منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 غزوة بني قريظة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: غزوة بني قريظة   الخميس 15 ديسمبر 2016, 7:12 pm

غزوة بني قريظة الغدر والعقوبة








الحمد لله رب العالمين، مالك الملك، ومدبر الأمر، له الحكم وإليه ترجعون، نحمده ونشكره، ونتوب إليه ونستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ [الأحزاب: 25] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ اصطفاه الله تعالى على العالمين، وجعله حجة على الناس أجمعين، وأظهر به الإيمان والمؤمنين، وأذل به اليهود والمشركين، وكتب البقاء لشريعته إلى يوم الدين، صل الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه؛ قدموا ولاءهم لله تعالى ولدينه على ولائهم لآبائهم وإخوانهم وحلفائهم وعشائرهم، فكانوا كما قال الله تعالى ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ﴾[المجادلة: 22] والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
 

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [الحشر: 18، 19].
 

أيها الناس: الغدر والخيانة من أحط الصفات، وأسوأ الأخلاق، ولا تسود الخيانة في الناس إلا انتشر فيهم الخوف، فلا يأمن بعضهم بعضا؛ ولذا جاءت شريعة الله تعالى آمرة بالأمانة والوفاء، ناهية عن الغدر والخيانة ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾[المائدة: 1] ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27] وفي آية أخرى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾ [النساء: 107].
 

ولما كانت سنة الله تعالى في عباده أن يوجد فيهم الخونة الغدارون ولا سيما في العهود والمواثيق فإن الله عز وجل خذر المؤمنين منهم، وبين كيفية التعامل معهم ﴿ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ﴾[الأنفال: 58].
 

وأمة بني إسرائيل هي أشهر الأمم في الخيانة والغدر؛ فلا يعاهدون عهدا إلا نقضوه، ولا يسالمهم قوم إلا غدروا بهم، ولا يحسن إليهم أحد إلا أساءوا إليه، ويرون ذلك حقا من حقوقهم، وفرضا من فروض دينهم(أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون) (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية) (الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون).
 

وأكبر دليل على أن اليهود أغدر الناس وأخونهم: أن كل قبائلهم في المدينة نقضت عهودها مع رسول الله صل الله عليه وسلم، فحق عليهم العذاب في الدنيا فمنهم من هجروا وأخرجوا من ديارهم، ومنهم من قتلوا وسبيت نساؤهم وذراريهم.
 

وفي آخر ذي القعدة من السنة الخامسة من الهجرة نقضت بنو قريظة عهدهم مع رسول الله صل الله عليه وسلم، فأمكن الله تعالى المؤمنين منهم، فقضوا فيهم بحكم الله تعالى الذي أنزله.
 

لقد كان من سياسة النبي صل الله عليه وسلم أول هجرته للمدينة أن وادع اليهود فيها، وعاهدهم بميثاق بين فيه ما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات، وكان من بين بنود ذلك الميثاق: أن للمسلمين دينهم، ولليهود دينهم، وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
 

والتزم المسلمون بهذا العهد والميثاق؛ لأن من شيمتهم الوفاء والأمانة، فدينهم يأمرهم بذلك ويحرم عليهم الغدر والخيانة ولكن اليهود نقضوا العهد قبيلة قبيلة، وأخطر ما نقضت اليهود من العهود، وأشده ضررا على المسلمين، وأكثره خسة ودناءة وغدرا فعلة بني قريظة؛ إذ إن مقتضى المعاهدة معهم أن يشاركوا المسلمين في دفع خطر المشركين عن المدينة وقد حاصروها بأعداد كثيفة في غزوة الأحزاب، ولم يكتف اليهود بخذلان المسلمين في هذا الوقت العصيب، والتخلي عنهم في هذا المأزق الحرج، بل دعتهم نفوسهم الخبيثة التي تنضح بالغدر، وتقطر بالخيانة، دعتهم إلى طعن المسلمين في ظهورهم، وخفرهم في نسائهم وذراريهم، وممالأة المشركين عليهم، ويا له من موقف عصيب، ويا لها من خيانة لا نظير لها البتة.
 

ولما تسامع بعض الناس بخبر الغدر هذا، وخافوا على من في الحصون من النساء والأطفال من غدر اليهود، أراد النبي صل الله عليه وسلم الاستيثاق من غدرهم، فأرسل الزبير والسعدين ابن معاذ وابن عبادة رضي الله عنهم، فرجعوا مؤكدين خبر نقض قريظة للعهد، وعظم بلاء المؤمنين، واشتدت محنتهم، وأصبحوا يواجهون عدوا شرسا يحاصر المدينة في عدد كثيف يبلغ عشرة آلاف مقاتل، ويعالجون منافقين يخذلون ويرجفون، ويبثون الشائعات والأكاذيب، ولا يدرون ما يصنعون باليهود وهم داخل الحصون عند النساء والأطفال وقد تنكروا للمسلمين، وانحازوا للمشركين ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 11].
 

وحمل سعد بن معاذ رضي الله عنه في قلبه على بني قريظة بسبب خيانتهم القبيحة رغم أنهم كانوا حلفاءه وأقرب الناس إليه في الجاهلية، ولما جرح رضي الله عنه في الأحزاب ونزف وخشي أن يموت قبل أن يرى عذاب الله تعالى في بني قريظة، فدعا الله تعالى قائلا (اللهم لا تُخْرِج نَفْسي حتى تَقَرَّ عيني من بني قريظة فاستمسك عرقه فما قطر قطرة).
 

استجاب الله تعالى لدعوات المؤمنين وتضرعهم، وخذل الكافرين والمنافقين، فردَّ بقدرته وحكمته ورحمته المشركين على أعقابهم، وصدَّع تحالف اليهود معهم بشكوكٍ ألقاها في قلوب الفريقين، وتوفيقٍ منه سبحانه لنعيم بن مسعود رضي الله عنه في الوقيعة بينهم وقد أسلم ولم يعلموا بإسلامه، فعادت أحزاب المشركين خاسرة خائبة إلى مكة، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم (ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار فقال: وضعت السلاح فوالله ما وضعته؟! فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: فأين؟ قال: ها هنا، وأومأ إلى بني قريظة) فأذن عليه الصلاة والسلام في الناسSadلا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة).
 

وهذا يدل على أن غزو بني قريظة واستئصال شأفتهم جاء الأمر به من عند الله عز وجل عن طريق جبريل عليه السلام، وليس فعلا فعله النبي عليه الصلاة والسلام وأقره الله تعالى عليه، بل إن جبريل عليه السلام أنكر على النبي صل الله عليه وسلم وضع السلاح والاغتسال قبل إيقاع العقوبة بالخونة المجرمين من يهود بني قريظة، وأخبره أن الملائكة عليهم السلام لم يضعوا أسلحتهم.
 

خرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم وقد بعث عليا رضي الله عنه على مقدمة الجيش ومعه اللواء فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر فأشار إليهم أنه الذبح، قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ- وكان رضي الله عنه حليفا لهم فظنوا أن يحابيهم ويخفف الحكم عليهم- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزلوا على حكم سعد بن معاذ فنزلوا وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ فأتي به على حمار عليه إِكاف من ليف قد حمل عليه وحفَّ به قومه، يحاولون الشفاعة في بني قريظة، فقالوا: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، وهو رضي الله عنه ساكت لا يرجع إليهم شيئا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد أنى لي أن لا أبالي في الله لومه لائم، وفي رواية: قال رضي الله عنهSadقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم) فجيء بسعد رضي الله عنه وهو جريح، فقال النبي صل الله عليه وسلم: أنزلوه، فأنزلوه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، قال عليه الصلاة والسلام: حكمت بحكم الله عز وجل، فقتل رجالهم وكانوا بين ست مئة وتسع مئة، إلا من أسلم منهم حقن إسلامه دمه، وسبيت نساؤهم وذرياتهم، وقسمت في المسلمين.
 

فكان هذا العقاب الشديد مناسبا لجرمهم الشنيع، وقد وجد بعض المعاصرين من المسلمين في نفوسهم شيئا من هذا الحكم الشديد مع أنه حكم الله تعالى من فوق سبع سموات، ولسان حالهم يقول: كيف تفنى قبيلة كاملة من اليهود بسبب خيانتهم، والإسلام دين الرأفة والرحمة، والسماحة والمسامحة. ويزداد حرجهم حين يستغل الأعداء هذه المواقف من السيرة النبوية ليشغبوا بها على الإسلام، ويتهموه بالفاشية والدموية. ولا شك في أن هذه الحرج الذي يجده بعض المسلمين من هذه الحادثة ومثيلاتها ينطوي على عدم استسلام كامل لله تعالى، ويدل على شك داخل تلك القلوب في حكمه عز وجل، والله تعالى يقول ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65] فلا يسع مسلما إلا الرضا بحكم الله تعالى وأمره، واليقين بأنه الحق والعدل، وأن ما عارضه هو الباطل والظلم.
 

وسبب هذا الضعف في الاستسلام لشريعة الله تعالى هو أن من سلك هذا المسلك الخاطئ قد سلم بحكم الطاغوت المتمثل فيما يسمى بحقوق الإنسان، ثم جعله حاكما على شريعة الله تعالى، فما وافق قوانينهم الوضعية من شريعة الله تعالى رضيه وصاح بأن الإسلام قد سبق إليه، وما خالف قوانينهم طعن فيه وتأوله، وفي أحسن الأحوال يقبله على استحياء ويخفيه كأنما هو عار ونقص وخلل في الإسلام.
 

وقوانينهم الدولية الوضعية المتعلقة بالسلم والحرب، وحقوق الإنسان والمرأة والطفل، وحقوق الأسرى وغيرهم، فيها ما يوافق شرع الله تعالى فيكتسب شرفا بذلك، وإن لم يكن لواضعيه فيه نية ولا احتساب، كما أن في قوانينهم ما يعارض شرع الله تعالى وهو تحت الأقدام وإن زمر له المزمرون، وطبل له المطبلون، وجعله المنافقون في هذا العصر شريعتهم التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وما هو إلا من وحي الشيطان ووساوسه، وكل ما عارض الشريعة فهو الباطل والظلم، ولا يحق الحق، ولا يقضي بالعدل، ولا بد أن يوقن المسلم بذلك؛ لأنه ما صار مسلما إلا لقناعته بالإسلام، واستسلامه لأحكام الله تعالى.
 

وغالب الذين يداخلهم شك في بعض أحكام الشريعة، ويجدون حرجا من قضاء المسلمين على بني قريظة إنما نظروا إلى المجرم حال سفك دمه، ولم يستحضروا جريمته الشنعاء، فامتلأت قلوبهم بالرحمة والشفقة على المجرمين فزعموا حفظ حقوقهم، ونسوا من ظلمهم وغدر بهم هؤلاء المجرمون.
 

ومعلوم أن الدول في هذا العصر مجمعة على قتل الجاسوس الذي ينقل الأخبار للدول المعادية، ويعينها على دولته، وأين فعل جاسوس واحد خان وطنه من نقض اليهود للعهد وهم أمة كاملة تتطلع لإبادة المسلمين، وتقابل عظيم إحسانهم إليهم بحفظ العهد معهم مع القدرة عليهم، وإحسان جوارهم، والدفاع عنهم، تقابل أمة اليهود ذلك بأعظم الإساءة، وأشد دركات الغدر والخيانة.
 

لقد نقضت قريظة عهدها في أصعب موقف، وأشد ساعة، ولو أن مظاهرة اليهود للمشركين، وخيانتهم للمسلمين تمت على ما أرادوا، ودخل المشركون المدينة، وتمكن اليهود من نساء المسلمين وأطفالهم لأبادوهم عن بكرة أبيهم، أفإن سلم الله تعالى المؤمنين، ورد المشركين، وأنزلت العقوبة الشرعية بالخونة الغادرين يجد المسلم حرجا في نفسه من حكم الله تعالى، فيتذكر حال اليهود وهم يقتلون، ولا يستحضر حال المسلمين لو تمكن منهم المشركون بسبب خيانة اليهود. ولمن في قلبه أدنى حرج من ذلك عبرة وعظة فيما يفعله اليهود في أهل فلسطين، من الغدر والخيانة، ونقض العهد، وقصد الآمنين والنساء والأطفال بالقتل والترويع، وهدم الدور على أصحابها، ولا يكاد يمر يوم دون أن يقتلوا نساء وأطفالا، فتبا لقوانين وضعية توجد حرجا في قلوب بعض المسلمين من شريعة الله تبارك وتعالى، ونعوذ بالله تعالى من الزيغ والضلال، ومن الاستدراك على الشريعة الغراء، ونسأله سبحانه أن يرزقنا الرضا والإذعان والقبول والتسليم، إنه سميع قريب.
 

وأقول ما تسمعون واستغفر الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله الحكم العدل وهو خير الحاكمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صل الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعملوا صالحا قبل أن يحال بينكم وبين العمل، واعلموا أن الأجل قريب، وأن الحساب عسير{ ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 49] .
 

أيها المسلمون: في غدر بني قريظة وغدرهم للمسلمين دليل على أن الطوائف والأقليات التي ليست على دين أهل البلد هي أقرب للخيانة والغدر من الأداء والوفاء متى ما رأت الفرصة سانحة لذلك، وأن إحسان أهل البلد إليهم سنوات متتابعة، وحمايتهم لهم، وحفظ حقوقهم، لا يمنعهم أبدا من الغدر والخيانة، وممالأة الأعداء على أبناء أوطانهم، وأن زعمهم أنهم وطنيون، وأن مصلحة الأوطان فوق أديانهم وطوائفهم ومذاهبهم ما هو إلا شعار يخدرون به أهل الغفلة من الناس.
 

ولئن كانت خيانة بني قريظة شاهدة على ذلك فإن التاريخ مليء بالنماذج التي تدل على هذه السنة، وتؤكد تلك الحقيقة، وفي أثناء الحروب الصليبية أسس نصارى الشرق من الأقباط والموارنة لواء كاملا يعين نصارى الغرب على إبادة المسلمين، ويدل على عوراتهم، رغم العداوة الشديدة بين نصارى الشرق وهم الأرثوذكس، ونصارى الغرب وهم الكاثوليك.
 

وفي اجتياح التتار لبلاد المسلمين، وقضائهم على الخلافة العباسية انحاز ابن العلقمي الرافضي الباطني إلى المغول ضد المسلمين رغم أنه كان يشغل وزيرا للخليفة العباسي، فما رده عن خيانته توزير العباسيين له، وإغداقهم الأموال عليه، وتمكينه من مفاصل الدولة وثرواتها وقراراتها، بل استغل ذلك في نسج المؤمرات التي قضى بها على من أحسنوا إليه، وهذه النماذج الخائنة تتكرر عبر العصور والدول، وما أكثرهم في هذا العصر، وأشد تمكنهم في كثير من بلاد أهل الإسلام.
 

ولئن دل التاريخ على هذه الحقيقة فإن في واقعنا المعاصر نماذج منها، ففي اجتياح الصرب للبوسنة كان صرب البوسنة يدلون المحاربين من صربيا على جيرانهم وأبناء وطنهم من المسلمين، ويشاركون العدو الغاشم في إبادة أبناء وطنهم، وكذلك فعلوا في كوسوفا.
 

وفعل مثل ذلك الباطنيون الصفويون والعلمانيون في أفغانستان، كما فعلوه في العراق- ولا زالوا- ومذابحهم ضد جيرانهم من أهل السنة على أشدها، ولا زالت الأقليات النصرانية في بلاد المسلمين تحرض الغرب على دولها، وتدل على عورات المسلمين، وتسرب الأخبار والمعلومات للدول المستكبرة، وتستنجد بها على أوطانهم، وليس بعيدا عن ذلك ما حصل وما يحصل في السودان والصومال وإرتيريا وغيرها.
 

ورأينا في حرب لبنان القريبة أصحاب الطوائف الضالة قد ركلوا وطنيتهم بأقدامهم، وانحازوا بولائهم للدولة الصفوية الفارسية الطامعة في إعادة أمجاد كسرى بن هرمز وأنو شروان، رغم إحسان دولهم إليهم. كما رأينا أن أتباع التيارات الليبرالية الغربية قد أجروا أنفسهم لما يخدم مصالح الدول التي تستأجرهم، وتأمرهم وتنهاهم، بعيدا عن مصالح أوطانهم.
 

وكل هذه النماذج السيئة من الغدر والخيانة ما هي إلا صورة مكرورة من خيانة بني قريظة، وإذا ما ألمت بأهل أي بلاد ملمة، ودهمها عدوها ظهر هؤلاء الخونة على حقيقتهم، وخرجوا من تقيتهم، وركلوا وطنيتهم، وأعلنوا العداء السافر لمن أحسنوا إليهم، وحفظوا لهم حقوقهم، ولم يكرهوهم على دينهم.والتاريخ والواقع المعاصر مليئان بالشواهد على ذلك، والكيس الفطن لا ينخدع بالشعارات دون الحقائق، ولا يغشى على بصره لحن القول، وكثرة الوعود والعهود؛ فكم من وعد أخلف، وكم من معاهد غدر، ولا قوة للمسلمين ولا نجاة لهم من غدر الغادرين، وخيانة الخائنين، ورد كيد الكائدين إلا بالتمسك بدينهم، وتحكيم شرع ربهم، ومخالفة من يريدون إضعاف المسلمين بتبديل دينهم، وتغيير مناهجهم، وحرفهم عن منهجهم، مع أخذ الحيطة والحذر من الطوائف الضالة، وعدم تمكينهم في بلاد المسلمين، والاستعانة بالله تعالى على كل خائن وغادر، وإعداد العدة لإرهاب أعداء الخارج، وتخويف أهل الغدر والخيانة من أعداء الداخل ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ [الأنفال: 60].
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غزوة بني قريظة   الخميس 15 ديسمبر 2016, 7:13 pm

غزوة بني قريظة


دوس وعبر





مواصلة في الحديث عن غزوات المصطفى - صل الله عليه وسلم - ومعاركه نأخذ اليوم غزوة وقعت في مثل هذا الشهر شهر ذي القعدة وهي غزوة بني قريظة.
 

لقد كان بين الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين يهود بني قريظة عهداً واتفاقاً على أن ينصروه ضد كل غاز يريد أن يغزو المدينة فلما جاءت الأحزاب بقضها وقضيضها في معركة الأحزاب ما كان من أفاعي الدس والغدر والخيانة إلا أن يخونوا العهد ويخالفوا الاتفاق فبدلاً من أن ينصروا الرسول - صل الله عليه وسلم - حسب الاتفاق - قاموا بنصرة الأحزاب وشاركوهم في الحرب ضد المسلمين.
 

فلما وصل خبرهم بنقض العهد أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أربعة من أصحابه وقال لهم "انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا" فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكونون فقد جاهروهم بالسب والعداوة ونالوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالوا من رسول الله لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد فأقبل الصحابة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخبروه أنهم على غدر كغدر عضل وقارة بأصحاب الرجيع فتقنع رسول الله - صل الله عليه وسلم - بثوبه حين تأكد من غدرهم واضطجع ومكث طويلاً يفكر في هذا الوضع الحرج لأن المسلمين لم يكن يحول بينهم وبين يهود بني قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف وذراري المسلمين ونساؤهم على مقربة من هؤلاء الغادرين بدون منعة وحفظ ومن الأمام جيش عرمرم هو جيش الأحزاب التي تجمعت لقتال المسلمين فالأحزاب من الأمام ويهود بني قريظة الذين غدروا وخانوا من الخلف فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر من شدة الخوف وصار الحال كما قال الله ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 10، 11].
 

فلما أعز الله جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب في غزوة الأحزاب جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الظهر وهو يغتسل في بيت أم سلمة فقال له أوقد وضعت السلاح فإن الملائكة لم تضع أسلحتها فانهض بمن معك إلى بني قريظة فإني سائر أمامك أزلزل بهم حصونهم وأقذف الرعب في قلوبهم فأمر رسول الله - صل الله عليه وسلم - مؤذن يؤذن في الناس "من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة".
 

فنهض الناس من فورهم وتحركوا صوب بني قريظة فمنهم من صلى العصر في الطريق وقالوا إنما أراد منا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرعة الخروج ومنهم من صلاها عندما وصل إلى بني قريظة فلم يعنف النبي - صل الله عليه وسلم - واحدة من الطائفتين.
 

ثم أعطى الراية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه وخرج - صل الله عليه وسلم - في موكبه من المهاجرين والأنصار وتحرك الجيش أرسالاً أرسالاً حتى لحقوا بالنبي صلى لله عليه وسلم فكان عددهم ثلاثة الآف معهم ثلاثون فرساً فلما وصلوا إلى حصون بني قريظة فرضوا عليها الحصار حتى اشتد عليهم الحصار فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد اليهودي ثلاث خصال:
إما أن يسلموا ويدخلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دينه فيأمنوا دمائهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم وقال لهم والله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم، وإما أن يقتلوا ذراريهم ونسائهم بأيديهم ويخرج الرجال إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسيوف مصلتين يناجزونه وإما أن يهجموا جميعاً على رسول الله - صل الله عليه وسلم - وأصحابه فأبوا أن يجيبوه إلى واحدة من هذه الثلاث الخصال فغضب عليهم وانزعج منهم وقال لهم (ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً).
 

ثم بعثوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلبون منه أن يرسل إليهم أبا لبابة ليستشيروه وكان حليفاً لهم لعلهم يتعرفون منه ماذا سيحل بهم وكيف سيفعل بهم رسول الله - صل الله عليه وسلم - وبماذا سيحكم فيهم فلما جاءهم قام إليه الرجال وجهش النساء والصبيان بالبكاء وقالوا يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال نعم وأشار بيده إلى حلقه يقول لهم إنه الذبح.
 

لقد كان بإمكان هؤلاء الجبناء أن يتحملوا الحصار لفترات طويلة وذلك لمناعة حصونهم وقوتها وتوفر المواد الغذائية والآبار فيها ولأن المسلمين كانوا يقاسون البرد القاسي والجوع الشديد وهم في العراء خاصة مع شدة التعب الذي اعتراهم جراء مواصلة الأعمال الحربية في غزوة الأحزاب إلا أن الله قذف في قلوب اليهود الرعب ودب في نفوسهم الخوف وأخذت معنوياتهم تنهار خاصة بعد أن تقدم علي والزبير بن العوام رضي الله عنهما فصاح علي "يا كتيبة الإيمان والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو لأفتحن حصونهم".
 

فلما سمعوا هذه الكلمات انهاروا وسلموا وبادروا بالنزول على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باعتقال رجالهم ووضع القيود في أيديهم ووضع النساء والذراري في معزل عن الرجال فقال الأوس يا رسول الله قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج وهؤلاء موالينا فأحسن فيهم فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم قالوا بلى قال فذاك إلى سعد بن معاذ قالوا قد رضينا فأرسل إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة لم يخرج معهم لجرح أصابه في معركة الأحزاب فجاء على حمار فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - قوموا إلى سيدكم فأنزلوه فجعلوا يقولون له يا سعد أجمل في مواليك فأحسن فيهم فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حكمك لتحسن فيهم وهو ساكت لا يتكلم بشيء فلما أكثروا عليه قال " لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم " فحكم عليهم بأن يقتل رجالهم وتسبى ذراريهم ونسائهم وتقسم أموالهم فقال رسول الله - صل الله عليه وسلم - " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات" ثم حفرت لهم خنادق في سوق المدينة فجعلوا يذهبون بهم إليها أفواجاً أفواجاً فتضرب أعناقهم في تلك الخنادق جزاء ما ارتكبوه في المسلمين من الغدر الشنيع والخيانة الكبرى فقال بعضهم لرئيسهم كعب بن أسد ما تراه يصنع بنا يأخذنا أفواجاً أفواجاً قال لهم أفي كل موطن لا تعقلون أما ترون الداعي لا ينزع والذاهب منكم لا يرجع هو والله القتل.
 

ووجد المسلمون في حصونهم ألفاً وخمسمائة سيف جمعوها لحرب المسلمين وإبادتهم وألفين رمح وثلاثمائة درع وخمسمائة ترس فوزعت بين المسلمين غنائم.
 

هكذا تم استئصال أفاعي الشر والغدر والخيانة الذين نقضوا الميثاق المؤكد وعاونوا الأحزاب على إبادة المسلمين في أحرج ساعة يمرون بها في حياتهم فاستحقوا الإعدام والقتل وقتل معهم أكابر مجرميهم وقتل من نسائهم امرأة واحدة كانت قد وضعت الرحى على خلاد بن سويد رضي الله عنه فقتلته فقتلت لأجل ذلك وأما الأولاد فقد قُتل منهم من بلغ وتُرك من لم يبلغ وأسلم منهم نفر قبل نزول الحكم فحقنوا دمائهم وأموالهم ونسائهم وذرايهم.
 

هذه خلاصة وجيزة لغزوة بني قريظة التي وقعت في شهر ذي القعدة من السنة الخامسة لهجرة المصطفى - صل الله عليه وسلم - يقول الله سبحانه وتعالى عن هذه الغزوة ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ [الأحزاب: 26، 27].
 

الخطبة الثانية


إن هذه الغزوة وغيرها من الوقائع والأحداث تكشف لنا خبث اليهود وحقدهم ونقضهم للعهود ومخالفتهم للاتفاقيات فهؤلاء قوم لا يفهمون لغة الحوار ولا السلام ولا المفاوضات ولا التنازلات وإنما يفهمون لغة واحدة هي لغة السلاح والقوة والرصاص ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29].
 

فمن ظن في هؤلاء خيراً أو توقع منهم نفعاً أو انتظر منهم أو من مجلس خوفهم أو أممهم المتحدة المجرمة شيئاً لصالح الإسلام والمسلمين فهو واهم مخالف لصريح الكتاب والسنة.
 

من الدروس المستفادة من هذه الغزوة أخذ الأخبار من مصادرها وأصحابها الحقيقيين ولهذا فإن الرسول - صل الله عليه وسلم - لما سمع أن يهود بني قريظة قد نقضوا العهد أرسل إليهم أربعة من أصحابه ليتأكدوا له من صحة الخبر فوجدوا الخبر صحيحاً وسمعوهم يقولون "من محمد لا عهد بيننا وبينه ولا عقد".
 

فيجب التأكد في الأخبار من أصحابها ومصادرها الأصلية خاصة في هذا الزمن الذي كثرت فيه الأقاويل والأراجيف والأخبار الملفقة فربما يسمع الإنسان أن الشيخ الفلاني أو الجهة الفلانية أو جماعة معينة قالوا كذا وكذا أو أفتوا بكذا وكذا أو فعلوا كذا وكذا فهنا يجب أن نرجع إلى مصدر أو موقع هذه الجهة أو الجماعة أو الشخص ليتبين منه عن حقيقة ما قال أو فعل ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6].
 

تعلمنا الغزوة أدب الخلاف الناتج عن اختلاف الأفهام والآراء، فالصحابة رضي الله عنهم منهم من فهم من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - "لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة" أن الصلاة تكون على وقتها وإنما أراد رسول الله - صل الله عليه وسلم - وقصد سرعة الخروج والإسراع في التجهز للنزول إلى بني قريظة فصلوا العصر في الطريق ومنهم من فهم فهماً آخر أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة فأخروا الصلاة حتى وصلوا إلى بني قريظة فصلوا هناك عندما وصلوا.
 

فكل فريق منهم فهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهماً وبنى عليه حكماً فلم يعنف النبي - صل الله عليه وسلم - واحدة من الطائفتين.
 

ولهذا فإن العلماء قد يختلفون وتتباين آراؤهم في المسألة الواحدة لكل منهما دليل ومستند فلا يجوز حينئذ أن نتعصب لهذا الرأي أو ذاك وهذا الاختلاف إنما يكون غالباً في المسائل الفقهية الاجتهادية أما مسائل العقيدة وأمور التوحيد فإنها أصول ثابتة لا خلاف فيها ولا يجوز الاختلاف عليها.
 

من فوائد الغزوة أيضاً أنها أظهرت محاسن الإسلام وأخلاقياته في الحرب فالنبي - صل الله عليه وسلم - لم يقتل من يهود بني قريظة إلا الرجال وأما النساء والأطفال الذين لا علاقة لهم بالحرب والقتال فلم يتعرض لهم بسوء.
 

فكل من لم يقاتل منهم ولم يتعرض المسلمين بشيء فيترك ولا يقتل أما من شارك منهم في قتال المسلمين ولو بكلمة أو رأي أو دعم أياً كان نوعه فإنه يقتل ولو كان طفلاً أو امرأة كما فعل النبي - صل الله عليه وسلم - بالمرأة التي وضعت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته فقتلت لأجل ذلك.
 

فشتان بين الأخلاق العسكرية الإسلامية وبين الأفعال اليهودية والصليبية التي لا تفرق بين أحد فتقصف قصفاً عشوائياً وتستخدم الطائرات الحربية أو من دون طيار لقصف المناطق بمن فيها وهدم البيوت على رءوس ساكنيها.
 

روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - مقتولة فأنكر النبي - صل الله عليه وسلم - قتل النساء والصبيان"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: غزوة بني قريظة   الخميس 15 ديسمبر 2016, 7:13 pm

أحداث غزوة بني قريظة

"رصد وتحليل"




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسَلين، وآله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد اتَّخذ البعضُ من الجهلة وأصحاب النيات المَقِيتة ممَّا جرى يومَ قُريظةَ وسيلةً ينالون بها من الإسلام ونبيِّه الكريم صلى الله عليه وسلم، وينعتون المسلمين بأوصافٍ لا تليق؛ كممارسة الإبادة الجماعية، والتطهير الديني للأقليات، دون الخوض في العمق ورصد الأحداث، ثم تحليلها تحليلًا علميًّا مبنيًّا على الواقعية، وبعيدًا عن المزايدة، ما حدا بي لكتابة هذه السطور والرد على الملاحدة الذين افتَرَوا على رسول الله صل الله عليه وسلم؛ ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42]، والله حسبي وعليه أتوكل.
 
إلى قريظة:
لفهمِ ما جرى يوم قريظةَ لا بد من التعريجِ إلى غزوة الخندق، والتوقف عند أحداثها؛ ليفهم البعضُ جزءًا من القصة، بل ولا بد من العودة إلى هجرةِ رسول الله صل الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، فمِن هنا يفهم المسلمُ أصلَ القصة.
 
هجرة رسول الله صل الله عليه وسلم إلى المدينة:
هاجر رسول الله صل الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، لَمَّا أسلم الأنصار وبايعوه بيعةَ العقبة الثانية، وقد عانى من قسوةِ أهل مكة واضطهادِهم وأذيتِهم لأصحابه، بل قتلهم لبعضهم؛ كسميَّةَ بنت خياط، وحارثة بن أبي هالة، لا لشيء إلا أنهم قالوا: ربنا الله، ورفضوا الانحناء للأوثان المنحوتة.
ولَمَّا وصل رسول الله صل الله عليه وسلم إلى المدينة آخى بين المسلمين، وعاهد اليهود.
ظل المسلمون متمسكين بالعهود، إلا أن اليهود كلما برقت لهم بارقةُ أملٍ نكثوا العهد، هُزِمت قريشٌ يوم بدر وصُرع صناديدُ الكفر، فذهب كعب بن الأشرف - الشاعر اليهودي - يُحرِّض قريشًا على الثأر لقتلاها، واشتد أذاه للمسلمين، فبدأ يشبِّب بنسائهم، ما حدا برسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينتدبَ له مَن يقتله، فقال في ملأٍ من أصحابه: ((مَن لكعب بن الأشرف؛ فقد آذى الله ورسوله؟))، فقال محمد بن مَسْلَمَةَ: أنا له يا رسول الله، وخرج إليه هو وأبو نائلة في سرية من المسلمين، فأتَوا برأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يردعْ ذلك اليهود، بل قام بنو قَيْنُقاع بالبكاء على قتلى قريش يوم بدر، وبدؤوا التحرش بالمسلمين، فتحرك رسول الله صل الله عليه وسلم وصحابتُه، مسرعين إلى حصون قينقاع، وكانت النتيجة إجلاء بني قينقاع، بعد أن شفع فيهم عبدالله بن أُبَي.
 
هدأ اليهود بعد تلك الواقعة وأظهروا تمسُّكهم بالعهد، إلى أن قَتَل عمرو بن أمية الضمري - الناجي الوحيد من مأساة بئر معونة - عامريَّينِ؛ ظنًّا منه أنه يثأر بذلك لأصحابه، ودون أن يعلم بعهدهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد قتلتَ قتيلينِ، لَأَدِيَنَّهما))، وكان من بنود العهد مع اليهود: أن يُعينَ اليهودُ المسلمين في الملمَّات، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النَّضير - إحدى قبائل اليهود المجاورة للمدينة - يستعينهم في دِيَة العامريينِ، فأظهَروا تمسكهم بالعهد، ثم أرسلوا عمرو بن جحاش ليعلوَ الحصن ويُلقي عليه صلى الله عليه وسلم صخرةً؛ ظنًّا منهم أنه سيقتله، في تنصُّل واضح من العهود المبرَمة، فما كان إلا أن أعلم جبريلُ رسولَ الله صل الله عليه وسلم بما بيَّت اليهود من الغدر به، فخرج من ديارهم، وأرسل إليهم يدعوهم للخروج من المدينة، وألَّا يُساكنوه فيها وقد همُّوا بما همُّوا به من الغدر، وأجَّلهم ثلاثة أيام، مَن وجده بعد ذلك منهم ضرب عنقه، فهموا بالرحيل، بَيْدَ أن إخوانهم من شياطين الإنس والجن أشاروا عليهم بألا يخرجوا، ووعدوهم ومنَّوْهم بالنصر، بَيْدَ أن إرادة الله غالبةٌ.
 
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه إليهم، لَمَّا جاءه منهم البلاغ أنهم لن يخرجوا، وليفعل ما بدا له، فلما رأى اليهود أن المسلمين مصرِّين على إخراجهم، نزلوا عند حكم رسول الله صل الله عليه وسلم؛ وما ذاك إلا ليقينِهم بعدلِه، فاصطلحوا أن لهم ما حمَلت الإبل إلا السلاح، فخرجوا مهزومين، واتجهوا إلى خيبر، وبعضهم ذهب إلى الشام.
 
يقول الملاحدة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استفرد بقبائلِ اليهود واحدةً واحدة، وإلا لَمَا تمكن من إخراجهم من المدينة، متناسين مَعيَّة الله ونصرَه للمؤمنين على قلة عددهم، وعدْل رسول الله صل الله عليه وسلم الذي شمل الصاحبَ والعدوَّ، دليلُه القرآن: ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ ﴾ [الأنعام: 164]، وجاهلين بما جاء في وثيقةِ الصلح بين المسلمين واليهود - الذي جسَّد الآية الكريمة -: "أنه لا يأثم امرؤ بحليفه".
 
بقِيَتْ قريظةُ بأمان مع المسلمين بعد خروج بني النَّضير، وعاملهم المسلمون بمقتضى العهد، إلى أن خرج رؤوسُ بني النضير الذين أُجلوا من المدينة إلى قريش، وألَّبوا الأحزاب ضد المسلمين، وخرج 10000 مقاتل لغزو المدينة، فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع أصحابه واستشارهم، فأشار عليه سلمان بحفر الخندق - كما هو معلوم من كتب السيرة - فلما رأى الأحزاب الخندق حائلًا دون اقتحام المدينة، قرَّروا فرض الحصار عليها، ومن المعلوم أن خطةَ النبي صل الله عليه وسلم الحربيةَ هي حفرُ الخندق ووضع حراسات عليه، ثم أرسل النساء والأطفال إلى حصن المدينة، وأفرغها من المقاتلينَ.
 
طال الحصار دون أملٍ للأحزاب، وقُتِل أحدُ أعظم محاربيهم عمرو بن عَبْدِ وُدٍّ، في مبارزة مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، لحظَتَها قرَّر قادة الأحزاب أن يأتوا المسلمين من مأمنِهم، فذهب حُيَي بن أخطب وبعضٌ من قادة اليهود إلى حصن بني قريظة؛ حيث استقبلهم كعب بن أسد - سيد بني قريظة - وبعد حديثٍ انضموا إلى الأحزاب، فعلم بذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأرسل سعدَ بن معاذ، وسعدَ بن عُبادة، ومحمد بن مَسْلمة؛ ليتيقنوا له من الخبر، وأمرهم أنهم إن وجدوهم على العهد فليُعْلِنوها بين الناس، وإلا همسوا له همسًا خفيفًا، فلما جاء النفرُ إلى اليهود رأَوا منهم ما يدل على الغدر، وأسمعوهم ما يكرهون في رسول الله صل الله عليه وسلم!
خذَّل نُعَيْمٌ الأحزابَ، وأرسل الله عليهم ريحًا اقتلعت خيامهم، وزلزلهم زلزالًا شديدًا، ما جعلهم يفرُّون للنجاة بجلودهم.
 
دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيتِه ليستريح بعد فترة من مناجزة الأحزاب، فجاءه جبريل بالأمر الإلهي: أَوَضَعْتَ سلاحَك يا محمد؟! فإن الملائكة لم تَضَعْ أسلحتها بعدُ، وأمره بالمسير إلى قريظةَ؛ لتأديبها على غدرها، فأعلن رسول الله صل الله عليه وسلم النفيرَ العامَّ بين أصحابه: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يُصلِّينَ العصر إلا في بني قُريظة)).
اجتمع المسلمون حول حصونِ بني قريظة، وما إن رأوهم حتى دب الرعب في قلوبهم، فنزلوا عند حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشفع فيهم الأوس؛ حفاظًا على مودة قديمة بينهم - وهم الذين أرادوا الفتكَ بالمسلمين في أحلك الأوقات، متناسين العهود وتلك المودة - فكان جواب رسول الله صل الله عليه وسلم للأوسِ: ((أترضَوْنَ أن يحكم فيهم رجلٌ منكم؟))، قالوا: نعم، قال: ((فذاك إلى سعد بن معاذ)).
 
يسأل البعض: لماذا سعد بن معاذ دون غيره؟
فالجواب: لأن سعدًا كان سيِّدَ الأوس، وهو الذي انتدبه رسولُ الله صل الله عليه وسلم لمكانتِه في قومه إلى اليهود، ليرشدهم إلى حفظ العهد، فلم يرعوا له إلًّا ولا ذمَّة.
ما هو حكم سعد؟
حكَم سعدٌ بقتل المقاتِلة، وسَبْي النساء والذرية، وتقسيم أموالهم غنيمةً بين المسلمين، فقال رسول الله صل الله عليه وسلم: ((لقد حكمتَ فيهم بحكمِ الله من فوق سبع سموات)).
ولنتأمَّل الحُكم:
مَن الذين حكَم بقتلهم؟
هم المقاتِلة، والمقاتِلة - في الاصطلاح - هم الذين قاتَلوا وحملوا السلاح؛ (جزاءً وفاقًا).
وتوافينا كتب السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك عمرو بن سُعْدَى القُرَظي؛ لأنه لم يُقِرَّهم على نقض العهد، وشفع أحد أصحابه في الزبير بن باطا، فتركه له رسول الله صل الله عليه وسلم، إلا أن اليهودي أصرَّ على اللحاق ببني قومه القتلى، فألحقه الأنصاري بهم!
فأين المأساة إذًا؟
وأين هي الإبادة المزعومة؟ 600 -700 مقاتل غير شريف، ينكثون العهود في أحلك الأوقات، ويهجمون على نساء وأطفال المسلمين في حصن المدينة، ولا يلقون بالًا للمقدسات الدينية، لاقوا جزاءَ غدرهم، ثم يتحدث البعض عن إبادة؟!
• نساء وأطفال وشيوخ تُركوا في حصن المدينة دون حراسة، لاشتغال المسلمين بدفع عدوهم، يستفزهم هؤلاء، ولولا تلك الشجاعة التي أبدَتْها صفية بنت عبدالمطلب - عمة رسول الله صل الله عليه وسلم - لقتَلَهم اليهود، أو أرسلوهم قَرَابين لقريشٍ، وقد حدث مثل ذلك من بعض مشركي العرب الذين هم أكثر وفاءً من هؤلاء.
• المسلمون أخذوا بحق الرد الذي كفله لهم القرآن: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 194، ولم يُمثِّلوا بقتلاهم، بل دفنوهم في مقابر جماعية.
• اصطفى رسول الله صل الله عليه وسلم لنفسِه منهم ريحانة، وأكرمها، بل تروي بعض المصادر أنه عرَض عليها الزواج، إلا أنها رأت أن بقاءها أَمَةً أشرفُ لها، فتركها وما اختارت، ووزَّع بين أصحابه دون أن يكره أحدًا منهم على اعتناق الإسلام.
• لم توافِنا كتب السير عن مصير هؤلاء بعد السَّبي، هل افتداهم ذَوُوهم من يهود خيبر، أم ظلوا في عهدة المسلمين؟
إلا أن المصادر متَّفِقة أن المدينة لم تخلُ تمامًا من اليهود، كما يصور الذين يزعمون أن المسلمين مارسوا التطهير العِرقي بحق اليهود، بل توفي رسول الله صل الله عليه وسلم ودرعُه موهونة عند يهودي، وفي زمان أمير المؤمنين عمر كان اليهودُ لا يزالون بالمدينة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
غزوة بني قريظة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: الدين والحياة :: السيرة النبوية الشريفة-
انتقل الى: