصها، وها نحن نغادر بدون تقديم الهدية. هل هذا يحتاج إلى علم وخبرة زائدة؟ هذا مثال أسوقه تبريراً لما قلت.
فقال: شكراً لكم، وودعنا بحرارة مع الدعاء والامتنان. لاحظت أن التلفزيون الإيراني قد بث كلمتي في الافتتاح كاملة، مع أناشيد عن القضية الفلسطينية والتي أذيعت أكثر من مرة.
قبل تلك الزيارة حاول البعض أن يوصل لي ملاحظة أن السفر إلى إيران بذلك الوقت غير مناسب، ولا حاجة إلى تلك الزيارة كلها، لكني لم استشر أحداً ولم أستأذن، وبعد أن انتهت الزيارة وجدت أن هناك ثناء عليها، ولمست ذلك من الوفد الإعلامي المرافق، ومن وزير الخارجية الأردني كامل أبو جابر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الثلاثاء 20 ديسمبر 2016 - 0:45

عربيات: من أحالني على التقاعد أقسم أن لا بديل لي في الموقع


يعود رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبداللطيف عربيات في ذكرياته إلى مرحلة عمله في وزارة التربية والتعليم، واستكماله متطلبات الارتقاء الوظيفي.
وفي حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر" التي تنشرها "الغد" يكشف القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية عن جوانب من قراراته التي اتخذها خلال عمله أمينا عاما لوزارة التربية والتعليم قبل إحالته للتقاعد.
وامتدح عربيات عددا من وزراء التربية والتعليم الذين ساهموا في تكريس العمل وفق نظام اللامركزية وتفويض الصلاحيات، وهي الفكرة التي نسبها للوزير الأسبق سعيد التل، واستكمل العمل بها حكمت الساكت وعبدالوهاب المجالي رحمهما الله. وذلك قبل أن يأتي من يؤمن باللامركزية من الوزراء، وتم إلغاء نظام التنظيم الإداري ونظام اللامركزية، وعادت الأمور إلى ما هي عليه الآن.
وفي مساحة أخرى من مساحات الاشتباكات خلال عمله في وزارة التربية والتعليم، فقد روى عربيات عن موقفه الرافض من إلغاء امتحان القبول لمرحلة الثانوية العامة، ومقاومته لأجندات سياسية ضغطت من أجل إلغائه.
وكان عربيات قد كشف في حلقة أمس أن إخوان الأردن لم يقروا لإخوانهم السوريين حربهم على نظام الأسد، وأن تقييم الحركة الإسلامية في الأردن كان مخالفا لتوجهات الإخوان السوريين.
وشدد عربيات على أن النظام العراقي السابق هو من قدم الدعم للإخوان السوريين، وذلك بسبب الخلاف بين حزبي البعث؛ السوري والعراقي، موضحا أن إخوان سورية دخلوا عبر الحدود العراقية السورية، وتلقوا التدريب والسلاح من داخل أراض عراقية.
كما كشف أن إخوان الأردن كان تقييمهم بأن الموقف العسكري لإخوان سورية "خاطئ" وأن تحركهم ضد نظامهم، بالتعاون مع النظام العراقي السابق، حيث تلقوا السلاح وبعثوا كتائب، قاد إلى أحداث حماة، والنتيجة المأساوية التي وقعت.
وأكد أن "الحقيقة المثبتة أن إخوان الأردن لم يكونوا على علم بكل تلك المخططات، ولا يمكن لنا أن نقرها"، مضيفا "ما علمناه لاحقا أن فصيلا من الإخوان السوريين هو الذي قاد تلك العملية، فدخل سورية، ووقعت المأساة".
وفيما يلي نص الحلقة الخامسة عشرة:
* توسعنا في الحديث أمس عن مواقف سياسية لك إبان عملك في وزارة التربية والتعليم، خصوصا أزمة اخوان سورية، ومواقفك السياسية من الثورة الإيرانية وتقييمك لها ضمن تلك الفترة، ونود في حلقة اليوم أن نعود للحديث عن الجانب المهني في مسيرتك ونبدأ من السؤال التالي؛ هل تمت مكافأتك محليا، وتسلمت مدير عام التعليم في محافظة العاصمة واللامركزية. متى جاء قرار تعيينك؟
- الأمر ليس كذلك، بل بعد أن تضخمت أعداد المعلمين والمدرسين في المستويات الإدارية العليا، وأصبح سلم اتخاذ القرار طويلاً ومعيقاً لأداء المهمات في حينها؛ فطلب مدير مدرسة في أقصى الأردن، يتطلب الارتقاء في سلم العمل الإداري إلى خمس أو ست درجات لاتخاذ القرار، بما في ذلك الكلفة المالية لكل درجة من هذه الدرجات.
فعدد الموظفين في مركز الوزارة زاد على ثمانمائة موظف في المديريات والأقسام المركزية وفروعها، وظهر جلياً أيضاً أن الاتصال نزولاً من الوزارة إلى المدرسة لا بد أن ينزل على نفس الدرجات.
كان وزير التربية والتعليم في تلك الفترة الدكتور سعيد التل، وأشهد لهذا الرجل عدم الاهتمام بالشكليات الإدارية، وميله إلى تفويض الصلاحيات للمسؤولين المباشرين والأقرب إلى المدرسة.
زاد عدد مديريات التربية عن ثلاثين مديرية، إضافة إلى المديريات المركزية، فكان لا بد من العمل نحو لامركزية القرار، وتفويض الصلاحيات إلى درجتين أو ثلاث درجات بدل خمس إلى ست درجات.
في تلك الفترة، كان عدد محافظات المملكة سبع محافظات، فارتأوا أن يكون هناك مدير عام للتربية في مركز كل محافظة تتبعه مديريات التربية في ألوية المحافظة على شكل مكاتب تربوية بدلاً من مديريات، وارتباطها مع المدير العام، مع تفويض المدير العام معظم صلاحيات الوزير والأمين العام، إلا في جوانب معينة يتطلبها المستوى والأنظمة المرعية.
أصدرت الوزارة نظاماً سمي نظام التعليم الإداري لوزارة التربية واللامركزية الإدارية، وحدد هذا النظام الأسباب الموجهة والأهداف والصلاحيات المفوضة من الوزير أو الأمين العام للمدير العام ومكاتب التربية في المحافظة.
فالتعيين المبدئي والنقل واختيار المشرف والتوزيع حسب موازنات وخطط كل مديرية عامة، وحدها هي من مسؤوليات المدير العام بالتعاون مع مديري المكاتب. لقد كانت نقلة نوعية ومتقدمة سبقت بها الوزارة أجهزة الدولة الأخرى بمدى زمني واسع ومتقدم.
تم اختياري مديراً عاماً لدائرة التربية في محافظة العاصمة التي كانت تشمل الزرقاء ومأدبا بالإضافة إلى عمان، وقسمت محافظة عمان العاصمة إلى أربعة مكاتب، كل مكتب ينطلق من وسط المدينة ويأخذ الربع وما يتبعه من الضواحي والمناطق الملحقة بها، وفي ذلك عدالة في التوزيع والجمع بين الوسط والأطراف.
كما قسمت الزرقاء إلى مكتبين متساويين بين المدينة والأطراف، وبقيت مأدبا مكتبا واحدا، وأصبح عدد المكاتب التي يرأس كل مكتب منها مدير للتربية وفيه الشكل الهيكلي التنظيمي المقر من الوزارة والدائرة، سبعة مكاتب مرتبطة بالدائرة مباشرة وتحل معظم القضايا بين هذين المستويين.
على هذا المنوال، أصبح اتخاذ القرار الذي يهم العملية التربوية قريباً من المدرسة كمركز للنشاط والتفاعل التربوي الذي تسعى إليه العملية التربوية.
هناك مزايا كبيرة لهذا النوع من التنظيم، منها توفير العدد اللازم للعملية التربوية المباشرة من القوى البشرية، وجعل الكفاءات اللازمة في المدرسة أو قريبة منها، بما في ذلك عملية الإشراف المباشر على العملية الميدانية، إذ تم تحريك أكثر من مئتي موظف في مركز الوزارة إلى الميدان، وانخفض العدد كله في المركز بشكل كبير.
على ضوء ما تم نشره عن هذه التجربة، زارني مجموعة من المحافظين الذين كانوا مجتمعين في الوزارة للتهنئة بهذه التجربة، وشكوا من قلة الصلاحيات بين المحافظين الممثلين لجلالة الملك في محافظاتهم، وقالوا نحن نحتاج إلى الموافقة على تعيين السائق والآذن.
هذه التجربة لم تدم طويلا، وتم إلغاء النظام الذي صدر بشأنها وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل ذلك، وبظني أن تلك التجربة كانت جديرة بالدراسة عند من يعملون اليوم لتطبيق اللامركزية في محافظات أو أقاليم الأردن، وقد كتبت بحثاً عن هذا الموضوع بينت فيه الفكرة والمزايا والفوائد، ثم بينت العوائق والعقبات القانونية والبشرية والاجتماعية، حيث إن ذلك يحتاج إلى تهيئة وحزم وإدارة واعية مدعمة بقرار سياسي.

* ثم أنهيت المرحلة بتسلمك موقع الأمين العام للوزارة، وصرت الرجل الثاني في أكبر وزارة، من جهة أعداد المعلمين ومسؤولية الطلبة؟
- العمل أميناً عاماَ لوزارة التربية والتعليم يتطلب مواصفات فنية ومعايير ومؤهلات تتفق وطبيعة المركز، وتتماشى مع المعايير الأخرى غير الفنية لدى أصحاب القرار، ويتم تجاوز بعض المعيقات إذا كانت الحقوق أكيدة وواضحة وبإصرار من بعض من يعنيهم الأمر، وتحمل مسؤولية اتخاذ هذا القرار على مسؤوليتهم، أن يعين أي إنسان في أي مركز إذا كان من جنس التيار لا صعوبة فيه، والتيار يحمل كل شيء ويدفعه بقوة.
لكن أن تسبح ضد التيار أو بعضه عملية ليست سهلة، وستواجه صعوبات مباشرة أو غير مباشرة، ذكرت فيما سبق المعيقات في الحصول على بعثة للماجستير أكثر من مرة، ولم يتم الأمر إلا عندما اتخذ أحد المسؤولين قراراً حازماً لإحقاق الحق.
كما أن تأخر نقلي من القدس إلى عمان عندما وجد من يعيق أو يعكر الجو للإجراء. واجهت المشكلة نفسها عندما جاء دوري في أمانة الوزارة، وتأخر ذلك ثلاث سنوات، كما اعترف لي بذلك دولة رئيس الوزراء آنذاك.
ولكن وجود مسؤول، كالوزير، يبين الأمر والأحقية فيه، ويعتمد القرار ويتحمل المسؤولية، يسهل الأمر، وقد كان ذلك ممكناً، وتم بفضل وإصرار الخيرين على ذلك.
موقع الأمين العام لوزارة التربية والتعليم هو أهم موقع وظيفي مدني في الدولة، إذ إن وزارة التربية تشكل حوالي سبعين في المئة من الجهاز المدني، بالإضافة إلى أهمية التربية الوظيفية والفنية في تشكيل المجتمع الأردني من الجوانب السياسية والاجتماعية والمستقبلية.
الأمين العام في أي وزارة هو رئيس جميع الموظفين فيها، وهو المسؤول عن إدارتها ونتائج ذلك بالتعاون مع الوزير الذي له الموقع السياسي والقرار النهائي، خصوصا رئاسته لمجلس التربية والتعليم صاحب القرار النهائي في قضايا الوزارة الأساسية، ولا سيما في موضوع المناهج.
هذه المؤسسية في جهاز الوزارة تجعل العمل واضح المعالم من المجتمع وإلى الجميع، إذا وجد من يقوم بواجبه بصورة صحيحة وآمنة.

* ومن هناك كنت صاحب مبادرات تعليمية؛ فهل صحيح أنك صاحب فكرة التجسير بين كليات المجتمع والجامعات؟
- كانت معاهد المعلمين سابقاً وكليات المجتمع لاحقاً تتبع وزارة التربية والتعليم، سواء منها الحكومية وعددها كان عشرة معاهد حكومية وتسعة عشر معهداً خاصا. وكان الحديث عن التعليم المغلق أو المفتوح شائعاً، ويبحث بدرجة عالية من الاهتمام، ومن مشكلات هذا المستوى من التعليم أنه كان مغلقاً؛ أي غير قابل للبناء عليه في الجامعات، ولو بدرجة أو بأخرى.
استقر الرأي في الوزارة على ضرورة فتح التعليم باتجاه الجامعات؛ أي أن يحسب لمن ينوي إكمال دراسته الجامعية، ما درسه في الكلية والمعهد من نفس المواد المقررة في الجامعة، وأن يبحث بصورة مشتركة مع الجامعة كيفية التجسير بين هذه الكليات والجامعات.
تم التخطيط لتداول مؤتمر لبحث هذا الموضوع ما بين التربية وكليات المجتمع والجامعات الحكومية، وقدمت الجامعات تصورها وشروطها والمواد التي تحسب وتقديراتها وبنسب معينة، وقدمت التربية كذلك الحاجة إلى هذه الإجراءات والعمل على رفع سوية تدريس المواد المرشحة للقبول في الجامعات والشروط اللازمة لذلك.
وفعلا، أقر المؤتمر الذي عقد في كلية الأميرة عالية بعمان، وبرعاية من سمو الأمير الحسن بن طلال، هذه الأسس، ومن ذلك المؤتمر أصبح أمر التجسير مقراً بصورة رسمية، ولكن ضمن شروط ونسب يتفق عليها بين الوزارة والجامعات.
وقصة التسمية بين معاهد المعلمين أو كليات المجتمع، حصلت عندما كنت مديراً لمشاريع البنك الدولي، أحضرت معي نشرة عن كليات المجتمع في الولايات المتحدة، وزارني مدير معاهد المعلمين في مكتبي وأطلعته على تسمية كليات المجتمع، وهي بمستوى المعاهد عندنا ولكن لها دور محدد هناك لإعداد حاجات المجتمع من هذا النوع من التعليم والتدريب، ويجوز إدخال أي تخصصات يحتاجها المجتمع المحلي؛ ولذلك سميت كليات المجتمع.
راق الأمر لمدير المعاهد في الوزارة فاستأذن أن يأخذ النشرة، وبعد يومين كان هناك قرار يصدر من وزير التربية بتسمية جميع معاهد المعلمين الحكومية والخاصة بكليات المجتمع.

* في حديث سابق قلت عن رؤية تطوير وزارة التربية والتعليم، وتم تقسيم عقود القرن الماضي ضمن استراتيجيات عمل تحكمها خطط عشرية، وكان عقد الثمانينيات الماضي هو "عقد تحسين نوعية التعليم"، وفق رؤية الوزارة، وهي الفترة التي كنت فيها أمينا عاما للوزارة؟
-بعد وضع قانون التربية العام 1964، تم وضع خطط عشرية في الوزارة، منها إن عقد الستينيات الذي كان عقد الكم، وعقد السبعينيات كان عقد تنويع التعليم، وعقد الثمانينيات كان لتحسين نوعية التعليم.
هذا الأمر يشمل كل جوانب العملية التربوية التعليمية والإدارية والتقنية وإعداد المعلمين، فمن الجانب المؤسسي كان مجلس التربية والتعليم هو السلطة العليا المشرفة وصاحب الصلاحيات على قضايا المناهج والكتب المدرسية والسياسات العامة والخاصة للوزارة، وكانت لجنة التربية والتعليم في الوزارة هي التي تقود التخطيط والتنفيذ والتقويم في العملية التربوية في المركز أو الميدان. واجتماعاتها أسبوعية، وتواكب سير العملية التربوية بشكل مباشر، وكان لها اجتماعات شهرية مع مديري التربية الميدانيين لإقرار الخطط وتنفيذها وتقويمها.
ومن وسائل التقويم؛ الامتحانات العامة للثانوية العامة، والإشراف على وضع الأسس اللازمة لها، والتأكد من سلامة العملية ابتداءً وانتهاء. كانت مديرية المناهج وبإشراف لجنة التربية والتعليم المركزية تقوم بتطوير المناهج وفق خطة تحديث متفق عليها، ومبرمجة على مدى زمن معين، تشمل كل مراحل التعليم، فقد تم تطوير المناهج والكتب وفق الخطة العامة المقررة من مجلس التربية ولجنة التربية والتعليم المركزية، كما عقدت المؤتمرات التربوية المحلية والمتفق عليها مع اليونسكو سواء في الأردن أو حضور ذلك في اليونسكو في مركزها الرئيسي في باريس.
أذكر في تلك الفترة أن وزارة التخطيط وضعت خطة شاملة للتعليم العام والعالي، وذلك بعد دراسات واجتماعات مكثفة للمعنيين في التربية والتعليم في مستوى التعليم العام والتعليم العالي، وقامت بتشكيل لجنة عليا لبحث قضايا التعليم في المستويات كافة.
تم اختياري كأمين عام التربية والتعليم برئاسة هذه اللجنة، التي شملت في عضويتها رؤساء معظم الجامعات وأصحاب اختصاص من التعليم العالي والعام ومن القطاع الخاص، وكان مقر هذه اللجنة وزارة التربية والتعليم.
عقدت اللجنة اجتماعات مكثفة وفق برنامج مقر من وزارة التخطيط، وقدمت توصياتها التي شملت نوعية التعليم في المستويات كافة، وربط مخرجات التعليم بحاجات المجتمع القائمة والمنتظرة، ومتطلبات إعداد القوى البشرية المدربة لحاجة السوق المحلي والمحيط بنا، كما هي عادة قطاع التربية في إدخال حاجة السوق المجاور في تخطيطها العام.

* قبل أن نبتعد أكثر، هل دعمت مشروع اللامركزية وتفويض الصلاحيات خلال فترة وجودك أمينا عاما للوزارة؟
- كان من أولويات العمل في الوزارة في الفترة التي كنت فيها أميناً عاماً دعم اللامركزية الإدارية فيها، للقناعة الكاملة بأن موضوع اللامركزية قضية متقدمة مؤسسياً وإدارياً وحضارياً، قد ذكرت فيما سبق أن الأخ الدكتور سعيد التل ساهم ودعم هذه الفكرة بشكل مطلق، ونفذها في عهده عندما كان وزيراً.
التربية كقطاع واسع يوجد فيها توجهات وآراء قد لا تتفق كلها على الأمور، والبعض يتشبث بآرائه أو بما يهيئ له، ويقوم بالتصدي لمشروعات مثل اللامركزية التي عاد الأردن على مستوى الحكومة كلها بعد ثلاثة عقود إلى الدعوة إليها والمطالبة بتطبيقها.
تبنى بعض من أعضاء مجلس التربية التشويش على الفكرة، وكثرت الإشاعات أن التربية أصبحت إقطاعيات وزعت على البعض، ووصل الأمر إلى تدخل الراحل الملك الحسين رحمه الله، في حينها، حيث دعا إلى الاجتماع بمجلس التربية وبحضور رئيس الوزراء، وقام رئيس الوزراء في حينها مضر بدران، بشرح الأمر لجلالة الملك وقال: أنا أشرف عليها وأعرف كل مكوناتها، ولا يوجد شيء مما يقال عنها، بل هي من أجل تجويد العمل التربوي وخدمة المدرسة بصورة أفضل.
وكان جلالته يستمع إلى التقرير الذي أعدته الوزارة، وهو الذي يبين تفاصيل المشروع ومردوده على العملية التربوية، وينظر إلى بعض الذين أوصلوا الأخبار المغايرة للواقع.
بقيت اللامركزية مطبقة في عهد وزيرين بعد الدكتور التل، وهما المرحومان حكمت الساكت، وعبد الوهاب المجالي، وبعد خروجي من الوزارة جاء من لا يؤمن باللامركزية من الوزراء، وتم إلغاء نظام التنظيم الإداري ونظام اللامركزية، وعادت الأمور إلى ما هي عليه الآن، وما تزال التجربة نقطة فارقة بين من سبق بفكره ثلاثة عقود من التجريب والعودة اليوم للمطالبة بلامركزية إدارية على مستوى الوطن.

* وماذا عن المستوى التربوي في الوزارة، الإدارة وإن كانت مهمة، إلا أن العملية التربوية تحتاج لاهتمام أكبر، خصوصا أنه كان لك موقف من فكرة إلغاء الامتحانات قبل المرحلة الثانوية، وقد يكون هذا آخر مواقفك بالوزارة؟
- صحيح، لكن التجربة التربوية الأردنية مرت بمراحل وتطورات في عملية تسخير النظام التربوي لخدمة حاجات المجتمع القائمة والمنتظرة، ففي بداية الخمسينيات حيث لم يكن لدى الأردن سوى بعض معاهد المعلمين، كان هناك امتحان بعد الصف السابع الابتدائي لتشعيب التعليم وفق الحاجات الاجتماعية والاقتصادية، ثم تطور هذا بعد قانون إلزامية التعليم لنهاية الثالث الإعدادي، بأن حصل الامتحان العام بعد المرحلة الإعدادية، ولما كثرت التدخلات السياسية في وجود الامتحان العام لنهاية الإعدادي، وبروز مصالح شخصية عند بعض المسؤولين أصحاب القرار، تم إلغاء الامتحان بحجة عدم الحاجة إليه ثم أعيد الامتحان من مسؤول آخر، وألغي مرة ثانية عندما عاد المسؤول الذي ألغاه في المرة الأولى، وفي كل مرة تقدم التبريرات للإلغاء، وأخرى للإعادة، فكانت النكتة أن الشخص الذي وضع مبررات الإلغاء هو نفسه الذي طلب إليه وضع مبررات الإعادة، وحسب طلب المسؤول.
في هذا الموضوع، اتفق في المرة الثالثة أن يُسمى امتحان القبول في المرحلة الثانوية، وتم تطبيقه من أجل تلبية حاجة السوق وفق تنويع التعليم الذي اتخذ شعاراً لعقد السبعينيات، وتم فيه فتح تخصصات مهنية زراعية وصناعية وتجارية وبريدية وفندقية وتمريضية.
استمر أصحاب الرأي بإلغاء جميع الامتحانات قبل الثانوية العامة بإدعاء الديمقراطية وعدم تعقيد المسيرة التربوية، ولأسباب أخرى معروفة لمن له خبرة في واقع أجهزة التربية والتعليم، إضافة إلى التدخلات الخارجية وغير التربوية في اتخاذ القرار بشأن مثل هذا الموضوع الخطير.
عاد الضغط مرة أخرى لإلغاء امتحان القبول في المرحلة الثانوية، وكنت أميناً عاماً للتربية، وكان الوزير المرحوم عبدالوهاب المجالي. سألني عن الموضوع فشرحت له الأمر، ووافق معي على ما شرحته له.
لكن رئيس الوزراء عاد وكرر طلب الإلغاء، فأخبرني الوزير بذلك، فشرحت له واقع اختلاف وجهات النظر حتى في المراجع العليا، وقلت له إنه يمكن عقد ندوة تلفزيونية تشرح الموضوع على الملأ ومعرفة رأي الناس، خصوصا أن الوزير أخبرني بأنه الوحيد في مجلس الوزراء الذي يؤمن بما أقول، فطلبت من معاليه عرض الندوة على دولة الرئيس، فوافق الرئيس على ذلك.
قدمت للوزير مبررات مكتوبة واقتراحاً بأن يقوم على الندوة بعض المديرين المختصين في الوزارة مع معاليه والأمين العام، كما اقترحت عليه ممثلا للجامعات، واقترحت الدكتور محمد حمدان، وكان يومها عميداً لكلية العلوم في الجامعة الأردنية، والدكتور كايد عبد الحق عن كليات المجتمع.
عقدت الندوة التلفزيونية برئاسة الوزير، وقد قدم للندوة المبررات التي تراها الوزارة، وتحدث الآخرون في ندوة مفتوحة دامت أكثر من ساعتين.
كان رئيس الوزراء يستمع إلى الندوة، وأثناء عودتنا من التلفزيون اتصل الرئيس بالوزير وهنأه على الندوة وقال له: ما هذه الفصاحة، أراك تفوقت على التربويين، فقال له الوزير: سلامة أهل الاختصاص الذين أعدوا ذلك، فقال الرئيس: لا بأس ليبق الامتحان.
بعد خروجي من الوزارة ومجيء من لا يؤمن بالامتحان كما من لا يؤمن باللامركزية، ألغيت الفكرتان، ولا أدري من المستفيد بعد مرور هذه العقود من ذلك التاريخ!
ألسنا بحاجة إلى مصفاة وتوزيع للطلاب حسب قدراتهم وحاجات المجتمع لتحقيق أهداف التربية في إعداد القوى البشرية المدربة والعاملة في مختلف الميادين؟ واقع الحال اليوم شاهد على ذلك، وأنا أدعو كل المختصين والمؤهلين لدراسة جدوى مخرجات التعليم العام والعالي في تلبية حاجات الأردن القائمة والمنتظرة.
في كل مراحل عملي في وزارة التربية والتعليم، آمنت بأن التربية رسالة بذاتها، وهي لصاحب الرسالة مهنة وهواية وطموح، من فضل الله على الإنسان أن يعمل عملاً له هدف ورغبة وميل طبيعي ينسجم فيه مع تطلعاته، ويعتبر أنه هو ما يسعى إلى تحقيقه في مسيرة حياته.
هكذا كانت مسيرتي في التربية والتعليم على مدى سبعة وعشرين عاما،ً أُحِلْتُ بعدها إلى التقاعد، ومن أصدر القرار بإحالتي أقسم بالله العظيم أن لا بديل لي في هذا الموقع، وأنه مكره على ذلك، فالحمد لله رب العالمين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الخميس 22 ديسمبر 2016 - 2:16

عربيات: وزير التربية حضر إلى بيتي وأبلغني بإحالتي إلى التقاعد


يستكمل رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبداللطيف عربيات اليوم حديثه عن آخر المواقع التي شغلها في وزارة التربية والتعليم، بعدما أصبح أمينا عاما للوزارة.
ويكشف عن مقدمات القرار بإحالته إلى التقاعد، ويؤكد أنه غادر الوزارة على وقع مواقف له لم يرض التنازل عنها ليس تعصبا لرأيه، بمقدار ما كان فيها تصيد أساء له أو للآخرين.
كما يكشف عربيات رفض الجامعة الأردنية طلبه بالتدريس في كلية التربية في الجامعة، على أنه لم يستسلم، مستذكرا موقف الدكتور عبدالكريم خليفة الذي أوصى بتعيين عربيات في مجمع اللغة العربية.
وعن الوضع السياسي في البلاد، أكد عربيات وجود حملة مركزة بالتخويف من مناهج العلوم الإنسانية، مثل: التاريخ والدين واللغة العربية، وأهمية إعادة كتابة منهج التاريخ بالذات، ما دفع البعض لصناعة فزّاعات التخويف من الإسلاميين لدرجة أن جهات طالبت بتخفيف عدد الإسلاميين في الوزارة.
وفي حلقة أمس من سلسلة "سياسي يتذكر" كشف عربيات عن جوانب من قراراته التي اتخذها خلال عمله أمينا عاما لوزارة التربية والتعليم قبل إحالته للتقاعد. ممتدحا عددا من وزراء التربية والتعليم الذين ساهموا في تكريس العمل وفق نظام اللامركزية وتفويض الصلاحيات، وهي الفكرة التي نسبها للوزير الأسبق سعيد التل، واستكمل العمل بها حكمت الساكت وعبدالوهاب المجالي رحمهما الله، قبل أن يأتي من يؤمن باللامركزية من الوزراء، وتم إلغاء نظام التنظيم الإداري ونظام اللامركزية، وعادت الأمور إلى ما هي عليه الآن.
وفي مساحة أخرى من مساحات الاشتباكات خلال عمله في وزارة التربية والتعليم، روى عربيات عن موقفه الرافض من إلغاء امتحان القبول لمرحلة الثانوية العامة، ومقاومته لأجندات سياسية ضغطت من أجل إلغائه.
وفيما يلي نص الحلقة السادسة عشرة:
* نود أن نسألك عن موقفك السياسي خلال فترة عملك الأخير في وزارة التربية والتعليم، وما هو تقييمك للواقع السياسي في تلك الفترة؟
- في ذلك الوقت، تم إعلان انسحابات لقوات الاحتلال من أرضنا العربية وإعلانات الاستقلال لما يزيد على عشرين دولة عربية، إلا أن الهيمنة على الاستقلالات المجزأة لجسم الأمة العربية الواحدة ما يزال قائماً، والفكر القومي العلماني وأفكار الديمقراطية الليبرالية ما تزال مزروعة ومرعية في مجتمعاتنا المسلمة، وإن الفكر الغربي المادي بكل أبعاده هو الذي تتبناه الأنظمة وترعاه باسم الوطنية والحرية.
إن إبعاد الإسلام عن واقع الحياة وفصل الدين عن الدولة، هو شعار الكثيرين من أبناء أمتنا أفراداً وأحزاباً وبرعاية غربية منظمة، والمخاضات التي دخلتها أمتنا في القرن العشرين والانقلابات العسكرية التي سمي بعضها باسم الثورات الشعبية، كانت تحمل وتحمي مثل هذه التوجهات المشار إليها، وإن تحطيم آمال الشعوب بالنهوض كان مدروساً وموجهاً لوصول الأمة إلى ما وصلت إليه اليوم من هوان وزوال مهابة.
نحن في الأردن لم نكن نشازاً عن كل ما يجري في المنطقة، سواء على مستوى الفكر الحزبي أو التوجيهات أو التوجهات، لحماية الفكر الدخيل بالرغم من تشبثنا بهوية الأمة ووحدتها كما جاء في الدستور نافذ المفعول.
وبالرغم من انتظام المؤسسة التربوية في ظل قانون التربية والتعليم للعام 1964، وفلسفة التربية المحدودة في القانون، إلا أن عمليات الإثارات والتخويف والترهيب بفزاعة الإسلام السياسي، كانت تطل بين الحين والآخر، ويجند لها حتى بعض أصحاب الفكر المنغمس في التوجهات الغريبة بكل أبعادها، وأن الادعاء بشعارات حزبية ذات فلسفات براقة ثبت اندثارها اليوم.
من هناك بدأت حملة مركزة بالتخويف من مناهج العلوم الإنسانية، مثل: التاريخ والدين واللغة العربية، وأهمية إعادة كتابة منهج التاريخ بالذات، وتشكيل لجنة من خارج الوزارة ووضع أستاذ فلسفة رئيساً لهذه اللجنة لإعادة النظر بمناهج الاجتماعيات.
تم عقد اجتماع حضره رئيس الوزراء ورؤساء بعض الجامعات وبعض الأساتذة من جامعتين معروفتين بحضور وزير التربية والتعليم، ووزير التعليم العالي لبحث هذه الموضوعات، ولم أكن كأمين عام للتربية يومها مدعواً لهذا الاجتماع، إلا أنه تم الاتصال بي بعد عصر اليوم الذي سبق الاجتماع وطلب إلي الحضور.
وأعلمت الوزير مباشرة بأنني دعيت إلى اجتماع صباح الغد، فقال: أبلغوك؟ فقلت: نعم، فقال: نراك صباحاً في الاجتماع. وكان الاجتماع خارج الوزارة.
بدأ الاجتماع بصورة متوترة، وبإشاعة أجواء أن التربية في خطر ويجب تدارك الأمر. كنت أجلس إلى جانب الوزير وكان يستشيرني في كل نقطة تثار، وكان يأخذ بما أقول، وله التقدير والاحترام. كانت تعقيبات المختصين من الجامعات ووزارة التربية جيدة، ولكنها لم ترضِ بعض المسؤولين من الأعلى؛ لأن لديهم تخوفات أو تخويفات غير طبيعية.
أخذت الدور بالحديث، وقلت كل ما عندي، مؤكدا أن الأمر مصطنع، وأن الأمور بخير، والوزارة ومجلس التربية ملتزمون جميعاً بالقانون وبالتخطيط المشترك بين عناصر المؤسسة التربوية، ولكن هذا التخويف وهذه الفزاعات غير طبيعية، ولا تتفق مع القانون والمصلحة العليا للدولة.
لم يخرج الاجتماع بأي توصية محددة لعدم وجود حيثيات مقنعة لأحد، بل كانت بحدود التوجيه العام. بعد خروجنا من الاجتماع، قال لي الدكتور عمر الشيخ أستاذ التربية في الجامعة الأردنية رحمه الله: كلامك كلام واحد ليس حريصاً على البقاء في التربية. فقلت له: نعم وأنا كذلك.
زادت الفزّاعات المنصوبة للتخويف من الإسلاميين في التربية، لدرجة أن جهات أخرى أصبحت تطالب بتخفيف عدد الإسلاميين في الوزارة والمحافظات.
في أحد الأيام أعطاني الوزير ورقة فيها حوالي اثنين وخمسين اسماً من الوزارة وقال: هل يمكن أن نتخلص من هؤلاء حتى نخفف من الحملة ضد الوزارة!!.
قلت: بأي سبب؟
قال: هكذا طلب.
قلت له: لا يمكن أن نستغني عن أحد إلا بسبب، وأعلمك بأن حوالي نصف هؤلاء ليسوا من الإخوان المسلمين.
عاد مرة أخرى بقائمة مختصرة حذف منها من هو ليس من الإخوان، وقال: هؤلاء، ما رأيك؟ كنت أعرف من نقّح له القائمة، فقلت كما كما في المرة السابقة، يجب أن تكون الاسباب واضحة وعادلة. ثم نزلت القائمة إلى بضعة أشخاص، فبقيت مصرا على رأيي.
قال: واحد فقط، وهذا عن العين ولإخماد الضجة.
فقلت له مع القسم: ولا واحد إلا بسبب.
توقف الأمر عند هذا الحد، وصار يقال إن "من تسألونه هو رأس الأمر بينهم جميعا، فابحثوا عن شيء آخر".

* وهل أحلت إلى التقاعد مع تلك النهايات بين المؤتمر وبين موقفك من عدم فصل زملائك؟
- بدأت المؤشرات تتوالى يوماً بعد يوم عن طلب إحالتي إلى التقاعد، وبطلب من ذلك الوزير، وكان صادقاً وأميناً، وأشهد أنه على قدر كبير من الصدق والأمانة معي، إذْ كان يطلعني على كل ما يدور في هذا المجال ويعلن موقفه الواضح من ذلك. وأشهد أنه كان يثق بكل ما أقول ولا يرد لي تنسيباً، ويقول لي ما تنسِّبه أنا موافق عليه بدون تدقيق.
وصلني أن الرئيس سأل الوزير علناً: ماذا فعلت بأمين عام التربية، لقد طال الأمر.
كان ذلك على مسمع مجلس الوزراء الذي كان مجتمعاً في العقبة، وعلى مسمع الوفد المصري الضيف.
في يوم سبت في أواسط شهر آب (أغسطس)، اتصل بي الوزير، وقال: أين ستكون الساعة الثالثة؟ هل ستكون في البيت؟
قلت له: نعم.
فقال: سأزورك في ذلك الوقت.
جاء الوزير إلى بيتي، وكان مضطرباً، وقال: يا أخي أنا أفكر بالاستقالة وأقسم لو جاءني أي خبر مهما كان مزعجا ما تأثرت أكثر مما أنا عليه. وأضاف: مجلس الوزراء قرر إحالتك إلى التقاعد.
ضحكت، وقلت وشكرته، مبينا له أنني مهيأ تماماً لهذا الأمر ولست بنادم، فأنا أشعر أنني قدمت خدمة لبلدي بكل ما استطعت. وأخبرته أنني أقدر زيارته لي، وأنه سيبقى أخا وفيا أقدره وأحترمه.
في اليوم التالي، وهو الأحد، بدأت اجتماعات لجنة التربية حسب جدول الأعمال، وأنهيت الاجتماع في الوقت المحدد، وكان عندي حسب الجدول زيارة ميدانية لمأدبا، ولم أعلم أحداً بالإحالة، وقمت بالجولة الميدانية كما كان مقرراً لمأدبا، وعدت بعد الساعة الرابعة مساءً.
في صباح الاثنين، التقيت الوزير في الوزارة، فقال: يدي لا تطاوعني في كتابة كتاب إحالتك إلى التقاعد. ما رأيك أن تقدم أنت طلب الإحالة، وأنا أقوم برفعها إلى الرئاسة.
وهكذا كان.
أبلغت أن رئيس الوزراء بانتظاري في الرئاسة الساعة العاشرة صباحاً، فذهبت في الوقت المحدد ووجدته بالانتظار. قال مع القسم: أنه لا بديل لك، ولكن الأمر فوق طاقتي.
ذكر الكثير من المزايا والعطاء في ميدان التربية، فقلت له: دولة الرئيس، ثق لو أنني بقيت في هذه الوظيفة أو كنت معلماً في قرية أو جالساً في بيتي، ما زاد ذلك بي شعرة ولا أنقص مني شعرة، وأنا مرتاح وشكراً لك.
فقال: أرجوك، إن أردت أن تكون سفيراً في باكستان فمن غدٍ، أو أن تكون محافظاً، فلك ذلك.
فقلت له: شكراً لك، بيتي أولى بي.
قال: أعرف ذلك.
زارتني بعد إعلان القرار أعداد كبيرة من الأصدقاء، ومن مختلف فئات المجتمع، وهي أضعاف من جاءني مهنئاً عندما أصبحت أميناً عاماً، والحمد لله رب العالمين.
أقدر لكل الذين زاروني ومن قدم منهم شيكات مفتوحة لمساعدتي، والدلالة كانت لدى كل من يعرف واقع الحال أن قالوا هذا الذي خرج من الوظيفة ويده بيضاء، والشكر لله وحده.
كل ذلك لا يعادل الموقف التالي الذي أسوقه لكل من يستلم الوظيفة العامة، وأقول إن هذه القصة التي أرويها تعادل عندي كل مال الدنيا. كنت أعرف أن في الوزارة عامل حديقة كبير السن اسمه أبو جمال، لا أذكر أنه راجعني في شيء ولا أذكر أنني خدمته في شيء خاص، سوى أنه كان من حساب وزارة الأشغال عندما كانت مجاورة لوزارة التربية في الطابق الأول الحالي، وعرضوا أمره علي، فقلت: كيف يمكن أن يعيش إذا خرج من العمل، عينوه في الحديقة كما كان سابقاً.
بعد إحالتي إلى التقاعد بأيام، فإذا بأبي جمال يطرق الباب علي في البيت، فرحبت به وأدخلته البيت وسألته عن حاله، وكيف وأين يعيش، فشرح لي ذلك، وفي نهاية الزيارة فإذا به يخرج مغلفاً ويقدمه لي، وهو يقول: أعرف أنك خرجت نظيفاً، وأقدم لك هذا المبلغ لمساعدتك في تقاعدك.
تفاجأت بما سمعت، وتعجبت كيف أن هذا العامل الذي ليس بيني وبينه أي علاقة، إلا ما ذكرت، يعرف أموراً ما كنت أظن أن مثله يعرفها أو يقدرها.
إن هذا الحدث أعتبره على قدر كبير من الأهمية، فشعبنا لا يفوته شيء مما يجري، وعنصر الخير وتقديره مفطورة عليه هذه الأمة، وهي عبر لمن يعتبر في الدنيا قبل الآخرة.
شكرته، وحاولت مستحيلاً أن أقنعه أنني لست بحاجة وأن عندي ما يكفيني، فقال أنا أعرف كل شيء، وبالتالي قلت له: أنا أقبل ذلك بشرط أن تعود إلي بين الحين والآخر، لأعيد لك المبلغ مقسطاً، واتفقنا على ذلك.
مرت الأيام ومر بي أكثر من مرة وسألته في إحداها: إذا توفاك الله لمن ترغب أن أعيد ما تبقى من المبلغ لأبنائك أم أضعها في مسجد؟ فقال: ضعها في مسجد واتفقنا على ذلك.
مرت الأيام، وترشحنا للنيابة، وأصبحت رئيساً لمجلس النواب، وتذكرت أبا جمال؛ لأنه انقطع عني في تلك الفترة، سألت الإخوان في الوزارة عن أخباره فقالوا: توفاه الله منذ أكثر من سنة، فطلبت أن يساعدوني أن يرسلوا لي بعض أو أحد أولاده، فجاءني ابن له يعمل نجاراً في منطقة البقعة، فشرحت له القصة وما آل إليه الأمر، وخيرته بين أخذ باقي المبلغ، أو وضعه في مسجد، فقال ولده: كما أوصى والدي، ضعها في مسجد، فشكرته وقد كان ذلك.
رحم الله أبا جمال، وقصته تعبير حقيقي عن أن الخير مذخور في هذه الأمة إلى يوم القيامة، والحمد لله رب العالمين.

* لكن، ألم تشعر بغضب من قرار إحالتك إلى التقاعد، هكذا استقبلت الأمر بكل صدر رحب. وأين اتجهت بعملك، هل بقيت متقاعدا؟
- يحتار الإنسان في تحديد مصلحة الوطن والأمة عند من بيده القرار بشأن القضايا التي تتعلق بخدمة الإنسان والمجتمع والأمة، وما المقاييس أو المعايير، وهل لدى من يتخذ القرار المعايير التي تراعي المصلحة العامة وتقديمها على المصلحة الخاصة، وكيف أن الكثير من الطاقات تهدر بغير وجه حق بسبب التفرد بالقرار، بدون رقابة أو مساءلة، وأنا أعتقد أن هذا في صميم المصلحة العامة، ويحتاج لأن يكون علنياً ومبرراً لدى من بيده أمانة المسؤولية وعلى كافة المستويات.
ذكرت سابقاً أنني أحمل شهادة الدكتوراه في التعليم المهني المتداخل أو المترابط بالتعليم الأكاديمي العام، وأنني حصلت على الشهادة نتيجة بحث ومتابعة وجهد، ومع أنها تمت في أميركا، ولكن البحث كان عن الأردن وتطوير التعليم المهني فيه. هذا حصل العام 1975، وكانت الدكتوراه الأولى في الأردن في هذا الاختصاص. أخذت وزارة التربية بموضوع الرسالة حول (التعليم المهني الإعدادي)، وطبقتها منذ منح الشهادة المشار إليها، مع أنهم لم يكملوا كل الشروط التي وضعتها في رسالتي والخاص لإعداد المعلم المؤهل لتدريس هذه المواد الجديدة.
كنت أعطي بعض المحاضرات في كلية التربية في الجامعة الأردنية، وبحثت معهم تطوير مساقات على مستوى الدبلوم والماجستير لإعداد الكوادر اللازمة لحاجة السوق، ومنها إعداد المعلمين بهذه المواصفات.
بعد إحالتي إلى التقاعد قدمت طلباً للتعيين في كلية التربية لتعليم المساقات التي اتفق عليها مع المختصين، ونسب القسم المختص إلى المستويات المختصة تعييني مدرساً في الجامعة الأردنية، ومر الطلب بجميع المستويات المعنية وصدر القرار بذلك في داخل الجامعة، فاستشاروا الجهات الأمنية فجاء القرار بعدم الموافقة.
فقلت في نفسي: لمن هذه الجامعة؟ ومن هو المؤهل والمسموح له بالعمل فيها؟ وأين المصلحة الوطنية، ومن يقدرها؟ وهل من عمل في ميدان التربية كل هذه المدة وبهذه الاختصاصات والمؤهلات والخبرات، ليس مؤهلا للتدريس في هذه الجامعة العتيدة؟ وأكرر أين المصلحة العامة؟ ومن يقدرها ويسعى لها، وبأي صفة يصار إلى مثل هذا الواقع؟!
أنا أعلم علم اليقين أن من قرر أو وجّه صاحب القرار ليس لديه الميزان الذي ينفع به أحداً، ولكنها التوجهات الخاطئة التي تعادي مصلحتها ومصلحة الوطن، الذي هي مؤتمنة عليه مع أنها ليست صاحبة الاختصاص.
بعد ذلك وبمدة بعد إحالتي على التقاعد من التربية زارني الأستاذ الدكتور عبد الكريم خليفة، رئيس مجمع اللغة العربية، ومعه بعض الإخوة أعضاء المجمع، وبحثوا معي أن أكون عضواً فيه وأميناً عاماً له، تمت مناقشة الأمر مع الإخوة الكرام وتم الاتفاق على ذلك، وبدأ عملي في المجمع عضواً فيه حيث ما أزال كذلك، وهذا تطلب التفرغ والدوام الكامل فيه.
مَجمَع اللغة العربية الأردني هو المجمع الرابع في البلاد العربية بعد مجامع القاهرة ودمشق وبغداد ومركز التعريب في الرباط، وأنشئ المجمع العام 1976، وكان في بناء مستأجر في البداية، وتم إعداد البناء الحالي بالقرب من مسجد الجامعة على أرض الجامعة الأردنية.
وكان يحكم المجمع قانون خاص يحدد أهدافه وطبيعة عمله والعضوية فيه، حيث يكون العضو عاملاً أو عضو شرف أو عضواً بالمراسلة.
وزير التربية والتعليم كان الجهة الرسمية التي يتبعها المجمع نيابة عن الحكومة، وينسب إليه طلبات العضوية ويقوم بالتنسيب لمجلس الوزراء الذي يرفع الطلبات لصدور الإرادة الملكية في التعيين للعضوية.
من مهام المجلس التعريب للمصطلحات من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وتعريب بعض كتب العلوم التي تدرس في الجامعات، ومنها كتب العلوم الطبية التي تدرس في الجامعات، وقام بتعريب عدد منها، وهو في طليعة المجامع العربية في هذا الميدان.
كما يصدر المجمع مجلة علمية محكمة، لها مكانتها في المستوى العلمي في البلاد العربية. ويصدر كتباً سنوية وأبحاثاً متنوعة، ويعقد مؤتمرات أو مواسم ثقافية سنوية تصدر بكتب خاصة زاد عددها على الثلاثين حتى اليوم. كما شارك المجمع في تأليف كتب اللغة العربية المقررة في وزارة التربية والتعليم، وقد تم تدريسها في التربية لسنوات عديدة. ولدى المجمع نظام حاسوبي يحوسب كل أعمال المجمع ويوثقها ويساعد على نشرها.
وللمَجْمَع مكتب تنفيذي يتم انتخابه من مجلس المجمع برئاسة رئيس المجمع، وعضوية ثلاثة من أعضاء المجلس يتم انتخابهم كل عامين، وفي المجمع عدد كبير من اللجان المتخصصة في مختلف الموضوعات.
وقد انتخبت عضواً في المكتب التنفيذي للمَجْمَع بالإضافة إلى عملي كأمين عام له، فعملت أميناً عاماً للمَجْمَع لما يقارب الثلاث سنوات، حتى قمت بالترشح لمجلس النواب عن محافظة البلقاء العام 1989، وما أزال عضواً في المجمع ومكتبه التنفيذي، وكانت سنوات عملي في أمانته من السنوات التي أعتز بها، فقد شكلت محطة مهمة من محطات حياتي في الحياة العامة.

* لكنك أيضا ناشط وعضو في اللجنة الوطنية الأردنية للنهوض باللغة العربية؟
-تواجه اللغة العربية تحديات كبيرة في جميع الدول العربية، بسبب التخلف العربي العام وبسبب تحديات الثقافة الغربية الغازية للمجتمع العربي بشكل خاص، وللمنطقة بشكل عام. ونظراً لما تواجهه الثقافة العربية من استلاب ثقافي في عملية الغزو الغربي الذي طال أمده، وبسبب الهيمنة الإعلامية المبرمجة بكل مقومات التحدي، بما فيها إحلال اللغات الأجنبية في المدارس الحكومية والخاصة، وبصورة خاصة في المدارس الخاصة التي زادت نسبتها في الأردن على أربعين بالمائة من التعليم العام في الدولة. كما أن التخلف العام في التقنيات الحديثة، واعتماد التقنيات المستوردة والمزودة بكل كليات وجزئيات التخاطب والمصطلحات اللازمة لذلك باللغة الأجنبية ساهم في هذه التحديات، إضافة إلى إحلال لغة العامة اليومية في كثير من مناحي الحياة، والتوجه إلى المصطلحات الأجنبية كوسيلة للتخاطب، وتسمية المحلات التجارية بكل أصناف المصطلحات الأجنبية، وحتى استعمال اللغة الأجنبية مباشرة محل اللغة الأم.
أمام هذا الواقع، قررت القمة العربية عام 2009، وبترتيب من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم الطلب من جميع الدول العربية تأسيس لجان وطنية عليا للنهوض باللغة العربية، فقرر مجلس الوزراء العام 2010 بناء على قرار القمة الذي أشرنا إليه، تشكيل لجنة وطنية أردنية للنهوض بالعربية برئاسة رئيس المجمع الدكتور عبد الكريم خليفة، وعضوية عدد من الأعضاء المختارين على مستوى الأردن، وقد كنت واحداً من هؤلاء الأعضاء المعينين بموجب قرار المجلس.
على مدار أعوام من الاجتماعات المستمرة كل أسبوعين مرة واحدة، تم اتخاذ بعض الإجراءات ومنها، تشكيل لجنة متخصصة لحصر المصطلحات في ميدان الإعلام العام والخاص، والأسماء والمسميات في واقع الحياة الأردنية، وبيان الواقع وطرق معالجته، وقد صدر كتاب بذلك، وأصبح هناك لجنة لإعداد مشروع امتحان الكفاية في اللغة العربية، يطبق على مستوى الدولة، واعتباره متطلباً رسمياً لمن يتقدم للوظيفة أو الدراسة في المستويات الجامعية العليا وغيرها.
كما تم تشكيل لجنة لمراجعة المصطلحات واللغة السائدة في محاضر المحاكم، والعمل على توصيفها ووضع الوسائل اللازمة لمعالجة الخلل فيها، وقد صدر كتاب بذلك وهو الأول في البلاد العربية.
هناك مخططات أخرى تتعلق في وضع مواصفات ومتطلبات لمن يتقدم للتعليم في المراحل الأولى في التعليم وإعداد المعلمين وغيرها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الخميس 22 ديسمبر 2016 - 2:17

الحلقة السابعة عشرة

عربيات: أنظمة عربية دفعت باتجاه حل المجلس النيابي الحادي عشر


يأخذنا اليوم رئيس مجلس النواب عبد اللطيف عربيات إلى التداعيات التي أنتجت مرحلة التحول الديمقراطي، وقادت إلى إجراء الانتخابات العام 1989، وولادة مجلس النواب الحادي عشر.
ومن هناك يتحدث القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الدكتور عربيات عن خلفيات قرار مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في تلك الانتخابات، والخطة التي وضعوها لترشح أعضائهم في الدوائر الانتخابية. وقال: إيماناً بمبدأ المشاركة وليس المغالبة اكتفت الحركة بستة وعشرين مرشحاً في مختلف المناطق نجح منهم اثنان وعشرون.
وقدم عربيات مرافعة سياسية أنصفت ميلاد ذلك المجلس الذي ساعد البلاد في تحمل أعباء المرحلة الأمنية والسياسية بعد قرار التحالف الدولي لضرب العراق، حيث وصف مجلس النواب الحادي عشر بـ"قمة سامقة في تاريخ العمل النيابي في الأردن".
وكان عربيات قد كشف في الحلقة الماضية عن مقدمات قرار إحالته على التقاعد، ويؤكد بأنه غادر الوزارة على وقع مواقف له لم يرض التنازل عنها ليس تعصبا لرأيه، بمقدار ما كان فيها من تصيد ساء له أو للآخرين.
كما كشف رفض الجامعة الأردنية طلبه بالتدريس في كلية التربية في الجامعة، على أنه لم يستسلم، مستذكرا موقف الدكتور عبد الكريم خليفة الذي أوصى بتعيين عربيات في مجمع اللغة العربية.
وعن الوضع السياسي في البلاد، تحدث عربيات عن وجود حملة مركزة بالتخويف من مناهج العلوم الإنسانية، مثل: التاريخ والدين واللغة العربية، وأهمية إعادة كتابة منهج التاريخ بالذات، ما دفع البعض لصناعة فزّاعات التخويف من الإسلاميين لدرجة أن جهات طالبت بتخفيف عدد الإسلاميين في الوزارة.
وفيما يلي نص الحلقة السابعة عشرة:
*بعد مدة بسيطة من ذلك، بدأت الأحداث الشهيرة التي عرفت بهبة نيسان (أبريل) من العام 1989، وما تبعها من مشروع التحول الديمقراطي، وشاركت جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات مجلس النواب الحادي عشر بعد انقطاع طويل للحياة السياسية، وقد خضت الانتخابات ممثلا للحركة الإسلامية عن محافظة البلقاء، ومن هناك بدأت قصة طويلة مع العمل السياسي، نحتاج أن نعرف تفاصيل عن تلك المرحلة؟
- بدأ العمل النيابي والتشريعي في الأردن مع إنشاء الإمارة العام 1921، واستمر كمجالس استشارية حتى العام 1929، وأصبحت تسمى مجالس تشريعية حتى بداية عهد المملكة في العام 1946، ثم بدأت المجالس النيابية وحتى اليوم، وكان المجلس الذي جرى انتخابه العام 1989، هو المجلس الحادي عشر الذي جاء بعد انتخابات تكميلية عامة جرت في العام 1984.  وبعد توقف الانتخاب العام في المملكة بعد احتلال الصهاينة لجزء من المملكة العام 1967، وهي الضفة الغربية التي كانت جزءاً من الدولة الأردنية.
بالنسبة لي، عاصرت الانتخابات النيابية في الخمسينيات شاباً ناخباً، وسياسياً ومسؤولاً في السنوات التي تلت ذلك، وأعرف جدوى ودور ومكانة النائب والعمل النيابي بشكل عام فيما مضى، خصوصا انتخابات العام 1956 التي شاركت فيها الحركة الإسلامية والأحزاب السياسية الأخرى.
وفعلا جاءت انتخابات العام 1989 على إثر أحداث واضطرابات سياسية وأوضاعٍ اقتصادية متردية. كان القرار السياسي الحازم بإقالة الحكومة وتشكيل حكومة مؤقتة لإجراء الانتخابات النيابية التي أعلن أنها ستكون نزيهة ومفتوحة لكل الفئات السياسية والاجتماعية.
كان ذلك القرار جريئاً وواعياً للأبعاد السياسية والاقتصادية، فتمت معالجة المشاكل والاضطرابات بمزيد من الحرية والانفتاح لا بالقمع والطوارئ. وهكذا تخطى الأردن أزمة حقيقية كادت أن تؤدي إلى أوضاع لا تحمد عقباها على كافة المستويات الداخلية والخارجية.
 في هذه الأثناء، كان الحديث منصباً حول ما إذا كانت الانتخابات ستتم كما أعلن عنها حرة ونزيهة، وهل ستكون نقطة تحول في تاريخ الأردن السياسي، نحو المزيد من الحريات والإصلاح، الذي يعين الأردن على تخطي العقبات والتحديات التي تواجهه، وإلى أي مدى يتم الوفاء بالوعود المعلنة التي تدعو إلى المشاركة الفاعلة لكل أفراد المجتمع بدون تحيز أو تمييز أو تدخل مباشر أو غير مباشر.
كل هذه الأمور كانت تدور في ذهني وذهن إخواني في الحركة الإسلامية، وكل القوى الوطنية المتطلعة إلى المزيد من الإصلاح وبجميع الوسائل.
من هناك جال في خاطري على المستوى الشخصي تساؤلات حول قبول الترشح بناء على طلب إخواني في الحركة الإسلامية والكثير من الأصدقاء والمعارف.
كنت أقوم بتقويم للموقف على المستوى الشخصي أو المستوى العام، وهل في ذلك فائدة مرجحة على واقع الحال، خصوصا أنني أعرف الكثير من النواب الذين كانوا ينهون عملهم النيابي فيأتون لوزارة التربية للبحث عن وظيفة مدير تربية أو ما يعادل ذلك، ولكن الفكرة الأكبر مدى تحقيق ما يصبو الإنسان إليه في حياته، حسب أهدافه في هذه الحياة كصاحب دعوة وفكرة إصلاحية لكل جوانب الحياة.
تم التركيز على فكرة بوابة الإصلاح السياسي في المجتمع، ونقطة الانطلاق فيها، خصوصا بعد خبراتي وما لقيته في محطات الخبرات السابقة في وزارة التربية والتعليم، فطلب إلي أحد الإخوة المسؤولين في الحركة الإسلامية أن أرشح نفسي عن دائرة عمان الأولى، ووعد بالدعم الكبير من الحركة والنتائج المطمئنة. فقلت له: شكراً، إذا أردت أن أرشح نفسي سأترشح عن محافظة البلقاء وليس غيرها.
أعدت الحركة الإسلامية العدة لخوض الانتخابات، ولم أقرر الترشح بشكل نهائي، بيدَ أن ضغوطات بدأت تظهر من إسلاميين في السلط تؤكد على أهمية الترشح للانتخابات، وكان أحدهم يصر علي في الحديث والتشجيع على ذلك، وكان الأمر قد بدأ يختمر في ذهني، وسألت نفسي لماذا يعيش الإنسان؟ أليس لتحقيق فكرة يؤمن بها أو إصلاح ينشده، وكان صاحبنا مستمراً في الحديث المشجع، فلمعت أمامي إشارة خضراء في وضح النهار، فقلت للمتحدث وضحت الصورة، وحصلت الموافقة، ففرح بالخبر، ولم أجد أي عائق في هذا الاتجاه. ومن هناك بدأت أتحرك مع إخواني في الحركة وإخواني في البلقاء وبقية القطاعات في المحافظة.

*وماذا كانت خطتك للترشح للانتخابات، وما هي عدتك وأدواتك للفوز بمقعد في البلقاء؟
- بالنسبة لي، بدأت في التحضير بشكل جدي بتحديد الهدف ومعالم البرنامج المتوافق مع أهداف الجماعة وبرامجها، وأيضاً بخصوصية ألزم نفسي بها على المستوى الشخصي، وبما يجعل لي شعارا أردده وأبلوره في المسيرة القادمة، وبما يعزز ويدعم البرنامج العام المقرر من الحركة. فاخترت بسهولة شعار (الإصلاح)، واخترت آية كريمة على بطاقتي الدعائية "إن أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله".
في وقتها، جال في ذاكرتي خدمة الناس وحل مشاكلهم، وصرت أبحث عن حديث شريف أضعه على الصفحة الثانية من البطاقة، واستعنت بالدكتور عودة أبو عودة، وكان يتردد علينا في مجمع اللغة العربية ويشارك في نشاطاتنا. عرضت عليه الفكرة، قلت له أن نبحث معا عن حديث بهذا المعنى. وفي اليوم التالي جاءني أخي عودة وقال: وجدت هذا الحديث، فسررت كثيراً به ووجدته يعبر عما في نفسي، ونصه كما يلي: إن لله عباداً اختصهم لحوائج الناس، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من عذاب الله".
وفعلاً طبعت بطاقة صغيرة، وعلى صفحتها الأولى الآية الكريمة وعلى الصفحة الثانية الحديث الشريف، وأثناء جولاتي الانتخابية كنت أركز على هاتين الفكرتين بأن الإصلاح منهج حياة، وإن حوائج الناس جهاد في سبيل الله تصل لمنزلة الشهداء.
كانت بدايات موفقة حيث أعددت بيانات أخرى غير البرنامج العام مع الجماعة، منها رسالة إلى المعلمين والمعلمات رفاق الدرب في المسيرة التربوية، وكان الأثر كبيراً ومميزاً، كنت أول من طرح شعار الإصلاح منفرداً ومعززاً بالآية الكريمة، وأصبح شعاراً متداولاً في الجولات الانتخابية للإسلاميين وغير الإسلاميين فيما بعد.
أما عن ترتيبات الحملة الانتخابية، فقد قررت الجماعة خوض المعركة الانتخابية بعد أن تم الإعلان عن نزاهة الانتخابات، وتشكيل الحكومة الانتقالية، والبوادر العامة كانت تؤشر إلى انتخابات مريحة وحرة؛ ولهذا كان القرار بالمشاركة بدون شكوك ظاهرة، فقانون الانتخابات هو نفسه الذي سار عليه الأردن بتاريخه كله وأدى عدم تطبيق بعض الاستثناءات، إلى اتاحة المجال للحزبيين، وكانت بادرة جيدة من الحكومة والمشرفين على العملية الانتخابية.
وإيماناً من الحركة بمبدأ المشاركة وليس المغالبة، ولعدم الجزم بحقيقة كل ما يجري، لم تغامر الجماعة بترشيح عدد كبير، بل اكتفت بترشيح ستة وعشرين مرشحاً في مختلف المناطق، وتم تحديد العدد لكل منطقة.
وكنت والأخ إبراهيم مسعود، عن محافظة البلقاء، وهي تضم بالإضافة للسلط وأقضيتها، الأغوار وحوض البقعة والفحيص وماحص والمناطق المحيطة، كان هناك البرنامج العام للحركة، ولجنة مركزية تشرف على الانتخابات في كل المناطق، ولجان المحافظات والمناطق الانتخابية، فتم تشكيل لجنة لمحافظة البلقاء من الجماعة ومن العشيرة تعمل موحدة أو منفردة، وتنسق بين القوى الوطنية والعشائرية والحزبية، وتضع البرامج اللازمة لذلك، كما تقوم بترتيب المهرجانات والاجتماعات العامة وتعد بعض البيانات اللازمة لذلك، بالإضافة لما هو في المركز أو يصدر عن كل مرشح حسب الحاجة.

*وهل كان الترشح للانتخابات في محافظة البلقاء سهلا بالنسبة لك؟ وعلى ماذا اعتمدت؛ على العشيرة، أو على جماعة الاخوان المسلمين؟
- كانت الجولات الانتخابية شاملة ومريحة، وكان يرافقني فيها بعض الإخوان من الجماعة، وبعض أفراد العشيرة وبعض الأصدقاء حسب المنطقة المزارة، ومن مميزات مرشح الحركة الإسلامية أنه يجد في كل منطقة أنصاراً يرتبون للاجتماعات واللقاءات العامة، ويرافقون المرشح في منطقتهم، ويقومون بالترتيبات المحلية، ويتابعون الأمر حتى يوم الانتخاب، وكانت هناك مهرجانات مشتركة مع الأخ إبراهيم، أو خاصة لبعض المناطق حسب البرنامج المتفق عليه مع لجنة الانتخاب في المحافظة.
كانت وحدة المحافظة كدائرة انتخابية واحدة أفضل بكثير من التجزئة إلى حارات وأزقة وأعلاها قرية أو بضع قرى، أقول هذا على مستوى مصلحة الوطن ونسيجه الاجتماعي المتماسك، وكيف أن التجزئة تقطع الصلات والأرحام وتؤجج الضعف، وأفضل من ذلك أن تكون هناك برامج وطنية يتم التصويت عليها، وتقدم الأفكار والبرامج على مستوى الوطن، وهنا تكمن مصلحة الوطن.
لهذا كانت توصياتنا في لجنة الأجندة الوطنية العام 2005، بقانون الانتخاب النسبي بين الدائرة والوطن، هي نقلة تربوية متدرجة للوصول للأفضل وليس النكوص للأسوأ، وهنا أود أن أسجل بعض الملامح الهادفة من الجولات الانتخابية في انتخابات العام 1989، بقصد الرد على الجهلة أو المتجاهلين لواقع المجتمع الأردني الطيب.
الملمح الأول حول ما يقال عن العشائرية، إذ تجد من لا يعرف معنى العشيرة ولا يتذوق معناها الاجتماعي الكريم، ولا يعرف إلا زعاق بعض الجهلة عن المعاني السلبية، وهم ليسوا على قدر من العلم أو المعرفة بأصول العشائر الكريمة، ودورها الإيجابي في صناعة الخير ورعايته والتضحية من أجله.
أذكر أن عشائر العدوان، على سبيل المثال، وهم من كرام عشائر الأردن تاريخاً ومسيرة ووجوداً وفي مناطق البلقاء كلها، التي كان لها موقفها ليس من مرشح من عشيرة العربيات في السلط، بل من مرشح الحركة الإسلامية، فقد كان هناك أكثر من مرشح من عشائر العدوان في تلك الانتخابات، ولكن هذا لم يمنع أن أزور تجمعات العدوان سواء في الغور أو الشفا، ومنها قمت بزيارة منطقة السليحي في حوض عين الباشا ويسكنه آل أبو العماش العدوان. زيارتي كانت عادية وبدون تحضير مسبق، فقط أعلمناهم أننا ننوي زيارتهم في السليحي من أجل الحديث عن الانتخابات، من مرشح ينوي عرض ما لديه من أفكار وبرامج وأهداف.
فوجئنا عندما وصلنا قرية السليحي بيافطة كبرى في مدخل القرية باسم الدكتور عبد اللطيف عربيات وعليها شعارات رفعناها للجميع، سألت عمن عمل هذه اليافطة، فقيل لي: أبو زياد من آل أبو العماش، عملها باسمك ومن باب الترحيب بك في زيارتك لمنطقة السليحي.
تصوروا هذا الخلق الكريم وهذه المعاني التي تتعدى ما يقوله بعض أصحاب الأفكار القاصرة عن الوصول إلى هذه المعاني الكريمة التي صدرت من كرماء، وأما الصغار فلا يرتقون إلى مستوى هذه المعاني العالية ويكتبون عن العشائرية ووجودها ومع من هي، ويشرعون ويدبرون أموراً نتائجها سلبية يتحملها هذا الوطن المظلوم ممن يدعون خدمته.
ومثال آخر عند عشيرة العدوان، ففي الشونة الجنوبية أيضاً كان هناك مرشح أو أكثر من نفس المنطقة، وحاولت أن أتجنب زيارة منطقة الشونة لهذا السبب، ولكنني تلقيت أكثر من دعوة لزيارتهم وعقد اجتماعات عندهم، فوجئت عند دخولي منطقة الشونة ببطاقات توزع باسمي دون علمي وهي دعاية لي، سألت: من قام بهذا؟
فقالوا: المحامي فايز العدوان، ويقوم بالدعاية لك دون علمك. وجاء المحامي فايز العدوان، وحضر الاجتماع وأعلن تأييده لي وبصورة علنية في أوساط أقاربه من العدوان.
هاتان حادثتان حصلتا فعلاً وبمبادرات كريمة من عشائر العدوان، لمرشح من عشيرة أخرى ومن حركة سياسية كبيرة ومعروفة، وإن دل على شيء فهو أن هذا هو شعبنا الطيب الذي يتصرف بعفوية وصدق وأصالة، وليس كما يحاول بعض الناس أن يفذلك الأفكار والآراء والتصورات التي لا تريد الخير لهذه الأمة.
ومن الملامح الواضحة والخيرة ما واجهته في مخيم البقعة الذي كان قاعدة لينطلق منها كثير من المرشحين في انتخابات سابقة، والذين كانوا يجهدون في التبريرات والعروض المختلفة لكسب ود المواطنين، فوجدت منهم صفاً متراصاً واضحاً في توجهاته مؤيداً وداعماً.
وكذلك ما قيل لي عن منطقة علان، إذْ أُبلغت أن منطقة علان مقسومة لفلان وفلان والأمور منتهية فيها على هذا النحو أو ذاك، عقدت اجتماعاً عندهم في أحد البيوت الكريمة وتجمع الناس، وبعد حديثي معهم قاموا بإعلان دعمهم العلني وتأييد ما طرحته بصورة واضحة. لقد كانت حصتي من أعلى الحصص إن لم تكن أعلاها، وكذلك منطقة الفحيص وقصبة السلط ومختلف المناطق الأخرى التي عززت النتيجة النهائية، وحصلت على 15 ألف صوت تقريبا.

*وبهذا نجحت في الانتخابات بناء على هذه الحركة الانسيابية في مناطق محافظة البلقاء؟
- لقد رشحت الحركة الإسلامية ستة وعشرين مرشحاً ونجح منهم اثنان وعشرون نائباً، وهذا يقارب ربع عدد أعضاء المجلس، مضافاً إليهم أكثر من ثمانية نواب من الإسلاميين المستقلين وحوالي عشرة نواب من اتجاهات وطنية عامة، وأغلبية أعضاء المجلس الآخرين من الشخصيات المعتبرة، وذات التأهيل المتقدم ومن العشائر الكريمة.
ذلك المجلس يعد قمة سامقة في تاريخ العمل النيابي في الأردن، فالمؤهلات العلمية والتوجهات الوطنية الأصيلة والتنوع الممثل لطبقات شعبنا الخير، كانت سمات بارزة في تشكيل هذا المجلس الحادي عشر ليكون الأول على مجالسنا النيابية في تاريخنا كله.
كانت كتلة الحركة الإسلامية هي الكتلة الأكبر والأكثر التزاماً وتنظيماً، والأقدر على التحرك في جميع الاتجاهات لنيل الأغلبية، وحشدها باتجاه القضايا الوطنية الأساسية.
انتقلت صورة الأردن في ظل هذه الانتخابات ونتائجها غير المسبوقة إلى مقدمة المسيرة العربية، قوة وتنظيماً وقدرة على التحرك في القضايا الداخلية والخارجية، والكل يذكر الصورة المغلقة قبل هذه الانتخابات، وكيف تحولت صور الضعف والانقسام إلى صورة وحدة الصف وقوة الموقف، وعلى جميع المستويات الداخلية والخارجية.
أشير إلى ذلك بكل وضوح، إلى أن علاج الأزمات يكون بإشاعة الحرية وليس بالقمع والكبت أو التزوير، فقوة الصف ووحدته تكون بتعزيز الثقة بما يجري، ومواجهة التحديات لا تكون إلا بالمشاركة الشعبية الواسعة، التي تجعل من الشعب درعاً واقياً من كل الصدمات التي تتعرض لها الاوطان.
ان أثر نجاح الحركة الإسلامية وهذا المجلس القوي المعزز بالثقة والإرادة الشعبية، هو عنوان قوي لصورة الأردن ومدو  في كل البلاد العربية والإسلامية والعالم أجمع، حتى قامت شعوب عربية بمطالبة حكامها بانتخابات كانتخابات الأردن، وقام بعض الحكام العرب بالدفع نحو إزاحة هذا المجلس مع التعهد بتغطية كل تكاليف الانتخابات الجديدة بالغاً ما بلغت، كما ذكر لي ذلك أحد المسؤولين.
لكن وجود مثل ذلك المجلس صنع للأردن مكانة مهيبة وموقعاً متقدماً في البلاد العربية، حيث وقاها من الضغوطات الخارجية في كثير من المواقف، سواء في وضع قوات أميركية في العقبة والرويشد، أو الذهاب إلى حفر الباطن مع الآخرين، واستفاد الملك بحكمته المعهودة من كل هذه الأمور، ووجهها وجهة صحيحة ومتميزة في مواجهة تحديات حرب الخليج والظروف الدولية الأخرى.
ما أزال أذكر أثناء حرب الخليج وكنت رئيساً للمجلس أننا عقدنا اجتماعاً مسائياً لمتابعة الأحداث، والدفع بمواقف قوية تمثل الشعب ومواقفه مما يجري، حيث وقف أحد النواب واقترح اتخاذ قرار من المجلس بضرب المصالح الأميركية في الداخل والخارج، فقال آخر: أثني على  ذلك، وآخر قال: اقترح طرحه للتصويت، فطرحته للتصويت، وصوت المجلس بالإجماع على ذلك الاقتراح. عدت للبيت وإذا بهاتف من محطة الإذاعة البريطانية الساعة الرابعة صباحاً، تسأل المتحدثة عن صحة خبر قرار اتخذه مجلس النواب الأردني بشأن أميركا.
قلت لها: نعم هذا صحيح، وبالإجماع.
فقالت كيف ذلك؟
قلت: هؤلاء نواب الشعب، وهم يعبرون عما يدور عند ناخبيهم، فأين هي المشكلة؟
فقالت: متى التنفيذ؟
فقلت: نحن مجلس تشريعي، سنحول الأمر إلى الحكومة. وانتهت المكالمة.
بعد يومين من هذا التاريخ، سأل الصحفي الأميركي بيتر سنو، الراحل الملك حسين عن هذا القرار، فأجابه بأننا في بلد ديمقراطي، وليس من حقي أن أتدخل في شأن مجلس النواب، وبهذا أغلق الباب. هذا الحدث لم يحصل مثله في تاريخ المجلس ولا المجالس العربية الأخرى.
أذكر أيضاً أننا عقدنا اجتماعاً للاتحاد البرلماني العربي في طرابلس لنصرة ليبيا، بعد الحصار الذي فرض عليها. وكنت ورؤساء البرلمانات العربية نصافح العقيد القذافي، وعندما وصلني الدور، أمسك العقيد بيدي وقال لرؤساء البرلمانات العربية: هذا الرجل هو المنتخب الوحيد من الشعب مباشرة. وكان ذلك على مسمع جميع الرؤساء، فقلت كما أذكر: كلنا إخوة وأبناء أمة واحدة. هذا من باب بيان أن ثقة الشعب هي القوة الحقيقية التي يحتمي بها الجميع، وأن شعوبنا كلها خيرة إذا أُعطيت الفرصة بالتمثيل الحقيقي من خلال الانتخابات المعبرة والممثلة حقيقة لهذه الشعوب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الجمعة 23 ديسمبر 2016 - 19:46

الحلقة الثامنة عشرة

عربيات: حكومة بدران كانت حكومة برلمانية فعلية


في حلقة اليوم يفتح رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبداللطيف عربيات باب الذكريات على تفاصيل دخول الحركة الإسلامية لمجلس النواب الحادي عشر من العام 1989، ومن هناك يكشف عن تفاصيل مهمة في عمل كتلة الحركة الاسلامية وتحالفاتها مع الآخرين.
ويروي القيادي الإسلامي البارز في صفوف الحركة الإسلامية تفاصيل الاجتماعات التي عقدت للكتلة، وأسفرت عن انتخابه رئيسا لها خلال الدورة الأولى من عمر ذلك المجلس، وتقاليد العمل البرلماني التي التزمت بها الكتلة.
ومن هناك يأخذنا عربيات إلى جولة الثقة بحكومة مضر بدران، الذي ربط مصير حكومته بمنح الإسلاميين الثقة، قبل أن يصر عليهم بالمشاركة في حكومته عبر تعديل وزاري أدخل 5 وزراء إسلاميين، ووصف حكومة بدران بـ"الحكومة البرلمانية الفعلية".
وقال عن المشاركة في الحكومة "كان المطلوب أن نشارك في السلطة التنفيذية، وليس فقط أن نكون أعضاء في السلطة التشريعية"، وبرر القرار بأن الخطر الماثل حينها، كان يتطلب أن لا نكون نوابا معارضين فقط، بل وزراء مشاركين في اتخاذ القرار الرسمي. وهذا الأمر في منتهى الاهمية والخطورة، فنحن عندما نقف مع رئيس الحكومة في أزمة انقطاع النفط، والتوجه نحو تسيير المركبات وفق نظام الفردي والزوجي حسب الأيام، فالناس تصفق وتحترم القرار وتلتزم به.
وكان عربيات، تحدث في حلقة أمس عن خلفيات قرار مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في انتخابات العام 1989، والخطة التي وضعوها لترشح أعضائهم في الدوائر الانتخابية. قائلا: إيماناً بمبدأ المشاركة وليس المغالبة اكتفت الحركة بستة وعشرين مرشحاً في مختلف المناطق نجح منهم اثنان وعشرون.
كما قدم عربيات مرافعة سياسية انصفت ميلاد ذلك المجلس الذي ساعد البلاد في تحمل أعباء المرحلة الأمنية والسياسية بعد قرار التحالف الدولي لضرب العراق، حيث وصف مجلس النواب الحادي عشر بـ"قمة سامقة في تاريخ العمل النيابي في الأردن".
وفيما يلي نص الحلقة الثامنة عشرة:
* توقفنا في الحلقة الماضية عند نجاح كتلة الحركة الإسلامية في الانتخابات النيابية. هل كانت خريطة التحالفات سهلة عليكم أمام تنوع أعضاء المجلس بشكل عام؟
- تقدمت الحركة الإسلامية، بخطوات واسعة وكبيرة، نحو ائتلافات مع القوى الوطنية الأخرى، فتشكل الائتلاف القومي الإسلامي النيابي، وأصبح ينظم اجتماعات ولقاءات فاعلة بين الإسلاميين والقوميين، وتم اختيار المرحوم ذوقان الهنداوي رئيساً لهذا الائتلاف، وكان مكان اجتماعاته بقاعة حسن البنا في المستشفى الإسلامي بعمان.
كما تم تشكيل ائتلاف أحزاب المعارضة، الذي بدأ اجتماعاته الرسمية الأسبوعية منذ العام 1994، وما يزال مستمراً حتى اليوم، وهو معلم كبير من معالم الحراك الشعبي العام على مستوى الأردن والبلاد العربية.
وتشكلت ايضا، لجان مقاومة التطبيع على مستوى الوطن والبلاد العربية، وكذلك تشكل المؤتمر الوطني للإصلاح، الذي اشتركت فيه كل القوى الوطنية الأردنية، وأصدرت برنامجاً مطبوعاً وُزع على نطاق الوطن والخارج.
كانت الحركة الإسلامية هي طليعة هذه التحركات باتجاه توحيد القوى الوطنية، بمشاريع إصلاحية يشارك فيها كل القادرين من أبناء شعبنا الواحد.
ومن منطلق القوة والثقة، كونت الحركة الإسلامية حزب جبهة العمل الإسلامي وفق قانون الأحزاب الجديد الصادر العام 1992، وقصد بذلك أن تكون هناك جبهة عريضة تستوعب كل أبناء الوطن مسلمين ومسيحيين على أساس المواطنة الكاملة للجميع، وقد كانت فلسفة وفكرة أخذ بها الكثيرون في البلاد العربية والإسلامية، وبهذا تقدم الفكر الإسلامي بصورة حقيقية وقوية، وبكافة الاتجاهات والمجالات الوطنية الكبرى.
نحن بهذا العمل المتقدم والمتميز، نهدم كل ادعاءات اليوم من أن فكر الإسلام السياسي غير قابل لاستيعاب كل متطلبات العصر.
* دعنا نسأل عن نشاط الكتلة النيابية للحركة الإسلامية، بشكل خاص، وما قامت به من عمل نيابي تحت سقف قبة البرلمان؟
- كما تعلمون، فعلى إثر نتائج الانتخابات النيابية تلك، قام المرحوم الأستاذ محمد عبد الرحمن خليفة، المراقب العام للإخوان المسلمين، بعقد اجتماع للإخوة النواب الناجحين، وهنأهم بهذا الفوز الكبير، وكان اللقاء الأول الذي يلتقون به مع المسؤول الأول في الجماعة، وطلب إليهم تشكيل كتلة الحركة الإسلامية، وأن تقوم بتنفيذ برامجها الانتخابية التي وعدوا بها الشعب، كما طلب منهم انتخاب رئيس لهذه الكتلة.
في ذلك الاجتماع، تم توزيع أوراق على الأعضاء لانتخاب من يرونه مناسبا؛ ليكون رئيساً للكتلة، قلت لإخواني النواب: لا تنسوا الأخ عبدالله العكايلة، وكان غائباً عن الاجتماع، فانتخب الإخوة من يرونه حسب ما طلب منهم، وفرزت الأوراق فإذا بإخواني يكرمونني بأن أكون رئيساً لهذه الكتلة، شكرتهم وفضيلة المراقب العام، وعقدنا فوراً الاجتماع الأول للكتلة، وحددنا موعداً جديداً ودائماً لاجتماعات الكتلة، ومن هنا بدأ مشوار العمل الإسلامي البرلماني المنظم.
* فكان أول ما اصطدمتم به هو منح الثقة لحكومة رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، وكانت الثقة التاريخية التي منحتموها للحكومة.
- تم تكليف مضر بدران بتشكيل الحكومة الجديدة بعد استقالة حكومة المرحوم الأمير زيد بن شاكر الانتقالية التي أشرفت على الانتخابات بصورة جيدة ونزيهة، وكان من ثمار ذلك المجلس النيابي المميز. فاتصل رئيس الوزراء المكلف بحركة الإخوان طالباً مشاركتهم بالوزارة الجديدة، وقيل له: سندرس هذا الأمر، وفعلاً تمت المشاورات وعلى مدى ثلاثة أيام متواصلة، أكد  بدران أهمية مشاركة الجماعة في الوزارة؛ لأنه يريد أن يؤمن الثقة، وبدون ذلك سوف يعتذر عن عدم تشكيل الوزارة، حتى إنه هدد بأننا سنتحمل نتائج ذلك؛ لأن الوضع لا يحتمل أي إشكالات داخلية.
بحث الإخوان من جانبهم وضمن أطرهم التنظيمية الشورية الأمر وبأغلبية صوت واحد تم الاعتذار عن عدم المشاركة.
أبلغ الرئيس المكلف بذلك، فقال: أريد تأمين الثقة وأنتم مشاركون في المسؤولية ابتداءً بحكم وجودكم وحجمكم في المجلس.
تم الاتفاق على وضع شروط يلتزم بها الرئيس علناً وأمام المجلس، وعلى ضوء ذلك تعطى الثقة على ضوء قبوله بالشروط والتزامه بها.
تمت صياغة أربعة عشر شرطاً مشهودة، وكان الشرط الأول منها مصاغاً صياغة دقيقة وقابلة للتطبيق، حيث نص الشرط على التوجه نحو تطبيق الشريعة الإسلامية، وبالتدريج في مجالات مثل الإقراض الزراعي والإسكان، ويلاحظ أن النص يتطلب حسن نوايا، والبدء في التوجه السليم لصالح الوطن والمواطن وبالتالي الأمة.
كانت بقية الشروط للصالح العام ولجميع الناس، مثل: إعادة المفصولين سياسياً لوظائفهم، ومن كافة الفئات والتوجهات، وكان عددهم حوالي ثلاثمئة وخمسين موظفاً، والإفراج عن جوازات السفر المحجوزة، وجاءت في جلسات الثقة موافقته على الشروط جميعها.
على ضوء ذلك أعطت الحركة الإسلامية الثقة للحكومة، وهذه المرة الأولى التي تعطي فيها الحركة الإسلامية الثقة لأي حكومة، وحتى ولو كانوا فرداً أو أفراداً قليلين في المجلس.
أذكر أن المرحوم الأستاذ يوسف العظم، رحمه الله، بكى عندما ألزمناه بإعطاء الثقة، وقال: هذه أول مرة في حياتي أعطي فيها الثقة لأي حكومة، وهو النائب المخضرم في تاريخ مجلس الأمة.
* السؤال المباشر: على ماذا منحتم الثقة لحكومة مضر بدران، وما السبب الذي دفعكم لتغيير مواقفكم من الحكومات بمنح تلك الثقة التاريخية، التي لم يسبقها ولم يلحقها أي ثقة؟
- نحن منذ الخمسينيات لم نمنح الثقة للحكومات، وذكرت لكم موقف الدكتور يوسف العظم رحمه الله الذي بكى بعد قرارنا منح الثقة لحكومة مضر بدران.
تلك الثقة كانت نوعا من التحدي لنا وللحكومة، وللنظام نفسه، فنحن نعتبر أنفسنا معارضة إيجابية، والمعارضة الايجابية تعني أننا مع الإصلاح ولسنا ضد إجراءاته أو قراراته، ويمكننا أن نشارك في هذا العمل الوطني متى ما توفرت الإرادة السياسية الجادة في المضي فيه.
نحن في الحركة الإسلامية موقفنا محدد من صنع الإصلاح في البلاد، وأعود للتأكيد مجددا، مر على الأردن مجلسان نيابيان متميزان، لأنهما جاءا عبر انتخابات حرة ونزيهة وتشكل عبرهما حكومات برلمانية حقيقية.
فمجلس النواب العام 1956، جاء بانتخابات معروفة ومشهود لها، وشارك فيها الاخوان المسلمون، وشاركت بقية الاحزاب الاخرى. الحزب الوطني الاشتراكي حاز على 9 مقاعد نيابية، والحركة الاسلامية حصلت على 4 مقاعد، والبعثيون على مقعدين، والشيوعيون مقعد واحد، وحزب التحرير مقعد. أقول إن ذلك كان في العام 1956، وأن الحزب الوطني الاشتراكي شكل ائتلاف مع الاخرين قوامه 22 أو 23 نائبا من 40، فشكل بذلك الاغلبية.
والمعروف ان جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال في ذلك الوقت كلف الحزب الاكبر بتشكيل الحكومة، واختار الحزب رئيس الحزب الوطني الذي لم ينجح في الانتخابات لكونه رئيس حزب الأغلبية، فكلف الملك الراحل سليمان النابلسي بتشكيل الحكومة.
هذا كان واقعا عشناه، ونتيجة أحداث العام 1957 جرت إقالة الحكومة، وفرضت احكام عرفية في ذلك الوقت، واستمرت الأحكام العرفية حتى العام 1990، إلى أن ألغاها مجلس النواب الحادي عشر الذي شاركنا فيه بانتخابات حرة ونزيهة، أنقذت البلاد من ويلات أزمة اقتصادية خانقة.
حتى أن الحكومة غضت النظر عن تطبيق المادة 18 التي حظرت على الحزبيين المشاركة السياسية، ونجح من الحزبيين أعضاء ذوات لهم باع طويل في العمل السياسي البرامجي الهادف.
ومن هناك كلف الراحل الملك الحسين  بدران بتشكيل حكومة، وتلك الحكومة توفر لها معارضون من الأحزاب الموجودة في مجلس النواب، وكان الإسلاميون منهم، لكن بدران لجأ لنواب الحركة الإسلامية، وعرض عليهم المشاركة في حكومته ومنح الثقة. وقالها لنا إنه بغير أصوات نواب الحركة، فإنه لن يستطيع نيل الثقة، وبالتالي لن يستطيع الاستمرار، وحمل نوابنا مسؤولية ما سيحدث بعد ذلك من فوضى.
* طلب أن تمنحوه الثقة، فذهبتم للمشاركة في التعديل الأول على حكومته، لماذا؟
-لا؛ لقد اتصل بنا أكثر من مرة، وقال: اريد مشاركتكم في الحكومة، فقلنا: أما موضوع المشاركه فهذا أمر يحتاج لبحث مفصل، لأنه موضوع مختلف عن منح الثقة، وذكرناه بأننا لا نشارك في الحكومات منذ العام 1956.
فأعاد علينا القول، بأنه بغير مشاركتنا سيقدم استقالته، والنتيجة أننا سنتحمل عواقب ما سيجري في البلاد.
قلنا له: بأننا سنذهب لمؤسستنا للتشاور، وهي من ستحكم قرارنا، فبحثت الجماعة الأمر بجد، وبحثوه حسب الأطر التنظيمية وبأغلبية صوت واحد قررت الجماعة عدم المشاركة.
فعاد الرئيس بدران، وقال: إذا ابحثوا موضوع الثقة، وبغيرها استقيل. وتحدث بكلام مسؤول عن مدى الأذى الذي سيجري إذا أفشلنا مشروع التحول الديمقراطي، وبرامج الإصلاح المستندة لمرحلة مختلفة تماما عن السابق، لتأتي قوى أخرى مضادة، وتعيث خرابا بالتجربة الديمقراطية التي أفرزها مجلس النواب الحادي عشر.
عدنا للجماعة لبحث الموضوع بشكل جدي، وقلنا إن مبدأ الثقة من عدمها، أن يكون على البرنامج المستند إلى شروط، ووضعنا الشروط الـ14 المعروفة، مكتوبة خطيا، وناقشناها مع الرئيس بدران. وأبلغناه بأننا نمنح الثقة، شرط أن يلتزم بتلك الشروط أمام مجلس النواب.
بعد المناقشة الدقيقة والعميقة لكل هذه الشروط، التي في معظمها تتعلق بقضايا ومطالب إصلاحية عامة، كما ذكرتها مثل اعادة المفصولين من الحزبيين، واعادة جوازات السفر المحتجزة، التي كانت بحدود 14 ألف جواز، وعدم تدخل الجهات الامنية في التعيين او الترقية او النقل داخل الجهاز الرسمي.
الرئيس بدران قبل بشروطنا وأعلن التزامه بها أمام مجلس النواب في بيانه خطيا، وبعدها صرنا ملزمين بمنحه الثقة، وبذلك اعتبر أن حكومة بدران تلك كانت حكومة برلمانية فعلية، وما اشترطناه من مطالب على الحكومة التزمت بها، وعليه أخذت ثقة نواب الحركة الإسلامية، وكانت حقيقة ساعات صعبة وحرجة في يوم الثقة، وكانت الجلسة ساخنة جدا. حتى أن بعض نوابنا حاول معارضة قرار الجماعة بمنح الثقة، فأجبرناهم، فكان يوسف العظم رحمه الله، وذكرت لك قصته، والاستاذ محمد ابو فارس رحمه الله كانا لا يريدان منح الثقة، فألزمناهما، بقرار الكتلة.
أعطينا الثقة على هذا الأساس، وضمن التوجهات الوطنية التي نؤمن بها ضمن الاطار العام النيابي والوضع السياسي الداخلي والخارجي، والاقتصادي المتأزم، وأقولها مجددا هذه الشروط هي شروط تشكيل حكومة برلمانية، فمنحنا الثقة، وتعاونا مع الحكومة. وكان لها طبعا معارضون، لكننا التزمنا بما اتفقنا عليه مع الرئيس.
* ثم عدتم للمشاركة في الحكومة بعد إجراء تعديل وزاري، شمل دخول 5 وزراء من الجماعة؟
- صحيح، فقد كان مجلس النواب الحادي عشر، المجلس الذي واجه أزمة الخليج، بعد دخول العراق إلى الكويت، واندلاع أزمة عربية وإقليمية طاحنة.
الأردن في تلك الأزمة اتخذ موقفا متميزا، معارضا للحرب بمجملها، وعارض الولايات المتحدة الأميركية، وعارض أنصار الأميركان، ورفض الذهاب إلى حفر الباطن، مع ان جميع الدول العربية ذهبت كمصر وسورية وغيرهما.
فوقفنا الى جانب العراق، مع اليمن والجزائر والسودان، ووقفت هذه الدول الـ4 موقفا من الذهاب إلى حفر الباطن للتعاون في تنفيذ الحرب التي استهدفت العراق ووحدته وقوته وجواره.
لم يكن اتخاذ القرار أردنيا بعدم الذهاب لحفر الباطن سهلا، حتى أننا هاجمنا كل المواقف الأخرى، وانتقدنا السياسات الأميركية في المنطقة، وكان لها مواقف واضحة وعلنية.
بعد أن تجسدت أزمة الخليج تلك في وضع خطير ومتأزم، دعانا رئيس الوزراء، وطلب منا المشاركة في الحكومة إمعانا بالشراكة الشعبية والرسمية في مواجهة الخطر، وتمتين الدولة الأردنية وحكومتها في مواجهة التحديات المحدقة.
* للتوضيح أكثر؛ فقد كنتم داعمين للسياسات الحكومية بعد أن منحتموها الثقة، فماذا سيغير قراركم في المشاركة؟ كما أن المملكة شهدت في تلك الفترة تناغما حقيقيا بين البرلمان والحكومة، بسبب الموقف المشترك من رفض دخول أميركا إلى المنطقة بذريعة احتلال العراق للكويت؟
- لا؛ فقد كان المطلوب أن نشارك في السلطة التنفيذية، وليس فقط أن نكون أعضاء في السلطة التشريعية.
الخطر الماثل حينها، كان يتطلب أن لا نكون نوابا معارضين فقط، بل وزراء مشاركين في اتخاذ القرار الرسمي. وهذا الامر في منتهى الاهمية والخطورة، فنحن عندما نقف مع رئيس الحكومة في أزمة انقطاع النفط، والتوجه نحو تسيير المركبات وفق نظام الفردي والزوجي حسب الأيام، فالناس تصفق وتحترم القرار وتلتزم به.
لذلك طلب الرئيس بدران أن نشترك تشريعيا وتنفيذيا في تلك المرحلة، وذلك ليس بالأمر السهل، فأن تقف الحكومة الأردنية ضد السياسة الأميركية وضد اخطار حرب الخليج، وتبعات ذلك من أزمات اقتصادية وسياسية، فإن ذلك يحتاج لموقف شعبي موحد ورسمي ملتزم.
لذلك تم البحث جديا في مشاركتنا في الحكومة تحت ظرف تحمل المسؤولية الوطنية، ودفع الأذى الأكبر عن البلاد.
ومسيرة الحركة الاسلامية بتاريخها، يؤكد أننا معارضون إصلاحيون، لكن مصلحة البلاد لا تتقدم عليها مصلحة، ونقدم أي تضحية أمام هذا الموقف الوطني. فنحن مسؤولون في المجلس النيابي ونريد أن نشارك الحكومة لدعم الموقف الشعبي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   السبت 24 ديسمبر 2016 - 1:49

الحلقة التاسعة عشرة:

عربيات: كنت أول إسلامي يصل لرئاسة برلمان عربي



رئيس مجلس النواب الاسبق عبداللطيف عربيات


يبدأ رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبد اللطيف عربيات، في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، الحديث عن مرحلة ترشحه لرئاسة مجلس النواب، والتخطيط لمرحلة جديدة من مراحل عمله السياسي.
وفي حلقة اليوم يؤكد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية  قدرته على فكفكة التحالفات المضادة، ومساندته عبر كتلة العمل الاسلامي، التي نسجت تحالفاتها بقوة مع شركاء جادين.
وبأجواء من المنافسة الشريفة يوضح عربيات كيف استطاع أن يتفوق على منافسه سليمان عرار رحمه الله، على الرغم من دعم النواب المشاركين في الحكومة له، إلا أن التحالفات الصادقة قلبت النتائج.
ومن هناك يذهب عربيات إلى الحديث عن عبوره الآمن إلى ثلاث رئاسات في ثلاث دورات نيابية، ما انعكس ايجابيا على تقديم الأردن بصورة من صور التعددية السياسية، وهو ما قدم المملكة كديمقراطية متقدمة في المنطقة.
وكان عربيات قد تحدث في الحلقة الماضية عن تفاصيل دخول الحركة الإسلامية لمجلس النواب الحادي عشر من العام 1989، وكشف عن تفاصيل مهمة في عمل كتلة العمل الإسلامي وتحالفاتها مع الآخرين.
وروى القيادي الإسلامي البارز في صفوف الحركة الإسلامية تفاصيل عن الاجتماعات التي عقدت للكتلة وأسفرت عن انتخابه رئيسا للكتلة خلال الدورة الأولى من عمر ذلك المجلس، وتقاليد العمل البرلماني التي التزم بها.
كما أوضح عربيات كواليس الثقة بحكومة مضر بدران، الذي ربط مصير حكومته بمنح الإسلاميين الثقة، قبل أن يصر عليهم بالمشاركة في حكومته عبر تعديل وزاري أدخل 5 وزراء اسلاميين، ووصف حكومة بدران بـ"الحكومة البرلمانية الفعلية".
وفيما يلي نص الحلقة التاسعة عشرة:
*بعد عام من ولادة مجلس النواب الحادي عشر، خضت غمار معركة الترشح لرئاسة المجلس في سنته الثانية، وكنت أول رئيس مجلس من الحركة الإسلامية، وبقيت لثلاث رئاسات متتالية.
-كان من سياسة الجماعة والكتلة النيابية عدم تخويف الناس منذ البدايات بمطالبنا، وإشعار الجميع أننا دعاة إصلاح، والإصلاح التدريجي الذي يكون خالصاً لله ثم لمصلحة الوطن والأمة، ولهذا لم ترشح الكتلة أحداً منها لرئاسة المجلس في الدورة الأولى مع كل المقومات والإمكانات لدينا، وفضلنا أن نعطي دورة كاملة لتعريف الناس بأهدافنا ووسائلنا وعدم تهافتنا على المناصب.
لذلك، قررنا ترشيح أحد إخواننا القريبين منا، فتم الاتفاق على ترشيح الأخ يوسف المبيضين، الذي كان من الكتلة التي دعمتها الحركة في الكرك، وكان المرشح الآخر الأخ المرحوم سليمان عرار، المدعوم من الحكومة، وكانت النتائج قريبة من بعضها مع فوز الأخ عرار برئاسة المجلس.
في الدورة الثانية، تم الاتفاق على أن نرشح واحداً منا للرئاسة، خصوصا أننا تعاملنا بكل جدية وصدق مع كل أعضاء المجلس، ولا سيما الكتلة الإسلامية المستقلة التي حرص رئيس الحكومة على توزير معظمهم كسباً لأصواتهم وموافقاتهم المستقبلية، حيث كان عدد النواب الوزراء عند الترشح للدورة الثانية تسعة نواب، ومنهم الأخ يوسف المبيضين، مرشحنا في الدورة السابقة.
أثناء الدورة الأولى، تم تشكيل الكتلة الوطنية التي ضمت سليمان عرار وطاهر المصري وعبدالله النسور وسلطان العدوان ونايف الخريشة وغيرهم. هذه الكتلة أخذت الموقف المقابل لكتلة الحركة الإسلامية ومن معها في الانتخابات للدورة الأولى.
في داخل كتلة الحركة تم البحث بيننا عن الشخصية التي ننوي ترشيحها، وتم التصويت بالاقتراع السري، وترشيحي لهذا الموقع من الكتلة بأغلبية كبيرة، وتم الإعلان عن ذلك والبدء بالسعي للعمل لذلك مع الكتل والتجمعات الأخرى في المجلس.
ومن ضمن النشاطات الانتخابية مقابلات صحفية، ومنها مقابلة مطولة بالتلفزيون الأردني وفي جريدة الرأي، التي نشرت تحقيقات هادفة ودقيقة وموسعة حول البرامج والرؤى المستقبلية لعمل المجلس القادم.
أذكر أنه قابلني من الرأي في التحقيق الصحفي اثنان وهما الأخ طارق المومني، الذي أصبح نقيباً للصحفيين والأخ الكاتب الصحفي باسم سكجها. كانا في غاية الأدب والدقة في الأسئلة المنشورة في المقابلة، لكن عنوان المقابلة التي أخذت صفحة كاملة، وهو على لساني "رئاسة المجلس حق طبيعي لنا"، والذي قلته أن الكتلة الكبرى في المجلس من حقها أن تسعى لرئاسة المجلس، أو هو شيء من هذا القبيل.
سألت الأخ المومني عن هذا العنوان، فقال: انظر على النص المكتوب في الداخل والعنوان ليس من صياغتنا، فشكرته، وقد كان هذا صحيحا؛ لأن العنوان فيه شيء من التشوف والغطرسة التي لا أقبلها ولا أدعيها.
كما تمت إجراء مناظرة تلفزيونية بيني وبين الأخ عرار، وأدارها المرحوم محمود الشريف عميد الصحافة ووزير الإعلام اللاحق لتلك الفترة. كانت الندوة مرصودة من قطاعات شعبية عديدة ومعلن عنها مسبقاً وموسعة وشاملة لكل الأمور، سواء من المحاور أو المشاهدين الذين أغنوا المناظرة بأسئلتهم أو متابعتهم، وكان فيها مصارحة، وواضح أن موقف الحكومة كان بالاتجاه الآخر بالنسبة لي ومعروف لدى الجميع، ولكن مسيرة الحوار كانت أخوية وناجحة ومتابعة من المواطنين بشكل لم يسبق أن كان بهذا الشكل.
عند بث المناظرة، تلقيت اتصالات مكثفة تهنئ وتبارك، وأطرف هذه الاتصالات كانت من أحد شيوخ العدوان في شفا بدران، الذي قال: مبارك.
قلت له: حتى تتم العملية.
فقال: أهنئك من الآن.
ثم جرى اتصال آخر من سيدة في قرية أبو نصير من الأصوات التي ظهرت بالمكالمة، وكان يبدو أنهم في سهرة عائلية كبيرة، وهي تقول: أولاً: مبارك، وثانياً: سأربح عن طريقك مئة دينار، فقلت لها: الشرط بهذه الصورة حرام، فقالت: لا عليك سأتصل بك عند النتيجة، وفعلاً اتصلت يوم النتيجة وقالت إنها ربحت الشرط.
*هنا نسأل كيف هي أجواء المنافسة وسط مجلس نيابي اتسم باستقلالية أعضائه؟
-المنافسة كانت شديدة، والمناقشات بين الكتل والتكتلات والأفراد شاملة وواسعة، وقد دعيت لحوار الكتلة الوطنية التي يمثلها الأخ سليمان عرار المرشح المقابل، وكانت جلسة ممتعة ومريحة، وكان من نتيجتها أن اختلى بي الأخ الشهم أبو بكر سلطان العدوان، وقال لي: أنا في الكتلة الوطنية، ولكنني والأخ عطا الشهوان، والمهندس سمير قعوار، معك ولسنا مع كتلتنا وأنا ضامن، وأعطيك العهد. شكرته على هذه الروح الطيبة، ثم أضاف قائلا: أنا مع الحق، وسمعنا منك وسمعنا الرأي الآخر، وعلى ضوء هذا الحوار نحن معك.
كما التقيت كتلة اليسار الوطني، كما يسمونها، برئاسة الأستاذ فارس النابلسي في بيته، وعدد النواب في هذه الكتلة أحد عشر نائباً، وقالوا: سنتصرف ككتلة وحسب ما نراه بالنهاية.
التقيت نواب بعض المحافظات، ومنهم نواب محافظة البلقاء، وكانت النتائج جيدة بشكل عام، وفي يوم الانتخابات قابلني الأخ سلطان العدوان، ومعه الأخوان الشهوان وقعوار، فقال لي إن ابن عمه عبدالإله العدوان، رئيس بلدية الشونة، قد توفي في القاهرة وستصل الجنازة إلى مطار عمان الساعة الحادية عشرة، وسوف يكون باستقبال الجنازة في المطار ويعود بعدها لحضور الانتخاب في المجلس، ولن يذهب إلى الشونة إلا بعد أن يصوت هو ورفاقه. قال ذلك على مسمع زميليه، وأضاف: نحن ثلاثة، وسنضع إشارة فارقة لأصواتنا، فنحن سنكتب العربيات عبد اللطيف، وإذا لم تظهر الأسماء الثلاثة بهذا الشكل، فمعنى ذلك أن أحدنا خان العهد.
فقال سمير قعوار: أقسم أنني أحب عبد اللطيف وسأصوت له، فقال أبو بكر: إذا لم تظهر الأسماء كما ذكرت فمعنى ذلك أنك أنت الذي نكثت، فقال: لا تخف سنكون كذلك. وفعلاً جاءت ثلاثة أصوات بهذه الصورة. وكانت  ذلك جانبا من نمط الممارسات الانتخابية في الدورة الأولى التي أدخلها لرئاسة المجلس.
في ذلك اليوم اختار المجلس الأستاذ عيسى مدانات لرئاسة الجلسة؛ لأنه أكبر الأعضاء سناً، ولما بدأ الأستاذ مدانات بقراءة التعليمات، تذكرت أن الأستاذ مدانات كان معلماً في مدرسة السلط الثانوية، وكان رئيساً للجنة انتخابات الطلبة، وكنت مرشحاً ضد فريق آخر من رفاقه، وفزت في تلك الانتخابات الطلابية قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمان، تفاءلت بهذه اللحظة التي لم تخطر ببالي من قبل.
حين بدأ الفرز، وكان الجميع في القاعة والشرفات في المجلس والأماكن المحيطة يحسبون بالصوت الواحد. وعندما تخطيت الأربعين بصوت واحد، ضجت القاعة بالتصفيق الحاد، وكانت النتيجة أنني حصلت على واحد وأربعين صوتاً، والأخ سليمان عرار ثمانية وعشرين صوتاً، وكتلة اليسار قدمت أوراقاً بيضاء على أساس أن يكون هناك جولة ثانية، ولكنها حُسمت من الجولة الأولى.
وكما ذكرت سابقاً، فقد تفاجأ الوزراء بالنتيجة وبسرعة الحسم؛ إذ كان الكل يخطط لجولة ثانية، والوزير الوحيد الذي صفق بحماسة فرحا بالنتيجة كان المرحوم حكمت الساكت عليه رحمة الله.

*وبذلك كان عبورك آمنا لباقي الرئاسات خلال ذلك المجلس؟
- بعد أن حقق المجلس نجاحات كبيرة في سنته الثانية، وعزز موقع كتلة الحركة الإسلامية في المجلس، وكشف للجميع قوة هذا التيار، الذي جعل الكثير من الطامعين في الرئاسة يعيدون حساباتهم، إما بالتخلي عن الترشيح أو بترتيب معادلات جديدة لإضعاف مرشح الحركة الإسلامية؛ ليتمكن أحدهم من الفوز.
ومن الحسابات والترتيبات الجديدة إشهار كتلة رابعة في المجلس باسم الكتلة الدستورية، حيث يوجد في الساحة كتلة الحركة الإسلامية والكتلة الوطنية وكتلة اليسار، التي هي أقرب للحركة الإسلامية من غيرها بعد الإسلامية المستقلة.
تم انتخاب الأستاذ ذوقان الهنداوي، رئيساً للكتلة الدستورية، ومن منظريها الأستاذ عبد الرؤوف الروابدة، وبدأ النشاط الانتخابي مبكراً هذه المرة، وبدأ التنسيق المبكر أيضاً بين الكتلتين الوطنية والدستورية، وحصل اتفاق أن تكون السنة الثالثة من دورات المجلس لمرشح من الدستورية، والسنة الرابعة والأخيرة للوطنية، وهذا تنازل من الوطنية لتثبيت الكتلة الدستورية في الميدان؛ لأن الدستورية مجمعة بصورة ينقصها الانسجام  الكامل.
قامت الكتلة الدستورية وبتوافق مع الكتلة الوطنية بترشيح الأخ عبد المجيد الشريدة لرئاسة المجلس؛ ليتلقى الدعم من الكتلتين الدستورية والوطنية بشكل أساسي، وإذا اتفقا بالكامل حسب التقديرات الخاصة بهم يكون الأمل بالنجاح كبيراً.
من جانبي كنت أرى أن أعضاء الدستورية ليسوا على وفاق تام فيما بينهم، ولا يطمئن البعض منهم إلى البعض الآخر، حتى إن بعضهم لا يتمنى النجاح لبعضهم الآخر، وقد تجمع أفرادها تجميعاً من دون وفاق مبدئي أو سياسي.
وكذلك، كنت أقدر أن لي حصة جيدة في الكتلة الوطنية من الأساس، وقبل الاتفاق الجديد بين الكتلتين. أما كتلة اليسار والقوميين فقد التقيتهم في بيت الأستاذ فارس النابلسي، وناقشتهم فيما بحثه معهم الأخ سلمان عرار، وهم لا يعرفون أن الأخ سليمان ذكر لي ما تم بينهم من بحث واتفاق، فقالوا لي: هل تقبل أن يكون نائبك من كتلتنا وليكن الأستاذ عبد الكريم الدغمي، فقلت لهم: أنا لم أختر بعد نائباً لي، ولا مانع لدي من حيث المبدأ.
وهنا انبرى الأستاذ فخري قعوار وهو من الحضور، فقال: يا أبا سليمان، نحن معك سواء وضعت الدغمي نائباً لك أم لا.
وبهذا كنت قد عملت على تطويق التحالفات بين الوطنية والدستورية، بالإضافة إلى الإسلامية المستقلة وكثير من المستقلين.
ومن باب الثقة بالواقع الذي أراه، دخل مكتبي الأستاذ ذوقان الهنداوي صباح يوم الانتخاب؛ أي قبل موعد الاقتراع بساعة أو ساعة ونصف، فشعرت أنه جاء يستطلع الأمر، غير أنني أخذت الزيارة من باب الصداقة وحسن النية.
قلت له: أرجو أن تعلم أن الأستاذ عبد المجيد الشريدة، أخي وصديقي ولا أحب له الفشل لمعزتي له، فما رأيك أن تنصحه أن ينسحب؛ لأن النتيجة عندي محسومة.
لقد قلت ذلك وأنا لا أعلم ما عنده، مع أنه رئيس الكتلة التي رشحت الأخ عبد المجيد.
فقال على الفور: سأبلغه الآن هذا الرأي.
وخرج من عندي، ليعود بعد مدة قصيرة وهو يقول: نصحته بما قلت، ووعد أن يفكر في الموضوع.
ثم جاءني الأستاذ حسين مجلي، وقلت له ما قلته للأستاذ الهنداوي. فقال لي: سأفعل فوراً ما طلبته، فأنا من هذا الرأي.
كل هذا حصل والكتلة الوطنية لا تدري ماذا تم بحثه، أو الحديث فيه مع الكتلة الدستورية، وعلمت فيما بعد أن الأخ عبد المجيد عندما سمع حديث الأستاذ الهنداوي قرر الانسحاب، ودخل غرفة في المجلس وأغلقها على نفسه، وكتب نص الانسحاب من الترشيح.
كانت المفاجأة كبيرة عندما تم الترشح، ليعلن الأخ عبد المجيد الشريدة انسحابه لصالح الحركة الإسلامية التي هو منها وإليها إلى آخر كلمته الطيبة.
مثّل ذلك صدمة للكثيرين الذين لديهم مواثيق وعهود أن يتم الأمر كما تم الاتفاق عليه بين الكتلتين الوطنية والدستورية، وبهذا فزت بالتزكية في هذه الانتخابات للدورة الثانية لي وفي الدورة الثالثة من دورات المجلس.
كانت هذه النتيجة نهاية لحراك أي كتلة في المجلس، خصوصا الكتلة الدستورية التي لم يعد لها وجود بعد هذه الجولة، وعادت الأمور إلى مجاريها الأولى بين الأفراد الذين تجمعوا لهدف معين، ولما لم يتحقق عاد كل إلى ما كان عليه سابقاً، وبهذا استتب الأمر للحركة الإسلامية في رئاسة المجلس، وبدون منازع.
*وهل انسحب الأمر على رئاستك الثالثة والأخيرة، ومضيت من دون أي منغصات من الخصوم؟
-فعلا لم أجد أي صعوبات تذكر في الترشح للمرة الثالثة لرئاسة المجلس في دورته الرابعة والأخيرة، ولم أبذل أي جهود تذكر سوى دراسة الواقع والاحتمالات المتوقعة، ومعرفة ما يدور في أروقة المجلس حول رئاسة لمجلس في دورته الأخيرة.
وجدت أنه لا توجد في هذه الجولة خصومات سياسية أو حزبية، وأن المجلس منهمك في قضايا كبرى سواء محاربة الفساد في الداخل ووضع حزمة قوانين الحريات التي شملت قانون الأحزاب، وقانون الإعلام والمحاكم العسكرية، التي حُولت إلى مدنية مع حق التميز موضوعاً لكل قرار يصدر عن أي محكمة مهما كان مصدرها، وعن وضع قانون لنقابة المعلمين والذي أحبطه المجلس العالي لتفسير الدستور، وكذلك قانون "من أين لك هذا؟"، وهو الذي أصبح اسمه الكسب غير المشروع، والذي تم إلغاؤه وشطبه من سجلات المجلس  في المجالس التالية للمجلس الحادي عشر.
لكن البعض دفع بالشيخ عبد الباقي جمو للترشح، وقد أعلن الشيخ ذلك، وبقي الحراك محدداً من كل الأطراف، وفي يوم الانتخاب وكان الشيخ عبد الباقي جمو يجلس أمامي، فقمت وجلست بجانبه وسألته: كم تتوقع أن تحصل عليه في هذه الانتخابات؟
فقال: خمسة عشر صوتاً.
قلت له: ولك مثلها مني، فهل تنجح؟
سكت الشيخ، فقلت له: إن ما يهمني هو أنت، وأنت الشيخ المعمم، وتقف مثل هذا الموقف. عند إعلان الترشيح وقف الشيخ عبد الباقي وأعلن انسحابه من ذلك.
فوقف أحد النواب الفصحاء ورشح الشيخ علي الفقير، فقبل الشيخ الترشيح، وتم الانتخاب فحصل الشيخ علي الفقير على ثمانية عشر صوتاً التي كانت مجمعة للشيخ عبد الباقي وحصلت على ثمانية وخمسين صوتاً، وبهذا فزت للمرة الثالثة برئاسة مجلس النواب الأردني الحادي عشر، الذي أعتز به وبأعضائه الكرام الذين كانوا على قدر ومستوى المسؤولية الوطنية، والذي حقق للأردن ما لم يحققه أي مجلس آخر، وفي مجمل ما تم إنجازه والاتجاه الذي كان يسير عليه، وبعضه كان ضد التيار العام ولكنه لصالح الوطن والأمة.
خلاصة القول في العمل النيابي أنها كانت تجربة مثمرة وناجحة، وفتحت ميادين واسعة أمام العمل البرلماني الإسلامي، الذي لم يكن ليصل إلى ما وصل إليه إلا بهذه التجارب والمعارك التي خاضتها الحركة الإسلامية في الأردن، وبذلك كنت أول إسلامي يصل لرئاسة برلمان عربي.
برأيي، إن ما تم إنجازه عن طريق المجلس النيابي الحادي عشر، لم يكن ليتم وبهذه الصورة لولا استثمار طاقات الحركة الإسلامية بالاتجاه الصحيح وبصورة ناجحة، كما أسست لمشاريع إصلاحية على المستويات السياسية والاجتماعية في الأردن والبلاد العربية المحيطة، وما التقاء القوى الوطنية والقومية والإسلامية على مشاريع مشتركة تعمل لصالح الوطن والأمة إلا بعض الثمار لهذا التوجه الراشد للحركة الإسلامية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الأحد 25 ديسمبر 2016 - 4:00

الحلقة العشرون

عربيات: أقر النواب ‘‘من أين لك هذا؟‘‘ لكن الأعيان حفظوه بالأدراج


يتحدث رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبداللطيف عربيات اليوم عن جهود مجلس النواب الحادي عشر في مكافحة الفساد، والمحاكمة النيابية الشهيرة لحكومات سابقة، وتفاصيل التصويت النيابي على تحويلهم للقضاء. ويكشف عن تفاصيل دقيقة عن تلك المحاكمة وكيف تعامل معها مجلس النواب من حيث آلية التصويت وأرقام النتائج.
ويروي عربيات في الحلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" عن طبيعة القرارات التي اتخذها المجلس الحادي عشر، وكيف أن دعم عملية التحول الديمقراطي في البلاد، على الرغم من الانقطاع الطويل للحياة السياسية.
وعن دور المجلس في التعامل مع الضغوط الدولية على الراحل الملك الحسين اثناء الحرب على العراق، يكشف عربيات عن تفاصيل جديدة عن دور المجلس في تخفيف تلك الضغوط عن الراحل الحسين، وطبيعة المواقف التي اتخذها هو كرئيس للمجلس.
وكان القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية عربيات بدأ الحديث في حلقة الأمس عن مرحلة ترشحه لرئاسة مجلس النواب، والتخطيط لمرحلة جديدة من مراحل عمله السياسي.
وفي الحلقة أكد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية قدرته على فكفكة التحالفات المضادة، ومساندته عبر كتلة العمل الاسلامي، التي نسجت تحالفاتها بقوة مع شركاء جادين.
وبأجواء من المنافسة الشريفة وضح عربيات كيف استطاع أن يتفوق على منافسه سليمان عرار رحمه الله، على الرغم من دعم النواب المشاركين في الحكومة له، إلا أن التحالفات الصادقة قلبت النتائج.
وفيما يلي نص الحلقة:
* في حلقة اليوم، نود أن نبدأ الحديث عن جانب من ملفات الفساد التي حقق فيها مجلس النواب الحادي عشر، واشتهر فيها، حتى مع عدم التصويت لصالح إحالة متهمين إلى القضاء؟

-في تلك الفترة كانت الحكومة تريد أن تكرس أجواء الحريات، وتريد  أن تقدم ما يرضي النواب والشعب معا، في وقت تحتاج فيه البلاد لمناخات استعادة الثقة وتعزيز مبادئ دولة القانون والمؤسسات.
بحثت الحكومة من جانبها عن قضايا الفساد التي كانت سببا في انتخاب أعضاء مجلس النواب الحادي عشر بصفتهم نواب معارضة، يريدون أن يكرسوا مبدأ الرقابة والمساءلة على الحكومات.
والراحل الملك الحسين اعطى حرية انتخاب من يقود هذه العملية، وتلك خطوة لا شك انها ذات دلالات كبيرة، والحكومة بدورها جمعت تلك القضايا بملفات تسعة، وحولتها الى القضاء، لكي يقوم بالمحاكمة العادلة للمتهمين.
مضت ستة أشهر والقضاء لا يعرف آلية التصرف مع محاكمة مسؤولين سابقين، ففي الأمر ما هو جديد بالنسبة للقضاة. وبعد هذه المدة، بحث المختصون في الدستور، ووجدوا ان رؤساء الحكومات والوزراء السابقين، لا تجوز محاكمتهم الا من قبل مجلس النواب، لذلك فقد أعاد القضاء تلك الملفات لعدم الاختصاص.
اعيدت الملفات إلى الحكومة، فأعادت الحكومة، بدورها، ارسال الملفات إلى مجلس النواب، وأوضحت أن التحقيق يتم من قبل لجان نيابية مختصة، للتحقيق بالملفات وفحصها، والتصويت عليها، واحالة المتهمين إلى القضاء إذا أدانهم المجلس.
شكلنا لجنة قامت بالتحقيق، وبدأنا باستجواب رؤساء حكومات سابقين وعدد من الوزراء السابقين، وكان الأمر يجري وفق أسس دستورية ومهنية سليمة.
الدستور ينص على انه، ومن أجل تحوبل رئيس وزراء أو أي وزير سابق إلى المحكمة، فلا بد من موافقة ثلثي مجلس النواب.
جرى التحقيق والمناقشة على مدار ثلاثة ايام كاملة، في ادانة او عدم ادانة وزراء ورئيس حكومة سابق معهم. ولإدانة المتهمين أو أحد منهم، فإنك تحتاج إلى ثلثي أعضاء مجلس النواب، وهذا يحتاج إلى 54 نائبا، فحصلت نقاشات ووصلنا إلى التصويت.
وفيما يخص رئيس الوزراء السابق طرحنا الأمر للتصويت بعد ثلاثة ايام من المناقشات، وعندها قلت للمجلس ان التصويت على هذه النقطة في ادانة رئيس وزراء او عدمه، هي منح للثقة، لان التصويت اما ان يكون برفع الايدي او بالوقوف او بالمناداة، ففسرت الموضوع انه ثقة بالحكومة، ويجب ان يكون بالمناداة، فالحكومة السابقة كالحالية. وهذا يعني أن تكون المواقف واضحة، والكاميرا تسجل موقف كل نائب.

*من الذين عارضوا توجهك في اعتماد آلية التصويت بالمنادة، هل هم نواب الكتلة الوطنية؟
-لا؛ ليست الكتلة الوطنية، بل كان هناك مجموعة من النواب، أما الكتلة الوطنية فكان رئيسها عبدالله النسور، وجاء وصوت بالادانة، لكن كان هناك كتل اخرى ترفض الادانة.
وعند التصويت كانت النتيجة ادانة الرئيس بـ48 صوتا، وبرأه 17، وحتى ينجح التصويت بالادانة، كان الأمر يحتاج إلى 6 أصوات أخرى.
وكذلك جرت الأمور بالتصويت على محاكمة باقي الوزراء المتهمين، وكلهم بُرئوا باستثناء وزير واحد، تمت احالته إلى القضاء، حيث تمت ادانته بـ52 صوتا.
بعد النتيجة، أصدر رئيس الوزراء السابق الذي تمت اتهامه وتبرئته بيانا قال فيه: "ظهر الحق وزهق الباطل"، فالمجلس اعتبر أن هذا طعن بالسلطة التشريعية، التي اعتبرها الرئيس السابق على باطل، وأنه على حق.
النواب اعتبروا أن فحوى البيان يمثل قدحا في مهمة المجلس، وتم تحويل القضية إلى المحكمة، أي بتهمة القدح والذم. وفعلا حولناه للمحكمة بهذه التهمة، وجرت محاكمته حسب الاصول في اربع جلسات، وانا دعيت في احدى الجلسات كشاهد وحضرت، ووجدت أن معه عددا من المحامين، من كبار المحامين في البلاد، وكان هو يجلس في القفص، وتمت محاكمته وتمت تبرئته.
الموضوع هنا بأهمية المبدأ، ومحاكمة رئيس وزراء سابق، ودخوله قفص الاتهام، وكان هذا يحدث للمرة الأولى في تاريخ الأردن، وهو عمل له معانيه ودلالاته.
*ذكرت جوانب مهمة من مشاريع القوانين التي أقرها مجلس النواب الحادي عشر، بالإضافة لجهوده في مجال مكافحة الفساد. هنا لا بد من تسليط الضوء أكثر على أعمال ذلك المجلس.
-يحتاج الحديث عن أداء المجلس النيابي الحادي عشر إلى كتاب كامل أو أكثر، لأهمية وحجم وتميز أداء هذا المجلس في الجوانب التشريعية والرقابية والسياسية، ولكن موقع هذه النظرات في كتاب مذكرات أو صفحات من حياة فرد لا تحتمل سوى الإشارات العامة أو الأفكار الرئيسية، التي يلزم ذكرها من باب ذكر الحقيقة والعبرة منها.
باستعراض سريع لمسيرة الأردن في ميدان العمل النيابي، أجد ان  المجلس الحادي عشر كان قمة سامقة في تاريخ الأردن من جانبي التشريع والرقابة، مع إحداث التغيير المميز في هذين الميدانين.
ألغى ذلك المجلس قوانين الطوارئ والأحكام العرفية التي سادت في القسم الأكبر للمسيرة النيابية، واستمرت ما بين أعوام 1957-1990، تلك القوانين التي استندت إلى مبررات دستورية غير مقنعة، والتي عانى منها الوطن والمواطن كثيرا، وأعاقت مسيرة الحريات التي ينشدها المواطن، والتي جاءت في النصوص الصريحة في الدستور.
كما تم إلغاء المحاكم العسكرية وتحويلها إلى محاكم مدنية يدخلها عسكريون عند الحاجة وليس العكس، كما حددت الصلاحيات بوضع نص واضح بجواز التمييز موضوعاً لأي حكم كان ومن أي محكمة عسكرية أو مدنية.
استطاع ذلك المجلس، بفضل أجواء الديمقراطية التي سادت البلاد، تفعيل النصوص الدستورية التي تتعلق بمحاكمة الوزراء، واستخراج قانون محاكمة الوزراء الذي يحكمه نص دستوري وتفعيله لأول مرة في تاريخ الدستور، مع عدم القبول بشروطه التي فيها تمييز وطبقية لا تتواءم مع مبادئ الدستور العامة والنصوص التشريعية الأخرى المتعلقة بهذا الموضوع، فللمرة الأولى في تاريخ الأردن تفعّل مواد الدستور والقانون المشار إليه، ويتم وضعها موضع التنفيذ في قضايا كانت غير متماشية مع الدستور، وتم تنفيذها من خلال دور مجلس النواب الذي قام بدور الإدعاء العام، وبحثها والتصويت عليها في المجلس النيابي حسب نص الدستور والقانون الخاص بذلك.
كما تم التشريع لمحاربة الفساد بصورة دستورية، وذلك بإقرار قانون "من أين لك هذا"، من قبل مجلس النواب، وتدخل مجلس الأعيان لتسميته قانون الكسب غير المشروع، وقد تم ذلك وأُقر من النواب مرة أُخرى وحُوِّل إلى مجلس الأعيان الذي تلكأ فيه إلى ما بعد ذهاب المجلس النيابي الحادي عشر وحفظه في المجلس الثاني عشر، حتى جاء المجلس الثالث عشر، حيث قام بإلغائه بقرار مشترك مع مجلس الأعيان ومن ذلك الوقت.
برأيي، فإن محاربة الفساد بصورة حقيقية تتطلب مجلسا نيابيا يضع قانوناً لمحاربة الفساد ثم يقوم بمتابعة تنفيذه وبدوره الرقابي على الحكومة وكل الأجهزة الأخرى، فوضع هذه الرقابة بيد غير المجلس المنتخب هي عبثية، لا تصل إلى كل ما نريد، أو هي تلهية أو استخدام جزئي لغايات محددة.
كما أقر المجلس حزمة قوانين الحريات، مثل قانون الأحزاب وقانون الإعلام وقانون نقابة المعلمين، الذي أقره مجلس النواب وعارضته الحكومة بتفسير مجلس الدستور بعدم دستوريته، مع ان قانون نقابة المعلمين كان قد وضع في العام 1954، وتم إلغاؤه بعد ذلك، وكان هناك نقابة للمعلمين في الضفتين حسب قانون العام 1954.
وبفضل أجواء الحريات، تمكن المجلس من إلغاء الموافقة الأمنية على تعيين الموظفين وما جاء في شرط إعطاء الثقة للحكومة من قبل الحركة الإسلامية كان نافذاً، كذلك عدم حجز جوازات السفر التي أفرج عنها وكانت بالآلاف.
وفي باب الرقابة، استطاع المجلس تشديد الرقابة على أبواب الصرف بعد إقرار الموازنة السنوية التي كانت متابعتها واعية ودقيقة، وكان من نتائج ذلك أن قُدمت موازنة العام الذي يليه خالية من العجز المتكرر في الموازنات السابقة، ولأول مرة في تاريخ الموازنات المتعارف عليها.
وللمجلس بصمة واضحة في مجال مواجهة تحديات حرب الخليج التي أثرت تأثيراً خطيراً على استيراد النفط، وبدأت الحلول التي لاقت تأييداً شعبياً فريداً، مثل أن الحكومة فكرت أو أعلنت نيتها تسيير المركبات يومياً على أساس الرقم الفردي أو الزوجي، ووجدت تأييداً شعبياً غير متوقع وغير مسبوق.
كما اتخذ المجلس مواقف سياسية فريدة ومستقلة حتى عن الدول العربية ذات المواقف المتشددة، حيث ذهبت الدول العربية في أغلبيتها إلى حفر الباطن، بينما رفض الأردن مسايرة الأميركان المحتلين في حرب الخليج، ووقف صامداً ورافضاً لكل المواقف المرفوضة شعبياً، حيث وقف الأردن مع العراق والسودان واليمن في موقف فريد عن بقية الدول العربية الأخرى ضد الاحتلال والهيمنة الغربية، وبالرغم من قرار الجامعة العربية الذي تم إملاؤه من الخارج كما ذكر زعيم إحدى الدول العربية آنذاك.
حتى على المستوى الإداري داخل المجلس، فقد تم ولأول مرة في إدارة مجلس النواب تكوين مكتب للمجلس ينظم أعمال المجلس، ويتألف من رئيس المجلس ونائبه وبعض أعضاء المجلس، وله صلاحيات إدارية يقرر فيها، بوجود أو عدم وجود رئيس المجلس، الدور لكل نائب في السفر أو الرحلات أو المؤتمرات.
كما تم تشكيل دوائر الحاسوب والبحث والتطوير وتنظيم المكتبة والأرشفة، وعقد الدورات الاستثنائية بصورة كاملة ومنتظمة، وغيرها من الأمور التنظيمية والإدارية، وبقية العدد الكافي من المؤهلين للقيام بهذه المهمات، وتجهيز مكاتب نواب الرئيس ومكتب المجلس بعد أن كانت اسمية أو غير موجودة.
وصدرت عن المجلس تقارير سنوية تبين إنجازات المجلس خلال عام، وهي موثقة ولكنها تحتاج إلى إظهار مدى التغيير الذي تم والذي أخذت بنهجه المجالس التالية.
لقد كتب الكثير حول أداء مجلس النواب الحادي عشر، منهم من أنصفه وأعطى الصورة الحقيقية إلى درجة ما، ولكن الكثير كتب بنية التعمية على آثار الخطط والمناهج وصرامة الأداء الذي تميز به هذا المجلس، والكل يعلم أن قوى الشد العكسي هي التي تولت الأمر بعد ذلك، ووضعت الخطط للتعمية على آثار هذا المجلس، كما أن بعض مراكز الدراسات، خصوصا الممولة خارجياً تجاهلت النقاط والمحطات الرئيسية في التغيير الذي أحدثه المجلس الحادي عشر.

 *برأيك؛ هل استطاع مجلس النواب الحادي عشر فعلا أن يجنب البلاد الضغوط الدولية التي كانت تتمثل بمطالب وضغوطات تمس بالسيادة الأردنية، خلال فترة الحرب على العراق؟
-هنا سأجيب على السؤال بموقف واضح وصريح، ولن أتحدث كلاما سياسيا عاما، في تلك الفترة كانت الضغوط على الراحل الملك الحسين كبيرة حتى يغير موقفه من دعم العراق ويغير موقفه الرافض للتدخل الأجنبي العسكري في حل قضية عربية عربية.
في تلك الفترة  استدعاني الراحل إلى مكتبه في الديوان الملكي، وأبلغني بأن الولايات المتحدة الأميركية تضغط عليه من أجل وضع نقطة تفتيش عسكرية أميركية في ميناء العقبة، لتفتيش السفن المحملة بالغذاء والدواء للعراق، وقد كان كلام الملك واضحا في أن الضغوط الدولية تزداد عليه، ورأيته فعلا متجهما.
بعد أن ابلغني الراحل بالأمر، خرجت مباشرة إلى مجلس النواب، وأعلنت عن انعقاد مؤتمر صحفي في اليوم نفسه، وأخذت هذا القرار على عاتقي ومن دون مشاورة أحد، وتحدثت هناك بأن مجلس النواب الأردني يرفض بشدة الضغوط الدولية التي تمارس على المملكة من أجل إضعافه في مهمته الإنسانية في دعم الشعب العراقي، وإيصال الغذاء والدواء إلى الأشقاء.
وتم الإعلان عن أن أي وجود عسكري أجنبي على الأرض الأردنية هو أمر مرفوض، وأن المجلس سيقف في وجه أي حكومة تسمح بذلك.
في اليوم التالي كانت تلك التصريحات هي "مانشيتات" للصحف المحلية والعربية وحتى الدولية، وبعد أن استخدم الراحل الحسين موقف مجلس النواب للرد على الضغوط الأميركية، بادرت الولايات المتحدة لعرض تفتيش السفن المتجه للأردن قبل وصولها إلى ميناء العقبة، وذلك عن طريق شركة خاصة اسمها (لويدز)، وفعلا كان في الموقف صون وحماية للسيادة الأردنية على أرضنا.

 * دعنا نتحدث عن جوانب مهمة من مسؤوليتك في رئاسة المجلس. ثمة مواقف كثيرة، وبالطبع يصعب حصرها، لكن هناك مواقف ما تزال في الذاكرة، كدعوتك لعقد دورة طارئة للبرلمان العربي لبحث قضية الفلسطينيين المبعدين إلى مرج الزهور.
-لقد تخاذلت مجالس نيابية تشريعية عربية عن مناصرة تلك القضية، حتى أن السوريين تململوا عند الطلب منهم استضافة الدورة الطارئة، ومباشرة عقدت النية على استضافتها في عمان، واعلنت ذلك للمكتب الدائم.
انعقدت الدورة وناقشت بندا واحدا فقط، هو "دعم قضية المبعدين الفلسطينيين إلى مرج الزهور"، وأسجل للأمير الحسن بن طلال موقفه من رعاية عقد الدورة في مجلس النواب، وكذلك سمو الأمير زيد بن شاكر الذي كان رئيسا للوزراء، حيث تكفلت الحكومة الأردنية بتحمل تكاليف عقد هذه الدورة على حسابها.
كانت تلك الدورة من انجح دورات مجلس الاتحاد البرلماني العربي، وكانت الحوارات والمواقف قوية وداعمة لاخواننا المبعدين.

*قبل أن ننهي حلقة اليوم، نود أن نبدأ بما سنبحثه في حلقة الغد. كان لكم موقف خلال مجلس النواب الحادي عشر، فبينما شاركتم في حكومة مضر بدران بذريعة الظروف السياسية، قاومتم حكومة طاهر المصري، وحجبتم الثقة عنها.
-الأمر ليس كما تقول؛ فحكومة مضر بدران كان لها موقف وطني في ظرف دقيق وحساس، وكان للرجل مواقف حاسمة من قضايا الفساد والإصلاح، وهناك قوى سعت فعلا لإسقاط حكومته بسبب مواقفه من قضايا إصلاحية جوهرية.
كما كان لتلك الحكومة موقف حاسم تجاه موقفنا الرافض لحرب الخليج وضرب العراق، وكان عندنا قوى محلية داخلية شعبية وغير شعبية، لا تتفق مع مضر بدران في سياسته. لذلك، هذه الأمور جعلتنا نقف موقفا مساندا للحكومة؛ ومشاركا أيضا في دفع الاذى عن البلاد وليس عن الأشخاص.
عندما يأتيك رئيس حكومة قاوم قوى محلية موجودة ترفض مكافحة الفساد، وأصر على موقفه من عرض الملفات على مجلس النواب للتحقيق فيها، وإحالة المتهمين إلى المحاكم، في سابقة هي الأولى من نوعها، فإنك تدعم جهوده وبرامجه لمصلحة المملكة، وليس لمصلحة حزب أو تيار أو قوى سياسية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الإثنين 26 ديسمبر 2016 - 0:52

الحلقة الحادية والعشرون

عربيات: عرفات طلب مني أن أدعم حزب العمل الإسرائيلي في الانتخابات


إلى تفاصيل مثيرة يأخذنا رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبد اللطيف عربيات اليوم، ويتحدث عن كواليس العلاقة بين نواب الكتلة الإسلامية وحكومة طاهر المصري.
وفيما يعيد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية عربيات موقف نواب كتلته من حكومة المصري على خلفية قرارها بالمشاركة في مؤتمر السلام الدولي في مدريد، فإنه يغمز على مواقف كتل نيابية أخرى عارضت المصري لأسباب غير سياسية.
ويكشف عربيات في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" الأجواء السياسية التي أفرزت قانون الصوت الواحد، وقصة حل مجلس النواب الحادي عشر، وسماعه بخبر الحل عبر الاذاعة الأردنية.
وإلى قصص أخرى ينتقل عربيات بين قصة منحه لقب "معالي" من دون أن يحمل أي حقيبة وزارية، وهي النتيجة التي كانت لأسباب لا يعلمها عربيات، لكنه يروي ما سمعه عن القصة.
وإلى جانب آخر من مواقف عربيات خلال رئاسته لمجلس النواب الحادي عشر، يكشف عن اتصال هاتفي جرى بينه وبين الراحل ياسر عرفات، طلب منه الأخير دعم عربيات لحزب العمل الإسرائيلي مطلع تسعينيات القرن الماضي، من خلال الطلب من عرب الأراضي الـ48 ذلك.
وينتهي عربيات في حلقة اليوم برواية قصة مشاركة جماعة الاخوان المسلمين في انتخابات العام 1993، رغم معارضتهم لتعديل قانون الانتخاب، واجراء الانتخابات الجديدة وفق قانون الصوت الواحد، الذي ما زالت الحركة الإسلامية تعارضه.
وكان عربيات قد تحدث في حلقة الأمس عن جهود مجلس النواب الحادي عشر في مكافحة الفساد، والمحاكمة النيابية الشهيرة لحكومات سابقة، وتفاصيل التصويت النيابي على تحويلهم للقضاء. وكشف عن تفاصيل دقيقة عن تلك المحاكمة وكيف تعامل معها مجلس النواب من حيث آلية التصويت وأرقام النتائج.
وروى عربيات في الحلقة طبيعة القرارات التي اتخذها المجلس الحادي عشر، وكيف أن دعم عملية التحول الديمقراطي في البلاد، على الرغم من الانقطاع الطويل للحياة السياسية.
وعن دور المجلس في التعامل مع الضغوط الدولية على الراحل الملك الحسين اثناء الحرب على العراق، يكشف عربيات عن تفاصيل جديدة عن دور المجلس في تخفيف تلك الضغوط عن الراحل الحسين، وطبيعة المواقف التي اتخذها هو كرئيس للمجلس.
وفيما يلي نص الحلقة الواحدة والعشرين:
توقفنا الحلقة الماضية عند موقفكم من حكومة طاهر المصري. لكن وحتى مع استمرار تداعيات الأزمة السياسية والاقتصادية، رفضتم المشاركة في حكومة طاهر المصري، التي جاء كتاب التكليف الملكي لها مشتملا على انتقادات للحركة الإسلامية وسيطرتها على وزارتي الأوقاف والتربية والتعليم.
-من حيث المبدأ، كان مجيء حكومة طاهر المصري مرتبطا بالذهاب الى مؤتمر مدريد للسلام. وكان هناك توجه واضح ان هذه الحكومة مكلفة بملف مفاوضات السلام مع اسرائيل.
النواب بحثوا هذا الأمر ومسألة الثقة اثناء تشكيل طاهر المصري حكومته، ونحن، كنواب الحركة الإسلامية، حجبنا الثقة، وأنا حجبت أيضا الثقة كنائب، لكن الحكومة نجحت واستمرت.
ثم بدأ التحضير لمؤتمر مدريد، وعندها تقدم بعض النواب من مختلف الكتل والتيارات بطلب حجب الثقة عن حكومة المصري، طبعا هناك أشخاص تقدموا بالطلب من أجل مدريد، وهناك شخصيات أرادت ذلك لأسباب أخرى، فعندما وصلتني العريضة، احتفظت بها، ولم اتخذ أي إجراء، لان هذه قضية تبحث في المجلس علنا، وليس عبر مذكرة.
نحن، كنواب للحركة، كان موقفنا واضحا من حكومة المصري، هو صديق لنا ونحترمه، لكننا اختلفنا معه على مسألة المشاركة في مؤتمر السلام، وعبر مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين.
نحن كنا ضد موقف الحكومة من مدريد، وهذا الكلام ناقشناه مع الراحل الملك الحسين، وأنا ابديت وجهة نظر الحركة الإسلامية، وبوجود رئيس الحكومة وولي العهد ورئيس الديوان، وقلت إن الأردن لن يحصل على شيء من مدريد.
فرد الراحل الحسين بأن العرب والفلسطينيين سيشاركون و ليس لدينا خيار آخر، فقلت القرآن يقول عن اليهود: "أم لهم نصيب من الملك، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا". وقلت لن تحصلوا على شيء، فسألني الراحل الحسين: إذا ما البديل؟ فقلت، هذا رأيي، ولا أملك ما أقوله سوى ذلك.

*موقفكم من حكومة المصري سمح له باستخدام قوى مناوئة لكم داخل المجلس، فكان الانطباع بأن حكومة بدران إسلامية، وحكومة المصري يسارية قومية. السؤال؛ لماذا الشغب النيابي على المصري ما دامت حكومته تحظى بدعم نصف المجلس زائد واحد؟
-حقيقة حكومة الأخ طاهر المصري شاركت بها قوى كثيرة، ونحن عارضناها، ثم بعد أن حصلت على الثقة بمدة، جاءت مذكرة نيابية تطالب بحجب الثقة عنه بسبب نية الحكومة المشاركة بمؤتمر مدريد للسلام، ومن سلمني إياها من النواب، صار رئيسا للوزراء فيما بعد، وليس كما يُقال إن من قدمها فقط نواب الحركة الإسلامية.
والحقيقة أنني لم أُعر الموضوع اهتماما واسعا، لعدم ايماني بالفكرة، والثانية أن المصري سجل موقفا عندما قال لجلالة الملك أنه يقدم استقالته على أن لا يتم اتخاذ قرار بحل المجلس، لأنه لا يريد أن يكون سببا في احباط وإفشال عملية التحول الديمقراطي في البلاد.
هذه حقيقة يجب ان توضح ان استقالة حكومة طاهر المصري لاسباب سياسية بحتة، وبسبب موقفه من مدريد، وهو بالنسبة لي صديق لكن موقفه بالذهاب الى مدريد كان موقفا مبدئيا له، ومعارضته موقف مبدئي أيضا عند الحركة الاسلامية.

*واستقالت حكومة المصري أمام هذا الوضع السياسي، وتكلف الأمير زيد بن شاكر بتشكيل الحكومة، وحجبتم الثقة عنه أيضا. وبعد مدة قصيرة انحل المجلس وأنت رئيسه، وتمت صياغة قانون الانتخاب الجديد بصوت واحد.
-الحقيقة أن قانون انتخاب الصوت الواحد والمجزوء هو صناعة خارجية، وتم إملاؤه علينا، والسفير الاميركي في عمان آنذاك، كانت معه نسخة قبل أن يتم اقراره رسميا.
السفير الأميركي، زار أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي الدكتور اسحق الفرحان وقتها، وطلب رأيه بالقانون.
فقال له الدكتور اسحق إن هذا لا يمكن قبوله. فقال السفير: لكن هذه هي الصيغة التي ستمر.
وأنا رأيي قلته أيضا، المشكلة ليست بقانون الصوت الواحد في أنه يحجم حصة الإسلاميين في أي مجلس نيابي منتخب فقط، لكن المشكلة تكمن في نوعية النواب الذين سيأتي بهم هذا القانون، فنحن في مجلس النواب الحادي عشر، لم نكن أغلبية، كنا فقط 22 نائبا، لكننا تحالفنا مع نوعية من النواب جاء بهم قانون يمثل الناخبين بشكل حقيقي، ويخرج نخبا حقيقية.
في تلك الفترة، قيل لنا إن حصتكم 15 % فلماذا نعطيكم قانونا يضاعف هذه الحصة في أي مجلس نيابي. فقلنا إن تلك هي إرادة الناخبين، فلا تتحكموا بها أو تصادروها، فالشعب انتخب، والشعب أعطى.
على مدار تاريخ الأردن، كان القانون ينص على أن الناخب ينتخب العدد المقرر له في دائرته الانتخابية، فجاء قانون الصوت الواحد ليقول أن الناخب يختار واحدا فقط من العدد المقرر له في دائرته الانتخابية، وهذا هو التشويه المتعمد لمنع أي كتلة كبيرة من الفوز في أي مجلس قادم.

*إذا، متى بدأ الجدل على القانون، وهل كان ذلك أثناء وجود مجلس النواب الحادي عشر، أم بعد قرار حله، وهل لمواقفكم سبب في تسريع العمل بقانون الصوت الواحد؟
-المشروع تم طرحه في أواخر أيام مجلس النواب الحادي عشر، في شهر نيسان (ابريل) من العام 1993، وصار الأمر معلنا بعد قرار حل المجلس في شهر آب (أغسطس) من العام نفسه، وكان هذا السبب وهو قانون الانتخاب الجديد هو مبرر حل المجلس.

*وكيف اتخذ الراحل الملك الحسين قرار حل مجلس النواب، وهل كنت بصورة القرار أو بموعده؟
-القرار كان للراحل الحسين، وأنا لم أكن بصورته، ولا أحد في مجلس النواب يعلم عن نوايا حل المجلس، والدعوة لإجراء انتخابات سريعة بموجب قانون انتخاب الصوت الواحد، وقد كنت في اليوم الذي اتخذ فيه قرار حل المجلس في مكتبي في مجلس النواب.
وقبيل الساعة الثانية بعد الظهر بعد الظهر بقليل تناهى الى مسامعي أن هناك حلا للمجلس، وبعدها سمعت خبر حل المجلس من الاذاعة الأردنية خلال نشرة الساعة الثانية.
وبعدها مباشرة أخذت أوراقي الخاصة وطلبت تكسي لإيصالي الى مكتبي وخرجت من المكتب، ولم أعلق على القرار، وكنت متفاجئا بأنني سمعت القرار عبر الإعلام، ولم أكن بصورة أي شيء.
والطريف في الأمر أن سائق سيارة الأجرة التي أقلتني من العبدلي إلى مكان منزلي وبعدما عرفني، رفض أن يأخذ اجرة الطريق، وقد اتعبني من شدة رفضه، إلى أن استسلم وأخذ أجرته وفوقها زيادة إكراما له ولخلقه.

*ونحن نغادر فصولك مع مجلس النواب الحادي عشر الذي ترأسته لثلاث دورات برلمانية، نود أن نسأل عن قصة منحك لقب "معالي"، وأنت من الشخصيات القليلة في البلاد التي حملت اللقب من دون أن تشغل حقيبة وزارة، على الرغم من استحقاقك لها على الأقل بحكم خبرتك الطويلة في وزارة التربية والتعليم؟
- شخصيا لست على اطلاع على القصة الحقيقية لصدور الإرادة الملكية بأن أحمل لقب معالي، وهو لقب؛ بالمناسبة، لم أطلبه ولم أسع له يوما في حياتي. ولم أكن أتأثر بأن الزملاء النواب كانوا ينادوني بعطوفة الرئيس، فيما هناك منهم من يحملون لقب معالي بحكم أنهم كانوا وزراء في حكومات سابقة، أو أنهم جاءوا وزراء في حكومات مضر بدران وطاهر المصري والأمير زيد بن شاكر خلال مجلس النواب الحادي عشر، كما لم انتبه للزملاء الذين كانوا ينادونني معالي الرئيس، وأنا لا أحمل اللقب.
لكن ذات مرة كنا في الديوان الملكي ولا أذكر المناسبة الآن، ولما صافحني الراحل الملك الحسين وقال: أهلا معالي الأخ"، لم أفكر في الأمر، وتجاوزته بسرعة، لأنه قد تكون زلة لسان .
ثم في نفس المناسبة ، تبادلت الحديث مع رئيس الوزراء وقتها مضر بدران، وقال لي: هل سمعت جلالة الملك ! هذه إرادة ملكية بمنحك اللقب، وأيضا لم أفكر في الأمر، وتجاوزته لأن كل هذا التفصيل لم يكن يعني لي شيئا، لأني مقتنع بنفسي وموقعي.

*حدثتني مرة عن موقف لك مع الراحل ياسر عرفات عندما طلب منك دعم حزب العمل في الانتخابات الإسرائيلية، وهي قصة لا تخلو من الطرافة، وفيها موقف سياسي أيضا من كليكما ا؟
- وفي تلك الأيام كان نائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني سليم الزعنون يزورني في مكتبي بمجلس النواب، ويلح علي بقبول دعوته على الغداء في منزله، وبقيت أحاول الإعتذار ، لا لشيء لكن بفعل ظروف العمل في المجلس، ومتابعة كل صغيرة وكبيرة في فترة سياسية حرجة كنا نمر بها.
ذات مرة زارني الزعنون وأصر علي بطلبه، وقال بأن الغداء سيكون لي لوحدي، ولن يأتي بأحد سواي، وأمام إصراره قبلت بالأمر لكن بالشرط الذي ذكره.
ولما جئت لبيته جلسنا  و بعدها بقليل وإذ بهاتف منزله يرن، فرفع الزعنون سماعة الهاتف وبدأ يتحدث وكان الراحل ياسر عرفات، ونقل السماعة إلي وقال: الرئيس ابو عمار يريد أن يتحدث معك.
استغربت، فتناولت سماعة الهاتف، وبدأت المكالمة بالمجاملات العامة، وإذ بأبي عمار يقول: يا دكتور نحتاج إلى كلمة منك للتأثير على إخواننا بأراضي الـ 48 ، من أجل التصويت  لصالح حزب العمل الإسرائيلي، وبرر ذلك بأن حزب العمل سيدعم استمرار مفاوضات السلام، فيما لو نجح الليكود فإن المفاوضات ستتعثر.
وهنا أنا ذهلت فعلا، وقلت له: سيادة الرئيس كيف تطلب ذلك مني!؟ ألا تعلم بمواقفنا من كل مبدأ المفاوضات مع المحتل، وكيف لي أن أتصل أنا بأي جهة و  أطلب منها الانحيازإلى طرف ضد آخر في معادلة الاحتلال الكامل للأراضي الفلسطينية، وأنهيت الاتصال عند هذا الحد، وفعلا كان طلبا غريبا، ولا أعلم ما هي الأسباب التي دفعت بياسر عرفات للقيام بذلك.

*بالعودة لقانون الصوت الواحد، وما دمتم ضده، فلماذا المشاركة العام 1993 في الانتخابات؟ وإذا أخذتم قرار المشاركة، فلماذا لم يستقل نوابكم من المجلس، خصوصا أنها مرحلة تعارضون فيها ما ذهبت إليه الدولة في موضوع السلام مع إسرائيل؟
-الراحل الملك الحسين طلب منا أن نشارك في تلك الانتخابات، وقالها لنا "ارجو ان لا تخذلوني وتقاطعوا". هذه حقيقة تاريخية. بالنسبة لي كنت مستهدفا في تلك الانتخابات، وزارني سفراء أجانب في بيتي وأبلغوني بأنني لن أنجح بالانتخابات.
أبلغت اخواني بالأمر، وكانوا يقسمون لي أن النتائج ستكون مضمونة، وأن نجاحي مؤكد. قلت لهم إنني متأكد من النتيجة في تلك الانتخابات، لأن معلوماتي كانت واضحة ولا مجال للشك فيها أمام هذا التطابق في الروايات التي تؤكد الخبر لي.
ومع ذلك أصرت الجماعة على قرارها، وأنا التزمت بالقرار. وفعلا نجحت، ولكن تم التلاعب في النتائج.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الثلاثاء 27 ديسمبر 2016 - 9:20

الحلقة الثانية والعشرون

عربيات: علاقتي بالراحل الملك الحسين لم تنقطع وظلت طيبة على الدوام


يكشف رئيس مجلس النواب الأسبق عبد اللطيف عربيات في حلقة اليوم عن تفاصيل عدم نجاحه في انتخابات العام 1993، التي جرت بعد اقرار قانون الصوت الواحد. ويستزيد عربيات في التفاصيل التي جرت بينه وبين الراحل الملك الحسين حول الأمر، حيث اشتكى من عملية تزوير النتائج.
ويروي القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية قصة عضويته في مجلس الأعيان بعد تلك الانتخابات، وأبرز مواقفه خلال جلسات المجلس، والتكتيك السياسي الذي اعتمده، فيما يروي قصته مع قانون معاهدة السلام، وأسباب غيابه عن جلسة التصويت على القانون.
ويذهب بنا عربيات في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" إلى انخراطه بالعمل الحزبي سياسيا بعد خروجه من مجلس الأعيان، ويكشف عن تفاصيل استكمال بناء حزب جبهة العمل الإسلامي في تلك الفترة.
وكان عربيات تحدث في الحلقة الماضية عن كواليس العلاقة بين نواب الكتلة الإسلامية وحكومة طاهر المصري.
وأكد عربيات موقف نواب كتلته من حكومة المصري الذي جاء على خلفية قرارها بالمشاركة في مؤتمر السلام الدولي في مدريد، وغمز على مواقف كتل نيابية أخرى عارضت المصري لأسباب غير سياسية.
كما كشف عربيات عن الأجواء السياسية التي أفرزت قانون الصوت الواحد، وقصة حل مجلس النواب الحادي عشر، وسماعه بخبر الحل عبر الاذاعة الأردنية.
وتنقل عربيات بين قصة منحه لقب "معالي" من دون أن يحمل أي حقيبة وزارية، وهي النتيجة التي كانت لأسباب لا يعلمها عربيات، لكنه روى ما سمعه عن القصة.
وإلى جانب آخر من مواقف عربيات خلال رئاسته لمجلس النواب الحادي عشر، كشف كذلك عن اتصال هاتفي جرى بينه وبين الراحل ياسر عرفات، طلب منه الأخير دعم عربيات لحزب العمل الإسرائيلي مطلع تسعينيات القرن الماضي، من خلال الطلب من عرب الأراضي الـ48 ذلك.
وفيما يلي نص الحلقة الثانية والعشرون:
*توقفنا في الحلقة الماضية عند قرار مشاركتكم في الانتخابات العام 1993، ونريد أن نفتتح حلقة اليوم بسؤالك عن أسباب عدم نجاحك في تلك الانتخابات، وهل تعرف الطريقة التي تم اتباعها وأدت إلى هذه النتيجة في تلك الانتخابات، أم أنك استمعت فقط لإشاعات ومقولات لأشخاص من حولك؟
- كان أثر الصوت الواحد، أو التدخل المباشر في النتائج المعلنة، سببا فيما حدث، وهذا أمر مكشوف لدى كل متابع. أبلغني المحافظ عن طريق اثنين من أصدقائي، وحتى من مسؤول كبير في الداخلية، بتزوير الكشوف المعلنة للانتخاب. اتصلت بابن عمي الأخ بشير أحمد عربيات، وطلبت منه تصوير اللوحة المنصوبة داخل المدرسة الشاملة مكان الفرز المركزي المعتمد من الحكومة، لأنني علمت أن النتائج المعلنة تخالف ما كان مكتوباً على اللوحة المشار إليها.
ذهب الأخ بشير ليقوم بالتصوير، فتم إلقاء القبض عليه وإيداعه التوقيف لدى الشرطة.
علمت بذلك وأنا في عمان، ووصل معها خبر أن بشيراً قد أصابته جلطة أثناء ذلك. اتصلت بالمحافظ وتكلمت معه بانفعال شديد، وقلت: سأحملك كامل المسؤولية.
بعد مدة قصيرة، اتصل بي المحافظ، وقال: ها هو الأخ بشير في مكتبي، وأنا أقدم له القهوة ولم يحصل له أي شيء بإذن الله.
اتصلت برئيس الوزراء، فقالوا إنه خارج الرئاسة، واتصلت بوزير الداخلية، فأخبروني أنه لم يصل بعد. بعدها، اتصلت بالديوان الملكي، وطلبت سيادة الشريف زيد بن شاكر، فقالوا إنه مسافر.
كان الوقت في حدود الحادية عشرة صباحاً. كان عندي عدد من الأصدقاء، منهم قضاة ومحامون، وإذا بجلالة الملك حسين رحمه الله يتصل بي، ويسألني: هل سألت عن الشريف زيد؟
فقلت: نعم، وأود مقابلة جلالتك.
فقال: الآن، وأنا بانتظارك.
ذهبت إلى زيارة جلالة الملك الراحل، الذي استقبلني بترحاب. شكوت له بما لدي من معلومات وحقائق تمت في عملية إعلان النتائج المخالفة لما تضمنته التقارير الرسمية في المحافظة والوزارة. وطلبت أن أطلع على ما لدى المحافظ في التقرير الثلاثي والموقع لديه.
حاول الملك الحسين بكل لطف تخفيف الأمر، ثم قال لي: أرغب في أن تكون عضوا بمجلس الأعيان. حاولت الاعتذار متعللا بحاجتي للراحة، لكنه أصر، رحمه الله، على ذلك. وبعدها صدرت الإرادة بتعييني في مجلس الأعيان.
لكني أؤكد بأن تأخير إعلان النتائج حتى السابعة صباحا، وعدم حصولي على الكشوفات التي توضح عدد الناخبين في كل الصناديق، ونتائج الفرز لكل صندوق، كل ذلك كان وراء التلاعب بنتائج الانتخابات التي لم أنجح بها في العام 1993.
*وهل تم احتواء غضبك بمنحك عضوية مجلس الأعيان؟
- الحقيقة أن علاقتي بالراحل الملك الحسين لم تنقطع، وبقيت علاقة طيبة.
في يوم الانتخابات، تبلغت من المحافظ، ومن آخرين من كبار المسؤولين، بأنني ناجح، وبعد أن تبلغت انقطعت الأخبار. وعند إعلان النتائج صباح اليوم التالي، كانت النتائج مختلفة تماما.
لكن الغريب أن الجميع أكد لي بأنني ناجح ومن أوائل الناجحين في دائرتي في محافظة البلقاء، حتى أن المحافظ طلب مني أن أمنع شبابا في المنطقة من إطلاق الأعيرة النارية فرحا بالنتيجة.
قد يكون كل ذلك سببا من أسباب عضويتي في مجلس الأعيان، وأنا في وقتها لم أكن غاضبا، ولم أطالب بأي شيء لي، بل كانت كل مطالبي تتمثل في العودة عن قانون الصوت الواحد وآثاره الكارثية على المجتمع، وواقعنا اليوم يؤكد الآثار الكارثية التي خشيناها منذ البداية.
* في الخاطر سؤال حول حجم التهويل من وجود الإسلاميين في السلطة، وكان لك موقف من ذلك ما تزال تنادي به، برأيك لماذا هذا التخويف منكم؟
- الأمر في غاية البساطة، وهو موقف يشرح كل ما نسمع به اليوم. في احدى المرات عندما استدعاني الملك الراحل الحسين إلى الديوان الملكي، جلسنا وتحدثنا، وإذ به يخرج ملفا من درج مكتبه، ويقول: اقرأ ماذا يقول أخوك فلان، وفلان وفلان.. إلى آخره.
تحدث الملك الراحل طويلا عن مضامين الملف، وعن كل ما يجول في خاطره، وبعد أن أنهى لي ملاحظاته، سألت جلالته: كم عدد الذين يتحدثون بمثل هذا الكلام من الجماعة؟ أربعة خمسة ستة، عشرة؟. ثم قلت له: "يا سيدي هالآلاف الثانيين مش بعينك، وهؤلاء فقط الذين توقفت عندهم". رحمه الله، نظر إلي وابتسم، وأغلق الملف وانتهى النقاش.
لذلك، ما أزال أقول: لا تقدموا القلة على الكثرة، ولا تعادوا الجميع لأن بعضهم أساء الحديث أو أخطأ التقدير أو العمل.
* دعنا هنا نتحدث عن جانب من عملك البرلماني من خلال عضويتك في مجلس الأعيان، وقدرتك على المناورة السياسية، وسط أغلبية من رجال الدولة الرسميين؟
- ما أذكره في هذا المقام واضح، وهو القدرات الذاتية على المناورة ضمن المساحات المحدودة، وأذكر ذات مرة أننا أردنا التصويت على مشروع قانون مقاومة الماسونية، وكان رأي أغلبية اللجنة القانونية مخالف لموقف الأقلية، ونحن ثلاث فقط ضد تصويت الأغلبية.
في جلسة الأعيان تحت القبة، قدمت مداخلة ذكرت فيها أين وصل مجلس النواب السابق في مناقشاته للقانون، والمأمول من مجلس الأعيان الحالي في إكمال مناقشاته.
فأصر الأعيان على موقفهم الرافض لموقف النواب في مناقشة القانون. أراد رئيس المجلس التصويت مباشرة على مقترح اللجنة القانونية، وطلب التصويت على رأي الأغلبية في اللجنة، فقدمت نقطة نظام، وعدت فيها إلى النظام الداخلي لمجلس الأعيان، وذكرت أن التصويت يجب أن يكون على المقترح الأبعد وليس الأقرب، وأوضحت بأن الأبعد هو رأي الأقلية، فالتزم الرئيس بنص النظام الداخلي.
وهناك طلب الرئيس أولا بالتصويت على رأي الأقلية، ولم ينتبه الزملاء الأعيان أن التصويت هو لصالح الأقلية، فجميعهم رفعوا أيديهم، ظنا منهم أن هذا التصويت لصالح الأغلبية.
لكن أود أن أذكر بموقفي مثلا من قانون نقابة الفنانين، وكيف أن نقيب الفنانين في وقتها عروة زريقات تفاجأ من موقفي الداعم للقانون، والداعم للنقابة، حتى أنه جاء وشكرني بعد انتهاء الجلسة، لأن موقفي تقدم على كثير من مواقف الزملاء في مجلس الأعيان.
القصة أنني تصفحت مشروع القانون وفكرت كيف اتعامل معه، فقلت لنفسي أيهما أفضل أن ينص القانون على طبيعة الفن ويضع له ضوابط، أم يترك الأمر سائبا وبدون ضوابط، فقررت أن يكون ذلك من خلال قانون خاص من الحكومة، بخلاف ما كان يريده أعيان من أن يكون ذلك من خلال نظام وليس بقانون.
وفعلا تحدثت أمام اللجنة القانونية بقناعتي، ودافعت عن فكرة أننا بحاجة لقانون يضبط الفن من خلال بنوده، وفعلا تفاجأ الزملاء من موقفي لأنهم كان لديهم تصور مسبق برفضي للقانون وبنوده، فجاء نقيب الفنانين وقتها الأخ عروة زريقات وشكرني.
* قد يكون من الطبيعي أن لا تكون مواقفك بارزة في مجلس الأعيان، خصوصا في زحام الأغلبية الرسمية، لكن؛ ماذا عن تصويت مجلس النواب وأنت كعضو في مجلس الأعيان على قانون اتفاقية وادي عربة؟
- الحقيقة، أن الصدمة الكبرى كانت إقرار قانون الانتخاب ذي الصوت الواحد، وبالتالي تراجع حصة الإسلاميين في المجلس. صحيح أن الفرق ليس كبيرا بين المجلسين؛ ففي المجلس الحادي عشر كنا 22 عضوا، والثاني عشر 17 عضوا، لكن المشكلة كانت لنا في نوعية مخرجات المجلسين وفق القانونين.
نوعية النواب لعبت دورا مهما في صناعة التحالفات، نحن لم نكن أغلبية في مجلس النواب الحادي عشر، لكننا قدنا المجلس في ثلاث دورات متتالية.
نوعيه المجلس بأعضائه المنتخبين بموجب القانون الاول يختلف عن نوعية المجلس بنوابه المنتخبين بموجب قانون الصوت الواحد، ولهذا فإن اخواننا في مجلس النواب لم يكونوا متأملين ان ينجحوا بأي تصويت، وفعلا فقد حاولوا جس النبض مع زملاء لهم، لكن النوعية تختلف تماما بين المجلسين.
طبيعة قانون الصوت الواحد، تم تصميمه لكي لا يصل الاسلاميون الى الاغلبية، او حتى قريب من الاغلبية، ولكي تكون بقية الاعضاء من النواب هم من الطرف الاخر المضاد، وليس من النوعية التي يمكن ان نتعاون معها.
وأستطيع أن أضرب لك مثالا واقعيا حصل معي، وكما ذكرت سابقا، فحين كنت رئيسا لمجلس النواب، كان معنا في المجلس تسعة نواب مسيحيين، 7 منهم صوتوا معي في انتخابات الرئاسة، وبسهولة، و2 فقط صوتا ضدي.
وحتى من النواب القوميين ايضا، كانت لدي أصوات منهم، حتى العشائر، فبسبب أن لهم ممثلين حقيقيين منهم، كان معي عدد من نوابهم. وحتى الكتلة الاسلامية المستقلة المشكلة من ٨ أو٩، كذلك، كنا نستطيع أن تتحالف معهم على البرامج والأهداف.
الحكومة، في وقتها، وحين سعت لدعم سليمان عرار رحمه الله ضدي، وطلبت من النواب الوزراء التصويت لصالحه، لم تستطع، حتى أن يوسف مبيضين، وكان وزيرا، رفض قرار الحكومة، وقال: كيف تطلبون مني ان لا أمنحهم صوتي، وهم من رشحني في العام السابق لانتخابات رئاسة المجلس!.
كذلك الكتلة الوطنية التي كان يرأسها الدكتور عبدلله النسور، وفيها طاهر المصري وسليمان عرار، فحين اجتمعت بالكتلة ناقشوني وناقشوا سليمان عرار، وأخذنا مساحة متساوية في عرض الأفكار والبرامج أمامهم. حين ناقشوني، أجبت بقناعاتي، وبعدها جاءني أبو بكر العدوان وعطا الشهوان ومعهم سمير قعوار، فوقف عطا شهوان معلنا بأنه وقعوار والعدوان سيصوتون لصالحي.
نستطيع اليوم أن ننظر إلى تلك الرجولة في اتخاذ الموقف والإعلان عنه، فنوعية النواب تختلف كثيرا. لذلك، فانا أقول بأننا نجحنا في المجلس الحادي عشر لعدة اسباب، منها الادارة لهذه الدورات، ومنها نوعيه النواب. كتلة اليساريين والقوميين كان عددها نحو 11 عضوا، وكنت ألتقي بهؤلاء الأعضاء وأناقشهم.
قانون الصوت الواحد هو الأخطر، ليس لأننا أحرزنا عدد مقاعد أقل، بل لأن نوعية الناس تغيرت، وهي النوعية صاحبة الأغلبية.
* هل تبرر بذلك ضعف تأثيركم خلال جلسة التصويت على قانون المعاهدة؟
- لا؛ لكن الإسلاميين محبطون من نوعية مجلس النواب، وقدرتهم في التأثير عليه، ومصدومون من نتائج قانون الصوت الواحد. هذه حقيقة جعلت الاسلاميين لا يظهرون بمظهر القوة الحقيقية الرافضة لوادي عربة، حتى أنا في مجلس الاعيان عند مناقشة القانون، كنت فعلا بالمستشفى، ودخلت المدينة الطبية للعلاج، وأجريت قسطرة علاجية.
* لكن نواب الحركة الإسلامية لم يصوتوا على القانون، واختاروا الانسحاب من الجلسة؟
- الآن لست متأكدا، لكنني أذكر أنهم انسحبوا من الجلسة احتجاجا على رئاسة المجلس وطريقتها في إدارة مناقشات بنود القانون والتصويت عليه.
* بعد انتهاء عضويتك في مجلس الأعيان، انخرطت في العمل الحزبي كقيادي في حزب جبهة العمل الإسلامي. ماذا عن تلك الفترة؟
- انا لم انقطع عن العمل بالحركة الاسلامية الا اثناء وجودي كرئيس لمجلس النواب، فعندما انتخبت رئيسا كنت رئيس الكتلة، فقلت للإخوان بأنني الان رئيس مجلس، ولست رئيس كتلة، وطلبت منهم انتخاب رئيس كتلة جديد.
هذه فعلا قناعتي، لانه لا يصح الجمع بين الموقعين. والحقيقة أننا أسسنا حزب جبهة العمل على أسس ثابتة، واخترنا مفردة الجبهة لتكون معنى حقيقيا لجبهة عريضة تستوعب الجميع؛ مسلما ومسيحيا وقوميا وإسلاميا.
لقد كانت مبادرة حقيقية، وكانت الأولى من نوعها في العالم العربي والاسلامي كله، ولا مثيل لها، وما يتحدث عنه الناس اليوم بأن تونس هي السباقة في هذا المجال، أخالفه لأننا وقبل أكثر من 20 عاما سبقنا في التجربة وفي التطبيق.
والاستاذ راشد الغنوشي نفسه قالها في ذلك الوقت "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لاخذت نهج اخواننا في الاردن الذين أنشأوا جبهة العمل الاسلامي".
وهي جبهة انشئت بمفهوم الجبهة لكل الناس ليست لفئة معينة. وإمعانا منا في إنجاح التجربة، أسسنا ائتلافا لأحزاب المعارضة، وانتخبنا المرحرم ذوقان الهنداوي رئيسا له، وقصدنا ان يكون واحدا بعثيا هو الرئيس، حتى نتعاون مع الجميع.
ومن هناك أيضا أمضينا يوما كاملا مع ممثلين عن حركة القوميين العرب، والذين كان يتزعمهم حمد الفرحان رحمه الله الذي كان من زعماء ومؤسسي الفكر القومي العربي، وتحاورنا عبر جلسات متعددة ومحاور مختلفة، ووصلنا إلى نتيجة عبر عنها هو بقوله: نحن شيء واحد؛ العروبة والاسلام روح وجسد، لاننا اذا فصلنا واحدة عن الأخرى، تصبح الروح بدون عمل والجسد جثة هامدة.
وبذلك كسبنا الائتلاف القومي الاسلامي، الذي شكل لاحقا ائتلاف أحزاب المعارضة، والذي يجتمع منذ العام 11993 بهذا الاسم، ويشمل كل الحزبيين الشيوعيين والبعثيين والقوميين والاسلاميين، ليستمر في عمله لأكثر من 20 عاما.
كان العمل يجري بطريقة ميسرة، فإذا كانت القضية اقتصادية، طلبنا من الدكتور منير حمارنة الشيوعي، كتابة البيان، ونعطيها لحمزة منصور الإسلامي لصياغتها، وينشرها باسم الجميع. هذا النوع من التعاون لم يحصل في بلد ثان.
لقد تجاوزنا ذلك أيضا حين فكرنا في أن نكون ائتلافا مع حزب البعث السوري الاشتراكي، خصوصا وأننا صرنا ائتلافا مع بقية الأحزاب القومية واليسارية، وجدنا معارضة من بعض المشايخ داخل الحركة الإسلامية، ومع ذلك ذهبنا لإبرام اتفاقية مع حزب البعث العربي الاشتراكي، وقلنا للبعثيين السوريين في دمشق نحن نرسل الامين العام، على أن يستقبله الامين العام من طرفكم، وفعلا هذا ما حصل وغادر  الدكتور اسحاق الفرحان الامين العام وحمزة منصور واتفقوا على ان يقام تعاون واضح جلي.
* تقصد هنا إخوان الأردن مع البعث السوري الداعم لحافظ الأسد وقتها، فهل هذه مصالحة تاريخية؟
- للأسف قصر إعلامنا ولم يوضح صورتنا، هذا مثال أقدمه، فقد قاومنا بعض المعارضين من داخل الحزب، وكانت حجتنا أن هذا حزب وجبهة سياسية، ليس له علاقة بمخاوف وتشدد البعض، ولما تم توقيف أخونا علي ابو السكر، على الحدود السورية اللبنانية، كنت أمينا عاما للجبهة، كتبت ورقة "إلى من يهمه الأمر"، إن السيد المهندس علي أبو السكر عضو في جبهة العمل الإسلامي في الاردن ووقعت على الكتاب وختمته بختم حزبنا، فأخرجوه فورا.
ما قلته واقع وعشناه، حتى أن أخونا في لبنان فتحي يكن أخذ من تجربتنا، ونقلها إلى لبنان، وحتى اخواننا في الجزئر قاموا بتأسيس جبهة عمل اسلامي، وفي المغرب أيضا حتى ولو باسم مختلف، لكن المفهوم واحد.
وعندما سمعت جماعة باكستان عن تجربتنا، زارنا رئيس الجماعة الاسلامية في الباكستان القاضي حسين، وطلب منا نسخة من نظام جبهة العمل الاسلامي، وطبقه في باكستان.
ما أود قوله، هو إننا في جبهة العمل الإسلامي وفي مرحلة خطرة، حكمنا على أنفسنا بالتعددية، وتداول السلطة، فكنا قد وضعنا مدة الأمين العام سنتين فمددناها إلى 4 سنوات، فاستلم عندنا اسحق الفرحان، ومن قبله اخونا احمد قطيش الأزايدة رحمه الله، ثم أنا، وبعدي حمزة منصور، وبعده زكي بني ارشيد، اشخاص كلهم امناء عامون، وهذا لا يتوفر في أي حزب آخر. وانظر عندنا للأحزاب العلمانية الديمقراطية التي تستمر القيادة فيها مدى الحياة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الأربعاء 28 ديسمبر 2016 - 6:25

الحلقة الثالثة والعشرون

عربيات: أنا دائما مع المشاركة بالانتخابات وأرفض المقاطعة


يكشف رئيس مجلس النواب الأسبق الدكتور عبداللطيف عربيات في حلقة اليوم تفاصيل أول لقاء لقيادات من جماعة الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي مع الملك عبدالله الثاني عندما تولى سلطاته الدستورية.
ويؤكد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية أنه جرى خلال اللقاء ملاسنات بين بعض القيادات ومدير المخابرات في وقتها سميح البطيخي، وأن عربيات تدخل لحسم الجدل الذي حصل خلال ذلك الاجتماع.
وفي حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد" يؤكد عربيات مجددا أن قانون الصوت الواحد لم يحبط وجود نواب الحركة الإسلامية تحت قبة البرلمان، بل أنه أضعف مخرجات صناديق الاقتراع، من خلال نوعية النواب أنفسهم.
كما يتطرق عربيات إلى مواقفه داخل لجنة الأجندة الوطنية، التي كان عضوا في لجنة المحور السياسي فيها، وأسباب الانقلاب على التوافقات بإدخال تعديلات جوهرية على المشروع المقترح.
وكان عربيات كشف بحلقة أمس عن تفاصيل عدم نجاحه في انتخابات العام 1993، التي جرت بعد إقرار قانون الصوت الواحد. وتحدث عن التفاصيل التي جرت بينه وبين الراحل الملك الحسين حول الأمر، حيث اشتكى من عملية تزوير النتائج.
وروى القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية عربيات قصة عضويته في مجلس الأعيان بعد تلك الانتخابات، وأبرز مواقفه خلال جلسات المجلس، والتكتيك السياسي الذي اعتمده، فيما روى قصته مع قانون معاهدة السلام، وأسباب غيابه عن جلسة التصويت على القانون.
وذهب عربيات إلى انخراطه بالعمل الحزبي سياسيا بعد خروجه من مجلس الأعيان، وكشف عن تفاصيل استكمال بناء حزب جبهة العمل الإسلامي في تلك الفترة.
وفيما يلي نص الحلقة الثالثة والعشرون:
* نبدأ اليوم بمرحلة جديدة، بعد انتهاء عضويتك في مجلس الأعيان، وفي السياق السياسي العام استمر احتدام المواقف السياسية بينكم وبين المؤسسة الرسمية. فهل كان ذلك بسبب قانون الصوت الواحد، وموقفكم من تباطؤ عجلة الإصلاحات السياسية في البلاد، بسبب قوى الشد العكسي وبسبب التشنج الرسمي من فكرة العمل السياسي المنظم بإطار حزبي؟

- دعني أقول بداية إن مرحلة مجلس النواب الحادي عشر انتهت بانتخابات العام 1993، بعد تطبيق قانون الصوت الواحد الموحى به من الخارج، وهو القانون الذي أرخ بداية الانقسام بين جبهتين داخل البلاد.
فقانون الصوت الواحد مصمم خارجيا ومطبق داخليا، وكان الهدف منه إبقاء الإسلاميين بحجم قليل، دون أن يتمكنوا من القيادة. على أن تكون البقية من أعضاء مجلس النواب تابعة لجهات أخرى.
وأكررها هنا نحن كنا نريد مقاطعة انتخابات العام 1993،  لكن الراحل الملك الحسين طلب منا أن لا نقاطع وأن لا نخذله، فشاركنا. وجاء منا 17 نائبا، لكن بقية المجلس ليس لنا رصيد فيه، فنوعية النواب اختلفت، وبالتالي لن يكون لنا أثر لا بـ 22 نائبا ولا بـ17 نائبا، لأن نوعية الأعضاء تغيرت جذريا بسبب افرازات القانون.
تلك العملية كانت مفترق طرق، فكانت طروحاتنا واضحة، نريد المشاركة، لكن لا نريد إضعاف السلطة التشريعية بموجب قانون الصوت الواحد.
تفاقمت الأمور، فممارسة التضييق على الحياة السياسية من جهة، ومن جهة أخرى فصل صورة المسيرة السابقة عن اللاحقة بنوعية الناس الذين دخلوا على مجلس النواب.
نوعية النواب الفائزين عن القائمة المفتوحة بقانون الانتخاب، ليست كنوعية الفائزين بموجب قانون الصوت الواحد.
في انتخابات العام 1997 كان لنا موقف من المشاركة، لكن الاستفتاء الداخلي كان مع المقاطعة، ثم شاركنا في العام 2003، من منطلق أننا ومهما كانت حصتنا في المجالس النيابية فهي رصيد شعبي لنا، ومنبر سياسي نستخدمه لإيصال صوتنا.
إلى أن جاءت كارثة انتخابات العام 2007، الكارثة من ناحية تدخل الحكومة المباشر، وباعتراف كبار المسؤولين، وهو ما ساعد على تعزيز الشرخ في المواقف بين أطراف العملية السياسية.

* لنواصل بالسياق الزمني، فمع نهاية القرن الماضي وبداية الألفية، انتقل العرش من الراحل الحسين إلى الملك عبدالله الثاني، ومع ذلك استمر موقفكم السياسي من رفض الإصلاحات؟
- ما أريد قوله إن توتر العلاقة أو برود العلاقة هنا، سببه استمرار تطبيق قانون الصوت الواحد. فنحن عند وفاة الراحل الملك الحسين قمنا بالتعزية لاعتبارنا حالة في المعادلة الوطنية الأردنية، ونحن معنيون بهذا الوطن أن يكون مستقرا وآمنا، حتى خالد مشعل شارك في الجنازة والتعزية.
في المقابل وبعد تسلم الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، طلبنا مقابلته، ولم تتم المقابلة إلا بعد أشهر. كان مدير المخابرات في وقتها، هو سبب التسويف والمماطلة. لأنه يحمل فكرا معاديا للحركة الاسلامية، وكان فعلا لا يريد ان يكون لقاء لنا مع الملك الجديد.
والملك بعد أن عرف عن طلبنا لموعد معه، يبدو أنه أوعز لمدير مخابراته أن يرتب اللقاء في العام 1999، فاتصل مدير المخابرات مع مراقب عام الجماعة في وقتها عبد المجيد الذنيبات وطلب منه أن يأتيه إلى مكتبه لبحث محاور اللقاء، فأجابه الذنيبات بأنه يفضل أن يلتقيا في مكتب رئيس الوزراء آنذاك عبدالرؤوف الروابدة.
تفاجأ الذنيبات برد مدير المخابرات الذي قال: إيش المشكلة بمكتبي؟ فرد الذنيبات بأدب وقال: لا؛ لكن بصفة ابو عصام صديقا للطرفين، وانتهت المكالمة بالحدية بينهما، وأغلقت الهواتف.
والحقيقة أن اللقاء تم فعلا بناء على طلب الملك، وحضرته بصفتي أمينا عاما للحزب، وحمزة منصور بصفته نائبي، والذنيبات بصفته مراقبا للجماعة، وعماد أبو دية بصفته نائبا للمراقب، ولما دخلنا تفاجأنا بأن رئيس الوزراء ليس موجودا، وانضم لنا لاحقا، وعلى ما يبدو أنه لم يكن بالصورة، وأن ذلك من ترتيب مدير المخابرات.
وبدأ النقاش بحضور الملك، الذي أعطى الكلام لمدير المخابرات في البداية، وبدأ بالحديث بكلام غير دقيق إطلاقا، وبدأ يتهم الجماعة والحزب بأن لديهم أملاكا تصل قيمتها مليارات، ومواقع تجارية ومواقع اجتماعية، وأننا نستخدمها لمصالحنا.
هنا؛ قاطعت مدير المخابرات، وقلت له: أتحداك بأن كل المؤسسات الموجودة تابعة للرقابة الشديدة حكوميا، وأننا لا نتصرف بفلس للجماعة، فرد بالقول: انا ما قصدت الاستفادة الشخصية، وانما لخدمة الحزب والجماعة. فقلت: لا هذه ولا تلك.
من هناك بدأ الحوار ساخنا، والأصوات ترتفع، وبحضور الملك الذي سمع من الجميع، واستمر الاجتماع لنحو ساعتين، وجرت ملاسنات بين جميع الأطراف رئيس الوزراء ومدير المخابرات من جهة، ونحن من الجهة المقابلة.
وأمام طول مدة النقاش، وجدت أننا أحرجنا الملك، فقلت جلالة الملك: أنت استمعت للطرفين الآن على مدى طويل فأنت جلالتك توعز بما تراه مناسبا. فأنهى الاجتماع وشكر الجميع، وغادر.
العلاقة مع الملك عبدالله الثاني لن تنقطع، وتحسنت مع تغيير مدير المخابرات بعد تلك الفترة. ورغم وجود منغصات إلا أننا ما انقطعنا عن لقاء الملك في أي مناسبة ندعى إليها.

* وبعد هذا الاجتماع بفترة، تم إبعاد قادة حماس عن الأردن، فهل توج ذلك المشهد المحتدم بينكم وبين المخابرات؟
- صحيح؛ لكن كان القرار أمنيا، وبعد القرار بيوم خرج رئيس الوزراء مبررا قرار الإبعاد، وهذه القضية أخذت فترة طويلة من الشد والجذب بين الجماعة والحكومة، وفتور العلاقة زاد عما سبق، ولكن بقيت الامور بحدودها ولم تخرج عن السيطرة، فلم تتجاوز الحدود المقبولة بين الجهتين والكل يقدر الطرف الآخر، لكن مع وجود خلاف، وهو حول إجراءات منها إخراج جماعة حماس من عمان.

* لكن هناك من يقول إن كل هذه المظاهر من الشد والشد المضاد، أثرت على حراككم في الشارع خلال أحداث الانتفاضة الثانية؟
- ليس كما تصورونه، لكن الشد والشد العكسي كان موجودا بيننا وبين مؤسسات في مركز القرار، وقصة مهرجان المحطة هي الدليل على ما أقوله، وكيف تتعامل بعض المؤسسات مع مطالب حزبية ونشاطات حزبية لها اتصال فقط بالعمل السياسي، وبعيدا عن المناكفات.
إن رؤية جلالة الملك في مثل تلك المواقف متقدمة على الحكومات، فالملك واضح ومباشر في حديثه، لكن هناك تقديرات أمنية وسياسية من الحكومات وأجهزتها وقوى الشد العكسي بشكل خاص.

* وهل مشاركتكم في انتخابات البلديات التي جرت قبل الانتخابات النيابية في العام 2003، كانت لتحسين العلاقة مع مراكز القرار في الدولة، فقد دعمتم إجراء تلك الانتخابات، وشاركتم بزخم؟
- لا؛ كل ما في الأمر هو توفر إرادة في إجراء انتخابات بلدية نزيهة، وفعلا الممارسة العملية والنتائج يؤكدان الأمر، وأنا من موقعي الحزبي شاهد على ذلك.
وقد جرت الانتخابات في مطلع عهد حكومة عبدالرؤوف الروابدة، وكنت أمينا عاما للحزب، وحاولت الحكومة تغيير قانون البلديات في حينها، ثم عادت عن القرار، لأننا هددنا بالمقاطعة إذا تم تغيير القانون. وبدأت الحكومة أيضا بمناقشة قانون انتخاب، وانفتحت على الحوار، وشاركنا في لقاءات ترأسها الروابدة نفسه، لكن كل ما توصلنا إليه بقانون الانتخاب وضع في الأدراج، وعدنا للصوت الواحد في انتخابات العام 2003.
لكن الانتخابات البلدية التي أدارها الوزير توفيق كريشان وقتها، وكان حلقة الوصل معنا، اعتبر انها انتخابات نظيفة، وحصلنا فيها على مقاعد في بلدتي إربد والزرقاء، و7 مقاعد في عمان، وجزء من مقاعد بلديات الكرك والطفيلة، ونجحت الحركة الاسلامية نجاحا كبيرا.
وبالفعل لما كانت تصلنا شكاوى من الميدان على تجاوزات في بعض المناطق، كنت أبادر في الاتصال مع رئيس الحكومة أو وزير البلديات، وكان هناك استجابة في معالجة الخلل، وبصورة حاسمة وحازمة.
هذا حصل في عهد تلك الحكومة، وهذا للحق أقوله، وقد أبلغني الوزير كريشان أنه تدخل لدى الملك عبدالله الثاني ضد تحجيم فرص الإسلاميين في انتخابات البلدية، وسأله الملك هل من مشكلة في نجاح الإسلاميين؟ فرد عليه بأن الأمر طبيعي، ولا يستدعي العمل الرسمي ضد مكون سياسي من المكونات، فأمره الملك بالسير وفق القانون والنظام، دون الاستجابة لاجتهادات أي من المؤسسات غير المعنية بالانتخابات، وأن كريشان نقل الحديث للروابدة، الذي سعى لضبط الانتخابات وفق توجيهات الملك وأوامره، وكانت تلك الانتخابات، بحق، معلما ديمقراطيا مهما ونزيها.

* وعلى ماذا توافقتم مع الروابدة في قانون الانتخاب؟
- نحن وغيرنا من الأحزاب شاركنا في حوارات مع الحكومة حول قانون انتخاب عصري يلبي مطالب تنمية الحياة السياسية في البلاد، ويضع حدا لمخلفات الصوت الواحد الكارثية على البنية السياسية والاجتماعية في المملكة.
وفعلا حاولت حكومة الروابدة تغيير قانون الانتخاب، ودخلنا في حوار موسع، ونجحنا في صناعة التوافق على قانون جديد يشتمل على القائمة الوطنية، وشرحنا رأينا مرات عدة أمام تلك الاجتماعات مع الحكومة، وكنا مرنين في موقفنا بهدف أن تتوافق الأحزاب، وتوافق الحكومة على الصيغة.
وبعد أن كان الاتفاق على اعتماد الصيغة، قال الروابدة مخاطبا الأحزاب الموجودة: "انتو فرحانين والله كل حباتكم غير تنزل بطاحونة ابو سليمان تفرحوش انتو"، عبدالرؤوف كان موافقا على مشروع القانون وطلب من وزير الداخلية تقسيم المملكة لـ24 دائرة، لكن لم تستمر الحكومة بعدها، وذهب ذلك الجهد كما ذهبت جهود من التوافقية مرات عدة.

* وبعدها شاركتم في انتخابات مجلس النواب الرابع عشر العام 2003 على الرغم من استمرار العمل بقانون الصوت الواحد، وليس على ما توافقت عليه الأحزاب مع الروابدة؟
- بالنسبة لي أنا دائما مع المشاركة، وأرفض مقاطعة الانتخابات، لأسباب ذكرتها سابقا، وهي في صميم فكرة العمل السياسي. وكان رأيي في مشاركة العام 2003 أننا ندفع ثمن مقاطعتنا للعام 1997، وهو غياب صوت الحزب في مجلس النواب لمدة طويلة بين عامي 1997 و2003. حتى أن قرار المقاطعة تسبب لنا بخسارة مادية في الحزب، لأننا كنا نأخذ ثلث رواتب نوابنا لصندوق الحزب، وهي المبالغ التي نصرف منها على أعمالنا ونفقات مكاتبنا في المحافظات، فثلث الرواتب من نواب الحزب كانت حقا تشكل موردا من مواردنا المالية.
في ذلك المجلس حصلنا على 16 مقعدا، وكانت نتائج طيبة، لكن المشكلة الأساسية بقيت وهي أن قانون الصوت الواحد لا يخرج نوابا وازنين يدفعون باتجاه العمل السياسي برلمانيا من خلال الكتل والائتلافات ذات البرامج والأهداف الواضحة، والتوافقات الملزمة.

* شاركت في لجنة الأجندة الوطنية، وكانت لك مواقف واضحة خلال مشاركتك بأعمال المحور السياسي في الأجندة، كيف انخرطت بنشاطاتها، ولماذا تبخرت توصياتها برأيك؟
- لجنة الأجندة الوطنية شكلها جلالة الملك عبدالله الثاني، وعلى مدار 8 أشهر كنت عضوا فيها، وقد أكون الإسلامي الوحيد في تشكيلة تلك اللجنة.
وبعد أن انتهينا من العمل على مدار الـ8 أشهر، وفي 9 مسارات عمل، برئاسة مروان المعشر، وعند آخر جلسة "فقسوها"، فبعد أن وضعنا صيغة توافقية لقانون الانتخاب، تنص على أن يكون النظام الانتخابي بصوتين للقائمة على مستوى المنطقة الانتخابية، وصوت للقائمة على مستوى الوطن، تم نسف الفكرة تماما في آخر جلسة.

* وكيف جرى ذلك، ومن التيار الذي نسف الفكرة؟
- بعد أن انتهينا من التوافق، وشرعنا في وضع اللمسات الأخيرة على مشروع محور الإصلاحات السياسية، وقف أحد الأعضاء، وقدم اقتراحا مفاجئا، وقد رأيته يخرج من جيبته ورقة صفراء مكتوبا عليها بخط اليد وبقلم أحمر، ويقدم اقتراحا يفيد بأن يكون النظام الانتخابي بصوت للدائرة أو صوت للوطن، وليس صوت للدائرة وصوت للوطن.
حقيقة عندها صعقت، وكنت أجلس خلفه، فقلت له: "ابو فلان. مين كتب لك هذا"، قال: أنا، قلت: "والله العظيم ما هي كتابتك ومش خطك، هذا كلام تخريب"، وبدأ صوتي يرتفع واعضاء اللجنة العامة نصفهم صامت، وقد عرفت أن وراء الأكمة ما وراءها.
وخرج أحدهم بمقترح أن تؤجل مناقشة البند إلى الأسبوع المقبل، وعندما اجتمعنا في الأسبوع التالي، وإذا بمواقف الناس قد تغيرت، ومن الجهة المقابلة وقف طاهر المصري وقال: ابو سليمان ما فيش فايده".
وبعد أشهر وفي مقال صحفي صرح أحد اليساريين بأنه وراء النصيحة تلك، فقلت الحمد لله الذي صدق يميني بها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الخميس 29 ديسمبر 2016 - 3:20

الحلقة الرابعة والعشرون (الأخيرة)

عربيات: البخيت لم يكن على علاقة بتجاوزات انتخابات 2007


في الحلقة الأخيرة من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد" يتحدث رئيس مجلس النواب الأسبق عبداللطيف عربيات عن مرحلة انتخابات العام 2007، وتداعياتها على الحياة السياسية في البلاد، وأسباب مقاطعة الحركة الإسلامية للانتخابات التي تبعتها، "نتيجة عمليات التزوير التي جرت".
ومن هناك يؤكد القيادي البارز في صفوف الحركة الإسلامية الارتدادات على الحركة نتيجة مواقفها من الإصلاحات السياسية في البلاد.
كما يتحدث عربيات في حلقة اليوم عن سنوات الربيع العربي، والموقف في الشارع الأردني، وأسباب تقارب الحركة من رئيس الوزراء الأسبق عون الخصاونة.
كما يبين موقفه من الانشقاقات داخل الحركة الإسلامية، ويبين تاريخية قصة ترخيص جمعية الإخوان المسلمين، لكنه يؤكد في السياق ذاته تحميله مسؤولية أي خلل للمسؤول على الكرسي، وليس على الآخرين.
وكان عربيات تحدث في الحلقة الماضية عن أول لقاء لقيادات من جماعة الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي مع الملك عبدالله الثاني عندما تولى سلطاته الدستورية.
وكشف القيادي في صفوف الحركة الإسلامية أنه جرى خلال اللقاء ملاسنات بين بعض القيادات ومدير المخابرات في وقتها سميح البطيخي، وأن عربيات تدخل لحسم الجدل الذي حصل خلال ذلك الاجتماع.
وفي الحلقة أكد عربيات مجددا أن قانون الصوت الواحد لم يحبط وجود نواب الحركة الإسلامية تحت قبة البرلمان، بل إنه أضعف مخرجات صناديق الاقتراع، من خلال نوعية النواب أنفسهم.
كما تطرق إلى مواقفه داخل لجنة الأجندة الوطنية، التي كان عضوا في لجنة المحور السياسي فيها، وأسباب الانقلاب على التوافقات بإدخال تعديلات جوهرية على المشروع المقترح.
وفيما يلي نص الحلقة الرابعة والعشرين والأخيرة:
* نبدأ اليوم بالحديث عن مشاركتكم في انتخابات العام 2007؛ البلدية والنيابية، فعلى الرغم من التجاوزات في الانتخابات البلدية التي جرت العام 2007، والتي اشتكيتم منها، إلا أنكم شاركتم في الانتخابات النيابية التي جرت في العام نفسه، وتلقيتم ضربة قاسية إذ إنك لم تنجح في الانتخابات عن السلط، وكانت حصة الإسلاميين 6 مقاعد فقط، في انتخابات شابها لغط كثير، رغم اتفاقكم الرسمي مع حكومة معروف البخيت؟
- الأخ معروف البخيت كان رئيسا للحكومة في العام 2007، لكن لم يكن يملك القرار في تلك المرحلة. كنا نناقشه، وكان رجلا مهذبا، ونتفق معه بعد نقاشات طويلة، وكان يحاول أن يجاملنا ويسعى لتسوية الأمور.
لكن كل ما كان له اتصال بالإجراءات التنفيذية كان أمرا مختلفا تماما، لأنه لم يكن يملك أوراق العملية، وعاتبناه لاحقا على كل ما جرى، لكنه لم يكن صاحب القرار في تجاوزات تلك الانتخابات.
النتيجة اليوم باتت معروفة، وتحدث بها جلالة الملك نفسه، أن تلك الانتخابات جرت بصورة مؤسفة، وأقولها إن تدخلات قوى الشد العكسي أعاقت نجاح البخيت وعدم تنفيذه لوعوده التي قطعها معنا، فكانت من الأمثلة فضيحة الدائرة الثالثة في عمان، وفي السلط، فقد كنت شاهدا على حجم التجاوزات. التدخل كان مباشرا في الانتخابات، وفي المحصلة حدث ما حدث. وهذا كله جرى باعترافات كبار المسؤولين وبتقارير الأجهزة الأمنية.
كنا اتفقنا مع البخيت على أن مشاركتنا لن تحدث الفرق في البرلمان، وقلنا "لكن اتركوا مبدأ المشاركة واقعيا، ومن دون سياسات إقصاء ممنهجة". وتحدثنا مع الحكومة صراحة. هم كانوا يعتقدون بأننا نريد حصة 50 % من المقاعد، لكننا في حقيقة الأمر لم نكن نريد أكثر من 15 %، وكل ما طلبناه هو إظهار حسن النوايا، وسد الباب على الاتهامات الرسمية بأن مقاطعتنا بهدف تخريب الانتخابات وإثارة الفوضى السياسية في البلاد.

* لقد شاركتكم في انتخابات العام 2007، بتوافق رسمي مع الحكومة، وقد عقدت اجتماعات في رئاسة الوزراء، وأنت حضرتها وواجهت رئيس الوزراء معروف البخيت، فعلى أي أساس شاركتم؟
- في العام 2007 كان ترجيح المشاركة بعد أن وعد رئيس الوزراء وعدا قاطعا أنها ستكون نزيهة.
والنتيجة اليوم كانت بعد "مجزرة" العام 2007، قلنا لن نشارك، واتخذنا قرارا نهائيا، لأنه في العام 2007 قالها مدير المخابرات علنا في وقتها، بأنه لن ينجح إلا فلان وفلان، ومنها قاطعنا الانتخابات بالإجماع.
بعد العام 2007 والجريمة الكبرى التي جرت، وبعد أن دعينا لأكثر من مرة، كنت أردد التساؤل التالي هل الإصلاح مطلوب؟ سؤال كبير أطرحه أمام مناهج الإصلاح، وهو ما أردده حتى يومنا هذا.
ما أزال أتذكر الميثاق الوطني الذي تم التوافق عليه العام 1990، وكيف أن جلالة المرحوم الملك الحسين ترأس شخصيا عددا من الجلسات، ومع ذلك وضع الميثاق في الأدراج وانتهى الى ما انتهى إليه.

* أيضا، بعد تداعيات انتخابات 2007، دخلت الحركة الإسلامية في مرحلة من التجاذبات مع المؤسسة الرسمية خلال السنوات اللاحقة لهذا التاريخ، وذلك على حد زعم رسميين بسبب القيادات التي تولت المسؤولية، وكان ذلك واضحا أو تجليات هذه التجاذبات لمسناها خلال سنوات الربيع العربي عموما، والربيع الأردني على وجه التحديد؟
- في الواقع أود التعقيب على مفهوم الربيع العربي أولا، وهل كان هناك ربيع عربي حقا؟ ومن سماه بهذا الاسم؟ وكيف تم؟ وما هي إنجازاته؟ وإلى ماذا توصل بالنهاية مع مختلف القوى أو مختلف المسارات داخل البلد أو خارجها؟
أنا اقول إن هناك تضخيما، وهناك صناعة في الاسم والمحتوى، هذه الصناعة أقول فيها إن السلطة التي تسمى الأجندة الدولية للمنطقة والعالم العربي كله، تعمل منذ مئة عام، وصنعت هذا الوجه الموجود حاليا بحدوده وحكوماته وقواه، هذه الأجندة رعت ذلك مائة عام ظهر فيها ما ظهر من فكر وأحزاب وحكومات وانقلابات، إلى غير ذلك. وكل ما جرى لم يكن بعيدا عن رعاية الأجندة الدولية ومن يحركها.
إذا أردنا أن نقول ما هي الأجندة الدولية فاظنها ليست بحاجة إلى تعريف، خصوصا أن دور اليهود فيها أساسي لكنه مخفي، وأقول إن هذه القوى التي سخرت وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وبتوجيه خاص وإدارة خاصة في بعض القضايا من اليهود، صنعوا ما صنعوا خلال المائة عام الماضية، والآن ما يجري عندنا هو تهيئة لمائة عام جديدة، ومائة عام لها عناوين ولها مفردات، انتقلت من التقسيم الشكلي المناطقي الدولي المحلي، إلى أهداف خاصة بالفكر والعقيدة.
ولهذا، ما هو قادم، هو ما جاء على لسان رئيس وزراء بريطانيا السابق، عندما قال معلقا على ظهور داعش: نحن نريد قتل مفهوم الخلافة عند المسلمين، قتل مفهوم الخلافة من خلال الدعوة بأن الإسلام إرهاب، وأن ما يلجأ إليه المسلمون من عناوين في تاريخهم وحضارتهم مطلوب قتلها، وبذلك نأتي على نهاية هذه الحضارة.
أقول هذه المقدمة بمناسبة الحديث عما سمي بالربيع العربي، والفقاعات المصنوعة التي ظهرت هنا وهناك، والتي تم إطفاؤها بسهولة من أعدائنا.
أما الحديث عن أن الإسلاميين كانوا مصلحيين في هذا الربيع، فأقول إن هذا فيه أيضا مبالغة، ويحتاج إلى أدلة، كل ما هنالك أن هذا المخاض الذي لا أسميه ربيعا، هو مخاض في معظمه مصنوع وموجه لنتيجة معينة، وحقق الأهداف منه.

* لكنكم استفدتم من الربيع العربي، أو ما تسميه بالمخاض الموجه، وكانت لإخوان مصر مشاركة في الحياة السياسية، ووصلوا سدة الحكم، ثم ابتعدوا عن الثورة بمقدار ابتعاد الشارع عنهم، وهو ما جاء على لسان الكثير من المحللين؟
- مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في مصر بالسلطة، لها ظروفها ودواعيها، وهناك قوى عميقة في مصر وفي المنطقة ساعدت بشكل مباشر أو غير مباشر على إفشال التجربة والنموذج، لتصل الأمور إلى ما وصلت إليه.
الانتخابات الحرة والنزيهة جاءت بنجاح الحركة الإسلامية التي تسلمت السلطة، أما قرار المشاركة من عدمه بالنسبة لإخوان مصر فهذه قصة تناقش في سياق آخر، لكن الظروف والمحيطة بالمنطقة كرست مبدأ تخويف المنطقة كلها من فكرة تسلم الإسلاميين للسلطة، وهذا ما جرى عندنا هنا في الأردن، وأصبحت كلمة شخص عادي غير مسؤول، تضخم بشكل غير طبيعي، وترسم سيناريوهات ومخططات لا اتصال لها بالواقع، ومن هناك صرنا أعداء على الرغم من تاريخنا في تثبيت دعائم أمن واستقرار هذا البلد.

* لكن في العام 2006 تحدث رئيس كتلة العمل الإسلامي عن جاهزية الحركة لتسلم السلطة، وذلك بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية وفوز حماس بأغلبية المقاعد، وهو نائب في البرلمان وسبق له أن كان ناشطا بارزا في العمل النقابي؟
- ليس هذا ما يجب أن نناقشه، بل لماذا كلمة رجل عادي ارتعدت لها مؤسسات في البلاد، وجُيّش الإعلام ضد كلمة بسيطة صدرت من شخص بحسن نية.
أقول، وأنا مسؤول عن كلامي؛ لا توجد أي خطوة تنظيمية لدى الجماعة والحزب تريد الذهاب فيها بهذا الاتجاه، وكما قلت هناك من عامة الناس؛ إسلاميون إخوان أو غير أخوان، فرحوا بما حصل في مصر، وتسلم الاسلاميين للسلطة هناك.
فالأمر تم تضخيمه بسوء النية، لكي يزداد الرعب من مشاركة الإخوان المسلمين في أي عملية سياسية، وبالتالي وبعد إفشال التجربة الديمقراطية المصرية، تم تدمير المنطقة بكاملها، وتم الانقلاب على الانتخابات الحرة والنزيهة في مصر.
إذا أردت، نستطيع نقد تجربة الإسلاميين في السلطة، لكن لا نستطيع أبدا أن نناقش سلامة الانقلاب على التجربة الديمقراطية وصناديق الاقتراع.
لكن إحباط التجربة المصرية في الديمقراطية هي نتاج مؤامرة من غرفة العمليات الدولية، واليوم ها نحن وصلنا إلى ما وصلنا إليه. وقتلت الجامعة العربية، وقتلت مصر قمة الأمة العربية ورأسها، ولم يعد لها دور في قضايا الأمة سوى مواقف متخاذلة فيما يسمى بالانقلاب على ما سمي بالربيع العربي.
أين مصر مما يجري في سورية والعراق واليمن؟ وأين هي الجامعة العربية؟ اين هي القوى العربية التي تقول نحن هنا؟!
اليوم هناك استسلام كامل وعبث كامل وتدمير كامل لكل ما هو موجود.
أقول ذلك ونحن نرى أن المشكلة بأن القاتل والمقتول منا، ولا أحد يحرك ساكنا بسبب التناقض الموجود في الساحة العربية.
كلمة الإرهاب التي صممت وصنعت وعممت كانت الوسيلة لتدمير قضايا أساسية سواء فكرية او مادية في المجتمع، وهنا أجد أنها أخذت دورها في هذا المجال، ونحن هنا في الأردن لنا وضعنا الخاص، لكننا تأثرنا بما تم في المنطقة، غير أنني محبط من القادم، فالمخطط شرير، وكما قلت لمائة سنة قادمة، وهذا المخطط يريد القضاء على الفكر الإسلامي وعلى الإسلام بحقيقته المعتدلة والمتسامحة والحضارية.

* أنت تقدم مرافعة دفاعية عن مواقف الحركة الإسلامية خلال "الربيع الأردني"، لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أنك كنت خارج كل المواقع القيادية داخل التنظيم، وهذا مدخل للطعن بحجتك الدفاعية، خصوصا وأنك تنسب التعبئة ضدكم لمواقف قوى الشد العكسي؟
- نحن حركة واسعة الانتشار وفيها مستويات مختلفة من الثقافة والمسؤولية والعلم، وما يتم أخذه على الحركة أو لها، هو وجود قرار تنظيمي متخذ من جهة مسؤولة داخل التنظيم واضح، وملزم تطبيقه، فهنا يجب محاسبة الجماعة أو الحزب.
أما إذا كان هناك خطاب او شعار في مظاهرة رفعه متحمسون من هنا أو هناك، فهذا كلام لا يسجل ولا يعطي انطباعا، يجب أن يعرف الجميع أن الحركة الإسلامية هي حركة واسعة لها مؤسساتها الرسمية، ولا تتخذ قراراتها بصورة ارتجالية. فقد يقول قائل إن الحركة رفعت شعارات خلال مسيرات واعتصامات لها، فأقول: يحسب علينا اتخاذ قرار المسيرة، لكن لا يحسب علينا جميع الشعارات المرفوعة، والتي قد يطلقها بعض المتصيدون بالماء العكر، الذين يريدون دق الأسافين بين الدولة ومؤسساتها السياسية.

* أليس منشأ التوتر مع الدولة ومؤسساتها كان قرارا مؤسسيا داخل التنظيم؟
- عندما أقول إن هناك حراكا في المسجد الحسيني أو أي مكان آخر، وتتفلت الشعارات من هنا وهناك، فهذا لا يعني وجود قرار لدى المكتب التنفيذي أو قرار لمجلس الشورى، وإنما هي أفكار لأشخاص أو مجموعات من الأشخاص لا تمثل الجماعة.
أنا أعيد وأكرر بأن القرار المؤسسي الرسمي الخارج عن جهة رسمية مخولة والملزمة للآخرين، ليس لها اتصال بشعارات يطلقها المتحمسون في المسيرات والاعتصامات التي تتحدث عنها، فتلك الشعارات لا تمثل الحركة والتنظيم في الأردن.

* لكن هذا "الصوت النشاز" الذي وصفته حكمَ على الحركة وقياداتها بالتضييق والانحسار، ووفر المسببات الكافية لدعم الانشقاقات داخل الجسم التنظيمي أفقيا وعموديا؟
- دع الانشقاق جانبا الآن؛ وأكرر أن هتاف الشارع ليس هو سياسة الجماعة، فهذا القياس غير صحيح، لأن القرار التنظيمي شيء، وما يصدر من هتافات من متحمسين شيء آخر تماما.

* إذن، كيف يكون مراقب عام الجماعة موجودا في مسيرة أو اعتصام، ويسمع شعارات صدامية، ولا يتدخل للتهدئة. ألا يمكن اعتبار صمته نهجا سياسيا للجماعة؟
- أريد أن أصل للنتيجة التالية، وهي أن المؤسسة إذا أصدرت رأيا سواء من المراقب العام، أو أي مستوى تنظيمي آخر، فهذا قرار يلزم الجميع. لكن مسار الاعتصام أو المسيرة إذا ما شابه خطأ من هنا أو هناك، فهذا لا يعني إطلاقا أن يكون نهجا سياسيا.
من يقول خلاف ذلك من الحركة، فأنا على استعداد لمواجهته، فنحن نتبع النظام الداخلي وقرارات الهيئات التنظيمية هي الملزمة، وغير ذلك لا مجال لأخذه في الاعتبار.

*إذن، ومباشرة، إذا كان هناك صوابية في القرارات المركزية، وأنها قرارات تحظى بإجماع أو توافق داخل الجسم التنظيمي، فلماذا الانشقاقات؟
- الحقيقة أن الانشقاقات التي اتخذت طابعا خلافيا فكريا بين القيادات شيء، وإلزامية قرارات الجماعة شيء آخر تماما.
فالخلاف على فصل المسار الدعوي للجماعة عن المسار السياسي للحزب هذا موضوع فيه تباينات كبيرة في الآراء، لكن القول بأن قرارات الهيئات التنظيمية عليها خلاف سواء أكانت على تنفيذ مسيرة أو اعتصام أو إصدار بيان أو تبني موقف فهذا أمر مختلف، عادة ما تكون الخلافات عليها ضمن حدود الاجتماعات المغلقة.

* إذن، الانشقاقات داخل الحركة سببها تباين وجهات النظر حول حصر النهج الدعوي بالجماعة، وترك الحزب للعمل السياسي؟
- التباينات لها بحث آخر منفصل، انا فقط أريد أن أكرر وأن أنفي أن أي هتاف بالشارع في مظاهرة، فهو قطعا لا يمثل الحركة الإسلامية، إلا إذا كان صادرا بقرار من الهيئات المرجعية داخل الحركة والتنظيم.
في إحدى المرات نفذنا مسيرة إلى رئاسة الوزراء. وفعلا وقفنا مقابل رئاسة الوزراء، وبدأ الناس يهتفون، ويطالبون بنزول رئيس الوزراء لمقابلتهم. بعد فترة، خرج أحدهم من بين صفوف المتظاهرين، وقال نريد أن نكمل المسيرة إلى السفارة الإسرائيلية، فنهرته، وطلبت منه الابتعاد، وذكرت الجميع بأن هدفنا هو الوقوف أمام الرئاسة، وليس لنا أهداف أخرى، وأن أي تعديل على مسار الاعتصام، يتطلب قرارا مرجعيا. هذه هي تربيتنا.

* من بين حكومات الربيع الأردني، لماذا هادنتم حكومة عون الخصاونة خلال سنوات الربيع، لماذا ميزتم الخصاونة عن سابقيه ولاحقيه من الرؤساء بالتعامل؟
- هو شخص متزن، وقد لمسنا في شخصيته بأنه لا يحمل فكرا إقصائيا، لكنني على المستوى الشخصي أعلم بأن ليس في يده الشيء الكثير.
والدليل على ذلك بسيط وأستطيع أن أذكر قصة محاولته في معالجة قضية جمعية المركز الإسلامي. فالجمعية بعد تغيير إدارتها السابقة، أشرفت عليها لجنة حكومية "دمّرتها"، وبعد ما أصابها من تعثر استأذنت وزيرة التنمية الاجتماعية في وقتها نسرين بركات أن تصوب أوضاعها، ولما طلبت ذلك من الخصاونة وجهها لكي تطلب مني إدارتها وتنظيم الأمور داخل الجمعية لإعادتها إلى ما كانت عليه.
فعلا قابلت الوزيرة وأوضحت لي بأنه وبناء على توجيهات الرئيس فمطلوب مني تصويب أوضاع الجمعية، فقلت لها في الجلسة: لا تستطيعون. فأصرت الوزيرة على أن الأمر نافذ بإرادة من الرئيس، وطلبت مني أن أدلها على الحل.
مباشرة، قلت لها إنه يجب دعوة الهيئة العامة الأصلية للاجتماع، وهي تقرر، فردت بالقبول، لكني أعرف أن هناك مشكلة في الهيئة العامة التي تم تسجيلها، فردت بأنها ستدعو للاجتماع خلال أسبوع، لكي لا يتسنى لغير الهيئة الأصلية تسديد الاشتراكات، فضحكتُ، وقلت: هناك من هو أسرع مني ومنك، وسيأتي من يدفع عنهم دفعة واحدة.
وهذا ما تم عمليا، فأوقفت الوزيرة برنامجها ومساعيها.
الخصاونة شخص قانوني وكان محايدا، لكنه لم يستطع الاستمرار، وذكرت هذا المثال فقط لكي أثبت هذا الواقع، وأمام إعلان الوزيرة المختصة بأن الوضع غير قانوني للجمعية، والرئيس أمرها بتصويب الأوضاع، لكنهما لم يستطيعان أن يفعلا شيئا.

* اليوم، ونحن في الحلقة الأخيرة معكم من سلسلة "سياسي يتذكر"، نطرح سؤالا مباشرا عن واقع الحركة الإسلامية اليوم، وهو واقع مقسم ومشتت، وهناك انشقاقات عمودية وأفقية تهدد نسيج الجماعة، خصوصا إذا ما استحضرنا مسلسل مبادرات الإصلاح الداخلية، واصطدامها بطريق مسدود، وصولا إلى سحب الترخيص من الجماعة، ومنحه لجمعية جديدة؟
- رب العالمين يقول "ويعلمكم الكتاب والحكمة"، ومن "يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا"، وهذا عجز ونقص عند كثير من المسلمين وهي الحكمة. أما الكتاب فهو القرآن، الذي قال عنه المولى عز وجل "وما فرطنا في الكتاب من شيء".
المشكلة هنا تتمثل في أن بعض إخواننا يحفظون النص، ويحكمونك فيه بطريقتهم الخاصة، إذن فأين الحكمة في ذلك! والحكمة ليس أن تقدم نصا مجردا في أمر ما، بل هي القدرة على إدارة ذلك الأمر.
هذه الفجوة بين عقلية تتمسك بالنص وبين عقلية إدارية تأخذ بالأسباب. هذا هو الذي سبب المشكلة. هذا الواقع سبب تناقضا في المواقف والاجراءات التي نراها.

* إلى أي جانب أنت اليوم منحاز في الخلافات داخل البيت الإخواني؟
- نظاميا أقول؛ إن المسؤول الإداري الجالس على كرسي القيادة هو المسؤول الأول، وهو من يتحمل المسؤولية، فالآخر يتحدث بوجهة نظر، خصوصا إذا كان خارج مواقع المسؤولية، أما المسؤول فعليه واجب اتباع النظام الداخلي والتعليمات التنظيمية التي خضعنا لها سواء في الجماعة أو عند تأسيس الحزب.

* سبق ذلك، أو تزامن معه، ذهاب المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين عبدالمجيد الذنيبات في ترخيص جمعية الإخوان المسلمين، وطعنه بالشرعية القانونية للجماعة القائمة؟
- هناك مظلة وأجندة دولية وحكومات عميقة تريد إضعاف نماذج الإسلام السياسي، وهذه القوى لها مصالح متناغمة. وطالبت بعض القيادات في الجماعة بالتحلي بالصبر أمام الهجمة من الخارج والخراب من الداخل، وأن الزمن قد يغير قواعد اللعبة، فأصروا على المضي في موقفهم.

* برأيك؛ هل القصة جديدة أم تعود إلى عهد حكومات سابقة؟
- الفكرة بدأت من زمن حكومة معروف البخيت الأولى، والبخيت هو من جاء لي بملف كامل وقرأ لي النص، وهي الورقة نفسها التي رأيتها مع عبدالمجيد الذنيبات. القضية بالنسبة لي كانت مكشوفة، والمطلوب الاستجابة للضغوط الدولية وإغلاق المركز العام للجماعة.
لكنني أعتقد أن هناك تراجعا في الهجوم الرسمي، خصوصا في ضوء عدم تحقيق "الجمعية" لأي منجزات على الأرض حتى يومنا هذا.

* لكن قد يكون فتح موضوع الترخيص للجماعة، هو السبب في اتخاذ قرارات تصحيحية، كما اعتبرها مراقبون، مثل تعديلات النظام الداخلي للجماعة والحزب، وفصل تبعية الحزب للجماعة؟
- هذه قضية أساسية، وكنا متنبهين إليها منذ أول يوم تأسس فيه حزب جبهة العمل الإسلامي. فالحزب جرى تأسيسه ليكون بابا يدخل منه الجميع. أردناه جبهة لكي لا يقتصر على لون واحد، ومعنى ذلك أن هذا الحزب يقبل بالجميع ويعترف بالجميع ويتشارك مع الجميع، لتحقيق أهداف سياسية وتحالفات تخدم هذه الغاية.
وفعلا؛ عندما وضعنا النظام الداخلي للحزب، قلنا إن للجماعة الحق بالمشاركة في الحزب، لكن على أن لا تكون حصتهم هي الأغلبية، أي لا تزيد على 40 %. ويظل الحزب مفتوحا على الجميع؛ مسلما ومسيحيا، ذكورا وإناثا، شبابا وشيوخا، على أن يكون هناك برنامج سياسي واضح، ليظل الباب مفتوحا وتظل حقوق الجميع محفوظة.
لقد انتهجنا هذا النهج العام 1992، وسبقنا كل تجارب إخواننا في الأقطار العربية، حتى أن إخواننا في مصر أخذوا عنا نظام الحزب لتشكيل حزب الحرية والعدالة.
لكن هناك في الجماعة من أراد أن يسيطر على الحزب، وأن ينظر للحزب على أنه قسم من أقسام الجماعة، وبالتالي الأحقية لتعيين الأمين العام للحزب.
بعد أن تحجم دور الحزب، بدأت تستجيب القيادات بأولوية فصل الجماعة عن الحزب، لأن لكل واحد منهما منهجه الخاص، وبالتالي لم تنقطع العلاقة بين الجسمين، بل تم وضع حد لتدخلات الجماعة بالحزب وقراراته.

* لكن، ماذا بشأن قرار الجماعة الأخير بفك ارتباط جماعة الأردن بمكتب مصر؟
- الإخوان المسلمون موجودون في أكثر من 80 دولة في العالم، وفي كل بلد من هذه البلاد للجماعة استقلاليتها في العمل الدعوي والسياسي، وحتى استقرارها المالي والإداري.
صحيح أن الفكر للجميع، لكن الإدارة والأساليب هي قضايا مستقلة، ولا مركزية فيها، ومثال ذلك عندما قررنا مقاطعة انتخابات العام 2013، جاءتنا نصيحة من التنظيم الدولي للجماعة في تركيا، بأن لا نقاطع الانتخابات، فرفضنا توصيتهم.
وهذا المعنى الحقيقي للاستقلال المالي والسياسي؛ أما القول بالتبعية هنا لجماعات بالخارج، فهذا كلام مجاف للواقع تماما، وعليه شواهد تاريخية كثيرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الخميس 29 ديسمبر 2016 - 3:26

ما لم يقله عربيات


جمانة غنيمات
في شهادته حول تجربته، من خلال زاوية "سياسي يتذكر"، والتي يقوم عليها منذ إطلاقها قبل سنوات الزميل محمد خير الرواشدة، قرر د. عبداللطيف عربيات، وللأسف الشديد، اجتزاء ذكرياته واختزالها، مخفياً مواقفه من تطورات مفصلية ألمت بجماعة الإخوان المسلمين خلال السنوات الماضية.
"الغد" استضافت عربيات على مدى 24 يوما، مفردة صفحات أبرزت خلاصة تجربته السياسية داخل البيت الإخواني وخارجه، على مدى سِنيّ عمره أطال الله فيها؛ لعلّ هذه الشهادة تكون وثيقة مرجعية، إذ تسهم في تسجيل تاريخ لم يكتب بعد. لكنه أعلن رأيه الحقيقي، من دون أي تورية، بشأن جميع المؤسسات الرسمية والمجتمعية التي تناولها، اللهم باستثناء جماعته! فاستبعد لغة الصراحة، وبالتالي الموضوعية، لحساب المجاملة والتجميل، عند تناول "الإخوان"، برغم أخطاء الحركة التي أدت إلى تحولات كبيرة فيها، بحكم الانقسامات والنزاعات الداخلية. ولتكون النتيجة إفقاد رواية عربيات جزءا من أهميتها.
فقد أضعف القيادي الإخواني شهادته التاريخية مع "الغد"، باختياره عدم الإجابة عن تساؤلات اللحظة التاريخية التي يمر فيها الإخوان المسلمون في الأردن، وحزب جبهة العمل الإسلامي. فكان أن حذف بقراره جزءا من روايته، ينتظره قراء زاوية "سياسي يتذكر" بشوق. هذا عدا عن أننا اجتهدنا كصحيفة في جعل هذه الزاوية أداة توثيق للرواية الشفوية لتاريخ الأردن السياسي، تُقدم إجابات عن أسئلة تتعلق بمحطات وطنية مهمة.
ضمن المفقود من رواية عربيات، موقفه من الانقلاب الذي شهدته صفوف قيادات الحركة الإسلامية منذ انتخابات 2007. وهي المحطة السياسية التي أقصت تيار المعتدلين في الجماعة، بمن فيهم عربيات نفسه الذي تم إبعاده عن انتخابات أمين عام "جبهة العمل الإسلامي"؛ وكذلك سالم الفلاحات الذي قدم أخيرا، في كتاب جديد له من جزأين، شهادة تختلف عن تلك الخاصة بعربيات في تقييمها لمآلات الحركة.
عربيات تجنب الحديث عن تقدم تيار المتشددين الذين عمّقوا أزمات الحركة مع المؤسسات الرسمية، واستفزوا بتصريحاتهم مخاوف الدولة والمجتمع في أكثر من مناسبة، ولا سيما إبان "النشوة" بحراك الشارع في خضم "الربيع العربي"، منتظرين أن يصلهم الدور في السيطرة والنفوذ، بحكم أنهم الأكثر تنظيما في الشارع، والأكثر تأثيرا بحكم خطابهم الديني الذي يتملك العواطف والمشاعر.
وحتى "الربيع العربي" كمفهوم وفكرة، فضّل عربيات عدم الخوض فيه. وآثر عدم تقديم إجابة عن مدى إيمان الحركة بجاهزيتها لرئاسة الحكومة باعتبارها التيار الأكثر تنظيما في المملكة. ومتجنبا، في السياق ذاته، التعليق على إعلان أحد رموز الحركة صراحة، تحت قبة برلمان، نوايا الجماعة تسلم الحكومة، بعد فوز حركة "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية العام 2006. إضافة إلى تفضيله عدم مناقشة فكرة تماهي إخوان الأردن مع قيادة الجماعة في مصر، بعدما تسلمت الأخيرة السلطة عقب "ثورة يناير" 2011.
أيضاً، بقيت قضايا معلقة من مثل أن تلاشي "الربيع الأردني" -أكان ذلك لأسباب موضوعية، أو لقدرة المؤسسات الرسمية في استيعابه عبر إصلاحات بطيئة ومتدرجة- قد حرم الجماعة فرصة التحكم بمسارات الأمور. وكذلك تواري الإرادة السياسية عند الحركة الإسلامية في ساعات الحسم، بإلغاء دورها التشاركي في انتخابات 2010 و2013، والتي لو شارك فيها الإخوان لتركوا أثرا إيجابيا في دعم مسار الإصلاحات المتدرجة. إذ كان على القيادي المَعلم في الحركة الإسلامية، المجادلة بشأن هذه القضايا؛ رفضا أو قبولا.
بالمحصلة، نأى عربيات بنفسه عن تقييم واقع الجماعة، بانقساماتها وتشتتها التي نالت من تأثيرها؛ مؤثراً المجاملات، لسبب نجهله في "الغد". وهو قد يكون الحرص على عدم خسارة أصدقاء له من قادة الحركة، ولو بثمن باهظ هو إضاعة فرصة رفد الأرشيف برواية كاملة تسجل جزءا من تاريخ الأردن ككل.
أكره الاعتراف بأن الشيخ الفاضل استخدم "الغد" لقول ما يريد فقط، بخلاف الاتفاق معه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د.عبد اللطيف عربيات   الأربعاء 18 يناير 2017 - 21:46

وصف اللقاء بالإيجابي
عربيات: الملك أوضح موقف المملكة من قضايا داخلية وخارجية
التاريخ:18/1/2017


عمان - ربى كراسنة
وصف القيادي في الحركة الإسلامية الدكتور عبد اللطيف عربيات اللقاء الذي عقده الملك عبد الله الثاني اليوم الأربعاء مع عدد من رؤساء الوزراء السابقين والشخصيات السياسية بالجيد والإيجابي.
وقال الدكتور عربيات الذي كان من بين الذين حضروا اللقاء في تصريح مقتضب إلى "البوصلة" أن الملك استعرض خلال اللقاء عددا من القضايا الداخلية والخارجية وموقف الأردن منها.
كما استمع الملك خلال اللقاء بحسب عربيات من الحضور لعدد من الملاحظات وأكد بدوره الملك على ضرورة ما يجب أن تكون عليه السياسة الداخلية والخارجية.
وكان الملك عبدالله الثاني اجتمع اليوم الأربعاء مع عدد من رؤساء الوزراء السابقين والشخصيات السياسية في لقاء تناول الشأن المحلي والقضايا الإقليمية والدولية، في إطار الاجتماعات المستمرة التي يعقدها مع كبار السياسيين والمسؤولين في الدولة.
وضم اللقاء رؤساء الوزراء السابقين عبدالكريم الكباريتي، والدكتور عبدالرؤوف الروابدة، والمهندس علي أبو الراغب، والدكتور عبداللطيف عربيات، وعبدالاله الخطيب، ونايف القاضي، والمهندس سعد هايل السرور، وبسام حدادين، وعبلة أبو علبة.




ماذا قال الملك في لقائه برؤساء وزراء سابقين وشخصيات سياسية؟
التاريخ:18/1/2017 


اجتمع الملك عبدالله الثاني اليوم الأربعاء مع عدد من رؤساء الوزراء السابقين والشخصيات السياسية في لقاء تناول الشأن المحلي والقضايا الإقليمية والدولية، في إطار الاجتماعات المستمرة التي يعقدها جلالته مع كبار السياسيين والمسؤولين في الدولة.

وأكد الملك خلال اللقاء الذي جرى في قصر الحسينية، أن ما يمر به الأردن من تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية تستوجب من الجميع الوقوف معا لمواجهتها.

وأشاد بدور ووعي المواطن الأمني، مشددا جلالته على تطوير إجراءاتنا الأمنية للتعامل بشكل أفضل مع أي تهديد لأمننا الداخلي.

وقال الملك إن مؤسساتنا الأمنية تحقق نجاحات يومية لا نبرزها في الإعلام، مؤكدا أن التحديات على حدودنا الشمالية تتطلب جاهزية من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ولكننا لسنا قلقين حول قدرتنا على التعامل معها.

ولفت إلى تعزيز سيادة القانون والحفاظ على هيبته، مؤكدا التزام جميع المؤسسات المعنية واتخاذ الإجراءات الكفيلة لتحقيق ذلك، واحترام المواطن للقانون وتعزيز النزاهة والكفاءة في الجهاز الأمني والجهاز القضائي.

وقال إننا ننتظر النتائج التي ستخلص إليها اللجنة الملكية لتطوير الجهاز القضائي وتعزيز سيادة القانون.

وأكد الملك على تعزيز قدرات مؤسسات الدولة لتطوير أدائها على جميع المستويات، مشددا على تنفيذ برنامج حازم لمعالجة بعض ظواهر الفساد والترهل في بعض المؤسسات.

وقال إن التحدي الاقتصادي هو الأكبر، خصوصا فيما يتعلق بالتصدي لمشكلتي الفقر والبطالة، مشددا على دور القطاع الخاص في توفير فرص العمل والمساهمة في زيادة النمو الاقتصادي.

وأكد الملك عبدالله الثاني على أهمية تضافر الجهود لتخفيف الأعباء عن المواطنين، ولاسيما الطبقتين الفقيرة والوسطى.

وعلى صعيد التحديات التي تمر بها المنطقة، أكد أن أولويتنا مصالحنا الوطنية.

وعن العلاقة مع الإدارة الأميركية الجديدة، لفت الملك إلى أن هناك اتصالات مكثفة خلال الفترة المقبلة مع الإدارة والكونغرس الأميركي.

وأعرب الملك عن تفاؤله بالبناء على العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في الفترة المقبلة، مشيرا في الوقت ذاته إلى أننا على تواصل مستمر مع موسكو.

وفيما يتصل بالعملية السلمية، حذر من خطر اليأس من العملية السلمية وعدم وجود بدائل لحل الدولتين، مؤكدا جلالته أهمية القدس للمسلمين وانعكاسات ما يمس بالوضع الحالي على الأمن والسلام في المنطقة.

وبالنسبة للأوضاع في العراق، أكد أهمية تحقيق المصالحة في العراق، ومساعدته ودعمه خلال القمة العربية المقبلة.

وشدد على أنه لا يوجد لدينا أجندات في العراق سوى مصلحة شعبه واستقراره.

وفيما يتعلق بالأزمة السورية، أكد جلالته أهمية تطور العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا خلال الفترة المقبلة لإيجاد حل للأزمة السورية.

وتناول الملك، خلال اللقاء، تطورات الأوضاع في ليبيا، حيث أكد أن الأردن يعمل مع عدد من الأطراف لتحقيق الاستقرار في ليبيا، لافتا إلى أهمية ذلك لمكافحة الإرهاب ودعم الأمن في المنطقة.

وفيما يتعلق بالقمة العربية، أكد الملك أن قضايا المنطقة وفي مقدمتها القدس والقضية الفلسطينية والأزمة السورية والأوضاع في العراق وليبيا، ومحاربة التطرف والإرهاب، هي أبرز المحاور التي ستركز عليها هذه القمة.

وبخصوص جهود محاربة الإرهاب وعصاباته، شدد على أن الخوارج يشكلون الخطر الأكبر على المنطقة والعالم.






الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
د.عبد اللطيف عربيات
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: اردننا الغالي :: شخصيات اردنيه-
انتقل الى: