منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

  د. لانا مامكغ مقالات

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 12 مارس 2017, 4:53 am

أعشاب !





يشتعلُ الحنين إلى وسط عمّان بين الحين والآخر، فأخطّط للمشوار مع بعض الصّديقات، لنتجوّل بحثاً عن دفءٍ خاص لا نجده في أماكن أخرى... كنّا هناك مؤخرّاً نقف متأمّلاتٍ عند أحد محلات العطارة والأعشاب، وكان ثمّة خلطات كتب عليها أنّها شافية للنّقرص وأخرى للبُهاق، وحفنات منها لأمراض الكلى، وفي مقدّمتها ما يشير إلى أنها الحلّ الأمثل للبدانة... اقترب صاحب المحل بفضول لأسأله من باب الدّعابة عن عشبة للصّداع، فأشار إلى كومة في إحدى الزّوايا... هنا، بادرت صديقتي لسؤاله عن أخرى تشفي من الاكتئاب، وقبل أن يجيب سألته الأخرى عن عشبة تنفع للخلافات الزّوجية... فقال الرّجل فوراً: « طبعاً، أعطيني يومين وسأجّهز المطلوب، ولن تكوني إلا راضية ! «

ولستُ أذكر بالخير تجربتي ذات زمنٍ في صناعة نوعٍ من الحلوى، إذ قلّبتُ حبّة من جوز الطّيب وطحنتها فوجدت الكمية النّاتجة صغيرة، هنا، قرّرتُ إضافة حبّاتٍ أخرى إلى المكوّنات سعياً لنكهةٍ ألذ... ثم لأفاجأ أنّ كلّ من كان يتناول الحلوى لاحقاً؛ كان يُصاب بالخمول الشّديد والنّعاس وبأعراضٍ مزعجة دون أن تسعفَني خبرتي المتواضعة آنذاك أنّ سببَها جرعة زائدة ممّا أضفتُ أنا ببلاهةٍ شديدة !

ورغم التّطوّر المفترض في وعينا؛ ما زال بعضنا يتداول وصفاتٍ لأنواعٍ معينة من الأعشاب والمطيّبات والتّوابل تحت ذرائع أنها تشفي من الأمراض التي عرفتها البشرية منذ نشأة الكون... فثمّة معلومات مثيرة عن فوائد عجيبة للكركم والمليسة والحندقوق والقرفة والزّنجبيل... ذاك الذي شئتُ التّحري عنه لأجد أن غراماتٍ معدودةً منه يومياً هي التي تفيد، وإلا فالعاقبة وخيمة !

أذكر بالتّقدير والعرفان أ. د. أحمد الكوفحي الأكاديمي الدّولي المتخصّص في علم الأعشاب، الذي كنتُ أشرف باستضافته في أحد البرامج الصّباحية في التلفزيون الأردني، وخطاباته التّحذيرية العديدة حول خطورة التدّاوي بالأعشاب إن لم تُخضع لفحوصات وتجارب مخبرية وسريرية دقيقة، وإذا أثبتت فائدتها فيجدر تناولها بكمياتٍ محدودة موزونة بالغرامات مثل الأدوية المصنّعة تماماً، ومقولة إن لم تنفع لا تضرّ هي بعيدة عن المنهج العلمي الذي يُفترض أن يحكم سلوكياتنا الغذائية والاستشفائية في عصر المعلوماتية هذا !

ولعلّنا نتّفق على أنّ صاحب الحاجة أرعن، وغلاء الأدوية قد يدفعنا لأقصر الطّرق بحثاً عن الشّفاء، لكنّ الأمرَ لا يخلو من مخاطراتٍ ومغامراتٍ غير محسوبة قد تؤخّر الشّفاء إن لم تُفاقم من حالة المريض لا سمح الله.

والقول إنّ أجدادنا تعاملوا معها واستفادوا، صحيحٌ نسبياً في الأنواع الشّعبية المعروفة المحدودة منها، لكنّهم تعلّموا بالتّجريب الصّعب طويل المدى، ولسنا نعرف شيئاً عن الأثمان الباهظة التي دفعوها من صحّة بعضهم حتى نقلّدهم فنسيرَ على خطاهم دون تفكير.

وبعد، فقد يكون الحلّ عند المؤسسة العامّة للغذاء والدّواء بالتّعاون مع المراكز البحثية المرموقة في بلدنا لتوعية المستهلك بما سبق ذكره، أو أن يتأكّد هواة التّرويج للتّداوي بالأعشاب من الكميّات الآمنة للتناول قبل هذا الصّخب والوعود البرّاقة بالشّفاء، حتى لتسأل نفسك أحياناً: ما الجدوى إذن من كلّيات الطّب والصّيدلة ؟ حتى بتنا نخشى من أن يخرجَ علينا من يُطالب بإغلاقها !


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الأحد 19 مارس 2017, 5:52 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 12 مارس 2017, 5:31 am

بين القبح والجمال..

المهم أن يتحقّق الهدف، سواءً أكان حقيقياً أصيلاً، أو مصنوعاً مزيّفاً... وماكيناته تعمل بدأبٍ ليل نهار، وتدرّ أرباحاً فلكية على أصحابها، وتبثّ الفضائيات يومياً آلافاً من الإرشادات والنصائح والوصايا التي تصبّ باتجاه الغاية... جمال المرأة !

لكن متى تستعصي المرأة على ما سبق كله وتبدو مغرقة في القبح ؟

خطر على بالي هذا السّؤال قبل أيام فيما كنتُ أقود ببطء في شارعٍ مزدحم وقت الذّروة، لألمحها صدفة خلفي تلّوح بيدها لي أن أفسح لها الطريق، ولمّا كان الأمر مستحيلاً، لم أتحرّك، لأراها قد بدأت تلّوح بيديها الاثنتين، فيما بدا أنها كانت تتكلّم بغضب وهي تنظر نحوي مباشرة، وقرّرت ألا أتحرّك حتى لو كان ثمّة مجال لذلك... ثم شعرتُ في لحظة مجنونة بالرّغبة في النزول والتوّجه نحوها للقيام بالّلازم... أما ما هو ذلك الّلازم، فلا أعرف حتى اللحظة ! ما أدركته حينها هو أني كنتُ على وشك تقمّص شخصية رجل ومعايشة السيناريو الرّديء الذي يحدث بين السّائقين في مثل هذه الحالات، لكنّي سرعان ما طردتُ الخاطر الأبله وسيطرت على أعصابي حتى خفّ الاحتقان المروري ومضت في سبيلها !

والموقف ذاك أعاد إلى ذاكرتي ما رأيته ذات مرّة، امرأة أخرى في سيارة باذخة بدا أن أحدهم لم يعطها أولوية المرور، فما كان منها سوى أن وجّهت له إشارة سوقية مبتذلة بيدها... لأدرك يومها السّبب الذي لأجله بدأنا، نحن النّساء، نفقدُ امتيازاتنا الرّقيقة على الطرق خلال القيادة، تلك التي كانت تعزّز إحساسنا بالتّميّز والأنوثة، وتؤشّر في الوقت نفسه إلى أخلاق الفرسان لدى الرّجال !

وبعيداً عن موضوع قيادة المركبات وعلاقتها بالفنّ والذّوق والأخلاق، أقول: لو خرجت كل امرأة من بيتها في الصّباح وقد قرّرت أن تكون « سيّدة » أولاً في سلوكها، قبل بديهيّات التحرّر والمساواة والاستقلالية، لاكتسبت احترام الجميع؛ من يعرفها ومن هي بالنسبة له مجرّد امرأة تقود مركبة... ولو خرج كل رجلٍ وهو يذكّر نفسه بمقتضيات الرّجولة والنّخوة والشّهامة؛ لبثّ الطاقة الجميلة الإيجابية حوله على الطرّيق وأينما وجد.

وقد يقول قائل، ما أسهل التّنظير ! لكن ما ينبغي أن نسلّم به هو أن التوتّر معدٍ، والغضب كذلك، والبشر الموجودون حولنا على الطّرق لا علاقة لهم بمشاكلنا وأزماتنا الخاصّة، هم بريئون منا، فلا داعٍ لمعاقبتهم على ذنوبٍ لم يقترفوها في حقّنا.

وثمّة دائرة لئيمة من « الّلاذوق والّلاأخلاق » تترّبص كلاً منّا يومياً كالثقب الأسود... إما أن ننزلق لها طوعاً وبمنتهى الرّعونة، فنندم لا محالة، أو نكظمُ الغيظ ونمضي، وفي داخلنا ومضة مريحة من الإحساس بالزّهو !

وفي عودةٍ إلى ما استهللتُ به هذه المقالة؛ موضوع صناعة الجمال، أوّجه السّؤال لنا نحن النّساء: ما الجدوى من هدرِ الوقت والمال والجهد لاكتساب ملامح أجمل أو أكثر شباباً أو جاذبية إذا كنّا سنضيّع ذلك كلّه في موقف قبيحٍ واحد ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 12 مارس 2017, 5:32 am

خواطر

• لعلّ أحد أشكال الأنانية يكمن حين نحاول احتكار العطاء ... ونستمتع برؤية الآخر يدمنُ الأخذ !

*******

• أشعر أحياناً أنّ الناجحين في حياتهم، إما أنهم حظوا باهتمامٍ بالغ ناضج في طفولتهم، أو تعرّضوا لإساءة أو إهمال متعمّديْن، أو ينجحون حين يكبرون لأن لا أحد شعر بوجودهم أصلاً !

*********

• ما أجمل التغابي أحياناً ... خاصّة حين تدرك أنه الحصانة الفضلى من إساءات المغرضين، أساءاتٍ لا تستدعي إشغال رأسك بها، إذ قد تندمُ أحياناً على لحظاتٍ كنّت فيها أذكى مما ينبغي !

******

• ليس المهم أن تسبح ضدّ التّيار ... الأهم أن تُبقي نظرك مفتوحاً، وعقلك مركّزاً على الهدف الذي تنوي الوصول إليه !

*****

• أولئك الذين نبكي على أكتافهم أحياناً ... هلا سألنا أنفسنا مرّة على كتف من يحلو لهم هم أن يذرفوا بعض الدّموع حين يضيقون بنا ؟

******

• رغم كل ما نردّده عن تنمية مهارات القيادة عند الأفراد، نتناسى أن تكوين بعضنا خُلق ليعمل وينجز في الصّفوف الخلفية، وهذا مشرّف وضروري وفعّال، المأساة هي المعارك الصّاخبة الضّارية التي يشنّها هؤلاء أحياناً لاحتلال الصّفوف الأولى !

*****

• أولئك الذين رفعوا شعار أن لا أحد في هذه الدّنيا يستحق وضع ثقتهم به؛ لماذا يغضبون لما نحترم قاعدتهم فنقرّر عدم الثقة بهم هم أنفسهم!

*****

• في خصامٍ بين اثنين؛ إيّاك أن تنحاز لأحدهم دون الإلمام بالتّفاصيل كلّها، لأن علمك بها قد ينتهي بأن تشفق على الطّرفين، أو تنقم عليهما معاً !

****

• وأعجبتني هذه العبارة التي وردت في رواية « بيت النّملة « للرّوائية الفلسطينية « أماني الجنيدي» :

« فرقٌ بين أن تحبّ الجمال الذي تحمله المرأة ... وبين أن تحبّ المرأة التي تحملُ هذا الجمال ! «
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 12 مارس 2017, 5:33 am

إشراقات

زها منكو: سيّدة قرّرت كسر المألوف والخروج عن المتوقّع والعادي في عمل الخير، فقدّمت تبرّعاً بمبلغ 450 ألفاً لصالح الأطفال قبل ما يقارب العقدين من الزّمان... ثم لتتبعها بمبلغ مماثل لاحقاً، حتى وصل عطاؤها إلى المليون دينارتقريباً لصالحهم مرّة أخرى...

سيّدتي، كيف انتصرتِ على غريزة التملّك وحبّ المال؟ كان بإمكانكِ الاستثمارفي ذلك المبلغ حتى تتضاعف أصفاره لاحقاً، هذا هو العادي الذي يفعله الآخرون، كان باستطاعتكِ تخليد اسمكِ بمليون طريقة أخرى أقلّ تكلفة بكثير... اسألي عشّاق الظّهور والادّعاء والاستعراض !

أيّتها الزّاهية، أيّ جزاءٍ جميل يصلكِ مع ضحكة كلّ طفلٍ وطفلة منذ ذلك الزّمان حتى يومنا هذا؟ أيّ ثوابٍ يُكتب لكِ مع فرحة كلٍ منهما لمّا تتفتّح قرائحه على موهبةٍ علمية أو مهارة إبداعية كانت كامنة وتوهجّت، بفضلكِ، في ذلك المكان ؟

عطاؤك، أيّتها الاستثنائية، ينبوعُ خيرٍ ارتوى منه عديدون وما زالوا، وستأتي أجيالٌ أخرى لترتوي منه، فالخيرُالذي قدّمتيه سيبقى متدفّقاً عصّياً على النّضوب... مبادرتكِ هي شلال عطر ملأ أجواءنا بعبقٍ امتدّ إلى مدنٍ أخرى ليتحوّل « مركز زها الثّقافي « إلى مشروعٍ وطني ينهلُ منه أطفالنا أينما كانوا، ولتنهل روحكِ الطيّبة النّبيلة بآلاف رسائل الامتنان والعرفان مع ميلاد كلّ يوم جديد... أطال الله في عمركِ سيّدتي الرّائعة. ومحبّتنا إلى روح زوجكِ الكريم الذي تحتاج بصماته المشرّفة إلى وقفة أخرى تليق بنبله وعطائه وذكراه التي لن تُمحى ما دام في الوطن قلوبٌ تنبض !

د. إيهاب مشعل

مكعّباتٌ صغيرة زاهية ملوّنة مصفوفة في علبٍ أنيقة، ومصنّفة حسب الأعمار المختلفة، الّلعب بها، وإعادة تصفيفها تبعاً لرسومات معيّنة يحفّز الجزء الأيمن من الدّماغ على العمل؛ ذلك الجزء المهمل غالباً، والمسؤول عن الخيال والإبداع... مشروعٌ متفرّد حصل بموجبه على براءة اختراع.

سألته عن البلد التي تّصنّع فيه أدوات الّلعبة، لأفاجأ أنها محليّة الصّنع وعلى يد نساءٍ من أسرٍ مستورة تستفيد من عوائد بيعها للنّاس... ثم لأعرف لاحقاً أن د. مشعل قد تلقّى عرضاً مغرياً من دّولة عربية لتبنّي المشروع بالوسائل القانونية، ليعتذر منهم كون الفئة المستهدفة لمشروعه أطفال الأردن... ثم ليتساءل بحرقة: « وكيف أقطع بأرزاق العائلات والنّساء المستفيدات منه؟ «

د. إيهاب مشعل طبيبٌ متخصّصٌ في طبّ الشّيخوخة، وله إسهاماته في تحفيز ذاكرة المسنّين كذلك عبر دوراتٍ ومهاراتٍ معيّنة، تعيدُ للعقول المتعبة ألقها...

د. مشعل، يحاول بنبلٍ التّصدّى لعتمة الدّماغ الإنساني؛ ليشعل النّور فيها حتى يسسهم في أن يقود الصّغار والكبار معاً نحو الشّمس !

إذاعة ذهب :

إذاعةٌ جديدة فتية باتت تطلّ علينا مؤخرّاً حاملةً خطاباً مختلفاً، إذ تبثّ أغنياتٍ أصيلة ممّا اصطلح على تسميته بفنّ الزّمن الجميل، وهي التفاتة متميّزة، لاشك، تُقارب تلك في إذاعة الجامعة الأردنيّة، لكن الأجمل منها هي تلك القراءات لنصوصٍ أدبية التي تشكّل فواصل جاذبة آسرة بين الأغنية والأخرى، إذ استمعتُ إلى بعضها مؤخّراً بصوت الإعلامي الجميل « طارق حامد «.

ولعلّها فرصة ذهبية بالفعل، فيما لو تمّ انتقاء بعضِ المقاطع من النّصوص الأدبية المشرقة لكتّابٍ محليّين أو عرب مع توثيق الأسماء وعناوين الكتب أو الرّوايات، عسى أن تفتح شهية المتلقّي الأردني على اقتناء العمل نفسه لقراءته، في الوقت الذي تشكّل فيه أداة ترويج لائقة وذكيّة لأعمالٍ راقية عديدة لم يتسنّ للقارئ الاطّلاع عليها.

تحية من القلب للقائمين عليها، إذ قرّروا التّحليق الباهر خارج المألوف والعادي والمتوقّع !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 12 مارس 2017, 5:35 am

الحصاد !

عند بوابة أحد المخيّمات في دولةٍ أجنبية، حيث بدأت العائلات بالتجمّع استعداداً لرحلة برية، كان ثمّة كلبٌ ضخم مستلقي بكسل، فانشغل الأطفال به، هذا يربّتُ عليه، وتلك تقدّم له الطّعام، وطفلٌ ثالث يداعبه بمرح، إلى أن انطلقوا إلى وجهتهم، فعاد الكلب إلى قيلولته... وهكذا إلى أن وصلت عائلة عربية، لأفاجأ بأطفالها، وفي اللحظة التي لمحوا فيها المخلوق، يتناولون حجارةً ويبدأون بإلقائها تجاهه... خطر لي تنبيه الأم، فبدت منهمكة في تصفّح هاتفها... في الوقت الذي بدا فيه الزّوج سارحاً في سّائحةٍ ذات ملابسَ مختصرة !

وأذكر أني كنتُ في طريقي ذات يوم لمقابلة عمل، حين لفتني صبيّ على حمار... وبدا الأمر عادياً لولا أنه كان ممعناً في ضرب المخلوق بعصاً في يده، ومع ضيق الوقت، وجدتني أمام خيارين، إما التّجاهل والمضيّ إلى الموعد، أو... ودون تفكير توقّفت لأسأل الشّقي الصّغير: « لماذا تضربُه ؟ « ولم يجب ! وأضفت: « هل تعلم أنّه يتألم مثلنا تماماً ؟ « ولم يعلّق !

ووقعت في حيْرة من أمري، فقلت مرّة أخرى: « هل تعلم أنّ الله غاضبٌ منك الآن؟ « فرمشَ مرّتين، وفتح فمه مندهشاً... هنا، قرّرتُ إنهاء الحوار الأحادي بأن توسّلت إليه ألا يكرّر فعلته، ومضيت !

وحدث أن شاهدتُ مادّة فلمية صوّرها أحد المهتمّين موثّقاً للعنف الذي تتعرّض له الخراف خلال موسم الأضاحي، إذ تُحشر في المركبات لتُلقى منها بقسوة، ومنها ما يُذبح أمام أخرى بما يُخالف أدبيات الذّبح الإسلامي... والمفارقة، أن هذا يُمارس في العيد الكبير للمسلمين... ولقد ثبت علمياً أن الماشية حين تخاف؛ تُفرز أجسادُها مادّة سامة تختلط مع لحمها الذي نتناوله لاحقاً !

كما عرض مشاهدَ أخرى لصبية وأطفال يتّسلون بتعذيب صغار الحمير والقطط في بعض الأحياء، ليؤكّد أنّ تلك المخلوقات تملك أجهزة عصبيّة حسّاسة مثلنا تماماً، بمعنى أنها تتألم وتستغيث... ونقرّر نحن ألا نسمعها....

المُراد ممّا سبق هو الإشارة إلى أنّ تغاضينا عن إساءات الصّغار العابرة لتلك الحيوانات؛ يحوّلهم إلى ( متنمّرين ) في المدارس فيما بعد، وإلى نجوم للعنف في البيئات الجامعية لاحقاً، ثم إلى (معنّفين ) داخل أسرهم المستقبلية ، أو إلى أعضاء فاعلين في كلّ تنظيم أسود يحتفي بالعنف ويباركه !

إنه الحصاد الذي سنجنيه في زمنٍ قادم إذا ما استهنّا بتلك المقدّمات بحجّة أنها قضية هامشية وشكلية، أو أنها ترفيّة لا وقت لنا للتوّقف عندها، متناسين أنه في الوقت الذي يكمن فيه الشّيطان في التّفاصيل، كما يُقال، فإن الخيرَ بدوره يكمُن فيها كذلك...

إنّ احترامَ الرّوح؛ روحِ الإنسان والحيوان والنّبات، هو أصلُ الرّحمة التي نصرّ دائماً على أنها أساسُ الدّين ومنبعُ قيمنا التي نتغنّى بها، من ناحية أخرى، فالقيم الإنسانية مثل الرّحمة والأمانة وغيرها لا تعرف التجزئة، وليست قابلة للتّقسيم والانتقاء... بمعنى أن من يسمح له ضميرُه تعذيبَ طيرٍ صغير هو نفسه الذي يعتقد أنّ إيذاء الأطفال والضّعفاء أمرٌ مشروع... والآخر الذي يستسهلُ سرقة بعض أدوات القرطاسيّة من مكان عمله؛ هو نفسُه مشروعُ الفاسد الجاهز للانقضاض على المال العام إن تسنّى له ذلك !

أخيراً، ففي الأدراج نظامٌ مشرّع للرّفق بالحيوان أقرّ قبل سنوات يُعطي لوزير الزّراعة، تحديداً، صلاحية تشكيل لجنة مختصّة ومفتّش يفوّضه الوزير بصفة الضّابطة العدلية ليتولّى متابعة الظواهر السّابق ذكرها، ولم يبق سوى مبادرةٍ ملموسة لتفعيل النّظام وتعليماته، علّنا نرحمُ من في الأرض... فيرحمنا من في السّماء !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 12 مارس 2017, 5:36 am

تزييف !

وسط ضحكاتهن، عادت بوجهٍ مغسولٍ تماماً وجلست لتطلق تنهيدة ارتياح.. كانت تلك المحاولة الثالثة منهنّ لإقناعها باستخدام مساحيق التّجميل، خاصّة أنّها في سنتها الجامعية الأولى، وعليها، كما أجمعت الصّديقات، أن تدخل عالم الشّابات، وتهتم بشكلها... لتسألهنّ ببراءة كلّ مرّة: « لماذا ؟ « فتعلو الضّحكات السّاخرة من جديد !

كنّ يذكّرنها أحياناً أخرى بأهمّية الأناقة، وبضرورة تغييرالنّمط الذي تعتمده في انتقاء ثيابها، فتصمتُ مُرغمة لإيمانها أن الأناقة هي في البساطة والنّظافة الشّخصية، كما أنّها نمطُ حياة، وليست ثياباً فقط، إنّها أناقة الحديث والمشية والحركة والتّعامل والسّلوك العام... لكن لم تكن لتجرؤ على البوح بما تعتقدُ أمام خبيرات الماكياج والجمال والجاذبية !

لتعود وتسأل بالبراءة ذاتها: « لماذا يجب أن تبدو مثل شجرة عيد الميلاد ؟ « لماذا يجب أن تبذلَ هذا الجهد كلّه في بداية كلّ نهار؟ ما الجدوى من الألوان البرّاقة والحلي والدّناديش؟ والرّموش الصّناعية أحياناً، والأظافرالمطلية المدبّبة غالباً ؟ إذا كان الهدف لفت أنظار الشّباب؛ فهو إنجازٌ لا يستحق ذلك الجهدَ المُضني برمّته... أمّا الكعب العالي؛ فقد كانت تعدُّه أسوأَ اختراعٍ عرفه عالم النّساء؛ فقد كانت واثقة أنّ من صمّمه كان حاقداً على المرأة عموماً، ولم يكن ينوي ممّا فعل سوى الحدّ من حركتها، وإيلام عمودها الفقري، وإشعارها بالنّقص حين زرع في خلفية وعيها أنها يجب أن تبدو أطول حتى تحظى ببعض القبول والإعجاب العابر من الرّجل السّعيد الهانىء بهيئته، كما هي، دون الإضافات المربكة المزعجة إيّاها !

ومضت سنوات الدّراسة دون أن تلفتَ نظرَ أيّ من الشّباب، ودون أن ترى في ذلك إنجازاً يسعدها... وهكذا إلى أن تخرّجت، وبدأت بالبحث عن عمل... ولم تنجح في المقابلات الشّخصية التي تقدّمت لها، فكانت تمضي في سبيلها دون أسف، إلى أن تقدّمت لمسابقة كتابية لإحدى المؤسّسات الخاصّة، ونجحت، فعُيّنت... ثمّ لتجد نفسَها تقبع في أحد المكاتب الخلفية البعيدة عن الزّبائن والمراجعين... وشعرت بغُصّة، إذ كانت تجد أن بمقدورها التّواصل مع الآخرين، وأنّ باستطاعتها جذبَ العملاء بالتّعامل الودّي الرّاقي معهم، لكن تلك المواقع كانت قد خُصّصت لفتياتٍ من النّوع الذي كانت تعرفه أيام الجامعة!

باتت تدركُ هذه الأيام أنّ الوقتَ قد حان ليخفقَ قلبُها بدعوة حبّ... أو حتى بنظرة إعجاب، لكن بدأت تدركُ بالمقابل أن لا أحد يراها... وأن ثمّة ما يُشبه القرار الذّكوري الجماعي بتجاهلها منذ زمن « لعلّهم محقّون « تقول لنفسها أحياناً، فهي مخلوقة منطفئة أمام وهج الأخريات... لكن تعود لتسأل: « لماذا لم يحدث أن اقتربَ أحدُهم ليتعرّفَ على ملامح شخصيتي ؟ لماذا ينجذبون ويحتفلون بالزّيف والافتعال والادّعاء ؟ ألا وجود لمن يحترم البساطة والصّدق ومصالحة المرأة مع ذاتها ؟ ألا وجود لمن يقرّر أن يقبلنَي كما أنا ويحبَّني كما أنا ؟ « وتعود لتخنقها الغُصّة ذاتُها مرّة أخرى !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 12 مارس 2017, 5:42 am

ذاتَ ليلة !

ظلّ يبحث عن جهاز التّحكم وسط الألعاب التي كانت متناثرةً في غرفة المعيشة، حتى وجده أخيراً تحت إحدى الكنبات، جلس بعد يوم عملٍ طويل ليشاهد الأخبار، لكنّه لم يستطع الإنصات حين شاءت الصّغيرة الجلوسَ في حِجره لتوجّه له سؤالآً عن الدّيناصورات... ثمّ ليرتفع صوتُها باكية حين اقتربَ أخوها فجأةً ليختطف الكرة الملوّنة من يدها ويجري بعيداً !

صاح يناديه، فارتفعت ضحكة الشّقي وعلا بكاء الصّغيرة بالمقابل، كتمَ غضبَه واتّجه لفتح النّافذة لمّا أحسّ بالضّيق من رائحة الطّعام المنبعثة من المطبخ؛ تلك المختلطة مع رائحة أخرى لمسحوق تنظيف، فدخلت زوجته لتحذّره من اندفاع الهواء البارد على الأطفال... ثم لتقولَ أشياء عن الخضار التي أحضرها، وعن تأخّرها في العودةِ من عملها وعن... فقرّر ألّا يسمعها، ثمّ ليعود فيخرج من البيت دون أن ينبسَ بحرف !

سار طويلاً حتى أحسّ بالتّعب، فدخل أحد المقاهي ليجلسَ في الزّاوية ساهماً، ولم يعلم كم مرّ من الوقت حين التفتَ حوله فلمح مجموعةً من الشّابات يجلسن إلى طاولةٍ قريبة، نظرَ إليهنّ دون اهتمام حتى لفتته نظرةُ إحداهن... كانت تتطلّع نحوه بفضول، تجاهلَ الأمر وعاد ليسرحَ من جديد، لكنّه بقي يشعرُ بعينين تخترقان وحدَته... نظرَ مرّة أخرى، فلمح ابتسامة... ولم يدرِ ماذا يفعل، فتصنّع الشّرودَ للحظات، ثمّ عاد ونظر نحوها؛ ليرى أنّ الابتسامة قد اتّسعت !

ارتبك، ودون تفكير وجدَ نفسه يتفقّد وضعَ ياقته، ويتحسّسُ شعرَه... ما الذي استوقفها ؟ لم يعرف، هي جميلة جذّابة لاشك، وتبدو أنّها تدرك ذلك جيداً، هل توجّه له دعوةً لتجربة عاطفية معه ؟ ونفضَ رأسَه كأنّما يطرد الفكرة، ثمّ ليعود ويسرح: ماذا لو شجّعها ؟ إلامَ سيقودُه ذلك ؟ ماذا لو تواصل معها وتطوّرت الأمور ليجدَ نفسَه واقعاً في حبّها ؟ ثمّ لتسيرَ الحكاية نحو الارتباط... نحو حياةٍ جديدة، وبدأ السّيناريوالقادم بالتّشكّل في رأسه؛ كيف سيبلّغ زوجته ؟ من المؤكّد، حسب ما يعرفه عن شخصيّتها، أنّها ستنسحبُ من حياته فوراً انتصاراً لكرامتها... لكنّ شهامتَه تقتضي إكرامَها هي والأولاد، سيبحث عن عملٍ إضافي، وبإمكانه بيع قطعة الأرض البعيدة التي ورثها عن والده وكان يدّخرها لتعليم الأبناء، إذن، سيرتبط ليعودَ آخر النّهار إلى بيتٍ أنيقٍ هادىءٍ... سيتدفّق الدّمُ في أوصاله الباردة من جديد... سيهيمُ في عطر أنوثتها ليعود قلبُه السّاكن فيخفقَ بإيقاع لذيذ... ستكون قربَه في مثلِ هذه الليلة الباردة لتعيدَ الدّفءَ إلى روحه الكابية !

وقطعَ تداعياتِه ليعودَ وينظرَ نحوها من جديد، ما زالت هناك... عينان بلون الليل تحدّقان به باهتمامٍ وترقّب... فجأة، داهمه شعورٌ بالخوف... موجةٌ من عتمة داهمت كيانه كلّه لتتدفّق معها أسئلةٌ موجعة من مثل: مَن سيحكمُ الغطاء على أطفاله في الصّباحات الباردة ؟ مَن سيستردّ لصغيرته الكرة حين تحتاجها ؟ في حضن مَن سيلوذ الشّقي الصّغير لمّا يقترفُ حماقةً ما ويهرب إليه من أمّه الغاضبة ؟ لمن ستشكو هي من نوعية الخضار واسطوانة الغاز التي تفرغُ فجأة في أسوأ الأوقات ؟

انتفضَ واقفاً ليضعَ بعضَ النّقود على الطّاولة ثمناً لفنجان قهوة لم يذقها... وغادرمسرعاً نحو البيت حتى وصل فرِحاً ملهوفاً ليدخل المطبخ فيعرض على زوجته المساعدة... ثمّ ليشرعَ باللعب مع الصّغيرين حتى علت ضحكاتُ ثلاثتِهم لتتردّد في أرجاء المكانِ كلّه !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 19 مارس 2017, 5:52 am

قرارات..

أشرقَ وجهُها بامتنانٍ خاص حين وصلها خبرُ الموافقة على طلبها بالإحالة على التّقاعد... وهرعت إلى زملائها لتبشّرهم، ثم لتتلقّى منهم التّهاني المقتضبة؛ إذ لم يفهم أيّ منهم سببَ انشراحها، وسببَ سعيها للتّقاعد أصلاً !

في مساء ذلك اليوم، اتّصلت بأبنائها لتبلّغهم بالنّبأ السّعيد، ثمّ جلست في مقعدها المفضّل تفكّر في القادم من الأيام... واستسلمت للتّداعيات؛ سنواتٌ طويلة من العمل المضني المتواصل، إجهادٌ أخذ منها الكثير لتجدَ نفسها أخيراً على حافّة الشّيخوخة دون أن تحظى بالرّاحة التي تتمنّى، لكن ذلك انتهى الآن، فقد كبُر الأبناء وتزوّجوا وغادروا، وبإمكانها أخيراً استعادة ما سرقته الأيامُ منها... جالت بنظرها في أرجاء بيتها الصّغيرعازمةً النّية أن تضفي لمساتٍ جديدة عليه، ثمّ عاهدت نفسها على الالتزام ببرنامج يومي صارمٍ وممتع في آنٍ معاً؛ المشي اليومي في الصّباحات، التّواصل مع الصّديقات القديمات، احتساء الشّاي في المساءات تحت الدّالية العتيقة في الفناء... ذلك الذي ستتفرّغ للعناية به حتى تعيدَ له الاخضرار واللون والبهجة... ولم تجد ضرورة لتضييع الوقت في الطّهو إلا إذا شاءت دعوة الأبناء والأحفاد بين الحين والآخر، ستكتفي بوجباتٍ خفيفةٍ صحية، وستنامُ وتصحو وقتما تشاء، وستجدُ الوقتَ أخيراً لقراءة الكتب المصفوفة بصبرٍعلى الرّفوف، واضطربَ قلبها بالفرح وهي تقول لنفسها: « سأحيا ما تبقّى من عمري بسلامٍ وهدوء واستمتاع ! «

في مكانٍ آخر، قالت الابنةُ لزوجها: « أفكّر في وضع الصّغيرة عند أمّي بدلَ تسجيلها في الحضانة، فهي متفرّغة الآن بعد التّقاعد... ثمّ إنّنا نوفّر بذلك بعضَ التّكاليف، ما رأيك ؟ «

أجاب وهو يُلاعب الطّفلة: « فكرة ممتازة، سيُسعدها جداً الاعتناء بهذه الرّائعة ! «

في بيتٍ آخر، كان ابنها منهمكاً بتوبيخ طفليه على شقاوتهما حين بادرت زوجته بالقول: « كان الله في عوننا في العطلة الصّيفية القادمة... ما رأيك لو أقاما عند والدتك خلالها؟ لديها غرفة إضافية يمكن أن يناما فيها، وثمّة فناء ليلعبا فيه... « أجابَ بحماسة: « والله صحيح، وسيكون بإمكاننا السّفر وحدنا في الصّيف، بدل أن نرتبكَ بهما ! «

الابنة الثالثة كانت تخوض شجاراً مع زوجها في بيتٍ آخر سببُه خلافهما على ترتيب الأولويات في الإنفاق... فصاحت وصاحَ هو وتوجّها إلى فراشهما متخاصميْن، تقلّبت بقلق ثم سرحت تبحثُ عن حلٍ لأزمتهما المالية، فخطرَ لها أن تقترحَ على أخيها وأختها بيعَ بيت العائلة... فالوالدة تقاعدت الآن، ويمكن أن تقيمَ عندها، وليست بحاجة إلى بيتٍ بتلك المساحة، وبإمكان الجميع الاستفادة من حصّته فيّ ميراثِ الوالد الرّاحل، صرّحت بما خطر لها للزّوج الغاضب... فاستدارَ نحوها باهتمام ليبدي ترحيبَه بالفكرة، ويردف: «سترتاحين هكذا من شؤون المطبخ لنسستمتع بأكلات حماتي الشّهية على الأقل ! «

ثمّ ابتسمَ، وابتسمت، وتصالحا...

ونامت الأم... ونام الجميعُ في تلك الليلة وكلٌّ منهم سعيدٌ هانىء بما قرّر !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 09 أبريل 2017, 6:55 am

بين القبح والجمال..

المهم أن يتحقّق الهدف، سواءً أكان حقيقياً أصيلاً، أو مصنوعاً مزيّفاً... وماكيناته تعمل بدأبٍ ليل نهار، وتدرّ أرباحاً فلكية على أصحابها، وتبثّ الفضائيات يومياً آلافاً من الإرشادات والنصائح والوصايا التي تصبّ باتجاه الغاية... جمال المرأة !

لكن متى تستعصي المرأة على ما سبق كله وتبدو مغرقة في القبح ؟

خطر على بالي هذا السّؤال قبل أيام فيما كنتُ أقود ببطء في شارعٍ مزدحم وقت الذّروة، لألمحها صدفة خلفي تلّوح بيدها لي أن أفسح لها الطريق، ولمّا كان الأمر مستحيلاً، لم أتحرّك، لأراها قد بدأت تلّوح بيديها الاثنتين، فيما بدا أنها كانت تتكلّم بغضب وهي تنظر نحوي مباشرة، وقرّرت ألا أتحرّك حتى لو كان ثمّة مجال لذلك... ثم شعرتُ في لحظة مجنونة بالرّغبة في النزول والتوّجه نحوها للقيام بالّلازم... أما ما هو ذلك الّلازم، فلا أعرف حتى اللحظة ! ما أدركته حينها هو أني كنتُ على وشك تقمّص شخصية رجل ومعايشة السيناريو الرّديء الذي يحدث بين السّائقين في مثل هذه الحالات، لكنّي سرعان ما طردتُ الخاطر الأبله وسيطرت على أعصابي حتى خفّ الاحتقان المروري ومضت في سبيلها !

والموقف ذاك أعاد إلى ذاكرتي ما رأيته ذات مرّة، امرأة أخرى في سيارة باذخة بدا أن أحدهم لم يعطها أولوية المرور، فما كان منها سوى أن وجّهت له إشارة سوقية مبتذلة بيدها... لأدرك يومها السّبب الذي لأجله بدأنا، نحن النّساء، نفقدُ امتيازاتنا الرّقيقة على الطرق خلال القيادة، تلك التي كانت تعزّز إحساسنا بالتّميّز والأنوثة، وتؤشّر في الوقت نفسه إلى أخلاق الفرسان لدى الرّجال !

وبعيداً عن موضوع قيادة المركبات وعلاقتها بالفنّ والذّوق والأخلاق، أقول: لو خرجت كل امرأة من بيتها في الصّباح وقد قرّرت أن تكون « سيّدة » أولاً في سلوكها، قبل بديهيّات التحرّر والمساواة والاستقلالية، لاكتسبت احترام الجميع؛ من يعرفها ومن هي بالنسبة له مجرّد امرأة تقود مركبة... ولو خرج كل رجلٍ وهو يذكّر نفسه بمقتضيات الرّجولة والنّخوة والشّهامة؛ لبثّ الطاقة الجميلة الإيجابية حوله على الطرّيق وأينما وجد.

وقد يقول قائل، ما أسهل التّنظير ! لكن ما ينبغي أن نسلّم به هو أن التوتّر معدٍ، والغضب كذلك، والبشر الموجودون حولنا على الطّرق لا علاقة لهم بمشاكلنا وأزماتنا الخاصّة، هم بريئون منا، فلا داعٍ لمعاقبتهم على ذنوبٍ لم يقترفوها في حقّنا.

وثمّة دائرة لئيمة من « الّلاذوق والّلاأخلاق » تترّبص كلاً منّا يومياً كالثقب الأسود... إما أن ننزلق لها طوعاً وبمنتهى الرّعونة، فنندم لا محالة، أو نكظمُ الغيظ ونمضي، وفي داخلنا ومضة مريحة من الإحساس بالزّهو !

وفي عودةٍ إلى ما استهللتُ به هذه المقالة؛ موضوع صناعة الجمال، أوّجه السّؤال لنا نحن النّساء: ما الجدوى من هدرِ الوقت والمال والجهد لاكتساب ملامح أجمل أو أكثر شباباً أو جاذبية إذا كنّا سنضيّع ذلك كلّه في موقف قبيحٍ واحد ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 09 أبريل 2017, 7:00 am

بصمات !

خرج من الحمّام وهو يصيحُ بأعلى صوته: «القهوة... هاتوا قهوة بسرعة» ارتدى ملابسَه على عجل، تناول رشفة من الفنجان السّاخن، وخرج مهرولاً... صادفه أحد الجيران عند باب البناية، وفي اللحظة التي همّ فيها أن يحيّيه؛ بادره هو بالقول: «آسف جار، عليّ أن أسرع، تأخرّت عن الدّوام» وابتعد متّجهاً نحو سيارته وهو يقول: «ناوي يفتح معي موضوع الآن؟ منتهى التخلّف... شعبٌ لا يعرفُ قيمة الوقت !» وانطلق سريعاً متجاوزاً معظم المركبات؛ مرّة يساراً وأخرى يميناً... وهو يغمغم بحنق وغضب، ثمّ ليشعر بكتلته العصبية تشتعل ناراً عند كلّ إشارة مرورٍ حمراء ! وصل الدّائرة أخيراً، نزل من السيّارة وركض باتجّاه البوابة حتى وصل لاهثاً، سجّل بصمَته على الجهاز، فالتقط أنفاسه أخيراً ودخل مكتبه، أزاح بعض الملفّات الكالحة المغبرّة إلى طرف المكتب ورفع سمّاعة الهاتف ليسأل: «ما أخبار الفطور اليوم؟» ومضى إلى مكتبٍ مجاور لينضمّ إلى زملاء آخرين، فتناولوا الفطور بين هرجٍ ومرج، وعاد إلى مكتبه ليطلب من المراسل فنجان القهوة المعتاد... ثمّ فتح حاسوبه ليتفقد صفحته على الفيسبوك... ضغط بضعة لايكات، وسجّل كذا تعليق، ثم مضى يتصفّح بعض المواقع إلى أن دخل أحد المراجعين، فتناول منه الملفّ وألقاه جانباً ، ليطلبَ منه، دون أن ينظرَ إليه، العودة بعد أسبوع...

جاء زميلٌ ليجلسَ ويسأله باهتمام عن الطّريقة الفضلى لتمييز العسل الأصلي من المغشوش... ثمّ همسَ له بعبارة جعلتهما يضحكان بصوتٍ عال ! مرّ وقتٌ وهما منهمكان في حديثٍ هامس ليقطعه دخول أحدِ المراجعين، كان يقف متردّداً وهو يضع أمامه بعض الأوراق، قلّبها صاحبنا بلا اكتراث ليقول: «موضوعك في الفرع الآخر، الله معك» ولمّا حاول الرّجل الاعتراض، بادره بنبرةٍ باردةٍ صارمة: « في قانون ونظام وتعليمات لا أستطيع تجاوزها أخي الكريم... الله معك ! « ثمّ عادَ ليستأنف الحديث مع الزّميل فيسأل: «ما أخبار صاحبنا؟ الله لا يوفّقه... أنا تقييم أدائي (جيد جداً) بعد سنوات خدمتي الطويلة؟ والله عال، صار مدير علينا وما ترك بصمة تُذكر... أقسم لك يا رجل إن راتبه حرام بحرام ! «

ردّ الزّميل بصوتٍ خافت: « شكله طاير... في أخبار مؤكّدة ! «

ابتهج صاحبُنا للخبر، وفيما كان يهمّ بالتّعليق، دخل زميلٌ ثالث يدعوهما لتناول الشّاي بالميرمية، فخرجا وراءه وهو يهمس: «الأخ من جماعته... لا تجيب السّيرة إيّاها «

وطالت جلسة الشّاي بين مواضيع وأحاديث ومناقشات وتبادل أخبار إلى أن قاربت السّاعة الثالثة، فتمطّى صاحبنا وتثاءب، ثمّ نهض ليهرع إلى تسجيل بصمة المغادرة بعد انتهاء يومِ دّوامٍ عادي آخر!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 16 أبريل 2017, 8:13 am

براعم..

أطالَ النّظرَ في وجهه، قضى وقتاً وهو يتأمّلُ آثارَ السّنين على ملامحه حتى شعرَ بوسامةٍ مفاجئة... فحلقَ ذقنه بتأنٍ، وتعطّر، ثمّ انتقى ثيابه بعناية ليلقي نظرةً أخيرة على هيئته، ثمّ ليمضي فرِحاً منتشياً إلى عمله. كان يشعرُ أنّ نسماتِ ذلك الصّباح محمّلةٌ بعبيرٍآسر، في حين بدت له الأشجارُ أكثرَ اخضراراً، والسّماءُ أشدّ زرقةً، والأفقُ أكثرَ اتّساعاً... واللحن العذب ذاته عاد ليجولَ في وجدانه ككلّ صباح وهو متجّهٌ إلى مكتبه... إلى حيث يجدُها باستقباله مثلَ فراشةٍ خرجت للتوّ من شرنقتها؛ رقيقةٍ عذبةً ملوّنة تضجّ بالحياة... مثلَ برعمٍ ربيعي غضّ شاء أن يعيدَ الخِصبَ لروحِه الخريفية !

باتَ على يقين مؤخرّاً أنّها منجذبةٌ إليه وتبادله الشّعور ذاته، كان يقرأ هذا في التماعة عينيها... في حركتها المرتبكة وهي حوله، في صوتِها الذي يذوب رقّة... في ضحكتها السّاحرة حين تسمعُ تعليقاتِه العابرة على بعضهم، في عطرها الشّفيف الذي يملأ صباحاتِه بعبق الرّبيع...

أدرك أنّه يعيش معها سحرَ الحبِّ وسرّه... الحبِّ الذي لا يعترفُ بفرق العمر ولا بأيّ من تلك الترّهات، فبينه وبينها لغةٌ كونية تتمرّدُ على الكلمات ومفردات البشرِ كلّهم... إنّها هدّية القدَر بعد سنوات القحط مع شريكة تحوّلت إلى رفيقة سكن... تلك التي لم يعد يذكرُ متى تبادلَ معها جملةً واحدة مفيدة، تلك التي لمحته يخرجُ بكاملِ بهائه دون أن تكترث، هو على يقين الآن أنّ الزّمن أنصفه أخيراً، ومن حقّه أن يستمتعَ ويستعيدَ إنسانيته فيما تبقّى له من عمر !

انتهت تداعياتُه بوصوله إلى مكتبه، ليعيشَ يوماً آخر محلّقاً بين الغيوم... هائماً في حقلٍ من الزّنابق البرّية... مستسلماً مأخوذاً بسمفونيةٍ يومية باتت تصدحُ في أعماقِ روحه وخلايا جسده !

مضى ذلك اليوم كغيره دون أن يشعرَ بالوقت، إلى أن حلّ المساء، ليجدَ نفسَه في بيته يجلسُ مسترخياً وهو يقلّبُ هاتفه بيدِه باحثاً عن سببٍ ما للاتّصالِ بها وسماعِ صوتها... حتى قطعت زوجتُه عزلته لتبلغَه أنّ ابنتهما قد وجدت أخيراً فرصة عملٍ في إحدى الشّركات... وقبل أن يعلّق، دخلت الشّابة لتقولَ بصوتٍ يفيضُ بهجة: « نعم، عُيّنتُ سكرتيرة لدى المدير العام، رجلٌ دمثٌ محترم في مثل عمرك تقريباً... يا إلهي كم هو لطيف يا بابا... أشعرُ أنّه يعاملني معاملةً خاصّة ! « ووقع الهاتف من يده فجأة... ولم يعلم كم مضى من الوقتٌ وهو صامتٌ ساهمٌ سارح... إلى أن قامَ أخيراً متوجّهاً إلى سريره، تّقلب طويلاً دون أن يتمكّن من النوم... ظلّ يتقلّبُ حتى قرّر أخيراً بأن أوّل ما سيفعله في الصّباح؛ إصدارُ قرارٍ بنقلِ سكرتيرته إلى فرعٍ آخر... ثم ليقومَ بزيارةٍ عاجلةٍ سريعةٍ مباغتة لمديرِ ابنته !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 23 أبريل 2017, 6:27 am

حقوق..

حرصت على اصطحابي إلى النّدوات جميعِها التي كانت تحضرُها أو تحاضرُ فيها، فتشرّبتُ، منذ بداية وعيي، ثقافةً موسّعة فيما يتعلّق بحقوق المرأة... وامتلكتُ قاعدة معلوماتٍ متكاملة عن تاريخها في الحضارات القديمة زعيمة وقائدةً وصانعة قرار... ثمّ ضحية لتعسّف الرّجل وقمعِه في عصرنا هذا !

لم أكن لأدرك في ذلك العمر الغضّ دوافعَ أمّي وسرَّ شغفها بذلك الموضوع تحديداً، أهو انفصالها عن أبي؟ لكن لم يحدث أن أطلعني أيّ منهما عن سبب الفراق، ولم ألحّ في طرح الأسئلة بدوري، كانت حياتي مستقرّة نسبيّاً، وشغلتُ نفسي بهمّ المرأة وحقوقها لأجدني، بعد حين، طالبة جامعية تدرسُ الحقوق، وتتزعّمُ اتّحادات الطّلبة، وتدعى إلى المناظراتِ والجلساتِ النّقاشية حاميةِ الوطيس لتخرجَ منها شامخةً منتصرةً بعد دفاعاتٍ مؤثّرة قويّة عن المرأة !

في خضمّ نشوتي العارمة آنذاك بحضوري وتأثيري؛ أذكرُ أنّ طالباً زميلاً اقتربَ منّي ذات مرّة ليعبّرَ عن إعجابه بشخصيتي، وقالَ أشياء أخرى لا أذكرُها، لكن أذكرُ أنّي حدجته بنظرةِ استهجان دفعته لأن يتقهقرَ مدحوراً... فمضى بعيداً بلا رجعة !

تخرّجت لأتفرّغَ للعمل القانوني، ولمعَ اسمي كشخصية حقوقية فذّة؛ فصرتُ أُدعى إلى المؤتمرات النّسائية المحلّية والعربية، وعشتُ سنواتٍ من العمل المتواصل دون أن أسأمَ لحظة من الدّفاع عن المرأة وحقوقِها، ودون أن يفارقني الإحساسُ بالاعتدادِ والتّميّز والزّهو !

أفقتُ مؤخّراً بعد أن غادرت أمّي الدّنيا... أفقتُ على حقيقةٍ صارخة مفادها أنّي تقدّمتُ في العمر دون أن أشعر، أفقتُ على أنوثةٍ قمعتها طويلاً وبدأت تؤذنُ بالغياب... صحوتُ على حقيقة مفادها أنّي لن أرى امتدادي على هذه الأرض، لن يتسنّى لي أن أرى أطفالي... لن أرتبط... وأيّ مغامرٍ جسور ذاك الذي كان بوسعه الاقتراب ممّن هي في مثل تكويني؟ ثمّ كيف كنتُ سألتفتُ لأيّ رجل وأنا أجزمُ أنّه سببُ مصائب الأنثى منذ بدء الخليقة !

بات يعذّبني العتبُ عليكِ يا أمّي... لماذا حرقتِ تلك المراحلَ من حياتي؟ لماذا لم تتركيني أعيشُ تجربتي الإنسانية مثل الأخريات؟ كان من حقّي أن أجرّبَ فأخطىء حيناً وأصيبَ حيناً آخر، فتُتاح لي فرصة التّعرّف على الإيقاع الحقيقي للحياة، لكنّكِ شئتِ أن تورثيني عقدكِ وأزمتكِ مع الرّجل !

أنا على يقين يا أمّي الآن أنّ خبراتي في الحياة ناقصة ومبتورة... ويحزنني الاعتراف لذاتي أنّ نجاحي مجرّدُ فقاعةٍ لامعة ستتلاشى حين أصحو على نفسي وحيدة... وهاأنا أقتربُ من هذا المصير الذي لم أحسب له حساباً...

أمّي، سامحكِ الله، جعلتني أنشغل طوالَ عمري بحقوق النّساء، إلى أن وجدتُني قد نسيتُ حقوقي أنا !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 07 مايو 2017, 6:22 am

حكاية حب

كان مستغرقاً في متابعة أغنية « بتلوموني ليه «... ومشدوداً لأحداث الفيلم الذي يدور حول « حكاية حب « بين حليم والفاتنة التي أحبّها بصمت حتى التفت لمشاعره فأحبته ثمّ تعقدّت الأحداث بينهما وكادا يفترقان... كان مستمعاً بالمتابعة حين أقبلوا... فعمّ المكان فجأة بالصّخب والثرثرة والضّحكات.

قفزت الصّغيرة إلى حِجره، في حين جلسَ أخواها قربَه ليسألَ أحدُهما وهو يرقب النّهاية السّعيدة للفيلم القديم: « جدّو، زمان كانت حياتكم بالأبيض والأسود... متى تلوّنت ؟ «

أجاب وهو يربّت على رأسه بحنو: « تلوّنت لمّا صرتُ جدّاً لكم!«

أضافَ الآخر: « أكيد مدارسُكم كان لونها أسود ! « فقاطعته الصّغيرة لتقول: « ما كان في مدارس... عشان الشّوارع كان فيها ديناصورات !«

فقال هو: « مدارسنا لم تكن ملوّنة، لكنّها كانت جميلة، رغم أنّنا كنّا نتعبُ كثيراً للوصول إليها خاصّة في أيّام الشّتاء حين كانت المياهُ تغمرنا تماماً، فنصلُ مبتلين، مع ذلك كان اليوم الدّراسي يمرّ عادّياً. أما بعد الظهر فكنّا نقضي الوقت باللعب في الحاكورة لعبة السّبع حجار أو بكرات قماش كنا نصنعها بأيدينا، ولمّا نجوع كنّا نهرع نحو البيوت لإحضار سندويتشات محشوة بالزّعتر أو بالسّمنة والسّكر، أو نكتفي برغيف مع حبّة من البندورة.

وتابع ضاحكاً دون أن يقرأ الذّهول على ملامحهم: « كنّا نتعثّر ونقع كثيراً، ولا أذكر ركبتيّ إلا وعليهما آثارُ جروح وكدمات لا تكاد تُشفى إلا وأقع من جديد لأجرحَ نفسي مرّة أخرى... وما كان يزعجني شيء إلا حين تنادي علي أمّي لتطلبَ مني الذّهاب إلى الدّكانة، وكانت مصيبة حين لا يتوفّر في دكّانة الحارة ما طلبت، فأضطر للتوّجه إلى دكّانة الحيّ الآخر لإحضار المطلوب بسرعة البرق حتى أكملَ اللعب مع الرّفاق قبلَ حلول المساء، لأنّنا كنّا ننامُ باكراً حتى نصحوَ في الفجر ونذهب إلى المدرسة، فقد كانت بعيدة، وكنّا نذهبُ إليها مشياً.

همسَ أحدهما لأخيه: « شو يعني حاكورة ودكّانة ؟ « فلم يتلقّ إجابة منه، إذ بدا مطرقاً ساهماً

أفاقَ الجّدّ من تداعياته على الصّغيرة تحتضنه فجأة وتمضي ثمّ ليتبعها أخواها بصمت...

تعلّقت عيناه بهم وهم يغادرون، وتلاشت البهجة التي أثارتها الذّكريات ليهمسَ في سرّه: « كان الله في عونكم يا أحبّائي على زمنكم هذا... كم من الفرح الجميل الذي لم يتسنَّ لجيلكم تذوّقه أنتم أطفال الشّقق المغلقة الضّيقة الخانقة والألعاب الالكترونية الباردة... إلهي كم أحبّكم وكم أتمنّى لو أهديكم بعضاً من الفرح المفقود في زمنكم البليد البخيل هذا... إلهي ما أقسى أيّامكم ! « في تلك اللحظة، كان الولدان يتحدّثان بحزن عن معاناة جدّهما الذي قضى طفولته وهو يلعبُ بالحجارة ويقع ويجرح قدميه وتبلُله الأمطار ويأكلُ مثل تلك الأشياء.

أما الصّغيرة، فقد كانت مستلقية في فراشها تتمتم: « يا حرام... ثمّ أجهشت بالبكاء وهي تقول: « لكن شكراً لك يا ربّي أنّك أنقذتَ جدّو حبيبي من الدّيناصورات ! «
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 14 مايو 2017, 9:07 am

خواطر

شعار: « أن تأتي الأشياء متأخرّة خيرٌ من ألّا تأتي أبداً « جميل ، لكن ما جدوى أن يتحقّق ما نريد بعد انطفاء القلبِ من طول الصّبر !

• مقولة: « قطعُ الأعناق ولا قطعُ الأرزاق « مسؤولٌ عن نسبةٍ خرافية من التسيّب في العمل، والترهّل الإداري... وعن رواتب فلكية تُدفع ، غالباً، مقابلَ لاشيء !

• أجزمُ أن الصعوبة المتأتية من معالجة التكوين النّفسي للجلاّد تساويها، إن لم تزد عنها، صّعوبة ثانية في معالجة من استمرأ موقع الضّحية !

• قالوا: « الحبُّ قد يحيل الوحشَ إلى إنسان، أو قد يحيل الإنسانَ إلى وحش...

ونقول: « الكراهية أيضاً تُحيلُ الإنسانَ إلى وحشٍ... أوّلُ ضحاياها هو نفسُه !

• مصانع الأدوية مشغولةٌ بكلّ شيء سوى باختراع دواءٍ للضّمائر التي أدخلها أصحابُها في غيبوبةٍ !

• تخرجُ المرأة إلى هذا العالم والجميعُ يحذّرها من الرّجل... ثمّ لتثبتَ التّجاربُ أنّ ما كان أولى بتحذيرها منه؛ هو عداءٌ أخطرُ وأشرسُ وأقبح... عداءُ المرأةِ لها !

• بعضُ قصصِ الحبِّ أشبه ما تكون بلعبة القطار الرّوسي... انسياب... حركة...علوّ وتحليق... إثارة... ثمّ لينتهي كلُّ شىء بالخروج من التّجربة مع إحساسٍ قاتلٍ بالغثيان !

• من أقوال نيسلون مانديلا: « أنا لستُ حرّاً حقّاً إذا أخذتُ حرّية شخصٍ آخر... الظّالم والمظلوم على حدٍّ سواء جرّدا من إنسانيتهما !

• يحلو لنا أن نشكوَ مطوّلاً من أعداء النّجاح، لننسى فئةً أخرى اسمها « أعداء الفشل «... فئة تعملُ وتحترقُ بصمت سعياً نحوالدّقة والكمال في الإنجاز، فئةُ لا وقتَ لديها للتلفّت حولها والشّكوى وكيلِ الاتّهامات... قلّةٌ نبيلة جعلت من الإتقانِ شعارَ حياة !

• يقولون: عليك الاحتفاظ بالطّفل داخلك مهما كبرت... هل المقصود الاستعداد للدّهشة ولاقتراف الحماقات البريئة الجميلة ؟

أعتقدُ أنّ القصدَ هو أن نرتاحَ قليلاً من الحِنكة التي يحلو لنا التّشدّقَ بها... وأن نتوقف عن الادّعاء أنّنا نملكُ الإجابات على الأسئلةِ جميعها...

أن نُبقي على الطّفلِ في داخلنا؛ هو اعترافٌ خفيّ للذّات أنّنا لست بالحكمة التي ندّعي، ولا بالنّضج الذي نُبدي، كما أنّنا لسنا بالطّهر والنّقاء اللذين يحلو لنا التّغني بهما !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 21 مايو 2017, 4:37 am

لا صوتَ لهم

مشهدُ طفلٍ في حوالي الرّابعة من عمره يركضُ باتّجاه أحدِ التّقاطعات المرورية المزدحمة وقت الظّهيرة؛ جعلني أتوّقفُ دون تفكير للّحاق به، ساعدني في ذلك أحدُ المارّة، لنقفَ ننظرُ حولنا بحيْرة، إلى أن لمحنا في البعيد امرأةً تقتربُ وهي مشغولةٌ بهاتفها النّقال... فسلّمناها يدَ الصّغير ومضى كلٌ منّا في طريقه دون أن تسعفنا اللّغة للتّعليق !

وأحسبُ أنّ المشهدَ الأكثرُ استفزازاً لأيّ إنسان هو الأب الذي يدخّن في مركبة بوجود الصّغار فيها، أو الأطفال في المركبات يخرجون أيديهم ورؤوسهم من النّوافذ... مع أبٍ آخرَ غير مبالٍ، أو أمٍّ سارحة في ملكوت الله...

إزاء مثل تلك الممارسات؛ ألتمسُ من نشامى إدارة السّير المخالفة الفورية السّريعة دون رحمة... أكرّر: دون رحمة أو رأفة أو شفقة !

وفي الحديث عن الطّفولة؛ يحضرُ همّ العطلة الصّيفية القادمة، حين يخرجُ الأهلُ لأعمالهم، ليبقى الصّغارُ في البيوت نهباً للحرّ والفراغ والفوضى والضّجر والعبث... أزمةٌ سنويّة تُربكُ الأسرَ والأطفالَ والدّنيا... والمضحك المبكي في الموضوع المبادراتُ البائسة لبعض المدارس الخاصّة، وذلك التّرويج لما يسمّى بالمخيمات الصّيفية، حين تكلّفك المشاركة لشهر ما يساوي المبلغ الذي تدفعه لفصلٍ دراسي كامل !

وما يمزّق القلبَ أحياناً؛ رؤيتي لبعض الصّغار يلعبون داخل قطعة أرضٍ فارغة بين المباني السّكنية، ثمّ لتأتي الجرّافات الثّقيلة فتحلّ مكانَ اللهو البرىء بأصواتها الوحشية؛ فتدرك أنّ أحدَهم قرّرَ استثمارَ الأرض في بناء شققٍ سكنية... لأسألَ نفسي بحزن: أين يلعبُ الأطفال الآن ؟

السّؤالُ الحارقُ هنا ونحنُ مقبلون على شهرِ الخير والعطاء؛ وثمّة مساحاتٌ خرافيةٌ من أراضي الوقْف؛ أهو فعلٌ يُغضبُ الله لو هُيّأ بعضُها كملاعبَ آمنة للأطفال؟ وهل يُحسبُ ذنباً أو إثماً فيما لو زوّدها أحدُ الموسرين بمظلاتٍ وألعابٍ خارجية مثلَ المراجيحِ والسّحاسيل وغيرها ؟

طرودُ الخير أمرٌ جميل، تزويدُ الفقراء بالزّيت والسّكر ورُبّ البندورة والشّعيرية فعلٌ رائع... لكن أحسبُ أنّ عملَ الخير بدوره يحتاجُ إلى بعض الخيالِ وبعضِ الإبداع !

وعلى ذكرِ الإبداع؛ لأحدِ البنوك في منطقة عبدون حديقةٌ سمّيت باسمه، لكنّ الحارسَ يقرّر طردَ الأطفال وإغلاقَها السّاعة السّادسة؛ عند انخفاضِ الحرارة واقترابِ الوقت المناسب للّعب !

كما لا أفهمُ حتى الآن سببَ تعطيل موقعٍ مثالي للترّفيه عن الأسر اسمه « حدائق الملك عبدالله «... ألا من مبادرةٍ سريعةٍ حاسمة لإعادة الألق والسّمعة الطّيّبة لذلك المكان بمساحاته الرّحبة التي تحوّلت إلى خرابٍ ومكبٍ للنّفايات من كلّ نوع !

مفارقاتٌ لم نعد نفهمها، كما لم أعد أستوعبُ شعاراتٍ من مثل: أطفالنا أعزّ ما نملك... ومقولة فلذّات أكبادنا...وأنّهم قادةُ المستقبل وبناة الغدِ الأجمل... نردّد هذا كلّه ولانكلّفُ أنفسنا بإدراك أنّ حاجة الطّفل للّهو والتّرفيه تضاهي حاجته للأكلِ والشّرب، وبأنّ أفضل أنواع التعلّم هو بالّلعب، رغم ذلك؛ ما زلنا مصرّين على الإنجابِ والتّوالد والتّكاثر...

المشكلة أنّ الأطفال لا يُتقنون فنونَ الاعتراض وتنظيمَ المسيرات والاعتصامات... المأساة هي في أنّ ضحايا جهلنا وتقاعسِنا وتقصيرِنا لا صوتَ لهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 28 مايو 2017, 1:05 am

صياماً مقبولاً..

أحكمتْ وضع الأغطية على أولادها بعد تناولهم السّحور، أعادت الأشياءَ إلى أمورِها في المطبخ، غسلت ما وجبَ غسلُه وترتيبَ ما وجبَ ترتيبُه، توجّهت إلى الفراش، ولم يمضِ وقتٌ حتى استيقظت مذعورة، إذ حسبت أنّ المنبّه قد رنّ دون أن تسمعَه، فقرّرت النّهوض حتى لا يقعَ المحظور ويتأخّر الأبناء عن المدرسة، فعادت لتوقظهم بعد حين، لتساعدهم على الاستعداد ليومٍ دراسيّ جديد، وتمضي إلى عملِها بعد ذلك.

عند انتهاء الدّوام؛ سارعت إلى المنزل، غيّرت ثيابها، غسلت يديها، هرعت إلى المطبخ فوراً وهي تدعو الله أن تتمكّن من إنهاء وجبة الإفطار وتبعاتها قبل الغروب، وفيما هي منهمكةٌ في التّحضير؛ وصلها صوتُ أحد أبنائها طالباً منها مساعدته في فهم إحدى قصائد الشّعر... تركت ما بين يديها وقامت بالمطلوب، ثم عادت إلى طناجِرها، لم تمضِ لحظات حتى دخلَ الزّوج حاملاً معه كميّةً من القطايف وبعض الخضروات... رماها جانباً وهو يقول: «سأغتسلُ وأنام الآن، اعملي القطايف بالجبنة هذه المرّة، وزيدي كثافة القطْر لو سمحتِ، لم تعجبني حلاوة القطايف أمس!»

خرجَ ثم عاد مسرعاً ليضيف: «انتبهي أرجوكِ لكميّة الخلّ والزّيت في الفتّوش، الدّقة ضرورية، وإلا طغى طعم الخلّ، ولا تبالغي في تحميرِ الخبز، سأنامُ أنا الآن...»

بعد قليل، دخل الابنُ الثاني ليسألها عن نظرية «فيثاغورس»... شرحتها له وهي تفرُم كميّة من الخيار، وحين لم يفهم، تركت ما بين يديها، لتجلس معه، وتفسّر له النّظرية، إلى أن تأكّدت أنّه فهم هذه المرّة، عادت مسرعة إلى المطبخ لتستأنفَ عملها وهي تنظرُ إلى السّاعة بذعرٍ كلّ لحظة...

قبيل الغروب بقليل كانت قد سكبت أطباق الحساء، والفتّوش، والوجبةَ الرئيسية، وحضّرت العصائر، وجهّزت القطايف، ثم أيقظت الزّوج...

بعد الانتهاء من الوجبة، جلس هو والأبناء أمام التلفزيون، وبدأت هي بجمع الأطباق، والأكواب، والصّواني، والأوعية، وبدأت بتنظيفها... ثم لمَّعت الغاز، وشطفت أرضيّة المطبخ، حتى جاءها صوتُه يطلب القهوة، سارعت إلى عملها وتقديمها له، ليقول لها وهو مستغرقٌ في مشاهدة أحد البرامج الكوميدية: «حان الوقت لنبدأ بالدّعوات الآن، سأبدأ بأهلي... لقد دعوتهم وهم قادمون غدا للإفطار» ثم أطلق ضحكةً مجلجلة على أحد المواقف المعروضة على الشّاشة الصّغيرة، فيما جلست تفكّرُ وتحسبُ عدد الأشخاص المدعوين، وعدد الأصناف المطلوب تحضيرُها، ومدّة الوقت المُتاح... فقرّرت العودة إلى المطبخ، والبدء ببعض التّحضير استغلالاً للوقت، لكن في لحظةٍ ما، أحسّت بتعبٍ شديد... فتوجّهت إلى السّرير وهي تتعثّر بالأثاث الموجود في الطريق، ونامت بعد أن تأكّدت أنّها ضبطت المنبّه لإيقاظ العائلة على السّحور...

في اليوم التّالي؛ وفيما كانت السّاعة قد قاربت الثانية عشرة، شعرت بالخوف من أنّ السّاعات المتبقّية للغروب قد لا تكفي لإنجاز ما هو مطلوب منها، دخلت على المسؤول المباشر عنها تستأذنه بالمغادرة بعد أن شرحت له السّبب باقتضاب، فقال وهو يحملق في منفضة السّجائر الّلامعة أمامه: «هذا ليس بعذْر يا أختي، ساعات الدوام محدّدة ومعروفة» ثم أردفَ وهو يعبثُ بمسبحتِه بعصبية دون أن يرفع عينَه عن المنفضة» في رمضان كانوا يجاهدون ويغزون ويفتحون البلاد...»

ولم تجد في نفسها طاقة على النّقاش، انتظرت انتهاء الدوام، طارت إلى المنزل، بدأت بالعمل في سباقٍ محموم مع الزّمن حتى جاء وقت الإفطار، حضرَ الضّيوف... أكلوا، وشربوا، وسهروا، وغادروا... لتبقى في المطبخ حتى منتصف الليل فتنهي شؤون التّنظيف وإعادة التّرتيب، إلى أن قرّرت الخلودَ إلى النوم أخيراً...

ألقت بنفسها في الفراش وهي تشعرُ أنّ الأرضَ تميدُ بها، لكنها لم تتمكّن من الإغفاء؛ إذ خافت أن تستغرقَ في النّوم فلا تسمع صوتَ المنبّه، احتارت وجلست في السّرير ساهمةً تقاومُ ثقلَ جفنيها، وألمَ ظهرها، وقلقَها على الأبناء، وسحورهم، ومدرستهم... وظلّت هكذا حتى ارتفع شخيرُه فجأة، نادت عليه لتهمسَ له برفق شديد: «هل تستطيع إيقاظي بعد أن يرن المنبّه؟ أخشى ألّا أصحو لتحضير السّحور...»

غمغمَ بعصبيّة ليصرخَ قائلاً: «عجيبةٌ أنتِ، أنا أصحو لأوقظكِ؟ والله عال، ما رأيكِ لو حضّرت أنا السّحور بنفسي أيضاً؟ ألا تعرفين واجباتكِ تجاه عائلتكِ في رمضان؟ اللهُ أكبر... اللهُ أكبر!»

ثم أدارَ ظهرَه لها، ليلتحفَ بغطائه وهو يتمتمُ بين النّوم واليقظة بصوت متقطّع: «حسبيَ اللهُ ونعمَ الوكيل... حسبيَ اللهُ ونعمَ الوكيل!»
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 04 يونيو 2017, 3:01 am

صناعة محلّية !


استقبلني عند الباب بالسّؤال: « وين كنتِ ؟ « فأجبت بهدوء: « كنتُ أمشي... رياضة يعني! « قلتُ هذا وأنا أكتمُ ضحكتي أمام الصّغير، حفيد إحدى الجارات، الذي شعرتُ أنّه قرّر تقمّص دور الرّجل فجأة، لكنَّ صداقتي معه كانت تسمح بهذا النّوع من التّحقيق الطّريف !

وفي محاولة للتوّدد إليه؛ مددتُ يدي إلى جيبي وأخرجتُ قطعةً نقديّة من فئة الخمسة قروش لأخبرَه بفرح أنّي وجدتها في الطّريق، وأنَّ بإمكانه الاحتفاظ بها... هنا، وجدتُ ملامحه البريئة تكفهرَّ فجأة، ليبتعدَ عنّي بنفور وهو يسألُ باستهجان: « كيفَ تأخذين ما ليس لكِ... إنتِ حراميّة؟»

سادَ صمتٌ بيننا للحظات وأنا لا أعرفُ بماذا أجيب أمام عينيه الغاضبتين، فقلتُ بارتباك: « لكنّي وجدتها في شارعٍ فرعي فارغٍ من المارّة، كما أنَّ المبلغَ تافه ولا يستحقُّ... « فقاطعني بحدّة: « كان لازم تتركيها، يمكن صاحبها يرجع يبحث عنها... لازم بكرة تسلمي المبلغ للشّرطة... حرام عليكِ!» ثمّ ركض إلى البيت ليتركني أقفُ على الرّصيفِ ببلاهة وأنا أشعرُ بالخزي والعار والضآلة!

ولم أجد مخرجاً من الورطة سوى باللجوء لوالديه للتوسّط بيني وبينه لإنقاذ صورتي في ذهنه... وما زالت محاولاتهما مستمرّة حتى اللحظة !

في خضمّ هذه المعاناة... وفي حادثةٍ نقيضة؛ حدّثني أحدُ الآباء عمّا حدثَ في إحدى المدارس الخاصّة مؤخّراً خلالَ يومٍ ترفيهي للأطفالِ وأولياء أمورهم، ليقول: « قسَّم المشرفُ الطّلبة إلى فريقين، ثمّ رمى عدداً من الكرات في أرض الملعب، ليطلبَ من كل فردٍ في كل فريق إحضارَ كرةٍ واحدة فقط إلى الصندوق المخصّص لكلّ فريق، فيكون الفوز للمجموعة التي تحرزُ العدد الأكبر من الكرات، ثمَّ حدثَ أن غادرَ الرّجلُ المكان ليردّ على مكالمة هاتفية، ليبدأ الصّغارُ في اللعب، أمّا المخزي في الأمر؛ فقد كان في تدخّل الآباء حين استغلوا غيابَ الرّجل وبدأ كلٌّ منهم يحثّ ابنه على إحضارِ كرتين أو ثلاث مرّةً واحدة بما يخالف تعليمات اللعبة، فاستجابَ الأولاد لينتهيَ الأمرُ بفوز الفريق الذي نجحَ في الغشّ أكثر من الآخر..»

ويُنهي الأبُ انطباعَه بالقول: « يومها؛ اكتشفتُ ببساطة، كيفَ يُصنع الفاسدون في مجتمعاتنا!»

موقفان يُعبّران عن تناقضٍ صارخ ليضع كرةً من نوعٍ آخر في مرمانا نحنُ الكبار لنواجه السّؤال الكبير: هل نملكُ رؤيةً واضحة حازمة حاسمة في موضوع القيم التي نودُّ إكسابَها لصغارنا؟ خاصّة أنّنا نتشدّقُ بكوننا مجتمعاتٍ دينيّة؟ هنا، والمعذرة على السّؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا تتفوّقُ علينا مجتمعاتٌ أخرى في دولٍ علمانية حين تنجحُ في غرسِ القيم والأخلاق الجميلة لدى صغارها دون ترهيبٍ أو ترغيب، أو إشارة لعذاب القبرِ والجنّة وجهنم؟

وألف معذرة مرّة أخرى حين أجزمُ بالقول إنّه لا يجوز لنا أن نندهشَ ونُصدمَ ونُصعق إزاء حالات الفساد السّائدة؛ فالفاسدون ليسوا وافدين من كواكبَ أخرى... الفاسدون نحنُ الذين نصنعهم بأيدينا!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 11 يونيو 2017, 11:12 pm

طفلتان

الأوّل :

تسمَّرت عيناه على وجه الطّبيب وهو يقول: «أعتقدُ أنّكما بانتظار طفلة، بالسّلامة إن شاء الله» وبدهشة حاول أن يخفيها تمتمَ باضطراب: «طفلة... بنت؟ شكراً يا دكتور، شكراً !»

وخرج وزوجتُه من العيادة وهو يشعر بخطواته تكادُ ترفعه عن الأرض بخفّة في شروع ما بالتّحليق... ركبا المصعد، وبدأ يفكّر: « مهلاً، الولادة ستكون في نهايات الشّتاء... يعني بدايات الرّبيع، يا سلام، فصل مشبع بالرّهافة... هذا جميل ! «

نظر إلى عينيْ زوجته وهو يخرج وإياها من المصعد، فتمنّى لو ترث عينيها وضحكتها... وتمنّى بزهو؛ لو ورثت حاجبيه وجبهته هو!

وفي طريقهما نحو إحدى الصيدليّات، تذكّر ضرورة أن يبحثا عن اسم مناسب، اسمٍ عربي موسيقي الوقع برنّة رشيقة... وسرحَ وهو يستذكرُ بعض الأسماء الجميلة المعنى الرّقيقة، متمعناً في وقع كلّ حرف فيها...

مرّ من قربهما شابّان ممشوقان كادا يرتطما بزوجته في الزّحام، رمقهما بغضب وهو يتساءل: « تُرى، هل ستكبر ويُعجب بها مخلوق مثلُ واحدٍ من هؤلاء؟ قد أدقّ عنقه لو اقترب منها! يجب أن أصادقها حتى أعرف كلّ شيء عنها، وعن الأوغاد جميعِهم الذين يمكن أن يحلموا بها ! سأنتقي أنا لها من يناسبها؛ رجلاً حقيقياً يحبّها ويكرمها، وإلا... « ولفتت نظره فجأة واجهة إحدى المكتبات، شدّ زوجته من يدها، دلف إليها دون تفكير، اقترب من صاحبها ليسألَ عن أحدث الكتب في التربية، والطّفولة والمراهقة... وعن كتابٍ في معاني الأسماء ودلالاتها... وخرج متأبّطاً رزمة ثقيلة من الكتب !

وبعد أن ابتاعا بعض الأغراض من الصّيدلية، مرّت في ذهنه فجأة أزمة المياه التي تعصفُ بالكوكب... طبقة الأوزون، قضايا التلوث، الحروب، الخطر النووي... تطلَّع نحو السّماء في حيْرة متمنّياً لو كان بمقدروه إنجاب ابنته إلى عالمٍ أكثر سلاماً، وأمناً، وعدالة !

وقضى ليلته وهو يفكّر في قطعة الأرض التي ورثها عن أبيه، مقرّراً أن يبيعها ليفتحَ باسم الصّغيرة حساباً بنكياً يزيده شهرياً بمبلغٍ محدّد يقتطعه من راتبه بانتظام... وتقلَّب في فراشه وهو يقول لنفسه: « يجب أن أؤمّن حياتها تماماً في هذا الزّمن الصّعب، يجب أن أحميها من أيّ طارىء... « أحكمَ الغطاء على زوجته ونام أخيراً، بعد أن قرّر أن يتقصَّى في اليوم التّالي عن أحوال أغذية الأطفال وأدويتهم في صيدليّات المدينة!

الثاني:

انتفضَ أمام الطبيب واقفاً ليقول: « بنت؟ لا حولَ ولا قوّة إلا بالله... « ورمق زوجته بغضب... وخرج أمامها مطرقاً وهو يغمغم بكلامٍ غير مفهوم !

سارا في الطّريق وهو يقول: « بنت أخرى؟ ماذا أفعل؟ « والتفتَ نحوها ليضيف بحنق: «قلتِ لكِ ألف مرّة، أريد أخاً للولد... نحن عائلة ذكور؛ عائلة رجال... هل تفهمين ؟ «

تأمّلها بحنق وهو يقول لنفسه: « إنها عائلتها هي... هم أَمْيَل لإنجابِ الإناث... ليتني حسبتها جيداً قبل الزّواج ! «

سرحَ وهو يذرعُ الغرفة جيئة وذهاباً، متمنّياً لو تمضي الشّهور بسرعة حتى يعمل وبجدٍ، هذه المرّة، على إنجابِ ذكر!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 18 يونيو 2017, 4:50 am

الكوكبُ الورديّ !

عُقدَ اجتماعٌ سرّي في فجرِ ذلك اليوم، حين كان الأزرقُ الدّاكنُ ينسحبُ بهدوء أمامَ الوهج الرّهيف في الأفق المُعتم... وسكنت أصواتُ الغابة ترقّباً، وطال انتظارُ ساكنيها إلى أن انبثقت من مكانٍ ما غيمةٌ وردّيةٌ شفيفة لتنسابَ مرتفعةً وسطَ ابتهالاتٍ هامسة للأشجارِ والأعشابِ والكائنات... ثمّ لتبتعدَ ممتزجةً بخيوطٍ من ضوء الشّمسِ التي أطلّت لترمي على الأشياء غلالة من نورٍ آسر لم تعرفْه الدّنيا من قبل...

عندَ ظهيرة اليومِ نفسه، وفي قاعةٍ مغلقةٍ مُعتمة؛ وخلالَ اجتماعٍ لعددٍ من الرّجال المقطّبين تحت غمامةٍ من دخان السّيجار... قرّرَ رئيسُهم إلغاءَ الصّفقاتِ جميعِها وإنهاءَ الاجتماع... ليقفَ الحضورُ مصفّقين مهللّين للقرار، ثمّ ليخرجوا من المكان وقد علت ملامحهم فرحةٌ غامضة !

في مكانٍ آخر، وداخل قبوٍ مظلم مُحاطٍ بحراسةٍ مشدّدة، كان ثمّة خبيرٌ يضعُ الّلمساتِ الأخيرة على السّلاح الأحدث... ليجدَ نفسَه فجأة يُتلفُ البرنامج والوثائقَ المتّصلة به، ويخرجَ سريعاً وقد علت أساريرَه بهجةٌ طفولية !

ساعةَ العصر؛ وفيما كان أحدُ الحكّام على يخته الفاخر يستعدُّ للانطلاق في رحلة بحرية مع عائلته وحاشيته، وفي اللحظة التي احتضن حفيدَه الصّغير، وجدَ نفسَه يطلبُ مهاتفةَ رئيسِ الدّولة المجاورة ليتفقّ معه على التّهدئة وتحويلِ ما يُنفق على التّسليح بينهما إلى مشاريعَ تنمويةٍ مجتمعية تقضي على الفقر في البلدين على السّواء... وهللّ الأخير للمبادرة ليعلنَ لشعبه النّبأ؛ فعمّت الأفراحُ في البلدين معاً...

عندَ المساء؛ وفيما كان أحدُ المستثمرين يجلسُ مع مديره الماليّ للاطّلاع على الأرباح المتوقّعة من بيع المجمّعات السّكنية الأخيرة... سرحَ في الأصفار العديدة... ثمّ ليقرّر فجأة تخصيصَها للشّباب المقبلين على الزّواج بأقساطٍ رمزية ودون فوائد... وكلّف لجنةً مختصّة للمتابعة !

وتابعت وسائلُ الإعلام في مواقعَ مختلفة الأخبار المتعلّقة بتحويل مستشفياتٍ استثمارية ضخمة يملكُها أطّباءٌ مرموقون إلى مستشفياتٍ خيريّة للفقراء !

وضجّت وسائلُ النّقل بأعدادِ المسافرين المتوجّهين إلى بعضِ البلاد للتّطوع ومساعدةِ ضحايا الحروبِ الأخيرة...

وانشغل العالمُ بالتّغييرات... في الوقت الذي انشغلَ فيه العلماُءُ بتحرّي السّر وراء التّحوّلات، لكن دون جدوى، كما رصدت الأقمارُ الصّناعية تحوّلَ لونِ كوكبِ الأرض من الأزرق المضمّخ بالأحمر القاني... إلى اللونِ الورديّ الباهر!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 02 يوليو 2017, 4:44 am

خواطر

• لا بطولةَ في هدم المعبدِ على نفسِك ومن فيه... لعلّ البطولة هي في ألّا تفعل ذلك حين يكونُ باستطاعتك القيامَ به !

• ليس بالضّرورة أن تكون في المقدّمة حتى تكونَ قائداً، من الحكمة وبعد النّظر، أحياناً، أن تتركَ من تقودُهم يسيرون أمامك !

• قال « مارك توين «: « أعظمُ يومين في حياتك هما يومان: يومُ ولادتك، واليومُ الآخر الذي اكتشفتَ فيه لماذا وُلدت! «

إلهي ما أتعسَ أولئك الذين ليس لديهم إجابة حين يُسألون عن اليوم الثّاني!

• نحتفي ونحتفل بالمتفوّقين في دراستهم، خاصّة أولئك المتميّزين بالذّكاء الحسابي... لتعلّمنا الأيام أن ما نخسره بمحدودية ذلك النّوع من الذّكاء، يُمكن تعويضه بطريقةٍ أو بأخرى. هذا في حين ما نخسرُه بفقرنا للذّكاء العاطفي والاجتماعي قد لا يُمكن تعويضُه ما حيينا !

لنسألَ: كيفَ يُكتسب هذا الذّكاء؟ في أيّ نوعٍ من المناهج يُمكن أن يُدرّس؟ ما هي الأسر المؤهلّة لتعليمه؟ من هو أستاذ المدرسة الذي يقلقه انعدامُه عند أبنائنا ؟

كم تُقلقنا الإجابات..

• عملّيات التّجميل تنجحُ غالباً في تحسين صورة الوجه والجسد، بالمقابل ما هو نوع الجراحات التي تُحسّن بشاعات النّفس وتشوّهات الأخلاق ؟

• الامتنان قد لا يكون بكثرة الشّكر، والجحودُ ليس بالامتناع عن شكر من أحسنَ لنا وساعدنا في وقتٍ ما، لعلّ أقسى أشكاله هو في محوِهِ من الذّاكرة تماماً...

• بمنسوبٍ من الوهم نعيشُ أسعد... حين تتوّهم أنّ الآخرَ يحبّك أكثر ممّا هو في الواقع، وأنّك أجملُ ممّا أنتَ في الواقع، وأنّك أنجزتَ في حياتك أكثر ممّا فعلت حقيقة...

أيّها الوهم الجميل: كم نحنُ مدينون لك !

• من أقوال المهاتما غاندي: « السّعادة هي في التّناغم بين ما تفكّرُ به وما تقولُه وما تفعلُه... «

عبارةٌ قد تساعدنا على فهمِ سبب بؤسِ العديدين حولنا !

• من كتابات « جبران خليل جبران «: خرج الثّعلبُ من مأواه عند شروق الشّمس، فتطلّعَ إلى ظلّه منذهلاً وقال: « سأتغدّى اليومَ جمَلاً! « ثمّ مضى في سبيله يُفتّشُ عن الجِمال الصّباحَ كلَّه.

عند الظّهيرة، تفرَّسَ في ظلّه ثانيةً ليقول مندهشاً: « بلى، إنَّ فأرةً واحدة تكفيني... «

الحكمة المستخلصة من الحكاية، في رأيي، أنّ خبراءَ المُكر والدّهاء يُمكن أن يكونوا غايةً في الغباء أحياناً...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 09 يوليو 2017, 10:14 am

حسرة !

تأمّلته بإمعان... لا يليقُ بعروسِه أبداً، فصديقتُها جميلة، أمّا هو؛ فقد وجدت أنّه يفتقرُ إلى مقوّمات الوسامة في حدودها الدّنيا، كما لمحت أنَّ حركاتِه ونظراتِه جامدةٌ خاليةٌ من الحياة...

واختلطت مشاعرُها بين الإشفاق على العروس بسبب حظّها العاثر مع ذلك الرّجل العادي الجامد الممّل الباهت... وبين إحساسِها بالغيرة والحسرة؛ إذ قد تزوّجت الصّديقةُ أخيراً لتنضمَّ إلى قائمةِ الأخريات... في حين ما زالت هي بانتظار اليوم الموعود !

ثمّ أفاقت من تداعياتها، لتعودَ وتتصنّع الابتسامَ حتى نهاية الحفل، ثم لتغادرَ القاعة فتقفَ وحدَها في العتمة وتدعو الله من كلّ قلبها أن تجدَ الشّريكَ الوسيمَ الجميل... وأن يكونَ ذا حضورٍ وجاذبيّةٍ وحيوية حتى تتباهى به أمام الآخرين !

مضت مدّة، فوجدته يتقدّمُ لها... شابٌّ بالمواصفات التي أرادتها بدقّة... فلم تسعْها الفرحة، وسرعانَ ما ارتبطت به وهي ترى لأوّل مرّة في حياتها كيف يمكنُ أن يتحوّل الحلُمُ إلى حقيقة !

في شهر العسل، بدأت تلمحُ عيون النّساء تلاحقه في كلِّ حركة... لتستمرَّ الظّاهرة بعدَ عودتهما واستقبال المهنّئين والمهنّئات... إذ كانت تضبط الكثيراتِ يركِّزن نظراتِهن عليه، خاصَّةً حين يتدفَّق هو في حديثه الشّائق وابتساماته الخلاّبة... وبدأ رأسُها يشتعلُ بالغيرة، ويزدادُ اشتعالاً حين تقتربُ منها إحداهن لتهمسَ لها بِلزوجة: « ذوقكِ رائع ! «

وقضت لياليَ عصيبة، ونهاراتٍ حارقة؛ حين يخرجُ، وحين يعودُ مرِحاً مشرقاً... وحين يستغرقُ بتصفّحِ هاتفه... ولمّا يرنُّ هاتفه اللعين آخرَ الليل !

وكثُرت اعتذاراتُها عن عدم حضورِ المناسبات الاجتماعيّة... وكثّر وقوفها أمامَ المرآة في محاولاتٍ بائسة لاستردادِ بعضِ ثقتها بنفسها التي باتت تهتزُّ بضراوة !

ثمَّ اتّسمَ سلوكُها معه بالعصبيّة حيناً، وبالمحبّةِ الطّافحة حيناً آخر، وبالبرودِ المفتعل معظمَ الأحيان، لينتهي الأمرُ بأن صارَ يبادلُها البرودَ بمثلهِ... فتلتهمُ النيرانُ كلَّ يومٍ ما تبقّى من كتلتها العصبيّة !

في لحظةٍ يائسة، قرّرت الخروجَ من عزلتِها، فاقترحت زيارةَ الصّديقة إيّاها... لتقضي الوقتَ سارحةً في زوجِها العريس إيّاه... لترى أنّه ليس باهتاً ولا ممّلاً كما بدا لها خلال حفلِ الزّفاف، إذ بدا عادّياً أنيساً مريحاً، دليلُها كان ملامحُ السّلام والأمان والطمأنينة التي كانت تُشعّ في عينيّ الصّديقة المحظوظة...

انتهت الزّيارة، وغادرت وزوجَها وهي تشعرُ بالغيرة من الصّديقة... والحسرة على نفسِها مرّةً أخرى !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 23 يوليو 2017, 6:01 am

الحفيد..

وصلَه صوتُ أمِّه من بعيد: «اجمع كتبَك وحاجيّاتِك بسرعة، ستذهب إلى بيتِ جدّتك... هيّا، أسرع»!

امتثلَ للأمرِ، وشرعَ في التّنفيذِ بصمت، كان يعرفُ أنَّ العارضَ الصِّحي الذي أصابَ أختَه الصّغيرة عارضٌ معدٍ، لكنَّه لم يتوقّع أنَّ نتيجة ذلك ستكونُ على حسابِه هو... لكن لا مجالَ للمناقشة، فهمَ هذا سريعاً لمّا رأى ملامحَ والديْه وهو يغادرُ مُطرقاً !

عند وصوله ووالده، ولمَّا احتضنته الجدَّة عند البابِ طويلاً؛ لامَ نفسَه على تردِّده في القدوم، ولم يكد يلتفت نحو أبيه حتى كان قد غادر، فقالت الجدَّة كأنَّما فهمت معنى التفاتته: « لا تهتم، ليذهب بألف سلامة، أنت عند جدِّتك « فقرَّرَ ألّا يهتم !

في ليلتِه الأولى؛ لم ينم جيّداً لأنَّه ظلَّ يصحو على حركة الجدَّة تُحكم عليه غطاءه كلَّ مرَّة، ثمَّ تخرج وهي تتعثّر بأثاث الغرفة...

في اليوم التّالي، وكان يومَ عطلة، قرَّرت الجدَّة أن تطهوَ له وجبةً يحبُّها، فلفتَ نظرَه أنَّها تقضي وقتاً طويلاً جدَّاً في تنقّلها ما بين غرفةِ المعيشة والمطبخ لتفقّدِ الطّعام كلَّ مرَّة... إذ بدت له حركتُها بطيئة وثقيلة بسببِ آلامِها ممّا جعلَ المشوارَ شاقّاً مرهقاً بالنّسبةِ لها، فاقترحَ عليها القيامَ بالمهمّة بدلاً عنها، فاعتذرت له بضحكةٍ غريبة لم يفهم لها سبباً !

ثمَّ لاحظَ أنَّها تُضطر لفتح باب البيت للعديدين من الغرباء؛ بائعين متجوّلين، عمّال نظافة، متسوّلين... كما أنَّ هاتفها الأرضي لا يكفُّ عن الرَّنين، فتساءل في سرِّه لماذا لا تستخدمُ هاتفاً نقّالاً، لكن الرَّجفة في يديها أوصلته للإجابة... وكان يراها تهرع بصعوبة نحوه لظنّها أنَّه أحدُ الأبناء، لكنَّ الأمرَ لم يكن يتعدَّى المعاكسات السّمجة التي أثارت غضبه... فقرَّر أن يردَّ على المكالماتِ بنفسِه عسى أن يعرفَ المعاكسون أنَّ ثمَّة رجلاً في البيت !

وانتبه إلى أنَّها تتركُ جهازَ التّلفزيون مفتوحاً طوالَ النّهار ومعظم ساعات الليل، دونَ أن يشدَّ انتباهَها أيُّ برنامج، ولا حتى البرامجَ الرّياضية التي يعشق... فحاولَ أن يحدّثها عن كرةِ القدم، لكنّه اكتشفَ أنَّ ثقافتَها الرّياضيّة معدومة إلى درجة أنَّها لا تفهم لماذا يتراكضُ رجالٌ محترمون بسراويلَ قصيرة ملوَّنة من أجلِ كرةٍ ليس إلا !

ولفته أنَّها تُكثرُ الحديثَ عن أبنائها، وعن ذكرياتها معهم في طفولتهم، وأنَّها تكرِّرُ الحكاياتِ ذاتِها مرّاتٍ ومرّات، لكنّه لم يبدِ أمامها أيّ تذمّرٍ أو ملل، بقدْرِ ما حملَ في قلبه عتباً عليهم لأنَّهم لا يتحدَّثون عنها باستمرار كما تفعل هي...

ذات مساء، حضرَ والدُه للعودةِ به إلى البيت، فلبّى الأمرَ بصمتٍ مرَّةً أخرى، وشرعَ في جمعِ أغراضِه ليخفي بينها دفتراً صغيراً سجَّل فيه قائمةً من الأشياء التي ألزمَ نفسَه بتنفيذِها:

- الكتابةَ إلى مدير الفضائيّات لبثِ برامجَ خاصّة بالجدّات فقط...

-وضعَ جدولٍ مُلزمٍ لزيارات العائلة للجدَّة، وبالتّناوب... منعاً لإزعاجها !

كما كتبَ قائمةً بما ينوي شراءه للجدَّة :

- هاتف نقّال يعملُ بالصّوت بدلاً من الّلمس !

- جهاز بمجسّات يوضع عند بابِ بيتها يكشفُ شخصيّة من يرنّ جرسَ الباب... إن كان شرّيراً أو طيّباً !

- رفوف للمطبخ تعمل بجهاز تحكّم؛ فينزل الرَّف العالي إلى مستوى السّيّدة، وليس العكس !

صاحبنُا منهمكٌ هذه الأيّام بجمع الدّينار الأوّل من المبلغ المطلوب ممّا يتبقّى من مصروفه اليومي !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 30 يوليو 2017, 7:14 am

هروب !


قالَ لنفسِه وهو يرمقُها من بعيد: « في نظرةِ هذه المرأةِ شيءٌ آخر... « ثمَّ مضى إلى شؤونه.

ولمَّا التقاها مرَّةً أخرى؛ قالَ لنفسِه: « لصوتِها إيقاعٌ مريح، ولها أسلوبٌ متفرِّد في التّعبيرِ عمَّا تريد...»

قالَ ذلك، ومضى لمتابعة ِ انشغالاتِه وهو يقاومُ اضطراباً ما في روحِه!

ودونَ أن يشعر؛ بدأ اسمُها يستوقفه، وقاومَ فضولاً استبدَّ به لمعرفةِ كلَّ ما يتعلٌّق بها !

وهكذا، إلى أن فرضت ظروفُ عملِه موعداً معها لبحثِ شأنٍ رسميٍّ بحت... فوجىء... احتارَ... وقضى ليلته مؤرَّقاً، ما الذي يحدثُ له؟ أرهقه السّؤال، لماذا هي؟ لماذا هي تحديداً من بين النّساء العديدات الّلواتي يتعامل معهن، لماذا تُثيرُ به هذا الارتباك الذي لا يعرف له سبباً ؟

تقلَّبَ في فراشِه عدَّة مرَّات، نهض، أشعلَ سيجارة، ثمَّ أطفأها سريعاً حين تذكَّرَ أنَّه توقّفَ عن التّدخين منذُ مدَّةٍ طويلة... تلهّى بقراءةِ كتاب، ولم يستوعب شيئاً ممَّا قرأ، وقفَ عند النّافذة، سرحَ في الأنوار الخافتة في الأفق، ثمَّ همسَ لنفسِه: « تبَّاً... ما هذا الذي يحدث لي؟ هو لقاءُ عملٍ لا أكثر ولا أقل، ليس أنا من يتردّد أمامَ امرأةٍ مهما كانت ! « استدارَ حولَ نفسِه، تمشّى في الغرفةِ قليلاً، ثمَّ جلسَ ليقول: « الّلعنة... ما بي؟ تماسك يا رجل، لن تفضحَك عيناك، ولن يتهدَّج صوتُك... إنَّه الّليل، يضخِّم المخاوفَ والمشاعر... لن يحدثَ شيء، سأقولُ ما أريد وأمضي بكلِّ التّماسكِ والقوّةِ واللامبالاة... هكذا أنا، وهكذا عهدتُ نفسي، لم أعرف الضّعفَ يوماً... ولن أعرفه ! «

وطلعَ الصّباحُ أخيراً، فنهضَ مسرعاً، ومضى لحلاقةِ ذقنه، وأثارَ غيظه أنَّه قضى في حلاقتها وقتاً أكثرَ من المعتاد... وزادَ قهره أنَّه وقفَ مطوَّلاً أمامَ خزانةِ ثيابِه وهو حائرٌ في انتقاء ما سيرتدي... هل يختارُ قميصاً صيفيّاً بسيطاً؟ أم سترةً رسميّةً أنيقة؟ وأحسَّ بميْلٍ للخيارِ الثّاني، لكنَّه سرعانَ ما عدلَ عن رأيه حين تذكَّرَ حرارةَ الجوّ... وتخيَّلَ شكلَ وجههِ أمامها وهو محتقنٌ من بالارتباكِ والحرِّ معاً !

وخرجَ أخيراً وهو يتحسّسُ شعرَه قائلاً لنفسِه: « آملُ أن يبدو لائقاً، كانَ يُفترض أن أزورَ الحلاقَ منذ أيّام... لكن، لا بأس، يجب أن أبدو طبيعيّاً، لا موجبَ للمبالغات... « ثمَّ أفاقَ من تداعياته ليضيفَ بحنق: « تبّأ، ما بي؟ يجبُ أن أنجزَ المطلوبَ بسرعة، وألقي هذا الهُراءَ كلَّه وراءَ ظهري تماماً ! «

ومضى ساهماً سارحاً حتى توقّفَ فجأة، ليتّصلَ بأحدِ الزّملاء فيُكلّفه بالمهمَّة، متذرِّعاً بالصّداع والتّعبِ وبارتفاع مفاجىء في درجةِ حرارته... أنهى المكالمة، ثمَّ تنهّدَ بعمق وهو يشعرُ براحةٍ عجيبة !

أمَّا ما لم يعرفه، فهو أنَّ الزَّميلَ قضى المهمَّة وأنجزَها مع زميلةٍ أخرى لها، إذ قدّمت هي اعتذاراً في الّلحظة الأخيرة عن عدمِ الحضور بسببِ الصّداعِ والتّعبِ وارتفاعِ مفاجىء في درجةِ الحرارة !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 13 أغسطس 2017, 6:43 am

رجولة..


استوقفها صوتُه العميق منذ اليومِ الأوّل لاستلامها العمل في مؤسّسته، كانت دقّاتُ قلبها تتسارعُ باضطراب كلّما استرقت النّظرَ إلى عينيه المسكونتين بالنّضج... سُحرت بوقارِه، بهيبته، بكتفيه العريضتين ونبرتِه القويّة الآسرة... فوجدت فيه اختصاراً لرجال العالمِ كلِّهم !

ولم يفتْه اهتمامُها، ولم يكن صعباً على من كان في خبرتِه أن يقرأ ارتباكها أمامَه... فتحيّنَ فرصةً ما ليعلن لها أنَّ قلبَه صحراءُ قاحلة ظامئةٌ... وشاء في مناسبةٍ أخرى التّطرّق إلى ظروفِ زواجه الذي وصفه بحادثٍ مؤسف لم يُخطّط له... وما زالَ يُعاني من آثارِه !

قالَ لها ذات صباح إنَّه يتمنّى لو يهديها الشّمس... ويصنع لها من النجومِ عِقداً... ومن ورود الدّنيا جنّةً خاصَّةً بها وحدَها !

وأخبرَها في صباحٍ آخر أن بركاناً يضطرمُ في داخله... وأنَّه رجلٌ خُلقَ لها فقط... فهو إعصارٌ قادرٌ على الإطاحةِ بكلِّ ما يعترض طريقَ سعادتها !

وعاشت أحاسيسَ لم تعرفها قبلاً، وخالت نفسها تلجُ التّاريخَ فترى وتسمع وتُعايش أحدَ أبطاله الأفذاذ الذين لم تتخيّل وجودهم إلّا في الكتب... حتى باتت على ثقةٍ أنَّ هذا الزّمن لا يليقُ به، إذ لا يتّسعُ لهذا الكمّ الباهر من الرّجولةِ والشّهامةِ والفروسيّة !

كان يحاولُ إقناعها بالّلقاء خارج المؤسّسة، لكن لم تكن توافق، حتى أقنعها، بعد مداولاتٍ صعبةٍ طويلة، بمرافقته إلى أحد المقاهي البعيدة عن المدينة، ولم ترفض، ولم توافق... بل توجهّت إلى المكانِ في الموعدِ كالمسحورة !

وجلست أمامَه بارتباكٍ وذهولٍ وانبهار، فقد كان يتحدّث وهي منشدّةٌ نحوه، مأخوذةٌ بصوته وبحركاتِ يديه، وبرجولته الطّاغية... وهكذا حتى أفاقت على فنجانِ القهوةِ يهتزُّ بيدِه، ويبدأ بالّلهاثِ وهو يُخفي وجهَه الذي شحُبَ فجأةً بإحدى يديه ليهمسَ بذعر: « اخفضي رأسكِ بسرعة... لا تنظري نحوَ الباب، تشاغلي بأيِّ شيء... أو الأحسن أن تُغادري بسرعة... « وسألت بدهشة: « ماذا حدث؟ ما بك؟ ممّن تختبىء؟ « فأجابَ وقد غطّى وجهَه هذه المرَّة بكلتا يديه كصبيٍّ مذعور: « نسيبُ ابن خالة زوجتي دخل المكان... أرجوكِ، غادري قبل أن ينتبه، أرجوكِ ! «

فقامت دون وعي، ومشت باتّجاه المدخل دونَ أن ترى أو تسمعَ شيئاً... ولمَّا لفحتها نسماتُ المساء في الخارج؛ أطلقت ساقيْها للرّيح... وراحت تركضُ مبتعدةً بأقصى سرعة !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 20 أغسطس 2017, 8:14 am

ضياع..

دقّاتُ قلبي كانت تبدأ بالتّسارعِ لحظة ارتفاعِ صوته.. أمَّا عند سماعي لنحيبها؛ فقد كانت تجتاحني رجفةٌ تلازمنُي الليلَ بطولِه!

كان يحدثُ هذا معظم الأيّام؛ في الصّباح، وفي المساء غالباً بعد أن أُنهي واجباتي المدرسيّة فأدخلُ غرفتي وهما يتمنيان لي التوفيق والنّجاح والمستقبلَ الباهر.. ثمَّ لأسألَ نفسي بأسى بعدها؛ أيُّ مستقبلٍ هذا وأنا أرى حاضري ينهارُ بينكما مع كلِّ خلاف؟

كنتُ يافعاً ولا أعرفُ الكثيرَ عن العلاقاتِ بين الأزواج، لكنَّ بعضَ ما كان يصلني من العبارات المتبادلة جعلني أدركُ شيئاً من أسبابِ جحيمي معهما؛ فقد كانت أمِّي قادرةً على استفزازِه بجملٍ مقتضبة وبصوتٍ هادئ، أمَّا أبي فقد كان بدورِه سريعَ الغضب، حادَّ الّلسان، فكان يجرحُ شعورَها بعباراتٍ قاسية وبصوتٍ عالٍ يدفعني لإغلاق النّوافذ فوراً حتى لا يسمعَ الجيرانُ ما يقول!

وأذكرُ بحزنٍ الصّباحات التي كنتُ اُضطرُ فيها للاستيقاظ والذّهابِ إلى المدرسة والإنصات للشّرح والتّفاعل واليقظة والمرح مع رفاق الصّف.. كانت جميعها بالنّسبةِ لي حمولاتٍ ثقيلة لا طاقةَ لي لحملها، وكلُّ ما كان يفعلُه الزّملاء بتلقائيّة؛ كان بالنّسبةِ لي عبئاً لا يُطاق..

في ليلةٍ ما من تلك الليالي القاتمة؛ سمعتُ أمِّي تُقرِّرُ مغادرةَ البيتِ تماماً، ثمَّ لألمحها مع حقيبتها تقفُ عند نافذةِ غرفتي وتبكي، ولم أنم.. بل قضيتُ الليلَ وأنا أتمنّى الموتَ كلَّ لحظة!

استأذنتُ أبي الغاضبَ في اليوم التّالي لزيارتها في بيت جدِّي، لأصلَ فأرى الوجومَ على الوجوه كلِّها، احتضنتي أمِّي طويلاً ثمَّ لتطلبَ منِّي إحدى القريبات مغادرة المكان واللعب خارجاً، ولم أكد أصلُ البابَ حتى سمعتها تقولُ لأمِّي: « أتركيه.. ما زلتِ صغيرةً وجميلة، وألف مَنْ يتمنّاكِ!» فاجتاحتني رغبةٌ مجنونة في أن أعودَ لأطبقَ على عنق المرأةِ لأصيح: « أنا الوحيدُ من بين الألف الذي يحبّها ويتمنّاها دون شروطٍ وترّهات.. «

ومضت أيّام فوقع الطّلاق.. لأجدهما قد حوّلاني إلى «شيء» أو «غرض» يتبادلانه بينهما؛ أسبوعٌ معه، وآخر معها، وكلاهما يبذلُ أقصى ما يستطيع لإشعاري بحبِّه.. دون أن ينجحَ أيٌّ منهما في إخراجي من الحفرة العميقة المظلمة التي ألقياني فيها!

وازدادت الظّلمةُ حولي حين وصلَ الخبرُ للمدرسة ولمَّا طلبتني المرشدة النّفسيّة لتقولَ لي كلاماً لم أفهمه، وكذلك لمَّا بدأت المعلّماتُ يسبغن عليّ عطفاً ممتزجاً بشفقة لم أُطقها!

بعد مدَّة، تزوَّج أبي، وتبعته أمِّي سريعاً.. فأصبحتُ مضطراً للتّعاملِ مع رجلٍ وامرأةٍ جديدين اقتحما حياتي دون استئذان!

المشكلة هي أنِّ أبي لم يبدُ أكثرَ راحةً وسعادة مع الزّوجة الجديدة.. ولم تبدُ أمِّي كذلك!

والمشكلة الكبرى هي أنِّي بلغتُ سنَّ الشّباب الآن، وظروفي مهيّأة للارتباط.. لكنَّ الفكرةَ في حدِّ ذاتِها ترعبني.. وفكرة الإنجاب تُميدُ الأرضَ من تحت أقدامي.. فمن ذا يعرفُ ما سيحدثُ لاحقاً؟

كلُّ ما أعرفه هو أنِّي لستُ على استعدادٍ لأن أُخاطرَ فأُذيقَ طفلاً أنجبُه بكاملِ وعيي ما ذقتُه أنا من مرارةٍ وأسى وضياع !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 27 أغسطس 2017, 7:48 am

هو والعيد..

كانَ منهمكاً بالّلعب حين نادتهُ أمُّه لتطلبَ منه الاغتسالَ والاستعدادَ للذّهابِ معها إلى السّوق حتى تشتريَ له ثيابَ العيد... فلبّى النّداء وأنجزَ ما هو مطلوب بفرحَ، ليخرجا أخيراً ويسيرا بين المحّلاتِ طويلاً إلى أن قرَّرت أمُّه دخولَ أحدِها وانتقاء بنطلون وبلوزةٍ له، وحاولَ الاعتراض حين لم يعجبه ما اختارت، لكنَّها لم تستجب، فوجدَها تدفع ثمنهما دون أن يفهمَ سببَ إعجابها بصورةِ الأرنبِ الغبيّ التي كانت تزيّنُ البلوزة... فخرجَ من المحلِّ غاضباً على الأمهّاتِ والأرانبٍ في آنٍ معاً !

صباحَ اليومِ التّالي؛ سمعَ والديْه يتصايحان، ثمَّ وصلَه صوتُ أبيه يناديه لاصطحابه حتى يشتريَ له حذاء العيد، إلّا أنَّ فرحتُه لم تتم مرَّةً أخرى حين اقتادَه أبوه إلى محلِّ أحذيةٍ معتمٍ ضيٌّق، صاحبُه رجلٌ سمينٌ كثيرُ السُّعال، وأحذيتُه كلُّها باهتةٌ متهالكة كالقديمة تماماً...

بعدَ يومين؛ لاحظَ أنَّ اضطراباً عجيباً قد دبَّ في البيتِ كلِّه قبيل العيد، ولم يفهم لماذا قرَّرت أمُّه أن تنظِّفَ الأشياء كلِّها مرَّةً واحدة، وهكذا إلى أن فوجىءَ بها الاستعدادَ لحمَّام العيد... فأدركَ أنَّ دورَه في التّنظيفِ قد حان، فاستنتجَ أنَّ العيدَ يعني تنظيفَ الأثاث والأطفالَ في وقتٍ واحد... فتوجَّه إلى الحمَّامِ دونَ مناقشة!

وكان مستغرقاً في النّوم في اليوم التّالي حين جاءه صوتُ أبيه يدعوه للنّهوض والاستعداد السّريع لأنّه صباح العيد... فنهضَ متثاقلاً، واغتسلَ، وارتدى ثيابَه الجديدة بضجر، وجلسَ صامتاً محاولاً إبعادَ تفكيرِه عن صورة الأرنبِ الّلعين القابعة على صدرِه... ثمَّ قرَّرَ أن يخرجَ للعب، فصاحت أمُّه فجأةً لتنهرَه وتطلبَ منه البقاء في الدَّاخل حتى لا يوسِّخَ ثيابَ العيد... فكتمَ غيظَه وعادَ إلى مقعدِه حتى خطرَ له التّسلِّي بالرَّسم، وفيما بدأ يبحث عن أقلامِه الملوّنة؛ عادت أمُّه لتصيحَ به وتحذيرِه من الإساءةِ إلى ترتيبِ البيتِ ونظامِه !

ثمَّ بدأ بعضُ الأقاربِ يتوافدون، فأسعدَه للغاية أنَّها كانوا يقدِّمون نقوداً، دنانيرَخضراءَ رائعة... فشعرَ بالامتنانِ للعيد للمرَّةِ الأولى !

في مساءِ اليوم التّالي، كانَ قد قرَّرَ التوّجهَ إلى محلِّ الألعابِ في أوّلِ الشّارع ليبتاعَ لنفسِه طائرةً تعملُ بجهازِ تحكّمٍ طالما حلُمَ باقتنائها، ولم يكد يهمس بالأمرِ لأبيه حتى زجرَه قائلاً إنَّه لا يجوز بعثرةَ نقودِه على لعبةٍ رديئة سرعانَ ما ستتحطَّم... وإنَّه يجدرُ به ألّا يُنفقها سوى على الأشياءِ المفيدة فقط !

ومضت أيّامُ العيدِ وهو متسمِّرٌ يعبثُ بلعبته الالكترونية العتيدة حتى انقضت العطلةُ أخيراً.

صباحَ اليوم التّالي، وفيما كان يستعدُّ للذّهابِ إلى المدرسة، لاحظَ والديْه يتهامسان وهما ينظران باتّجاهه، ثمَّ اقتربت منه أمُّه بهدوء لتطلبَ منه إعطاءها ما يملك من عيديّات لأنَّ مصاريف العيد أنهكت الميزانيّة... فناولها النّقود كلِّها وخرجَ ساهماً !

خلالَ الحصَّةِ الأولى؛ كان أوّل ما فعلته المعلِّمة، الطّلبَ منهم أن يتحدّثوا عن العيدِ تباعاً، فقرَّر أن يقولَ إنَّه يكره العيد... لكنَّه احتارَ في الطّريقةِ التي سيبرِّرُ فيها موقفه فيما لو سألته عن السّبب !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 10 سبتمبر 2017, 8:48 am

العبق.. 


ربما كانت هي المرة الأولى التي تنهض فيها من الفراش باكراً دون أن ترهق والدتها
بالنداءات الصباحية المتكررة.
وحين وقفت أمام النافذة لتنظر نحو الشمس مبتسمة... لم تنتبه إلى الدهشة التي
ارتسمت على وجه الوالدة، دهشة ازدادت واتسعت حين استعدت هي للتوجه إلى
عملها دون أن تسأل بفضول عن وجبة الغداء كما جرت العادة...
وللمرة الأولى أيضاً، وقبل خروجها، وجدت نفسها تتسلق سور المنزل لتقطف باقة
صغيرة من الياسمين شاءت أن تزين بها مكتبها، ولم تنتبه إلى ابتسامة الجار
المتقاعد الذي لفتت اهتمامه، ولا إلى توسلات الوالدة لها وهي ترجوها الحذر، بعد كل
تلك الجلبة التي أحدثتها وهي تصر على تسلق السور كطفلة شقية!
ثم خطر لها أن تذهب إلى عملها سيراً على الأقدام... فسارت قليلاً إلى أن ارتأت أن تستقل أحد التكسيات حين خشيت على الباقة من
الذبول!
استقلت إحدى السيارات وبصوت موسيقي قالت للسائق: صباح الخيرات... ثم وصلها من المذياع صوت فيروز في أغنية تتحدث عن القمر
الذي صار أكبر... وعن العصفورة التي صارت تأكل من يدها اللوز والسكر... ووصل صوتها إلى السائق تدندن مع الأغنية وهي سارحة
تحدق من النافذة، فأجّل سؤاله عن وجهتها إلى أن انتهت الأغنية، وكرر السؤال... ولم تجب... فتوقف جانباً للفت انتباهها، وسألها مرة
أخرى، فأجابته أخيراً، ليوصلها إلى حيث قالت وهو يخفي ابتسامة بصعوبة!
عند المبنى حيث تعمل، حيّت الحارس بحرارة، وكذلك موظف الاستقبال، وألقت تحية الصباح على كل الموظفين بمودة استثنائية،
وجلست في مكتبها وهي تقول لمن حولها دون أن تنظر نحوهم: يوم جميل هه؟. ولم يهمها أن تسمع الإجابة، ما شغلها هو أن تجد
آنية مناسبة لباقة الياسمين!
ومضى نهارها بسرعة، وحين عادت إلى المنزل، وجلست لتناول الغداء، سرحت مرة أخرى، ولم تسمع الوالدة وهي تسألها عن سبب
إحجامها عن تناول الطعام...
ولم تسمع نفسها وهي تجيب بجمل متقطعة مبهمة غير مفهومة!
في الليل، جلست في فراشها تفكر وتقول لنفسها: «جميل أن أحداً ممن حولي لم ينتبه... رائع أنهم لا يعرفون شيئاً... بعض الأحداث
الساحرة التي تحدث لنا... يجب أن يبقى سراً».
واستغرقت في النوم أخيراً دون أن تدري أن الوالدة، والجار المتقاعد، والسائق، والحارس، وموظف الاستقبال، وكل الزميلات... عرفوا أنها
تعيش حالة حب!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. لانا مامكغ مقالات   الأحد 22 أكتوبر 2017, 7:55 am

اﻟﻤﻠّﻒ !


  «أﺷﻌﺮُ أﻧﱠﻲ أﻋﺮﻓﻚِ ﻣﻨﺬُ أﻟﻒِ  ﻋﺎم... أرﺗﺎحُ ﺟﺪاً ﺣﻴﻦ أراكِ... ﻣﺎ  ﻳﺤﺪث ﻳﻘﻮلُ ﻟﻲ إﻧﱠﻚِ ﻧﺼﻔﻲ  اﻵﺧﺮ اﻟﺬي أﺑﺤﺚُ ﻋﻨﻪ!» ﻋﺒﺎراتٌ  ﺳﻤﻌﺘُﻬﺎ ﻣﻨﻪ ﺗﺒﺎﻋﺎً وﻓﻲ  ﻟﻘﺎءات ﻋﺎﺑﺮة ﺑﻴﻨﻨﺎ، ﻓﺮﻧﱠﺖ  ﺑﺒﻬﺠﺔٍ ﻓﻲ أذﻧﻲ وﻓﻲ ﻗﻠﺒﻲ...  أرﺑﻜﺘﻨﻲ وأﺳﻌﺪﺗﻨﻲ وﻣﻸﺗﻨﻲ  ﻓﺮﺣﺎً!  ﻟﻢ ﻳﻜﻦ وﺳﻴﻤﺎً ﺑﺎﻟﻤﻌﻨﻰ  اﻟﺤﺮْﻓﻲ ﻟﻠﻮﺻﻒ، ﻟﻜﻨﱠﻪ ﻛﺎن  ﻣﺘﺤﺪﱢﺛﺎً ﻟﺒﻘﺎً، ﻃﻠﻴﻖ اﻟّﻠﺴﺎن، ﻳُﺤﺴﻦُ اﺧﺘﻴﺎرَ ﻣﻔﺮداﺗِﻪ؛ ﻓﻴﺠﺬبُ وﻳﺄﺳﺮُ وﻳﺸﺪﱡ اﻵﺧﺮإﻟﻰ  داﺋﺮةٍ ﻣﻦ اﻟﺴّﺤﺮﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊُ ﻣﻨﻬﺎ ﻓﻜﺎﻛﺎً...  وﻫﻜﺬا وﺟﺪتُ ﻧﻔﺴﻲ أﺑﺎدﻟُﻪ ﻣﺸﺎﻋﺮَه، ﻓﻜﺎن ﻣﻦ اﻟﻄّﺒﻴﻌﻲ أن ﻧﻌﻠﻦَ ﺧﻄﻮﺑﺘَﻨﺎ  وﻧﺸﺮعُ ﻓﻲ اﻻﺳﺘﻌﺪادِ ﻟﺤﻴﺎةٍ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ، وﻟﻤﱠﺎ ﻛﺎن ﻳﺮدﱢدُ دوﻣﺎً أﻧﱠﻪ ﻳﺮﺗﺎح ﺑﺎﻟﺘّﻔﻜﻴﺮِ  أﻣﺎﻣﻲ ﺑﺼﻮتٍ ﻋﺎل؛ ﺑﺪأ ﻳُﻄﻠﻌﻨﻲ ﺗﺪرﻳﺠﻴّﺎً ﻋﻠﻰ ﻇﺮوف ﻧﺸﺄﺗِﻪ وﻣﻌﺎﻧﺎﺗِﻪ ﻓﻲ ﻃﻔﻮﻟﺘﻪ  اﻟﺘﻲ ﺑﺪأت ﺑﺮﺣﻴﻞ اﻷم، ﺛﻢﱠ اﺿﻄﺮاراﻷب ﻟﻼﺳﺘﻌﺎﻧﺔ ﺑﺈﺣﺪى اﻟﻘﺮﻳﺒﺎت ﻟﺘﺮﺑﻴﺘﻪ، وﻣﺎ ﺗﺮﺗّﺐَ  ﻋﻠﻰ ذﻟﻚ ﻣﻦ ﺣﺮﻣﺎنٍ ﻋﺎﻃﻔﻲ وﻣﺎدﱢي، إﺿﺎﻓﺔ إﻟﻰ اﻹﻫﻤﺎلِ واﻟﻌﻨﻒ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻳﺘﻌﺮﱠضُ  ﻟﻪ، واﻟﺬي ﻛﺎن ﻳُﻀﻄﺮه ﻻﻗﺘﻨﺎص ﺣﺎﺟﺎﺗﻪ اﻟﺮّﺋﻴﺴﻴّﺔ ﻣﻦ ﻃﻌﺎمٍ وﻏﻴﺮه ﺑﺎﻟﺘّﺤﺎﻳﻞ  واﻻﻟﺘﻔﺎف... ﻓﺘﻌﺎﻃﻔﺖُ ﻣﻌﻪ ﺑﺸﺪّة، إﻟﻰ درﺟﺔِ أﻧﱢﻲ ﻋﺎﻫﺪﺗﻪ ﻋﻠﻰ ﺗﻌﻮﻳﻀِﻪ ﻋﻤﱠﺎ ﻣﺮﱠ ﺑﻪ،  وﻋﻠﻰ إﺳﻌﺎدِه ﺑﻜﻞﱢ ﻣﺎ أﺳﺘﻄﻴﻊ.


ﺛﻢﱠ ﺻﺎرَ ﻳُﺤﺪﱢﺛﻨﻲ ﻋﻦ ﻇﺮوفِ ﻋﻤﻠِﻪ؛ اﻟﺼّﺪاﻗﺎت واﻟﺰّﻣﺎﻻت واﻟﻌﺪاوات... ﻓﺒﺪأت  ﺗﺴﺘﻮﻗﻔﻨﻲ ﺗﺪرﻳﺠﻴّﺎً اﻷﺳﺎﻟﻴﺐُ اﻟﺘﻲ ﻛﺎن ﻳﺘّﺒﻌُﻬﺎ ﻣﻤﱠﻦ ﻳﻘﺘﺮبُ ﻣﻦ اﻣﺘﻴﺎزاﺗِﻪ  وﻣﻜﺎﺳﺒِﻪ اﻟﻮﻇﻴﻔﻴّﺔ، ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺜﻼً ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ ﺣﻴﻦ ﻋُﻴﱠﻦَ ﻣﺪﻳﺮٌ ﺟﺪﻳﺪ ﻓﻲ ﻣﺆﺳﺴﱠﺴﺘﻪ،  ذاك اﻟﺬي ﺷﺎء إﻋﺎدة اﻟﻨﱠﻈﺮ ﻓﻲ اﻟﺒﻨﻴّﺔ اﻹدارﻳّﺔ وإﺟﺮاء ﺑﻌﺾ اﻟﺘّﻨﻘﻼت ﻟﻐﺎﻳﺎت ﺗﻄﻮﻳﺮِ  اﻷداء، ﻓﻜﺎن ﻫﻮ ﻣﻤﱠﻦ ﻧﻘﻠﻮا إﻟﻰ ﻣﻮﻗﻊٍ آﺧﺮﻟﻢ ﻳﻨﺎﺳﺒﻪ، وﺑﺪلَ أن ﻳﻌﺘﺮض رﺳﻤﻴﱠﺎً، أو  ﻳﺤﺎولَ اﻟﺘّﻜﻴّﻒ ﻣﻊ اﻟﻮﺿﻊ اﻟﺠﺪﻳﺪ؛ أو ﻳﺤﺎولَ ﺗﻌﻠّﻢ ﻣﻬﺎرة ﺟﺪﻳﺪة، ﻗﺎمَ ﺑﺸﻦﱢ ﺣﻤﻠﺔٍ «  ﻓﻴﺴﺒﻮﻛﻴّﺔ « ﺷﻌﻮاء ﻋﻠﻰ اﻟﺮّﺟﻞ ﺑﺤﺴﺎﺑﺎتٍ ﻣﺰّﻳّﻔﺔ...  وﻫﻤﺲَ ﻟﻲ ﺑﻔﺨﺮ أﻧﱠﻪ اﻧﺘﻘﻢَ ﻣﻦ ﻣﺴﺆولٍ آﺧﺮ اﺳﺘﺒﻌﺪه ﻣﻦ إﺣﺪى اﻟّﻠﺠﺎن ﺑﺸﻦﱢ  ﺣﻤﻠﺔٍ أﺧﺮى ﻋﻠﻴﻪ ﺑﺎﻻﺗّﻔﺎقِ ﻣﻊ ﺻﺪﻳﻖٍ ﻟﻪ ﻳﻤﻠﻚُ ﻣﻮﻗﻌﺎً اﻟﻜﺘﺮوﻧﻴﺎً !  وﺣﻴﻦ ﻛﻨﺖُ أﺑﺪي اﻋﺘﺮاﺿﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﻠﻚ اﻷﺳﺎﻟﻴﺐ؛ ﻛﺎن ﻳﺮدﱡ ﺑﺜﻘﺔ أﻧﱠﻨﺎ ﻧﻌﻴﺶُ ﻓﻲ ﻏﺎﺑﺔ...  وإن ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ذﺋﺒﺎً، ﻓﺴﺘﺄﻛﻠُﻪ اﻟﺬّﺋﺎب... ﻛﺎن ﻳُﻤﺎرسُ ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻦ أن ﻳُﺴﻤﱠﻰ «اﻟﻘﺘﻞُ  اﻷﺑﻴﺾ»... ﺑﺪمٍ ﺑﺎرد وﺑﻤﺘﻌﺔٍ ﻣﺎ ﺑﻌﺪَﻫﺎ ﻣﺘﻌﺔ !  ﻫﺬا ﻓﻲ اﻟﻮﻗﺖ اﻟﺬي ﻛﺎن ﻳﺘﻘﻦُ ﻓﻴﻪ ﻓﻨﻮنَ اﻟﺘّﻘﺮّب ﻣﻦ ﺑﻌﺾِ ﺻﺎﻧﻌﻲ اﻟﻘﺮار ﺑﻤﺎ  ﻳﻤﻠﻚُ ﻣﻦ ﻃﻼﻗﺔٍ وﻗﺪرة ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺐِ اﻟﺤﻘﺎﺋﻖِ وﺗﺸﻮﻳﻬِﻬﺎ ﺑﺄرقﱢ اﻟﻄّﺮق وأﺧﺒﺜِﻬﺎ !  وﻛﻠﱠﻤﺎ ﻛﻨﺖُ أُﺛﻴﺮُ ﻣﻮﺿﻮعَ اﻟﻘﻴﻢ... ﻛﺎن ﻳﺒﺘﺴﻢُ ﺑﺴﺨﺮﻳﺔ ﻟﻴﺘﱠﻬﻤَﻨﻲ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﺑﺎﻟﺴّﺬاﺟﺔِ  واﻟﻤﺜﺎﻟﻴﺔ وﻗِﺼَﺮِ اﻟﻨّﻈﺮ...  ﺑﺎﺧﺘﺼﺎر، وﺟﺪُﺗﻨﻲ أﻣﺎمَ ﻣﺨﻠﻮقٍ اﻧﺘﻬﺎزي، ﻻزَﻣﻪ ﺑﺆﺳُﻪ اﻟﻄّﻔﻮﻟﻲ ﻟﻴُﺼﺒﺢَ ﻧﻬﺠَﺎً  وﻣﺮﺟﻌﺎً ﻟﻪ ﻓﻲ إدارة ﺣﻴﺎﺗﻪ ﻻﺣﻘﺎً؛ ﻛﻨﺖُ أﺗﻌﺎﻣﻞُ ﻣﻊ ﻣﺨﻠﻮقٍ ﻣﺬﻋﻮر، ﻗﻨّﺎصِ ﻓﺮص،  ﻧﻔﻌﻲّ، وﺻﻮﻟﻲّ، اﻟﻐﺎﻳﺔُ ﻋﻨﺪه ﺗﺒﺮّرُ اﻟﻮﺳﻴﻠﺔ !  وﻣﻊ ﻣﺮورِ اﻟﻮﻗﺖ، ﺑﺪأتُ أﻓﻜﱢﺮُ ﺑﺎﻻﻧﺴﺤﺎبِ... ﻓﻠﻴﺲ ﻫﺬا اﻟﺬي ﻳﺼﻠﺢُ أن ﻳﻜﻮنَ أﺑﺎً  ﻷﻃﻔﺎﻟﻲ، وﻟﻴﺲ ﻗﻄﻌﺎً اﻟﺮّﺟﻞَ اﻟﺬي ﻳﻤﻜﻦ أن أﺷﻌﺮَ ﻣﻌﻪ ﺑﺎﻷﻣﺎن، إذ ﻟﻴﺲ ﻟﺪّي ﻣﺎ  أﻗﺪّﻣُﻪ ﻟﻪ ﺳﻮى اﻹﺷﻔﺎق...  ﺗﺠﺮﺑﺔٌ ﺟﻌﻠﺘﻨﻲ أﻛﺘﺸﻒُ ﻛﻴﻒ أنﱠ ﻟﻜﻞﱟ ﻣﻨّﺎ ﻣﻠﱠﻔﺎً ﻣﺎ ﻳﺤﻮي ﺗﺎرﻳﺨﺎً ﻏﻴﺮَ ﻣﻮﺛّﻖٍ وﻏﻴﺮ  ﻣﻨﻈﻮرٍﻣﻦ اﻟﺘّﺠﺎرب واﻟﺨﺒﺮات اﻟﻄّﻔﻮﻟﻴّﺔ، ﺗﻠﻚ اﻟﺘﻲ ﻳﺼﻌﺐُ اﻟﺘﻨﺒّﺆ ﺑﺮدودِ أﻓﻌﺎﻟِﻨﺎ   ﺗﺠﺎﻫَﻬﺎ ﻻﺣﻘﺎً، ﻓﻼ ﻗﺎﻋﺪة ﻣﻄﻠﻘﺔ ﻳﻤﻜﻦُ اﻋﺘﻤﺎدُﻫﺎ ﻓﻲ ﺗﻜﻮﻳﻦِ اﻟﻨّﻔﺲِ اﻟﺒﺸﺮﻳّﺔ.  ﻓﻲ اﻟﺴّﻴﺎقِ ذاﺗِﻪ، ﺑﺪأتُ ﺑﻤﺤﺎﺳﺒﺔِ ﻧﻔﺴﻲ؛ ﻟﻤﺎذا ﺗﻬﺎﻟﻜﺖُ وﺿﻌﻔﺖُ ﺳﺮﻳﻌﺎً ﻟﻤﱠﺎ  أﺳﻤﻌﻨﻲ ﺗﻠﻚ اﻟﻌﺒﺎراتِ ﻓﻲ ﺑﺪء اﻟﻌﻼﻗﺔ ؟ ﻛﻨﺖُ ﻗﺪ اﺳﺘﻤﺘﻌﺖُ ﺑﺈرﺿﺎء ﻏﺮوري ﻟﻴﺲَ  إﻻ، ﻟﻜﻦ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ ذﻟﻚ ﻛﺎﻓﻴﺎً ﻟﻠﺪّﺧﻮل ﻣﻌﻪ ﻓﻲ ارﺗﺒﺎط... 
ﻟﻌﻠّﻲ ﺑﺤﺎﺟﺔٍ ﻻﻟﺘﻔﺎﺗﺔٍ ﻣﺘﻤﻌّﻨﺔ إﻟﻰ ﻣﻠﻔّﻲ اﻟﺸّﺨﺼﻲ أﻳﻀﺎً... أﺗُﺮاﻧﻲ أﻋﺎﻧﻲ ﻣﻦ ﻧﻘﺺٍ  ﻣﺎ ﻟﻪ ﺟﺬورُه ﻓﻲ ﻃﻔﻮﻟﺘﻲ أﻧﺎ أﻳﻀﺎً... ﻣﻦ ﻳﺪري ؟ 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
د. لانا مامكغ مقالات
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: اردننا الغالي :: شخصيات اردنيه-
انتقل الى: