منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
هذا منتدى ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الجمعة 24 فبراير 2017, 6:53 pm

الورقة النقاشــية الأولــــــى

"مسيرتنا نحو بناء الديمقراطية المتجددة"

 

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين

29كانون الأول/ديسمبر 2012


وتنطلق الحملات الانتخابية:

يأتي نشر هذه الورقة النقاشية* مع بدء الحملات الانتخابية للقوائم الوطنية والدوائر المحلية على امتداد ربوع وطننا العزيز، معلنة انطلاق سباق انتخابي نحو مجلس النواب القادم، هذا السباق الذي سيحظى فيه كل يوم من أيام الحملات الانتخابية بأهمية كبرى، وسيكون لكل مواطن ولكل صاحب صوت منكم دور أساسي في بث الحياة من جديد في مسيرتنا الديمقراطية.

وعلينا أن نتذكر أن التنافس بين المرشحين لن يكون من أجل منصب يصلون من خلاله إلى مجلس النواب لحصد امتيازات شخصية، بل هو تنافس من أجل هدف أسمى ألا وهو شرف تحمّل المسؤولية: مسؤولية اتخاذ القرارات التي تمس مصير الأردن وجميع الأردنيين.

إن مسؤوليتي في هذا الظرف تتمحور في تشجيع الحوار بيننا كشعب يسير على طريق التحول الديموقراطي، وتأتي ورقة النقاش هذه كخطوة على هذا الطريق، حيث أسعى من خلال ما أشارككم به اليوم، إضافة إلى مجموعة من الأوراق النقاشية التي ستنشر خلال الفترة القادمة، إلى تحفيز المواطنين للدخول في حوار بناء حول القضايا الكبرى التي تواجهنا. وكنت قد أوضحت منذ بضعة أسابيع في مقابلة مع صحيفتي "الرأي والجوردن تايمز"، وبالتفصيل، رؤيتي لمستقبل الديمقراطية في الأردن وخارطة الإصلاح التي ستقودنا إليه. أما اليوم، فإنني سأكرس هذه الورقة للحديث حول مجموعة من الممارسات التي أؤمن أننا بحاجة إلى تطويرها وتجذيرها على امتداد رحلتنا نحو الديمقراطية، ضمن نظامنا الملكي الدستوري.

لقد آن الأوان للتحرك بجدية نحو محطات رئيسة على طريق إنجاز الديمقراطية، وستمثل الانتخابات النيابية القادمة إحدى المحطات الأساسية على خارطة طريق الإصلاح السياسي. وقد بدأتم، كمواطنين، تلتقون المرشحين يجوبون أحياءكم للفوز بثقتكم وبأصواتكم. ولكن الأهم من ذلك هو محافظة هؤلاء المرشحين على ثقتكم، واحترامهم لأمانة أصواتكم، على مدى السنوات القادمة، ولكم الحق، بل عليكم مسؤولية وطنية بمحاورتهم للوقوف على توجهاتهم إزاء القضايا المهمة التي نعيشها، وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي وقضايانا الوطنية ذات الأولوية والرؤية المستقبلية لوطننا الغالي.

ومن المهم أيضاً ألا تنحصر حواراتكم ونقاشاتكم بالمرشحين فقط، بل أن تتناقشوا فيما بينكم كمواطنين في مجالسكم ودواوينكم، وفي المنتديات الثقافية، وفي مختلف المنابر الاجتماعية المتاحة حول جميع القضايا ذات الأولوية دون أية قيود أو محددات. فحتى تنجح الديمقراطية، لا بد من استمرار الحوار والنقاش، وأن يبادر الناخبون للتصويت على أساس مواقف المرشحين من الأولويات الأساسية التي يطرحها المواطنون، وليس على أساس العلاقات الشخصية، أو صلات القربى.

إنني أؤمن بأن رؤية المواطنين للعملية السياسية، سواء أكانوا يمثلون حزباً سياسياً أو فئة اجتماعية محددة، تقوم على اعتبارها فرصة للتنافس العادل والشريف من أجل الوصول إلى أفضل الأفكار والحلول. فلا يمكن لفئة بمفردها تحقيق جميع الأهداف التي تسعى إليها، بل يجب التوصل إلى تفاهمات تتبنى حلولا وسطا وتحقق مصالح الأردنيين جميعاً، فالامتحان الحقيقي والحاسم لمساعينا الديمقراطية يكمن في قدرتنا على النجاح كأسرة واحدة في مواجهة التحديات.

تبرز في الكثير من الأحيان في الأردن، كما في باقي دول العالم، اختلافات في الرأي، لأسباب شخصية أو سياسية، تعبر عن نفسها بمظاهر تأخذ أحيانا أشكالا غير بناءة كالتصلب في المواقف والعنف والمقاطعة التي لا تقود بالضرورة إلى النتائج المرجوة. وهذه المظاهر تؤدي إلى توقف آني للممارسة الديمقراطية وتحول دون الوصول إلى التوافق المنشود. ولذا، علينا جميعا أن نعمل من أجل تجاوزها وإعادة عربة الديمقراطية إلى مسارها الصحيح، فالديمقراطية لا تكتمل إلا بالمبادرة البنّاءة وقبول التنوّع والاختلاف في الرأي. كما أن الوصول إلى مقاربة متوازنة تجمع بين الحوار المنفتح، والمنافسة الشريفة، واتخاذ القرار عن وعي ودراية، هي لبنة أساسية في بناء النظام الديموقراطي الذي نريده نهجا يقودنا إلى المستقبل المشرق الذي يستحقه جميع الأردنيين.

وعليه، فإن رؤيتنا لطبيعة النظام الديموقراطي الذي نعمل على بنائه واضحة، كما أن طريق الوصول إليه واضح، لكنه ليس بالطريق السهل، ولا يوجد طريق مختصر، إنه طريق يُبنى بالتراكم، ويحتاج بشكل أساسي إلى مراجعة أهم ممارساتنا الديمقراطية، وفي مقدمتها: كيف نختلف ضمن نقاشاتنا العامة، وكيف نتخذ القرار.

وهذا يقودني للحديث عن تطوير الممارسات الضرورية للديمقراطية. فما نحتاجه، بالتزامن مع انطلاق الحملات الانتخابية، هو تطوير ممارسات ترتبط بمفهوم المواطنة الصالحة، التي تشكل الأساس لديمقراطية نابضة بالحياة.

وبرأيي، هناك أربعة مبادئ وممارسات أساسية لا بد أن تتجذر في سلوكنا السياسي والاجتماعي حتى نبني النظام الديموقراطي الذي ننشد. وتمثل الانتخابات النيابية القادمة فرصة حقيقية لتعزيز هذه المبادئ والممارسات، والتي من المهم ألا تتوقف بانتهاء العملية الانتخابية، بل أن تستمر حتى تترسخ قناعات ثابتة في حياتنا اليومية خلال السنوات القادمة. وتتجلى هذه المبادئ والممارسات بما يلي:

‪ أولاً: احترام الرأي الآخر أساس الشراكة بين الجميع‪

لنتذكر جميعا أننا كأردنيين وأردنيات إخوة وأخوات متساوون وفي مركب واحد، وأن وحدتنا وإخلاصنا لهذا البلد يسمو فوق كل اختلاف، سواء أكان في العرق، أو الأصل، أو الدين. ومن الضروري أن نعمل معا على توسيع دائرة الاحترام والثقة المتبادلة بيننا، وأن نبني عروة وثقى تجمع الأردنيين على أساس احترام الإنسان وكرامته.

‪ وهذا الاحترام المتبادل هو ما سيمكننا من أن نُتقن واجب الاستماع كما هو حق الحديث. ولا بد أن نعي جميعا بأن تفهم الرأي الآخر هو أعلى درجات الاحترام، وأن حرية التعبير لا تكتمل إلا إذا التزمنا بمسؤولية الاستماع، وبهذه الممارسة فقط سنترك وراءنا نمط التفكير الذي يصنف المجتمعات إلى مجموعات متنافرة على أساس "نحن" و"الآخر"، ففي نهاية المطاف كلنا أردنيون وكلنا للأردن.

‪  ثانياً: المواطنة لا تكتمل إلا بممارسة واجب المساءلة‪:

إنني أدعو المواطنين هنا إلى الانخراط في بحث القضايا والقرارات المهمة ذات الأولوية في مجتمعنا وسبل إيجاد حلول لها، ولتبدأ هذه الممارسة اليوم قبل الغد من خلال إسماع أصواتكم في الحملات الانتخابية، ومن خلال التصويت يوم الاقتراع. وتذكروا أن الديمقراطية لا تصل مبتغاها بمجرد الإدلاء بأصواتكم، بل هي عملية مستمرة من خلال مساءلتكم لمن يتولون أمانة المسؤولية، ومحاسبتهم على أساس الالتزامات التي قطعوها على أنفسهم. كما أن الديمقراطية مستمرة أيضاً من خلال انخراطكم في نقاشات وحوارات هادفة حول القضايا التي تواجه أسركم، ومجتمعاتكم المحلية، والوطن بعمومه، وفي مقدمتها محاربة الفقر والبطالة، وتحسين خدمات الرعاية الصحية والتعليم والمواصلات العامة، والحد من آثار الغلاء المعيشي، ومحاربة الفساد بأشكاله وأي إهدار للمال العام. وتتطلب هذه الممارسات أن يتقدّم المرشحون للانتخابات ببرامج عملية وموضوعية مبنية على الحقائق وليس الانطباعات، بحيث توفر تلك البرامج حلولا قابلة للتنفيذ لمعالجة مشاكلنا، مع تجاوز الشعارات البرّاقة والتنظير والإفراط في تشخيص المشاكل دون طرح حلول واقعية وعملية.

‪  وأدعوكم أيضاً إلى الحرص على مجموعة من الممارسات التي تبقي المجتمعات متفاعلة وحيّة، فالمواطنون الواعون والمسؤولون هم الذين يتابعون وسائل الإعلام، مع الحرص على توخي الحقيقة والموضوعية، ويتفاعلون معها تعبيرا عن أرائهم، ويتواصلون مع ممثليهم في مجلس النواب والمجالس المحلية وقادة مجتمعاتهم ويسائلونهم ويتابعون أداءهم ومواقفهم، ويبادرون للتجمع وتنظيم أنفسهم على المستوى المحلي، ويتخذون موقفا موحدا، ويعملون من أجل معالجة قضاياهم المحلية، ومن بينها على سبيل المثال: الاهتمام بخدمات المياه والصرف الصحي والنظافة العامة، وإدامة الطرق والبنى التحتية، والمحافظة على المتنزهات والحدائق، وتعزيز السلامة المرورية وغيرها. ‪

ثالثاً: قد نختلف لكننا لا نفترق فالحوار والتوافق واجب وطني مستمر‪:

يرتبط التواصل والتعبير عن الآراء في المجتمع الديموقراطي بالتزام مبدأ الاحترام مع حق الاختلاف في الرأي، في ظل سعينا للوصول إلى حلول توافقية. أما تنوّع الآراء والمعتقدات والثقافات في مجتمعنا فقد كان على الدوام عنصر قوة، ولم يكن عامل ضعف أبدا. ‪

إن الاختلاف لا يؤشر على وجود خلل، وليس شكلاً لانعدام الولاء، بل إن الاختلاف المستند إلى الاحترام هو دافع للحوار، والحوار فيما بين أصحاب الآراء المختلفة هو جوهر الديمقراطية، والديمقراطية هي الأداة التي تجعل من الحلول التوافقية أمراً يمكننا من المضي إلى الأمام. ‪

وباعتقادي فإن الوصول إلى حلول توافقية يقوم على مبدأ "أن نعطي كما نأخذ"، وبهذا المنطق، فإن على جميع الأطراف أن تدرك أنها تحقق بعض ما تريد، وليس كل ما تريد. والمبادرة للتنازل وصولاً إلى حلول توافقية هي فضيلة ترفع من شأن من يتحلى بها، وليست علامة ضعف، فأكثر أفراد المجتمع فضلاً هم الذين يبادرون للتضحية في سبيل الصالح العام، وهؤلاء الذين يؤثرون على أنفسهم هم من يرسخ في الذاكرة الوطنية. ‪

وأدعوكم أيضاً للالتزام بالحوار والنقاش سبيلا لحل الاختلاف في الرأي، قبل الانسحاب من طاولة الحوار والنزول إلى الشارع. وبالرغم من الإيمان والإجماع الراسخ بأن حق التظاهر مكفول بالدستور، فلا بد أن نعي جميعا أن هذه أداة اضطرارية، لا يتم اللجوء إليها إلا كخيار أخير، ولا يصح المسارعة إلى تبنيها فيتعطل الحوار ويغلق باب التواصل. ولنتذكر جميعا أنه يتوجب علينا، وبعد أي إضراب أو اعتصام أو مقاطعة، العمل سوية من جديد وصولا إلى حلول توافقية نمضي بها نحو بناء مستقبلنا يداً بيد. ‪

ولا بد في هذا السياق من التأكيد على أن الإيمان بالديمقراطية يستوجب الرفض الكامل للعنف وللتهديد باستخدامه، ونبذ تخريب الممتلكات العامة، فهذه وسائل مرفوضة، ولا يمكن قبولها تحت أي ذريعة. ‪

رابعا: جميعنا شركاء في التضحيات والمكاسب‪:

علينا أن نضع نصب أعيننا حقيقة أن الديمقراطية في جوهرها لا تعني أنه يوجد رابح أو خاسر، كما لا يوجد أجوبة صحيحة بالمطلق. فقوتنا تكمن في قدرتنا على التعامل مع المتغيرات من حولنا، ولقد كان شعبنا على امتداد تاريخنا مثالاً في إثبات القدرة على التعامل مع الظروف المستجدة من حوله. وكونوا على ثقة بأننا جميعاً سنربح مع استمرارنا في التواصل والمضي إلى الأمام على مسار الإصلاح والتنمية الشاملة، مع ضرورة أن يكون الجميع شركاء في بذل التضحيات وحصد المكاسب. ‪

وبهذا أنتقل إلى القسم الأخير من هذه الورقة النقاشية، حيث أحاول الإجابة على سؤال مفاده: كيف نتأكد أننا على الطريق الصحيح؟ ‪

سنتمكن، خلال الحملات الانتخابية، وخلال السنوات التي تلي الانتخابات القادمة، من التأكد أننا نسير على الطريق الصحيح، طالما التزمنا بالمبادئ الديمقراطية التي ذكرتها، وبتحسين ممارستها، وصولاً إلى تحقيق ما يلي:

بلورة إحساس جمعي بالكرامة والاعتزاز بما ننجزه سويا كشعب واحد.

تنمية إحساس وطني بالإنجاز، مستمد من التغلب على التحديات، والتسلح بروابطنا وتضحياتنا المشتركة، والإيمان بأن طريقنا نحو الازدهار والأمان ينطلق من ديمقراطيتنا التي تتعزز يوما بعد يوم.

المشاركة بقوة في صناعة مستقبل الأردن من خلال التصويت في الانتخابات، والالتزام بالديمقراطية نهج حياة.

إدامة الحوار البناء والقائم على الاحترام بين المواطنين والتواصل عبر وسائل الإعلام بما فيها الاجتماعي والإلكتروني.

تجذير أسس التعامل الحضاري بين المواطنين، وثقافة العمل التطوعي، بما يقود إلى مستويات متقدمة من الثقة والعطاء في المجتمع.

وختاما، فقد شرع الأردن فعلاً في الدخول في مرحلة جديدة حافلة بالعطاء على طريق التحديث والتنمية والبناء، وبعبور مفصل تاريخي زاخر بالتحديات والفرص، وكلي ثقة بقدرة الأردنيين على التغلب على الصعاب وتجاوز التحديات. وأتطلع اليوم للوقوف على آراء جميع المرشحين في هذه الانتخابات ومواقفهم، وأدعو الفائزين منهم أن يدركوا أنهم يتحملون أمانة عظيمة: وهي مسؤولية تمثيل جميع الأردنيين والأردنيات.

كما أدعو المواطنين والمواطنات من أبناء وبنات شعبنا العزيز لتبني المبادئ والممارسات الديمقراطية التي عرضتها للتو، فهي تشكل اجتهادا لترسيخ سلوكيات المواطنة الصالحة، المؤمنة بالديمقراطية نهج حياة. وأحث الجميع على استثمار هذه الفرصة التاريخية لممارسة حقوقهم ومسؤولياتهم، خصوصاً في ظل التعديلات الدستورية الأخيرة التي كرست مكانة الشعب شريكاً حقيقياً في صناعة القرار، وأن يتحملوا واجباتهم الوطنية بانتخاب مجلس نواب كفء قادر على خدمة الصالح العام وضمان مستقبل أفضل لأردننا الحبيب.

اليوم وليس غداً نبدأ معاً لحظة المسؤولية التاريخية لبناء المستقبل الذي يستحقه الأردن، وينشده الجميع لأجل الحاضر والمستقبل.

 

* هذه المقالة هي ورقة نقاشية ضمن سلسلة أوراق ينشرها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لعرض رؤيته لمسيرة الإصلاح الشامل في الأردن في مختلف المجالات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الجمعة 24 فبراير 2017, 6:53 pm

الورقة النقاشــية الــثــانــيــة

 

"تطوير نظامنا الديمقراطي لخدمة جميع الأردنيين"

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين

16 كانون الثاني/يناير 2013


الديمقراطية في جوهرها عملية حيّة نمارسها جميعاً، مواطنين ودولة. وفي الأردن، شكَّل الدستور أساس الحياة السياسية والديمقراطية الذي طالما وفر إطاراً تنظيمياً لقراراتنا وخياراتنا على مدى تسعين عاما. وهذا هو الأساس، ولكن لا بد أن تستمر المؤسسات والقوانين بالتطور والارتقاء نحو الأفضل. لقد حققنا بالفعل تقدماً مشهوداً على هذا الطريق في السنوات الأخيرة، إذ قادت التعديلات الدستورية التي شملت ثلث الدستور إلى تعزيز الفصل والتوازن بين السلطات، ورسخت استقلال القضاء، وصون حقوق المواطن. كما تم إنشاء محكمة دستورية، وهيئة مستقلة للانتخاب. وهذه الانجازات تهدف إلى تمكين شعبنا الأردني من رسم مستقبل الوطن بشفافية وعدالة وبمشاركة الجميع.

وقد آن الأوان لنمضي سويا في تعزيز هذه القاعدة الصلبة، والبناء عليها.

إن تكوين مجتمع ديمقراطي متقدم هو نتاج التعلّم من التجارب المتراكمة، والجهود المشتركة، وتطويره مع مرور الوقت، ولا يتم ذلك من خلال مرحلة إصلاحية محددة أو جملة إصلاحات واحدة. فالإصلاح الديمقراطي لا يختزل بمجرد تعديل للقوانين والأنظمة، إنما يتطلب تطويرا مستمرا للنهج الذي يحكم الممارسات والعلاقة بين المواطنين، والجهاز الحكومي، والنواب الذين يحملون أمانة ومسؤولية اتخاذ القرار بالنيابة عن المواطنين الذين انتخبوهم. وكما أشرت في الورقة النقاشية الأولى، فإن التزامنا بمبادئ المواطنة الحقة، والاحترام المتبادل، وممارسة واجب المساءلة، والشراكة في التضحيات والمكاسب، والحوار البناء وصولاً إلى التوافق على امتداد مسيرتنا المباركة هي من ضروريات نجاحنا كأمة في مسعاها نحو تجذير الديمقراطية.

وتباعاً، فإنني في هذه الورقة* أود أن أشارككم اجتهادي في الرأي مساهمة في الحوار الوطني حول أحد أهم جوانب التطور الديمقراطي، ألا وهو الانتقال نحو نهج الحكومات البرلمانية.

إن مبادئ مسيرتنا ونهجنا الإصلاحي راسخة وواضحة، فنحن ملتزمون برعاية وتعزيز مبدأ التعددية السياسية وصون حقوق جميع المواطنين، ومستمرون أيضا في تطوير منظومة من الضوابط العملية لمبادئ الفصل والتوازن بين السلطات وآليات الرقابة من أجل بناء نظام ديمقراطي سليم، وسنعمل على تقوية مجتمعنا المدني، وسنحرص على توفير فرصة عادلة للجميع للتنافس السياسي، والاستمرار في حماية حقوق جميع المواطنين التي كفلها الدستور. والسؤال الجوهري المطروح في هذا السياق، والذي لا بد أن نسعى جميعا للإجابة عليه: كيف سنضمن استمرار مؤسساتنا وأنظمتنا بالعمل على ترسيخ هذه المبادئ والحقوق وحمايتها ونحن ماضون في عملية التحول الديمقراطي؟ ومن المهم أن يدرك الجميع أننا سنواجه صعوبات وتحديات، وقد يكون هناك بعض الإخفاقات، ولكن سيكون هناك نجاحات أكثر، وهي متاحة للحوار والتقييم ضمن نقاش عام، وهذا أمر طبيعي، لأن هذه متطلبات التطور الديمقراطي، ودليل على مصداقيته.

الأنظمة الديمقراطية والنموذج الأردني

إن المبدأ الأساسي للديمقراطيات الحديثة يقوم على اختيار الشعب لممثلين ينوبون عنه في اتخاذ القرارات على مستوى الوطن، ومع تطوير مختلف الدول لأنظمتها الديمقراطية، برزت عدة نماذج في تطبيق هذا المبدأ الديمقراطي. ففي الجمهوريات على سبيل المثال، هناك أنظمة رئاسية وأنظمة برلمانية. وفي الأنظمة الرئاسية (كما هو الحال في فرنسا) عادة ما يُخَوَّل الرئيس المنتخب تعيين حكومة بشكل مباشر، مع اشتراط موافقة البرلمان في بعض الأحيان. وفي الأنظمة البرلمانية (كما هو الحال في تركيا) غالبا ما يتم تشكيل الحكومة من خلال رئيس وزراء يمثل حزب الأغلبية في البرلمان أو يمثل ائتلافا لأحزاب تحظى بالأغلبية.

أمّا في الملكيات الدستورية، وإلى حد شبيه بالأنظمة الجمهورية البرلمانية، فإن الحكومات غالبا ما تُشكل من قبل حزب الأغلبية المنتخب، أو ائتلاف لأحزاب تحظى بالأغلبية في المجلس التشريعي (كما هو الحال في إسبانيا وبلجيكا).

إن هناك تباينات عدّة لكل من هذه النماذج،  لكن الثابت في الأمر هو أنه لا يوجد وصفة واحدة صحيحة بالمطلق تناسب جميع الدول. فالنظام السياسي لكل دولة يعكس بالمجمل التاريخ والثقافة الخاصة بها. فاليوم، وضمن محيطنا الإقليمي، نرى في مصر وتونس مساع لتطوير الأنظمة الجمهورية، فيما يشكل المغرب والأردن نماذج لملكيات دستورية. وقد تطورت ملكيتنا الدستورية على مدار تسعة عقود، وستستمر في التطور والتحديث، وستكون الخطوة التالية في هذه المسيرة المباركة بإذن الله آلية تشكيل الحكومات.

الانتقال إلى الحكومات البرلمانية

كما سبق وأشرت في أكثر من مناسبة، فإن مسار تعميق ديمقراطيتنا يكمن في الانتقال إلى الحكومات البرلمانية الفاعلة، بحيث نصل إلى مرحلة يشكل ائتلاف الأغلبية في مجلس النواب الحكومة. وفور انتهاء الانتخابات النيابية القادمة، سنباشر بإطلاق نهج الحكومات البرلمانية، ومن ضمنها كيفية اختيار رؤساء الوزراء والفريق الوزاري. وبالرغم من أن التجارب الدولية المقارنة تشير إلى الحاجة إلى عدة دورات برلمانية لإنضاج هذه الممارسة واستقرارها، إلا أن ما يحدد الإطار الزمني لعملية التحول الديمقراطي هذه هو نجاحنا في تطوير أحزاب سياسية على أساس برامجي، تستقطب غالبية أصوات المواطنين، وتتمتع بقيادات مؤهلة وقادرة على تحمل أمانة المسؤولية الحكومية.

لقد درجت الممارسة السياسية تاريخيا في الأردن على اختيار رؤساء الوزراء والفريق الوزاري على أساس مزاياهم القيادية وخبراتهم العلمية والعملية، والحصول دستوريا على ثقة مجلس النواب. وبالتالي، اعتمدت الوزارات المختلفة على ما لديها من خبرات ومعرفة للتعامل مع التحديات التي تواجه الوطن. ومع عدم وجود أحزاب سياسية فاعلة، ذات برامج وطنية قادرة على بناء الائتلافات، وعلى استقطاب غالبية أصوات المواطنين، فإن الممارسة السياسية درجت على أن إشراك نواب في الحكومات هو من باب الاستثناء وليس القاعدة. لذلك، علينا أن نباشر في بناء نظام الحكومات البرلمانية. وكخطوة أولى، فإننا سنبادر إلى تغيير آلية اختيار رئيس الوزراء بعد الانتخابات التشريعية القادمة، وفقا للمعايير التالية:

إن رئيس الوزراء القادم، والذي ليس من الضروري أن يكون عضواً في مجلس النواب، سيتم تكليفه بالتشاور مع ائتلاف الأغلبية من الكتل النيابية.

وإذا لم يبرز ائتلاف أغلبية واضح من الكتل النيابية، فإن عملية التكليف ستتم بالتشاور مع جميع الكتل النيابية.

وبدوره، سيقوم رئيس الوزراء المكلّف بالتشاور مع الكتل النيابية لتشكيل الحكومة البرلمانية الجديدة والاتفاق على برنامجها، والتي ينبغي عليها الحصول على ثقة مجلس النواب، والاستمرار بالمحافظة عليها.

إنني على قناعة تامة بضرورة الاستمرار في تطوير هذه الآلية، استنادا إلى ما نتعلمه من تجربتنا، ونضوج نظام الحكومات البرلمانية، منطلقين من هذه الخطوة نحو تطبيق نهج الحكومات البرلمانية الشامل.

متطلبات التحول الديمقراطي الناجح

إن الوصول إلى نظام الحكومات البرلمانية الشامل يعتمد على ثلاثة متطلبات أساسية ترتكز على الخبرة المتراكمة والأداء الفاعل، وهي:

أولاً: حاجتنا إلى بروز أحزاب وطنية فاعلة وقادرة على التعبير عن مصالح وأولويات وهموم المجتمعات المحلية ضمن برامج وطنية قابلة للتطبيق. ولا شك أن هذه العملية تحتاج إلى وقت حتى تنضج. ومع وصول أحزاب سياسية تتنافس على مستوى وطني، ووفق برامج تمتد لأربع سنوات إلى مجلس النواب، وحصولها على مزيد من المقاعد، وتشكيلها لكتل نيابية ذات قواعد صلبة، سيكون هناك قدرة أكبر على إشراك نواب كوزراء في الحكومة.

ثانياً: سيكون على الجهاز الحكومي تطوير عمله على أسس من المهنية والحياد، بعيدا عن تسييس العمل، لمساندة وإرشاد وزراء الحكومات البرلمانية، خاصة وأن هذا النموذج يعني بمفهومه الأشمل أن الوزراء الذين يكلفون لتولي حقائب معينة قد لا يتمتعون بخبرة عملية سابقة في مجال عمل الوزارات التي سيتولونها (مفهوم الوزير السياسي مقارنة بالوزير التكنوقراطي). ولذا، فمن الضروري أن يصبح الجهاز الحكومي مرجعاً موثوقاً للمعرفة والمساندة الفنية والمهنية، ومن المهم أيضاً أن يعتمد الوزراء على خبرات هذا الجهاز في صنع القرار.

ثالثاً: تغيير الأعراف البرلمانية من خلال تطوير النظام الداخلي لمجلس النواب بما يعزز نهج الحكومات البرلمانية، وعلى مجلس النواب المباشرة بذلك والاستمرار في بناء هذه الأعراف وتطويرها. والهدف من هذا الأمر، هو أن تساهم هذه الأعراف في تأطير آلية تشكيل الحكومات من خلال التشاور والتوافق بين الكتل النيابية. وهذا سيتطلب بلورة فهم مشترك حول كيفية وصول هذه الكتل إلى وضع برامج تعكس سياسات متفق عليها كأساس للتعاون والاستقرار الحكومي. وبالمقابل، فإن أحزاب المعارضة بحاجة إلى بلورة أعراف مماثلة تحكم آلية التعاون فيما بينها من أجل مساءلة الحكومات وعرض رؤى بناءة بديلة (كحكومة ظل). ولا شك أن دور المعارضة هذا يشكل أحد عناصر النجاح لتجربة الحكومات البرلمانية.

نظرة مستقبلية: الأدوار والمسؤوليات

إن السرعة والنجاح في تطبيق المتطلبات الثلاثة أعلاه يشكلان عنصراً أساسيا في عملية الانتقال الناجح نحو الحكومات البرلمانية، وهي أساس التحول الديمقراطي في نظامنا السياسي. وخلال مرورنا في عملية الانتقال هذه سيترتب على العديد من مؤسساتنا السياسية وفئات مجتمعنا لعب أدوار مختلفة وتحمل مسؤوليات جديدة. وفي الورقة النقاشية الثالثة، سأسعى إلى تقديم اجتهاد يوضح أدوار ومسؤوليات جميع أطراف المعادلة السياسية، وسأقترح بعض الرؤى حول كيفية تطوير هذه الأدوار في السنوات القادمة.


* هذه المقالة هي الورقة النقاشية الثانية ضمن سلسلة أوراق ينشرها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لعرض رؤيته لمسيرة الإصلاح الشامل في الأردن في مختلف المجالات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الجمعة 24 فبراير 2017, 6:54 pm

الورقة النقاشــية الــثــالــثــة

"أدوار تنتظرنا لنجاح ديمقراطيتنا المتجددة"

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين

2آذار/مارس 2013

 

يشكل تطبيق نهج الحكومات البرلمانية، كما هو التحول الديمقراطي في جوهره، عملية تراكمية مفتوحة على التطوير المستمر، الأمر الذي يتطلب وعي الجميع للأدوار التي تنتظرنا في بناء المستقبل، كشركاء في هذه العملية. وأوّد اليوم في هذه الورقة*، التي أخصصها لمناقشة التطور السياسي في الأردن، التركيز على مستقبلنا المشترك وكيفية المضي قدماً، خاصة بعد الانتخابات النيابية، التي أجريت في 23 كانون الثاني الماضي.

إن لانتخاباتنا النيابية الأخيرة أهمية كبرى، فهي مؤشر على طريق الإصلاح والتغيير الذي اختطه الأردن، وقد أجريت في أجواء تسودها الديمقراطية والشفافية، الأمر الذي أهّلها أن تحظى بإشادة محلية وعربية ودولية غير مسبوقة، حيث تجاوزت نسبة التسجيل للانتخاب 70%، وقاربت نسبة الاقتراع 57%، وهي من أعلى النسب في تاريخ المملكة وعلى مستوى العالم. وتُقرأ نسب المشاركة هذه بشكل إيجابي عند مقارنتها بانتخابات أخرى أجريت مؤخراً في العالم العربي. فالمشاركة في الأردن اقتربت من نسبة الـ 62% التي سجلت في الشقيقتين مصر وليبيا، وهي تتقدم على نسب المشاركة في المملكة المغربية الشقيقة التي جاءت بواقع 45% وحظيت بإشادة دولية أيضاً. ومن الملامح الأخرى الجديرة بالملاحظة، ارتفاع نسب المشاركة في المدن الكبرى، فالمشاركة في محافظتي عمّان والزرقاء قد ارتفعت بما يقارب الثلث.

إن أهمية الانتخابات النيابية قد تجلّت أيضاً في العدد غير المسبوق للمرشحين، حيث شارك ما نسبته 80% من الأحزاب السياسية، كما أن 61% من الفائزين في الانتخابات، يصلون لمجلس النواب للمرّة الأولى، وهذا يدل على قدرة الوطن على تجديد نخبه السياسية. إن هذه الانتخابات التي تمت إدارتها والإشراف عليها، لأول مرّة، من قبل هيئة مستقلة ومراقبين محليين ودوليين، قد أنتجت مجلس نواب أكثر تمثيلاً. فالكتل النيابية المعبرة عن جميع توجهات الأطياف السياسية قد تشكلت، وهي تمثل أحزاباً وطنية وإسلامية وقومية ويسارية، إضافة إلى الحِراكات الشعبية ومجموعات الناشطين السياسيين. ويشكل انتخاب 18 سيدة مصدر فخر واعتزاز، فقد ضمت هذه المجموعة 3 سيدات فزن بالانتخابات، إحداهن ترأست قائمة وطنية، واثنتان عن دوائر فردية بالتنافس، إضافة إلى 15 سيدة يصلن لمجلس النواب بفضل نظام الكوتا.

ونحن عاقدون العزم على الاستمرار في تطوير تجربة الانتخابات الأخيرة والبناء عليها. كما ندعو كل الأردنيين للمساهمة في عملية التطوير هذه من خلال إسهاماتهم الموصولة ومشاركتهم الفاعلة والمسؤولة. وفي الواقع، فإن الوصول إلى حكومات برلمانية فاعلة يتطلب وجود أحزاب ذات قواعد ممتدة على مستوى الوطن، وبرامج قوية، وتعتمد على إطار عمل يقوم على قيم ديمقراطية وطنية، يتم تجسيدها كثقافة ديمقراطية في مؤسساتنا العامة وحياتنا السياسية. وعليه، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه جميع الأردنيين والأردنيات وجميع مكونات نظامنا السياسي، هو تجذير هذه الثقافة الديمقراطية.

إننا في الأردن نعي في قرارة أنفسنا القيم الضرورية لإنجاز التحول الديمقراطي وإرساء نهج الحكومات البرلمانية. وفي مقدمة هذه القيم وأكثرها أهمية التعددية والتسامح وسيادة القانون وتعزيز مبادئ الفصل والتوازن بين السلطات، إضافة إلى حماية الحقوق الراسخة لجميع المواطنين والمواطنات، وتأمين كل طيف يعبر عن رأي سياسي بفرصة عادلة للتنافس عبر صناديق الاقتراع. إن هذه القيم في غاية الأهمية للتأكد من أنه سيتم الحفاظ على التوازن بين احترام إرادة الأغلبية السياسية وحماية حقوق الأقلية وسائر المجتمع في كل محطة من محطات التطور التي سنمر بها. وتبرز في هذا السياق أهمية الاستمرار في تطوير نظامنا الانتخابي عبر القنوات الدستورية، وصولاً إلى نظام أكثر عدالة وتمثيلاً، يحمي التعددية ويغنيها، ويوفر فرصة عادلة للتنافس، ويشكل حافزاً لتطور الحكومات البرلمانية على أسس حزبية.

إن مفهوم الحكومة البرلمانية، في حده الأدنى، يتمثل في ترتيب العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية على النحو التالي: أن تكون السلطة التنفيذية خاضعة لمساءلة الأغلبية النيابية من خلال آلية منح الثقة أو حجبها. وهذا ما ينص عليه الدستور الأردني. ومن أبرز التطورات التي أنجزناها في هذا الشأن من خلال التعديلات الدستورية الأخيرة تطوير آلية منح الثقة، حيث يتوجب الآن على الوزارة المؤلّفة ضرورة إيجاد أغلبية نيابية للحصول على الثقة في شخص الرئيس والوزراء وبيانها الوزاري، بدلا من الممارسة السابقة، والتي كانت تتطلب حجب الثقة عن الحكومة المؤلفة بأغلبية نيابية.

إن تعميق نهج الحكومات البرلمانية سيتدرج وفق تقدم العمل الحزبي والبرلماني وعلى عدد من الدورات البرلمانية. وسيتدرج هذا النهج بإدخال آلية للتشاور المسبق مع مجلس النواب للتوافق على تكليف رئيس للوزراء، والذي بدوره يتشاور مع مجلس النواب على تشكيل فريقه، وعلى البيان الوزاري الذي يشكل برنامج عمل الحكومة.

وفي الممارسات العالمية المتفاوتة للحكومات البرلمانية، من الممكن أن يكون رئيس الوزراء المكلف وفريقه من داخل مجلس النواب، أو من خارجه أو مزيجا من الاثنين معاً. إن الممارسة السياسية في الحكومات البرلمانية المتعارف عليها عالميا تسمح بالجمع بين الوزارة والنيابة، ودستورنا يسمح بذلك، ولكن بالتوازي مع المتطلبات الجوهرية التالية:

أولها، وجود منظومة متطورة من الضوابط العملية لمبادئ الفصل والتوازن بين السلطات وآليات الرقابة.

ثانيها، أن يكون إشراك النواب في الحكومة متدرجاً، وبالتوازي مع نضج العمل السياسي النيابي الحزبي، ممثلاً في مأسسة عمل الكتل النيابية وتطورها، بحيث تبنى على أسس برامجية وأكثر صلابة وتتطور تدريجياً إلى كتل حزبية، وهذا يرتبط زمنياً بقدرتنا على تطوير أحزاب وطنية وبرامجية فاعلة وذات امتدادات شعبية. وسيتعمق نهج الحكومات البرلمانية مع تقدم العمل الحزبي والبرلماني، من خلال الدورات البرلمانية القادمة، بحيث تٌجرى الانتخابات من خلال تنافس أحزاب على أسس برامجية، مع الحفاظ أيضا على حق الأفراد المستقلين بالتنافس في الانتخابات، والذي يؤدي في النهاية إلى ظهور ائتلاف برلماني على أسس حزبية، يتمتع بالأغلبية ويشكل الحكومة، ويقابله ائتلاف برلماني معارض يقوم بدور حكومة الظل في مجلس النواب.

ثالثها، أن نطور عمل الجهاز الحكومي ليصبح أكثر مهنية وحيادا وبعيدا عن تسييس الأداء، ليكون مرجعاً موثوقاً للمعرفة والمساندة الفنية والمهنية لدعم وزراء الحكومات البرلمانية في صنع القرار.

ويوفر الحوار الوطني الدائر الآن، مخاضا ديمقراطيا بنّاء لتعميق تجربة الحكومات البرلمانية، ولتطوير آلية التشاور لاختيار شخص رئيس الوزراء القادم، وكيفية إشراك النواب في الحكومة من عدمه وبأي نسبة تكون.

وعلى كل مكوّن في نظامنا السياسي، وعلى كل مؤسسة وشخصية عامة، وبدرجة أهم على كل مواطن ومواطنة، ممارسة دور محوري لتعميق وتعزيز ثقافتنا الديمقراطية. وسأكرس الأقسام التالية من هذه الورقة لمناقشة كيفية تطوير هذه الأدوار، بما فيها دور الملكية، والمسؤوليات التي يجب أن نتحملها جميعاً، كمواطنين مسؤولين وفاعلين.

أولاً، دور الأحزاب السياسية:

إن مفهوم الديمقراطية لا ينحصر في تعبير الأفراد عن آرائهم ووجهات نظرهم، بل إنه يشمل العمل لتحويل ما ينادي به الأفراد إلى خطط عمل مشتركة باقتراحات واقعية وعملية تسهم في تقدم الوطن، وهذا هو الدور الرئيس للأحزاب السياسية.

وقد بيَّنت في السنوات الأخيرة رؤيتي الواضحة لنظامنا السياسي، والقائم على تطوير عدد منطقي من الأحزاب السياسية الرئيسة ذات القواعد الممتدة على مستوى الوطن، لتعكس مختلف توجهات الأطياف السياسية. وهذا النوع من الأنظمة هو الوحيد القادر على إتاحة الفرصة للتنافس البنّاء بين الأفكار والطروحات التي يحتاجها الأردن، وعلى بناء التوافق النيابي حول القرارات الواجب اتخاذها.

وبطبيعة الحال، يحتاج الأردن إلى وقت من أجل تطوير أحزاب سياسية بالحجم والامتداد الوطني والقدرات الضرورية للنهوض بهذا الدور المحوري. وبالمقارنة مع ديمقراطيات مرت بتجربة التحول حديثاً، كما في أوروبا الشرقية خلال التسعينيات، تطلب التحول الديمقراطي عدة دورات انتخابية، وامتد لأكثر من عشر سنوات، من أجل انتقال الأحزاب المنقسمة وذات البنية الضعيفة إلى حالة من التجمع والاندماج، وصولاً إلى أحزاب حقيقية تعمل على مستوى وطني، تُشكل الحكومات، وتقوم بمهامها بشكل فاعل. أما البديل عن بناء أحزاب سياسية فاعلة وذات قواعد شعبية على مستوى الوطن، فهو استمرار ائتلافات قائمة على بنية ضعيفة، لا تجمعها إلا النفعية السياسية الضيقة، وليس البرامج والفكر المشترك. وقد أدت مثل هذه الظروف، في دول أخرى، إلى إفراز حكومات غير مُمَثّلة وغير مستقرة، ونريد للأردن أن يتفادى مثل هذه الحالة لأن وطننا يستحق الأفضل دائماً.

إن التركيز يجب أن يوجّه، في المرحلة القادمة، نحو تطوير وتحفيز الأحزاب ذات البرامج والقواعد الشعبية على مستوى الوطن، بحيث يتوجه الناخبون للتصويت على أسس حزبية وبرامجية، وهذا الأمر يفرض على الأحزاب الأردنية تحديات ومسؤوليات جوهرية، وهي:

مساهمة الأحزاب في تطوير وتجذير رؤية وطنية لحياتنا السياسية. وفي هذا السياق، فإن تجربة القوائم الوطنية في الانتخابات الأخيرة مثّلت خطوة على هذا الطريق، نتعلم منها ونقيمها ونبني عليها. وبمقدور الأردن الاستفادة من تجارب الدول الأخرى لتسريع عملية تطور الأحزاب. ولكن علينا أن نتذكر أن النضج السياسي يتأتى من التجارب الوطنية المبنية على التعبير الحقيقي عن إرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع.

التزام الأحزاب بالعمل الجماعي والتقيد بالمبادئ المشتركة، وتبني السياسات ذات الأولوية. وأشجع هنا جميع الأحزاب، والمجموعات النيابية والأفراد المستقلين، في مجلس النواب الحالي على العمل سوية، ومحاولة التجمع على أساس مبادئهم المشتركة والسياسات التي تتصدر أولوياتهم، فمن شأن ذلك تشكيل كتل نيابية أكبر للمساهمة في تحقيق الفاعلية البرلمانية المنشودة والتنمية السياسية.

تبني الأحزاب لبرامج وطنية واضحة ونظم عمل مهنية. إن النظام السياسي القائم على أحزاب ضعيفة غير قادر على كسب ثقة المواطنين، وحفزهم على الانخراط في الحياة العامة. ولتجاوز حالة التشكيك والتردد القائمة، تحتاج الأحزاب السياسية إلى تطوير برامج قوية مبنية على سياسات واضحة تستجيب إلى تطلعات وهموم جميع الناخبين. كما أن على هذه الأحزاب أن تكون قادرة على توضيح هذه البرامج للمواطنين من خلال حملات على مستوى عالٍ من المهنية والاحترافية للعمل السياسي والانتخابي، بهدف الفوز في الانتخابات وتشكيل الحكومات.

إنني آمل حقيقة بأن تتقدم عملية تشكيل الأحزاب وتتطور بأسرع وتيرة ممكنة خلال السنوات القادمة. وعليه، فإنني أشجع جميع أبناء وبنات الوطن على المشاركة في بناء نمط جديد من الأحزاب البرامجية المُمَثِّلة، والقائمة على قواعد شعبية واسعة من أجل مستقبل أفضل لنا جميعاً.

ثانياً، دور مجلس النواب:

يتمثل دور مجلس النواب الأساسي في تشريع قوانين ذات أولوية، يصب تنفيذها في خدمة مصالح وطنية عليا، وممارسة دوره في الرقابة على الحكومة ومساءلتها على ما تتخذه من قرارات. وبدوره، يخضع مجلس النواب لمساءلة المواطنين الذين انتخبوا أعضاءه، وهذا هو جوهر المسؤوليات التي على كل نائب النهوض بها، وفيما يلي تفصيلها:

أن يكون هدف النائب الحقيقي خدمة الصالح العام. وهذه مسؤولية لا يمكن المساومة عليها. فالجميع يريدون من النواب أن تكون الغاية من أدائهم تحقيق المصلحة العامة في مختلف الظروف والأوقات. أما أولئك الذين يعملون من أجل تحقيق مصالح شخصية أو فئوية، أو لاعتبارات شعبوية، أو أخرى لا تأخذ مصلحة الوطن العليا على المدى البعيد بعين الاعتبار، فإن أفعالهم تمثل خذلاناً لمن انتخبهم وللأردنيين جميعاً. وتعني مثل هذه الأفعال في الواقع أن النائب تخلّى عن مسؤوليته الرئيسة، وهذا يعد شكلا من أشكال الفساد.

أن يعكس أداء النائب توازنا بين المصالح على المستوي المحلي وعلى المستوى الوطني. فالنواب يحملون هموم ومصالح مناطقهم وقواعدهم الانتخابية، من جهة، لكن عليهم أيضا أن يعملوا سوية من أجل تحقيق المصالح العليا للوطن ككل، من جهة أخرى. ويشكل الوصول إلى هذا التوازن والمحافظة عليه التحدي الأبرز الذي يواجه كل نائب، لكنه تحد يجسّد شرف المسؤولية التي يتحملها من يفوز بثقة الشعب ويشغل موقعاً منتخباً. ويحقق النواب هذه المسؤولية الثنائية في أفضل صورها من خلال اقتراح حلول مستدامة تتوخى المصلحة الوطنية الأوسع. فبالإمكان خدمة قواعد انتخابية أكثر اتساعا، وبشكل أكثر فائدة وأبعد مدى حين يعكف النائب على العمل مع الحكومة من أجل تبني سياسات وبرامج تعالج تحديات الفقر والبطالة، ويعمل بعزم وشفافية من أجل تحقيق التنمية وتوليد فرص العمل على المستوى المحلي، بدلاً من أن يسعى لمصلحة دائرته المحلية من خلال الضغط على مسؤول حكومي للحصول على عدد محدود من الوظائف لقواعده الانتخابية المحلية.

أن يوازن النائب بين مسؤولية التعاون ومسؤولية المعارضة البناءة. إن تحقيق هذا التوازن هو تجسيد للأداء السياسي الفاعل، حيث يترتب على النواب العمل مع بعضهم البعض من جهة، ومع الحكومة من جهة أخرى لمواجهة مختلف التحديات الوطنية. كما أن الحاجة للموازنة بين هذه المسؤوليات، تعكس في الواقع أن النواب هم أعضاء في جسم سياسي واحد هو مجلس النواب، الذي عليه مسؤولية القيام بواجباته، وأن الحكومة أيضاً تتمتع بتفويض دستوري يخولها القيام بمسؤولياتها وتنفيذ برنامجها، استنادا إلى مبدأ الفصل بين السلطات وعدم تغول إحداها على الأخرى. وفي ذات الوقت، فإن على النواب مسؤولية إخضاع الحكومة للمساءلة من خلال المعارضة البنّاءة للبرامج المطروحة، وتقديم برامج بديلة إذا دعت الحاجة، والابتعاد عن التنظير وعن الاكتفاء بالتشخيص غير الموضوعي للماضي ولما نواجهه من تحديات، بدلا من طرح الحلول الواقعية للتقدم للأمام وضمن الإمكانات المتاحة. ويشكل مبدأ المساءلة أحد الأدوات الجوهرية في نظامنا الديمقراطي، ويجب أن لا يتم إساءة توظيفه بحيث يتحول لأداة لتمرير مصالح نيابية فردية ضيقة، أو اغتيال الشخصية، أو تعطيل القوانين والبرامج المقترحة بهدف النيل من خصم سياسي. وخلاصة القول، إن تحقيق التوازن الدقيق بين مسؤولية التعاون ومسؤولية المعارضة البناءة هو المحك الحقيقي لفاعلية المجالس النيابية القادمة.

أن تكون علاقة النائب بالحكومة قائمة على أسس موضوعية وليست مصلحية. إن نهوض السلطتين التشريعية والتنفيذية بمسؤولياتهما تجاه الوطن والمواطن يتطلب تطوير علاقة تشاركية خالية من ضغط النواب على الحكومات لتحقيق مكاسب على أسس الواسطة والمحسوبية، وبعيدة عن استرضاء الحكومات للنواب، وأن تتوخى هذه العلاقة تحقيق الصالح العام لا غير. ويشكل هذا المبدأ متطلباً رئيساً أيضاً لعملية المشاورات التي سينبثق عنها تكليف رئيس للوزراء، وتشكيل فريق حكومي، وإعداد برنامجه، ومن شأن هذا المبدأ أن يحمي عملية المشاورات وغيرها حتى لا تغدو رهينة للضغط، والاسترضاء، والمحسوبية وحتى لا تكون عرضة لتجارب غير بناءة. وعلى الكتل النيابية والأحزاب السياسية مسؤولية كبرى في الرقابة على أداء أعضائهم النواب في هذا المجال.

وعليه، سأشجع جميع أعضاء مجلس النواب والكتل النيابية، خلال الأيام القادمة، وأحثهم على العمل الدؤوب والسريع، من أجل تطوير النظام الداخلي لمجلسهم، وبلورة مدونة سلوك ملزمة، تجسد هذه المبادئ وتترجمها عبر ممارسة فعلية ترتقي بأداء العمل النيابي.

ثالثاً، دور رئيس الوزراء ومجلس الوزراء:

يقع على عاتق الحكومة، بقيادة رئيس الوزراء ومجلس الوزراء، إعداد وتنفيذ برنامج عمل شامل يهدف إلى تحقيق الازدهار وتوفير الأمن لجميع أبناء وبنات الوطن. وعليه، يترتب على الحكومة تقديم برنامج عمل لمدة أربع سنوات إلى مجلس النواب، ليتم محاسبتها على مدى تنفيذها لهذا البرنامج.

إن تقدمّنا نحو مرحلة جديدة من تعميق نهج الحكومات البرلمانية يعني في الأساس تطور دور رئيس الوزراء والمهارات والخصال المطلوب توفرها في شخصيته. فبالإضافة إلى قدرته على قيادة فريق كفء من الوزراء، يعوّل عليه أيضاً في حشد كوادر وإمكانات الجهاز الحكومي لتنفيذ البرامج الحكومية بأسلوب فاعل ووفق جدول زمني دقيق متاح لاطلاع الجمهور. ويترتب عليه أيضاً مسؤولية التواصل والتفاعل والحوار مع سائر الأطراف، وفي مقدمتهم مجلس الأمة. وستسهم الخطوات التالية في تعميق المسؤوليات التي ينهض بها رئيس الوزراء ومجلس الوزراء:

نيل الثقة النيابية والمحافظة عليها. فمجلس النواب يساعد الحكومة من خلال تشريع قوانين تخولها تنفيذ خططها، كما يقوم مجلس النواب بمحاسبة الحكومة نيابة عن الشعب على أساس ما تنفذه من أعمال. وعلى رؤساء الوزراء ومجلس الوزراء أن يكسبوا ثقة مجلس النواب وأن يحافظوا عليها، ليس لحظة تكليفهم فقط، وإنما على امتداد فترة ولايتهم. وعلى الحكومات أيضاً الاستمرار في المحافظة على ثقة مجلس النواب، والحصول على دعمه من أجل إنجاز التشريعات الضرورية لتنفيذ برامج عملهم. وتشكل هذه الواجبات الحكومية مسؤولية كبيرة تتطلب رئيس وزراء يتمتع بأعلى درجات النزاهة والكفاءة، ومهارات القيادة والإدارة.

وضع معايير للعمل الحكومي المتميز. إن شعبنا يتطلع ويستحق وزراء وموظفين عامين يعملون بكفاءة، وإخلاص، وتفان. ويُعّول على دور رئيس الوزراء في قيادة العمل الحكومي وفق أفضل الممارسات المؤسسية، وهذا يتطلب مهارة وخبرة تراكمية في التخطيط وصناعة السياسات وإدارة الجهاز الحكومي، إضافة إلى مهارات الاتصال والتفاوض وبناء التحالفات، والقدرة على بناء التوافقات الضرورية من أجل مجابهة التحديات التي تواجه المواطنين.

تبني نهج الشفافية والحاكمية الرشيدة وترجمته قولاً وعملاً. فنظام الحكومات البرلمانية يتطلب مزيداً من الانفتاح، والشفافية، والمبادرة في تعامل وتواصل رئيس الوزراء ومجلس الوزراء مع مجلس النواب والمواطنين، والحرص على العمل الميداني، وهذه شروط ضرورية لنجاحهم.

رابعاً، دور الملكية:

إن أحد أهم مكونات عملية التطور السياسي هو ارتقاء دور الملكية الدستورية الهاشمية، والتي لن تحيد أبداً عن واجبها الرئيس، كما كان العهد دائماً، ذلك الدور المتمثل في العمل ليلاً نهاراً، وبتوفيق من الله، من أجل مستقبل مزهر للأردن والحفاظ على أمنه، واستقراره، ووحدته، وتأمين الأفضل دائماً لشعبنا النبيل. وفي ذات الوقت، فقد تطورت الملكية في الأردن بشكل مستمر يستجيب للظروف والمتغيرات وتطلعات شعبنا. ومع تطور ديمقراطيتنا وإنجاز المحطات والمتطلبات التي عرضتها آنفاً، فإن دور الملكية سيتطور أيضاً، وهو ما أنشده بقناعة راسخة ودافع ذاتي، بقدر ما يتطلبه تطور الملكيات الدستورية.

وسأعرض هنا مسؤوليات الملكية الرئيسة والضرورية خدمة للوطن والأمة:

حرص الملكية الهاشمية على إتباع نهج يستشرف المستقبل، والمحافظة على دور الملك كقائد موحِّد يحمي مجتمعنا من الانزلاق نحو أي حالة استقطاب، كما يحمي قيمنا الأردنية الأصيلة. وستبقى الملكية، كما كانت دوماً، صوت الأردنيين والأردنيات جميعاً، خاصة الفقراء والمستضعفين منهم، مدافعة عن حقوقهم في المجتمع. وستحرص الملكية على الاستمرار في حماية منظومتنا الوطنية للعدالة والنزاهة، من خلال التحسين المستمر والعمل الدؤوب. كما ستستمر أيضاً في نشر روح الثقة بقدرة الأردنيين والأردنيات على التميّز والإبداع من خلال دعم قصص النجاح، وتبني المبادرات الريادية، وتقدير الجهود الفردية والإنجازات الاستثنائية.

وبصفتي رأسا للدولة وقائداً أعلى لقواتنا المسلحّة، فإنني سأذود في الدفاع عن قضايانا المصيرية المرتبطة بالسياسة الخارجية وأمننا القومي، وذلك من خلال مجلس الوزراء الذي يتولى إدارة جميع شؤون الدولة استنادا إلى الدستور. كما أن دوري يتطلب التأكيد على بقاء مؤسسة الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، والقضائية، والمؤسسات الدينية العامة، مستقلة، ومحايدة، ومهنية، وغير مسيّسة، على امتداد مسيرتنا نحو ديمقراطية يقوى بنيانها، وحكومات برلمانية تقوم على أسس حزبية.

يترتب على الملكية أيضاً مسؤولية حماية تراثنا الديني ونسيجنا الاجتماعي. وكما أوضحت في خطابي لمجموعة من أبناء وبنات الوطن في 23 تشرين أول الماضي، فإن هذه الواجبات تشكل مسؤولية هاشمية أعتّز بحملها خدمة لجميع الأردنيين والأردنيات. كما أعتز أيضا بمسؤولية صون قيمنا الأساسية، المتمثلة بالوحدة الوطنية والتعددية والانفتاح والتسامح والاعتدال، التي تجعل من الأردن وطناً فريداً، وواحة أمن واستقرار.

إن مسؤوليات الملكية أخذت تتطور فعلاً في ظل التعديلات الدستورية الأخيرة، والتي أرست أطراً جديدة لها، وهذا دليل على التقدم الذي نحرزه نحو تطّور الملكية. وقد هدفت هذه التعديلات إلى تطوير ديمقراطيتنا من خلال تمكين المواطنين من المشاركة الفاعلة في صناعة القرارات التي تمس حياتهم وتشكل مستقبلهم.

كما سيستمر دور الملكية في تشكيل الحكومات بالتطور بالتوازي مع نضوج نظامنا النيابي. ومن أبرز متطلبات هذا النضوج، التي أوضحتها في ورقتي النقاشية هذه وورقتي السابقة، هي: وجود أحزاب سياسية ذات برامج وسياسات وخطط تمكن الناخبين من الحكم عليها، وتكون قادرة على إنتاج مرشحين على مستوى عالٍ من الخبرة والتأهيل، يصلون إلى مجلس نواب قادر على إفراز حكومات برلمانية، يدعمها الجهاز الحكومي بسياسات مبنية على معلومات دقيقة ودراسات وافية وموضوعية، ووجود نظم عمل وهيكليات مناسبة لاتخاذ القرارات ضمن مجلس النواب، ويضاف إلى كل هذه المتطلبات مشاركة فاعلة من المواطنين.

وبالبناء على هذه الأسس لأنظمة الحكومات البرلمانية الفاعلة، سنتمكن من المضي نحو مرحلة يتولى فيها ائتلاف أحزاب الأغلبية في مجلس النواب تشكيل الحكومة. وعلى امتداد هذه العملية، سأحرص على المحافظة على الضمانات التي أوضحتها للتو، والتي تمثل مسؤولياتي، التي أتشرف بحملها، إزاء شعبي الأردني العزيز، خصوصا استمرار الملكية بالقيام بدور الحامي للدستور ومقومات الحياد الإيجابي والاستقرار والعدالة، التي أوضحتها في هذا الجزء من الورقة، والتي يجب تعزيزها وتجذيرها بالتوازي مع نضوج نظامنا النيابي، إضافة إلى دور الملكية لتجاوز حالات الاستعصاء السياسي بين مجالس النواب والحكومات، ومواجهة الحالات الاستثنائية التي تتطلب حماية أمن الوطن وسيادته ووحدته في حال تعرضه، لا قدّر الله، إلى تهديد حقيقي يمس قدرتنا على المضي بالأردن قدماً.

ولنتذكر أن نجاح هذه المعادلة مرهون بارتقاء جميع أطراف العملية الإصلاحية إلى مستوى متطلبات كل محطة إصلاحية، وأن يحققوا مستويات النضج السياسي الضروري، حتى لا يخذلوا الوطن والمواطن. وبهذه الطريقة، ومن خلال القنوات الدستورية، سنتمكن من تحقيق أعلى درجات التوافق الوطني الضروري لبناء المستقبل المشرق الذي يستحقه الجميع.

وعلينا جميعاً بالمحصلة أن نعمل بشكل جماعي من أجل إنجاز محطات الإصلاح التي تنتظرنا. وسأستمر بالقيام بدوري في تعزيز مستويات الوعي والمشاركة السياسية في مجتمعنا، وذلك عبر قيامي بدور الضامن لجهود الإصلاح الشامل، وتشجيع الحوار الهادف والبناء بين المواطنين، والمحافظة على استقرار الوطن وأمنه ومنجزاته.

إن رؤيتي لتطور الملكية مبنية على قناعة ذاتية راسخة، بدأتُ التعبير عنها منذ السنوات الأولى لتولي أمانة المسؤولية الدستورية. إنها رؤية جامعة، ولا تمثل انحيازاً لمطالب فئة سياسية ضد أخرى، فأنا أنحاز لمصلحة الأردن والأردنيين فقط. كما أن هذه الرؤية قد انطلقت مع جهود حثيثة من أجل تحقيق الإصلاح الشامل على مسارات متوازية، شملت مبادرات اقتصادية واجتماعية تهدف إلى تمكين الطبقة الوسطى وتوسيعها لأنها رافعة الإصلاح السياسي. وقد جاء الربيع العربي بتفاعلاته المحلية ليتيح لنا جميعاً الفرصة لاستنهاض الهمم الإصلاحية مجددا، وإطلاق موجة جديدة من الإصلاحات، والانطلاق نحو نهضة لا رجعة عنها. وهذا هو المستقبل الذي أنشده، مستقبل يحتضن الجميع، ويتسع للجميع، لا يُستثنى فيه أحد، ولا يحرم من مكتسبات الازدهار والأمن والإنجاز.

 

خامساً، دور المواطن:

إن دور المواطن، الذي يشكل اللبنة الأساسية في بناء نظامنا الديمقراطي، هو ما أود مناقشته في الجزء الأخير من هذه الورقة. فانخراط المواطنين في الحياة العامة ضروري من أجل تطوير نظام الأحزاب السياسية الفاعلة الذي نحتاجه. كما أن المواطنين هم أصحاب القول الفصل في إخضاع الحكومات للمساءلة، وذلك من خلال أصواتهم الانتخابية، ومستوى وعيهم، ومشاركتهم.

ويعتمد النهوض بهذه المسؤوليات الجوهرية على المبادئ الرئيسية الأربعة المتعلقة بالانخراط الديمقراطي، والتي أوضحتها في ورقتي النقاشية الأولى، وهي: احترام جميع المواطنين لبعضهم البعض وليس فقط من تجمعهم معرفة سابقة أو اتفاق في الرأي، وممارسة المساءلة والمحاسبة الموضوعية من قبل الجميع وباتجاه الجميع، والحوار الصادق والمنفتح والبنّاء، والتوصل إلى حلول توافقية.

وعلينا جميعاً أن ندرك أن التصويت في الانتخابات هو جزء من هذا الدور، وأثني هنا على جهد كل من مارس هذا الحق الديمقراطي وعبّر عن نفسه وأسمع صوته في الانتخابات الأخيرة. وبالرغم من أن التصويت هو جزء محوري في العملية الإصلاحية، إلا أنه ليس نهاية المطاف. فإخضاع الحكومة ومجلس النواب للمساءلة يتطلب المشاركة القوية من قبل المواطنين في الشأن العام، من خلال ثلاثة محاور رئيسة، وهي:

الوعي والبحث المستمر عن الحقيقة. فعلى المواطنين متابعة القضايا الوطنية والاطلاع على تفاصيلها، وأن تكون هذه المعرفة مبنية على الحقائق، وليس الانطباعات والإشاعات، لتشكل القاعدة السليمة لتصرفاتهم وأفعالهم.

اقتراح الأفكار والحلول البديلة، ذلك أنه في حال عدم أخذ الحكومات بأفضل الأفكار المقترحة لمعالجة التحديات التي نواجهها، يقع على عاتق المواطنين والمواطنات جميعاً العمل لوضع هذه الأفكار في دائرة النقاش الوطني العام، وتداولها لتؤخذ بعين الاعتبار ضمن عملية صناعة القرار الوطني. ومن شأن هذا العمل البسيط إحداث أثر إيجابي كبير على مستقبل وطننا.

المواطنة الفاعلة. فعندما يعجز الممثلون المنتخبون والحكومة عن الوفاء بالتزاماتهم، يترتب على المواطنين المتابعين للشأن العام والمنخرطين به، أن يمارسوا الضغط عليهم ومطالبتهم بالوفاء بها. وممارسة هذا الضغط تتم عبر تنظيم مجموعات عمل ولقاءات على مستوى المجتمعات المحلية، وعبر الفضاء الالكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي وقنوات أخرى. فالمواطنة الفاعلة والمسؤولة توجد فضاء وطنياً عاماً يكون فيه الحوار البنّاء الوسيلة الأولى للاعتراض. أما التظاهر، وهو حق كفله الدستور، فلا يتم اللجوء إليه إلا كخيار أخير. وهذه هي الخطوة الأولى لتعزيز الاحترام المتبادل، وإيجاد الحلول العملية المنتجة.

كما يترتب على المواطنين في الوقت الراهن دور محوري في بناء مجتمع ديمقراطي سليم. وعلى جميع الأردنيين المبادرة للتعبير عن أصواتهم من خلال الأدوات المتاحة بين أيديهم، ومن أبرزها ممارسة واجبهم الانتخابي في المجالس النيابية والبلديات والنقابات والجامعات، وتأسيس التجمعات المحلية والجمعيات، وكتابة الرسائل والاعتراضات، والتدوين، والتفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المستقبل أمامنا:

لقد شكلت انتخابات كانون الثاني الماضي خطوة جوهرية في مسيرتنا الوطنية المباركة، لكنها ليست نهاية المطاف. ومع إنجاز هذه الانتخابات، أتطلع للعمل معكم جميعاً مواطنين ومواطنات، حكومات ومجالس نيابية ومؤسسات مجتمع مدني، من أجل تحقيق مساعي الأردنيين لحياة كريمة وفرص أفضل. وسيكون تغيير نهج عمل مجلس النواب والحكومة، وفق ما أشرت إليه في هذه الورقة وخطاب العرش الأخير لافتتاح الدورة غير العادية لمجلس الأمة السابع عشر، الدور الأساسي على طريق التحول الديمقراطي والإصلاح الشامل. كما نريد الوصول إلى استقرار نيابي وحكومي يتيح العمل في مناخ إيجابي لأربع سنوات كاملة، طالما ظلت الحكومة تحظى بثقة مجلس النواب، وطالما حافظ المجلس على ثقة الشعب.

إنني على قناعة تامة بأننا سنتعاون فيما بيننا كشعب أردني واحد، عبر السنوات القادمة، وكما كنّا على الدوام، لنستفيد بشكل جماعي من تجاربنا، ونمضي في تطوير ديمقراطيتنا. كما أنني على ثقة بأن الوعي والحكمة والقدرة على العطاء، التي يتمتع بها الشعب الأردني، ستجعل من هذه الرحلة قصة نجاح.

لا شك أننا سنواجه تحديات كبيرة، وسنواجه في بعض الأحيان صعوبات جديدة وغير مألوفة، وهذا أمر متوقّع، لأننا نسعى لإنجاز ما هو جديد ومختلف من أجل مستقبل أفضل، لكنني على يقين بقدرتنا على تجاوز التحديات سوية، فالديمقراطية هي النظام الأقدر من أي نظام آخر على مواجهة مختلف التحديات، حين يكون لكل مواطن ومواطنة صوت يشارك به ودور يقوم به.

 


* هذه المقالة هي الورقة النقاشية الثالثة ضمن سلسلة أوراق ينشرها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لعرض رؤيته لمسيرة الإصلاح الشامل في الأردن في مختلف المجالات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الجمعة 24 فبراير 2017, 6:54 pm

الورقة النقاشية الرابعة: نحو تمكين ديمقراطي ومواطنة فاعلة
“نحو تمكين ديمقراطي ومواطنة فاعلة”

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين

 حزيران/ ٢يونيو٢٠١٣

درجت بعض الآراء، من داخل منطقتنا العربية وخارجها، على القول بأن العالم العربي غير مهتم بممارسة العمل السياسي بشكله المعاصر. وذهب بعضها أبعد من ذلك، لتزعم أن شعوب العالم العربي لا ترغب بالديمقراطية، وأننا غير مستعدين، أو مؤهلين للتعامل معها أو احتضانها نهج حياة. غير أننا في الأردن، لا نقبل مثل هذه المزاعم، ولم ولن نذعن لها أبداً.

إن تجديد الحياة السياسية في العديد من الدول العربية من شأنه أن يسهم في تلبية تطلعات أبناء وبنات الوطن العربي نحو حياة أفضل، إلا أن الطريق نحو هذا التجديد، واحتضان الديمقراطية ليس بالطريق السهل ولا المختصر كما يظن البعض، بل هو مليء بالصعوبات لكنه ضروري، بل حتمي للمجتمعات التي تنشد التطور.

وفي ضوء هذه المعطيات، فإننا نعمل في الأردن على تطوير نموذجنا الديمقراطي، الذي يعكس ثقافة مجتمعنا الأردني واحتياجاته وتطلعاته.

وقد جاءت الأوراق النقاشية الثلاث السابقة بشكل أساسي للمساهمة في إثراء حوارنا الوطني حول النموذج الديمقراطي الذي ننشد،وأهدافه، والأدوار المطلوبة من كل الفاعلين في العملية السياسية، والمحطات الواجب عبورها ترجمة لهذا النموذج.

    نعمل في الأردن على تطوير نموذجنا الديمقراطي، الذي يعكس ثقافة مجتمعنا الأردني واحتياجاته وتطلعاته

ولم تغفل الأفكار التي طرحناها الضمانات الضرورية لنجاح تعميق تحولنا الديمقراطي، وأبرزها حماية التعددية، والتدرج، وعدالة الفرص السياسية.

لقد باتت الرؤية الآن أوضح لدى قطاعات واسعة من المجتمع، بأن الهدف الأساسي من الإصلاح هو تعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار، من خلال تعميق نهج الحكومات البرلمانية، بحيث نصل إلى حكومات مستندة إلى أحزاب برامجية وطنية وذلك على مدى الدورات البرلمانية القادمة، وبحيث تكون هذه الأحزاب قادرة على تحقيق حضور فاعل في مجلس النواب، يمكنها من تشكيل حكومة أغلبية على أساس حزبي برامجي، ويوازيها معارضة نيابية تمثل الأقلية، وتعمل ضمن مفهوم حكومة الظل، وتنافسها بشكل بنّاء عبر طرح الرؤى والبرامج البديلة، ويشرعون في التنافس عبر صناديق الاقتراع من أجل تداول الحكومات.

    الهدف الأساسي من الإصلاح هو تعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار، من خلال تعميق نهج الحكومات البرلمانية

ومن أهم متطلبات التحول الديمقراطي تعزيز المجتمع المدني ودوره في مراقبة الأداء السياسي وتطويره نحو الأفضل، عبر ترسيخ الثقافة الديمقراطية في المجتمع، وهذا هو صلب هذه الورقة النقاشية الرابعة، إذ أنها تتزامن مع إطلاق جهد جديد من المؤمل أن يعزز من مساهمة مجتمعنا المدني في بناء نموذجنا الديمقراطي، من خلال الشروع في وضع اللبنات الأساسية للثقافة الديمقراطية في مجتمعاتنا المحلية، ليكون التغيير الديمقراطي حقيقة ملموسة على جميع المستويات.

ونظراً لأهمية مؤسسات المجتمع المدني في تطوير نموذجنا الديمقراطي، فقد وجهت إلى ضرورة إطلاق برنامج التمكين الديمقراطي فيخطاب ألقيته في 10 كانون الأول 2012 في الذكرى الخمسين لتأسيس الجامعة الأردنية. واليوم نشهد الإطلاق الرسمي لهذا البرنامج تحت مظلة صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية.

ويؤكد إطلاق هذا البرنامج أن تقدمنا على طريق إنجاز نموذجنا الديمقراطي سيتحدد بقدرتنا على عبور محطات محددة، تؤشر على تقدم ونضوج سياسي حقيقي وملموس، وليس مواعيد نهائية مسبقة أو عشوائية. وعلى امتداد طريق التنمية السياسية والتحول الديمقراطي الذي نسلكه، بما يتخلله من نجاحات وإخفاقات، سيكون التزامنا المشترك بالممارسات الديمقراطية الراسخة هو ضمانة النجاح في مواجهة مختلف المعيقات. ويشكل مبدأ الالتزام والمشاركة جوهر “المواطنة الفاعلة”، التي تعرضت لها في أوراقي النقاشية السابقة، والتي سأركز عليها في هذه الورقة، كشرط أساسي لتحقيق التحول الديمقراطي.

: المشاركة السياسية و”المواطنة الفاعلة”

قبل الخوض في أهداف البرنامج ورؤيته، أودّ مشاركتكم بعض الأفكار حول أهمية الانخراط في الحياة السياسية والتحلي بـ”المواطنة الفاعلة”.

فعندما أتحدث عن الحياة السياسية في هذا السياق، فإنني أعني السياسة بمفهومها الأوسع، أي العملية التي نناقش من خلالها القضايا التي تعني مجتمعنا، مستندين للاحترام المتبادل تعبيرا عن اختلافاتنا، والتي نصل من خلالها إلى حلول عملية عبر الحوار الهادف والبناء، وإلى قبول حلول وسط تمكننا من حل خلافاتنا، وتحقيق مصلحة المجتمع ككل.

إن هذه العملية لا تنحصر في القضايا الوطنية التي يتم مناقشتها تحت قبة مجلس الأمة فقط، بل تشمل القضايا التي تمس مجتمعاتنا المحلية وحياتنا اليومية كمواطنين، مثل حرص الأهالي على نوعية التعليم التي يتلقاها أبناؤهم وبناتهم في المدارس، وهموم المواطنين والمواطنات إزاء قضايا النقل العام، وغيرها من الخدمات العامة.

أما المشاركة السياسية فلا تكون ذات أثر إيجابي، إلا حين يؤمن كل فرد منا بـ “المواطنة الفاعلة”، التي ترتكز على ثلاثة أسس رئيسة وهي: حق المشاركة، وواجب المشاركة، ومسؤولية المشاركة الملتزمة بالسلمية والاحترام المتبادل، معززة بالمبادئ التالية:

أولاً، إن الانخراط في الحياة السياسية يشكل حقاً أساسيا لكل مواطن، مع وجوب حماية الحيّز العام المتاح للتعبير الحر عن الآراء السياسية المختلفة.

ثانياً، إن المشاركة السياسية في جوهرها تشكل مسؤولية وواجباً. فعلى كل مواطن أن يتحمل جزءاً من هذه المسؤولية عبر اختيار شكل المستقبل الذي ننشده للأجيال القادمة. وواجبنا كمواطنين لا ينتهي بمجرد القيام بعملية التصويت في أي انتخابات وطنية، بل يمتد ليشمل التزام كل مواطن بالمشاركة الفاعلة في الحياة المدنية والسياسية بشكل يومي، من خلال القيام، على سبيل المثال، بحملة ترويجية لقضية تهمنا، أو التطوع في نشاط مدني، أو الانضمام لحزب سياسي.

     إن المشاركة السياسية في جوهرها تشكل مسؤولية وواجب

وبطبيعة الحال، فإن الديمقراطية الحقة تكفل خيار البعض عدم الانخراط في العملية السياسية أو مقاطعتها. لكن من يسلكون هذا الطريق يتخلون عن فرصة حقيقية، وعن واجبهم الفعلي بالمساهمة في تحقيق الأفضل لوطنهم. إننا كمواطنين نشترك في مصير واحد، وعلينا واجب مشترك، أما الاستسلام إلى عقلية اللامبالاة، والرضوخ للواقع، والقبول بالأداء المتواضع فسيعطل قدرتنا كأمة على المضي قدماً. إننا لن نستطيع أن نبني أردناً أفضل وأقوى دون الإيمان بأن المواطنة الفاعلة هي مسؤولية وواجب يترتب على كل واحد منا.

ثالثاً، إن المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية ترتب مسؤوليات على كل فرد منّا فيما يتعلق بكيفية الانخراط في العمل السياسي. وقد ذكرت في ورقتي النقاشية الأولى أربع ممارسات ديمقراطية يترتب على كل المواطنين الإيمان بها حتى تزدهر الحياة السياسية، وهي: احترام الرأي الآخر، والانخراط الفاعل، وتبني الحوار والحلول الوسط ورفض العنف، والشراكة في التضحيات والمكاسب‪.‬‬‬‬‬‬‬‬

     إن المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية ترتب مسؤوليات على كل فرد منّا فيما يتعلق بكيفية الانخراط في العمل السياسي

ما أوّد التأكيد عليه هنا هو أن الاختلاف في الرأي والمعارضة البناءة الملتزمة بهذه الممارسات، والتي تبني مواقفها على أساس الحقائق والوعي، وليس الانطباعات والإشاعات أو الاعتبارات الشعبوية،  تشكل أحد أهم الوسائل التي يعبر المواطن من خلالها عن ولائه للوطن.

إن التحلي بالاحترام والمروءة هي من المبادئ التي نعتز بها في ثقافتنا العربية، وعلينا أن نوظف هذه المبادئ كأسس للانخراط في الحياة السياسية. ومن الضرورة بمكان أن ننوّه إلى أن عدم الاحترام لا يكون في الاختلاف في وجهات النظر، وإنما في رفض الاستماع لوجهات النظر المختلفة. فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية. كما أن حواراتنا ونقاشاتنا يجب أن تُبنى على معلومات موضوعية من أجل الوصول إلى قرارات تخدم المصلحة العامة، لا على الإشاعات، والعدمية المطلقة التي تنكر على الوطن إنجازاته وتطوره، ولا على التنظير والتشخيص غير الموضوعي للماضي دون طرح البدائل والحلول العملية للحاضر والمستقبل.

:لنمضي في تمكين ديمقراطي يوفر أدوات “لمواطنة فاعلة”

وعودةً إلى برنامج التمكين الديمقراطي، فإن إطلاقه رسمياً يأتي كمحطة إضافية وجديدة على مسار التنمية السياسية وتعزيز المشاركة.

ونستذكر اليوم جميع الجهود التي بذلها العديد من الأردنيين والأردنيات شيباً وشباباً من رواد العمل الاجتماعي من أجل تنمية حياتنا السياسية والمجتمعية. إن هذه الجهود تشمل كل من أدلى بصوته في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وكل من شارك في مظاهرات سلمية بناءة تراعي مصالح الوطن، وكل من قاد جهودا مجتمعية مثل نشاطات طلابية وكشفية في المجتمعات المحلية، أو في تنظيم جلسات نقاشية وحوارات إلكترونية حول المستجدات السياسية.

إن هذا البرنامج سيساهم في ترسيخ المواطنة الفاعلة، وسيعمل على تمكين الأفراد والمؤسسات، ممن لديهم أفكار عملية، لتطوير نموذجنا الديمقراطي، عبر تقديم الدعم لترجمة ذلك على أرض الواقع. فالبرنامج سيدعم الرياديين الاجتماعيين ليتيح لهم التأثير في الشأن العام، عبر زيادة وإثراء المنابر الديمقراطية المتاحة كمنتديات الحوار، وبرامج التدريب، وغيرها من الأدوات المتوفرة لكل الأردنيين ليصبحوا مواطنين فاعلين ومنخرطين في الحياة العامة.

وسيدعم البرنامج في البداية مشاريع تهدف إلى تعزيز مناخ المساءلة والشفافية، وإتاحة فرص جديدة أمام الأردنيين لمناقشة القضايا المهمة التي تواجه الوطن، وتسخير كل المواهب والإبداعات المرتبطة بخدمة المجتمع.

ولا شك أن الأردن يزخر بكثير من الأمثلة الإيجابية على مؤسسات ناشطة في مجالات مشابهة ترتبط بجوانب من حياتنا السياسية والاجتماعية. وأثني هنا على جميع الجهود الدؤوبة والريادية لبناء مجتمع مدني على امتداد ربوع وطننا، وأؤكد أن برنامج التمكين الديمقراطي يأتي ليوفر مزيدا من الدعم للفاعلين في هذا المجال وتوسيع قاعدة نشاطاتهم.

وفي ذات الوقت، فلا بد من الإقرار بأننا كمجتمع بحاجة إلى آليات أفضل لترجمة الأفكار الريادية على أرض الواقع، وهذا في صلب أهداف البرنامج. إنني أتطلع أن يوفر البرنامج المساعدة لمن يحملون أفكاراً جديدةً تهدف لزيادة انخراط المواطنين في مجتمعاتهم، وسيتاح للأردنيين من شتى التوجهات الفكرية إطلاق وإدامة مبادرات تروّج للانخراط السياسي والاجتماعي السلمي الفاعل.

وبالتوازي مع ما سيتم إعلانه اليوم، وخلال الأسابيع القادمة من تفاصيل حول البرنامج، فإنني أود التأكيد على مجموعة من المبادئ التي حرصتُ على أن أوجه القائمين على البرنامج للعمل في إطارها:

أولاً، أن يعمل البرنامج وفق أسس غير حزبية تلتزم الحياد، فهو سيدعم المؤسسات الصغيرة والكبيرة التي تهدف للمساهمة في تعزيز المشاركة السياسية والمدنية، ولن يقدم الدعم لأحزاب سياسية.

ثانياً، أن ينتهج البرنامج أسس الشفافية لدى تقديم الدعم. وسيتم فتح باب الاستفادة لكل الأردنيين المهتمين، وستخضع آلية اختيار المستفيدين من هذه البرامج لقواعد مُحكمة، وعلى أساس التنافس الشريف. وسيتم في البداية إطلاق مبادرات ذات نطاق أوسع بالشراكة مع جهود قائمة، أو مؤسسات أخرى ذات سجلات نجاح يمكن تتبعها.

يشكل برنامج التمكين الديمقراطي إضافة نوعية، لكنه ليس كفيلا لوحده بحل جميع التحديات التي سنواجهها سوية على امتداد مسيرتنا نحو التنمية السياسية والتحول الديمقراطي. وهو يجسّد جزءا من  مساهمتي تجاه هذه المسيرة، تحت مظلة صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية.

إنني أحث جميع الأردنيين ممن لديهم أفكار إبداعية، والاستعداد للعمل الجاد خدمة لوطننا، ويرون في أنفسهم القدرة على القيام بدور قيادي في بناء نظامنا الديمقراطي السياسي، أن يخطوا للأمام ويستفيدوا من الإمكانات المهمة التي يوفرها هذا البرنامج.

إنكم إذ تقبلون على هذه المسؤولية، وتضربون مثالاً في ريادة العمل السياسي والاجتماعي والمدني، وتساهمون في بناء أردن أفضل وأقوى لجميع أبنائه وبناته، فإنكم تصنعون قصص نجاح على مستوى الوطن العربي والعالم، وتثبتون أننا قادرون على أخذ زمام المبادرة وإنجاح ديمقراطيتنا.

* هذه المقالة هي الورقة النقاشية الرابعة ضمن سلسلة أوراق ينشرها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لعرض رؤيته لمسيرة الإصلاح الشامل في الأردن في مختلف المجالات، وتتزامن مع إطلاق برنامج التمكين الديمقراطي التابع لصندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الجمعة 24 فبراير 2017, 6:55 pm

الورقة النقاشــية الخــامـــســـة

"تعميق التحول الديمقراطي: الأهداف، والمنجزات، والأعراف السياسية"

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين

13 أيلول/سبتمبر 2014

 

شرعت، قبل نحو سنتين، في المساهمة في النقاش الوطني الدائر حول عملية الإصلاح عبر سلسلة من الأوراق النقاشية. وقمت من خلال الأوراق النقاشية الأربعة الأولى بإيجاز رؤيتنا الإصلاحية وهدفها النهائي المتمثل في ديمقراطية أردنية متجددة وحيوية تقوم على ثلاث ركائز، وهي: ترسيخ متدرج لنهج الحكومات البرلمانية، تحت مظلة الملكية الدستورية، معززا بمشاركة شعبية فاعلة أو ما وصفته بـ "المواطنة الفاعلة".

إن الأردن، وبمنعته المعروفة، يواجه تحديات إقليمية غير مسبوقة تحيط بنا وترهق اقتصادنا. ورغم هذه التحديات، فإن عملية الإصلاح السياسي مستمرة. ويجدر بنا الوقوف هنا على ما تم تحقيقه على طريق إنجاز ديمقراطية أردنية متجددة منذ أن نشرت ورقتي النقاشية الأخيرة في حزيران 2013.

فقد نجحنا في إيجاد ربيع أردني خاص بنا، ومضينا في تسريع وتيرة الإصلاحات المبنية على نموذج إصلاحي تطويري متدرج، ويقوم على إشراك جميع فئات المجتمع في العملية السياسية. ولنتذكّر جميعا أيضاً بأن الهدف النهائي لعملية الإصلاح السياسي النابعة من الداخل يترجم من خلال تمكين المواطنين من القيام بأكبر دور ممكن في صنع القرار عبر ممثليهم المنتخبين. وعليه، فإن تعميق ديمقراطيتنا يترجم عملياً عبر تعميق تجربة الحكومات البرلمانية، لنصل بها إلى مرحلة متقدمة من الممارسة التي تتولى فيها الكتلة الحزبية أو الإئتلافية ذات الأغلبية النيابية، أو ائتلاف من الكتل، تشكيل الحكومات، في حين تتولى الأقلية النيابية مهام حكومة الظل، من رقابة على الحكومات ومساءلتها، وتقديم برامج بديلة، وضمان التداول الديمقراطي للحكومات.

إن تعميق تحولنا الديمقراطي يتطلب شروطاً أساسية لا بد من إنجازها ضمن مسارات متوازية ومترابطة، وقد ركز أسلوبنا في تحقيق ذلك على إنجازات تمثل محطات نجاح للجميع.

بناء على ما تقدّم، فإنني أسعى عبر هذه الورقة النقاشية الخامسة* إلى الوقوف على محطات الإنجاز التي تم تحقيقها على ثلاثة مسارات متوازية، إضافة إلى عرض محطات الإنجاز التالية التي لا بد من تحقيقها، خاصّة منظومة القيم والممارسات والأدوار والأعراف التي يجب أن نستمر في تعميقها وتطويرها حفاظاً على زخم مسيرتنا الإصلاحية، وتحقيق هدفنا النهائي بنجاح، وبشكل يلبّي تطلعات المواطنين.

وفيما يلي أهم محطات الإنجاز التي تم تحقيقها حتى الآن:

أولاً: محطات الإنجاز التشريعي:

إن هذا المسار يتضمن الإنجازات التي تم تحقيقها في مجال إصلاح التشريعات، والتي تمثل البنية الأساسية لأي نظام ديمقراطي في العالم، ومن أهمها:

إقرار تعديلات دستورية ترسخ منظومة الضوابط العملية لمبادئ الفصل والتوازن بين السلطات، كما أنها تعزٍّز الحريات، وتستحدث مؤسسات ديموقراطية جديدة. وحالياً، فإن مجلس الأمة على مشارف إنجاز جميع التشريعات الواجب تعديلها بما يضمن توافقها مع التعديلات الدستورية.

إنجاز حزمة جديدة من التشريعات الناظمة للحياة السياسية، والتي دخلت حيز النفاذ قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة. وقد شملت هذه الحزمة: قوانين الانتخاب، والأحزاب السياسية، والاجتماعات العامة، والتي تساهم بدورها في تعزيز أجواء العمل السياسي وتشكيل الأحزاب من مختلف ألوان الطيف السياسي.

تطبيق قانون معدِّل لقانون محكمة أمن الدولة يحصر اختصاصها في جرائم الخيانة، والتجسس، والإرهاب، والمخدرات، وتزييف العملة، بما يكرّس المبدأ العام لمحاكمة المدنيين أمام المحاكم المدنية فقط.

أما آخر الإنجازات ضمن هذا المسار فيتمثل في التقدم النوعي الذي أحرزه مجلس النواب في تطوير نظامه الداخلي ليكون أكثر فاعلية.

ثانياً: محطات الإنجاز المؤسسي:

ويتضمن هذا المسار تعزيز بعض مؤسسات الدولة القائمة وبناء مؤسسات ديمقراطية جديدة، على النحو التالي:

إنشاء محكمة دستورية تختص بتفسير نصوص الدستور والرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة بما يضمن احترام حقوق وحريات جميع المواطنين وفقاً للدستور.

استحداث هيئة مستقلة للانتخاب نالت الاحترام والتقدير داخل الأردن وخارجه لدورها الرائد في إدارة الانتخابات النيابية وضمان نزاهة وشفافية الانتخابات النيابية والبلدية من خلال الإشراف عليهما، التي أجريت في غضون عام واحد، وهذه شهادة على الثقة وآفاق التجديد السياسي التي تتمتع بها مؤسساتنا. وفي إطار البناء على نجاحات الهيئة المستقلة للانتخاب، فقد شهدنا مؤخراً إقرار المزيد من التعديلات الدستورية التي توسع من مسؤوليات الهيئة لتشمل إدارة الانتخابات البلدية، وأي انتخابات عامة أخرى مثل انتخابات المجالس المحلية في المحافظات.

تأسيس مجلس النواب مركزاً للدراسات والبحوث التشريعية يدعم عمل النواب واللجان النيابية المتخصصة، ويضمن أن يستند عمل المجلس وقراراته إلى الأبحاث والمعلومات المدعومة بالبراهين. كما شهدنا جهوداً حثيثة لتعزيز الشفافية، تمثلت بقيام اللجنة المالية في مجلس النواب بمناقشة تفصيلية لموازنات القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، والديوان الملكي الهاشمي للعام 2014، وذلك في سابقة ومبادرة نوعية لمجلس النواب للارتقاء بآليات وممارسات الرقابة.

استمرار العمل في تدعيم السلطة القضائية وتعزيز منظومة وطنية قوية للنزاهة والشفافية والمساءلة تبني على مخرجات اللجنة الملكية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية، ولجنة تقييم التخاصية، وتستند إلى سلطة قضائية قوية ومستقلة وعدد من المؤسسات الرقابية الرئيسة، مثل: هيئة مكافحة الفساد، وديوان المحاسبة، وديوان المظالم، وأنظمة الرقابة في القطاعين الحكومي والخاص والمجتمع المدني.

الاستمرار في دعم المركز الوطني لحقوق الإنسان وشبكة من المؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، بهدف تقوية منظومة حقوق الإنسان وضمان متابعة الحكومة لتوصيات المركز وإنهاء إعداد الخطة الوطنية لحقوق الإنسان.

متابعة العمل في مسارات برنامج تطوير القطاع العام، من خلال: البناء على ما تم إنجازه من دمج المؤسسات ضمن مسار إعادة الهيكلة، والاستمرار في تحسين مستوى الخدمات الحكومية، وتنمية الموارد البشرية، وتطوير آليات صناعة القرار.

أخيراً، وفي إطار مساعينا نحو حكومة برلمانية ناضجة، فإن العديد من الإصلاحات يتم تطبيقها الآن في مؤسساتنا الأمنية الوطنية. وقد انطلقت هذه الجهود مع الرسالة التي وجهتها لمدير المخابرات العامة في عام 2011 للمضي قدما في إصلاح هذه المؤسسة الوطنية الرائدة. وفي خطوة إصلاحية لا تقل أهمية، فإن الحكومة تعكف حالياً على تفعيل دور وزارة الدفاع لتتولى مسؤولية جميع الشؤون الدفاعية غير القتالية، ولتكون بالطبع جزءا من الحكومة وخاضعة لرقابة مجلس الأمة.

ثالثاً: محطات التطور الخاصة بأطراف المعادلة السياسية:

يشتمل هذا المسار على تحديد القيم والممارسات الجوهرية، والتي تقع في صميم الثقافة الديمقراطية وممارسات المواطنين، إضافة إلى أدوار الأطراف الرئيسية في المعادلة السياسية، حيث غدت القيم الضرورية لعملية تحول ديمقراطي ناجحة نحو الحكومات البرلمانيةمعروفة لجميع الأردنيين، وهي القيم التي لا بد من تجذيرها في ثقافتنا ومجتمعنا، وتشمل: الاعتدال، والتسامح، والانفتاح، والتعددية، وإشراك جميع مكونات المجتمع، واحترام الآخرين والشعور بهم، واحترام سيادة القانون، وصون حقوق المواطن، وتأمين كل طيف يعبر عن رأي سياسي بفرصة عادلة للتنافس عبر صناديق الاقتراع.

ولا بد هنا أيضاً من التأكيد على ضرورة استمرار "ربيعنا الأردني" في تبني الممارسات الديمقراطية الأساسية التالية: احترام مبدأ الحوار وتبنيه في سبيل تجاوز الاختلافات، والتلازم بين حقوق المواطنين وواجباتهم، والشراكة في بذل التضحيات ونيل المكاسب، وتحويل الاختلافات إلى حلول توافقية، والمشاركة الفاعلة من قبل جميع المواطنين والمواطنات.

كما يترتب على جميع أطراف المعادلة السياسية – الملكية، وأعضاء مجلس الأمة، والحكومة، والأحزاب السياسية، والمواطنين – تبني هذه القيم والممارسات وتطبيقها لدى قيامهم بأدوارهم ومسؤولياتهم الوطنية، والتي تشكل بدورها أحد المكونات الرئيسية لهذا المسار الثالث، والتي تتجلى فيما يلي:

يقع على عاتق الملكية الهاشمية مسؤوليات توفير نهج قيادي جامع لكل المكونات يستشرف المستقبل بهدف تحقيق الازدهار لأجيال الوطن. ويقع على الملك، بصفته رأسا للدولة وقائداً أعلى للقوات المسلحّة، مسؤولية الدفاع عن قضايانا المصيرية المرتبطة بالسياسة الخارجية وأمننا القومي، وحماية تراثنا الديني ونسيجنا الاجتماعي وذلك من خلال مجلس الوزراء الذي يتولى إدارة جميع شؤون الدولة استنادا إلى الدستور. كما أن على الملكية الاستمرار بدورها كحام للدستور ولمقومات الحياد الإيجابي والاستقرار والعدالة، بالإضافة إلى مسؤولية الملكية كفيصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لتجاوز حالات الاستعصاء السياسي عند حدوثها.

يقع على كاهل أعضاء مجلس الأمة مسؤوليات العمل بتفان لخدمة الصالح العام، وأن يعكس أداؤهم توازناً بين المصالح المحلية والمصالح الوطنية، وتوازناً بين مسؤولية التعاون ومسؤولية المعارضة البناءة للحكومة، بحيث تكون علاقة النائب بالحكومة قائمة على أسس موضوعية لا مصلحية ضيقة، وبما يضمن قيام مجلس الأمة بدوره كحاضنة أصيلة للحوار الوطني الديمقراطي.

يقع على الحكومة ممثلة برئيس الوزراء والفريق الوزاري والعاملين في الجهاز الحكومي وضع وتنفيذ خطط وبرامج عمل شاملة تهدف إلى توفير الفرص الاقتصادية وتحقيق الازدهار الذي يستحقه ويتطلع إليه جميع أبناء وبنات الوطن. وتنفيذ ذلك يتطلب من الحكومة نيل ثقة مجلس النواب والمحافظة عليها بناء على برنامج عمل الحكومة، ووضع معايير للعمل الحكومي المتميز، وتبني نهج الشفافية والحاكمية الرشيدة والشراكة الفعلية مع مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، وترجمة كل ذلك قولاً وفعلاً.

يقع على الأحزاب السياسية مسؤوليات الاندماج وصولاً إلى عدد منطقي من الأحزاب الرئيسية الممتدة على مستوى الوطن، والتي تمثل مختلف آراء الطيف السياسي وتتبنى برامج حزبية واضحة وشاملة.

أما المواطنون فيقع عليهم مسؤولية المشاركة الفاعلة والبنّاءة في جميع مناحي الحياة السياسية. ويسعدني أن أرى المزيد من أبناء وبنات شعبنا يتبنون روح وفكر "المواطنة الفاعلة" على مستويات العمل المحلية والوطنية، وهو المفهوم الذي طرحته للنقاش العام خلال السنة الماضية.

قد تضاعف، وعلى مدار الخمس سنوات الماضية، عدد مؤسسات المجتمع المدني ليبلغ اليوم أكثر من 6000 مؤسسة. ونتطلع لاستمرار هذه المؤسسات في بناء قدراتها وزيادة فاعليتها وخدمة قضايا المواطنين وهمومهم، والتأثير في رسم السياسات والعمل كرقيب وطني.

وما أسعدني، في هذا السياق، هو أن أكثر من 1000 فكرة قد تم تقديمها خلال أول دورتين من نوافذ التمكين الشبابي التي يوفرها برنامج التمكين الديمقراطي، وهي مبادرة لتمكين الشباب تم إطلاقها في حزيران الماضي تحت مظلة صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية. ومن هذه الأفكار مبادرات بعض الشباب والشابات مثل الطالبة فرات الملكاوي، التي بادرت لتطوير مجلس طلبة نموذجي ضمن مدرستها في منطقة عرجان، يحاكي مجلس النواب ويقوم على مبادئ ومعايير ديموقراطية ويتبنى مفاهيم مثل البرامج الحزبية، والحملات الانتخابية، وقواعد السلوك، وضمانات الانتخابات النزيهة. ومبادرة الطالبة هنية الضمور لإعداد 12 حلقة لبرنامج حواري تفاعلي بُثَّ عبر الإذاعات المحلية لمحافظة الكرك، ويهدف إلى تبني أسلوب يعتمد على حلول عملية لقضايا المجتمعات المحلية. ومبادرة الشاب محمد العمور التي تعالج ظاهرة العنف الجامعي عبر جلسات حوارية، ومقاطع مسرحية، والتدريب على مهارات الحوار والتفاوض والاتصال وإدارة الإختلاف، والتي نجحت في تأهيل فريق مدرِّبين وعقد ورش تدريبية في عدة جامعات. وتعد هذه الأمثلة وغيرها تجسيدا حقيقيا للمواطنة الفاعلة.

كما سيطلق برنامج التمكين الديمقراطي قريبا مبادرة أخرى في ذات الأهمية، وهي "مرصد مصداقية الإعلام الأردني – أكيد"، بالشراكة مع معهد الإعلام الأردني. وتهدف هذه المبادرة إلى تمكين المواطنين من الاطلاع بشكل موثوق ودقيق على أبرز القضايا التي تعنيهم، وذلك من خلال المساهمة في التأكد من صحة التقارير والمعلومات الواردة في أبرز وسائل الإعلام الصحفية والإلكترونية، وهو الأمر الذي يشكل عنصراً هاماً في تعزيز نظامنا السياسي ليكون أكثر شفافية ومساءلة من قبل المواطنين.

ظرة مستقبلية:
أما الآن، وبعد أن تم إيجاز ما تم تحقيقه، فلا بد من النظر إلى المرحلة التالية من محطات الإنجاز التي علينا عبورها. ومن المهم أن نعي جميعا أهمية بذل أقصى الجهود للقيام بدورنا وتنفيذ مسؤولياتنا وفق أعلى معايير التميّز والعطاء والتفاني، وعلى النحو التالي:

يتوجب على المشرّعين تطوير القوانين السياسية الرئيسية، بما يضمن التوافق والارتقاء بتجربة الحكومة البرلمانية. كما يجب أن تعطى الأولوية لقوانين الحكم المحلي عبر إنجاز قوانين الانتخابات البلدية واللامركزية أولاً. وفور الانتهاء من إنجاز هذين التشريعين الهامّين، يجب أن نمضي قدماً نحو إنجاز قانون انتخاب جديد، وسبب هذا الترتيب هو أن موعد استحقاق الانتخابات البلدية القادمة وانتخابات المجالس المحلية للمحافظات يسبق النيابية ويأتي خلال أقل من عامين، في حين أن موعد استحقاق الانتخابات النيابية القادمة يأتي بعد أقل من ثلاث سنوات، بالإضافة إلى أن قانون الانتخاب سيتأثر بمخرجات حزمة قوانين الحكم المحلي. كما أن على مجلس النواب تعزيز عمل الكتل النيابية لأثرها في تشجيع تطور العمل الحزبي، والاستمرار أيضاً في تطوير أسس وأعراف العمل النيابي، ومن ضمنها تطوير مدونة لقواعد السلوك واعتمادها.

أما الحكومات، فيجب عليها الاستمرار في تطوير أداء القطاع العام والجهاز الحكومي بحيث يكونا على أعلى مستويات المهنية والموضوعية والحياد السياسي والقدرة على إنتاج سياسات مقترحة مبنية على البراهين والأبحاث، وتوفير النصيحة الضرورية للوزراء في الحكومات البرلمانية مستقبلاً. كما يتوجب على الحكومات أيضاً إعداد استراتيجيات وخطط عمل بعيدة المدى تعتمد نهجاً تشاورياً في التواصل مع المواطنين، وبشكل فعّال يتوخى الالتزام بالمساءلة والشفافية في إعلان الموازنات وأسلوب إدارة المشاريع الوطنية. وعلى الحكومة أيضاً المضي قدماً في تفعيل وزارة الدفاع كما أشرت سابقاً.

يتعين على الأحزاب السياسية الاستمرار في تطوير نظمها الداخلية بحيث تتطور إلى أحزاب برامجية ذات كفاءة وتأثير وحضور على مستوى الوطن، قادرة على الفوز بأغلبية أصوات الناخبين. كما عليها أن تولي جلّ عنايتها أيضاً لتأهيل قيادات كفؤة وقادرة على تولي المناصب الحكومية وصولا إلى تطبيق متقدم للحكومات البرلمانية. وبالتوازي مع ذلك، فيجب أن تستمر جهود تعزيز وتطوير أداء وعمل الكتل النيابية في مجلس النواب لإنها تشكل حافزاً هاماً لتطوير أحزاب برامجية ذات حضور وطني.

ويتوجب كذلك الاستمرار في بناء قدرات السلطة القضائية لأن العدل هو أساس الحكم، بالإضافة إلى تطوير قدرات المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب لتمكينهما من إطلاق كامل طاقاتهما والعمل وفق أفضل الممارسات العالمية، لتغْدُوا مراكز تميّز على مستوى الإقليم.

وعلى اللجنة الملكية لتقييم العمل ومتابعة الإنجاز لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية الاستمرار في متابعة وتقييم تنفيذ توصيات اللجنة الملكية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية.

وعلى مؤسسات المجتمع المدني، ومن ضمنها الجامعات ومراكز الدراسات، إضافة إلى القطاع الخاص لعب دور أكبر في المساهمة في إنتاج أفكار وأبحاث تقدم حلولاً للتحديات التي تواجهها المملكة. ولتيسير ذلك، فلا بد من استمرار الاستثمار في البحث العلمي ومؤسسات المجتمع المدني، وتوسيع حجم المبادرات الناجحة، وإتاحة أدوات إبداعية جديدة تشجع ممارسات الحوار والتطوع والمساءلة والشفافية والحق في الحصول على المعلومات.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن أبرز التحديات التي نواجهها في ضوء عمليات التطوير تتمثل في المحافظة على التوازن الدقيق بين مختلف السلطات، بحيث تعمل فيما بينها بفاعلية وتبقى مستقلة في ذات الوقت. ومع أن دستورنا وتشريعاتنا تسهّل المحافظة على هذا التوازن، إلا أن التجارب الديمقراطية في مختلف دول العالم، وعلى امتداد التاريخ، أظهرت أنه من المستحيل لأي دستور أو مجموعة تشريعات التنبؤ والتحوط لمختلف الظروف مستقبلا.

جزء من الحل لهذا التحدي يتمثل في القدرة على اتخاذ أفضل القرارات في مواقف غير محكومة بقواعد أو أنظمة مدونة، وهو ما يتعارف عليه بـ"الأعراف السياسية" التي تحكم عادات وممارسات أطراف العملية السياسية، وهي تلعب دورا مهما في كل أنظمة الحكم في العالم، خاصّة البرلمانية، وقد أشرت إلى أهميتها في الورقة النقاشية الثانية. والأعراف السياسية هي عادات وممارسات غير مدوّنة، قد لا يكون لها قوة القانون، إلا أنها شرط أساسي لعمل نظامنا السياسي بشكل فعّال وواقعي. ومن أمثلتها في ممارستنا السياسية كتاب التكليف الذي يوجهه الملك للحكومات، والذي يعد عرفاً سياسياً يُستدل من خلاله على أبرز المسؤوليات والمهام المنتظرة من الحكومة، ويشكل تنفيذها مقياسا مهماً لتقييم أداء الحكومة.

عليه، فإنه يتوجب على كل من مجلس الأمة والحكومة وأجهزتها تطوير الأعراف القائمة وإرساء أعراف جديدة في ظل بروز تغيرات وتحديات متنامية. وفيما يلي عرض لعدد من المجالات التي يساعد تطوير أعراف حولها في تعزيز التعاون والتنسيق بين مختلف المكونات السياسية:

لآلية التشاورية لتكليف رئيس الوزراء، وذلك في ظل استمرار تطور ممارسات ديمقراطيتنا البرلمانية. بالإضافة إلى آلية إعداد رئيس الوزراء المكلف والحكومة المكلفة لبرنامج عملهم لمدة أربع سنوات، والذي يعتبر أحد أسس منح مجلس النواب الثقة للحكومة.

من بين المجالات أيضاً، تنظيم جلسات الأسئلة والاستجواب فيما بين مجلس الأمة والوزراء، بأسلوب يراعي مبادئ الشفافية والمساءلة وحق الحكومة في ممارسة السلطة، دون التهديد بالتلويح بحجب الثقة أو التقدم بطلب استجواب من قبل أعضاء مجلس النواب لمجرد تعارض قرارات الحكومة مع مصالح فئوية وشخصية ضيقة، بالإضافة إلى تحديد أدوار مجلس الوزراء ومجلس الأمة والجهاز الحكومي خلال مراحل التغيير الحكومي، والتي تشمل: فترة التشاور لتكليف رئيس وزراء جديد، وفترة تسيير الأعمال لحين تشكيل الحكومة، والفترة الزمنية لحين منح مجلس النواب الثقة للحكومة بناء على أعضائها وبرنامج عملها لأربع سنوات.

في ظل كل ما تقدّم، فلا بد من الإشارة هنا إلى أنه ما زال أمامنا الكثير من العمل لبناء ديمقراطية مكتملة العناصر، وتحقيق هدفنا النهائي المتمثل في الحكومات البرلمانية الناضجة. وآمل أن يكون ما عرضته في هذه الورقة لنموذجنا الإصلاحي ولمحطات الإنجاز التي قطعناها قد أوضح كيف يجب أن نمضي في الإصلاح ضمن مسارات متوازية ومترابطة، وأن يمنحنا الثقة والحافز لتحقيق المزيد من الإصلاحات وإنجاز محطات إصلاحية قادمة ضمن مسارنا الديموقراطي.

ولنتذكر جميعاً أن نجاحنا في الوصول إلى الهدف النهائي للإصلاح مرهون بقيام جميع أطراف العملية الإصلاحية بمسؤولياتهم وأدوارهم والارتقاء بها، وبترسيخ القيم والممارسات الديمقراطية، وتعزيز الأعراف القائمة وتطوير الضروري منها، وبتحقيق مستويات النضج السياسي الضروري لإنجاز متطلبات كل محطة إصلاحية.

يترتب علينا في هذا المجال مسؤولية جماعية في احتضان القيم والممارسات الديموقراطية والاستمرار في تطويرها مستقبلا، من خلال تجذيرها في منظومتنا القيمية والتربوية والتشريعية عبر حملات التوعية والمناهج، وتمكين المؤسسات الوطنية المسؤولة عن صون هذه القيم والممارسات.

أود أن أنهي هذه الورقة بالتأكيد على أن الأمن والديمقراطية والرفاه هي دعائم المستقبل، ويعتمد كل منها على الآخر، فالتحديات الراهنة تمثل واقعا استثنائيا ضاغطا، لكن الأردن ماض بثقة على مسار التنمية السياسية الذي اختطه. أما اقتصادنا الوطني، وفي ظل ما يواجهه من أعباء هائلة، فإننا بحاجة لتركيز كل الجهود لتحفيزه ودفع عجلته.

كما كرّست المجموعة الأولى من أوراقي النقاشية للمساهمة في النقاش الوطني حول طبيعة النظام السياسي الذي يجب أن نطوره لمستقبل الأردن، فإنني سأكرس الورقة النقاشية القادمة لمناقشة الفرص المتأتية من بناء نموذج اقتصادي جديد ومستدام يسعى لتحسين مستوى معيشة أبناء وبنات الوطن، في ضوء التصور المستقبلي للاقتصاد الوطني للسنوات العشرة القادمة الذي وجهت الحكومة لإعداده. وعليه، فإن الرؤية الاقتصادية والاجتماعية التي يحتاجها الأردن ستكون المحور الرئيسي للأوراق النقاشية القادمة التي أعتزم المساهمة بها قريبا في النقاشات الوطنية.


* هذه المقالة هي الورقة النقاشية الخامسة ضمن سلسلة أوراق ينشرها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لعرض رؤيته لمسيرة الإصلاح الشامل في الأردن في مختلف المجالات،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الجمعة 24 فبراير 2017, 6:56 pm

قراءة في الأوراق النقاشية لجلالة الملك
هيفاء حجار نجار*


بصدور الورقة النقاشية الخامسة لجلالة الملك، يكون جلالته قد رسم معالم طريق النظام السياسي الأردني، الذي يكرس الديمقراطية نهجاً وممارسة. فالأوراق الخمس تأخذ برقاب بعضها لتشكل في النهاية لوحة كاملة؛ فيها تفصيل دقيق لدور جميع الأطراف ومسؤولياتها وواجباتها، ولتتكلل أخيراً بحكومة برلمانية تحت مظلة الملكية الدستورية.
الهدف الذي أعلنه جلالته من وراء هذه الأوراق النقاشية واضح وصريح، وهو الوصول إلى حكومة برلمانية ممثلة لفئات الشعب الأردني. فهو يؤكد أن التعديلات الدستورية التي أجريت خلال السنوات الماضية غير كافية للإصلاح الديمقراطي المنشود، إن لم يرافقها تطور حقيقي وجذري للنهج الذي يحكم الممارسات والعلاقة بين المواطنين والجهاز الحكومي والنواب الذين يحملون الأمانة ومسؤولية مراقبة السلطة التنفيذية.
بدأ جلالته أوراقه بتسلسل زمني؛ ابتداء من توصيف الواقع الأردني، مروراً بالانتخابات البرلمانية، والتعديلات الدستورية، واستحداثات الأجهزة والمراكز التي تخدم المسيرة الديمقراطية، وصولاً إلى الهدف الكبير وهو تشكيل الحكومات البرلمانية. فالحكومة البرلمانية مؤشر على تجذير الممارسات الديمقراطية، وتطوير النظام الديمقراطي برمته. إذ إن الوصول إلى هذه الحكومات يتطلب أحزاباً قوية ممثلة، ذات قاعدة جماهيرية واسعة، قادرة على التعبير عن مصالح أفراد المجتمع وأولياتهم وهمومهم، وتتبنى برامج وطنية قابلة للتطبيق.
وقد شدد جلالته على إنشاء تلك الأحزاب، ودعا المواطنين إلى الانتساب إلى الحزب الذي يوافق ميوله ويتبنى رؤاه. إذ إن الأحزاب القوية المنشغلة بهموم الوطن والمواطن، هي الرافعة للنظام الديمقراطي وأدواته لتحقيق الصالح العام، فتكون مستعدة لتقاسم التضحيات، كما هي مستعدة لتقاسم المكاسب في الوقت عينه. أما في ظل عدم وجود هذه الأحزاب، فلن يكون من السهل تشكيل حكومة برلمانية، وإن كان جلالة الملك قد مهد لذلك حينما كلف بإجراء مشاورات حول من يكون شخص رئيس الوزراء، فتوافقت الكتل البرلمانية على رئيس الوزراء الحالي. لكن هذا ليس هو الحل المطلوب، ويبقى من وجهة نظر جلالة الملك منقوصاً؛ إذ إن طموح جلالة الملك يتجلى في تشكيل حكومة برلمانية بدون تدخل من أحد، والفيصل في ذلك كله هو صوت المواطن الذي يمنحه لحزب قوي، يراه قادراً على ترجمة رؤاه. حينئذ يغدو هذا الحزب الحائز على الأغلبية قادراً على تشكيل الحكومة، إما بمفرده أو بائتلاف مع حزب آخر، فيما تكون الأحزاب الأخرى بمثابة حكومة ظل. وهنا تتكرس الديمقراطية بتجلياتها كافة؛ إذ تخضع هذه الحكومة للمراقبة والمساءلة والاستجواب، ويكون عملها من أجل الوطن والمواطن فقط، وإلا فإنها ستسقط بفعل ضغط الجماهير.
لكن لن تقوم هذه الأحزاب التي تضع نصب أعينها ثقة الأغلبية لتشكيل الحكومة، إلا بمواطنة فاعلة، ترتكز على حق المشاركة وواجب المشاركة ومسؤولية المحاسبة والمراقبة؛ هذه المواطنة التي تعني أن يشعر المواطن بأنه جزء أصيل من نسيج هذا المجتمع، يساهم في بنائه ورفعته، وفي الوقت نفسه يقوم بالنقد البنّاء.
إن المواطن هو الهدف والغاية والأداة والوسيلة معاً لحياة سياسية ديمقراطية. ومن أجل ذلك، فقد أطلق جلالته برنامج التمكين الديمقراطي؛ لتفعيل دور المواطن الأردني في الحياة السياسية. فالمواطن يجب أن يهتم بالشأن الأردني الذي يشمل جوانب الحياة كلها؛ فهو يريد أن يجد عملاً، كما أنه يريد أن يتعلم ابنه تعلماً نوعياً، ويود أن يصل الماء إلى بيته بشكل دائم. ولهذا لا بد أن يكون له صوت ومشاركة فاعلة؛ فالصمت والانسحاب غير مقبولين على الإطلاق. وفي الوقت نفسه، فإن برنامج التمكين الديمقراطي يدعو إلى أن يكون الحوار وسيلتنا الوحيدة لحل مشاكلنا، وأن نحتفي بالاختلاف الذي يشكل نقطة قوة وغنى لأفكارنا، لنبحث معاً عن الحقيقة التي لا يمتلكها أحد، ولن يصل إليها فرد وحده ولا حزب بمفرده.
ولا يكتمل المشهد الديمقراطي إلا بتغيير الأعراف البرلمانية التي تساهم في تأطير آلية تشكيل الحكومات البرلمانية من خلال التشاور والتوافق بين الكتل البرلمانية، ورسم العلاقة بين النواب والجهاز الحكومي، وتكريس مبدأ المساءلة.
بالإضافة إلى ذلك، لا بد من تعزيز مؤسسات المجتمع المدني، ليكون لها دور فاعل في الحياة السياسية؛ فهي من أهم الأقانيم التي تقوم عليها حياة المجتمعات، لأنها تجمع شرائح المجتمع المختلفة وتصهرها معاً لتكون داعمة تارة وناقدة تارة أخرى، من أجل تحسين العمل، وتطوير الأداء الحكومي والبرلماني والحزبي.
إن ما يميز الأوراق النقاشية الملكية هو أن جلالته يضع الكرة في ملعب الجميع؛ المواطن والموظف الحكومي والبرلماني والسياسي والحزبي ومؤسسات المجتمع المدني، ليعملوا معاً من أجل مصلحة الوطن فقط. وفي الوقت ذاته، فإن جلالته يحدد دور الملكية بحماية الدستور ومقومات الاستقرار والعدالة، وضمانة لجهود الإصلاح الشامل. وهو بذلك يلقي على عاتقنا جميعاً مسؤولية القيام بالواجبات الموكولة إلينا.
لقد قام جلالة الملك بربيع أردني هادئ بدون إراقة نقطة دم واحدة، وذلك من خلال رؤيته الثاقبة والمتقدمة على كثير ممن يتغنون بالديمقراطية؛ فحرك المياه الراكدة، وهز قناعات، ورحب بالمبادرات الخلاقة، ودعم كل ذي توجه لتكريس الديمقراطية. كما احتفى بالاختلاف، وحث على التعبير عن الرأي بجميع الوسائل الممكنة.
لقد مهد جلالته بأوراقه لمستقبل مشرق للأردنيين والأردنيات، إذا ما حافظنا على المنجزات في المجال التشريعي والمؤسسي، وإذا ما ترجمنا رؤية جلالته لنخطو خطوات واسعة نحو حياة أكثر بهاء وجمالاً.
وقد أسس جلالته لفكر لا يكتفي بوصف الواقع، بل يستبصر فيه مسربلاً إياه برؤى التغيير، ويفتح الطريق لرؤية جديدة إلى الأمور في دلالاتها وأبعادها المغيرة والمتغيرة. فلقد كان ما قدمه جلالة الملك عبارة عن تشكيل الزمن الأردني بدءاً من وعي اللحظة الحاضرة تطلعاً إلى اللحظة المقبلة. فمن الذاكرة ينبثق المثال، وفي المبادرة يصنع التاريخ.
ولذا، فنحن نتطلع بشوق كبير لأوراق جلالته في المحور الاقتصادي الاجتماعي، لتكتمل الرؤية.

*عضو مجلس الأعيان والمديرة العامة لمدرستي "الأهلية" و"المطران"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الجمعة 24 فبراير 2017, 6:56 pm

الورقة النقاشية السادسة: سيادة القانون أساس الدولة المدنية

سيادة القانون أساس الدولة المدنية

final-arabic-6th-discussion-paper

بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين

الأحد 16 تشرين الأول 2016

تناولت في الأوراق النقاشية الخمس السابقة العديد من الأفكار والرؤى حول مسار عملية الإصلاح السياسي سواءً تطوير الممارسات الضرورية للديمقراطية، والأدوار المأمولة من كل طرف في العملية السياسية، والهدف النهائي المتمثل بالوصول إلى المستوى المنشود من المشاركة الديمقراطية، والتي تعتبر ضرورة أساسية لازدهار واستقرار وبناء مستقبل واعد لأبنائنا.

ومنذ الورقة النقاشية الأخيرة حدثت تطورات إقليمية كثيرة، فتعمقت النزاعات وما زالت منطقتنا تشهد تحولات جذرية تنتج عنها عواقب وخيمة على دول الإقليم، كان لها أثرها على وطننا الغالي.

وقد لا توجد دولة في التاريخ الحديث تحملت آثار الصدمات الخارجية أكثر من الأردن. وعلى الرغم من كل ما يحيطنا من نزاعات وحروب وانهيار لدول وتفسخ لمجتمعات عريقة، وعلى الرغم من كل لاجئ عبر حدودنا ليستظل بالأمان ويذوق طعم الكرامة التي لم يجدها في بلده، وعلى الرغم من كل التحديات التي واجهتنا وما تزال تواجهنا، إلا أننا نثبت لأنفسنا وللعالم أجمع كل يوم وبعزيمة كل مواطن أردني كم نحن أقوياء.

وإنني أجد نفسي، على الدوام، فخوراً بكم وبعزيمتكم وحبكم للوطن. وأعلم أن في قلب كل فرد فيكم، مهما اختلفت آراؤه ومهما تباينت تجربته في الحياة، الكثير من الفخر والاعتزاز بأنه أردني. ومن يعيش منكم خارج الوطن يشهد كل يوم ما يحظى به هذا البلد الأبي وهذا الشعب الأصيل من احترام وإعجاب لما يمثله من قيم ومواقف لم نجدها في أكبر وأقوى وأثرى الدول.

إن كل التحديات من حولنا اليوم تقودنا إلى مفترق طرق، ولا بد أن نحدد مسارنا نحو المستقبل بوعي وإدراك لتحديات الواقع ورؤية واثقة لتحقيق طموح أبنائنا وبناتنا، فنترك لهم السلام والأمان والازدهار والكرامة والقدرة على مواجهة أصعب الصعاب.

ولنتمكن من تعزيز منعتنا ومواجهة التحديات بثقة وصلابة ونحقق النمو والازدهار، هناك موضوع رئيسي أطرحه في هذه الورقة النقاشية؛ وهو بالنسبة لي ما يميز الدول المتقدمة الناجحة في خدمة مواطنيها وحماية حقوقهم، وهو الأساس الحقيقي الذي تُبنى عليه الديمقراطيات والاقتصادات المزدهرة والمجتمعات المنتجة، وهو الضامن للحقوق الفردية والعامة، والكفيل بتوفير الإطار الفاعل للإدارة العامة، والباني لمجتمع آمن وعادل؛ إنه سيادة القانون المعبِّر الحقيقي عن حبنا لوطننا الذي نعتز به. إن إعلانات الولاء والتفاني للأردن تبقى مجردة ونظرية في غياب الاحترام المطلق للقوانين.

إن مسؤولية تطبيق وإنفاذ سيادة القانون بمساواة وعدالة ونزاهة تقع على عاتق الدولة. ولكن في الوقت نفسه، يتحمل كل مواطن مسؤولية ممارسة وترسيخ سيادة القانون في حياته اليومية. أقول هذا لأنني أعرف من التجربة أن كل فرد يقبل ويتبنى مبدأ سيادة القانون من الناحية النظرية، ولكن البعض يظنون أنهم الاستثناء الوحيد الذي يُعفى من تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع. بغض النظر عن المكانة أو الرتبة أو العائلة، فإن مبدأ سيادة القانون لا يمكن أن يمارس بانتقائية.

وكم يؤلمني ويغضبني أن أرى طفلة تموت في أحضان والدها في عرس أو احتفال تطلق فيه نيران الأسلحة، أو أم تودع ابنها دون أن تعلم أنه لن يعود بسبب سائق لم يحترم القانون، أو طالب متفوق فقد فرصته لعدم تطبيق سيادة القانون، أو مجرم ينعم بالحرية دون مساءلة، وغيرها من أمثلة تمسنا جميعاً وتمس حقوقنا وتفرق بيننا.

وعندما أرى اليوم الحالة المروعة والمحزنة للعديد من الدول في منطقتنا، أجد من الواضح أن غياب سيادة القانون والتطبيق العادل له كان عاملا رئيسيا في الوصول إلى الحالة التي نشهدها.

وعندما ننظر إلى مجتمعاتنا العربية نجد أنها تتكون من منظومة معقدة من الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية والقبلية. ولهذا التنوع أن يكون مصدرا للازدهار الثقافي والاجتماعي والتعدد السياسي، ورافدا للاقتصاد، أو أن يكون شعلة للفتنة والعنصرية والنزاعات. إن ما يفصل بين هذين الواقعين هو وجود أو غياب سيادة القانون.

إن شعور أي مواطن في مجتمعنا بالخوف والظلم لأنه ينتمي إلى أقلية، يضعنا جميعا أمام واقع يستند إلى أساس مهزوز. ومن هنا، فإن ضمان حقوق الأقلية متطلب لضمان حقوق الأغلبية. كل مواطن لديه حقوق راسخة يجب أن تُصان؛ وسيادة القانون هي الضمان لهذه الحقوق والأداة المثلى لتعزيزالعدالة الاجتماعية.

إن طموحي لبلدنا وشعبنا كبير لأن هذا ما تستحقونه. ولكي نحقق أهدافنا ونواصل بناءنا لوطننا فإن سيادة القانون هي الأساس الذي نرتكز إليه والجسر الذي يمكن أن ينقلنا إلى مستقبل أفضل. وأطلب من كل مواطن أن يعبر عن حبه لبلدنا العزيز من خلال احترامه لقوانينه، وأن يكون عهدنا بأن يكون مبدأ سيادة القانون الأساس في سلوكنا وتصرفاتنا.

سيادة القانون أساس الإدارة الحصيفة

إن مبدأ سيادة القانون هو خضوع الجميع، أفراداً ومؤسسات وسلطات، لحكم القانون. وكما ذكرت، فإن واجب كل مواطن وأهم ركيزة في عمل  كل مسؤول وكل مؤسسة هو حماية وتعزيز سيادة القانون.  فهو أساس الإدارة الحصيفة التي تعتمد العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص أساسا في نهجها. فلا يمكننا تحقيق التنمية المستدامة وتمكين شبابنا المبدع وتحقيق خططنا التنموية إن لم نضمن تطوير إدارة الدولة وتعزيز مبدأ سيادة القانون، وذلك بترسيخ مبادئ العدالة والمساواة والشفافية؛ هذه المبادئ السامية التي قامت من أجلها وجاءت بها نهضتنا العربية الكبرى التي نحتفل بذكراها المئوية هذا العام.

ولا يؤتي الإصلاح السياسي ثماره المرجوة إلا بوجود نهج واضح وفعال لتحقيق مبدأ سيادة القانون؛ فما حققناه من خطوات جيدة على مسار الإصلاح السياسي بدءاً من التعديلات الدستورية لعام 2011، وما تبعها من تشريعات ناظمة للعمل السياسي، وعلى رأسها قانون الانتخاب واللامركزية، يجب أن  تتماشى مع إصلاح إداري جذري وعميق يهدف إلى تعزيز سيادة القانون، وتطوير الإدارة، وتحديث الإجراءات، وإفساح المجال للقيادات الإدارية القادرة على الإنجاز وإحداث التغيير الضروري والملح، ليتقدم صف جديد من الكفاءات إلى مواقع الإدارة يتمتع بالرؤية المطلوبة والقدرة على خدمة المواطن بإخلاص.

وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن هناك جهودا حكومية متعددة ومؤسسات مختلفة تعمل على ضمان إدارة حصيفة للدولة الأردنية، كما أن هناك جهودا وطنية جامعة بُذلت لتحقيق وتعزيز هذا الهدف السامي ومنها: اللجنة الملكية لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية، التي قامت بوضع ميثاق لمنظومة النزاهة الوطنية وخطة تنفيذية لها تبين الجهات المسؤولة والإطار الزمني للتنفيذ. كما تم تشكيل لجنة ملكية لمتابعة العمل وتقييم الإنجاز لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية، والتي أوصت بإنشاء هيئة النزاهة ومكافحة الفساد تضم تحت مظلتها هيئة مكافحة الفساد وديوان المظالم، وذلك لتوحيد وتعزيز الجهود الوطنية الرامية إلى ترسيخ مبادئ الشفافية والعدالة.

ولكن، لم يرتقِ مستوى الأداء والإنجاز في الجهاز الإداري خلال السنوات الأخيرة لما نطمح إلى تحقيقه ولما يستحقه شعبنا العزيز. وعليه، لا بد من تضافر الجهود من مختلف مؤسسات الدولة لتطوير عمليات الإدارة فيها وإرساء مفهوم سيادة القانون، ضمن مسيرة تخضع عمل المؤسسات والأفراد للمراجعة والتقييم والتطوير بشكل دوري للوصول إلى أعلى المستويات التي نتطلع إليها.

إن مبدأ سيادة القانون جاء ليحقق العدالة والمساواة والشفافية والمساءلة على جميع مؤسسات الدولة وأفرادها دون استثناء وخاصة ممن هم في مواقع المسؤولية، من خلال ممارسات حقيقية على أرض الواقع. ولا يمكن لأي إدارة أن تتابع مسيرتها الإصلاحية وترفع من مستوى أدائها وكفاءتها دون تبني سيادة القانون كنهج ثابت وركن أساسي للإدارة.

إن التطبيق الدقيق لمواد القانون يعد من المتطلبات الضرورية لأي عملية تحول ديمقراطي ناجحة. كما أن سيادة القانون تضمن ممارسة أجهزة الدولة لسلطاتها وفق الدستور والقانون. فلا يمكن لدولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان أن تعمل خارج هذا الإطار. لذا، تشترك الحكومة وأجهزة الدولة كافة في حمل مسؤولية ما تتخذه من قرارات وسياسات وإجراءات، فمؤسسة البرلمان تمارس دورها في التشريع والرقابة، والقضاء المستقل النزيه والأجهزة الأمنية مناط بها تطبيق القانون، ليطمئن المواطن بأنه يستظل بسيادة القانون الذي يحميه ويحمي أبناءه دون تمييز أينما كان في ربوع هذا الوطن العزيز. وهذا يتطلب بالضرورة تطبيق القانون على الجميع دون محاباة أو تساهل وعلى المسؤول قبل المواطن، كما يجب أن يستند إلى تشريعات واضحة وشفافة، وإدارة حصيفة وكفؤة.

إن التواني في تطبيق القانون بعدالة وشفافية وكفاءة يؤدي إلى ضياع الحقوق ويضعف الثقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها. كما أن تساهل بعض المسؤولين في تطبيق القانون بدقة ونزاهة وشفافية وعدالة ومساواة يشجع البعض على الاستمرار بانتهاك القانون ويترك مجالا للتساهل الذي قد يقود لفساد أكبر، بل إلى إضعاف أهم ركائز الدولة، ألا وهي قيم المواطنة.

إن تطوير الإدارة الحكومية مسيرة مستمرة تخضع لمراجعة وتقييم دائمين. وعليه، يجب تحديد مواطن الخلل والقصور والاعتراف بها للعمل على معالجتها، وإرساء وتفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة كمبدأ أساسي في عمل وأداء مؤسساتنا وفي جميع طبقات ومراحل الإدارة الحكومية، بحيث يكافأ الموظف على إنجازه ويساءل ويحاسب على تقصيره وإهماله. كما يجب تحقيق تنمية شاملة مستدامة تشمل جميع القطاعات وتضمن توزيع عوائد التنمية على أنحاء المملكة كافة بشكل عادل.

وتتطلب منظومة المساءلة والمحاسبة إجراءات مسبقة تبدأ بتبني مؤسساتنا لمدونات سلوك وأخلاقيات عمل ملزمة بشكل يحكم عمل وأداء المؤسسات والسلطات المعنية. كما يجب على مؤسساتنا وضع رؤية واضحة، وخارطة طريق، وأهداف محددة تمكن هذه المؤسسات من تحقيق أهدافها، وقياس نسبة الإنجاز والأثر، للوصول إلى أرقى معايير النزاهة والشفافية وأعلى مستويات الخدمة المقدمة للمواطنين.

ولضمان سيادة القانون، لا بد من وجود آليات رقابة فعّالة متمثلة بأجهزة الحكومة الرقابية كوحدات الرقابة الداخلية في الوزارات والمؤسسات، وديوان المحاسبة، وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد، وبالبرلمان ودوره الرقابي الدستوري الفاعل الذي يضع مصلحة الوطن والمواطن في المقام الأول، وبالقضاء الذي يختص بالنظر في الطعون والتظلمات المقدمة على قرارات الإدارة العامة والشكاوى المتعلقة بقضايا الفساد المختلفة. وبالنسبة لهذه الأذرع الرقابية، إضافة إلى المحكمة الدستورية والهيئة المستقلة للانتخاب اللتين تضطلعان بدور هام في مجال تعزيز سيادة القانون، يجب العمل على تطويرها باستمرار من خلال تبني الأدوات المتطورة، بما يضمن الفعالية والسرعة، ومعالجة جوانب القصور في عملها سواء التشريعية أو الفنية، الأمر الذي يعزز من ثقة المواطن في مؤسسات الدولة ويحول دون لجوء البعض لإجراءات وحلول فردية غير قانونية تنتقص من سيادة القانون.

الواسطة والمحسوبية

لا يمكننا الحديث عن سيادة القانون ونحن لا نقرّ بأن الواسطة والمحسوبية سلوكيات تفتك بالمسيرة التنموية والنهضوية للمجتمعات، ليس فقط بكونها عائقا يحول دون النهوض بالوطن، بل ممارسات تنخر بما تم إنجازه وبناؤه وذلك بتقويضها لقيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وقيم المواطنة الصالحة وهي الأساس لتطور أي مجتمع.

فلا يمكن لنا أن نقبل أو نغض الطرف عن هذه الممارسات التي تقوِّض أسس العمل العام في خدمة مواطنينا، ولا يمكن أن نجعل من هذه الممارسات وسيلة نحبط بها الشباب المتميز والكفؤ، أو نزرع فيه  قناعة بأن مستقبله، منذ إنهائه لدراسته الثانوية وخلال دراسته الجامعية وحتى انخراطه بسوق العمل، مرتبط بقدرته على توظيف الواسطة والمحسوبية لتحقيق طموحه. فأي جيل يمكن أن يحمي سيادة القانون أو أن يدير مؤسساتنا وقد ترسخت الولاءات الفرعية فيه على حساب وطنه؟ وهنا، لا بد من نظرة شمولية لموضوع الشباب، ووضع استراتيجية هادفة وحقيقية تتضمن برامج متطورة يجمع عليها أصحاب الخبرة والمؤسسات الفاعلة في هذا المجال لترسيخ مبادئ المواطنة ودولة القانون وحب الوطن، وتمكين الشباب سياسيا واقتصاديا لتحقيق إمكانياته وتطوير وتوسعة أفقه، بالإضافة إلى توفير المنعة له من الأفكار الظلامية المنحرفة.

كما يعتبر موضوع التعيينات في المواقع الحكومية وبخاصة المناصب العليا من أكثر المواضيع التي يتم التطرق إليها عند الحديث عن الواسطة والمحسوبية، وقد شهدنا في السنوات الأخيرة بعض الممارسات بهذا الخصوص، والتي أرى فيها تجاوزا على مؤسساتنا وإثقالا لها وللمواطن بموظفين غير أكفياء وتجريدا وحرمانا لها من الكفاءات والقيادات التي تساهم بالارتقاء بها والنهوض بعملها في خدمة الوطن والمواطن. وهنا، لا بد من الالتزام بمبدأ الكفاءة والجدارة كمعيار أساس ووحيد  للتعيينات.

تطوير الجهاز القضائي أساس لتعزيز سيادة القانون

إن مبدأ سيادة القانون لا يمكن أن يترسخ إلا بوجود جهاز قضائي كفؤ ونزيه وفاعل؛ فالمواطن يلجأ إلى القضاء لثقته بقدرة هذا الجهاز على إنصافه والحصول على حقوقه في أسرع وقت؛ وإن غاب هذا الأمر تزعزت ثقة المواطن بالقضاء.

ولطالما امتاز الأردن بالسمعة الطيبة والكفاءة العالية لجهازه القضائي، وما زلنا نذكر قضاة سجل لهم التاريخ مساهمتهم في تعزيز المكانة الرفيعة للقضاء في الأردن. ولكن، الإجراءات القضائية ما زالت تأخذ وقتا طويلا، وهناك نقص في الكادر الوظيفي ونقص في الخبرات النوعية الخاصة ببعض القضايا، وغيرها من تحديات تؤثر على أداء الجهاز وحقوق المواطن أو المستثمر.

لذا، أصبح من الضروري وضع استراتيجية واضحة للسنوات القادمة تعمل على صيانة وتطوير مرفق القضاء وسائر الأجهزة المساندة له، وتساهم في تعزيز البيئة القضائية الفاعلة والنزيهة، وتهيئة بنية مؤسسية عصرية تليق بالقضاء، وتوفير كوادر خبيرة ومتخصصة، وتطوير سياسات وتشريعات لتسريع عملية التقاضي وتيسيرها والارتقاء بها. كما يجب العمل على ترسيخ ثقافة النزاهة في الجهاز القضائي في مراحله كافة وتفعيل مدونة السلوك القضائي؛ ولا بد من تطوير وتحديث معايير تعتمد الجدارة والكفاءة في تعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم بما يحقق العدالة والشفافية. ومن الضروري بمكان تعزيز قدرات القضاة وإكسابهم المهارات الضرورية لإصدار الأحكام القضائية العادلة والنزيهة؛ كما ويجب تطوير وتحديث وتمكين أجهزة الرقابة والتفتيش القضائي لتكون تقارير التفتيش أداة قياس حقيقية وواقعية لأداء القاضي وسلوكه.

سيادة القانون عماد الدولة المدنية

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الدولة المدنية، وقد حدث لغط كبير حول مفهوم هذه الدولة، ومن الواضح أنه ناتج عن قصور في إدراك مكوناتها وبنائها. إن الدولة المدنية هي دولة تحتكم إلى الدستور والقوانين التي تطبقها على الجميع دون محاباة؛ وهي دولة المؤسسات التي تعتمد نظاما يفصل بين السلطات ولا يسمح لسلطة أن تتغول على الأخرى، وهي دولة ترتكز على السلام والتسامح والعيش المشترك وتمتاز باحترامها وضمانها للتعددية واحترام الرأي الآخر، وهي دولة تحافظ وتحمي أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو الفكرية، وهي دولة تحمي الحقوق وتضمن الحريات حيث يتساوى الجميع بالحقوق والواجبات، وهي دولة يلجأ لها المواطنون في حال انتهاك حقوقهم، وهي دولة تكفل الحرية الدينية لمواطنيها وتكرس التسامح وخطاب المحبة واحترام الآخر وتحفظ حقوق المرأة كما تحفظ حقوق الأقليات.

إن هذه المبادئ تشكل جوهر الدولة المدنية، فهي ليست مرادفا للدولة العلمانية، فالدين في الدولة المدنية عامل أساسي في بناء منظومة الأخلاق والقيم المجتمعية، وهو جزء لا يتجزأ من دستورنا. ولا يمكن أن نسمح لأحد أن يستغل أو يوظف الدين لتحقيق مصالح وأهداف سياسية أو خدمة مصالح فئوية.

ولنا أسوة في رسول الله، صل الله عليه وسلم، عندما كتب ميثاق صحيفة المدينة عند هجرته إلى  المدينة المنورة من أجل تنظيم العلاقة بين جميع الطوائف والجماعات فيها، ومنها المسلمون واليهود والمهاجرون والأنصار. وقد اعتبره الكثيرون إنجازا هاما للدولة الإسلامية ومعلما رئيسيا في تاريخها السياسي، كما ينظر الكثيرون إلى ميثاق صحيفة المدينة على أنه أول دستور مدني في التاريخ، حيث اعتمد على مبدأ المواطنة الكاملة، فقد ساوى بين المسلمين وغير المسلمين من حيث الحقوق والواجبات تحت حماية الدولة مقابل دفاعهم عنها. وقد شمل الميثاق محاور عدة أهمها: التعايش السلمي والأمن المجتمعي بين جميع أفراد المدينة، والمساواة بينهم جميعا فيما يتعلق بمبدأ المواطنة الكاملة من حيث المشاركة الفاعلة في مجالات الحياة المتعددة، واحترام وحماية حرية الاعتقاد وممارسته، والتكافل الاجتماعي بين فصائل الشعب، وحماية أهل الذمة والأقليات غير المسلمة، والنصح والبر بين المسلمين وأهل الكتاب، وغيرها.

وجملة القول أن الدولة المدنية هي دولة القانون التي تستند إلى حكم الدستور وأحكام القوانين في ظل الثوابت الدينية والشرعية، وترتكز على المواطنة الفاعلة، وتقبل بالتعددية والرأي الآخر، وتُحدد فيها الحقوق والواجبات دون تمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أوالموقف الفكري.

ونحن سنبقى ملتزمين بالقيم التي عُرف بها هذا الوطن منذ  نشأته ولن نحيد عنها أبدا؛ فهذه القيم ميزت هذا الشعب بمختلف أطيافه، وهي قيم السلام والاعتدال والوسطية، وقيم المساواة والحرية والتعددية، وقيم الرحمة والتعاضد وقبول الآخر، وقيم المثابرة والانفتاح والمواطنة الصالحة؛ فهذه خصائص ورثناها وأصبحت من شيم الأردنيين وسنزرعها في قلوب أبنائنا إن شاء الله.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الجمعة 24 فبراير 2017, 7:09 pm

هوامش حول الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك «1-2»
المحامي عبد الرؤوف التل

عن الدولة المدنية وأهميتها، عقد يوم الأربعاء الموافق 15/2/2014 جلسة حوارية في منتدى الفكر العربي تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير الحسن حفظه الله شارك في الحوار نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام، وذلك لمناقشة الورقة السادسة التي كتبها جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم، مبدأ سيادة القانون باعتباره عنوان الدولة المدنية الحديثة، وكيفية الوصول إليها، وقد أكد سمو الأمير الحسن، أن الدولة المدنية تتحقق بتطبيق مبدأ سيادة القانون، وتحقيق مبدأ الفصل بين السلطات، والإدارة الحصيفة، والتي تُسير المؤسسات العامة، وكذلك القضاء العادل النزيه من مقومات الدولة المدنية.

من يقرأ الورقة التي كتبها جلالة الملك عن سيادة القانون وما فيها من روح إيجابية للنهوض بالدولة الأردنية، يجد في حقيقة الأمر أنها ناقدة للواقع المر الذي آلت إليه الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية والأخلاقية، حيث تراجعت منظومة القيم تراجعاً كبيراً في كل المجالات.

من يقرأ الورقة الملكية السادسة بإمعان، يجد أنها تبعث روح الأمل في النهوض والتقدم، وتطرد اليأس والقنوط، لأن معرفة الواقع المعاش ونقده بشجاعة، تحتم علينا العمل بهمة للتخلص من كل الأمراض الاجتماعية والأخلاقية، وتحرك إرادة المسؤولية عند الفرد والجماعات لمواجهة التحديات والصعوبات الاقتصادية، وتثير فينا روح التساؤل لماذا هذا الإخفاق المزمن في التنمية المستدامة، وجلب الاستثمار، ولماذا اسند الأمر إلى غير أهله في كثير من المواقع، وكيف يمكن التخلص من ذلك.

الآن الأردن محاط بغابات ملتهبة من كل الجهات، والأرض العربية تحترق تحت أقدام الشعوب التي أنهكها الاستبداد الداخلي، والتدخل الخارجي، الذي يغذي الاقتتال، وقد أصبحنا نشتم رائحة اللحم البشري في كل وقت، ونشاهد جثث الرجال والنساء والأطفال تحترق بالنار وتتطاير أطراف البشر في الهواء كأنها العهن المنفوش.

الواقع يقول كما جاء في الورقة النفاشية السادسة، أن الأردن يتحمل أثار الصدمات الخارجية، ويستقبل الهاربين من الموت ليستظلوا بالأردن بالأمن والأمان ويذوقوا طعم الكرامة.

إن مشهد الحياة اليومية الذي نعيشه مؤلم، بسبب فقدان الانضباط، وفلتان القيم الأخلاقية، لأن مبدأ سيادة القانون لم يعد له وجود في أغلب الحالات، اطلاق نار في الأفراح يزهق أرواحا، عدم التقيد بقواعد السير يزهق أرواحا، ويسبب مشاكل اجتماعية بين الناس ويزيد من عدد المعاقين وأصحاب الحاجات الخاصة، وأن الجامعي المتفوق في دراسته المنضبط في سلوكه وأخلاقه لا يجد عملاً لأنه لا يملك واسطة وليس محسوباً على أصحاب النفوذ والسلطة، بل محسوبا على الجماهير الضفيرة التي تسعى للقمة عيشها بكرامة.

المواطن الحر هو الذي يريد مبدأ سيادة القانون لأنه يضع الجميع على قدم المساواة، أما أصحاب الأطماع، والجشع المليئة نفوسهم بالتكبر يريدون أن يتم استثناؤهم من سيادة القانون، لأنهم يريدون أن يكونوا هم القانون، وهم أدوات تطبيقه، وهذا انحطاط يولد استبداداً وفقراً وفساداً، ترفضه الأفكار والقيم التي تحدث عنه جلالة الملك في الورقة النقاشية السادسة.

إن الحديث عن الإدارة الحصيفة، يؤكد أن العمل الإداري الهادف إلى تطوير إدارة الدولة لا يتحقق إلا بتطبيق مبدأ سيادة القانون وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة والشفافية، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص على أوسع نطاق، وهذا الأمر يحتاج إلى حكومات قوية صلبة لديها أفق سياسي ورؤية مما يجب أن تكون عليه مؤسسات الدولة، من عمل منضبط حتى تؤدي المؤسسة الهدف الذي من أجله تم أقامتها، لأن مدير المؤسسة صاحب الكفاءة والخلق هو المؤهل للقيادة فعلاً، أما المدير الذي تقدم له المؤسسة تنفيعة وهدية لبعض الوقت لينتفع منها، فأنه يقودها إلى الخراب والدمار، أما هو فيسير باتجاه الثراء والتكبر على العباد وهذا سبب تخلف مؤسساتنا العامة والخاصة، وانتشار جرائم الفساد فيها.

قديما قال شكسبير أديب بريطانيا التاريخي من السهل أن تحكم عن بعد لكن من المستحيل أن تدير إلا عن قرب، الواقع يقول إن الحكومات الأردنية المتعاقبة، المناط بها إدارة مؤسسات الدولة، بعيدة عن واقع الشعب وتعيش  في برج عاجي، وليس بينها وبين قواعد الشعب تواصل، لذلك تعاني المؤسسات من أمراض وأوجاع، يجعلها لا تؤدي دورها الذي من أجله وجدت، لذلك، قال جلالة الملك حفظه الله إن التواني بتطبيق القانون بعدالة وشفافية وكفاءة يؤدي إلى ضياع الحقوق ويضعف الثقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها، وتساهل المسؤولين في تطبيق القانون بدقة وشفافية ونزاهة وعدالة ومساواة، يشجع البعض على الاستمرار بانتهاك القانون وكأني بجلالة الملك يؤكد أن النقد الاجتماعي والسياسي ضروري لا بد منه لتقويم اعوجاع الإدارات والإداريين، لأن النقد يتحدث عن السلبيات ومحبطات الأعمال، ما يجعل المسؤول يستقيم في عمله، لأن وعي المواطن الناقد يلاحقه ويتابعه، ويجبره أن يعود إلى الصواب.

ومما لا شك فيه أن المحسوبية والوساطة سلوكيات خاطئة تفتك بالمسيرة التنموية، وهي تحول دون النهوض بالوطن، وممارستها تنخر بما تم إنجازه وتحقيقه، لأنها أي المحسوبية والوساطة لا تضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، ولا تقدم صاحب الخلق وصاحب الكفاءة ليمارس دوره في الحياة العامة، لأنها تسند الأمر إلى من لا يستحقه من أبناء المتنفذين والمسؤولين الأمر الذي يجعل دائرة التذمر والغضب تتصاعد عند الناس، لأن الأمر بالواسطة والمحسوبية، أسند إلى غير أهله، إن مرض الواسطة والمحسوبية لا بد من سحقه وسحق من يمارسه من الذين شاءت الأقدار أن يكونوا من أصحاب القرار في المقال التالي تتحدث عن القضاء والدولة المدنية وصحيفة المدينة كما جاء في الورقة النقاشية السادسة.




هوامش... حول الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك... 2-2

الحوار الذي جرى في منتدى الفكر العربي يوم الأربعاء 15/2/2017 برعاية صاحب السمو الملكي الأمير الحسن حفظه الله، حول الورقة النقاشية السادسة التي كتبها جلالة الملك أدامه الله، عن الدولة المدنية التي يطمح الكل الوصول إليها، أكد جلالته أن القضاء هو أساس مبدأ سياده القانون وهذا المبدأ لا يترسخ، إلا بوجود جهاز قضائي كفوء ونزيه وعادل، فالمواطن يلجأ إلى القضاء لثقته بقدرة هذا الجهاز على إنصافه، لأن ما جاء بالورقة النقاشية السادسة عن القضاء يؤكد الاطلاع الواسع لقراءة التاريخ، ونشوء الحضارات التي كانت العدالة عنوانًا رئيسيًا لها، وكانت الأديان السماوية تمارس دورها في تحرير الإنسان من الظلم والطغيان إلى العدل، وإنصاف المظلوم، وإيصال الحق إلى صاحبه، في الورقة النقاشية السادسة تأكيد على مكانة القضاء الرفيعة في الأردن، لكن الإجراءات القضائية تأخذ وقتًا طويلاً بسبب النقص في الكادر الوظيفي، ونقص في الخبرات النوعية الخاصة ببعض القضايا مما يؤثر على أداء الجهاز وحقوق المواطن والمستثمر، وهذه حقيقة ذكرها جلالة الملك الذي يريد أن يصل بالأردن إلى دولة مدنية تتميز بفصل السلطات الثلاث عن بعضها، بحيث تكون كل سلطة تمارس صلاحياتها بمعزل عن السلطات الأخرى من أجل التقدم والنهوض بالدولة ومؤسساتها.,
إن من يطلع بتمعن على تاريخ الحضارة الإسلامية، يجد أن القضاء أمر جليل وعظيم وعنوان الاستقامة، لأن من هضم حقه يلجأ إلى القضاء من أجل ردع سارق الحق من صاحبه، لأن الأصل في القضاء عبر التاريخ أنه سلطة تمنع الاعتداء على الأموال والأعراض والدماء، لأن كل صاحب حق يأخذ حقه بالعدل والمساواة والإنصاف، كما أن القضاء يزجر من يعتدي على الإنسان بالإثم والعدوان، ويمنع الاعتداء عن طريق العقوبة الزاجرة والرادعة.
إن ما جاء في الورقة النقاشية السادسة، يدرك كل من يقرأها بإمعان إن الهدف إيصال الدولة إلى مستوى راق بتطبيق القانون على الجميع بعدالة ونزاهة الأمر الذي يوجب تطوير الجهاز القضائي بواسطة عدول أكفاء، يمتازون بالعدل والإنصاف والتقوى والتعفف عما بأيدي الناس، لذلك لا بد من الكفاءة في تعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم من أجل تحقيق مبدأ سيادة القانون.
القاضي صاحب الخُلق والعادل يدرك أن القضاء ليس وظيفة بل هو سلطة ومسؤولية تهدف إلى استقامة الأمور، واحترام القوانين لذلك جاء في تراث الحضارة الإسلامية، إذا ولي الرجل القضاء فليجعل له يومًا للقضاء ويومًا للبكاء، وقال الفاروق عمر ابن الخطاب: “ويلاً لديانًا أهل الأرض من ديان أهل السماء، يوم يلقونه إلا من أمر بالعدل وقضى بالحق، ولم يقض بهوى، ولا لقرابة ولا لرغبة، ولا لرهبة وجعل كتاب الله مرآة بين عينية” ويؤكد جلالته في ورقته النقاشية السادسة أن القضاء العادل والنزية، قيمة كبيرة وركيزة من ركائز الدولة المدنية وتحقيق مبدأ سيادة القانون، وتحقيق التنمية المستدامة.
الدولة المدنية التي تحدثت عنها الورقة النقاشية فهي دولة تحتكم للقانون والدستور، الذي يؤكد أن كل المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وتفعيل هذا النص يوجب تحقيق المساواة بين كل أبناء الوطن دون تمييز بين مواطن ومواطن، بسبب اللون والجنس أو الدين في الدولة المدنية، التي لا تتغول فيها سلطة على سلطة، بل إن مبدأ الفصل بين السلطات يكون واضحًا وجليًا، حيث لا تسيطر سلطة واحدة على السلطات الأخرى، كما يحصل في بعض الدول الاستبدادية، حيث تحمل السلطة التنفيذية هراوتها وتهوي بها على رأس سائر السلطات الأخرى من أجل أن تكون تابعة لها، وبذلك ينتشر الفساد، ويشيع الظلم وتغيب العدالة، وينتشر الفقر، وتكثر البطالة، ويصبح الغلاء مثل رمل الصحراء يبتلع كل ما يملك رب الأسرة من أموال الأمر الذي ينشر التذمر والغضب الشعبي الواسع.
إن تحقيق مبدأ فصل السلطات كما هو وارد في الدستور يجعل كل سلطة قوية بما فيه الكفاية تجاه السلطات الأخرى، ودعائم الدولة المدنية الأساسية، هي الحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية.
أكد جلالة الملك في ورقته السادسة أن الدولة المدنية مختلفة كليًا عن الدولة العلمانية، لأن الدين عامل أساس في بناء منظومة الأخلاق والقيم الاجتماعية، يفهم من ذلك أن الدين حضارة وثقافة وتربية ترتقي بالإنسان إلى قمة سامية بذوقه وأدبه واحترامه، والذي يبعد الدين عن قيمة وسلوكه وممارساته اليومية يقترب كثيرا من الفساد والإفساد.
الحديث عن الدولة المدنية، يؤكد أن العرب لن يخرجوا من مأزقهم الذي يعيشونه إلا بالديمقراطية، والتعددية السياسية وبذلك نستطيع أن نواجه كل الأخطار والتحديات المتربصة بالأمة.
وأصاب صاحب الجلالة في الورقة النقاشية عندما تحدث عن صحيفة المدينة التي صاغها رسول الله محمد صل الله عليه وسلم في السنة الأولى للهجرة النبوية من مكة إلى يثرب المدينة المنورة والتي تعتبر عنوانًا للدولة المدنية الأولى عبر تاريخ العالم، لأنها اعتبرت المواطنة أساس العلاقة بين سكان المدينة في الدولة الناشئة يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات، خاضعين لمبدأ سيادة الشريعة التي لا تميز بين مواطن ومواطن بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو النسب، إن صحيفة المدينة عنوان للدولة الحضارية التي تعتبر الإنسان الذي خلقه الله مكرما بذاته بآدميتة لأنه خلق لعمارة الأرض بالحق والعدل.
أتمنى لو أن رجال الفكر والسياسة، وكليات الحقوق والعلوم السياسية في الأردن والعالم العربي، أن تركز على الوثائق السياسية والدستورية في دولة الإسلام التي أقامها رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام ودراسة سيرة الخلفاء الراشدين الذين كانوا عنوانًا للدولة العادلة، وقادة طبقوا مبدأ سيادة القانون، ومارسوا الإدارة الحصيفة ورفضوا الواسطة والمحسوبية، وكان مبدأ تكافؤ الفرص عنوان قيادتهم، هذا يؤكد أن العودة للجذور التاريخية للأمة ينهض بالعرب ليعودوا صناع تاريخ وحضارة...


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الأحد 26 فبراير 2017, 5:24 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   السبت 25 فبراير 2017, 6:06 pm

الأوراق النقاشية وتجربتنا


الشعب نيوز -
 
الورقه النقاشيه وتجربتنا بقلم الكاتب الصحفي زياد البطاينه
ليتنا قرانا الورقه النقاشيه باجزائها السته وتمعنا بها... الورقات التي صاغها جلالة الملك السياسي والمفكر...والتي استنبطها من خبرته وتجاربه وتلمسها من حاجه امته كوريث لحمل رايه الثورة العربيه الكبرى وبلده و شعبه ومطالبهما وامالهما واحلامهما سياسيه كانت ام اقتصادية ام اجتماعية وحفظنا ولو على الاقل العناوين لان الملك يضئ امامنا الطريق ويقول لنا هيا...ادخلوها امنين ... لما كنا دخلنا لعبه المتاهه و لعرفنا كيف نبدا وكيف نسير ولم تكن بدايتنا مخالفه لما اراده جلالته ... فالبدايه هي اقتلاع الفساد من جذوره وتهيئه البيئه الطيبه لزرع طيب ..... وهاهو مجلس الامه باركه الله يفتح بابه لممثلي الشعب كالعادة .. وهاهي الحكومه تدلف من اوسع ابوابه ثقة انتزاعها من ممثلي الشعب الصابر .. بعد ان ظهرت الكتل النيابيه التي نابت عن الاحزاب اي البرامج وصفا الجو الذي كان ملبدا وووضحت الصورة للجميع الصورة التي تنبئ عن بدايه مش ولابد.. وهي استمراريه غير محموده ومازلنا نشهد مازرعته ايدينا ....وتمنى الكثير لو لم يشارك بالعمليه الانتخابيه.. عمليه البيع والشراء حتىوتحت القبه لعوز او مصلحه او هدف كما وصفها البعض ومن يشتري من السهل ان يبيع وحاشا لله ان يكون رجال الاردن هكذا ونتمنى ان نقدم الصوه الواقعيه .... نعم.... نالت حكومتنا الموقرة من ممثليمن انتخبوا الذين انعقدت عليهم الامال فرسان الديمقراطيه قاده التغيير الثقة على اساس خطابها لاكما تعودت ان تناله على اساس انه خطاب جلالته العارف الخبير بامور السياسة والدين والفكر فرسان التغيير الذي من المفترض ان يحملوا امال واحلام الناس ورؤيه سيدنابكل الامور .... وكلنا يعرف انهانالته العدد الذي ارادته هي دون عناء كالعادة سباق لمن يحصد اكثر حتى ولو كان قمح خواء بعد ان اسمعونا نوابنا الاشاوس خطبا فلبية ناريه ينقلها التلفاز ولولا نقلها على الشاشة الصغيرة لاختزلت الكلمات للربع او لم تكن .... وجربوا هذه الوصفه كانت ثقه منجها النواب لجكومه وصفت انها مدفوعه الاجر سلفا و الثمن الايعاز بتعيين عمال مياومه حتى لحاملي الشهادات لاربعه اشهراو... وعود مؤجله يغلم الله تنفذ ام تلغى فالمتتبع لخطاب النواب من زمن وهو يسمع جعجعه تعودنا عليها ولا يرى طحينا .... لذا هدمت جسور الثقه ولو كنت نائبا لعملت على ترميمها بالصدق والايمان والضمير الحي قبل ان ابدا.... .سادتي ان الشعب لم يعد يتابع التلفازوجلسة النواب ليل نهار وسيستبدله بمسلسل تركي .... لان المكتوب مقرؤ من عنوانه في ظروف صعبه تحتاج لوقفه تحتاج لوقفة رجال لالفزعه .... ثقة دفعنا القانون الجديد والمال الاسود والفقر والجوع والحاجة وفقدان العداله اليها دفعا قانون انتخاب جاء مسلوقا غير ناضج منفردا لم يلبي طلب المرحله ولا انصف المواطن ولا حتى الوطن و غياب الاحزاب وتسيد الخاص على العام والبعد عن الواقع...ولا ادري هل نقول مبكرا اننا فشلنا باختيار وكلائناالذين اشترى بعضهم ا الضمائر الخربه لتكون سلما يصل فيه لتحت القبة ومن يشتري من السهل ان يبيع فلايحق للماجور ان يسال المشتري وقد قبض الثمن وانكفا يلعن حظه .... ام نقول انه مازال ا مامنا متسع من الوقت للتعرف الى مازرعناه على حصادنا والى ماافرزناه ... كنا نطمح ان نؤسس ااحزاب حقيقية لاكرتونية فاسسنا لها لتكون احزاب نعتمد على برامجها فالحزب برنامج يحمل الهم والامل معا تحمل الهم الاردني وخيبات وتطلعات وامال الامه .... حتى الامس كان البعض ممن شاركوا بالعمليه الانتخابية يمنون انفسهم ويراهنون للغير على انهم احسنوا التصرف والاختيار يراهنون على اهميه هذه المرحله من تاريخنا السياسي وباعتقادهم ان هناك نواب و احزاب وبرامج وقانون انتخاب جديد سيلغي كل السلبيات التي من شانها ان تؤثر على مجرى الاختيار الحر وانهم ا ستطاعوا فعلا انتاج مجلس نيابي يختلف عن سابقيه ...مجلس يمارس دوره المسند اليه دون النظر للهوامش بثقه واقتدار يغلب العام على الخاص مستفيدا من دروس الماضي مجلسا ينسجم مع رؤى وتطلعات سيد البلاد و الشارع الصابر وانه سيكون انموذجا يختار من خلاله حكومتنا... وكانوا وكنا راهنا وراهن الكثير منا على اننا قادرين على افراز الاحزاب فوجود الاحزاب في المجتمعات تحول الدوله الى الطريق الديمقراطي لكون العمل الحزبي المنظم هو الاكثر تأثيرا على مسارات الدولة إذا ما أعتمدت على أسس فكرية وآليات تنظيمية تساهم في صناعة الرأئ العام والتأثير به والاردن بقيادنه الواعية ذات الشرعيه السياسيه والدينية والفكر المنير الوقاد من الدول التي أنتقلت الحياة الحزبية فيها من العدم السياسي الى تنوع الأجناس الحزبية وهذه الكثرة من الأحزاب التي أصبحت تموج بها الساحة السياسية حتى فاقت ال36حزبا عددا أربكت العقل وأنهكت الجماهير بشكل كبيراصبحت . وبدل أن تمنحها مفاهيم ومعاني سياسية تتمحورحولها قيم الحياة السياسية الديمقراطية الوليدة, ذهبت الى تكريس المفاهيم والسلوكيات السلبية كثقافة تسترت خلفها شعارات سياسية ودينية للتأثير في العقل الجمعي للجماهير. فلم يستطع منتج الخطاب تفسير الواقع والتعبير عنه لانه لم يرتكز على فكر جدلي يحاور به نفسه والاخر وفق منهجيةدمقراطية وبعيدا عن الهم الوطني ومايحكم هذا الهم من عوامل داخليةوخارجيةمفروضه عليه بالقوة حقيقة بالرغم من كل الظروف لم تستطع الساحة الاردنية افراز حزب واحد على قدر المسؤوليه..... لم تستطع ان تنتج نواب شعب بالرغم من انها شهدت كميه من الاحزاب الفاشله والتي لم تستطع ان تثقف حتى منتسبيها او تجذب او تثبت وجودها على الساحة السياسية بالرغم من طول الوقت وافراز الحكومات لوزارات سميت باسم التنمية السياسية وهي ابعد ماتكون عن السياسة بالرغم من تشجيع مساندة الحكومة لتلك الاحزاب و اشاعة الجو الديمقراطي...... لم نستطع افرازالحزب المامول ولا براامج هادفه لحزب من هذه الكمية من الاحزاب التي طفت على السطح التي وان اختلف اسم الحزاب او العنوان فالحشوة لنظامها كلها هي هي ا لمفردات والجمل واحدة لاتختلف ولم يستطع أي من الاحزاب تلك ان يعلن انه يمثل الكل الشعبي كون كل حزب لم يستطع تمثيل كليه ذاته وما الانقسامات والتشرذمات التي شهدناها داخل الاطار التنظيمي للحزب الواحد وما النتائج السلبيه التي حصلت عليها من خلال الانتخابات الاخيره التي كانت امؤشر بل الامتحان لمعرفه المحصله الا دلالة على ان هذه الاحزاب لاتمثل الاجزء من الجزء القابل بدوره لانشقاق اخر اوانسحاب كلي وفشل وراء فشل وكانت أغلب الاحزاب هي متشابه بأفكارها وبناءها التنظيمي ولا يوجد فارق بينها سوى أسماءها وأسماء زعماءها وهي لاتمثل بأجمعها مشروع دولة ولا تلامس شعاراتها طموح وهواجس الشعب لانها تفتقر الى أيديولوجية فكرية تستند عليها في تثقيف الجماهير وتأسيس مجتمع مدني ديمقراطي سليم وانا اقول بكير لليوم .. ولااشتري سمك بلا ماء ......بالامس اخترنا بحرية ونزاهه وشفافية ممثلينا تحت القبه ليحملوا همنا وشكوانا وقضايانا وقضايا الامه والوطن يخملون راينا واحلامنا مثلما هوالاستئناس براي قواعدهم كما وعدونا قواعدهم الادرى على الاقل بحالها ...ام انه من المبكر ان نحكم على المرحله المقبله والتي نامل ان تنقل البلدمن حال لحال افضل ولتؤكد اننا تغيرنا وان اختيارنا صح وان ممثلينا سينقلوننا الى مرحله جديدة فقد اصبحت بعض البطون ضامرة لاتحتمل شد حزام وقلوب ضدئه وضمائر تباع وتشترى ووطن خائر حزين يبكي ماض ويتحسر على مستقبل ويظل السؤال هل هذا الحال ينسجم مع رؤى سيد البلاد من حماها من نار احاطت بها من الجهات لتظل جنه الله على ارضه محميه مصانه امنه ملاذا للجميع مهاجرين وانصار ....... بفضل ادارة وسياسه وحمكه قيادتنا ويظل السؤال . هل مانراه ونسمعه يتطابق مع الورقه النقاشسه وهي الضؤ الذي قدمه لنا قائدنا ينير طريقنا في لجه الظلام والمتاهه ..... وهل اخذنا به ترجمناه عملا و أي خطاب سياسي نريد؟؟؟؟ ولم تستطع احزابنا ان تحصل على موقع من تحت القبه تستطيع من خلاله ان تقول كلمتها وتلبي نداء وامال وطموح منتسبيها كم كنا ومازلنا بحاجة حقيقة لخطاب يحمل الواقع بكل همومه وخيباته وتطلعاته لاخطابا يحمله البعض بايحاء خارجي لاعلاقة له بواقعنا وكنا نريد خطابا يرتكز على ثوابت ثقافة وطنية مشكله من احتياجات الواقع غير محكوم بصيغ جاهزة ولايحمل ردود فعل يعكس تطلعات اشعب وقضايا ومشاكله ......خطاب يحرض على الاصلاح يقاوم الفساد منغلق امام الادانه منفتح امام قبول التخطئ من الاخر حيث ما يكون التخطئ ياخذ مدار الصواب خطابا لايركع للسلطه ولايحاول تركيعها يحاور ملتفتا بعمق نحو المتاح الديمقرطي لفضح المسكوت عنه لايرهب الحقيقة ولايتزلف يمارس نقده على نفسه قبل الاخر يحوي معرفة شمولية باحتياجات انسانه يدافع عنه وعن حريته حقيقة الاحزاب في االاردن شكلت ظاهرة سياسية غير موفقة نتيجة تجاربها السلبية، التي أدت الى حالة الصراع السياسي الحاد والتفكك التنظيمي بين صفوفها وانعدام بناءها الفكري وتشظي بعضها الى أحزاب وتيارات، ونتيجة لتلك السلبيات خلقت صورة مشوهة للعلاقة بينها، مما تركت تداعياتها على الشعب حيث هبطت أرصدة الاحزاب في الشارع السياسي ونفور الجماهير منها. وفضلا عن ذلك احتكار الاحزاب السياسية لمفاصل الحياة ومؤسسات الدولة من خلال تسربها الى المواقع الهامة والمتقدمة تحت مسميات متعددة لعل المحاصصة هي العلامة البارزة.... . والديمقراطية التي تمارس في أروقة الاحزابماهي هي ديمقراطية مقلوبة لاتحمل سوى الاسم لأستغلال عواطف الجماهير. والاحزاب االاردنية بنظري أغلبها أحزاب برغماتية بإمتياز أكثر منها أحزاب فكرية.... لأنها لاتملك أي أطر سياسية فكرية وتنظيمية داخل صفوفها أضافة الى أنعدام التوافق السياسي للعمل المشترك بينها على أسس التعايش السلمي. فهي أحزاب ضيقة الأفق تتعامل مع المشاكل المؤقتة وتبحث عن حلول وقتية. فهي لاتملك بعد نظر في سياساتها مع نظرائها ولا توجد لديها خطط ستراتيجية لبناء منظوماتها الحزبية على أسس هرمي يعتمد الكفاءة والعلمية, فقادة الاحزاب وزعمائها يستعرضون قدراتهم في قوة السجالات والمهاترات والخطب وليس في قوة التوافق والتعايش بينهم . وفي ظل التعددية الحزبية يتراجع دورالايديولوجية الفكرية وتنعدم برامجها السياسية أمام البرغماتية السياسية. وهذا النمط السياسي يدلل على وهن الاحزاب المتواجدة في الساحة السياسية والمشاركة في الحكومة. كما ارتبطت ظاهرة التعددية الحزبية في الاردن بعوامل إثنية وعرقية وإيديولوجيا متعددة, وكذلك ارتباط بعض الاحزاب بزعيمها الذي أنشئ الحزب بأمواله وهو مسؤول عن قيادته السياسية وتحديد مسارات الحزب ويأخذ الزعيم طابع ديني او قبلي او طبقي تضفي على شخصيته حالة من القدسية الابوية والكارزما السياسية . وهذه الاحزاب هي أحزاب برغماتية تعتمد على متغيرات الواقع بالنسبة لبرامجها وشعاراتها السياسية. لذلك فأن أغلب الاحزاب هي متشابه بأفكارها وبناءها التنظيمي ولا يوجد فارق بينها سوى أسماءها وأسماء زعماءها وهي لاتمثل بأجمعها مشروع دولة ولا تلامس شعاراتها طموح وهواجس الشعب لانها تفتقر الى أيديولوجية فكرية تستند عليها في تثقيف الجماهير وتأسيس مجتمع مدني ديمقراطيبعيدا عن شبح الماضي وارهاصاته وخيباته وذله وتجاربه المريرة لهذا كله فشلنا بالوصول لمجلس نيابي كقؤ قادر على تلبيه مطالب واحتياجات الشب وتجسيد دوره المطلوب منه التشريع والرقابه وافرزنا دكاكين وشخصيات اعتلت سلم المناصب والجاه على رؤوسنا ومااحوجنا اليوم للحظة صدق واعترراف ان مانراه امامنا ليس حقيقة هو ماارادته الضمائر وانه لابد من مراجعه وجلسة نقد ذاتي يعري كل منا حقية ماصنعت يداه والشعب ماعادت تنطلي عليه تلك الالاعيب ولاينخدع بالشعارات لم يعد يصدق الكاذبين ولا المساومين ولا من مد يده ليصافح الشياطين من همهم الكراسي والجاه والمناصب والمنافع والمكاسب وهم بالاصل جاءوا لخدمتها ........ وقد اصبح الشعب احوج مايكون للوحدة الفكرية ماعاد يتالم لخذلان من ظنناهم شمس نجاة في زمن الاستهتار والفساد وهما وجهان لعملة واحدة… بات علينا ان نثقف انفسنا الف مرة بمعرفة الحق والواجب وفي طليعتها حقنا بالانتخاب انتخاب وكلائنا ومن يمثلونا في كل موقع وكيف نمارس هذا الحق ومن نختارلان هذه الاسئله كان جوابها عمليا غياب مصداقية التمثيل وماافرزه هذا من نتائج عانينا ومازلنا منهاوانهيار منظومة المجتمع المطلوب اصبحنا نحتاج تثقيف المواطن وايجاد هوية سياسية حقيقية للدوله واعتقد انها مهمة صعبة تحتاج لجهود هكذا نحن الاردنيين طيبون بسطاء ننخدع بسهولة بالشعارات والهتافات الثورية والكلمات الرنانة والشائعات .. وهذا ليس عيب الاردني فهو المواطن الصادق البسيط الطيب … ان الخلل خلل فكري في بنية متسلقي السلطة ممتهنو هذا الكار والخبراء به وبطرقه واساليبه الذين يمكرون ويخادعون ويلفقون ويهتفون ولا يقصدون خدمة مجتمع وقضاياه بقدر ما يهدفون لخدمة أنفسهم ومصالحهم الضيقة على حساب الإنسان والوطن ولو كان بقطعه من كعكة الحكومة لايغني ولايسمن من جوع في حضن لقيط اسمه الديمقراطية فهذا حصاد مازرعناه ........فلا تتفاجئوابما نراه ونسمعه ونكتوى يه فهاذ مازرعناه نحن واعود واقول من يشتري من السهل ان يبيع .....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   السبت 15 أبريل 2017, 7:34 pm

الملك ينشر ورقته النقاشية السابعة


نشر الملك عبدالله الثاني، وضمن سلسلة الأوراق النقاشية الملكية، ورقته النقاشية السابعة، بعنوان "بناء قدراتنا البشرية وتطوير العملية التعليمية جوهر نهضة الأمة "، وفيما يلي نصها:
بناء قدراتنا البشرية وتطوير العملية التعليمية جوهر نهضة الأمة
بقلم عبدالله الثاني ابن الحسين
السبت 15 نيسان 2017
لقد تنامى في الآونة الأخيرة نقاش محموم حول ملف التعليم، لم يقتصر على أمة دون أمة، ولا على قطر دون قطر. ولقد أسعدني أن كان لبلادنا العربية من هذا النقاش نصيب كبير شهدنا آثاره في الأردن على شتى الصعد، وعبر مختلف المؤسسات.
وإنني مستبشر بهذا النقاش الجاد، فهو إن دل على شيء فإنما يدل على يقظة ووعي بما لهذا الملف من أهمية كبرى وأثر عظيم. ولا عجب، فما من أمة تنهض بغير التعليم، وقد بات من البديهيات أن لا شيء يعدل التعليم في مسيرة بناء الدول، وتغيير وجه العالم، إلى الأجمل والأكمل والأفضل، ولا سيما في مرحلة باتت تتسابق فيها الأمم في اقتصاد المعرفة، واستثمار الطاقات البشرية.
لم يعد خافيا على أحد أننا نعيش في عصر تسارعت خطاه، وأننا لن نستطيع أن نواكب تحديات هذا العصر إلا بأدواته المعرفية الجديدة، ولا أن نلبي احتياجاته إلا بوسائله التقنية الحديثة.
ولا يمكننا في ظل هذا الواقع، أن نغفل عن التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع التعليم، بدءً من الاعتراف بها، ومن ثم بذل الجهود لتجاوزها، وابتكار الحلول الناجعة لها، وصولا إلى نظام تعليمي حديث، يشكل مرتكزا أساسيا في بناء المستقبل المزدهر الذي نسعى إليه. ولذلك فإننا نرى أهمية التوصيات التي قدمتها لجنة تنمية الموارد البشرية العام الماضي وضرورة العمل بها.
الاستثمار في مستقبل أبنائنا عماد نهضتنا
وإننا على ذلك لقادرون، فها هي ذي ثروتنا البشرية، أغلى ما يمتلك الأردن من ثروات، قادرة، إذا هي نالت التعليم الحديث الوافي، على صنع التغيير المنشود، وليس أمامنا إلا أن نستثمر في هذه الثروة بكل قوة ومسؤولية، فلا استثمار يدر من العوائد كما يدر الاستثمار في التعليم. إنني أؤمن كل الإيمان بأن كل أردني يستحق الفرصة التي تمكنّه من أن يتعلم ويبدع، وأن ينجح ويتفوق ويبلغ أسمى المراتب، بإيمان وإقدام واتزان، لا يرى للمعرفة حدا، ولا للعطاء نهاية، منفتحا على كل الثقافات، يأْخذ منها ويدع؛ الحكمة ضالته، والحقيقة مبتغاه، يطمح دوما إلى التميز والإنجاز، ويرنو أبدا إلى العلياء.
لكن شيئا من ذلك لن يتحقق ما لم تتكاتف جهود الجميع، شعبا وحكومة ومؤسسات خاصة وعامة، لتوفير البيئة الحاضنة، وتأمين الاحتياجات الضرورية من أجل بناء قدراتنا البشرية من خلال منظومة تعليمية سليمة وناجعة، تؤتي أُكُلها كل حين بجهد أبناء وبنات هذا الوطن، على اختلاف مشاربهم ومسالكهم في الحياة.
سبيلنا لمستقبل زاهر
على المؤسسات التعليمية أن تؤمن بما يتمتع به أبناء هذا الشعب وبناته من طاقات هائلة، وقدرات كبيرة، ومواهب متنوعة، وتسعى لاكتشاف هذه الطاقات، وتنمية تلك القدرات، وصقل تلك المواهب، وتحفيزها إلى أقصى حدودها، عبر أحدث الأساليب التعليمية التي تشجع على الفهم والتفكير، والفهم لا التلقين، وتجمع بين العلم والعمل، والنظرية والتطبيق، والتحليل والتخطيط، وتفتح آفاقا رحبة أمام أبنائها، ليتفوقوا في كل مادة، وينبغوا في كل فن أو مهنة أو حرفة.
إنه لم يعد من المقبول، بأي حال من الأحوال، أن نسمح للتردد والخوف من التطوير ومواكبة التحديث والتطور في العلوم، أن يهدر ما نملك من طاقات بشرية هائلة. إن قطاع التعليم هو قطاع استراتيجي ومن غير المقبول أيضا، بل من الخطير، أن يتم الزج بالعملية التعليمية ومستقبل أبنائنا وبناتنا في أي مناكفات سياسية ومصالح ضيقة، غير آبهين بأهمية وضرورة استمرار التطوير والإصلاح وأثره العميق على أمتنا وحاضر الأجيال ومستقبلهم.
لقد بات التطوير ضرورة أملتها الظروف، بل متى لم يكن كذلك؟ فها هي صفحة التاريخ وتجارب الأمم تثبت آلا محيد عن التغيير، ولا مصير إلا إليه، فالتغيير يفرض نفسه، ويثبت ذاته، ويمضي غير عابئ بمن يخشونه.
وطالما كان الأردن بشعبه مقداما ومبادرا ورائدا في التحديث والبناء في وطننا العربي، وكنا الساعين إليه، والمبادرين به، لتكون مقاليده في أيدينا، ونكون نحن المتحكمين في وجهته، لا يتنكر لماضينا المجيد، أو لتراثنا الخالد وحضارتنا العربية والإسلامية، بل يستلهمه ويبني عليه، وينهل منه ويعتد به، بعقل منفتح ونفس رضية، لا ترى في ذلك الماضي إلا مادة تبعث على الفخر والاعتداد، لا مادة لبث الفرقة والبغضاء، مادة للبحث والنظر والتحليل، لا مادة للتقليد والجمود والتكرار.
إن لكل عصر أدواته ووسائله، وهمومه ومشاكله، فالتعليم في عصرنا الحديث، الذي يشهد تطورا هائلا في التكنولوجيا، لا يقتصر على القراءة والكتابة، بل يتجاوز ذلك في عصر الكمبيوتر والإنترنت إلى إتقان لغات عالمية أساسية، وامتلاك مهارات التواصل مع الآخرين ومبادىء العمل المهنية، والقدرة على التحليل والتفكير ليكون قادرا على المشاركة في إنتاج المعرفة، والمساهمة في إحداث التقدم، عملا بقوله تعالى (وقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا).
لقد أنعم الله علينا بثروة عز نظيرها من القيم العالية واللغة الثرية والتراث البديع. ولن يستطيع أبناؤنا أن ينهلوا من هذا التراث، إلا إذا أحبوا لغتهم العربية، وأجادوها وتفوقوا فيها، وكيف لا وهي لغة القرآن الكريم ولسان الأمة، فهي التي تشكل ثقافتهم وتكوِّن بناءهم المعرفي الأصيل.
رؤيتنا لأردنٍ منارة للعلم والمعرفة
إننا نتطلع إلى أردن قوي، يقدم لأبنائه خير تعليم، يؤهلهم لأن يواجهوا تحديات الحياة، لأن يقيموا أعمالا ناجحة، وأن يمارسوا حرفا قيمة، وأن ينشئوا أسرا متآلفة، وأن يبنوا مجتمعا متماسكا. نتطلع إلى أردن يتبوأ مكانه في مصاف الدول التي سبقت في هذا الميدان، واستطاعت بالجهد والمثابرة انتزاع المراكز المتقدمة فيه. فبناء قدراتنا البشرية، من خلال التعليم المتميز وتجويد مخرجاته، بوابتنا نحو المستقبل، فهو يشكل أرضية مشتركة لفهم الآخر وتعميق قيم التسامح، بعيدا عن الغلو والتعصب، كما أن تحقيق الإصلاح الشامل يرتبط ارتباطا وثيقا بالنهضة التعليمية مهما كانت الظروف والتحديات.
ونطمح أيضا لأن يكون للأردن تجربة تغري بنجاحها الآخرين، فيكون هو قائد مسيرة تحديث التعليم في العالم العربي، ورائد التحول إلى مجتمع المعرفة، فتحدي التعليم، كما أسلفت، غير مقتصر على بلد بعينه، ولا بد أن تتوحد الجهود، ويتم تبادل الخبرات لتجاوز هذا التحدي.
وعليه، فإننا نريد أن نرى مدارسنا ومعاهدنا المهنية وجامعاتنا مصانع للعقول المفكرة، والأيدي العاملة الماهرة، والطاقات المنتجة. نريد أن نرى مدارسنا مختبرات تُكتشف فيها ميول الطلبة، وتُصقل مواهبهم، وتُنمى قدراتهم. نريد أن نرى فيها بشائر الارتقاء والتغيير، لا تخرِّج طلابها إلا وقد تزودوا بكل ما يعينهم على استقبال الحياة، ومواجهة ما فيها من تحديات، والمشاركة في رسم الوجه المشرق لأردن الغد؛ طلبة يعرفون كيف يتعلمون، كيف يفكرون، كيف يغتنمون الفرص ويبتكرون الحلول المبدعة لما يستجد من مشاكل، ويعرض من عقبات. ولا يكون ذلك إلا بمنظومة تعليم حديثة، توسع مدارك الطلبة، تعمّق فكرهم، تثير فضولهم، تقوي اعتدادهم بأنفسهم، وتصل بهم إلى العالمية، على أجنحة من الإيمان القوي، والثقة الراسخة، والاعتزاز بهويتنا الإسلامية والعربية وتراث الآباء والأجداد.
كما لا يمكن أن يتحقق ذلك، إلا بمناهج دراسية تفتح أَمام أبنائنا وبناتنا أبواب التفكير العميق والناقد؛ تشجعهم على طرح الأسئلة، وموازنة الآراء؛ تعلمهم أَدب الاختلاف، وثقافة التنوع والحوار؛ تقرّب منهم أساليب التعبير، وتنمّي فيهم ملكة النظر والتدبر والتحليل، وكذلك بمعلمين يمتلكون القدرة والمهارات التي تمكنّهم من إعداد أجيال الغد.
إنني لأكرر التعبير عن سعادتي بهذا النقاش الدائر حول تنمية مواردنا البشرية وتعليم بناتنا وأبنائنا، الموضوع الذي يمس مستقبل أمتنا، وأدعمه كل الدعم، حتى يؤتي ثماره بالتنفيذ والإصلاح، فهو علامة وعي وتيقظ، ومبعث أمل وارتياح. ولا بد أن نعمل دون تردد أو تأخير، يدا واحدة، مؤسسات ومعلمين، طلبة وأهالي لنحقق مبتغانا. فكل يوم يمضي تمضي به فرصة لأبنائنا في تحقيق ما يستحقون فلا نضيعها عليهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الإثنين 17 أبريل 2017, 6:38 am

الورقة الملكية السابعة.. وجه الاختلاف


فهد الخيطان
بعد الورقة النقاشية السادسة للملك عبدالله الثاني والتي تمحورت حول سيادة القانون ومفهوم الدولة المدنية، انطلقت ورشة عمل لتطوير القضاء في الأردن، وتولت لجنة ملكية من أصحاب الاختصاص وضع خريطة طريق للإصلاحات المطلوبة في التشريعات وعمل المؤسسات المعنية.
الحكومة، بدورها، تمكنت وفي فترة قياسية من ترجمة التوصيات إلى تعديلات على عديد القوانين والتشريعات، وخلال الأسابيع القليلة المقبلة سيجتمع البرلمان في دورة استثنائية لمناقشة وإقرار هذه التعديلات، التي وصفتها منظمات حقوقية محلية ودولية بأنها تعديلات تقدمية.
هذا الإنجاز هو محصلة النقاش العميق الذي أطلقته الورقة الملكية السادسة، وتلك هي الفلسفة الكامنة خلف هذا النهج؛ تحريك وتوجيه النقاش العام حول أولويات الإصلاح للوصول إلى الأهداف المطلوبة.
الورقة النقاشية السابعة التي أطلقها جلالته أول من أمس تتركز حول إصلاح التعليم في الأردن باعتباره بوابة الإصلاح الأولى، ومدخل النهوض والتقدم في كل المجالات.
الورقة الملكية هذه المرة لا تسعى لإطلاق نقاش عام فقط حول هذه العنوان، بل وبدرجة أكبر دعم مسار انطلق بشكل فعلي، وقطع خطواته الأولى التي أشارت إليها الورقة. تجلى ذلك في صدور توصيات اللجنة الملكية لتنمية الموارد البشرية العام الماضي، ودخولها حيز التطبيق قبل أشهر من خلال تأسيس المركز الوطني لتطوير المناهج، ومن قبل أكاديمية الملكة رانيا لتدريب وتأهيل المعلمين، إضافة لسلسلة من الخطوات الإصلاحية التي بدأت في عهد وزير التربية والتعليم السابق الدكتور محمد ذنيبات، وتتواصل حاليا وبوتيرة أسرع مع الوزير الدكتور عمر الرزاز.
تمضي مؤسسات الدولة في هذه العملية وسط جدل ساخن بين أطياف المجتمع المختلفة. ولا شك أن مثل هذ النقاش مفيد وضروري لإثراء برنامج إصلاح التعليم، شرط أن يوظف من قبل بعض الاطراف للنكوص عن البرنامج من أساسه، والعودة إلى المربع الأول بضغط من أصحاب الصوت العالي.
إن عملية الإصلاح في أي قطاع لا بد وأن تجد من يعارضها لأسباب ودوافع مختلفة، وفي أحيان كثيرة تكون المعارضة عن سوء فهم أو عجز عن إدراك المتغيرات من حولنا، أو الخوف من التغيير والاستسلام للثقافة السائدة.
لا يكتفي الملك في ورقته النقاشية بشرح مبررات التغيير وحاجاته الموضوعية، بل يدافع عنها ويتبناها كليا، وذلك لحماية المشروع الذي انطلق من الانتكاسة أو التعطيل المبرمج، كما حدث من قبل لخطوات إصلاحية في ميادين عدة.
لذلك كان الملك واضحا في موقفه؛ النقاش مهم وضروري للوصول لأفضل الصيغ الممكنة لإصلاح التعليم، لكن "لم يعد من المقبول السماح للتردد والخوف من التطوير ومواكبة التحديث بالعلوم أن يهدر ما نملك من طاقات بشرية".
عند استعراض تجارب دول غربية أو إسلامية، مثل ماليزيا، كانت سباقة في مجال إصلاح التعليم، يتبين أن هناك قوى قد عارضت خطط الإصلاح وحاربتها بكل الوسائل، لكن إرادة التغيير انتصرت في النهاية. وأمام ما تحقق من نتائج إيجابية لم تجد قوى الشد العكسي شيئا لتفعله غير التسليم بالنجاح.
علينا في الأردن أن نمضي على نفس الطريق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الإثنين 17 أبريل 2017, 6:39 am

الأوراق النقاشية؛ ماذا بعد؟!


محمد ابو رمان

كما حدث في الورقة الماضية عن الدولة المدنية، فإنّ الورقة الحالية قدّمت منظوراً توافقياً، يخرج بنا من الاستقطابات الأيديولوجية، فدخلت إلى الجدل الحالي عن المناهج وتطويرها والسجالات التي تابعناها إعلامياً، ليضع الملك الإطار الوطني الذي نفهم من خلاله الأهداف الحقيقية لقضية تطوير التعليم وأهمية ذلك، وعلاقته باللغة والدين والحداثة والمعرفة.
وكما كانت الحال عليه سابقاً بالأوراق النقاشية التي تحدثت عن الديمقراطية الأردنية وصيغتها المستقبلية والملكية الدستورية. لكن السؤال الجوهري اليوم من قبل النخب والسياسيين والمثقفين، بل حتى الرأي العام؛ ما هو موقع الأوراق النقاشية الملكية في بناء السياسات العامة؟ وماذا بعد هذه الأوراق.
هل هي أوراق ذات إلزام معنوي ورمزي أم من المفترض أن تكتسب طابعاً آخر، فيه قدر أكبر من الإلزامية، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن نفهم ذلك ضمن المنظومة التراتبية التشريعية المعروفة؟!
هي أسئلة مهمة وحيوية؛ فإذا كانت الأوراق الملكية تهدف إلى تأطير التوجهات العامة للدولة، وهي كذلك، ومن وجهة نظري، فإنّ الأوراق النقاشية هي ذات قيمة معنوية رمزية بحتة، تهدف إلى بناء فلسفة وطنية مشتركة، ورؤية توافقية نحو المستقبل، تجمع الأردنيين حولها، أي ترصيص الأرض العامة، التي من المفترض أن نقف عليها، ويصعب أن نجد لها "منزلاً تشريعياً". لكن في المقابل وطالما أنّها تحظى بهذا التوافق بين التيارات والقوى السياسية، فمن الضروري أن نفكّر بترجمتها عبر أدوات أكثر وضوحاً إلى تصوّر متكامل تلتزم الحكومات ومجالس النواب بتطبيقه بوصفه الوصفة الوطنية التوافقية والمتوافقة مع الرؤية الملكية.
هل المكانة المعنوية للأوراق النقاشية تكفي؟ أعتقد ذلك، فليس المطلوب فرضها كرؤية وفلسفة على الجميع، بل من المهم النقاش حولها، والتوصل بين القوى السياسية إلى تصوّر مشترك مرتبط بها، ومن الملاحظ أنّها تركز على التوافقات لا الخلافات، ما يمثّل "بنية تحتية" مهمة لعقد مجتمعي وطني جديد، بعدما شعرنا خلال الأعوام الماضية أنّ الخلافات الأيديولوجية والثقافية تعصف بالمجتمعات والدول أولاً!
أكبر مشكلاتنا الأردنية أصبحت تتمثل بفقر الرؤية الوطنية التوافقية، وعدم قدرتنا على استبصار المستقبل، فهوية الدولة والمجتمع على السواء لم تعد واضحة، والسياسات تارةً تذهب يميناً وتارةً يساراً، فأصبحنا بالفعل بحاجة إلى بناء "الجماعة الوطنية"، أو الأرضية الوطنية العامة المشتركة، وهذه الأوراق تأتي لتضعنا على الطريق الذي يساعدنا في الوصول إلى ذلك.
بالعودة إلى ملف التعليم والأسس والقيم التي حدّدتها الورقة، من الضروري الآن أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وردّ التعليم بالفعل إلى الموقع الذي يستحقه، وإحداث ثورة حقيقية، وتخصيص موارد مالية وبرامج تدريبية متكاملة، إذ دفعنا على البنية التحتية مليارات، وتراجعنا في ثروتنا الحقيقية اليوم الإنسان الأردني، الذي صنعه تعليم كان متقدماً على مستوى المنطقة، لكنه بات متآخراً ومقلقاً في الآونة الأخيرة!
إشراف الملكة رانيا على ملف التعليم وتبنيها لتطويره أعطاه زخماً غير مسبوق، ووجود شخصية مثل عمر الرزاز على رأس الوزارة يعزز سقف التوقعات، وهذه الورقة النقاشية تدفع به إلى الأمام، لكننا ما نزال بحاجة إلى خريطة طريق لإنقاذ التعليم العام والعالي ووضعه على قائمة أولوياتنا الوطنية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الإثنين 17 أبريل 2017, 6:41 am

خبراء: الورقة الملكية تؤشر لخطوات الإصلاح الشمولي للعملية التعليمية


عمان - دعا خبراء تربويون، إلى الاستثمار في التعليم وتنمية الموارد البشرية، الأمر الذي يسهم بشكل إيجابي بمزيد من التقدم واطلاق الابداعات وتنمية الافكار والقدرات والمهارات لدى الطالب ومواجهة التحديات المستقبلية.
وأكدوا أن ما ورد في الورقة النقاشية السابعة لجلالة الملك عبدالله الثاني، خطوة في طريق الاصلاح التربوي ودعوة للاستفادة من تجارب الدول الاخرى في عملية التطوير التربوي.
وقال رئيس لجنة التربية والتعليم بمجلس الأعيان الدكتور محمد حمدان، إن الموارد البشرية تعتبر الثروة الحقيقية في المجتمع، وتحتاج إلى تنمية واعداد ويجب أن تكون من الاولويات في إعداد البرامج والخطط الحكومية.
واضاف حمدان، وهو نائب رئيس مجمع اللغة العربية، ان جلالة الملك تناول في ورقته النقاشية السابعة العملية التعليمية بشمولية تامة وبكافة أبعادها وفق خطة للتدريب وتطوير التعليم بمستوياته المختلفة، يعتبران القاعدة الصلبة لتنمية الموارد البشرية.
وأكد أهمية الاستفادة من التجارب العالمية لتطوير قدرات ابنائنا في الابداع والتميز، مبيناً ان هناك دول متقدمة لديها مناهج اعتمدتها، وحققت من خلالها التميز والتفوق كالتجربة الفنلندية وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا.
واشار الى أنه يجب الاستفادة من تجارب تلك الدول، وخاصة التي أسست مركزا للمناهج التعليمية في سياق تطوير الموارد البشرية والتعليم نحو التميز، لافتا إلى أن جلالة الملك أكد أنه يجب التركيز على اللغة العربية والتي لا يستطيع ابناؤنا ان ينهلوا من التراث الا بها، من هنا لا بد من التركيز على اتقان "العربية" السليمة في تعليم أبنائنا، اضافة الى عدم التردد في طرح أي أفكار من شأنها ان تصب في تطوير وتحديث العملية التربوية.
بدوره، يرى أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة آل البيت الدكتور سليمان القادري، أن الحديث عن تطوير التعليم مستمر في جميع الدول، مبيناً أن المشكلة الحقيقية تكمن في مدى تطبيق الأفكار والخطط التعليمية والتربوية على أرض الواقع، حيث دائماً ما يكون التنفيذ ضعيفاً للعديد من التحديات الأمر الذي يحول دون تحقيق عملية تطوير حقيقية في هذا المجال.
ودعا إلى تشكيل لجان متخصصة تقوم بإعداد خطط إجرائية قابلة للتنفيذ ضمن الموارد والإمكانيات المتاحة ضمن مراحل زمنية محددة، وبالتالي التحول نحو التغيير الحقيقي والملموس في المجالات التعليمية وفق سياسة عملية واضحة تعكس جدية التغيير نحو الأفضل بصفة عامة.
وأشار القادري إلى أن الاستثمار في التعليم يتأتى باختيار العناصر الكفؤة في الميدان التربوي وفق أسس علمية وموضوعية محددة، تكون بمثابة خلية نحل تعمل لتطوير الخطط التربوية والمناهج التعليمية ضمن عمل مؤسسي ومشترك، مع الأخذ بالاعتبار تطوير مهارات التفكير الإبداعي والناقد للطلبة عبر معرفة ما يتعرض الفرد له من معلومات ومعارف وطرق الوصول إليها، والتأكد من مصداقيتها ومدى دقتها، وصولاً إلى تفكير علمي سليم.
ولفت إلى أن مناهجنا مازالت تفتقد لمثل هذه الأمور علماً بأنها موجودة في مختلف الخطط التربوية لكن دون تنفيذ "حقيقي"، مؤكدا أهمية اعتماد مراحل التقويم البنائي والختامي والتتبعي للمناهج، بحيث يتم تقييم الأساليب التدريسية والتربوية الحديثة وإجراء التعديلات اللازمة عليها ضمن مراحل زمنية محددة، لضمان استمرارية التطوير العلمي والتربوي البنّاء، والوقوف على مكامن الخلل وتصويبها، وتعزيز الجوانب الإيجابية والبناء عليها بما يخدم طلبتنا.
واعتبر الخبير التربوي ومدير التربية والتعليم للواء الرصيفة الدكتور سامي محاسيس، أن ما ورد في الورقة النقاشية السابعة خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ أن الادوات المعرفية الحديثة والاستثمار التعليمي والمعرفي للطالب يسهم بشكل إيجابي نحو مزيد من التقدم وإطلاق الابداعات وتنمية الافكار والقدرات والمهارات.
وقال إن الانطلاق بخطوة جريئة يعزز فرص المكاسب ويواجه العديد من التحديات في العملية التربوية والتعليمية وبناء القدرات البشرية وإبقاء الأردن انموذجا في التعليم والتطوير، إذ أن ما تقوم به الوزارة من تطوير وتغيير مستمر له الأثر الكبير على الطلبة وبما يرفع من مستوى تحصيلهم العلمي.
وبين أن النظام الجديد لـ"التوجيهي" خطوة هامة في أن يترك الامر للجامعات في تحديد تخصص ونوع الدراسة ضمن معيار المجموع العام، وهو عامل من التغيير والتحسين التربوي، لأنه سيؤدي الى دعم الطالب نفسيا وعدم الشعور بالفشل مما يقلل من الاحباط واليأس والاكتئاب عن الطالب وأولياء الامور، كما أنه يدخل في نطاق التغيير والتطوير التعليمي، مشيراً إلى أن تطوير المناهج وتحديثها باستمرار يتطلب وجود تنسيق كامل لجميع الجهات المعنية، وصولاً لإصلاحات تربوية وتعليمية تخدم الطلبة وترفع من مستوياتهم المعرفية والإدراكية بوجه عام.-(بترا)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الثلاثاء 18 أبريل 2017, 8:27 am

النهضة التربوية: دراسات في الورقة النقاشية الملكية السابعة (1 - 2 )


د. ذوقان عبيدات

ليس من شك في أن الورقة الملكية النقاشية السابعة، كانت ضرورة، واستجابة، فهي ضرورة لما تحتله التربية وما يحتله التعليم من أهمية  - غير قابلة للجدل  -  في نهضة الأمة وبناء الوطن. وهي استجابة لتطوير مفاهيم نقاشية عديدة، دارت بين المهتمين التربويين، وغير التربويين، كان بعضها بريئاً.. وبعضها سياسيا بامتياز.
وجاءت الورقة الملكية لتضع المجتمع الأردني  ونخبته التربوية امام موضوعات عدة هي: 1 -  التعليم قضية وطنية.
2 -  التعليم قضية نهضوية. 3 -  التحديات امام التعليم. 4 -  التعليم والتراث والمستقبل. 5 -  التعليم والاختطاف  السياسي.6 -  التعليم وفتح أبواب التفكير. 7 -  شكل المدرسة الأردنية المطلوبة.
8 -  تكامل الجهود الرسمية والمدنية.
وسنخصص مقالة تحليلية لهذه الابعاد، ومقالة تتناول متطلبات التنفيذ بدءاً بالمقالة الاولى.
التعليم قضية وطنية
وفي هذا المجال نبدأ ببعض الملاحظات:
1 -  حين تم طرح موضوع المناهج، وما تحويه من أفكار داعشية تتعلق بمختلف مناحي الحياة: التطرف والإرهاب، والمواطنة وكرامة المرأة، والتزام التنوع، والهوية. تفاعل تقريباً كل المواطنين من مختلف الاتجاهات، الامر الذي يعكس مدى اهتمام المواطنين جميعاً بالعملية التربوية.  وبحساب بسيط إذا كان لدينا حوالي 1.8 مليون طالب، فإن كل المجتمع ذو صلة مباشرة بالمدرسة والتعليم والمناهج والجامعات.
2 -  ان الجدل بين الاتجاهات المختلفة في المجتمع  -  غاب عنه جميع اساتذة الجامعات -  الأمر الذي لا يفسر بإمكاناتهم المهنية، بل بما اعتادوا عليه من عزلة عن المجتمع وما يجري فيه لعل سببها الخوف او اللامبالاة او السلبية، ولكنها كانت ظاهرة واضحة تماماً وكأن الجدل يدور في دولة بعيدة جداً او في موضوع عجيب لا علاقة لهم فيه.
3 -  ومن المسلمات المهنية -  في كل مهنة -  ان المختصين لا يقررون وحدهم مختلف شؤون المهنة. فلا يجوز للأطباء ان يعبثوا بالأسعار، ولا يحق للرياضيين ان ينشروا العنف والكراهية وخطابات أو هتافات مسيئة، وكذلك لا يحق للتربويين ان يقرروا النموذج الانساني المطلوب، فهذه قضايا وطنية تهم الجميع. وما يهم الجميع من حق الجميع ان يبدي رأياً او يقدم مشاركة!!
على ضوء هذه الملاحظات جاءت الورقة الملكية، اضافة لخطاب جلالة الملك الشهير في بداية العام الماضي. جاءت هذه الورقة لتبدد الشكوك. وتطلب النقاش والمشورة من الجميع. فمن يقدم رأياً من اساتذة الجامعة او المعلمين او حتى الخبراء خارج هذا الاطار لا يحق له ان يتردد أو يخاف على مستقبله الوظيفي او طهارته المهنية من الخدش والحياء.
لقد اتسمت الورقة النقاشية بالمبادئ والتوجهات الآتية:
1 -  لا بد من تطوير التعليم، فالتعليم استثمار. والاستثمار قضية وطنية مشتركة. لا تتعلق بمنطقة دون اخرى، أو فئة دون اخرى.
والقضية الوطنية غالباً ما يستجيب لها المواطنون بالإجماع. وعلينا ان نبحث عن المشترك بين الجميع حتى يكون التطوير او التعليم قضية وطنية. ففي القضايا الوطنية لا اغلبية ولا اقلية ولا تهميش لا اقصاء، المهم أن يشعر الجميع، ويدركوا اننا مواطنون اردنيون يعيشون في عالم انساني، وان ندرك ان الاستثمار هو مشروع تنموي تظهر نتائجه في المستقبل.
2 -  والنهضة التربوية تبنى على نظرتنا الى المستقبل، واختيارنا من ثقافتنا ولغتنا وقيمنا التراثية ما كانت ثقافة اشعاعية. فنحن نهضنا حين تعلمنا من العالم، وليس حين استندنا الى تراث ما قبل الاسلام. نهضنا في العهود الأموية الزاهرة. والعهود العباسية بعد ان درسنا ثقافات العالم وفكر العالم، وطورنا ثقافة نهضوية قادتنا الى العالم.
ونحن نعلم جيداً أن تراثنا لا يتوقف عند فكر ما او اجتهاد ما، ففي تراثنا جمال وخير وحق، كما في تراث كل الشعوب. وفي تراثنا منطق وفلسفة وفقه كما لكل شعوب العالم. وهذا ما اكدته الورقة النقاشية. حين قالت ان "النهضة لا تتوقف او تتجمد عند حالة معينة. فالمستقبل هو ما يقودنا".
3 -  ان التردد ليس وسيلة لنهضة تربوية. فالمطلوب وضوح وجرأة فإذا ما اتفقنا على المبادئ التي وردت في الورقة الملكية  -  وهي بنظري مبادئ وقائية  -  فإن علينا ان نسير في طريق النهضة، صحيح ان النقاش مطلوب في كل قضية وطنية، فالآليات ليست وطنية لكن الاهداف وطنية.
ان تقييم التعليم مثلاً قضية وطنية، لكن امتحان التوجيهي ليس كذلك، اذن علينا ان نناقش القضية الوطنية أم آلياتها؟ والنقاش يجب ان يكون جديداً، وآمناً وليس كما حدث في العامين الاخيرين مليئاً بالقنابل والالغام والاتهامات التي وصلت حد التكفير.
4 -  والنهضة ليست غريبة عن مجتمعنا، فنحن الاكثر حاجة الى النهضة التربوية، وطالما حفل مجتمعنا بمؤسسات نهضوية وافكار نهضوية تعمل ضمن اطار وطني واجماع وطني. فمؤسسة مثل النهضة العربية للديمقراطية والتنمية (ارض) هي الاكثر التصاقاً بالتعليم من خلال برنامجها النهضوي: التعليم من اجل المستقبل، تحمل الفكر الوطني وتدعو الى نهضة وطنية. كما أن هناك العديد من المؤسسات التي تخدم التعليم كقضية وطنية جامعة.
لقد جعلت ورقة الملك التعليم قضية وطنية له اولوية. باعتباره اداة التنمية وهدفها ووسيلة للوصول الى جميع الاهداف المجتمعية.
ومن المهم ان نعرف  -  وهذا بدهي  -  ان الورقة النقاشية ليست خطة عمل بل إطار لخطة عمل تتطلب حوارات ايجابية معمقة. لقد وضعت هذه الورقة كما حددت سابقاً، القضايا الآتية اضافة الى القضية الوطنية وسأفصل هنا قليلاً:
1 -  اذا كان التعليم قضية وطنية فهذا يعني انه يجب ان يرتكز على مقومات الوطن وهويته وابعاده الجامعة، وان يشارك الجميع دون فئوية او تهديد او رعب.
2 -  اذا كان التعليم نهضوياً  -  كما حددت الورقة الملكية  -  فإننا يجب ان نعرف ما يأتي:
 -  النهضة بمفهومها العلمي هي انتقال من حالة الى حالة. وفي موضوع التعليم فإنها تعني نقل التعليم من التلقين الى التفكير. ومن الجمود والانغلاق الى الحركة والانفتاح.
 -  تتطلب النهضة النهوض بأبعاد النشاط الانساني مثل الفنون والآداب والعلوم والاخلاق والفكر.
 -   القضاء على مقومات التخلف، وتحقيق سلطة العقل والمنطق. فالنهضة هي مواجهة الفكر المعيق والتحديات الموضوعية والذاتية وإدخال مفاهيم العصر، وهذه كلها وردت في الورقة الملكية.
 -  كما تتطلب النهضة تعميق النقد والفكر الناقد وقيم الجرأة والشجاعة والقضاء على التردد.
 -  وتتطلب النهضة ايضاً، تحليل الابعاد الفكرية والثقافية لتراثنا. واستلهام ما ينعكس على المستقبل منه.
لقد لاحظ النهضوي العربي رفاعة الطهطاوي ان نهضة اوروبا كانت في اتباع العلوم العقلية والعلوم التجريبية، ودعا جمال الدين الافغاني الى تفاعل الفكر مع الإرادة لانتاج النهضة وبناء المستقبل، فالفكر يتطلب ارادة، والارادة يجب ان تتوجه بالفكر، فلا يجوز ان نبقى نفكر في أننا نريد النموذج العربي في الوقت الذي نتهم هذا النموذج بكل الموبقات، المطلوب نهضوياً ان نفكر بآفاق عالمية ولكن في التطبيق علينا ان نعمل محلياً وفق ظروفنا. وهذا ما دعا اليه شيخ النهضة محمد عبده حين قال: النهضة والاصلاح هي في بناء الامة وليس في قتال الآخرين.
3 -  اشارت الورقة الى ان التعليم يجب ان يتصدى لمواجهة التحديات التي تواجه التعليم. وهذا مجال لنقاش طويل حول تحديد هذه التحديات، ووضع اولوية لمدى اهميتها وصعوبتها!
فهل التحديات هي في الفلسفة والفكر ام في التطبيق؟ هل هي في المناهج ام طرق التدريس؟ هل هي في المنهج المعلن ام المنهج الخفي. هل هي في بيئة المدرسة ام في ثقافة المجتمع؟ ولعل التحدي الاكبر هو في الاجابة عن سؤال:
هل التربية يجب ان تخضع للمجتمع أم تقود المجتمع؟ وهذا هو التحدي الاكبر!! هناك تحديات في اداء المعلم والشراكة مع المجتمع والامتحانات، وهناك تحديات في ما نريد من طالبنا! هل نريده مفكراً ناقداً، شاكاً، مجرباً أم قنوعاً قابلاً مستسلماً واثقاً؟
اذن نحتاج الى الاتفاق على التحديات والاولويات، والنقاش حولها يجب ان يكون مهنياً تربوياً لا سياساً او عقائدياً، فأية مجموعات وطنية يمكن ان تتفق على التحديات الآتية.
 -  مناهج تفكير  -  معلم منتج  -  مدرسة قائدة -  تقييم عادل وموضوعي، اما نموذج الطالب المطلوب فهو طالب باحث مفكر في اي اتجاه!!
4 -  واشارت الورقة الملكية الى موضوع التراث وحددت الابعاد الآتية:  -  اللغة العربية واهميتها وارتباط القرآن الكريم بها.  -  التراث المفيد للمستقبل وليس المعطل والجامد.  -  لكل عصر ادواته.
وهذه مسلمات لا يجوز الاختلاف حولها، وأي نقاش حولها يمكن ان يتركز على ما نريد لمستقبلنا! فهل نريد المشاركة في بناء العالم وحضارة العالم، أم نريد ان نعلم العالم؟
إن تراثنا مليء بالفكر والفن والادب كما هو مليء بالفقه. بل ان معظم روادنا مفكري نهضتنا، كابن سينا وابن رشد والفارابي والكندي والغزالي وابن عربي وابي العلاء المعري كانوا فلاسفة وشعراء وموسيقيين وفقهاء. وليس هناك ما يمنع ان نعرض هذا التراث وغيره الى نقد وفحص وتأمل!! كيف نقبل تراثاً دون مثل هذا الفحص؟ بل كيف نقدس تراثاً ونحن نعرف انه فعل انساني؟
5 -  تتحدث الورقة عن قضية انسانية اخرى هي في إبعاد التعليم عن المناكفات السياسية. فالتعليم موضوع وطني جامع. ولا يجوز اختطافه. فالتعليم وطني، والوطن الاردن، والمواطن اردني عربي وهذا ما يجمع بين المواطنين، ليس لحزب أو فئة.
وفي هذا الصدد، حين نعلم الطالب التفكير، فإننا نعلمه حرية الاختيار ولا نفرض عليه توجهاً معيناً.
نقدم له الافكار لا الحقائق، نقدم له المذاهب ما لها وما عليها ونقدم له الاحزاب دون ان نوجه تفكيرها. لقد انتهى عهد تعليم الحقائق والمواد الدراسية ليبدأ عهد التعليم بالمادة وبالحقائق. أي ان الحقائق والمواد الدراسية وسائل لتعليم الصدق والحرية والقرار والاختيار.
6 -  ومناهج التفكير، ليست جدلية ايضاً، فتراثنا أو ديننا والمنطق والفن والجمال كلها تدعو الى التفكير، فلماذا تغضب حين يطالب احدنا بمناهج تفكير؟
ان مناهج التفكير تعني: مهارات النقد والتجريب والتأمل والفحص والشك.، مهارات التعليم المستمر والبحث عن المعرفة من أي مصدر.  مهارات العمل في مجتمع تعلم يتم فيه تبادل الافكار. مهارات التواصل الانساني محلياً وعالمياً كوسيلة للعمل المشترك في بناء الحضارة. مهارات الانتاج: انتاج الافكار والوسائل والادوات التي تعمل على تحسين الحياة. مهارات التغيير والتطوير والتجديد.
فمن يقف ضد هذه المهارات؟ اننا لا نعلم الشك لنرفض ولا نعلم النقد لنتجاوز! هذه مهارات حياتية تساعدنا على النجاح الشخصي والعملي. فالمناهج المطلوبة ليست في الإكثار من مادة وحذف مادة. المناهج المطلوبة هي مناهج انسانية تقدر الذات وتقدر الآخر.
7 -  والمدرسة في الورقة الملكية ليست بناءً ومساحات وساحات بل مختبرات للتجريب والعمل والتفكير. يتعلم فيها الطالب كيف يتعلم وليس ماذا يتعلم؟ وهذا هو الهدف! نحن لسنا معلمين بل متعلمين. وعلينا أن نتواضع ونقبل دورنا كتلاميذ لا معلمين. فالمعلم متعلم، والمواطن متعلم. والمدرسة متعلمة، !! فلماذا يميل بعضنا لتعليم العالم كله. لماذا تقع على عاتقنا مسؤولية هداية العالم او حتى هداية بعضنا؟ ان التخلي عن الاستذة ليس مجرد تواضع، بل فلسفة إنسانية بنائية. وان التمسك بالتلمذة ليس مجرد كمون بل تهيؤ للانطلاق. فالتلميذ متعلم يتعلم باستمرار والمعلم متعلم يتعلم، وليس لدينا ترف تعليم الشعوب بل مهمة المشاركة معها في بناء الإنسانية.
8 -  وجهود تطوير التعليم هي جهود جمعية تشاركية، فالورقة وضعت الجميع أمام مسؤولياته: فالمدارس الخاصة هي مختبرات لقيادة التطوير وليست عدوة او منافسة لمدارس الحكومة!! ان عليها ان تسهم في تطوير المناهج وتطوير التدريس وتدريب المعلمين والمشرفين، هي مختبرات للتجريب ومنارات للتدريب والتطوير.
 نحن بحاجة الى الحكمة والتأني، نحن بحاجة الى اختيار معاركنا. لكن المشاركة في دورة تدريبية ليس حقل الغام!! لقد علمنا ان عاملين في أكثر دوائر التربية أهمية لم يشاركوا في دورة تدريبية منذ عشرين عاماً!! فهل هذا معقول؟ وكيف نطلب او نتوقع منهم مناهج تفكير؟؟
ان تكامل الجهود في بناء العملية التربوية ليس ترفاً وجهود التطوير ليست حكراً على مؤسسة لم تدرب عامليها منذ وقت طويل:!! إن الخبرات التربوية  -  داخل الوزارة واجهزتها ليست منعدمة، بل موجودة بقوة. لكنها مع الأسف ما زالت تقبع في الصف الثالث أو  الرابع بينما يطفو على السطح مديرون ليسوا الأكثر قدرة!! علينا أن نبحث عن الخبرة داخل الوزارة وخارجها. فتكامل الجهود ضرورة والمشاركة ضرورة.
اذن تصف الورقة واقع التعليم في أكثر من موقع. وتصف خطوط التطوير. والأهم من ذلك انها جاءت استجابة لحاجات مجتمعية وحاجات تنموية وحاجات حضارية وليس مجيئها الا تتويجاً لنقاشات كانت في  معظمها جادة واعطاؤها الرقم سبعة لا يعني انها ليست اولوية. بل  تعكس دقة الملك في الاستجابة والاستشعار في الوقت المناسب.
ان الجزء الثاني من المقالة سيتناول النقاشات حول الخطوات العملية اللازمة قبل التنفيذ وفي اثنائه وبعده. وأنا على ثقة بأن وزارة التربية والتعليم بقيادتها الحالية ستكون بحماسة جلالة الملك وجلالة الملكة وحماسة المهتمين بتنفيذها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49758
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني   الأربعاء 19 أبريل 2017, 6:25 am

(2 - 2)

النهضة التربوية: دراسات في الورقة النقاشية الملكية السابعة


د. ذوقان عبيدات

في هذا الجزء من تعليقنا على الورقة الملكية النقاشية السابعة، نقترح خطة تنفيذية للتطبيق.
أشعر بأن ورقة الملك السابعة في طريقها إلى التطبيق، وذلك للأسباب الآتية:
1 - وجود إحساس عام لدى المجتمع بضرورة تطوير التعليم مهما كان نفوذ الفئة المسيطرة حالياً عليه، وغير المقتنعة بضرورة التغيير.
فنتائج طلابنا في الاختبارات المحلية والدولية شاهد على وجود خلل، وطرائق تفكير طلابنا شاهد آخر، فطلابنا سلبيون، قانعون، مصدقون، مسلّمون بكل ما يقدم لهم. إضافة إلى بعض مظاهر خلل في أداء معلمينا أو محتويات كتبنا، أو بعض توجهات في مجتمعنا!
2 - وجود قيادة تربوية مؤمنة بضرورة التغيير، قيادة منفتحة، مستمعة، قوية، تملك حكمة وذكاء. تؤمن بإمكانات العاملين في الوزارة وخارجها. لا تهمش أحداً ولا تعصي أحداً، ترحب بكل المشاركين والراغبين بالمشاركة.
3 - انحسار التنظيمات التي كانت تدعم التطرف وربما الإرهاب نتيجة للخسائر العسكرية التي واجهها الارهابيون، وهذا يعني أن أوان مواجهة مصادر الفكر المتطرف قد جاء. فلم يعودوا يشكلون خطراً داهماً.
علماً بأنني أتحدث هنا عن أن مواجهة الفكر المتطرف تتطلب ببساطة طلاباً يفكرون نقدياً. ومعلمين - وهذه حلقة صعبة جداً، منفتحين على التفكير الفكري النقدي.
4 - نشوء بيئة - رسمية وربما نخبوبة، تطالب بالحزم والشجاعة وعدم التردد في اتخاذ قرارات جريئة. فالملك رفض التردد في التطوير وأعلن بكل وضوح ان لكل عصر ادواته، وأننا كأردنيين معنيون بأدوات العصر وأدوات المستقبل، فلم تعد "مكرٍّ، مفرٍّ، مقبلٍ، مدبرٍ.."، أو "إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً".. الخ، لم تعد هذه ثقافة معاصرة ولا ادوات معاصرة نواجه بها المستقبل...!!
ولم يعد الجبن حكمة، والتردد سياسة، والانهزامية مراجل!!
5- وأخيراً، خبرات محلية  قادرة على تنفيذ ما جاء في ورقة الملك من أبعاد فنية وتربوية، وليس مطلوباً من وزارة التربية الا ان تفتح ابواباً سبق ان اغلقتها، وان تمد يدها إلى المجتمع بدلاً من ان تستدعي له الدرك وتحسبه انجازاً....!!
وأثق، وهذا واضح من أن وزارة التربية والتعليم وفي فترة قصيرة، اتخذت قرارات شجاعة ونهضوية في مجال الامتحانات، ولن تتوقف عند هذا الحد!!
كل هذه الأمور هي مصدر تفاؤلي بالحديث عن خطة تنفيذية..
وسأتحدث هنا عن ملامح الخطة ومتطلبات التنفيذ لإثراء نقاش بدأ قوياً وسيستمر حتى مع اكتمال النجاح، فالتربية والتغيير سلسلة متواصلة من العمليات.
اولاً: في مجال الإعلام والإعلام التربوي.
يمكن في هذا المجال ان يبادر الإعلام إلى دراسة مشكلات التعليم بشكل عام، واقتراح اولويات وحلول. لكن الإعلام التربوي مطالب بالكثير مثل:
- شرح الورقة الملكية وقيادة الجهد الإعلامي في هذا المجال، وتنظيم مبادرات المدارس والعاملين في الوزارة وإتاحة المجال امامهم لتنظيم ندوات مجتمعية في كل المدارس خاصة مدارس القرى.
- إصدار عدد خاص من رسالة المعلم عن الورقة الملكية ومشكلات التعليم.
- ضمان مشاركة كل مدرسة في الجهد الإعلامي. والوصول إلى الناس جميعاً. فكما صار معروفاً ان التربية قضية وطنية، لا يجوز تركها نهباً للتطرف.
- إعداد شعارات ورؤى مستمدة من الورقة الملكية ورفعها في الساحات العامة والمدارس، وهذا يتطلب جهداً علمياً تشارك فيه مديريات التعليم والمناهج والتدريب والتخطيط للاتفاق على الشعارات المرفوعة، واقترح هنا بعض الشعارات: - التعليم قضية وطنية. - مشاركة المجتمع في التعليم ضرورة.
- التعليم طريق التنمية وضامن لها. - كلنا متعلمون. - لنتعلم معاً ونتقدم معاً.
- التعليم من اجل مستقبل. - تعليم التفكير طريقنا إلى النهضة. - لكل عصر ادواته. وأداتنا هي العقل والبحث العلمي. - تطوير تراثنا وتنقيته لتوظيفه مستقبلياً. - التدريب والتنمية المهنية اساس لتطوير المعلم. - لنعمل معاً على تحقيق مهنية التعليم. - ... إلخ
فإذا كان لدينا ستة آلاف مدرسة أو ما يزيد فإننا بحاجة إلى شعارات عديدة ورؤى عديدة!
ان الإعلام التربوي ليست مهمته مرافقة الوزير وارضاؤه، وعلى أي حال الوزير الحالي ليس مهتماً بذلك - إذن لماذا لا يشكل الاعلام التربوي لجنة اعلامية في الوزارة وفي كل مديرية، وفي عدد من المدارس لشرح القضايا التربوية والوصول إلى الناس، ويبدأ عملية اعلامية على مستوى الوطن. وليست مهمة مدير الإعلام التربوي ان يقوم بنفسه وبمفرده في العمل، فلديه آلاف الخبرات والعقول التي يستطيع العمل من خلالها.
ثانياً: في مجال الرؤى والتطلعات
ليس سراً، ان اهتمام وزارة التربية والتعليم بالبحث العلمي اهتمام شكلي. وليس سراً غياب الرؤى، فلو سألنا مدير التدريب أو الإشراف أو المناهج سؤالاً: ماذا تريد؟ كيف ترى عملك بعد عشر سنوات؟ ما علاقة عملك بخطط التنمية في الأردن؟ ما دورك في تحقيق اهداف التربية؟ هل سنحصل على إجابات؟
المطلوب في هذا المجال، قد يكون:
- تحديد رؤى كل جهاز في وزارة التربية، واستثمار الرؤى وتوظيفها في العمل، حتى يشعر كل عامل انه جزء من قضايا الوطن، وليس مديراً في جهاز مغلق.
- وضع خطط لربط عمل كل جهاز في وزارة التربية بالقضايا الوطنية العامة:
- المواطنة والديمقراطية. - حقوق الإنسان، وخاصة الطفل. -  مكانة المرأة.
- العدالة والكرامة، والوطن. - المستقبل المطلوب.
 ماذا لو اعتمد كل عامل في الوزارة هذه المعايير في كل نشاط مثل، الواجب المدرسي، النشاط المدرسي، الامتحان التدريب، الإدارة، الإشراف.. المناهج؟؟
ثالثاً: في مجال مفهوم المدرسة - المختبر -.
ركزت الورقة الملكية على أن تكون المدرسة مختبرات  للتجارب والتعلم، فكيف نحقق هذا المفهوم؟
- تغيير ثقافة المدرسة من معلمة إلى متعلمة. - تغيير اساس العمل من تعلم فردي إلى مجتمع تعلم متبادل. - تقديم الحقائق بصورة موضوعية وطلب نقدها وتمحيصها وإبداء الرأي فيها: قبولاً، شكاً، رفضاً.. إلخ. -  تغيير ادوار المعلمين وادوار المكتب المدرسية.. وأدوار الامتحانات إلى ادوار صديقة للطالب وليست مهددة له.
ان مدرسة المختبر، ليست مدرسة الحقائق الجاهزة!! ففي المختبر يتم البحث عن الحقائق، ويتم تجريبها. ويتم التأمل فيها. ماذا لو شكلنا في كل مدرسة مجتمعات تعلم؟ مثل: - مجتمعات تعلم لمواد دراسية في كل صف. - مجتمعات تعلم مهارات حياتية في كل صف. - مجتمعات الشراكة الاجتماعية في كل صف.
إن ثقافة مجتمعات التعلم تهتم بالثقة بالطالب، وتنمية مهاراته في العمل مع الآخرين. وإنتاج المعرفة الجديدة.. وقد يكون مجتمع التعلم عنواناً لمقالة قادمة.
اذن في المدرسة - المختبر - نجد نشاطاً طلابياً متشعب الاتجاهات ونجد معارض معرفية لما ينتجه الطلاب.
المطلوب إذن، الانتقال إلى مجتمعات التعلم المدرسية وهذا يتطلب إصدار نشرة إعلامية عن الموضوع. مع التدريبات المرافقة.
رابعاً: في مجال التدريب والنمو المهني.
يحتاج المعلمون والتربويون إلى بناء وتدريب فهم لا يتدربون!! على مسؤوليتي: قلت أمس، المكلفون بتطوير المناهج لم يتدربوا منذ عشرين عاماً!! وكذلك ربما المشرفون والمدربون!! اما المعلمون فقد غمر بعضهم تدريباً شكلياً واستعراضيا!
يتدرب لاعبو كرة القدم أكثر مما يلعبون، ويتدربون في الملعب، ويتدرب العازفون أكثر مما يعزفون. ويتدربون في المسرح، فالمطلوب إذن تكثيف التدريب ونقله إلى ميدان عمل المعلم.
والتدريب المطلوب يجب أن يتركز على: - استراتيجيات التعلم النشط. - استراتيجيات التعلم في مجتمع التعلم. - استراتيجيات تعليم التفكير والإبداع.
وهذا ليس سحراً وطلاسم. فقد قدمت جريدة الغد نماذج عديدة على طبق - ولو من نحاس!!!

خامساً: الخطوات ما قبل التنفيذ.
إن وزارة التربية وأدواتها الاجتماعية - مدارس خاصة - أجهزة اعلامية. جمعيات. مطالبة بتهيئة المسرح اولاً وقبل كل شيء.
ويقصد بذلك:
- فتح المجال امام الجميع - دون تردد أو حذر - وتشجيعهم عى المشاركة، وتقديم المقترحات.
- طلب مساهمة الجميع ولو بصورة عشوائية - إذ ما زلنا نحذر تنظيم المهتمين في فرق عمل - فالنقاشات التربوية السابقة - وهذا تكرار مهم - لم يشارك فيها أساتذة الجامعات.
- تشكيل لجنة وطنية - مفتوحة لمن يرغب - بوضع استراتيجية تنفيذ الورقة الملكية وخطاب جلالة الملك، تجتمع في الوزارة وتقدم دراساتها وتوصياتها. فمجلس التربية بكل أسف لم ينجح في تقديم مهم، ربما لأنه كان مختطفاً. لكن السؤال كيف ينجح شخص ما في اختطاف مجلس لو كان مهتماً؟؟
إن تغيير المجلس مهمة ضرورية وعاجلة: فما زال هو المسؤول الشرعي والوحيد عن إقرار الكتب!
- نشر ثقافة المشاركة والاحترام والتقدير لكل أصحاب الآراء والمجتهدين فالتربية للجميع.
- الاستمرار في الجو المريح الذي أوجده الوزير الجديد في العمل الجاد والانجاز الهادئ المدروس. فقد حاز الوزير على تقدير عدد كبير من الرأي العام.
- تفعيل أجهزة الوزارة كلها. والطلب من كل جهاز وضع تصوراته لتنفيذ الورقة الملكية، وبالمناسبة بين الورقة الملكية وتطلعات المجتمع تناسق شبه كامل.
كل جهاز مطالب بتجديد الخطوات التي سيتخذها في هذا المجال والجهات التي سيتعاون معها. داخل الوزارة وخارجها. وأقصد بخارجها.
- المدارس الخاصة.
- الجمعيات التربوية مثل، جمعية تطوير التعليم، وجمعية النهضة - أرض، وجمعية تقدم.
- الخبراء والمهتمون في المجتمع والجامعات.
- وأخيراً، بدء عملية إعلامية، ربما تتطلب اجتماع الوزير أو بعض اعضاء مجلس التربية أو قيادات الوزارة بالأدوات الإعلامية المتوافرة. وتقديم الخطة الاعلامية والتنفيذية للوزارة.
- جمع كل ما يكتب في الاعلام عن الموضوع وتحليله. والافادة من بعض جوانبه إن كان مناسباً.

سادسا- في أثناء التنفيذ
يمكن أن تنفذ العديد من الدورات وتكليف الجهات ذات العلاقة:
- المدارس الخاصة بإمكاناتها المادية وقدرتها على التحرك واستقطاب الخبراء - حتى من الخارج، وقد سبق وقدمت نماذج متميزة.
- الجمعيات التعليمية، التي تمتلك خبرات وخبراء تستطيع تنفيذ الكثير من جوانب الخطة.
- وبكل أسف: كليات التربية التي تمتلك شهادات لم تفعل بها شيئاً.. لعلها هذه المرة تفلح!!
ويمكن للوزارة أن تطلب من هذه الجهات خططها وإمكاناتها ومدى مساهمتها.
قد تواجه الوزارة صعوبات في العمل مع المجتمع، لأسباب تتعلق بتعالي الوزارة وعدم رؤيتها لدور الجمعيات والمدارس الاّ من خلال إصدار التنبيهات على طريقة استدعاء الدرك.
المطلوب إذن! أن تقدّم كل مؤسسة خططها وتحدد دورها في تنفيذ الورقة الملكية. والمطلوب أيضا تشجيع المدارس الخاصة على توسيع خططها لتشمل مدارس حكومية وفنيين حكوميين.

سابعاً - ما بعد التنفيذ.
ليس هناك مرحلة ما بعد التنفيذ، لأن التنفيذ مرحلة مستمرة ويرافقها التقويم المستمر. لا أحد يتطلب شكراً. ولا أوسمة. تشارك أو تشرف الوزارة على جميع عمليات التنفيذ. وتتلقى وتقدم تغذية راجعة عن مختطف الأنشطة.
ليس حلماً ما نكتب ولكن ثقة بالمجتمع. هناك فرصة للنجاح. وفرصة للأمل. فما فعله الوزير حتى الآن يزيد ثقتنا بمزيد من الفعل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبدالله الثاني
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: اردننا الغالي :: العاائلة المالكه-
انتقل الى: