منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

  الدكتور مصطفى يوسف اللداوي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   السبت 29 أبريل 2017, 11:04 am

الدكتور مصطفى يوسف اللداوي
كاتب وباحث فلسطيني







انتفاضة الأسرى في يومهم وأعمارنا فدىً لهم


د. مصطفى يوسف اللداوي


لا يعجبني كثيراً تخصيص يومٍ واحدٍ في العام ليكون يوم الأسير الفلسطيني، وإن كنت أحترمه وأقدر الجهات التي أقرته،


وأحرص على الكتابة فيه دوماً عن الأسرى كما أكثر من الكتابة عنهم في بقية الأيام، وأجد نفسي مقصراً كثيراً إن لم أكتب عن قضيتهم دورياً، وأسلط الضوء على همومهم دائماً، ولعلني أرفض الاحتفاء بهذا اليوم وحده، وعقد الاجتماعات تحضيراً له، وتنظيم الاحتفالات فيه وإحياء المهرجانات والمؤتمرات تزامناً معه وتأكيداً عليه، لا لأنني أرفض الاهتمام بشأن الأسرى والمعتقلين، أو أنني أقلل من أهمية قضيتهم أو لا أعترف بمركزيتها ومحوريتها في نضالنا الوطني ضد العدو الإسرائيلي، أو أنني لا أرى أهمية أو فائدة مرجوة من التضامن معهم والتظاهر والاعتصام من أجلهم، أو أنني لا أعتقد بأن إحياء هذه المناسبة والتلاحم مع أبطالنا المعتقلين لا يضير العدو ولا يغيضه، أو لا يقلقه ولا يسبب له حرجاً دولياً أو اضطراباً داخلياً.


بل إنني أرى العمر كله لأجلهم، والوقت بأجمعه لخدمتهم، وأنه ينبغي لزاماً علينا جميعاً، وفرضاً عيناً على كلِ قادرٍ منا وفاعل فينا، لا كفايةً على بعضنا دون آخرين من أمتنا، أن نلتزم بقضيتهم وأن نعمل لأجلها وأن نحاسب عليها، تقريعاً وملامةً، وتوبيخاً وتأنيباً، إذا قصرنا وأهملنا، أو تأخرنا وترددنا، إذ أن الدفاع عن قضيتهم والإيمان بها واجبٌ فرديٌ نقوم به دون مَنٍّ منا أو إحسانٍ، تضامناً معهم واهتماماً بهم وعملاً من أجلهم، حتى تتحقق حريتهم وتنتهي قضيتهم بالإفراج عنهم، وعودتهم إلى بيوتهم وأسرهم وحياتهم العادية وأعمالهم اليومية، وحتى ذلك الحين وإلى أن يتحقق هذا الوعد الصادق، ينبغي ألا تتوقف أنشطتنا التضامنية معهم، وألا تنقطع فعالياتنا الوطنية لإحياء قضيتهم، والإبقاء عليها حيةً في ضمير العالم ووجدانه.


الأسرى والمعتقلون جميعاً في السجون الإسرائيلية، وعلى مدى سنوات اعتقالهم ومَرِ أجيالهم وتتابع أفواجهم، وتغير وجوههم وتبدل شخصياتهم، بقوا في معتقلاتهم يقاومون ويناضلون، ويواجهون ويتحدون، ويصمدون ويثبتون، لا يضعفون ولا يترددون، ولا يلينون ولا يستسلمون، ولا يقرون بهزيمةٍ ولا يعترفون بضعفٍ، فكانوا يخوضون رغم معاناتهم اليومية، وسوء أحوالهم المعيشية، إضراباتٍ مفتوحةٍ عن الطعام، وامتناعٍ مقصودٍ عن الزيارة وملاقاة المحامين والذهاب إلى المحاكم، في محاولةٍ منهم لتغيير أوضاعهم وتحسين أحوالهم، والنهوض بشؤونهم، وإرغام العدو على الاعتراف بحقوقهم وعدم التنكيل والبطش بهم، وقد حققوا بأمعائهم الخاوية، وسلاح الإرادة الذي يملكون، الكثير من الحقوق والامتيازات التي انتزعوها عنوةً وحافظوا عليها بالقوة، وتمسكوا بها لأنفسهم ولجميع الأسرى من بعدهم.


لهذا ينبغي علينا تضامناً معهم ووفاءً لهم، أن نعمل بجدٍ واجتهادٍ، وبتنظيمٍ وتخطيطٍ، ومثابرةٍ واستمرارٍ، ليدرك العدو الصهيوني أن كلفة احتفاظه بالأسرى والمعتقلين في سجونه، وضريبة الإبقاء على أسرهم وحبس حريتهم، أكبر بكثير من ثمن ضريبة الإفراج عنهم وتمكينهم من حريتهم، ولأجل هذا فإن علينا أن نعمل بمسؤوليةٍ عاليةٍ ووطنيةٍ مستنيرةٍ، لفضح ممارسات العدو أمام العالم كله، وبيان مخازيه وكشف عيوبه، وتسليط الضوء على سياساته وممارساته، والضغط عليه في الشارع والميدان، وفي الإعلام وأمام منصات القضاء، وفي المحافل الدولية وداخل المؤسسات الحقوقية، وفرض قضية الأسرى والمعتقلين بنداً دائماً ومستقلاً على برامج مؤسسات حقوق الإنسان ومؤتمرات العالم الحقوقية، رغم يقيننا أن العدو لا يأبه بالقانون الدولي، ولا يحترم إرادة الدول ومشيئة الشعوب، ولا يجدي فيه نصحٌ ولا ينفع معه رشدٌ.


وقد قدم الأسرى أعمارهم فداءً لنا، وتضحيةً في سبيلنا، فذهبت زهرة شبابهم، وميعة صباهم، ووردية أحلامهم، وسحر مستقبلهم، وقد حرموا من زوجاتهم وأبنائهم، وأمهاتهم وعائلاتهم، وفرطوا في أعز ما يملكون وأغلى ما يقتنون في سبيل هذا الوطن، ذوداً عن حياضه المقدسة وشعبه الكريم، فهل نبخل عليهم ببعض وقتنا، والقليل من جهدنا، أم نسخو معهم وفي سبيلهم، ونخرج إلى الشوارع والطرقات تضامناً معهم، ومتظاهرين من أجلهم، ومعتصمين دعماً لهم، فهذا أقل ما يستحقونه وأبسط ما ينتظرونه من شعبهم، وقد رفعوا رأسه عزةً، وحافظوا على كرامته فعلاً، وما كانوا ينتظرون مقابل تضحيتهم من غير الله أجراً أو مثوبةً.


وإنه لشرفٌ لي كبير أن أكتب عن الأسرى والمعتقلين، ذوي المقامات العالية، والهامات المرفوعة، والتاريخ المشرف، والماضي التليد، وأن أساهم معهم في معركتهم البطولية، وأن أكون جندياً أدافع عن قضيتهم العادلة من موقعي هذا، وأن أقاتل بالكلمة والقلم من مكاني المتواضع، وإن كانوا هم اليوم في الجبهة الساخنة المتقدمة، وفي الصفوف الأولى المقاتلة، فقد كنت يوماً أحدهم، وواحداً منهم أسيراً مثلهم، عشت بينهم وخضت معهم غمار معارك نضالية مختلفة، وتشرفت بتجربة معركة الأمعاء الخاوية معهم، وعرفت يومها أننا جميعاً نستطيع أن نقاوم من مواقعنا، وأن الأسير لا يتوقف عن النضال إن وقع في الأسر، ولا ينتهي كفاحه وهو في السجن، ولا تكبله القيود والأغلال عن المقاومة، ولا تحده الجدران والقضبان والأسلاك الشائكة عن مشاركة شعبهم انتفاضتهم وثورتهم، ولا تعزله الزنازين والإكسات عن معترك الحياة الوطنية، ولا يقوى العدو على النيل منهم، أو السيطرة عليهم، ولم تجد كل محاولاته في تكبيلهم وتقييدهم، أو تكميمهم وكف ألسنتهم، بل كانوا وما زالوا أسوداً هصورةً، ورجالاً بواسل، ومناضلين شجعاناً، يخشاهم العدو ويحذرهم، ولا يقوى على المساس بهم أو الاقتراب منهم مهابةً وخوفاً، وإن كان هو السجان والجلاد، وهم أسرى ومعتقلون.


اليوم سأواكب من بيروت معركة الحرية والكرامة، وسأشارك على استحياءٍ إخواني في سجونهم، وشعبي في وطنهم، وأمتي الحرة حيث تكون، ولو أن مساهمتي بالكلمات، ومشاركتي من بعيدٍ، ولكني سأحاول أن أسلط الضوء على الكثير من جوانب نضال الأسرى والمعتقلين، وسأميط اللثام عما خفي من قضيتهم، وقد شرفت بتأليف كتابٍ من جزئين بواقع 1100 صفحة، يتناول قضية الأسرى والمعتقلين من مختلف جوانبها، والكتاب بجزأيه يحمل اسم "الأسرى الأحرار صقورٌ في سماء الوطن".


آمل أن أقدم المزيد، وأن أضيف الجديد، وأن أنفع بما أكتب، وأن أفيد بما أقدم، رغم أن ما نقدمه إلى جانب الدم قليل، وما نساهم به بالمقارنة مع ما يقدمه أسرانا البواسل يكاد لا يذكر، فما يقدمونه أسمى، وما يعطونه أغلى، وما يضحون به كبير، لكنه جهد المقل، ومساهمة الغيور.




عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الأربعاء 13 ديسمبر 2017, 6:39 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   السبت 29 أبريل 2017, 11:05 am

الحرية والكرامة "2"


مازال الأسير الفلسطيني لا يتمتع بتعريف قانوني دولي قاطعٍ مانعٍ يوضح حقيقة مكانته القانونية، وموقعه في ظل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية،

حيث لا يوجد إجماع أو توافق دولي حول تحديد الهوية القانونية له، إذ تصر سلطات الاحتلال على تعريف المعتقل الفلسطيني بأنه سجين يستحق العقاب والتأديب، وتتعمد في وصفه استخدام كلمة مخرب في كل خطاباتها الإعلامية والإدارية، وتتعامل معه على أنه مجرم ارتكب خطأً أو جرماً استحق عليه السجن والعقاب، وليس لهذا السجين المذنب أي حقوق أو امتيازات، وإنما عليه أن يبدي حسن سيرة وسلوك خلال فترة حكمه، فتحسن إدارة السجون معاملته أو تتشدد فيها وفقاً لجريمته الأساسية، ثم لسلوكه الشخصي داخل السجن.

ترفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي رفضاً باتاً الاعتراف بالمعتقلين الفلسطينيين أنهم أسرى سياسيين، أو أنهم أسرى حرب يناضلون في سبيل قضية حقٍ وواجبٍ، وترفض تصنيف اعتقالهم بأنه اعتقال سياسي، وتبذل غاية وسعها لمنع تدويل قضيتهم أو التضامن معهم، وتحول دون تدخل المؤسسات الدولية والإنسانية للمساهمة في محاولة تعريفهم القانوني الصحيح أسوةً بغيرهم، وانسجاماً مع حالاتٍ سابقةٍ تشبههم، وقد عرقلت الكثير من المساعي الدولية والإقليمية، وأجهضت العديد من المحاولات القانونية لتعريف الأسير الفلسطيني.

إلا أن الفيتو الإسرائيلي لا يمنع بعض فقهاء القانون الدولي من التعبير عن رأيهم القاضي بوجوب خضوع حالة الأسرى الفلسطينيين من الناحية النظرية لاتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة للعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول الخاضع لها، بالرغم من عدم انضمام إسرائيل له، إلا أنها ملزمة بتطبيق أحكامه تحت إطار ما يعرف بمبادئ القانون الدولي العام.

ويرون أن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين نوعان، الأول وهم المدنيون غير المقاتلين، ممن اعتقلتهم سلطات الاحتلال من بيوتهم أو من الأماكن العامة، أو قامت باختطافهم أو توقيفهم على المعابر والحواجز الأمنية، وهؤلاء المختطفون المدنيون لا يمكن اعتبارهم أسرى حرب بالمفهوم الدولي لأسير الحرب، لعدم انطباق شروط أسير الحرب عليهم من حيث استيفاء شارة مميزة، والخضوع لقيادة عسكرية مسؤولة عن أعمالها، والحمل العلني للسلاح، ولهذا تعتبر عملية اختطاف المواطنين الفلسطينيين المدنيين الذين لا يوجد لديهم شبهة القتال جريمة حرب وفقاً للمعايير الدولية المتعارف عليها، وهؤلاء يجب أن يخضعوا لاتفاقيات جنيف الرابعة، وعلى سلطات الاحتلال أن تتعامل معهم بموجب هذه الاتفاقيات وملحقاتها وبروتوكولها، التي تنظم علاقة قوة الاحتلال مع مواطني الإقليم المحتل الخاضع لقانونه وأحكامه.

وهناك فريقٌ آخر من الفقهاء القانونيين يصنفون المعتقلين الفلسطينيين بأنهم أسرى حرب، ويجب أن تتعامل معهم سلطات الاحتلال على هذا الأساس، وتمنحهم كامل الحقوق التي يتمتع بها الأسرى وفق القوانين الدولية، وقد تعزز رأيهم بعد العام 1993 حيث برز وضع قانوني جديد يحكم قضية الأسرى الفلسطينيين، حيث أصبح للسلطة الوطنية الفلسطينية بموجب اتفاقيات السلام "أوسلو" كياناً مستقلاً، وسلطة إدارية على جزء من الأرض الفلسطينية، وأصبح رعايا السلطة الفلسطينية مواطنين غير خاضعين لسلطة الاحتلال في المناطق التي اعتبرت تحت السيادة الفلسطينية، وعليه يعتبر قيام سلطة الاحتلال باقتحام تلك الأراضي، واعتقال مواطنين فيها، اعتداءً على إقليم غير متنازع عليه.

وعليه فإن المعتقلين الفلسطينيين يكتسبون صفة أسرى حربٍ، لأن سلطات الاحتلال الإسرائيلية قامت باعتقالهم في عملياتٍ عسكرية، أو في مداهماتٍ أمنيةٍ تحمل صفة القتال والحرب، بما يجعل من المعتقلين في سجونهم مدنيين مختطفين، يخضعون بالكلية إلى اتفاقيات جنيف المختصة، ولا يجوز لسلطات الاحتلال أن تنزع عنهم صفتهم القانونية بموجب أهوائها وقوانينها الخاصة، وإنما يجب على المجتمع الدولي أن يلزمها بالخضوع إلى التعريفات القانونية، لجهة أنهم أسرى حرب، ولهم كامل حقوق الأسرى المنصوص عليها قانوناً.

أما بخصوص الأسرى المسلحين الذين تم اعتقالهم من مناطق السلطة الفلسطينية، فإن وضعهم القانوني يندرج بسهولة في إطار أسرى الحرب ممن كانوا بصدد الدفاع الشرعي عن أراضٍ خاضعة لدولة غير دولة الاحتلال، وبالتالي لا يكون لسلطة الاحتلال أي حق باحتجازهم في أراضيها، بمعنى نقلهم خارج نطاق الأراضي المحتلة، ويجب أن تسري عليهم اتفاقية جنيف الثالثة للعام 1949 سواء أكان هؤلاء من أفراد أجهزة الأمن الفلسطينية أو أعضاء التنظيمات والفصائل الفلسطينية المختلفة.


وعليه فإن المعتقلين الفلسطينيين والعرب جميعاً في السجون الإسرائيلية، الذين اعتقلوا على خلفية مواقفهم العملية والنظرية من الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، ونتيجة سعيهم للتخلص من الاحتلال أو مقاومته، سواء اعتقلوا من مناطق السلطة الفلسطينية أو خارجها، أو اعتقلوا خلال أعمالٍ حربية أو اشتباكٍ وقتالٍ، أو في مداهماتٍ منزليةٍ أو اعتقالاتٍ من الشوارع والميادين أو أماكن العمل، فإنهم يعتبرون أسرى حربٍ، ويجب أن يخضعوا لكافة القوانين التي تنظم حقوق الأسرى في وقت الحرب، وفي كلتا الحالتين سواء كان المعتقلون مدنيون أو مقاتلون يحملون السلاح ويقاومون الاحتلال، فلا مجال لتطبيق القوانين الإسرائيلية على أسرى المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية.

ولهذا يجب على الفلسطينيين أن يسخروا كل مؤسساتهم القانونية والمدنية والإنسانية، والاستفادة من المؤسسات العربية والدولية المختلفة، لصبغ صفة الأسر بكل أبعادها القانونية الدولية على كل المعتقلين الفلسطينيين، وإخضاع سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى كل موجبات وحيثيات الأسر السياسي، إذ لا يوجد أي تعريف قانوني آخر يستطيع أن يغطي حالة المعتقلين الفلسطينيين، ومنشأ مشكلتهم، وأسباب اعتقالهم، وطريقة معاملتهم، والكيفية التي يتم فيها اعتقالهم، إذ كلها تشير وتؤكد أن المعتقلين الفلسطينيين إنما هم أسرى حرب، وأن الجهات التي تعتقلهم هي قوات احتلالٍ عسكرية، وأنها تعتقلهم وتعذبهم لأنهم يقاومونها ويقاتلونها لاستعادة أرضهم ونيل حقوقهم الوطنية المشروعة.






الحرية والكرامة "3"


الإضراب عن الطعام لم يكن يوماً هو الخيار الوحيد أمام الأسرى والمعتقلين، كما لم يكن هو الخيار الأول أو المفضل عندهم، وليس هو الأسلم والأقل كلفةً،

ولا الأسهل والأيسر، بل هو الأصعب والأقسى، والأشد إيلاماً والأكثر ووجعاً، وهو محل قلق الأهل وخوفهم، ومبعث حزنهم وألمهم، ولا يلجأ إليه الأسرى إلا مضطرين وفي أضيق الظروف، وعندما تنعدم السبل وتتضاءل فرص التوصل إلى تسوية أو اتفاقٍ مع إدارة السجون والمعتقلات، وعندما يجدون أن أصواتهم لا تسمع، وصراخهم لا قيمة له، ولا يوجد من يصغي إلى مطالبهم أو يستجيب لها، وأنهم يخسرون مكاسبهم القديمة، ويفقدون إنجازاتهم السابقة، وأن ما حققوه في سنوات نضالهم الطويلة قد بات في مهب الرياح، وأن إدارة السجون تسحبها وتصادرها واحدةً تلو أخرى.

الإضراب عن الطعام وسيلةٌ موجعةٌ، وخيار المضطر، وسبيل الموجوع المتألم، إذ أنه يتعارض مع الفطرة ويخالف الطبيعة ويتصارع مع الغريزة، ويبقي الأسير في حالة معاناةٍ وألمٍ دائمةٍ، وفي صراعٍ محتدم بين الرغبة والحاجة، كما أن الإضراب يحط من قوة الأسير ويوهن من عزمه، ويضعف جسمه ويقلل من قدرته على الصمود أمام الأمراض والأعراض الصحية التي تنتابهم.

الأسرى والمعتقلون لا يهوون تعذيب أنفسهم، ولا يحبون أن يجوعوا أو أن يحرموا أنفسهم من متع الحياة رغم ضيقها ونذرتها في السجون والمعتقلات، كما لا يحبون أن يسقط منهم في السجون شهداء، بل إنهم يحبون كغيرهم من الخلق طيب الطعام، وشهي المأكولات ولذيذ الحلويات، ولكنهم يجدون أنفسهم من أجل كرامتهم وحريتهم، مضطرين للتنازل عن كل هذه المتع، والتخلي عن غريزة حب الطعام والشراب، علهم يتمكنون من تحقيق أهدافهم والوصول إلى غاياتهم، رغم علمهم أن صحتهم ستتضرر، وأن أجسادهم ستضعف وتذوي وتهزل، وأن بعضهم قد يصاب بأمراضٍ مستعصية ومزمنة، وبعضهم قد يفقد حياته ويستشهد.

يلجأ الأسرى لخوض الإضراب عن الطعام دفاعاً عن حقوقهم، وصوناً لكرامتهم، وحفاظاً على بعض امتيازاتهم ومكتسباتهم، وحرصاً على حياة الأسرى من بعدهم، وتخفيفاً عنهم، ومنعاً لسلطات السجون من التغول عليهم، وإيقاع الأذى بهم، وفرض المزيد من العقوبات عليهم، والإمعان في سياسة العزل ضدهم، ولو أن الأسرى والمعتقلين وجدوا طريقاً أو وسيلة أخرى أقل إيلاماً من الإضراب لتحقيق أهدافهم للجأوا إليها، وجنبوا أنفسهم عناء الجوع والألم وتردي الصحة والوفاة أحياناً، ولكن إدارة السجن تلجئهم إلى هذا الخيار الصعب وتدفعهم إليه دفعاً.

أما الأسرى المرضى، أو الذين لا يمتلكون القدرة الصحية على الامتناع عن الطعام والشراب لأيامٍ طويلة، أو المعتقلون الجدد الذين انتهوا قبل أيامٍ قليلة من حفلات التعذيب في زنازين العدو، أو الجرحى والمصابون، فإنهم يكونون أكثر الأسرى حرصاً على المشاركة في الإضراب عن الطعام، ويرفضون أي محاولة من أي طرفٍ أياً كان لمنعهم من المشاركة في الإضراب، واستثنائهم من المواجهة، ولعل إرادة الأسرى المرضى أقوى بكثير من إرادة الأصحاء، وهو الأمر الذي كان يغيظ إدارة السجون، التي تعمل على عزلهم ونقلهم إلى أقسامٍ وسجونٍ أخرى، علها تتمكن من كسر إرادة الأسرى المضربين وإحداث خرقٍ بينهم وإضعاف صفهم.

يقترب الأسرى المضربون عن الطعام جميعهم من الموت، ويفقدون القدرة على الحركة والانتقال، بل إنهم يفقدون شهية الحديث والكلام، ويلوذون بالصمت ويلجؤون إلى الله بالدعاء والصلاة، ولكنهم ومع تدهور صحتهم، وفقدانهم لأوزانهم، وإصابة الكثير منهم بالإغماء والإعياء والدوار، نتيجة ضعف الدم ونقص السوائل، فإنهم يصرون على مواصلة الإضراب، ويرفضون كسره مهما بلغت المعاناة، ومهما كان الموت منهم قريباً، فهم يرون أن الشهادة أعز لديهم وأفضل من العيش في ظروف السجن القاهرة المذلة.

ويرى بعض الأسرى أن الواجب يملي عليهم، وهم الأسرى القدامى أصحاب التجربة والخبرة، أن يضحوا من أجل الأسرى الجدد القادمين من بعدهم، فمن حق إخوانهم من الذين سيأتي الدور عليهم في الاعتقال أن يجدوا بعض حقوقهم في السجن متوفرة، وبعض امتيازاتهم محفوظة، وإلا فإنهم سيعيشون طيلة سجنهم في جحيمٍ لا يطاق، وعذابٍ لا يحتمل، ولهذا فإن الأسرى المضربين يكونون على استعدادٍ للتضحية بحياتهم من أجل ضمانٍ عيشٍ كريمٍ لمن سيأتي من بعدهم، وفي سبيل هذه الأهداف النبيلة التي قد لا ينعمون بها قبل غيرهم من المعتقلين الجدد، فإن بعضهم يسقط شهيداً نتيجة عدم الاحتمال أو أثناء الإطعام القسري أو بسبب الجفاف.

ولهذا فإن الإضراب عن الطعام يعتبر شكلاً نضالياً متقدماً، يكتنف المنخرطين فيه أخطارٌ كبيرة، قد تؤدي إلى وفاتهم، أو تدهور صحتهم العامة، وفقدانهم لجزءٍ كبير من أوزانهم، إذ يخوضون إضرابهم تحت شعار "نعم لآلام الجوع ولا لآلام الركوع"، متسلحين بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين، وفيه يتحدون الجلاد بجوعهم وعطشهم لأيام طويلة، قد تمد لشهرٍ أو أكثر في بعض الإضرابات، وفيه ينتزع الأسرى الكثير من حقوقهم، ويحققون الكثير من الإنجازات والمكتسبات التي تحسن من ظروف اعتقالهم، رغم أن هذه المكتسبات والإنجازات قد تكلفهم استشهاد بعضهم، وقد تلحق بهم أضراراً جسدية، وقد يتعرضون لعقوبات التفريق والتشتيت والتمزيق والبعثرة والعزل والإقصاء لتشتيت شملهم وتمزيق وحدة كلمتهم.

الإضراب عن الطعام ليس أمراً سهلاً، ولا يقوى على الإقدام عليه كل المعتقلين بسهولةٍ، بل يلزم سالكه العزم والإرادة والقوة واليقين، والإيمان بالهدف والاستعداد للتضحية في سبيله، وهو ليس قراراً فورياً آنياً عاطفياً، بل إنه قرارٌ يخضع للعقل الرشيد والتفكير الهادئ الرزين، ويلزمه الكثير من المسؤولية الأخلاقية الفردية والوطنية، وهو يتطلب قراراً جماعياً، ودراسة متأنية، وإرادة صلبة، ومعرفة تامة بالظروف السياسية ومدى ملائمتها لخوض مواجهة مع إدارة السجون الإسرائيلية، كما يتطلب تنسيقاً محكماً ودقيقاً مع بقية السجون والمعتقلات، واتصالاتٍ مضبوطة مع المحامين ووسائل الإعلام وذوي الأسرى والمعتقلين والجهات المتضامنة معهم والعاملة من أجلهم، الأمر الذي يعني أنه الخيار الأصعب، والطريق الأكثر وعورة، ولهذا يتجنب الأسرى خوضه مباشرة، إلا بعد أن يتأكدوا تماماً من فشل كل السبل الأخرى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   السبت 29 أبريل 2017, 11:13 am

إضراب الأسرى خيار الصعب ومركب المضطر الحرية والكرامة “3”

الإضراب عن الطعام لم يكن يوماً هو الخيار الوحيد أمام الأسرى والمعتقلين، كما لم يكن هو الخيار الأول أو المفضل عندهم، وليس هو الأسلم والأقل كلفةً، ولا الأسهل والأيسر، بل هو الأصعب والأقسى، والأشد إيلاماً والأكثر ووجعاً، وهو محل قلق الأهل وخوفهم، ومبعث حزنهم وألمهم، ولا يلجأ إليه الأسرى إلا مضطرين وفي أضيق الظروف، وعندما تنعدم السبل وتتضاءل فرص التوصل إلى تسوية أو اتفاقٍ مع إدارة السجون والمعتقلات، وعندما يجدون أن أصواتهم لا تسمع، وصراخهم لا قيمة له، ولا يوجد من يصغي إلى مطالبهم أو يستجيب لها، وأنهم يخسرون مكاسبهم القديمة، ويفقدون إنجازاتهم السابقة، وأن ما حققوه في سنوات نضالهم الطويلة قد بات في مهب الرياح، وأن إدارة السجون تسحبها وتصادرها واحدةً تلو أخرى.
الإضراب عن الطعام وسيلةٌ موجعةٌ، وخيار المضطر، وسبيل الموجوع المتألم، إذ أنه يتعارض مع الفطرة ويخالف الطبيعة ويتصارع مع الغريزة، ويبقي الأسير في حالة معاناةٍ وألمٍ دائمةٍ، وفي صراعٍ محتدم بين الرغبة والحاجة، كما أن الإضراب يحط من قوة الأسير ويوهن من عزمه، ويضعف جسمه ويقلل من قدرته على الصمود أمام الأمراض والأعراض الصحية التي تنتابهم.
الأسرى والمعتقلون لا يهوون تعذيب أنفسهم، ولا يحبون أن يجوعوا أو أن يحرموا أنفسهم من متع الحياة رغم ضيقها ونذرتها في السجون والمعتقلات، كما لا يحبون أن يسقط منهم في السجون شهداء، بل إنهم يحبون كغيرهم من الخلق طيب الطعام، وشهي المأكولات ولذيذ الحلويات، ولكنهم يجدون أنفسهم من أجل كرامتهم وحريتهم، مضطرين للتنازل عن كل هذه المتع، والتخلي عن غريزة حب الطعام والشراب، علهم يتمكنون من تحقيق أهدافهم والوصول إلى غاياتهم، رغم علمهم أن صحتهم ستتضرر، وأن أجسادهم ستضعف وتذوي وتهزل، وأن بعضهم قد يصاب بأمراضٍ مستعصية ومزمنة، وبعضهم قد يفقد حياته ويستشهد.
يلجأ الأسرى لخوض الإضراب عن الطعام دفاعاً عن حقوقهم، وصوناً لكرامتهم، وحفاظاً على بعض امتيازاتهم ومكتسباتهم، وحرصاً على حياة الأسرى من بعدهم، وتخفيفاً عنهم، ومنعاً لسلطات السجون من التغول عليهم، وإيقاع الأذى بهم، وفرض المزيد من العقوبات عليهم، والإمعان في سياسة العزل ضدهم، ولو أن الأسرى والمعتقلين وجدوا طريقاً أو وسيلة أخرى أقل إيلاماً من الإضراب لتحقيق أهدافهم للجأوا إليها، وجنبوا أنفسهم عناء الجوع والألم وتردي الصحة والوفاة أحياناً، ولكن إدارة السجن تلجئهم إلى هذا الخيار الصعب وتدفعهم إليه دفعاً.pal prisoners
أما الأسرى المرضى، أو الذين لا يمتلكون القدرة الصحية على الامتناع عن الطعام والشراب لأيامٍ طويلة، أو المعتقلون الجدد الذين انتهوا قبل أيامٍ قليلة من حفلات التعذيب في زنازين العدو، أو الجرحى والمصابون، فإنهم يكونون أكثر الأسرى حرصاً على المشاركة في الإضراب عن الطعام، ويرفضون أي محاولة من أي طرفٍ أياً كان لمنعهم من المشاركة في الإضراب، واستثنائهم من المواجهة، ولعل إرادة الأسرى المرضى أقوى بكثير من إرادة الأصحاء، وهو الأمر الذي كان يغيظ إدارة السجون، التي تعمل على عزلهم ونقلهم إلى أقسامٍ وسجونٍ أخرى، علها تتمكن من كسر إرادة الأسرى المضربين وإحداث خرقٍ بينهم وإضعاف صفهم.
يقترب الأسرى المضربون عن الطعام جميعهم من الموت، ويفقدون القدرة على الحركة والانتقال، بل إنهم يفقدون شهية الحديث والكلام، ويلوذون بالصمت ويلجأون إلى الله بالدعاء والصلاة، ولكنهم ومع تدهور صحتهم، وفقدانهم لأوزانهم، وإصابة الكثير منهم بالإغماء والإعياء والدوار، نتيجة ضعف الدم ونقص السوائل، فإنهم يصرون على مواصلة الإضراب، ويرفضون كسره مهما بلغت المعاناة، ومهما كان الموت منهم قريباً، فهم يرون أن الشهادة أعز لديهم وأفضل من العيش في ظروف السجن القاهرة المذلة.
ويرى بعض الأسرى أن الواجب يملي عليهم، وهم الأسرى القدامى أصحاب التجربة والخبرة، أن يضحوا من أجل الأسرى الجدد القادمين من بعدهم، فمن حق إخوانهم من الذين سيأتي الدور عليهم في الاعتقال أن يجدوا بعض حقوقهم في السجن متوفرة، وبعض امتيازاتهم محفوظة، وإلا فإنهم سيعيشون طيلة سجنهم في جحيمٍ لا يطاق، وعذابٍ لا يحتمل، ولهذا فإن الأسرى المضربين يكونون على استعدادٍ للتضحية بحياتهم من أجل ضمانٍ عيشٍ كريمٍ لمن سيأتي من بعدهم، وفي سبيل هذه الأهداف النبيلة التي قد لا ينعمون بها قبل غيرهم من المعتقلين الجدد، فإن بعضهم يسقط شهيداً نتيجة عدم الاحتمال أو أثناء الإطعام القسري أو بسبب الجفاف.
ولهذا فإن الإضراب عن الطعام يعتبر شكلاً نضالياً متقدماً، يكتنف المنخرطين فيه أخطارٌ كبيرة، قد تؤدي إلى وفاتهم، أو تدهور صحتهم العامة، وفقدانهم لجزءٍ كبير من أوزانهم، إذ يخوضون إضرابهم تحت شعار “نعم لآلام الجوع ولا لآلام الركوع”، متسلحين بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين، وفيه يتحدون الجلاد بجوعهم وعطشهم لأيام طويلة، قد تمد لشهرٍ أو أكثر في بعض الإضرابات، وفيه ينتزع الأسرى الكثير من حقوقهم، ويحققون الكثير من الإنجازات والمكتسبات التي تحسن من ظروف اعتقالهم، رغم أن هذه المكتسبات والإنجازات قد تكلفهم استشهاد بعضهم، وقد تلحق بهم أضراراً جسدية، وقد يتعرضون لعقوبات التفريق والتشتيت والتمزيق والبعثرة والعزل والإقصاء لتشتيت شملهم وتمزيق وحدة كلمتهم.
الإضراب عن الطعام ليس أمراً سهلاً، ولا يقوى على الإقدام عليه كل المعتقلين بسهولةٍ، بل يلزم سالكه العزم والإرادة والقوة واليقين، والإيمان بالهدف والاستعداد للتضحية في سبيله، وهو ليس قراراً فورياً آنياً عاطفياً، بل إنه قرارٌ يخضع للعقل الرشيد والتفكير الهادئ الرزين، ويلزمه الكثير من المسؤولية الأخلاقية الفردية والوطنية، وهو يتطلب قراراً جماعياً، ودراسة متأنية، وإرادة صلبة، ومعرفة تامة بالظروف السياسية ومدى ملائمتها لخوض مواجهة مع إدارة السجون الإسرائيلية، كما يتطلب تنسيقاً محكماً ودقيقاً مع بقية السجون والمعتقلات، واتصالاتٍ مضبوطة مع المحامين ووسائل الإعلام وذوي الأسرى والمعتقلين والجهات المتضامنة معهم والعاملة من أجلهم، الأمر الذي يعني أنه الخيار الأصعب، والطريق الأكثر وعورة، ولهذا يتجنب الأسرى خوضه مباشرة، إلا بعد أن يتأكدوا تماماً من فشل كل السبل الأخرى.






 إضراب الأسرى والمعتقلين يجلجل في يومهم الثامن الحرية والكرامة “4”

رغم أن الإضراب المفتوح عن الطعام، يزهق الروح ويمض النفس، ويتعب الجسد وينهك القوى، ويحط القدرة ويقلل الحركة، ويفتر الهمة ويوهي العزم، ويفرض السكون على المكان والهدوء في الأرجاء، فتخفت الأصوات وتقل الكلمات، وتجف الحلوق وتتيبس الشفاه، وتذبل العروق ويذوي الجسد وتضعف قواه، ويتغير لون البشرة فتبدو داكنة، وتحيط بالعيون هالاتٌ من السواد نتيجة السهر والكد والهم والتفكير، ويعتري الأسرى الكثير من التغييرات كالسهوم والشرود، والميل إلى النوم والاسترخاء، وغير ذلك من الأعراض التي يسببها الامتناع عن الطعام، والتوقف التام عن الأكل في ظل وجوده وانتشار رائحته الشهية، سواء كانت هذه الأعراض نفسية وآنية، أو مرضية وعضوية مؤلمة.
إلا أن الأسرى والمعتقلين الذين أنهوا اليوم السابع من إضرابهم المفتوح عن الطعام، وبدأوا الساعات الأولى من اليوم الثامن ليكون بداية الأسبوع الثاني من إضرابهم المقاوم، لا يتوقفون عند هذه الأعراض، ولا يشعرون بهذه المظاهر، وإن كانوا منها يتألمون، وبسببها يتوجعون، إلا أنهم يجاهدون لينتصروا عليها، ويكونوا أقوى منها، وأكثر على الصمود من تداعياتها ومضاعفاتها، فهم يعلمون أنهم يخوضون معركة عزائم وصبر، وتحدي وإرادة، وأن عدوهم يراهن على ضعفهم، وينتظر استسلامهم، ويتوقع تعليقهم الإضراب وعودتهم لحياتهم العادية في سجونهم، بعيداً عن التحدي والمواجهة، راضين بقدرهم، ومستسلمين لواقعهم، وغير ثائرين على ظروفهم، أو غاضبين على حراسهم وإدارة سجونهم.
إنه اليوم الثامن والأسبوع الثاني لمعركة الأمعاء الخاوية، الملحمة البطولية التي يخوضها رجالنا في السجون والمعتقلات دون اعترافٍ بضعفٍ، أو تسليم بعجزٍ، أو خضوعٍ بيأس، فقد فاق عدد الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعام الألف وخمسمائة معتقل، وما زالت أفواج الأسرى تتابع، وأعداد المضربين تتزايد، يلتحقون تباعاً بمسيرة الإضراب فرادى وجماعاتٍ، كأقوى ما تكون الوحدة والتلاحم والتضامن، والاتفاق والتنسيق.
الأسرى المضربون عن الطعام ليسوا أبناء تنظيمٍ واحدٍ أو فصيلٍ بعينه، إنهم صورة الوطن ومثال الشعب، يعبرون بجمعهم عن الوطن كله، وينوبون عن الشعب بأكمله، وينسجون بأمعائهم الخاوية خيوط الوحدة الفلسطينية، التي لا تعرف الانقسام، ولا تعترف بالخصومة والقطيعة، ولا تقف عند حدود قطاع غزة، ولا تنكفئ على أبناء الضفة، بل تمتد وتتسع ليشملها الوطن كله من شماله إلى جنوبه، فتذوب الفوارق وتتلاشى الحدود، وينصهر أسرى الشعب كلهم، ويلتقي في معركة الحرية والكرامة أبناء القدس والأرض المحتلة عام 48، مع إخوانهم من قطاع غزة والضفة الغربية، إنهم فتحٌ وحماسٌ، والشعبية والديمقراطية والجهاد الإسلامي، إلى جانب إخوانهم من المستقلين ومن المنتسبين إلى المجموعات العسكرية والتنظيمات الفلسطينية الأخرى، معاً يرسمون ملحمة الوطن العظيم، ومعركة الشعب الكريم.
الاسير البطل مروان البرغوثي
الاسير البطل مروان البرغوثي
قبل انتهاء الأسبوع الأول لملحمة الكرامة أعلنت الأسيرات الفلسطينيات عزمهن على خوض الإضراب المفتوح عن الطعام، تيمناً بإخوانهن الرجال ودعماً لهم في معركتهم العادلة ضد العدو السجان، وقد ظن العدو أنهن سيضعفن وسيترددن، ولن يتمكن من الالتحاق بمسيرة الرجال لضعفٍ في أجسادهن، أو لخورٍ في نفوسهن، ولكنه ما علم أنهن دوماً يسبق ولا يتأخرن، ويتقدمن ولا يتراجعن، وهن رغم قلة عددهن نسبياً بالمقارنة مع الأسرى الرجال، إلا أنهن يتميزن بأنوثتهن، ويتقدمن بجنسهن، ويثبتن بالفعل لا بالقول أنهن شقائق الرجال، وأمهات الأبطال، لا يتأخرن عن المعركة، ولا يجبن عن المواجهة، ولا يمنعن أنفسهن عن مشاركة الرجال في أعتى المعارك وأشدها على النفس والبدن معاً، فهذه معركة يلزمها عزيمة وإصرار، وعنادٌ ويقينٌ وثباتٌ، وإيمانٌ وجلدٌ وقدرةٌ على الصبر والاحتمال عالية.
أما الأسرى والمعتقلون المعزولون في زنازينهم، والمقصيون بعيداً عن إخوانهم، وعشرات القابعين بصمتٍ في زنازين وأقبية التحقيق، فقد أعلنوا عزمهم على أن يكونوا ضمن هذا الجيش الهصور، في معركته الصامتة المؤلمة، ينظمون إليهم ويكونون جزءاً منهم، وأنهم رغم عزلهم وبعدهم، ومعاناتهم وقسوة ظروفهم، إلا أنهم يرون أن هذه المعركة تخصهم، وهم يخوضونها إلى جانب إخوانهم من أجلهم اليوم، ومن أجل الأسرى الجدد الذين سيأتون من بعدهم، وسيدخلون السجن في أعقابهم، وإنه لحريٌ بهم وحقٌ عليهم أن يضحوا من أجلهم، وأن يناضلوا في سبيل تحصينهم وحفظ حقوقهم، وهم الأقدم والأسبق، وأصحاب الخبرة وأهل المعرفة.
لا يغيب عن هذه المعركة أسيرٌ وإن كان ضعيف البنية، كليل النفس أو مريض الجسد، فقد أعلن الأسرى المرضى أنهم سيكونون إلى جانب إخوانهم، وسيناضلون ليكتب اسمهم في معركة الكرامة، ولينالهم شرف المساهمة فيها والانضمام إليها، وأن مرضهم لن يمنعهم عن المشاركة في هذه المعركة التي تسطر صفحاتها بمدادٍ من الجوع والألم، وتكتب كلماتها بأنات الجسد وآهات النفس، وترسم لوحاتها بالتضحيات والمعاناة، وسيشهد التاريخ نضالهم وسيحفظ تضحياتهم، وسيخلد على مدى الزمن صبرهم، وإن كان الخطر يكتنف في هذه المعركة حياتهم، ويهدد صحتهم وينذر باستشهادهم، فإنهم كانوا من قبل قد باعوا أرواحهم واستودعوا عند الله نفوسهم، وما كانوا ينتظرون في مقاومتهم نجاة حياتهم أو خلاص أبدانهم.
إنها معركتنا جميعاً التي يجب أن نكون فيها مع أسرانا الأبطال صفاً واحداً وجبهةً متحدةً، نتناسى أمامهم اختلافاتنا، ونقفز في سبيلهم على خلافاتنا، ولا نقف إكراماً لهم عند مشاكلنا، ولا نتنافس احتراماً لهم وتقديراً لتضحياتهم على منافعنا أو نقتتل من أجل مكاسبنا، فمن كان محباً للأسرى فليقدم غاية ما يستطيع نصرةً لهم، وليساهم بما يقوى تأييداً لحقوقهم، وليشارك في كل الفعاليات والمناشط السياسية والإعلامية بأقصى ما يستطيع من جهد، ليناله شرف المساهمة، وليكون له فضل المشاركة، فهذه معركة الأمة الأشرف، وقضيتها الأقدس، وعنوانها الأكرم، فطوبى لمن انتصر لإخوانه، وانطلق رافعاً لواءهم، ومنادياً بحقوقهم، ومدافعاً عن حريتهم، وهنيئاً لمن كان له فضل التخفيف عنهم، أو كان له دورٌ في تحريرهم والإفراج عنهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   السبت 29 أبريل 2017, 11:22 am

محاولاتٌ إسرائيلية لوأد انتفاضة الأسرى وإفشال إضرابهم (1/4) الحرية والكرامة “5” 

لا تقبل إدارة السجون الإسرائيلية أن يقوم الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون بمحاولة لي ذراعهم، وتحطيم كبريائهم، وفرض مواقفهم عليهم عنوةً، وانتزاع حقوقهم وامتيازاتهم منهم بالقوة، وإملاء شروطهم تحت الضغط والتهديد ودعوات التصعيد، وتحريك الشارع الفلسطيني والعربي للضغط عليهم، وتأليب المجتمع الدولي عليهم، وفتح مختلف الجبهات الإعلامية ضدهم، تحرض عليهم وتفضحهم، وتضغط عليهم وتحرجهم.
لهذا فإنهم في مصلحة السجون لا يستجيبون لمطالب الأسرى بسهولة رغم أنها مطالب حق، ولا يخضعون لشروطهم ببساطةٍ رغم أنها شروطٌ إنسانية، ويتشددون في مواقفهم ويحرصون على ألا يظهروا أمامهم بموقف الضعف واللين وعدم الحسم، بل يتعمدون إظهار اللامبالاة تجاههم والاستهتار بمعاناتهم، ولا يبدون الاهتمام إزاء إضرابهم ومطالبهم، ولا يصغون إلى الوسطاء، ولا يقبلون بالحلول الوسط، ولا يبدون استعجالاً لحل الأزمة، أو قلقاً من تداعياتها، أو خوفاً من مفاعيلها الشخصية على حياة الأسرى والمعتقلين وصحتهم، أو على أسرهم وذويهم والمجتمع الفلسطيني كله.
تلجأ إدارة السجون والمعتقلات الإسرائيلية في الأيام الأولى للإضراب إلى مواجهة المعتقلين بالقوة والحسم، وبمنطق العسكر الذي لا يقبل بالهزيمة، ولا يتنازل بسهولةٍ، ولا يعرف الاستسلام للخصم، لكسر إضرابهم وتفريق جمعهم، وتمزيق تلاحمهم، وتهميش احتجاجاتهم وإهمال طلباتهم، وحتى تتمكن من الوصول إلى أهدافها وغاياتها فإنها تلجأ إلى طرقٍ عدة ومختلفة، مباشرة وملتوية، وخبيثة وماكرة، هدفها الوحيد كسر الإضراب، وتحطيم الروح المعنوية للمعتقلين، والظهور بمظهر المنتصر الذي لا يخضع لاحتجاجاتهم ولا يستجب لضغوطاتهم، ولا يخشى أبداً من تصعيد إضرابهم.
قد لا تبدِ إدارة السجون الإسرائيلية اهتماماً ملحوظاً في الأيام الأولى للإضراب، أو عند إعادة المعتقلين للوجبات الأولى، وقد لا تعترف بوجود الإضراب أصلاً، وتتعاطى مع إعادة الوجبات بصورةٍ باردةٍ، وقد تستمر على هذا الحال عدة أيامٍ، تتجاوز الأسبوع وأكثر، خاصةً إذا لم يكن الشارع الفلسطيني قد تدخل في القضية، وانخرط في الاحتجاجات والمسيرات والمظاهرات والاعتصامات والحملات الدولية والمحلية، أو في ظل قلة عدد الأسرى المنخرطين في الإضراب، وعدم انتشاره إلى جميع السجون والمعتقلات، وانحصاره في أعدادٍ قليلة وفي سجونٍ محددة، وبعيداً عن الحملات الإعلامية الفاضحة والضاغطة.pal prisoners
لكنها -شاءت أم أبت- فإنها سرعان ما تولي إضراب الأسرى والمعتقلين المفتوح والمتصاعد اهتماماً كبيراً، وتعلن حالة الطوارئ في جميع السجون والمعتقلات، وتلغي الإجازات وتستدعي الاحتياط، وتدعو المسؤولين القدامى وأصحاب الخبرات، وتشرك معها الحكومة وأجهزة الأمن والمخابرات، وتحمل أركان الكيان كله المسؤولية، وتطالبهم بالمساعدة والتعاون معها، حيث تكثف من تقاريرها، وترفع من درجة حضورها، وتعلن أنها في مواجهة تحدي أكبر منها، وعلى الحكومة والجيش ووزارة الداخلية تحمل مسؤولياتهم.
لا تتدخل حكومة العدو في قضية الإضراب إلا عندما تشعر بجدية المعتقلين وتصميمهم، وأنهم ماضون في معركتهم حتى النهاية مهما كلفتهم من ضحايا وخسائر، ومهما تعرضت حياتهم للخطر وصحتهم للتدهور، فتبدأ حينها في التفكير الجدي في كيفية مواجهة الأسرى وكسر إضرابهم، فتلجأ إلى وسائل مختلفةٍ، وسبل عديدة قد تعودت عليها وتراكمت لديها الخبرة فيها نتيجة تكرار الإضرابات، ولكن إرادة الأسرى تبقى دوماً أقوى من ظلم السجانين، وقدرتهم على الصمود والثبات والصبر والتحمل أكبر بكثير من قسوة إدارة السجون وظلمها، وقدرتهم على تشتيت جهود إدارة السجون كبيرة، وتيئيسهم من احتمال تراجعهم وانكفائهم محدودة، وقد خبرت إدارة السجون عزم الأسرى والمعتقلين، وأصبحت تعرف الحدود التي يمكنهم الوصول إليها، وتعرف مدى عنادهم وقدرتهم على التحمل واستعداهم للتضحية في سبيل أهدافهم.
وقبل أن أستعرض في حلقاتٍ متسلسلةٍ متتابعة، تواكب الإضراب وتمضي معه وتسلط الضوء عليه، مجموعة الوسائل والآليات التي تعتمدها حكومة العدو في مواجهة الإضراب، فإنني أثبت هنا أنها غالباً ما تتراجع عن قراراتها، وتنكفئ عن سياستها، وتعود إلى نقطة البداية، فتعترف بالإضراب وتقر بحق المعتقلين في خوضه، قبل أن تباشر معهم مفاوضاتٍ قد تكون طويلة وشاقة، لكنها تعرف أنها في النهاية ستخضع لإرادة الأسرى والمعتقلين، وستلبي طلباتهم، وستنزل عند شروطهم، وستحقق لهم ما انطلقوا من أجله، ولكن هذه المرحلة تتأخر كثيراً، ولا تكون إلا إذا وقر في عقل العدو الإسرائيلي، أنهم في مواجهة قادةٍ ورموزٍ أقسموا على الثبات، وأصروا على البقاء، وأعلنوا تحدي إرادة الاحتلال، ولكنهم دوماً يراهنون على حصانهم الخاسر، ويظنون أنهم في وضعٍ مريحٍ يمكنهم من المناورة والمساومة، ويساعدهم على العرض والترغيب، أو التخويف والترهيب، فهم السلطة القوية القادرة والمضربون هم المعتقلون الضعفاء العزل، وينسون أن رهان الأسرى الفلسطينيين دوماً هو على الحصان الرابح، وعلى الشعب الصابر، وعلى الأمة الكريمة الأصيلة، التي لا تخذل أبناءها، ولا تتخلى عن رجالها، ولا تتركهم وحدهم في الميدان يقاتلون، بل يسبقونهم إليه، ويتحدون عدوهم فيه، وسنرى تباعاً حبالهم وشراكهم، وسنفرح دوماً بانتصارنا وغلبتنا عليهم.





الحرية والكرامة "6"

اليوم العاشر للإضراب ...

لا تحرق إدارة مصلحة السجون والمخابرات الإسرائيلية كل أوراقها القمعية مرةً واحدةً، ولا تستخدم كل وسائلها المتاحة دفعةً واحدةً، بل تتدرج في استخدام ما لديها من أساليب قد اعتادت عليها طويلاً وتدربت عليها كثيراً، ولكنها قد تجمع في بعض المراحل بين أكثر من سياسة، خاصةً في ظل تصاعد وتيرة الإضراب وانتشاره في أكثر من سجنٍ، والتحاق أعدادٍ كبيرةٍ من الأسرى به بصورةٍ متتابعةٍ، مما يدفع إدارة السجون إلى الإسراع في خطواتها، والجمع بين سياساتها، علها تتمكن من التغلب على الإضراب والسيطرة عليه، أو تطويقه ومنع انتشاره بصورةٍ أكبر، ومن السياسات العامة التي تتبعها ...

o    الإهمال ...

تهمل إدارة السجون في الأيام الأولى إضراب المعتقلين ولا يبدو عليها الاهتمام أو القلق والاكتراث، وتحاول أن تستهزئ بما يقوم به المعتقلون من رد وجبات الطعام وعدم قبولهم إدخالها إلى غرفهم، وتصف إضرابهم بأنه ليس أكثر من جوع، وتعذيبٍ للنفس وحرمانٍ لها، وأنه لن يؤدي إلى نتيجة تذكر، وأنهم في إدارة السجون لن يستجيبوا إلى طلباتهم، ولن يخضعوا إلى شروطهم، وأنهم فقط سيعذبون أنفسهم دون جدوى، وبعد أيامٍ سيتراجعون من تلقاء أنفسهم عن إضرابهم، وسيعودون إلى قبول وجبات الطعام اليومية وتناولها، ويتعمد الحراس والسجانون الأكل والشرب أمام الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعام، علهم يحركون شهوة الطعام عندهم، ويضعفون إرادتهم، ويدفعونهم لكسر إضرابهم.

لكن الإهمال الشكلي والظاهري الذي تحاول أن تبديه إدارة السجون، يخفي قلقاً واهتماماً كبيراً ولكنه خفي، حيث تخشى إدارة السجون من انتشار الإضراب إلى بقية السجون والمعتقلات، كما تخشى من استمراره وطول أمده، وتقلق من إمكانية تدهور صحة بعض المعتقلين أو وفاة بعضهم، مما قد يحملهم المسؤولية ويعرضهم للمحاسبة، ولكنهم في الوقت الذي يهتمون فيه داخلياً، ويعقدون اجتماعات ولقاءاتٍ خاصة، فإنهم يحرصون على ألا يبدو للمعتقلين منهم ما يشير إلى شئٍ من هذا الاهتمام والقلق.

يشكل الإهمال المرحلة الأولى من مراحل الإضراب، حيث لا يتعدى عدة أيام فقط، ثم يبدأ بالضعف والتراجع مع مضي الوقت، فكلما مرت الأيام وأثبت الأسرى إصرارهم وثباتهم، كلما تراجع الإهمال وحل محله الجدية والقلق، ويدرك الأسرى هذه القاعدة، ويعرفون أنهم سيجبرون إدارة السجن على سرعة التراجع وإيلاء الأمر أهميته القصوى، وإظهار الاهتمام اللازم بالأمر، ولهذا فإنهم يصبرون ولا يتأثرون بأفعال وتصرفات الإدارة، لأنهم يدركون يقيناً أنها مؤقتة وستتغير بسرعة.

علماً أن الأسرى يختارون الأوقات المناسبة لإعلان الإضراب عن الطعام، حتى يضمنوا الاستجابة إلى شروطهم وطلباتهم، فهم لا يعلنون الإضراب في أوقات الحروب، ولا في ظل العمليات العسكرية الموجعة التي تقوم بها المقاومة، ولا في ظل الأزمات والاضطرابات السياسية التي تعاني منها الحكومات الإسرائيلية، ولا تكون فيها مهيأة لدراسة مطالب الأسرى والاستجابة لها، حيث تلعب العوامل الذاتية والموضوعية دوراً كبيراً في تحديد توقيت الإضراب، الذي يدرسه الأسرى جيداً ويعرفون مدى ملائمته.

o    إحداث بلبلة واضطراب ...

تلعب إدارة السجون والمخابرات الإسرائيلية أدواراً قذرة وخبيثة في محاولاتها إحداث خرقٍ في صفوف الأسرى والمعتقلين، وكسر إضرابهم ووضع حدٍ لاستمراره وتواصله، ومن أجل هذا الهدف فإنها لا تتوانى أبداً في استخدام أخس السبل وأقذرها في محاولاتها الوصول إلى غاياتها، فهي قد تشيع أن بعض السجون أو الأقسام قد تراجعت عن إضرابها، وأنها أعلنت إنهاء الإضراب بعد موافقتها على العروض التي قدمتها لها الإدارة، لتوهن من عزم المعتقلين وتضعف إرادتهم، وتوقع بينهم الخلافات والتناقضات.

أو تقوم خلال عمليات الجرد والتفتيش ومداهمة الغرف والزنازين بوضع خبزٍ أو طعامٍ قابلٍ للحفظ في أماكن خفية في غرف الأسرى وأقسامهم، ثم تعلن فجأة عن اكتشافها لهذه المخابئ السرية للطعام، وتعلن بأن الأسرى والمعتقلين كاذبين ومخادعين، وأنهم أعلنوا الإضراب عن الطعام في الوقت الذي قاموا فيه بتخزين كمياتٍ كبيرة من الخبز والطعام عندهم، ليوحوا لإدارة السجون بأنهم مضربين، والحقيقة أنهم يأكلون مما قاموا بتخزينه من الخبز والطعام.

علماً أن الأسرى والمعتقلين عندما يعلنون بدء الإضراب عن الطعام، فإنهم إلى جانب وجبة الطعام الأولى التي يعيدونها ولا يسمحون بإدخالها إلى غرفهم، فإنهم يخرجون كل أنواع الطعام الموجودة عندهم مسبقاً، كما يخرجون كل الخبز المحفوظ عندهم، ليؤكدوا لإدارة السجن جديتهم في الإضراب، وأنهم لا يخدعون ولا يكذبون في خطوتهم التصعيدية، وأن غايتهم تحقيق أهدافهم مهما كلفهم الإضراب من خسائر وتضحيات.

وقد تقوم إدارة السجن بإدخال الطعام والشراب والفواكه الشهية الطازجة إلى غرف الأسرى والمعتقلين، وتبقيه في داخلها، وتمنع الأسرى والمعتقلين من إخراجها، كما قد تكون لبعض الأطعمة رائحة نفاذة قوية وشهية تنساب بقوة إلى الغرف والأقسام، كرائحة شواء اللحم، في محاولة من الإدارة للتأثير على نفوس المعتقلين، والضغط عليهم من خلال شهوة الطعام التي فطر عليها الإنسان، حيث أن لرائحة الطعام النفاذة أثر كبير على الرغبة والشهية، مما قد يضعف البعض، أو قد يؤسس لبداية خلافٍ بينهم.

كما تشيع إدارة السجن في بعض الأحيان وخلال فترة الإضراب أن بعض المعتقلين قد توفوا نتيجة الجوع وتدهور حالتهم الصحية، الأمر الذي من شأنه أن يؤثر ولو نسبياً على نفسية بعض الأسرى والمعتقلين، على الرغم من أنهم عندما أقدموا على هذه الخطوة قد وطنوا أنفسهم على مثل هذه الإشاعات الكاذبة، وكانوا يعرفون أنه قد يكون مصيرهم الشهادة إذا طالت فترة الإضراب وأهملت الإدارة مطالبهم، إلا أنهم يشعرون ببعض الضعف والتردد الإنساني عندما يسمعون بوفاة أحد الأسرى في السجن تحت الإضراب عن الطعام.







 محاولاتٌ إسرائيلية لوأد انتفاضة الأسرى وإفشال إضرابهم (3/4) الحرية والكرامة “7”

لا تتوقف سلطات السجون الإسرائيلية عن محاولاتها إنهاء الإضراب ووضع حدٍ له دون تقديم أي تنازلاتٍ تذكر للأسرى والمعتقلين، أو الاستجابة إلى أيٍ من مطالبهم الإنسانية، بل تتشدد إزاءهم حتى النهاية، وتتصلب أمامهم ولا تبدي ليونةً في التفاوض معهم، وهي تعتقد أن منهج القوة التي تعتمده من شأنه أن يقودها إلى نصرٍ، وأن يؤدي إلى تحطيم إرادة الأسرى والمعتقلين وكبح جماحهم، ومنعهم من مواصلة إضرابهم عن الطعام، رغم أن تجاربها السابقة مع مثل هذه الإضرابات تقول عكس ذلك، وتؤكد أن إرادة الأسرى أقوى من إرادتهم، وأن الرهان على صبرهم هو دوماً لصالحهم، وأن مصلحة السجون تخضع لهم في النهاية، ولا تجد مناصاً من الإصغاء إليهم والتفاوض معهم والقبول بأغلب مطالبهم، ولكنها تبدي الرفض وتكابر، وتتمسك بعنجهيتها وتعاند، وتواصل محاولاتها الخبيثة ومساعيها القمعية ومنها …
o عزل الرموز والنشطاء المحرضين …
تتابع إدارة السجون ومعها المخابرات الإسرائيلية ما يحدث داخل السجون والمعتقلات بدقةٍ عاليةٍ، وتستطيع أن تعرف الأسرى الفاعلين الذين يلعبون الدور الرئيس في تحريض وتوجيه وتنظيم المعتقلين، والذين يتولون إدارة معركة الإضراب عن الطعام، ويجرون التنسيق الشامل مع مختلف الأسرى في السجون والمعتقلات الأخرى، ويقومون بتعبئة الأسرى والمعتقلين، وشحذ هممهم وتحريضهم، وحثهم وتشجيعهم على مزيدٍ من الصبر والاحتمال والعناد والإصرار.
وهم في الغالب أعدادٌ قليلة تعرفهم إدارة السجون من قبل، وتعرف مدى تأثيرهم وقوة شخصيتهم وأثرهم على بقية الأسرى والمعتقلين، لذا فإنها تقوم بإخراجهم من غرف وأقسام الأسرى، وتعزلهم في غرفٍ وحدهم، أو تعزلهم في زنازين انفرادية، فلا يكون بينهم وبين بقية الأسرى والمعتقلين الآخرين أي اتصال، وبذا تقضي على أدوارهم وفعلهم المؤثر بين الأسرى، إلا أن عملية العزل لا تتوقف ولا تنتهي، ولا تقتصر على أسيرٍ أو اثنين، بل تبقى العملية مستمرة ومتجددة، ذلك أن الأسير القائد الذي يغيب يحل مكانه آخر غيره، وقد يكون أكثر تأثيراً وأشد تصميماً وعناداً ممن سبقه، مما يدفع إدارة السجون إلى مواصلة صيرورة العزل والترحيل.pal prison 2
ومع كل هذه الإجراءات القاسية والمقصودة، فإن الأسرى المعزولين يبذلون قصارى جهودهم ليبقوا على اتصالٍ فاعلٍ مع إخوانهم الأسرى المضربين، في الوقت الذي يواصلون فيه إضرابهم، ويتمسكون به أكثر، رغم محاولات الإدارة المحمومة كسره، حيث تتعمد أن تضع في الزنازين الفردية التي لا يوجد فيها سوى أسيرٍ واحد، بعض الطعام والمأكولات الشهية والفواكه الطازجة، لتغري الأسير الذي يوجد في الزنزانة وحيداً الفرصة ليأكل ما يشاء دون أن يراه أحد، فتضعفه وتدفعه تحت تهديد الكشف والفضح لكسر إضرابه والتراجع عن مواقفه، ومع ذلك فإن الأسرى المعزولين يدركون هذه اللعبة الإسرائيلية القذرة، ويعلمون أنها لعبة وخديعة للإيقاع بهم والتشكيك في صدق إضرابهم، فتراهم يتشددون ويتمسكون بإضرابهم أكثر مما لو كانوا بين إخوانهم في الغرف والأقسام العادية.
o ترحيل المعتقلين وتفريقهم عن بعضهم …
تلجأ إدارة السجون والمعتقلات عندما يشتد الإضراب وتتواصل أيامه، ويتعذر عليها كسره، أو التخفيف منه عبر القبول الجزئي ببعض طلبات المعتقلين، وفي ظل رفض الأسرى التفاوض أو منح الإدارة فرصة من الوقت إضافية لدراسة الطلبات والقرار فيها، وامتداد الإضراب إلى كل السجون والمعتقلات، وتصاعد الهبات الجماهيرية المتضامنة معها، وتزايد الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية، إلى القيام بأوسع حملة تفريق ونقل وترحيل للأسرى والمعتقلين، وتتعمد الخلط بين الأسرى من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإبعاد الأخوة والأقارب عن بعضهم البعض، وتفريق أبناء المنطقة والحي والواحد، في محاولةٍ منها لتشتيت جهود الأسرى التنسيقية، وكسر حلقات التواصل فيما بينهم، وعرقلة تبادل الاتصالات والمعلومات بين الأقسام.
ولكن الأسرى والمعتقلين يدركون أن هذه الخطوة قادمة، ويعرفون أن إدارة السجن ستقوم بتفريقهم وترحيلهم إن عاجلاً أو آجلاً، فتراهم يحتاطون لهذه الخطوة، ويعدون خططاً لمواجهتها قبل أن تبدأ وتصبح أمراً واقعاً، وبالتالي فإنهم لا يرتبكون عندما يتم نقلهم وترحيلهم وتفريقهم، لأن الخطط البديلة موجودة، وحالة الطوارئ قائمة عندهم منذ اليوم الأول، ويعرفون يقيناً ما يقومون به في مثل هذه الحالة لحرمان إدارة السجون من نتائجها، أو التقليل من آثارها وحصر مفاعيلها.
بل إن مثل هذه الخطوات القمعية قد تأتي بنتائج عكسية، ولا تحقق الأهداف الإسرائيلية المرجوة منها، فبدلاً من أن تمزق جمعهم وتفرق صفوفهم وتربك خططهم، فإنها تدفع الأسرى والمعتقلين نحو تعميق التنسيق فيما بينهم أكثر، وترتيب خطواتهم بطريقة أفضل وأحسن، طالما أن جميع الأسرى مشتركون في الإضراب، ومصممون على مواصلته، ولا يهمهم أين يكونون طالما أنهم جميعاً يقومون بالمهمة الموكلة إليهم، وبهذا لا تنجح إدارة السجون والمخابرات الإسرائيلية في الوصول إلى أهدافها بهذه الطريقة، وإن كانت قاسية على نفوس بعض الأسرى أحياناً كونهم ينتزعون من بين إخوانهم وأصدقائهم انتزاعاً.
ولكن إدارة السجون الإسرائيلية تلجأ أحياناً إلى نقل بعض الأسرى إلى أقسام المحكومين جنائياً من العرب واليهود على السواء، من المجرمين والقتلة والمهربين واللصوص ومدمني المخدرات وغيرهم من المجرمين الإسرائيليين، الذين لا تحكمهم قيمٌ ولا أخلاق، والذين ينزعون إلى الشر والعنف والإساءة بطبعهم، والذين يكرهون العرب ويحقدون عليهم ويتمنون موتهم وزوالهم، الأمر الذي يجعل من حال الأسرى صعباً، وتطلب إدارة السجن من السجناء الجنائيين إجبار الأسرى الأمنيين على تناول طعامهم، وتعرض على السجناء الجنائيين حوافز ومكافئات إن هم نجحوا في ثني الأسرى عن إضرابهم وإجبارهم على كسر إضرابهم، ولكن إدارة السجون قد تتجنب العنف في هذه الظروف، وتوصي السجناء الجنائيين بعدم استخدامه مع الأسرى، وإنما التهديد والتلويح به فقط دون استخدامه، خوفاً من تطورٍ غير محسوبٍ، وانفلاتٍ للأمور غير دقيق.




إنه غباء المحتل وغطرسة الباغي، وتمادي الظالم وتيه الضال، وفساد عقل المعتدي وضيق أفق المفتري، وقلة عقل المعتد بقوته والمختال بعدته، الفاقد للعدل والمعادي للحق، المفتون بزمرته والمزهو بجماعته، الذين يظنون أنهم يحسنون في مواجهة إرادة الحق وأهله صنعاً، ويتوقعون عليهم نصراً، ويرجون عليهم كسباً، ويتطلعون بما أعدوا لهم من قوةٍ طاغيةٍ وعدةٍ باغيةٍ، وأحابيل خبيثة وخدع سقيمة، أن ينتصروا عليهم، وأن يفرقوا جمعهم ويشقوا صفهم، وأن يوقعوا الخلاف بينهم، فلا يكون لهم صوتٌ موحدٌ، ولا إرادةٌ صلبة، فتراهم ينتقلون من خطةٍ إلى أخرى، ويقفزون من تجربةٍ إلى غيرها، وكلهم أمل أن تجدي الثانية إذ لم تنفع الأولى، وأن تثمر الجديدة إذ فشلت القديمة، وما علموا أنهم يواجهون رجالاً يخوضون معركة الكرامة، ويصنعون غد العزة، فلا يرومون لحياةٍ ذليلةٍ، بل يتطلعون إلى الصعود إلى القمم، ويكرهون العيش أبداً بين الحفر، ولكن العدو يجهلهم ومعهم يحاول، وتجاههم لا ييأس، وفي سبيل كسر إضرابهم يسعى ولكنه سيفنى.
o        القوة المفرطة والعنف المؤذي ...
بعد أن لم تنجح وسائله في كسر إضرابهم ووقف امتداده بينهم ومنع انتشاره في صفوفهم، تلجأ سلطات السجون إلى استخدام القوة المفرطة ضد الأسرى والمعتقلين، فتداهم غرفهم، وتقتحم أقسامهم، وتدوس أغراضهم، وتصادر حاجياتهم، وتفسد محفوظاتهم، وتتلف مقتنياتهم، وتمزق مدوناتهم، وتسحق بأقدامها مصنوعاتهم، وتفتح في وجوههم فوهات اسطوانات الغاز الخانق والمدمع، وتندفع فرقهم الخاصة المزودة بأقنعةٍ واقيةٍ وخوذٍ متينةٍ وعصيٍ كهربائية وهراواتٍ سميكةٍ، فتضربهم بقسوةٍ، وتعتدي عليهم بشدةٍ، وتقودهم بالقوة خارج غرفهم وأقسامهم، وتعيد تقسيمهم وتوزيعهم بقصد تفريقهم والفصل بينهم، وهي تعتقد أنها بأسلوبها العنيف تستطيع أن تصل مع الأسرى والمعتقلين إلى ما لم تصل إليه بالحجة والمنطق، واللسان والحوار، والحكمة والعقل، ولكن النتيجة التي تصل إليها دوماً معهم، هي المزيد من الثبات والإصرار، والكثير من القوة والعزم واليقين، والتي بها يصفعون وجوه السجانين، ويصرخون فيها أننا هنا الأقوى والأصلب، والأكثر صبراً وثباتاً، والأكثر يقيناً وإيماناً، وأننا سنحقق ما نريد، وسنصل إلى ما نتطلع إليه.
o        المساومات ...
هي المرحلة التالية لاستخدام وسائل العنف المختلفة، وسبل القمع المتعددة، حيث تحاول إدارة السجون والمعتقلات قبل أن تدخل في مرحلة المفاوضات المباشرة والجدية مع وفد المعتقلين المفاوض، اختراق جمعهم وتمزيق وحدتهم، من خلال إجراء مساوماتٍ معهم، وعرض إغراءاتٍ عليهم، فتطرح عليهم حلولاً جزئية، وتقدم لهم تنازلاتٍ محدودة، أو تعيد لهم ما قد سحبته من امتيازاتهم القديمة، أو تستجيب لبعض طلباتهم الجديدة مقابل كسرهم للإضراب، أو تناولهم لوجبة طعامٍ واحدة، إذ أن ما يهمها هو كسر الإضراب، وتراجع المعتقلين عن برنامجهم التصعيدي ولو بوجبة طعامٍ واحدة يتناولونها، أو بتعليقٍ مؤقتٍ مشروط.
ولكن الأسرى والمعتقلين الذين يدركون هذه السياسة ويعرفون حيل وخدع الإدارة، استناداً إلى تجاربهم السابقة وخبرتهم المتراكمة، يرفضون تقديم أي تنازلاتٍ، ولا تلين مواقفهم أمام الضغوط القاسية، أو إغراءات المصلحة الكاذبة، ولا يصدر عنهم ما يوحي إلى استجابتهم لوعودهم أو اطمئنانهم إلى سياستهم، بل يبدون أمام إدارة السجون تماسكاً وتصلباً وتشدداً في الموقف، كونهم يعبرون عن إرادة الأسرى والمعتقلين جميعاً، فهم الذين ضحوا وعانوا، وصبروا واحتملوا، وتعرضت حياتهم للخطر وصحتهم للتدهور، بعد أن أمضوا أياماً طويلة وقاسية مضربين عن الطعام، علماً أن المفاوضين دوماً هم من الأسرى المضربين أنفسهم، ومن أقدمهم إضراباً وأكثرهم خبرةً في المفاوضات وعلماً بعقلية العدو السجان، وهو شرطٌ يضعه المعتقلون ويصرون عليه ويتمسكون به، ويحترمه الأسرى الآخرون ولا يزاحمون إخوانهم عليه، ولا يتقدمون إليه عليهم.
تدرك إدارة السجون أن فريق الأسرى المفاوض يأتيها دوماً مسلحاً بإرادة الأسرى والمعتقلين، وقوياً بموقفهم، وثابتاً بصبرهم، ولديه كل العزم على تحقيق مطالبهم، لهذا فهي تحاول أن تخترق جسم الأسرى عبر استدعاء بعضهم للتفاوض، وإهمال أو تهميش الفريق المنتدب من قبل المعتقلين، وفي أغلب الأوقات يرفض الأسرى من غير الفريق المنتدب للمفاوضات التفاوض معهم، ويشير إلى الإدارة أنه غير مخول أو مفوض بإجراء أي مفاوضاتٍ معهم، وأن الجهة الوحيدة المخولة بذلك هي الفريق المنتدب للمفاوضات فقط، وبذا يضعون حداً لمحاولات الإدارة شق صف الأسرى من خلال محاولاتها انتقاء بعض المعتقلين ممن تظن أنهم أكثر ليناً وأقل تشدداً للتفاوض معهم.
ولكن هذا التشدد في المواقف والصلابة في المفاوضات لا يمنع عودة المفاوضين إلى بقية الأسرى والمعتقلين للتشاور معهم، والاستماع إلى رأيهم، ومعرفة وجهة نظرهم من الأفكار التي تعرضها إدارة السجن، فقد يكون بعضهم غير قادرٍ على مواصلة الإضراب، ولديه الرغبة في كسره ببعض المكتسبات والتنازلات التي تقدمها إدارة السجن، ولما كان الأسرى والمعتقلون يسيرون بقوة الأضعف فيهم، فإنهم يحرصون على الاستماع إلى جميع الآراء، ومعرفة وجهات نظر الجميع، مخافة أن يكون قرارهم بالمواصلة ورفض الاستجابة إلى عروض الإدارة مخالفاً لرأي بقية الأسرى ومؤثراً على صحتهم وسلامتهم، ويتعارض مع قدرتهم على الصمود والمواصلة، إلا أن التجارب النضالية السابقة قد أثبتت أن أضعف الأسرى هو أقواهم، وأشدهم مرضهم هو أصبرهم، وأكثرهم ألماً هو أكثرهم عناداً وإصراراً.
لكن القرار النهائي في كل العروض الإسرائيلية بالقبول أو الرفض، كلياً أو جزئياً، سواء مع الفريق المكلف بالتفاوض أو مع غيرهم ممن تجبرهم إدارة السجن على التفاوض معها، فإنه يعود لمجموع المعتقلين المضربين عن الطعام، وليس إلى فئة معينة منهم، لكن الأسرى يحرصون بقرارهم الموحد والنهائي على وحدة صفهم وتماسك كلمتهم، ويحرصون على دراسة جميع المقترحات التي يحملها الأسرى بنوع من العقلانية والانفتاح وعدم الصد العنيف مخافة أن يخسروا أنفسهم، أو يحدثوا شقاً بينهم، ويقعوا في الفخ الذي نصبته لهم إدارة السجون الإسرائيلية، قبل أن يقولوا كلمتهم الأخيرة، التي هي كلمة الفصل الحاسمة في نتيجة المعركة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الأحد 30 أبريل 2017, 10:27 am

انتفاضة الأسرى عنوان الوحدة وسبيل الوفاق

د. مصطفى يوسف اللداوي
الحرية والكرامة "9"
•         اليوم الرابع عشر للإضراب ....
إيماناً بعدالة قضية الأسرى والمعتقلين، وإحساساً بمعاناتهم، وأملاً بحريتهم والإفراج عنهم، نجد أن قطاعات الشعب الفلسطيني المختلفة في الوطن المحتل والشتات، وجموعه المنظمة والعامة، وفصائله المتنافرة والمتنافسة، وقواه المنقسمة والمتخاصمة، وكتائبه العسكرية وتنظيماته السياسية، ومؤسساته الإعلامية وهيئاته الشعبية، تلتقي كلها اليوم على هذه القضية وتتحد، وتتناسى مشاكلها وتقفز على اختلافاتها وتتفق، وتنسق فيما بينها وتتعاون، وتتقاسم الأدوار وتتبادل، وتنوب عن بعضها وتتكامل، ذلك أن أسرانا البواسل في سجون العدو هم نقطة انطلاق وعلامة اتفاق ومحل وفاق، عليهم نلتقي وتحت ظلالهم نتحد، أياً كانت اتجاهاتنا السياسية وانتماءاتنا الحزبية.
وفي الوقت الذي يقف فيه أهلنا في النقب والجليل والمثلث وعموم فلسطين التاريخية، في حركةٍ تضامنيةٍ رائعة، والتفافٍ شعبيٍ عزَّ في غير هذه القضية نظيره، تلتقي فيها المساجد مع الكنائس، ويتداخل فيها الأذان مع أجراس الكنائس، بصوتٍ واحدٍ حرٍ واعدٍ صادقٍ، يؤيد الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية ويقف معهم وإلى جانبهم، وينادي بحقوقهم، ويستصرخ العالم الحر لينتصر لهم ويساندهم، ويتحدى سلطات الاحتلال التي تسجنهم وتجلدهم، وتعذبهم وتعاقبهم، يهب أهلنا في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، هبة رجلٍ واحدٍ ثائرٍ غاضبٍ ناقمٍ، لا يلوون على شئٍ غير حرية أسراهم وحقوق أبنائهم، فهم اليوم في سجون العدو يعذبون ويضطهدون، وهم الذين انبروا دفاعاً عن شعبهم، وثأراً لإخوانهم، وانتقاماً من عدوهم، نواباً عنهم ورواداً قبلهم، فاستحقوا بتضحياتهم من الشعب الوفاء، ومن الأمة التقدير والعرفان.
أما الأسرى والمعتقلون أنفسهم فقد كانوا رغم سجنهم واعتقالهم، سباقين إلى الوحدة، ورواداً في الاتفاق والوفاق، ورسموا لشعبهم المنقسم على ذاته والمتصارع مع نفسه، أروع الأمثلة في التلاحم والتنسيق والانسجام، ونسقوا فيما بينهم إضرابهم المفتوح عن الطعام فخرج قوياً متماسكاً، صاخباً مدوياً، منسجماً ومنسقاً، فلا تناقض بينهم ولا اختلاف، ولا أصوات معارضة ولا أخرى نشاز، بل شكلوا فريقاً واحداً وجسماً موحداً، فأعيوا العدو عن اختراقهم، وأعجزوه عن التأثير على بعضهم أو الوشاية والوقيعة بينهم.
وكأن الأسرى خلف القضبان، المحاصرين خلف الأسلاك الشائكة أو بين الجدران العالية، وداخل الزنانين الضيقة ذات الأبواب السميكة الصدئة، أعمق وعياً وأوسع فهماً، وأدرى بعدوهم وأعلم بمواجهته، فأرادوا أن يلقنوا شعبهم وقيادته درساً في أصول المواجهة وخوض المعارك، وفي إدارة الحروب وتحدي العدو، بأنه لا بد من الوحدة والاتفاق، والتنسيق والتكامل، فهذا هو سبيل النصر وطريق الفوز، وإلا فإن الاختلاف سيضعفنا، والانقسام سيشرذمنا، والتناقض سيهزمنا.
الأسرى الذين يخوضون الإضراب المفتوح عن الطعام وقد تجاوز عددهم في يومهم الرابع عشر الألف وستمائة أسيرٍ، ليسوا أبناء تنظيمٍ واحدٍ، أو ينتمون إلى حزبٍ أو فصيلٍ دون آخر، وإن كان يتقدمهم الأسيران مروان البرغوثي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وأحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلا أنهم جميعاً يدٌ واحدةٌ وصفٌ واحدٌ، وإن كانوا لفيفاً من أبناء حركة فتح وهم الأكثرية، وإلى جانبهم أسرى حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية وغيرهم، في وشاحٍ وطنيٍ رائعٍ، وقلادةٍ منضودةٍ بأزهى الألوان، ترصع الحالة النضالية للحركة الوطنية الأسيرة وتزينها بثوبٍ وطنيٍ قشيبٍ جميلٍ، تغيظ العدو وتؤلمه.
وهم ليسوا نزلاء سجنٍ واحدٍ فقط، بل إنهم يمثلون السجون والمعتقلات الإسرائيلية كلها، بعيدها وقريبها، القاصي في النقب، والمعزول في نفحة، والقريب في عوفر، وهذا ما يغيظ السجان ويغضب سلطات الاحتلال، إذ أن شرارة الإضراب انتشرت وامتدت، وانتقلت من سجنٍ إلى آخر، حتى أصبح من الصعب عليهم تطويق الإضراب وحصاره، أو التحكم فيه وتسييره، وأسقط في أيديهم محاولاتهم عزل الأسرى المضربين وإقصاءهم، فعما قريب سيكون المضربون هم الأكثرية، وسيلتحق بهم كل الأسرى والمعتقلين، وسيسبقهم إليه المرضى والنساء، والأطفال وذوي الحالات الخاصة، فهذه معركةٌ لا يتخلى عنها أحد، ولا يغيب عنها قادر، ولا يتأخر عن خوضها مؤمنٌ بها ومعتقدٌ بأنها صانعة الكرامة وبوابة الحرية.
لا شئ يوحد الشعب الفلسطيني كالأسرى والمسرى، فعليهما يلتقي الشعب وتتظافر جهوده، ويتعاون أبناؤه، وتتحد فصائله، وتتكاثف جهوده، وتتركز أعماله، وفي سبيلهما يضحي الشعب وتهون دونهما الصعاب، وتتضاءل أمامهما التحديات، ويتسابق لاستنقاذهما الرجال والنساء، والشيوخ والصبيان، وينبري للدفاع عنهما الأب والأم، والأخ والأخت، والابن والابنة، والجار والقريب والنسيب، والغريب والنصير، والكل يهب إذا رفع شعارهما، ونودي من أجلهما، إذا أحدق الخطر بهما، أو حاول العدو المساس بهما والتآمر عليهما، ولا يبالي الفلسطينيون إذا سقط في معركة الدفاع عنهما شهداءٌ وجرحى، أو معتقلون وبالرصاص الحي مصابون، فهذه معركةٌ يرونها قدسية، طاهرة نقية، لا مراءاة فيها ولا مداهنة، عنوانها واضحٌ، وهدفها محددٌ، إنها لنصرة القدس وللدفاع عن جنود فلسطين والأقصى.
المعتقلون الفلسطينيون والعرب في السجون الإسرائيلية، والقدس ومسجدها الأقصى، هما عنوانان عظيمان وواجهتان شريفتان، ورايتان ناصعتان عاليتان تخفقان، إنهما أيقونتا الشعب الفلسطيني وقبلة الأمة العربية والإسلامية، بطهرهما يقسمون، وبقدسيتهما يفتخرون، وبنقائهما يعتزون، ومن أجلهما يضحون بكل غالٍ ونفيسٍ، وانتصاراً لهما يتظاهرون ويعتصمون، ويجتمعون ويحتفلون، ويهتفون ويغضبون، فلا نستغرب ما نراه اليوم من وحدة الأمة والتفافها حولهما، رغم الظلام البهيم، والفتن السود، والحروب العدمية المدمرة، إلا أن ما أحاق بالأمة العربية لم يشغل شعوبها وأبناءها عن نصرة الأسرى الفلسطينيين، وتخصيص أوقاتاً من أجلهم، يدافعون عنهم، ويبرزون قضيتهم، ويفضحون العدو الذي يستفرد بهما ويعتدي عليهما.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   السبت 13 مايو 2017, 12:17 am

18 التضامن مع الأسرى تضامنٌ مع فلسطين

 ·اليوم الخامس والعشرون للإضراب ...

 لم يعد الأمر يحتمل الهزل أو الاستخفاف، ولا التردد وعدم الحسم، ولا المشاهدة السلبية والمتابعة الباردة، ولا الاعتماد على المجتمع الدولي والضمير العالمي، فقد دخل إضراب الأسرى والمعتقلين المفتوح عن الطعام يومه الخامس والعشرين، وهم لا يزالون يتقدون قوةً، ويتفجرون حماسةً، ويلتهبون إرادةً، ويتقدمون رجولةً، ويتصدرون أبطالاً، ولا نية عندهم للتراجع أو الانكفاء، أو القبول بالخسارة والاعتراف بالهزيمة، رغم أن الإنهاك قي نال منهم، والإرهاق قد أثر فيهم، والامتناع عن الطعام قد انعكس على أجسادهم نحولاً، وعلى أصواتهم خفوتاً، وباتوا يعانون من ظواهر مؤلمة وقاسية، تنذر بما هو أسوأ، وتحذر مما هو أخطر، وقد بدوا أنهم يقتربون من مصيرٍ سيئٍ، بعد أن كثر القيئ وتشققت الشفاه وتيبست الحناجر، وكثرت حالات الدوخة وفقدان التوازن، واضطربت العيون في محاجرها وأصابها شئٌ من العجز أو الكلالة.

نخطئ كثيراً عندما نقاتل بأسرانا، ونهاجم بمعتقلينا، ونهدد بإضرابهم، ونتوعد بجوع أمعائهم، ونترقب النصر بخواء معداتهم، ثم نقف أمام معاناتهم متفرجين، صامتين ساكتين، أو شاكين وباكين، نصرخ ونولول، ونشق الجيوب ونلطم الخدود ونشكو العجز وقلة الحيلة، ونظهر الضعف أمام عدونا ونستجدي النصرة من غيرنا، ونستعرض صور الأسرى والمعتقلين لنستجلب العطف عليهم، ونستمطر الشفقة على مصيرهم، فهذه ليست رجولةً ولا هي أخلاق النبلاء ولا أفعال الشرفاء ومقاومة الشجعان، ولا هو السلوك المنتظر منها والمتوقع من شعبٍ يعاني أبناؤه، ويشكو أسراه من سوء أحوالهم، وقسوة ظروفهم، والظلم الواقع عليهم، بل ينبغي أن نسبقهم إلى الميدان، وأن نكون قبلهم على مختلف الجبهات، فنحن نمتلك خياراتٍ أكثر، وعندنا مجالاتٌ أوسع، وكل ساحات العالم مفتوحة لنا لتكون ميادين للمقاومة، وسوحاً للقتال، نتضامن فيها ونتظاهر، ونرفع الرايات ونردد الشعارات، ونطالب حكومات العالم بالوقوف معنا والانتصار لقضيتنا.

إنها فرصة الجميع لأن يساهم في هذه المعركة، وأن يقدم فيها شيئاً يرضى بها عن نفسه، ويبرأ إلى الله عز وجل من عجزه، ويقدم شيئاً لأهله، ويشارك ببعض جهده شعبه، حتى لا يأتي عليه يومٌ فيه يندم، وزمانٌ فيه يتهم بالتقصير أو بالجبن، وبالخيانة وترك الأمانة وعدم القيام بالواجب، فالتاريخ لن يرحم أحداً قصَّرَ، ولن يسكت عن أمينٍ خان، ولا عن مترددٍ ضيع الفرصة وفوت المناسبة، ولن يغفر لمن كان قادراً وتأخر أو يستطيع وما تقدم، فهذا مقامٌ لا عاجز فيه ولا غير قادر، ولا مكان فيه لمعتذرٍ أو خائفٍ، ولا لمترددٍ أو وَجِلٍ، ولا لبعيدٍ أو قاصٍ، ولا لغريبٍ أو قريبٍ، وهذا مقامٌ يستوي فيه الرجال والنساء، والشيوخ والشباب، والصبية والكهول، ولا فيه عذر لعجوزٍ ولا تهاون مع شابٍ.

إنها معركةٌ قد عقدت نواصيها، ورفعت راياتها، ودقت طبولها، وانبرى رجالها، وخرج للقتال أبطالها، فليس منا من لم يساهم فيها ويقاتل، ولا مكان بيننا لمن ادخر فيها طلقةً، أو حبس فيها كلمة، أو عطل مسيرةً، أو أفسد مهرجاناً أو اعتصاماً، أو امتنع عن تلبية النداء وتأخر عن أداء الواجب.

إنها أيام الله فينا التي سيحفظها لنا، وسيسطرها في كتابنا، وسيعرضها علينا في سجل أعمالنا، فأروا الله في أعمالكم، وامتازوا اليوم بجهودكم، وقدموا بين يدي أبنائكم ما تستطيعون، بل أغلى ما تملكون، إنها معركة الكرامة وحرب العزة والشرف، وهي ثورة الحرية والرفعة وانتفاضة النصر، فشاركوا فيها بما تستطيعون، وقاموا فيها بما تقدرون، ولا تعتذروا أبداً إذ لا مكان للمعتذرين بيننا اليوم، ولا حرمة للمتخلفين عن القتال في هذه المعركة غداً.

واعلموا أن هناك متسعاً للجميع بلا استثناء، ومكاناً لكل من أراد وعزم، إذ كلنا قادرٌ على الفعل والعطاء، والبذل والفداء، ويستطيع كل منا أن يقدم من موقعه، وأن يساهم من مكانه، وأن يشارك بالقدر الذي يستطيع في تعزيز إضرابهم، وتصليب ومواقفهم، وتحصين تحركهم، فانتصروا لإخوانكم في معركتهم، وشاركوا من أجلهم بالكلمة والصورة والرسم والشعار، والوصف والعرض والبيان، والمسيرة والمظاهرة والاعتصام والإضراب الرمزي، ارفعوا الصوت عالياً، واصرخوا في وجه الجلاد بقوة، وانتفضوا ضد العدو بكرامةٍ، وهبوا في مواجهته بصدق، فهذا يومٌ له ما بعده، ولن يغفر الشعب والتاريخ لمن قَصَّرَ فيه أو تأخر.

أيها الفلسطينيون في الوطن والشتات، حيثما كنتم وأينما سكنتم، وأيها العرب الغيارى والمسلمون الأحرار، عيشوا اللحظة النضالية مع إخوانكم وأبنائكم الأسرى والمعتقلين، ولا تتخلوا عنهم في معركتهم، ولا تتركوهم وحدهم في مواجهة عدوهم، وكونوا معهم جنداً وقفوا إلى جانبهم سداً، وانصروهم وساندوهم، وأيدوهم وساعدوهم، فهم في السجون بسببنا، وفي المعتقلات نيابة عنها، وفي الجبهة الأولى دفاعاً عنا وفداءً في سبيلنا، وتخيلوا أنكم معهم وإلى جانبهم في معركتهم النضالية المشرفة، ومواجهتهم البطولية الصعبة داخل السجون والمعتقلات، وتصوروا أنفسكم أنكم الآن مضربون مثلهم عن الطعام، وأنكم لم تتناولوا شيئاً منذ خمس وعشرين يوماً، ماذا لو كنتم بينهم وجزءاً منهم، هل كنتم ستصبرون على الجوع والألم، وعلى المعاناة والسقم، وعلى الضعف العام وخمول الجسد.

أعظم بكم أسرانا الأبطال، وأكرم بكم رجالنا الأماجد، صناع المجد رواد الكرامة أهل النبل والشرف والشهامة، نحن معكم أيها الرجال الأبطال، وإلى جانبكم وفي ظلالكم، نقتفي آثاركم وندعم صمودكم ونساندكم في نضالكم، نرفع الرأس بمقاومتكم، ونفخر بالانتماء إليكم والدفاع عنكم، وندعو الله أن ينصركم وأن يكون معكم، ويفرج عنكم ويحقق أمانيكم، ونسأله سبحانه ألا يتركم أعمالنا وألا يخيب رجاءكم، وألا يمكن العدو منكم، فأنتم خيرتنا وصفوتنا، قد ساقكم الله إلينا لتكونوا قادتنا وطليعة مقاومتنا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   السبت 09 ديسمبر 2017, 11:11 am

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (1)


الكاتب: د. مصطفى يوسف اللداوي
القدس مدينةٌ فلسطينيةٌ عربيةُ الوجه إسلاميةُ الحضارة
لا نصاب باليأسِ والإحباطِ وبالقنوط والعدمِ، ولا نُسلمُ ونستسلمُ ونخضعُ ونخنعُ، ولا نقبل ونعترف ونقر ونوافق، فما حدث ليس قدراً محتوماً ولا كتاباً مسطوراً، ولا قلماً يكتب التاريخ ويرسم المستقبل، إنما هي إعلانات مأفونٍ وتصريحاتُ مجنون، وأحلام سفيهٍ وتصرفات أهوجٍ، وأقوالُ رجلٍ يظن أنه ملك الدنيا وحكم العالم، وامتلك الكون وسيطر على الأرض، وأنه بجرة قلم أو بتغريدةٍ على التويتر، أو بصفقةٍ في السوق أو بمغامرةٍ في البورصة، يستطيع أن يبدل صفحات التاريخ وأن يغير معالم الجغرافيا، وأن يستبدل واقعاً ويثبت آخر، وأنه بهوسه الغريب يستطيع أن ينسي الفلسطينيين حقهم، وأن يجرد المسلمين من قدسهم، وأن يشطبها من قاموسهم ويلغيها من كتابهم.
نسي هذا الأحمق الأهوج أن القدس آيةٌ في كتاب الله، وأنها بعضٌ من القرآن الكريم، يتلوها المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، يقرأونها في صلاتهم ويتهجدون بها في قيامهم، ويتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بذكرها، ويحفظونها صغاراً ولا ينسونها كباراً، ويورثونها لأنفسهم أجداداً لأحفادِ، وأنها مسرى رسولهم من البيت الحرام، ومعراج نبيهم إلى السموات العلى، وقد باركها الله عز وجل لهم وفيما حولها من أجلهم، وجعل فيها طائفةً من أمته على الحق ظاهرين ولعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا ما أصابهم من اللأواء في سبيله، وهم على العهد ماضون، يحافظون على قدسهم، ويرابطون في أقصاهم، ويدافعون عن مسجدهم، الذي هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأحد ثلاثة مساجدٍ يشد إليها الرحال، ولهذا فإنهم عنه وعن القدس يدافعون، وفي سبيلهما يضحون بالأرواح والمهج وبالأموال والولد، وبهما لا يفرطون، ولهما مهما طال الزمان لا ينسون ولا يهملون.
نسي هذا الهائج كثورٍ الذي أطلق إلى ساحة مصارعةٍ يجهلها، فبات يتخبط في نفسه، ويضرب ضرب هوجاء في الفضاء عله يصيب خصمه وينال من مصارعه، أن القدس عربية الأثواب والأسمال والمعالم والأسماء، وأنها عربية الحرف واللسان، وعربية البنيان والعمران، فتحها عمرٌ وحررها صلاح، وسكن فيها عليٌ وعمرَّها عثمان، ومشى فوق ترابها شدادٌ وأبو عبيدة، وصال فيها عبادة وسلامة وأبو طلاسة، وبقي فيها المسلمون عهوداً، وشد إليها العربُ الرحالَ عمراً، فكانت لهم فيها حاميةً وأبواباً، وأقواتاً وأحباساً، ما زالت إلى اليوم تحمل اسمهم وتخلد ذكرهم، وتبقي رغماً عن الاحتلال آثارهم.
لو قدر لهذا المفتون بنفسه المغرور بقوته أن ينبش تراب الأرض، وأن يستخرج أجداث الأموات من الآباء والأجداد الذين سبقونا، وأن يحلل بقايا الرفات والعظام، فإنه سيجد أن أديم هذه الأرض هو من تلكم الأجساد الطاهرة المؤمنة، المسلمة الموحدة، وأن تربتها تحتضن رفاتهم، ويسكنها أبطالهم، ويصبغها بالعروبة والإسلام رجالهم، وأن ترابها رطبٌ بدمائهم، ومعبقٍ بطهرهم، وفيه بقايا من آثارهم، والكثير من علاماتهم، فهي الأرض المقدسة التي فتحوها بعهدتهم العمرية، وهي تلك التي حرروها من الاحتلال الصليبي بالدماء الزكية، وهي نفسها التي طهروها من الغزو المغولي، فبقيت عربية الوجه إسلامية الهوية والحضارة.
ليس أدل تشبيهاً لهذا الأرعن الأمريكي، المأفون في عقله والفاسد في فكره، ولا أدق وصفاً له من قول الله عز وجل " إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا ...." وبذات حمق الكفار وعنادهم القديم، وجهلهم وسفههم المعروف، قال: إنها أورشاليم عاصمة إسرائيل الأبدية الموحدة، وبها اعترف عاصمةً، وفيها أعلن أنه سيبني سفارة بلاده، ومنها ستزاول عملها ونشاطها، وقد ظن في نفسه جهلاً أنه البطل دون رؤساء أمريكا السابقين، وأنه الأكثر شجاعة والأصدق وعداً، وما علم أنه سيبوء بالخسران، وسيجد نفسه مضطراً للاذعان إلى الحق، والقبول بالعدل، والنكول عن الوعد والنكوص على العقب، وسحب الاعتراف وإبداء الندم، وسيشهد التاريخ على جهله، وستذكر الأيام مدى سخفه وقلةِ عقله، ونقص خبرته وضحالة تجربته.
لا تنسوا أيها العرب والمسلمون، وأيها الفلسطينيون في الوطن والشتات، أن فلسطين كلها محتلةٌ أرضها، ومغتصبةٌ حقوقها، ومنتهكةٌ مقدساتها، ومنهوبةٌ أملاكها، وأهلها منها مطرودون وفيها لاجئون وعنها مبعدون، وقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بالكيان الصهيوني عند تأسيسه في العام 1948، بل كانت أول دولةٍ تعترف به، ولم تكتفِ بالاعتراف به وتشريع وجوده، بل زودته بالمال والسلاح، وبالخبرة والرجال، والعلوم والتقنية الحديثة، ليبقى متفوقاً، ويستمر قوياً، ولكن اعترافها الأول به لم يلغِ عروبة القدس، ولم يشطب هويتها الإسلامية ولم يغير معالمها الأصيلة، رغم مساعيه المحمومة ومحاولاته المجنونة، وإجراءاته التهويدية التي لا تتوقف، إلا أن القدس تبقى عصيةً على تهويدهم، وترفض أبداً تغريبهم، وتصر على أن يبقى الضاد لسانها، وأن تصدح بنداءات الله أكبر مساجدها، وتتردد فوق قبابه وفي جنباته تلاوةً وتجويداً كلماتُ ربها وآياتُ قرآنها، ذكراً حسناً خالداً أبداً وعد الصدق إلى يوم القيامة.



القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (2)

بكل وقاحةٍ وبجاحةٍ وصفاقةٍ وقلة أدبٍ، وانعدام ذوقٍ وبلادة فكرٍ وسوء خلقٍ، وباستخفافٍ بادي واستهبالٍ ظاهرٍ، أو باستعباطٍ مقصودٍ وغباءٍ متعمد، يطالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشعوب العربية والإسلامية بالتعقل والهدوء، والكف عن التظاهرات والمسيرات، والامتناع عن الشجب والرفض والاستنكار، والتراجع عن الثورة والغضب، ووقف الحملات التحريضية وتعبئة الجماهير الشعبية، والعودة بالمواطنين إلى الحياة العادية، بعد هالته مشاهد التظاهرات والمسيرات، وصور الرفض والاستنكار، التي عمت جميع العواصم العربية والغربية، ولم تستثن منها العاصمة الأمريكية واشنطن، التي شهدت بدورها مظاهراتٍ واعتصاماتٍ منددة بالقرار، ومتضامنة مع الشعب الفلسطيني، ومؤيدةً حقه في القدس مدينةً وعاصمةً لهم.

دعا ترامب الشعوب العربية والإسلامية إلى تفهم مبرراته والاطمئنان إلى دوافعه، وعدم الشك في نواياه أو الطعن في مقاصده، فهو يتطلع إلى السلام الشامل بين العرب والإسرائيليين، ويريد حلاً نهائياً للقضية الفلسطينية، وأكد أن مساعده كوشنير وآخرون سيقومون في الأيام القليلة القادمة بالكشف عن مشروعه للسلام وتصوره للتسوية في المنطقة، وعندها سيدرك الفلسطينيون أنه لم يخدعهم ولم ينقلب عليهم، ولم يصطف إلى جانب الكيان الصهيوني، ولم يعطهم حقاً ليس لهم، القدس التي هي حقٌ لغيرهم وعاصمةٌ لسواهم، بل إن ما قام به يخدم السلام ويفيد المنطقة ويحقق الأمن والاستقرار لسكانها.

ترامب الذي يعيب على الإدارات الأمريكية السابقة، ويتهمها بالتقصير وسوء الإدارة، والإهمال وعدم المبادرة، لأنها لم تقم بهذه الخطوة السيادية المشروعة منذ سنواتٍ، يريد بكل بساطةٍ ويسرٍ من العرب والمسلمين أن يصدقوه، وأن يسلموا بحسن نيته وصفاء سريرته، وشرعية مقصده وقانونية خطوته، ويتمنى عليهم ألا يتهمونه بسوء القصد وعدوانية القرار، ولا بالانحياز الأعمى إلى الكيان الصهيوني، ولا بالجهل التام بقضايا الشرق الأوسط، ويدعي أنه بخطوته هذه إنما يريد الخير للفلسطينيين والسلام للعرب والاستقرار للمنطقة، وعلى العرب والمسلمين أن يفكروا جلياً في قراره، وأن يدركوا أبعاده، فهو قرارٌ صائبٌ يصب في صلب العملية السلمية ويتناغم معها، ولا يتعارض مع مبادئ السلام، ولا يسبق العملية السلمية، ولا يفرض حلولاً مسبقةً، ولا يستبق بوقائع جديدةٍ يصعب تجاوزها خاصةً إذا تم البناء عليها.

 

لست أدري هل يكذب علينا هذا الرجل أم يكذب على نفسه، وهو يحاول أن يوهم الآخرين بما يرى ويعتقد، أتراه يصدق نفسه عندما يبرر فعلته النكراء بهذه الأكاذيب الشنيعة، أم أنه يستهزئ بالعرب والمسلمين ويستخف بهم وبعقولهم، ولا يعنيه أمرهم ولا يهتم لشأنهم، ولا يتوقف عند احتجاجهم، ولا يحسب حساباً لمعارضتهم، ولا يأبه بمظاهراتهم واعتصاماتهم، ويريد أن يقنعنا أنه يقف إلى جانبنا، ويساندنا في حقنا، ويحرص على مستقبلنا، ويتطلع إلى السلام من أجلنا، ويفترض فينا البراءة والبساطة بما يكفي لنصدقه، ويريدنا وقد صدقناه أن ندافع عنه ونرد الاتهامات التي تشاع حوله، وأن نبشر بخطته ونبارك قراره.

ألا يدري ترامب أنه بقراره الطائش هذا قد أصاب الأمة العربية والإسلامية في صميم قلبها، واستهدف روحها، وطعنها في أعز مقدساتها، واعتدى على درة مساجدها وعروس مدائنها، وألحق نسبها الشريف بأخس أمةٍ وأحط شعبٍ، ولوث باعترافه المشؤوم شرفها الرفيع، وأهان كرامتها المصونة، وهي العزيزة الكريمة، الأبية الرفيعة النسب العالية المقام، التي تمتد جذورها في عمق التاريخ، وترسم صفحاتها الناصعة على هام الزمان آياتٍ من العز والفخار، يتشرف بها المسلمون، ويفخر بانتسابهم إليها العربُ، إذ كانت لهم في زمانهم عاصمةً ومنارةً، بها يُعرفون وإليها ينتسبون، وبمنارة مساجدها يهتدون.

كيف يمكن لهذا الدعيِّ الغبي أن يطلب من العرب والمسلمين أن يتقبلوا هذه الجريمة، وأن يغضوا الطرف عنها، وألا يتهموا مرتكبها بالجنون والسفه، اللهم إلا إذا كان قد اتفق مع البعض، وتآمر مع آخرين، وعقد النية بالتعاون مع بعض الخائنين للأمانة، المفرطين في الوعد، والزاهدين في القدس، فاطمئن إلى أن قراره سيمضي، وأن مفاعليه ستتحقق، وأن غضب الشارع العربي والإسلامي بفضل المتعاونين معه سيهدأ، وستخبو ثورته وستتراجع انتفاضته، وسيسلم بعجزه عن مواجهته، وعدم القدرة على منعه، وسيقبل في نهاية المطاف بالأمر الواقع، خاصةً إذا قبلت بالأمر الحكوماتُ، ووافق عليه الملوكُ والرؤساءُ والقادةُ والأمراءُ.

أخطأ الرئيس الأمريكي بالتأكيد قراءة الشراع العربي والإسلامي، وخانه معاونوه ومستشاروه عندما لم يخبروه أن شعوب هذه الأمة حية، وأنها حرة أبية عزيزة، لا تنام على الضيم، ولا تسكت على الذل، ولا يطول مقامها على الخسف، ولا تقبل المساس بدينها، ولا الاعتداء على مقدساتها، أو الإساءة إلى رموزها وتدنيس مساجدها، فكيف إذا جردها عدوها من مسجدها الأقصى، وحرمها من مدينتها المقدسة، حينها لن تستكين الشعوب ولن تهدأ، ولن تصغي السمع لأحد ولن تخضع، ولن تترك العدو ينعم بالمنحة، ولا أمريكا بنشوة القرار، لكن أعداء الأمة أغبياء لا يتعلمون، وسفهاء لا يعقلون، وقد أصابهم مسٌ من الجنون فخرفوا، والكثير من الغرور فأخطأوا، وبعض الغطرسة فظلموا، فهل توقظهم الأحداث، وتنبههم من غفلتهم ردةُ فعل الشعوب الغاضبة وثورتها النابضة



القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (3)

القدسُ تجمعُ وتوحدُ وفلسطينُ تتصدرُ وتتقدمُ

أراد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يسلخ مدينة القدس عن أمتها، وأن يقصيها عن عالمها، وأن يحرم شعبها منها، وأن يغربها عن أهلها ومحيطها، وأن ينسبها إلى غير أصحابها عنوةً، وأن يمنحها لمغتصبيها ظلماً، وأن يشرع لمحتليها أرضها، وأن يدنس بأقدامهم مقدساتها، وأن يعترف بحقهم فيها عدواناً.

ولكن الله أراد شيئاً آخر، وحقق للأمة مراداً مخالفاً، رد به كيد أمريكا إلى نحرها، وأغاظ به قادتها وأزعج إدارتها، وخلط أوراقهم وشتت أفكارهم، وبدل أولوياتهم، إذ صدمتهم ردود الفعل الشعبية العربية والإسلامية، إلى جانب الموقف الشعبي الفلسطيني العنيد، الذي انبرى للدفاع عن قدسه والذود عن حياض بلاده، وهو الذي خرج للتو من معركة البوابات الإلكترونية، التي أجبر فيها سلطات الاحتلال على التراجع والانكفاء، وتفكيك البوابات وإزالة الكاميرات، وهو اليوم أشد عزماً وأقوى مضاءً في الدفاع عن شرف مدينة القدس وطهرها، ولن يفاجئ الأمريكيون وغيرهم بهذا الشعب العظيم، إذ لن يفت قرارهم الفاسد في عضده، ولن يضعف إرادته، ولن يدفعه إلى اليأس والقنوط والإحباط.

أما شعوب الأمة العربية والإسلامية، الذين لا نستثني منهم شعباً ولا ننسى دولةً، بدءاً من نواكشوط وصولاً إلى جاكرتا، ومروراً بعواصم أفريقية وأوروبية أخرى، فقد خرجوا في مظاهراتٍ عارمةٍ ومسيراتٍ جرارةٍ في كل عواصمها ومدنها، وفي جامعاتها ومساجدها، وفي ميادينها العامة وساحاتها الكبرى، وأمام السفارات الأمريكية وعلى بوابات المؤسسات الأممية، وهم على قلب رجلٍ واحد، متفقين في الموقف وموحدين في الرأي، يرفعون شعاراً واحداً ويعلنون موقفاً موحداً، القدس عاصمة فلسطين الأبدية، ولسان حالهم يقول لترامب وللعالم أجمع، أن هذه المدينة المقدسة ملكٌ للعرب والمسلمين جميعاً قبل أن تكون ملكاً للشعب الفلسطيني، ولهذا فهي تستحق منهم التضحية والفداء، وتوجب عليهم الدفاع والحماية.

ما كان ترامب وزبانيته والعصابة التي تقف معه تؤيده وتشير عليه، وتحرضه وتستعجله لإعلان قراره، تتوقع أن تكون ردة الفعل العربية والإسلامية بهذا الحجم الكبير، وبهذا الانتشار الواسع، فكأنه بقراره العنصري البغيض قد نبه الأمة العربية والإسلامية من غفلتها، وأيقظها من منامها، وأعادها بالصدمة إلى جادة الطريق، وذكرها بدورها وبالواجب الملقى على عاتقها، ودفعها بقوةٍ للتعبير عن مواقفها، وكشف عن المخزون النضالي الكبير لدى أبنائها، وبيَّنَ أنه كامنٌ يتربص، وجاهزٌ للانطلاق عندما تدعو الضرورة.

كشف قرار ترامب الذي ظن أنه سيمر بسهولة، وسيتقبله العرب وسيرضى به المسلمون دون مقاومة، وسيخضع له الفلسطينيون لإحساسهم بالعجز والضعف والغربة، إذ تخلت عنهم الحكومات والأنظمة، وتآمرت عليهم الدول والأجهزة، مدى العداوة الأمريكية للعرب والمسلمين، وعمق العنصرية التي يتعاملون بها معهم، وفضح زيف اعتدالهم ووهم وسطيتهم، وكذب وساطتهم ورعايتهم.

أثبتت الوقائع والصور المنقولة من كل مكانٍ، أن العرب والمسلمين في سبيل القدس يتوحدون، ومن أجل فلسطين يتفقون، وللدفاع عنها ينسقون، ولحمايتها يخططون، وقد كان البعض يراهن على جراحاتهم الداخلية ومشاكلهم الوطنية، واضطراباتهم الأمنية ومشاكلهم البينية، والعمليات المسلحة التي تشهدها بلادهم، وعدم الثقة التي سادت بين مكوناتهم، إلا أنهم أثبتوا للجميع أن فلسطين تسكنهم والقدس تجري في عروقهم، وأنهم لا ينسونها ولا يفرطون فيها، ولا يتخلون عنها ساعة العسرة، ولا يتركونها في ظل الكروب والمحن العصيبة.

قرارٌ ترامب أعاد الألق القديم إلى القضية الفلسطينية، وكشف عن بريقها الأخاذ وسحرها الفاتن، وسلط الضوء على طهرها وعدالة قضيتها، وشرعية نضالها ونزاهة مقاومتها، وجمع الأمة عليها من جديد، وهي التي ظن الفلسطينيون قبل غيرهم أنهم انفضوا عنها، وتخلوا عن أبنائها بعد الانقسام المرير الذي عانوا منه، والصراعات الداخلية التي شوهت صورتهم وأضرت بقضيتهم، وحرفت نضالهم عن الطريق الصحيح، وجرفته إلى أماكن تضر ولا تنفع، ودهاليز لا تخدم ولا تفيد، بل تزيد في عمق الأزمة وتعقد جوانب القضية.

الفلسطينيون اليوم فرحون وسعداء، ولا يشعرون بخوفٍ أو قلقٍ، ولا يعانون من فرقةٍ أو غربةٍ، ومعهم كل المخلصين من أبناء الأمة العربية والإسلامية، إلى جانب أحرار العالم وثواره، الذين أحبوا القضية الفلسطينية وآمنوا بعدالتها وناضلوا إلى جانبها، إذ وجدوا أنفسهم أنهم ليسوا وحدهم في مواجهة الاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية المساندة له والمؤيدة له ولسياساته، بل وجدوا أنفسهم محاطين بأبناء أمتهم، يحمونهم ويساندونهم، ويؤيدونهم ويقفون إلى جانبهم، ويضحون معهم ويبدون الاستعداد للمقاومة في صفوفهم والقتال إلى جانبهم.

ولعل الأرض الملتهبة طولاً وعرضاً في كل مكانٍ ضد الإدارة الأمريكية، وصورة القدس التي ترفع، والمسجد الأقصى الذي يبرز، وأعلام فلسطين التي ترفرف، والخبر الأول الذي ينشر، وهاشتاق القدس عاصمة فلسطين الأبدية الذي يتصدر، والشعارات التي يتردد صداها في أرجاء الكون، والأرض التي تكاد تميد تحت أقدام الاحتلال ومن حولهم تشتعل، لهي أعظم رسالةٍ وأبين موقفٍ، على أن رجال القدس لا عدَ لهم، وجنود فلسطين لا حصر لهم، فلا مكان يحصرهم، ولا حدود تقيدهم، ولا جنسية تنأى بنفسها اليوم عنهم، ولا قوةً في الأرض ترغمهم، ولا سلطةً في الكون مهما بلغت سطوتها تخيفهم وتمنعهم، ولا من يقوى على نزع القدس منهم أو شطب الأقصى من قرآنهم، فهل تدرك الإدارة الأمريكية هذه الحقائق وتعيها، أم تمضي سادرةً بلا عقلٍ في غيها.


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الأحد 24 ديسمبر 2017, 10:24 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الأربعاء 13 ديسمبر 2017, 6:39 pm

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (4)

معاً في تظاهرات بيروت نصرةً للقدس
كم كنت سعيداً وأنا أخوض في شوارع العاصمة اللبنانية بيروت، متظاهراً مع اللبنانيين بكل فئاتهم الاجتماعية وطوائفهم الدينية ومستوياتهم العلمية، الذين خرجوا معاً رجالاً ونساءً وشباناً وشاباتٍ، ومعهم مواطنون عربٌ تصادف وجودهم في بيروت، وآخرون أجانب أحبوا أن يكونوا مع المتظاهرين من أجل القدس، إلى جانب الفلسطينيين اللاجئين في لبنان والمقيمين في مخيماته المنتشرة في أنحائه، في ثلاثة مظاهراتٍ كبيرةٍ على مدى يومين متتاليين في منطقتين مختلفتين، استنكاراً للقرار الأمريكي الذي اعترف بالقدس عاصمةً أبديةً للكيان الإسرائيلي، وتأييداً للشعب الفلسطيني وحقه في القدس عاصمةً عربيةً أبديةً لدولته، ورفضاً للانتهاكات الإسرائيلية القديمة والجديدة في حق المدينة وسكانها العرب.
في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت الصامدة خرج عشرات آلاف المواطنين اللبنانيين والفلسطينيين، في تظاهرةٍ مهيبةٍ وزحفٍ جبارٍ، وتمثيلٍ جامعٍ، متنوعٍ ومختلفٍ، وهتافاتٍ تزلزل الأرض وتسمع الجوزاء في السماء أصداءها، وقبضاتٍ ترتفع في السماء وتهتز بيقين، وتلوح بوعد وتعد بلقاء، كلهم يهتف للقدس رايحين شهداء بالملايين، وبالدم والروح نفديها، وباليقين التام نحررها ونستعيدها، عاصمةً للعرب وعروساً للمدائن، ومهوىً للقلوب والأفئدة، وأرضاً للأسرى والمعراج، وساحةً للرباط والجهاد والمقاومة، فهذا وعد الله الخالد لهذه الأمة، أن تكون القدس درة عواصمهم، وعرين رجالهم، وحصن أبطالهم، وقاصمة أعدائهم.
خلت شوارع بيروت الجنوبية وكأن إضراباً قد عم أحياءها وشل مرافقها، إذ أغلقت المحال أبوابها، وعطلت المدارس تلاميذها، ومنعت الشرطة وعناصر الأمن الداخلي السيارات من المرور أو العبور في مكان ومحيط المسيرة، وخرج سكان مخيم برج البراجنة القريب، برجاله ونسائه، وشبانه وشاباته، وأطفاله وشيوخه، يتقدمهم ممثلو القوى والفصائل الفلسطينية، وهم يعتمرون الكوفية الفلسطينية، التي بدت وكأنها الزي الموحد للمسيرة، إذ سارع اللبنانيون قبل الفلسطينيين على تزيين جيدهم بها، وتمييز أنفسهم بلبسها، وكانت الأعلام الفلسطينية ترفرف إلى جانب العلم اللبناني، وكأنها يتحدان معاً في علمٍ واحدٍ، بل إن بعض الشبان قد خاط العلمين معاً وحملها على ساريةٍ واحدةٍ، إلى جانب أعلامٍ عربيةٍ أخرى شارك شبانٌ منها في المسيرة التظاهرة، تضامناً ومساندةً، ونصرةً وتأييداً، وكلهم فرحٌ بالمشاركةِ وسعيدٌ بالمساهمةِ، فما أعيا أحداً طولُ المسافة ولا ضيقُ الطريق، ولا كثافةُ المتظاهرين وكثرة التدافع وشدة الازدحام، ولا الإجراءاتُ الأمنية والضوابط التنظيمية.
وبالأمس الأحد كان اللبنانيون ومعهم جمهرةٌ كبيرةٌ من الفلسطينيين، على موعدٍ في منطقة عوكر شمال بيروت، حيث السفارة الأمريكية في لبنان مع تظاهرتين كبيرتين متعاضدتين، أمَّ الأولى علماءٌ ومشايخٌ، وأئمةٌ ورجالُ دين، وكتابٌ ومفكرون وطلابٌ ونشيطون، وغيرهم كثيرٌ ممن استجاب لندائهم وأسرع للمشاركة معهم، فاندفعوا جميعاً نحو السفارة الأمريكية التي ارتكب رئيسهم ترامب حماقته الكبيرة، وأعلن موقفه العنصري المستفز لقيم وعقائد العرب والمسلمين، فكانت رسالتهم إليه عبر سفارة بلاده، التي كانت تراقب وتتابع عن كثبٍ، وإن كانت الطريق إليها قد أغلقت، أن القدس عربيةُ الهوية وإسلامية العقيدة، وهي ملكٌ للمسلمين جميعاً، ولا حق لغيرهم فيها، ولن تكون عاصمةً لغير فلسطين، ولا مدينةً لغير العرب والمسلمين.
وتبعها مظاهرةٌ أخرى أكثر عدداً وأشد تنوعاً، فيها من كل أطياف المجتمع اللبناني بطوائفهم ومذاهبهم المتعددة، ومن جميع التيارات الفكرية اليسارية والاشتراكية، والليبرالية والتقليدية والإسلامية، ومعهم طلاب الجامعات ونشطاءٌ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومغتربون لبنانيون وفلسطينيون، جاؤوا بحماسةٍ أشد ورغبةٍ أكبر للمشاركة والمساهمة، وإلى جانبهم إعلاميون وكتابٌ وفنانون ومراسلون، يحملون جميعاً هماً واحداً، ويناضلون من أجل قضيةٍ واحدةٍ، ويهتفون باسم القدس ويرددون أغنية فيروزهم التي خلدت بكلماتها مدينة القدس، لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي، لأجلك يا بهية المساكن، يا زهرة المدائن، يا قدس يا مدينة الصلاة أصلي، فكان لتنوع المتظاهرين غنىً، ولكثرتهم قوة، ولحضورهم من كل مكانٍ حبٌ لافتٌ وحزنٌ على زهرة المدائن كبيرٌ.
في التظاهرات الثلاثة التي شهدتها في بيروت تضامناً مع القدس ونصرةً لها، وجدتُ اللبنانيين متفقين معاً على اختلافهم وتعدد قضاياهم حول القدس وفلسطين، ولمست منهم عاطفةً صادقةً، وإحساساً بالقدس مرهفاً، وسمعت كلماتٍ وعباراتٍ تبعث على الفخر والسعادة، وتشي بالحب والعشق، وقد أثارني كثيراً التنوع القشيب الزاهي، والتعدد الطائفي والثقافي، والتباين في الميول والاتجاهات، والتمثيل المتنوع لكافة الفئات العمرية والمهنية والعلمية، كما كان للفنانين دورٌ أحببته، ومشاركةٌ أسعدتني، إذ حرص بعضهم على أن يظهر حبه للقدس، وعشقه لها بطريقته الخاصة، ورفضه التام لكل ما يهينها أو يمس قدسيتها ومكانتها.
إنه ليومٌ مميزٌ، تعبتُ فيه وجهدتُ، ومشيتُ فيه على قدمي ساعاتٍ طوال، وقطعت مسافاتٍ طويلة، وحُصرتُ بين الجموع، وتعثرت لكثرة المشاركين وتدافع الأقدام، وعانيتُ من بطء المسير وضيق المكان، ولكن هذه المميزات قد أتاحت لي فرصة الاستماع إلى التعليقات والإنصات إلى بعض الكلمات، رأيت شباناً يبكون، وآخرين تترقرق الدموع في عيونهم لكنها لا تسقط كبرياءً، وسمعت أخواتٍ ونساءً يتمنين أن يَكُنَ في القدس، ويتطلعن للرباط في المسجد الأقصى والصلاة فيه، وسمعت أطفالاً وتلاميذاً يتوقون للمقاومة، ويريدون حمل البندقية وقتال إسرائيل لإرغامها على الرحيل وتطهير فلسطين والقدس من رجسها.
كم هي القدس عظيمة، وكم هي فلسطين مباركة، حقاً إنها بهية المساكن وزهرة المدائن، وهي عروس العرب ودرة بلاد المسلمين، فهي الوحيدة القادرة على جمع شتات الأمة وتوحيد كلمتها ورص صفوفها، فإلى القدس تتطلع العيون وترنو، وتهفو القلوب وتدعو، وتحن الجباه إلى مسجدها لتصلي، فلا خوف على هذه المدينة ما بقيت هذه الأمة، التي تهب لنجدتها كالبرق الساطع، وتأتيها من كل طريقٍ على جياد الرهبة، وتدق بكل قوتها على الأبواب، لتعيد إليها الحرية والبهاء، وتمحو عنها آثار القدم الهمجية.








***

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (5)

غزةُ تسبقُ وبالحقِ تنطقُ وبالدمِ تصدقُ
إنه قدر أهل غزة دوماً الذي لا تتبرمُ به ولا تشكو منه، والذي تؤمن به وتسلم له، وترضى به ولا تضج بسببه، وواجبها أبداً الذي لا تتأخر عنه ولا تهرب منه، ولا تخشى حمله ولا تنأى بنفسها عنه، بل تسرع لمواجهته وتهب للتصدي له، غير أبهةٍ بالصعاب، وغير خائفةٍ من الأهوال، إذ لا تحسب شيئاً صعباً ولا تخال أمراً مستحيلاً، ولا تظن أن عدوها عنيداً، بل تراه خائفاً رعديداً، ولا تشك في أنه خوارٌ جبانٌ، لا يثبت أمام الرجال، ولا يصمد في مواجهة الشجعان، حتى بات الجميع يعرفها غزة المقدامة، ويدرك أنها شجاعة وفي النوازل فعالة، وأنها سباقةٌ دوماً قبل الكل، ومندفعةٌ أكثر من الجميع، ومتحديةٌ كأنها الكلُ، فأهلها صِيدٌ بيضُ الفِعال، وأباةٌ كماةٌ جِيدُ القتالِ، وغيارى أعزةٌ سادة الرجال، فطوبى لمن جاورهم أو كان منهم، وهنيئاً لمن ولد فيهم وعاش بينهم، إنهم طلائع السرايا ورواد المنايا، يقطفون الكرى من العيون إحساناً وتوفيقاً، ويزرعون الأمل ورداً ورياحينَ، ويغرسون الغد زيتوناً ونخيلاً.
أهل غزة فقراء معدمون، ومحاصرون معذبون، وحزنى متألمون، فيهم الأسرى والمرضى، وبينهم الشهداء والجرحى، حياتهم بؤسٌ وقهرٌ وعنتٌ، وألمٌ وحرمانٌ ووجعٌ، يعانون من ضيق العيش وقسوة الحياة، وظلم الجار واعتداء العدو، جيوبهم خاوية، وأيديهم خالية، وأعمالهم معطلة، وحياتهم معقدة، وأدواء الكهرباء كثيرة، تنعكس على كل شيء في حياتهم، حتى نومهم بات بدونها مبكراً، وسهرهم في ظل انقطاعها متعذر، وعلاجهم من أمراضهم في غيابها متعسر، فاستعصى الشفاء لما تعذر العلاج ونذر الدواء، وعجز الأطباء عن إجراء العمليات وتشغيل المختبرات وإتمام الفحوصات، وغير ذلك الكثير مما يشكو منه سكان القطاع.
إلا أن معاناتهم لا تمنعهم من مشاركة شعبهم وأمتهم في هبة القدس الجديدة، بعد أن ساهموا معهم في انتفاضة باب الأسباط، التي أجبرت سلطات الاحتلال على التراجع، وها هي اليوم تهب قبل غيرها، وتواجه أكثر من سواها، تمسكاً بالقدس وحفاظاً عليها، ورفضاً للقرار الأمريكي واستنكاراً له، ونضالاً من أجل إسقاطه ومقاومة في سبيل استعادة مدينة القدس وكل الأرض الفلسطينية، فكانوا في هبتهم رجالاً وفي مواجهتهم شجعاناً، ورغم أنه يفصل بينهم وبين العدو أسلاكٌ ومسافاتٌ، إلا أنهم تجمعوا قبالته وفي مواجهته، تحدياً له واستخفافاً به، غير عابئين برصاصه الذي يتناثر فوق رؤوسهم ويخترق أجسادهم، فيقتل بعضهم شهداءً، ويصيب العشرات غيرهم إصاباتٍ متفاوتة، تخلف فيهم عاهاتٍ مستديمةً، أو أمراضاً يصعب علاجها ويتعذر بسبب الحصار والحرمان الشفاء منها.
قدم أهل غزة حتى سادس أيام القرار المشؤوم ستة شهداء وعشرات الجرحى، بعضهم ارتقى شهيداً خلال عمليات المواجهة والتحدي، على أطراف القطاع وفي مواجهة جنود الاحتلال، وآخرون سقطوا في الرباط، وهم في مواقعهم العسكرية يرصدون ويراقبون، ويتأهبون ويستعدون، فأغار عليهم العدو بطائراته وقصفهم بصواريخه، فكان عددٌ من الشهداء الشبان والمقاومون الأشداء، الذين نذروا وغيرهم أرواحهم من أجل القدس ونفوسهم من أجل فلسطين الأرض والوطن والمقدسات.
ما يقدمه الغزيون في قطاعهم الحبيب المحاصر إنما هو جزءٌ يسيرٌ مما يقدمه الفلسطينيون جميعاً في الوطن والشتات، بل لعله أقل ما يُقدم من أجل القدس وفداءً للأقصى، ودفاعاً عن هوية المدينة ومقدساتها، وفيما يقدمونه رسائل متعددة الاتجاهات وعديدة العناوين والمضامين، فهم يقولون للرئيس الأمريكي ترامب وإدارته، أن القدس عربيةٌ فلسطينية، وأننا لن نتخلى عنها ولن نفرط فيها، ولن نخضع للقرار ولن نستجيب له، ولن نعتبره أمراً واقعاً وحدثاً قد مضى وسبق وتم البناء عليه، وهي تحذيرٌ له ولكل المتآمرين على قضيتنا ووطننا، أياً كان لبوسهم أو لغتهم، وبغض النظر عن دينهم وعرقهم، فإننا لن نتسامح مع من يتاجر في قضيتنا، ويبع وطننا، ويفرط في شبرٍ من أرضنا وحقوقنا.
إنها رسالةٌ مدويةٌ واضحةٌ لا لبس فيها ولا غموض، وصريحةٌ مباشرةٌ لا تخطئ الهدف والقصد، إلى القيادة الفلسطينية كلها، السلطة والفصائل وأعيان الشعب ورموزه، وكل من تحدث باسم الشعب الفلسطيني وتقدم حاملاً رائته، أن القدس غالية، وأن فلسطين عزيزة، وهي تستحق منا كل تضحيةٍ وفداء، وفي سبيلها تهون المهج والأرواح، وترخص الأنفس والأموال، فلتتمسكوا بها ولا تفرطوا فيها، ولا تساوموا عليها ولا تتخلوا عنها، ولا تفاوضوا العدو عليها، ولا تقبلوا بأنصاف الحلول ولا بالوعود الكاذبة المعسولة، وأصروا على أن القدس لنا عاصمةً موحدةً أبديةً، وفلسطين لنا دولةً ووطناً على كامل ترابنا الوطني وحدودنا التاريخية، وإليها جميعاً سنعود، وفيها سنعيش ونقيم عاصمة دولتنا فلسطين الحرة العزيزة المستقلة.
غزة تقول لشعبها الفلسطيني كله أنها معه في المواجهة، وتسبقه في المقاومة، وأنها كما كانت يوماً مبتدأ الانتفاضة وأصل المقاومة، فإنها اليوم ستمضي معهم على ذات الدرب، وستسير على نفس الطريق، وكلها ثقة ويقين بأنها ستصل وشعبها إلى الهدف المنشود والغاية المرجوة، والعدو يعرف ذلك عنها، ويحذر المواجهة معها، ولكنه يريد بما يرتكب من اعتداءاتٍ أن يحرف الأحداث، وأن يصرف الأنظار عن قضية القدس والقرار الأمريكي المشروم في حقها، لكن غزة التي أفشلت حروبه، وأبطلت حملاته، لهي اليوم قادرة بوعيها وإرادتها، وصدقها وثباتها، أن تفشل العدو من جديد، وأن تجعل قضية القدس هي الواجهة والعنوان، التي عليها تلتقي لجهود وتتوحد الإرادات وتتفق السياسات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الأحد 24 ديسمبر 2017, 10:28 am

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (6)

شرف القدس في استانبول على طاولة منظمة التعاون الإسلامي

هل تضيع القدس وخلفها ثمانيةٌ وأربعون دولةً إسلاميةً، يقودها ملوكٌ ورؤساء، وسلاطينٌ وأمراء، يسكنون القصور ويعمرون المصايف ويتنافسون في البنيان، ولدى بلادهم جيوشٌ جرارةٌ وأسلحةٌ وعتاد وصواريخ بعيدة المدى وقنابل ذرية ومفاعلاتٌ نووية، وتجري جيوشهم مناوراتٍ عسكرية دورية، وتشتري صفقاتِ أسلحةٍ بمليارات الدولارات، وتعتد بأنظمتها وتفخر بأوطانها، وتتباهى بأرضها الممتدة وبلادها الفسيحة، وثرواتها الكبيرة، ونفطها الذي ينعب ولا ينضب، وخيراتها التي تفيض على غيرها وينعم بها سواها.
هل تفرط الدول الإسلاميةُ بالقدس وعندها منظمةٌ عريقةٌ تأسست من أجلها، وتكونت للدفاع عنها، وتشكلت لتكون لها درعاً وحصناً، وسنداً وعوناً، والتأم تحت سقفها أكثر من خمسين دولةً إسلامية، اجتمعت لأول مرةٍ عندما حرق مستوطنٌ صهيوني أسترالي المسجد الأقصى عام 1969، وتعاهدت حينها على الدفاع عن القدس والأقصى، وحمايته وتحصينه ومنع تهويده والسيطرة عليه، وشكلوا لهدفهم لجنةً وسموا لها رئيساً وأفردوا لها ميزانية، وكلفوها بدورٍ وأسندوا إليها مهماتٍ كبيرة، وانتظروا نتائج عملها وثمرة جهودها.
وهل يتلوث شرف القدس وهو الرفيع المقدس، الطاهر النقي المنزه، الذي تهون دونه الأرواح وتجود من أجله الدماء، وخلفها مئات ملايين المسلمين الذين يعشقونها ويؤمنون بها، ويتطلعون لفدائها والتضحية في سبيلها، ويتوقون إلى اليوم الذي تعود إليهم حرةً مستقلةً، ويكونون فيه أحرار بزيارتها والتجوال فيها، وزيارة مسرى رسولهم الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، والصلاة في المسجد الذي صلى فيه إماماً بالأنبياء والرسل عليهم السلام، والمرور بحائط البراق الذي عرج منه رسول الله صل الله عليه وسلم إلى السماوات العلى ومنها إلى سدرة المنتهى.
أم أنها تغتصب أمامهم جميعاً وفي حضرتهم، وقادتها يتفرجون، وحكامها يتآمرون، وملوكها يتسترون، وأمراؤها يتهامسون، فلا يثورون من أجلها، ولا يهبون لاستنقاذها، ولا ينتفضون غضباً لها وغيرةً عليها، بل يتركونها للمحتل فريسةً يستفرد بها ويستولي عليها، ينهش عرضها وينزع عنها أثوابها الأصيلة، العربية الإسلامية القديمة، ويستبدلها بيهوديةٍ غريبةٍ، وصهيونيةٍ جديدةٍ، تزور التاريخ وتدلس الروايات، وتبدل الوقائع والشواهد بما يخدم هدفها ويحقق مرادها، ويعينها على جرمها غربيٌ حاقدٌ وعربيٌ جاهلٌ ومسلمٌ غافلٌ.
هل يخيب القادة المجتمعون آمال الأمة، ويسقطون رهانهم عليهم، وينفضون أيديهم منهم، ويعودون من استانبول، وقد اكتفوا بالصورة التذكارية التي تجمعهم، وهم يطأطئون رؤوسهم خجلاً وخزياً، ويمسكون بأيديهم خوفاً وجزعاً، ويجرون أذيال الخيبة، ويتلفحون بأثواب العار، ويقبلون بقرار الدولة السيد والرئيس الكاوبوي المتهور، ويذعنون له خوفاً ورهباً، أو يتوسلون إليه أملاً ورجاءً، ويجلسون في قصورهم ينتظرون العطاء الأمريكي والمنحة الموعودة المسماة بصفقة القرن، علَّ فيها بعض ما يستر عوراتهم، ويحفظ ما تبقى من ماء وجوههم، وبالمقابل يطالبون شعوبهم بالهدوء والتعقل، أو يقمعونهم بالقوة ليسكتوا، ويواجهونهم بالقسوة والعنف ليخنعوا.
أم يستجيبون إلى خيارات الشعب والأمة، ويلبون آمالهم ويحققون رجاءهم، فيقطعون علاقاتهم بالولايات المتحدة الأمريكية إلا أن تتراجع عن قرارها، وتعتذر إلى الأمة عما ارتكبت في حقها، ويرفضون استقبال أي مسؤولي أمريكي مهما علت مزلته وسمت مكانته، ويمتنعون عن زيارة عاصمة بلادهم، ويجمدون أي تواصلٍ معهم أو اتصالٍ برئيسهم، ويضيقون على طواقمهم الدبلوماسية، ويحصرون أنشطتهم العامة في سفارتهم بحدود القانون الدولي، وليسمحوا لشعوبهم بالتظاهر أمام سفاراتهم، ونقل الرسائل الغاضبة إليهم، والتعبير أمامهم عن حقيقة شعورهم وعمق ألمهم، ليعلموا أن الأمة حرةٌ لا تقبل المساس بشرفها ولا العبث بحرماتها، ولا تسكت عمن يعتدي عليها، ولا تقبل أن يتكرر التاريخ بوعودٍ جديدةٍ وتعهداتٍ مشؤومةٍ أخرى.
ربما على السلطة الفلسطينية أن تسبق الجميع بموقفها، وأن تضرب للكل مثلاً على جرأتها، فتتخذ قراراً بقطع علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وتعلن رفضها لدورها في المفاوضات، ووساطتها في الحوارات، كونها طرفاً معادياً، ودولةً منحازة، وترفض تلقي أي معونةٍ منها أو مساعدةٍ من طرفها، فالحر الكريم يترفع عن كسرة الخبز الممزوجة بالذل والملوثة بالعار، ولا أرى شعباً أعز وأنبل من الشعب الفلسطيني الذي يخوض غمار المقاومة، وينتقل من ثورةٍ إلى انتفاضةٍ، ومن مواجهةٍ إلى معركةٍ، ولا يتعب ولا يمل، ولا ييأس ولا يقنت، بل يصر بيقين على النصر، ويمضي بعنادٍ إلى الحق.
لم يفت الوقت بعد ولم يتجاوزنا الزمن، بل ما زال أمامنا ما نفعله، وعندنا من الإجراءات الكثير التي نستطيع القيام بها، والتعجيل الجاد بتنفيذها، لنقطع الطريق على نتنياهو الساخر من القمة، والمستهزئ بقراراتها، إذ تحدى المجتمعين وتهكم على المشاركين، ووعدهم بمزيدٍ من الدول والحكومات التي ستعترف بالقدس عاصمةً أبديةً للدولة العبرية، وادعى أن الاعتراف لن يقتصر على الولايات المتحدة وعدة دولٍ أخرى، بل إن دولاً أخرى ستتسابق إلى الاعتراف بالقدس عاصمةً لهم، فهل نلقمه في فمه حجراً فنخرسه بإرادتنا، ونعجزه بفعلنا، ونثبت له أننا نستطيع أن نمنعه وأسياده، وأن نصده ومن سانده وأيده ووالاه.
على قادة الدول الإسلامية أن ينظروا إلى شعوبهم، وأن يراقبوا أفعالهم، وأن يؤمنوا بقدراتهم، وأن يفتحوا المجال لهم، وألا يغلقوا الأبواب في وجوههم، وألا يهدروا طاقاتهم، وألا يخونوا دماءهم أو يفرطوا في تضحياتهم، وألا يقمعوا إرادتهم، فشعوبهم صادقةٌ، وأمتهم واثقةٌ، ورجالهم شجعانٌ، وأبناؤهم أبطالٌ، ونساؤهم ماجداتٌ، وقد خبرهم العدو وعرفهم، وأدرك بأسهم وتجرع كأسهم، وبات يخشى مواجهتهم، فليثقوا في قدرتهم على انتزاع النصر واستعادة القدس، وصون الشرف وحماية الأوطان، فأبناؤهم أحفادُ عمر وخالد، وأبناءُ سعد وطارق، وأتباعُ جعفر والحارث، وورثةُ عليٍ ومحمد، صناعُ النصرِ وروادُ المجد.
***

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (7)

المصالحة الحقيقية هي الرد ورفع الحصار هو المنتظر
إذا كان العرب والمسلمون عاجزون عن مواجهة قرار ترامب الغاشم، ويرون فيه عنجهيةً وتكبراً، وتحدياً وعناداً، وتجنياً واعتداءً، ولا يعتقدون أن لديهم القدرة على إبطاله أو الجرأة على مواجهته، ولكنهم يرون أن هذا القرار قد ظلم الشعب الفلسطيني واعتدى على حقوقهم، وأهان الأمة العربية والإسلامية وانتهك حرمة مقدساتها، وتطاول على قيمها ومعتقداتها، ويريدون بصدقٍ أن يقفوا مع الشعب الفلسطيني ويناصروه، وأن يؤيدوه في حقه ويساندوه في موقفه، ولا يريدون أن يتخلوا عنه، أو يتركوه وحيداً في مواجهة العدو الصهيوني والتصدي للإجراءات الأمريكية الجائرة في حقه، والسياسات البغيضة التي تنال منه وتمس أرضه ووطنه.
المجال أمامهم إن هم صدقوا وما كذبوا، رحبٌ وفسيح، وأبوابه مفتوحةٌ غير موصدة، وسبل الدعم كثيرة، ووسائل الإسناد عديدة، وخيارات المساعدة متعددة ومتنوعة، وهي لا تقتصر على لونٍ واحدٍ بعينه فتجد الحكومات العربية والإسلامية نفسها أمامه محتارة قلقة، ومقيدة عاجزة، فتبرر لنفسها القعود، وتجيز لها الانكفاء، لكن عليها أن تكون جادةً وصادقةً في مواقفها، وحازمة في قراراتها وتوجهاتها، وتقصد الهدف الذي نتطلع إليه ونعمل من أجله، وألا تتردد في فعله خوفاً، أو تمتنع عن تنفيذه أملاً ورجاءً.
على الدول التي تعترف بالكيان الصهيوني أن تسحب اعترافها به، وأن تنهي علاقتها السياسية والأمنية معه، وأن تسحب دبلوماسييها منه، بعد أن تغلق سفارتهم في بلادها، وسفاراتها في كيانهم، وتنكس أعلامه المرفوعة في بلادنا، وتجمد أي تعاملٍ مادي معه، فلا تجارة مشتركة، ولا صفقات ثنائية، ولا علاقاتٍ سرية معه، ولا زياراتٍ خفيةٍ، ولا رحلاتٍ جويةٍ، ولا محادثاتٍ غير معلنةٍ معه، ولعل هذه الخطوات هي أقل ما ينتظره الفلسطينيون من الحكومات العربية والإسلامية، إذ لا يتطلعون منهم دعماً عسكرياً أو مساندةً ميدانية، إذ أن الفلسطينيين يكفونهم هذه المؤونة، وينوبون عن الأمة كلها في المقاومة والجهاد، وفي التصدي والثبات، ولكنهم يتمنون خلال تصدرهم للمقاومة ألا يخذلهم أحد، وألا تتآمر على مقاومتهم حكومةٌ أو بلدٌ.
لكن حريٌ بنا وجديرٌ بشعبنا نحن الفلسطينيين، قبل أن نطالب أمتنا العربية والإسلامية بالقيام بواجبها، ونصرتنا والوقوف معنا، وتأييدنا والعمل إلى جانبنا انتصاراً لقضيتنا وحمايةً لمقدساتنا، أن نقوم نحن بالواجب الملقى على عاتقنا، فعلى السلطة الفلسطينية أن تبادر قبل الجميع بسحب اعترافها بالكيان الصهيوني، ووقف كافة أشكال التعاون أو التعامل معه، فلا لقاءاتٍ ولا اجتماعات، ولا تنسيق أمني ولا تبادل للمعلومات، ولا خوف من مواجهته أو التردد في رفع شكاوى ضده، أو عرض جرائمه على المحاكم الدولية والمنظمات الأممية، إذ لا يجوز أن نطالب الحكومات العربية والإسلامية بما لا نلتزم نحن به، وبما لا نقوى على فعله أو القيام به، وإلا فلن نكون محل احترامٍ أو تقدير.
كما ينبغي على الفلسطينيين جميعاً، قوى وتنظيمات، وحكومة وفصائل، وسلطة ومنظمة التحرير، أن تنهي حالة الانقسام التي أضرت بنا وأفسدت حياتنا وشوهت صورتنا وحرفت نضالنا، وجعلت منا مدرسةً للخراب الذاتي والتدمير التلقائي، وصورةً مسخةً عن شعبٍ غير مسؤولٍ، وعن قيادةٍ غير رشيدة، فإنهاء الانقسام من شأنه أن يحسن صورتنا، وأن يعيد الألق والبريق إلى قضيتنا، وأن يستعيد الاحترام والتقدير والفخر والإعجاب الذي كان الفلسطينيون يتباهون به، إذ أننا بإنهاء الانقسام والمباشرة في المصالحة الجادة، نحقق الوحدة العامة، ونجلو الصدور من الأحقاد، ونصفي النفوس من الكراهية، ونجمع القلوب على المحبة، ونجعل من أنفسنا صفاً واحداً عصياً على التمزق أو الانهيار، فضلاً عن أننا نكفر عن السنوات الأحد عشر السوداء الماضية، ونسترجع مكانتنا الراقية التي كانت لنا، ومنزلتنا المقدسة التي ميزتنا وحفظتنا.
كما ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تقوم فوراً برفع العقوبات المفروضة على قطاع غزة، وأن تكف عن حصار وتجويع أهله، وأن تنهي معاناته اليومية وشكواه الدائمة، وأن تقوم بمده بما يحتاج إليه من وقودٍ وكهرباء، وطبابةٍ وعلاجٍ، وأن تساوي بين المواطنين جميعاً في فرص العمل، وأن تباشر في صرف رواتب الموظفين، وأن تعيد الموظفين المسرحين إلى لخدمة من جديد، وأن تقوم بالإفراج الفوري عن المعتقلين لديها، وأن تكف عن ملاحقتهم وحبس حريتهم، إذ كيف يستقيم الأمر ويستوي الحال، حينما تقوم الأجهزة الأمنية للسلطة باعتقال العشرات من المواطنين في ظل عمليات المواجهة اليومية مع سلطات الاحتلال، الذي قتل حتى اليوم أكثر من عشرة شهداء، وأصاب بجراحٍ مئاتٍ آخرين.
عندما تقوم السلطة الفلسطينية بالمهام الموكولة إليها تجاه شعبها، بصفتها المسؤولة عنه كسلطةٍ ومرجعية، ووفاءً منها له وتقديراً لعطائه، فإنه يسهل علينا بعد ذلك مطالبة القيادة المصرية برفع الحصار المفروض على قطاع غزة من طرفهم، وفتح معبر رفح الحدودي فتحاً تاماً ودائماً، وتسهيل حركة المسافرين على جانبي الحدود، والتيسير عليهم خلال مدة رحلتهم من وإلى القاهرة عبر صحراء سيناء، حيث بات سفر أهل غزة قطعة من العذاب مضنية، ورحلة من المعانة تبقى في الذاكرة وصمةَ عار وصفحاتٍ سوداء من المهانة والإذلال، فإذا شعر الغزيون بأن جانبهم من جهة مصر محمي، وأن حقوقهم فيها وإليها محفوظة، وأنها باتت لهم سكناً وملجأً، وعمقاً وأهلاً، فإن مقاومتهم ستزداد، ومشاركتهم ستتعاظم، ودورهم سيقوى وسيشتد.
لم يعد هنالك أي مبررٍ لاستمرار الانقسام، أو لتأخر المصالحة، أو لتعذر تنفيذها أو تعطيل تمريرها، ولا مبرر أو تفسير عاقلٍ لاستمرار الحصار وبقاء العقوبات، اللهم إلا إذا كان القائمون على الأمر يفتقدون إلى الإخلاص، ويفتقرون إلى الحكمة والعقلانية، وتعوزهم الوطنية، وتنقصهم المسؤولية، ولا يعنيهم الشعب ولا تهمهم مصالحه الحيوية ولا معاناته اليومية، ما يعني أن داءنا فينا والعيب منا والخلل بيننا، وبذا نستحق ما نزل بنا، ونس-تأهل الهوان الذي حل فينا، ولا نستغرب الحمأة التي وقعنا فيها، والوبيئة التي نالت منا.
يتبع ...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الأحد 24 ديسمبر 2017, 10:32 am

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (Cool
وحشية القمع الإسرائيلي وعنف الرد الحكومي
د. مصطفى يوسف اللداوي
المتابع ليوميات الغضب الفلسطيني والحراك الشعبي العام، الذي عمَّ المناطق الفلسطينية كلها، وانطلق في مدن الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وشمل فلسطين التاريخية بأسرها كنارٍ دبت في هشيمٍ فاشتعلت، وكبركانٍ انفجر من جوف الأرض وارتفعت حممه وألسنة لهبه عالياً صوب السماء، وكزلزالٍ حرك جنبات الوطن، وزلزل الأرض تحت أقدام العدو، كذلك كانت هبته التي شملت أركان الوطن كله، وفئات الشعب ومكوناته جميعهم، استنكاراً لقرار ترامب الأرعن بإعلان القدس عاصمةً للكيان الصهيوني، سيدرك المتابع يقيناً الطريقة القاسية التي يعتمدها جيش الاحتلال في مواجهته للمتظاهرين، والمنهج الذي يسلكه في قمع تظاهراتهم، والتصدي لحراكهم، ومواجهة غضبتهم الشعبية الكبرى.
سيشاهد المتابعون مستوى القمع الذي يتعرض له المتظاهرون الفلسطينيون، ودرجة القسوة التي يتعامل بها جنود الاحتلال معهم، وحجم العنف الذي يلاقونه، وذلك بالاستناد إلى عدد الشهداء الذين سقطوا خلال الأيام العشرة الماضية التي تلت القرار المشؤوم، والطريقة التي قتلوا فيها، والحالة التي كانوا عليها عندما استهدفهم جنود الاحتلال، وأعداد المصابين والجرحى الذين يزدادون بصورةٍ مهولةٍ ومقلقةٍ، فيما يبدو أنه تنفيسٌ عن حقدٍ دفينٍ، وتعبيرٌ عن رغبةٍ مريضةٍ تسكن نفوسهم، وتنفيذٌ دقيقٌ لقرارٍ قديمٍ متخذٍ.
إذ لم يكن بعض الشهداء يشكل خطراً على جنود الاحتلال، أو يحمل بيديه سكيناً تهددهم، بينما كان آخرون بعيدين عنهم خلف الأسلاك الشائكة التي تفصلهم عن قطاع غزة، وما كان لأحدهم أن يصل إليهم، أو أن يلحق بهم ضرر، اللهم إلا التظاهر وإبداء الغضب، وإطلاق الصوت ورفع الشعارات، وإلقاء الحجارة التي لا تصل إليهم لبعدهم عنهم، وتحصنهم في مكانهم.
ورغم ذلك يمطرهم جنود الاحتلال بعشرات قنابل الدخان المسيلة للدموع، التي تخنق الأنفاس وتكاد تقتلهم، كما يتعمدون إطلاق وابلٍ من الرصاص على جموع المتظاهرين المتفرقة، ويقصدون إصابتهم أو قتلهم، ولا يأبهون بالعدد الذي قد يسقط منهم، إلى الدرجة التي ناهز فيها عدد المصابين في يومٍ واحدٍ أكثر من تسعمائة مصاب، إصابة العديد منهم حرجة.
يبدو أن التعليمات الصادرة لجنودِ جيش الاحتلال صريحةٌ وواضحةٌ، ومباشرةٌ ودقيقةٌ، بوجوب فض المظاهرات الشعبية، وتفريق المسيرات الغاضبة، وقمع التظاهرات بالقوة، وجواز استخدام القوة المفرطة، وإطلاق النار بغزارةٍ، حتى ولم يكن هنالك خطرٌ يتهدد حياتهم، أو مبررٌ يجبرهم على إطلاق النار بقصد القتل أو الإصابة المباشرة، ولعل وسائل الإعلام ولجان حقوق الإنسان قد رصدت جرائم جنود الاحتلال، التي قتلت أمام عدسات المصورين شاباً مقعداً مبتور الساقين يتحرك على عربةٍ، سبق أن استهدفته في عدوانها على قطاع غزة عام 2008، وشاباً أعزلاً آخر إلا من لسانه ويقينه، كان يقف بعيداً عنهم، بالإضافة إلى الصور التي وثقت تعذيب الشبان الفلسطينيين وركلهم، وحجزهم في أماكن خفيةٍ وصفعهم وتوجيه اللكمات لهم بصورةٍ عنيفةٍ جداً وقاسيةٍ.
يبدو أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تخشى أن تتحول حالة الغضب الفلسطينية المتصاعدة إلى انتفاضةٍ شعبيةٍ عارمةٍ، تشبه الانتفاضتين السابقتين، تستمر فعالياتها وتنتظم، وتتوحد قيادتها وتتنسق جهودها وتتفق، وتعود القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث كما كانت قديماً، تجمع حولها المؤيدين والأنصار، وتجذب إليها الدعم والإسناد، وتعود بالأوضاع إلى ما كانت عليه نهاية الثمانينيات، حيث تشوهت صورة الكيان الصهيوني، وتضررت سمعة جيشه، واستنكر العالم سياسته وجرائمه، وتمكن الفلسطينيون من تحقيق الكثير من الأهداف من انتفاضتهم، انتفاضة الحجارة الأولى، التي شغلت الحكومات الإسرائيلية وجيشها ومؤسساتها الأمنية لسنواتٍ عديدةٍ قبل أن تخمدها الاتفاقيات السياسية والجهود الخبيثة.
تخطئ سلطات الاحتلال الإسرائيلي ومعها أجهزتها الأمنية ومؤسساتها العسكرية، عندما تعتقد أن عنفها سينهي مقاومة الشعب الفلسطيني، وأن سياستها القمعية ستخيفهم وستجبرهم على التراجع والانكفاء، وعدم المضي بعيداً في سيناريوهات الانتفاضة أو الهبة الجماهيرية طويلة المدى، ولهذا فهي تمعن في القتل، وتتمادى في استخدام القوة، ولا تحاسب جنودها على ما يرتكبون، ولا تردعهم عما يفعلون، ولا تخاف إن انتشرت صور القمع، أو نقلت مشاهد التعذيب والقتل، إذ تريد من الشعب الفلسطيني أن يدرك جديتها، وأن يقتنع بإرادتها تجاه الحسم، خاصةً أن هذه الانتفاضة إن قدر لها الصمود والاستمرار، والتنظيم وحسن الإدارة، فإنها قد تفشل مخططاتهم المعدة لعملية السلام، فيما يطلق عليه اسم “صفقة القرن”، التي لن يستطيع الكيان الصهيوني فرضها أو تمريرها هي أو غيرها في ظل يوميات الانتفاضة الملتهبة.
الشعب الفلسطيني قد وطَّن نفسه على هذه السياسة، وخبر أساليب العدو كلها، وذاق مرها واكتوى بنارها، وناله الكثير من الأذى بسببها، وهو يدرك أهدافه وغاياته، ويعرف سياسته ومنهجه، ولا يجهل طبيعته وفطرته، وقد عرف أنه يواجه عدواً ماكراً خبيثاً، قوياً لئيماً، يستعذب قتلهم، ويهوى تعذيبهم، ويتطلع إلى طردهم، ويعمل على التضييق عليهم وحرمانهم، ولكنه دوماً كان يبوء بالخيبة ويرجع بالخسارة، ولا يحقق أهدافه ولا يصل إلى مراده، إذ ما استكان الفلسطينيون يوماً لهم، وما ضعفوا أمامهم، ولا خضعوا لقهرهم، ولا استسلموا لعدوانهم، بل بقوا دوماً يقاومونه بصدقٍ، ويتحدون إرادته بيقين، ويواجهون مخططاته بأملٍ، وهم على يقينٍ بالغدِ، وعلى موعدٍ مع النصر، وحينها سيفرحون بنصر الله عليهم يتنزل.

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (9)
أمريكا تفقد الرعاية وتتخلى عن الوساطة
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
واهمٌ من يظن أن الولايات المتحدة الأمريكية وسيطٌ نزيهٌ للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأنها ترعى المفاوضات الثنائية بموضوعيةٍ ومهنيةٍ، وبمصداقيةٍ وعدالةٍ وأمانةٍ، وأنها تقف على الحياد بين الطرفين في العملية السلمية، فلا تؤيد فريقاً على حساب آخر، ولا تضغط على طرفٍ وترضي الآخر، وأنها جادةٌ في سعيها ومخلصةٌ في دورها، وحريصةٌ على نجاح مهمتها، لذا فهي تهيئ الأجواء بين الطرفين، وتذلل العقبات بينهما، وتسوي المشاكل وتساهم في خلق الحلول الممكنة، وتدفع من خزينتها ما يكفي لتسهيل قبول الطرفين بالحلول المقترحة، وتبني التسويات الممكنة، وتسمي ممثليها في المفاوضات من شخصياتها المعتدلة، ودبلوماسييها المشهود لهم بالوسطية والمهنية، ممن يؤمن بالسلام العادل بين الطرفين ويعملون له.
الحقيقة أن الإدارة الأمريكية قد فرضت نفسها وصيةً على المفاوضات، وجعلت من نفسها طرفاً لا وسيطاً فيها، وخصماً مريداً لا حكماً عادلاً، وفرضت وسطاء من جانبها هم أقرب في ولائهم وإيمانهم إلى الإسرائيليين من العرب عموماً ومن الفلسطينيين خصوصاً، واختارت من كبار موظفيها مبعوثين يهوداً أو من اليمين المسيحي المتطرف الذين هم أكثر صهيونيةً من الإسرائيليين أنفسهم، وأكثر حرصاً على كيانهم وأمنهم، وسلامتهم ومستقبلهم، وبذا فهي أبعد ما تكون عن العدالة والوسطية والمهنية والموضوعية والنزاهة، وآخر من تصلح أن تلعب دور الوسيط أو الراعي، إنها طرفٌ أكثر تطرفاً من الإسرائيليين أنفسهم، وأشد حقداً على العرب والفلسطينيين من الحركة الصهيونية نفسها.
تثبت وقائع المفاوضات السابقة ومحاضر اللقاءات العديدة أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة كلها كانت تخدم الكيان الصهيوني، وتسخر قدراتها السياسية والعسكرية والأمنية والعلمية وغيرها لمساندته وتأييده، وهي لا تمارس عليه أي ضغطٍ، ولا تطالبه بما يرفض ولا يرغب، بل تتبنى وجهة نظره، وتقاتل وفق خطته، وتشارك في وضع التصورات معه، وتمول مشاريعه وتساهم في أفكاره، وتضغط على الجانب الفلسطيني ليقبل بشروطه، ويخضع لرؤيته وتصوره، وغالباً تكون مقترحاتهم على حساب الشعب الفلسطيني، وضد مصالحه وأمنه ومستقبله وحقوقه ومقدساته، وتمس كرامته وحياة مواطنيه ووحدة أرضه ومستقبل وجوده.
ربما ران على قلوب بعض العرب والمسلمين سرابُ السياسة الأمريكية، فاعتقدوا عكس ما قدمتُ وبينتُ، وآمنوا بالولايات المتحدة الأمريكية راعيةً للمفاوضات وضامنةً للسلام، وبرروا لها مواقفها وتفهموا بعض سياساتها، حتى جاء قرار كبيرهم المشؤوم، وموقفه المشين باعتبار القدس عاصمةً للكيان الصهيوني، حيث منحهم من جديدٍ حقاً ليس لهم، والتزم أمامهم بما وعدهم به، وفاخر بأنه كان معهم أفضل من سابقيه، وأكثر صدقاً من أسلافه، الذين وعدوا ولم ينفذوا، وأعلنوا ولم يطبقوا، وهددوا ولم يصدقوا، ولكنه ينفذ ما وعد به، ويتبجح بأن ما قام به سيخدم السلام، وسيعجل في الوصول إلى اتفاقيةٍ ترضي كل الأطراف، وتحقق العدل المنشود والاستقرار المأمول.

كشفت الإدارة الأمريكية بقرارها الطائش عن وجهها الحقيقي، وبينت سوء نيتها وانحياز موقفها، ونأت بنفسها عن الحق والعدالة، وارتضت أن تصطف مع الاحتلال وأن تكون جزءاً منه، وأن تشرع له الاغتصاب والانتهاك والسرقة والاحتلال، وتنكبت للأمة العربية والإسلامية لها وأنكرت حقها وجحدت دورها، ونكصت على عقبيها إذ وعدت أن تكون على الحياد، وأن ترسي قواعد الحق والعدل في المنطقة، فإذا بها تضع للشر قواعد، وللفتنة أساساً، وترسي أسس صراعٍ ديني لن ينتهي، وتمهد لحروبٍ عقائديةٍ ستطال بنيرانها المنطقة كلها، وستزرع في الأرض ألغاماً ستنفجر بالجميع، ولن ينجوَ منها أحدٌ.
على الأمة العربية والإسلامية أن تدرك يقيناً أنها تخطئ كثيراً إذا عادت لتثق في الإدارة الأمريكية من جديد، ولعله سيكون من السفه والجنون أن تعيد تسليم الأوراق والملفات إليها، والخضوع لمندوبيها ومبعوثيها، وستكون جاهلةً إذا كررت مقولتها السابقة أن أغلب أوراق القضية بيد الولايات المتحدة الأمريكية، بل حريٌ بها أن تكون واعيةً وعاقلةً، وأن تكون مدركةً ويقظةً، فلا تلدغ من ذات الجحر للمرة الألف، فالولايات المتحدة الأمريكية قد اعتادت على لذغ العرب والمسلمين غدرهم، بل لا يعينها أمرهم، ولا تهتم لشؤونهم اللهم إلا بالقدر الذي تستفيده منهم، ويخدم مصالحها في بلادهم.
لا تشعر الإدارة الأمريكية بأي ندمٍ أو تأنيبِ ضميرٍ على ما فعلت وارتكبت، ولا تحاول التراجع أو تغيير موقفها، أو البحث عن محاولةٍ للتفسير أو التأويل، بل قد لا ترى نفسها قد أخطأت وتجنت، أو أنها اعتدت وظلمت، أو طغت وبغت، فهي تشعر أنها قامت بعملٍ عظيمٍ، وأتت فعلاً يبعث على الفخر، ويدفع على التيه والإعجاب، فهي لا تدس رأسها تحت التراب خجلاً وخزياً، ولعلها لا تصغي للناقدين، ولا تسمع ثورة الغاضبين، ولا تتابع انتفاضة المسلمين، ولا يعنيها اعتراض الكثيرين، فقد نفذت ما تريد وأوفت بما وعدت، وباتت تمني نفسها أن صبر العرب سينفذ وتضامن المسلمين سيتراجع، وإرادة الفلسطينيين ستضعف، وسيصبح القرار حدثاً من الماضي، وواقعاً مع الأيام حقيقة.
ينبغي على القيادة الفلسطينية كلها، سلطةً وفصائل وتنظيماتٍ وقوى، أن تحترم نفسها وأن تحافظ على كرامتها، وأن تحفظ أهلها وشعبها فلا تهينه ولا تسيئ إليه، وألا تظهره بمظهر الضعف والهوان أو الذل والصغار، وألا تعود إلى الأوهام الأمريكية ولا إلى سراب وعودهم وكذب عهودهم، وألا تقبل بوساطتهم أو رعايتهم، وعليها أن تكون قويةً وجريئةً، وصريحةً وواضحةً، وأن تكون على قدر المرحلة وبموازاة الرجال الذين يقاومون ويضحون، ويقدمون أغلى ما يملكون دفاعاً عن قضيتهم، فنحن قومٌ لا نستجدي حقوقنا، ولا نتوسل عدونا، ولا نطلب الوساطة من خصمنا، ولا نقبل المهانة على أنفسنا أو في ديننا، بل نغار على حقنا، ونثور في سبيل وطننا، ونضحي دفاعاً عن مقدساتنا.

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (10)
 الفيتو الأمريكي صوتُ معزولٌ وقرارٌ مرذولٌ
 سقوط مشروع القرار العربي الذي صاغته مصر في مجلس الأمن الدولي لا يعني الفشل أو الهزيمة في معركتنا من أجل القدس، وهو لا يعني أبداً اليأس والقنوط والاستسلام والخضوع، واستخدام الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض "الفيتو" الممنوح لها دولياً لا يعني أنها انتصرت، كما لا يعني أنها على الحق وستنجح فيما ذهبت فيه أو تطلعت إليه، وانتهاء عملية التصويت داخل مبنى مجلس الأمن لا يعني انتهاء المعركة، أو طي صفحة المواجهة والقبول بالأمر الواقع الجديد، وأن نتيجة المعركة حاسمة وناجزة ولا يمكن تغييرها أو التأثير عليها، بل هي على العكس من ذلك تماماً، إذ فتحت الأبواب على معارك جديدة وخياراتٍ عديدة، فالمحاولات الدولية لإبطال القرار الأمريكي، وثني إدارتها عن المضي قدماً في تنفيذ إعلانها، ونقل سفارتها بالفعل إلى مدينة القدس المحتلة، لن تتوقف أو تتجمد، بل ستمضي قدماً، وستستمر بأشكال عدةٍ.
 
 تدرك الولايات المتحدة الأمريكية التي أسقطت مشروع القرار في تحدٍ صارخٍ لمنظمة الأمن والسلم الدوليين، أنها ضعيفة في موقفها، ومهزوزة في سياستها، ومعزولة بقرارها، وأن أحداً لن يؤيدها أو يقف معها، وأن الأربعة عشر عضواً في مجلس الأمن الذين صوتوا ضدها، وأيدوا القرار الذي يدينها، ودعوها للتراجع عن قرارها والتزام الشرعية الدولية فيما يتعلق بمدينة القدس، ووجوب عدم اتخاذ أي قراراتٍ من شأنها المس بهذه المدينة أو التأثير على حالها، يتهمونها أنها التي تعطل القانون الدولي، وتتخذ قراراتٍ مخالفة لما يصدر عن مجلس الأمن الدولي، رغم أنها الدولة الأقوى في العالم، والتي يفترض أن تكون هي الحارسة على القوانين الدولية، والضامنة لتنفيذها والالتزام بها، وإلا فإنهم يعجلون في انهيار هذه المؤسسة الأممية الكبرى.
 
 تعلم الولايات المتحدة الأمريكية أن حجتها التي أعلنت عنها مندوبتها في مجلس الأمن نيكي هايلي، حجةٌ ضعيفة أو هي كاذبة، وأنها ليست إلا لذر الرماد في العيون، والتأثير على المعارضين للقرار والمتظاهرين ضده، لثنيهم عن مواصلة المظاهرات والمسيرات، وحملهم على التريث والصبر، ومنحهم الفرصة الكافية للكشف عن صفقة القرن العامة، رغم أنها تعلم يقيناً أن هذا القرار الباطل الظالم لن يخدم أبداً عملية السلام، ولن يؤدي إلى استقرار الأوضاع في منطقة الشرق الوسط، ولن يكون مقدمةً لمشروع سلامٍ إقليمي يرضي الفلسطينيين، ويحقق لهم آمالهم والكثير مما يتطلعون إليه أو يتمنون الحصول عليه، وأنه لم يتخذ إلا خدمةً للمشروع الصهيوني، وتأييداً لأحلامهم وتنفيذاً لمخططاتهم.
 
 لن يوقف الفشل في اتخاذ القرار المساعي الأممية والدولية، والفلسطينية والعربية والإسلامية خصوصاً، الساعية لإفشال القرار الأمريكي، والحيلولة دون قيام دولٍ أخرى بتقليدها واتباع سياستها، والاعتراف بالقدس عاصمةً للكيان الصهيوني، بل لعله يفتح الطريق أمام أفكارٍ جديدةٍ ومساعي مختلفة، تكون أدعى للنجاح والتوفيق، وأبعد عن الهيمنة والسيطرة الأمريكية، وبمنأى عن الفيتو المعطل، فالقدس كما القضية الفلسطينية قضيةٌ عادلةٌ، وجميع دول العالم تعلم مدى المظلومية التي يعيشها الفلسطينيون، وحجم المعاناة التي يلقونها من جانب سلطات الاحتلال الإسرائيلي، التي لا تنفك تقتل وتطرد، وتعتقل وتصادر، وتعتدي وتداهم وتعتقل.
 
 الشارع الفلسطيني الذي كان يأمل أن تستغل الإدارة الأمريكية فرصة التصويت على مشروع القرار للتراجع عن اعترافها، والعودة إلى قيم الحق والعدالة، والنزول عن الشجرة التي صعد عليها رئيسهم المجنون، لم يفاجئ بما حدث في مجلس الأمن، ولم يصدم بنتيجة القرار، إذ هذه هي السياسة الأمريكية التي عهدها منذ العام 1948، حيث اعتادت الإدارة الأمريكية على حماية الكيان الصهيوني من أي إدانةٍ دولية أو استنكارٍ أممي، وقد لجأت عشرات المرات لاستخدام حقها في النقض "الفيتو"، فأبطلت قراراتٍ هامةٍ، وأجهضت مساعي إنسانية، وعطلت مشاريع كان من الممكن لها أن تنقذ المنطقة كلها وسكانها مما ألم بها من حروبٍ ومعارك، ولا فرق في هذه المسألة بين رئيسٍ أمريكي وآخر، فكلهم كان يهرب من المواجهة واستحقاقات الإدانة بعيداً عن الحق والعدل والإنصاف، إلى استخدام الفيتو ولو كان على حساب حياة السكان وأمنهم وسلامتهم، وأرضهم ووطنهم ومستقبل وجودهم.
 
 يبدو أن الإدارة الأمريكية لا تشعر بحجم أخطائها، ولا تقر باعوجاجها، ولا ترى درجة انحرافها، ولا تقبل أن تصغي السمع لمن ينصحها ويصدقها، ولا يهمها كثيراً أن تكون وحيدة أو معزولة، وترى أن أعضاء مجلس المن الدولي قد أساؤوا لها وأخطأوا في حقها، إذ شككوا في نواياها، واعترضوا على مساعيها للسلام في المنطقة، وأساؤوا إلى رئيسها في أول خطواته الجادة في مسار السلام بين العرب والإسرائيليين، ولعل المندوبة الأمريكية في كلمتها أمام أعضاء مجلس الأمن كانت تهدد أكثر مما هي تهدئ أو تطمئن المجتمع الدولي.
 
 يوماً بعد آخر تكشف الولايات المتحدة الأمريكية أنها طرفٌ في الصراع، وشريكٌ مع الاحتلال، وأساسٌ في الأزمة، وأنها أبعد ما تكون عن الوسطية والاعتدال، وآخر من يصلح للوساطة والرعاية وإدارة الحوار، وأنها تخدع العرب والمسلمين وتكذب على الفلسطينيين، ولا تفي بما تعهدهم به، ولا تنفذ ما التزمت به، وأنها فقط تنتظر الفرص المناسبة للانقضاض والتغيير، والعمل على تثبيت الكيان الصهيوني وضمان استمرار وجوده، وتخليصه من كل ما يهدد أمنه أو يعطل مشروعه، إذ هي الضامن لوجودهم والكفيل ببقائهم، وهي المتعهد بأمنهم والعامل الأساس في قوتهم وتفوقهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الأحد 24 ديسمبر 2017, 10:36 am

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (11)
 أيقوناتُ المقاومة الخالدة ورموز الانتفاضة الباقية
كثيرون هم الفلسطينيون على مدار سنواتِ مقاومتهم الطويلة، وخلال مواجهاتهم الدائمة مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي وجيشه، وعناصر أمنه ورجال مخابراته، الذين حفروا أسماءهم في سجل الشعب المقاوم، وسطروا في سفره أعظم الملاحم، وحفروا بدمائهم وأرواحهم تاريخ شعبهم، وخلدوا بمواقفهم صفحاتِ عز وطنهم وصورَ مجدِ أبنائهم، ورسموا للأمة كلها بتضحياتهم العزيزة صورَ البطولة وأسطورة التحدي آياتٍ من العز والفخار، ما زالت باقية في الذاكرة، وخالدةً في التاريخ، يحفظها أبناؤهم ويورثها آباؤهم، ويعتز بها المقاومون، ويروي قصصهم الغيارى والمحبون، الذين يغبطونهم على ما صنعوا، ويتمنون أن ينالهم شرف ما قدموا، وأن يدركوا سنا الذين سبقوا، إذ علموا مكانتهم وخبروا فضلهم، وعرفوا أنهم بالنسبة لشعبهم وأمتهم مناراتُ هدى ونجومٌ في السماء.
 
 حاتم السيسي ابن مخيم جباليا أول شهداء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي خضبها بدمه، وشق طريقها باستشهاده، فحُفظَ اسمه وتخلد ذكره وذاع صيته، وسميت باسمه شوارع ومدارسٌ ومؤسساتٌ، وتسمى باسمه مئات المواليد، وما زال الفلسطينيون يربطون اسمه بالانتفاضة، ويعدونه نجمها الأول، وصاحب فضل السبق فيها، وإن تلاه شهداءٌ آخرون، وتبعه على ذات الدرب كثيرون، إلا أنه يبقى صاحب قصب السبق. وكذا كان الفارس الصغير، الطفل البطل المغوار، العنيد الجريء، الصبي العملاق، فارس عودة الذي تحدى بحجرٍ دبابةً، وتصدى بصدره جيشاً، وعطل بعيونه آلياته، فأغضب العدو وأغاظه، وقزَّم بثباته جنوده وضباطه، وهز رتبهم ونجومهم، ومرغ بالتراب سمعتهم، إذ فضح تفوقهم، وكشف زيف قوتهم، وأخزاهم بصموده، وأربكهم بتقدمه، وما أوقفته الدبابة، ولا أرعبته فوهتها الضخمة، فما كان من العدو إلا أن أجهز عليه حنقاً، ونال منه حقداً، وقتله غيظاً وغضباً، ولكن فارس سيبقى في ذاكرة شعبه ووجدانه هو الفارس.
 
 أما الطفلة إيمان حجو فلا يبدو أن فلسطينياً قادرٌ على نسيان صورتها أو تجاوز حادثها، وهي الرضيعة التي لا يحتمل جسدها شوكةً تشوكها، فكيف برصاصةٍ تخترق صدرها وتخمد أنفاسها، دون ذنبٍ اقترفته سوى أنها فلسطينية، وتنتمي إلى أمٍ فلسطينية، وترضع من صدرها حب فلسطين حليباً، وتنتسبٍ إلى شعبٍ مقاومٍ يناضل من أجل حقه، وعلى استعداد للتضحية بالكبير والصغير والطفل الرضيع من أجل وطنه ودفاعاً عن قدسه. أما محمد الدرة فيكاد لا ينساه أحدٌ، ولا يقوى إنسانٌ على أن يغفل صورته، أو أن يصم آذانه عن ندائه أو استغاثات والده، فقد قتله جنود الاحتلال الإسرائيلي وهو بين يدي والده، وأمام عشرات وسائل الإعلام وكاميرات التصوير، التي سجلت آخر لحظاته، وصورت الرصاصات التي اخترقت جسده الصغير، وهو الطفل الصغير الذي لا يشكل خطراً على العدو سوى في وجوده وبقائه، وتجذره في الأرض وثباته في الوطن، قتلوه برصاهم ولكنه كما سيخلد في الجنة يوم القيامة، فقد خُلِّدَ في الدنيا، وأبقى الله على ذكره في الأرض، ورفع اسمه، ومجد شهادته حتى غدت للعالمين قصةً وحكايةً، وبات محمد الدرة اسماً علماً ونجماً سامياً لا يطويه الزمن ولا تتجاوزه الأحداث. أما هدى غالية التي شهدت وهي طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها استشهاد سبعةٍ من أفراد عائلتها أمام عيونها، منهم والدها الذي بكته وصرخت في وسائل الإعلام ليصوروا والدها المسجى أمامها وهي تناديه وتبكيه، إلى جانب خمسةٍ من أشقائها، اليوم تبقى غالية تواصل الحياة من بعدهم، وتحمل الراية وتصر على المضي على ذات الدرب، وإن كان فيها حتفها أسوةً بأهلها.
 
 أما اليوم وخلال معركة الدفاع عن القدس، فإننا أمام رموزٍ جديدةٍ وأبطالٍ عظامٍ، لا يقلون عن السابقين، ولا يختلفون في بعضهم عن الشهداء الخالدين، فذاك مُقعَدٌ على كرسيه المتحرك يتنقل، شامخٌ من مكانه يقاوم، وعظيمٌ من موقعه يقاتل، لم تمنعه رجلاه المبتورتان عن الحركة، ولم تقعده حالته عن أخذ دوره بين المتظاهرين دفاعاً عن القدس، واستنكاراً لقرار ترامب المقيت، وقد كان يعلم أن قامته بلا رجلين قصيرة، وأنه قد لا يُسمعُ جنود الاحتلال صوته وهتافه، فاعتلى بقوةٍ تلةً عاليةً، ووقف فوق ربوةٍ مرتفعة، وبعالي الصوت صرخ في وجوه المحتلين، وبالحق الذي يسكنه نادى على العرب والمسلمين، وما كان يعلم أنه من مكانه فوق التلة شرق غزة سيسمع العالمين جميعاً صوته، وسيرفع بدمه وهو المقعد قضيته، وسيكون له دورٌ في الدفاع عن قدسه والمسجد الأقصى، إنه الشهيد إبراهيم أبو ثريا، الذي استهدفه جيش العدو في حرب عام 2008 على قطاع غزة بقذيفة دبابةٍ أدت إلى بتر ساقيه.
 
 ولنا مع المقاومين الأحياء قصة ومعهم وقفة، فليست كل القصص تروى بالدم وتنسج بأنفاس الحياة، بل إن من المقاومين من يجعلون من أسمائهم علماً وهم أحياء، ويرسمون صوراً تفوق ما يرسمها الشهداء بدمائهم، كحكاية عهد البرغوثي، الطفلة التي لم تتجاوز السادسة عشر من عمرها، ولكنها استطاعت أن تجعل بجرأتها وثباتها وصمودها وعنادها، من نفسها رمزاً كبيراً وأمثولةً عظيمةً، وها هي اليوم أكبر من الجنود الذين داهموا بيتها، وأكثر شجاعةً من الضباط الذين اقتحموا بلدتها، ولعلها أشد ثباتاً من القضاة العسكريين الذين أرادوا استنطاقها، وحرصوا على إدانتها ومحاكمتها.
 
 لكلِ مرحلةٍ نضاليةٍ رجالها وأبطالها، ولكل انتفاضةٍ فلسطينيةٍ رموزها وعناوينها، وعلاماتها ونجومها، وفي كل حربٍ وعدوانٍ تبرز أسماءٌ وتسمو عائلاتٌ، ويذهب آباءٌ ويبقى أبناءٌ أطفالٌ، يحفظون النسل، ويبقون على الذكر، ويحملون قصص المجد، ويصرون بعنادٍ على حمل الراية ومواصلة المسير، هؤلاء هم الذي يميزون المراحل بمقاومتهم، ويتركون أثراً بالغاً في نفوس شعبهم، ويغيظون العدو بعظيم فعلهم ورمزية مقاومتهم، ويثيرون نقمته بذيوع قصصهم وانتشار أعمالهم وتقليد أفعالهم، إذ يذكرهم الأهل ولا ينسونهم، ويذكرون مجدهم ويكررون قصصهم، ومنهم يتعلمون وبهم يقتدون وإلى مجدهم التليد يتطلعون، وهم جمعٌ كبيرٌ يصعب حصرهم، ولا يمكن لمتتبعٍ عدهم، لأنهم كثيرٌ على مدى الزمن وعلى طول المرحلة كلها، ولكن بعضهم قد طغى اسمه، وسما نجمه، وعلا ذكره، فبات نسيانه مستحيلاً مهما قُدُمت قصته ومضى زمنٌ على شهادته.



القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (12)
الأمم المتحدة تنتصر لفلسطين وعاصمتها القدس
 
لم ينفع بلادها كعبها العالي ولا كلماتها الحادة، ولا لسانها السليط وألفاظها النابية، ولا تهديداتها المنافية للأدب والمخالفة لأصول الدبلوماسية، ولا خطاباتها العنجهية في مجلس الأمن والأمم المتحدة، ولا إطلالتها المستفزة ونظراتها العدائية، ولن ينفع الكيان الصهيوني زيارتها للقدس وساحة البراق، وولاءها المطلق له ودفاعها المستميت عنه، إذ لن تتحقق أمنية نيكي هايلي التي دستها بين جدران الحائط، ولا تلك التي تمتمت بها ورددتها، والأماني التي أسرتها، ولن تكون القدس عاصمةً للكيان الصهيوني، وإن وعدهم بها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، الذي ظن أن كلامه منزلاً، وأن حكمه مبرماً، وأن قراره لا يرد، وأنه سيد الكون الأوحد وحاكم العالم الأقوى، وأن كلمته هي الأولى والأخيرة، وهي التي تتمتع بالحصانة والسيادة فلا راد لها، ولا معارض لمفاعيلها.
 
 ولن تنفعها ورئيسها الذي عينها في منصبها وأبدى إعجابه بخطاباتها، وأيدها في تصريحاتها وكررها نفسها بلسانه، أموالُ بلادهما وخزائن دولتهما، تلك التي يستخدمونها في استرقاق الدول واستعباد الحكومات والسيطرة على الشعوب، والهيمنة على المؤسسات واحتكار الشركات وإدارة الأعمال والاقتصاد والتجارات الخارجية، التي دمرت اقتصاد البلدان وأضرت بهياكلها الاقتصادية، وغيرت أنماط الحياة وسلوك المواطنين، لهذا فلن ترضخ لأموالهم الدولُ، ولن تصغي السمع لهم الشعوب والحكومات، حتى تلك الدول التي تتلقى منها الهبات والمساعدات، فإنها لم تقبل أن تكون عبداً عندها، ولا ترضى أن تكون عندها أجيرة بما تقدمه إليها من مساعدات أو بما تيسره لها من ديونٍ وقروضٍ وبرامج تنموية.
 
 إنه يومٌ مشهود تلقت فيه الإدارة الأمريكية ورئيسها صفعةً قاسيةً، ولطمةً على الوجهين مهينة، ودرساً بليغاً لها من أغلب دول العالم، الفقيرة والغنية، الضعيفة والقوية، والبعيدة والقريبة، والمعادية والصديقة، والمسيحية والمسلمة، بأن سياستها مرفوضة وغير مقبولة، وأن دول العالم لا تقبل بما تمليه عليهم وتريده منهم، ولا ترضى أن تكون أداةً طيعة بيديها، تصوت تبعاً لتعليماتها وتؤيد مقترحات قراراتها، وتصمت عن تجاوزاتها وتسكت عن مخالفاتها، بل تريد من الإدارة الأمريكية أن تحترمهم وتقدرهم، وأن تأخذ برأيهم وتسمع لهم، فهم ليسوا قطيعاً يساق بالعصا وتحركه غريزة حب الطعام، بل هم دولٌ وشعوبٌ عريقة، لها كرامتها وتحرص على سيادتها، ولا تقبل أن تخضع للهيمنة أو أن تستعمر بالقوة.
 
 لم تهزم الإدارة الأمريكية في الجمعية العامة للأمم المتحدة وحسب، بل سبقتها هزيمةٌ مدويةٌ أخرى في مجلس الأمن، لم يقلل من أثرها سقوط القرار بموجب قوانين مجلس الأمن المعمول بها، فقد صوتت معه ضد السياسة الأمريكية دولٌ حليفةٌ لها وتدور تاريخياً في فللكها ومنها بريطانيا، التي تؤيد الإدارة الأمريكية بصورة دائمة وتنسق معها، وتشترك معها في الكثير من السياسات والمشاريع والحملات العسكرية والتحالفات الدولية، ومع ذلك فقد أيدت بريطانيا ومعها ثلاث عشرة دولة أخرى القرار الذي يرفض أي تغيير أحادي في مدينة القدس، ويبطل مفاعيل القرار الأمريكي بالاعتراف بها عاصمةً للكيان الصهيوني.
 
 لكن الإدارة الأمريكية التي نجحت في إسقاط القرار في مجلس الأمن، واستعرضت قوتها فيها وتباهت بالفيتو الذي تتمتع به، واطمأنت إلى أن القرار لن يمر، عجزت عن حماية سياستها في الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما جردت من القوة والامتيازات، وأصبحت دولةً عادية كبقية دول العالم، ليس لها إلا صوتها الذي به تتساوى به مع جميع دول العالم الصغيرة والكبيرة، والضعيفة والقوية، ورغم توقعاتها أن تهديداتها ستغير النتيجة وستقلب التوقعات، إلا أنها الواقع عزلها، وأعداد المصوتين مع القرار فضحها، وأسماء الدول الصغيرة النكرة النائية التي لا يعرفها أحد قزَّمها، وأظهر عجزها وأبان انحيازها العنصري، ما يعني أن الزمن الأمريكي في انحسار، وأن التفرد واستعراض القوة وادعاء العظمة لن يفيدها كثيراً في بسط نفوذها وتعميم سياستها.
 
 ستبقى الإدارة الأمريكية على موقفها السلبي، ولن تتراجع عن قرارها الخاطئ، خاصةً في ظل رئيسها الأهوج الغريب التصرفات، المسكون بالقوة والعظمة، والمتصرف في البيت الأبيض كرجل أعمالٍ يصف نفسه دائماً بأنه عنيد وقوي، وأنه يكره الفشل ولا يحب الخسارة، ولهذا فقد نسمع منه بعد هذه النتيجة المدوية المؤيدة لفلسطين والفاضحة للسياسة الأمريكية، قراراتٍ جديدةٍ قد تكون أكثر سوءاً وأشد قبحاً وأوسع انتشاراً، في محاولةٍ منه للانتقام من الفلسطينيين وممن أيدهم ووقف إلى جانبهم، وصوت لصالحهم ضد قراره، ولعله سيلجأ إلى خطواتٍ انتقامية عنصرية، ومنها تجميد التزامات الولايات المتحدة الأمريكية المالية تجاه الأمم المتحدة ومؤسساتها، وكذلك وقف المساعدات والمعونات لبعض الدول التي تتلقى دعماً مالياً مباشراً منها.
 
 بعد قرار الأمم المتحدة وحالة العزلة النسبية التي دخلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية، لن يكون من السهل على الإدارة الأمريكية أن تعود لرعاية المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وأن تكون طرفاً وسيطاً نزيهاً حكماً عدلاً بين الطرفين، ولن يصدق أحدٌ ما قالته نيكي هايلي على منصة الأمم المتحدة، من أن هذا القرار الذي اتخذه رئيسها إنما هو لخدمة العملية السلمية، والدفع بها إلى الأمام، وهذا القرار لا ينفي حل الدولتين، ولا يقف أمام مقترحات الطرفين خلال عملية التفاوض المباشرة.
 
 دوماً تنتصر فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتقف دول العالم إلى جانبها، التي تعاني من الصلف الأمريكي وتشكو من سياستها العنصرية، لأنها تعلم أن فلسطين على حق، وأنها تواجه عدواً شرساً وتعاني من احتلالٍ مريرٍ، وشعبها مظلومٌ مضطهد، يعاني من الاحتلال ويقاسي من ممارساته، ومن حقه أن يكون له كبقية شعوب العالم دولته المستقلة، والقدس عاصمتها التاريخية




القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (13)
تباً لترامب على شنيعِ جرمِه وشكراً له على جميلِ صنعِه
هل يشكرُ أحدٌ عدوَه ويعترفُ له بالفضل والعرفان، ويدين له بالتقدير والامتنان، أم تشكر الضحيةُ جلادَها وأصحابُ الحق مغتصبيه وملاكُ الأرض محتليها، أم يشكر المظلومون ظالمهم الذي يتآمر عليهم ويعمل ضدهم، ويعفو أهلُ القتيلِ عن قاتلهم، ويسامحُ أصحابُ الحق ناهبيه وسارقيه منهم.  هذا لعمري أمرٌ عجيبٌ وفعلٌ غريبٌ ليس له في الزمان مثيلٌ، لا يقوم به عاقلٌ، ولا يلجأ إليه إلا غِرٌ جاهلٌ أو سفيهٌ أحمقُ ، أو أن يكون فاعله قد استمرأ الذل ورضي بالهوان، واستعذب الاستعباد واستعصى على الرفض والعناد، وأبى المقاومة والجهاد، فرضي أن يكون تبعاً أو أن يعيش عبداً، وقَبِلَ أن يستحسن لعدوه القبيح، ويرضى منه بالبشع الشنيع، ويصفق له ابتهاجاً صدقاً أو نفاقاً إذا قال أو فعل، ولو كان في قوله فاحشاً أو في فعله ظالماً، أو كان في سلوكه سفيهاً وفي عقله مريضاً.
 
 لكن الشعب الفلسطيني العزيزُ القويُ، الشريفُ الأبيُ، الشجاعُ المقدامُ، الجريءُ الهمامُ، المنتمي إلى العروبة والإسلام، والمعتز بقطز وصلاح الدين والقسام، الذي سلك طريق المقاومة وخبر مسار القوة، وعرف معنى العزة وعاش في ظلال الكرامة، واستعصم بكبرياء المقاومة ونال شرف القتال، وتمسك بالانتصار وأبى الذل والصغارَ، وأصر أن يحيى حياة الأبطال وأن يعيش عيش الكبار، ولم يعط طيلة سنوات نضاله الطويلة الدنية في حقه ووطنه، وبقي صامداً حتى في سجنه ومعتقله، وثابتاً رغم ضعفه وحصاره. هذا الشعب العظيم قد شكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي استعداهم واعتدى على حقوقهم ومستقبلهم، وتطاول على حرماتهم ومقدساتهم، وتآمر مع عدوهم واتفق عليهم معه، ودعمه وسانده، وأيده وناصره، وسمى القدس عاصمته، ونقل إليها سفارته، وهو يعلم أنه بهذا الفعل إنما يعتدي على الشعب الفلسطيني كله، ويتطاول عليه وعلى حقوقه، ويمس قيمه ومبادئه وثوابته، ويرتكب بقراره الأهوج جريمةً جديدةً في حق الشعب الفلسطيني تضاف إلى سلسلة جرائمهم، وكأنه بلفورٌ مشؤومٌ آخرٌ، وكتابٌ أسودٌ جديدٌ.
 
 بالتأكيد فإن الشعب الفلسطيني لم يشكره على جريمته، ولم يحمده على سوء فعلته، بل دانه واستنكر قراره، ووصفه بأبشع الصفات ونعته بأرذل النعوت، لكنه شكره إذ ميَّزَ بعجرفته وسفاهته وكبريائه وصفاقته بين الغث والسمين وفرز القمح عن الزوان، وغربل العالم كله بين صديقٍ وعدوٍ، وصادقٍ وكاذب، ووفيٍ ومنافق، وفضح أنظمةً ادعت وقوفها مع الشعب الفلسطيني ونصرتها لقضيته، وكشف زيف بلدانٍ تآمرت معه ونسقت وإياه، وكانت تعلم بفعلته يقيناً وطمأنته عليها لئلا يحاف من عواقبها، وضمنت له ضبط الشارع وردع المواطنين، ومنع التظاهر ووضع حدٍ للمسيرات والاحتجاجات المناهضة لسياسته والمعارضة لقراره. يشكر الفلسطينيون ترامب على حمقه وجنونه لأنه كشف عن حقيقة مواقفه وأصل سياسته، وأسفر عن نواياه الرافضة منح الفلسطينيين حقوقهم، وتمكينهم في بلادهم وعلى أرضهم، وانقلابه على مسار التسوية وتراجعه عن حل الدولتين، وتخليه عن دور الوساطة والرعاية، إذ لم يعد بقراره وسيطاً نزيهاً وحكماً عدلاً بين الخصوم والأطراف، وبذا حكم على نفسه بالانحياز وعدم الأهلية، وأخرج نفسه من معادلة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، وأخلى الطريق لقوى عظمى أخرى لتلعب أدواراً أفضل وأصدق، وأكثر نزاهةً وأحرص عدلاً.
 
 ويشكر كثيرٌ من الفلسطينيين ترامب على قراره لأنه نعى إلى العالم كله العملية السلم وأعلن موتها، ومشى قبل الجميع في جنازتها قبل الإعلان رسمياً عن دفنها وإهالة التراب عليها، فأضعف بذلك فريقها وفض المؤيدين من حولها، وجعل من الصعب استئنافها أو بعث الحياة فيها من جديد، وبذا لم يعد هناك ثمة فرصة لنجاح عملية التسوية، كما لم يبق مؤيدون لها أو مؤمنون بها، وبهذا أحيا قرارُ ترامب الخائبُ الخيارَ العسكري، وأعاد إليه الحياة من جديد وجعل الرهان عليه ناجحاً، الأمر الذي من شأنه أن يعزز المقاومة وأن يعلي من قيمتها، ويزيد من عدد المؤيدين لها والمتمسكين بها. ويشكرونه أنه عجل في عزل بلاده وإقصاء إدارته وتهميش دورها، فقد تسبب ترامب بقراره في عزل الولايات المتحدة الأمريكية وشل قدراتها الدبلوماسية والسياسية، وتخلي العديد من دول العالم عنها بما فيها دول الحلفاء الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية، والمتعاونة معها في مشاريع الحرب والسلام، التي عارضت قراره، ودعته إلى التراجع عنه وعدم تنفيذه، وكما أظهر مشروع قرار مجلس الأمن الدولي وقوف الولايات المتحدة الأمريكية وحيدة أمام أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر، فإن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أهان الإدارة الأمريكية، وحشرها سياسياً في زاويةٍ ضيقةٍ مع سبعة دولٍ مجهريةٍ نكرة لا يعرفها أحد، وليس لها أي أدوار دولية أو إقليمية.

استطاع ترامب بكلماته وخطاباته المباشرة أو على لسان مساعديه ومندوبيه، أن يستفز دول العالم وأن يهينها، وأن يساومها ويضغط عليها، إذ هدد الدول الفقيرة وتوعد الدول الضعيفة، وأعلن الحرب على الأمم المتحدة وعلى المؤسسات الدولية التابعة لها، فأظهر عدوانية بلاده وعدم أخلاقية سياستها، إذ توعد المعارضين لقراره بعقوباتٍ قاسية وردودٍ موجعة، ووعد المؤيدين لقراره أو المتغيبين عن الجلسة والممتنعين عن التصويت بحوافز ومكافئات، وبهباتٍ ومساعداتٍ.
 
 لهذا كله وغيره يشكر الفلسطينيون ترامب على غبائه، ويقدرونه على وضوحه وصراحته، ويرون أنه ساعدهم على إعادة الثقة بأنفسهم، والاعتبار إلى قضيتهم، واستعادة الوحدة بينهم، ولعله ما أراد هذه النتيجة وما كان يتمناها وقد صدمته مظاهرها وأقلقته تداعياتها، ولو علم أنه سيخدم بقراره العنصري الفلسطينيين وسيضر بالكيان الصهيوني ومعسكره ما أقدم عليه، لكن ما الذي يمنع أن يتسبب غبيٌ في هزيمة بلاده، أو مجنونٌ في خراب أوطانه، أو معتوهٌ في انهيار بنيانه، اللهم إلا الجهل والغباء والعناد الذي دفعه لارتكاب هذه الحماقة وخوض غمار هذه المواجهة. 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الأحد 24 ديسمبر 2017, 10:39 am

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (14)
أفيخاي أدرعي يغضب للأطفال ويغار على بابا نويل
بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي
لا يترك أفيخاي أدرعي الناطق الرسمي باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي فرصةً إلا ويحاول أن يتسلل من خلالها، بانتهازيةٍ وخسةٍ ونذالةٍ، ووقاحةٍ وصفاقةٍ وقلة أدبٍ، ليطعن في الشعب الفلسطيني ويسيئ إليه، أو يوجه إليه النقد ويحرض المجتمع الدولي عليه، وهو المعروف بسلاطة لسانه وبذاءةِ ألفاظه وفحش كلماته، فتراه يعلق على كل الأحداث الفلسطينية والعربية جلها ودقيقها، وكبيرها وصغيرها، عامها وخاصها، ويساعده في ذلك إتقانه الجيد للغة العربية، ووفرة المعلومات لديه، وجاهزية منصات التواصل الاجتماعي المسخرة له، إذ يعمل عنده ومعه فريقٌ كبيرٌ من المهتمين والمتطوعين الإسرائيليين، الذين يزودونه بالمعلومات، ويمدونه بالمعطيات والبيانات، ويوفرون له ما يحتاج ليكون على اطلاعٍ تامٍ بالمواضيع المثارة، وبالقضايا محل التعليق والنقاش.
لم يغب أفيخاي أدرعي عن ساحات التواصل الاجتماعي منذ ما قبل إعلان الرئيس الأمريكي ترامب عن قراره حول القدس، إذ اعتاد أن يظهر ساخراً مستهزئاً، ومتهكماً ناقداً، دون مراعاةٍ لحرمة شهيدٍ أو مكانة قائدٍ أو رمزيةِ زعيمٍ، أو تقديرٍ لظرفٍ واحترامٍ لمناسبةٍ، في محاولةٍ منه للتأثير على الروح المعنوية لدى الفلسطينيين، والحط من قدراتهم والحد من اندفاعهم، والتقليل من حجم مشاركاتهم في المظاهرات والمسيرات، وفي الاشتباكات والمواجهات، إذ أغاظته تباشير الانتفاضة الفلسطينية، وأقلقته حالة التلاحم والتماسك الشعبية، وحجم الانتشار ودرجة التمدد الواسعة في الأحداث، واشتراك مختلف الفئات وأغلب الطاقات في الأحداث الجارية احتجاجاً ورفضاً لقرار ترامب، الذي يوشك أن يسقط أمام الهبة الجماهيرية العربية والإسلامية الشاملة، وأمام الإجماع الدولي المعارض لقراره والرافض لسياسته.
يبدو أن أفيخاي أدرعي الذي يقتل جيشه الأطفال ويغتال البسمة من على شفاههم، ويعتقلهم أمام وسائل الإعلام وينكل بهم، ويضربهم ويبطش بهم ويؤذيهم، ويقدمهم للمحاكمة ويصدر في حقهم أحكاماً بالسجن قاسية وبالغرامات المالية الباهظة، والشواهد على جرائمه بحق الأطفال الفلسطينيين كثيرةٌ وعديدة، وما حادثة اعتقال الطفلة عهد التميمي ببعيدة، فقد داهمت جحافلٌ من جنود جيش الاحتلال بيت عهد، وساقوها وأمها إلى مراكز الاعتقال، رغم أنها ما زالت بموجب كل القوانين الدولية طفلةً صغيرة، ينبغي عدم المساس بها أو الاعتداء عليها، ولا يحق اعتقالها كما لا تجوز محاكمتها.
غضب أفيخاي أدرعي غيرةً على الأطفال الفلسطينيين، وحرصاً على براءتهم المستباحة وحقهم في الاستمتاع بطفولتهم، وطالب بحمايتهم وعدم الدفع بهم الأماكن الخطرة، حيث المواجهات والاشتباكات، ودعا إلى محاسبة المسؤولين عنهم، الذين يدفعونهم ويحرضونهم ويعرضون حياتهم للخطر، كونهم يؤثرون على نفسية الأطفال ويحرفونها عن طبيعتها البريئة، ويحولونهم إلى إرهابيين يحبون العنف ويميلون نحو التطرف، فيدا في غضبته بريئاً صادقاً، وكأنه جيش كيانه لا يقتل أطفالنا، ولا يحرمهم من طفولتهم البريئة، ولا يصادر حقوقهم المنصوص عليها في مختلف الشرائع والنظم.

وها هو اليوم يستشيط غضباً أكثر، ويعلن عن انزعاجه الشديد، ويغرد غاضباً لأن فلسطينيين غاضبين للقدس وثائرين لأجلها، يحبون وطنهم ويعشقون أرضه ويضحون في سبيل مقدساته، قد لبسوا زي بابا نويل في أيام عيد الميلاد المجيد، ونزلوا إلى الساحات والميادين لمواجهة جنود جيش الاحتلال وقطعان مستوطنيه، فأبدى أدرعي غيرةً على رمز السلام وعنوان المحبة، المحب للأطفال والعاشق لبراءتهم، إذ كيف يتقمصون هيئة بابا نويل ويظهرون بصورته المعروفة وبثيابه البيضاء والحمراء المميزة، ويقومون بإلقاء الحجارة على جنود جيشه، ويشتبكون معه في المدن والبلدات، فيفسدون بذلك مهمته ويشوهون صورته، ويلحقون الضرر بنفوس الأطفال الفلسطينيين الذين ارتبطت ذاكرتهم ببابا نويل رمز السلام المحب للخير وحامل الهدايا، فإذا به يتحول إلى رمزٍ للإرهاب، يستهدف حياة جنود جيش كيانه ويعرضها للخطر، بدلاً من أن يحمل إلى تباشير السلام ورسائل المحبة وهدايا الأعياد.
مجرمٌ هذا الرجل وجيشه، وقاتلٌ هو وحكومته وشعبه، وباطلٌ ما يقول هو وأجهزته، وعجيبٌ أمره وأعوجٌ منطقه، إذ كيف يغار على الأطفال ويخاف على نفسيتهم، بينما يقوم جيشه بقتلهم أو اعتقالهم، ولا يتردد جنوده في ضربهم وتعذيبهم والتنكيل بهم، ولعل وسائل الإعلام تفضحهم وتكشف حقيقتهم، عندما تعرض صوراً لعشرات الجنود وهم يحيطون بطفلٍ صغيرٍ يقودونه إلى المعتقل، أو يتناوبون على ضربه وركله ورفسه ولكمه، ولعل معتقلاتهم تشهد على مئات الأسرى الأطفال القابعين فيها، وسجلات الشهداء تثبت أسماء مئات الشهداء من الصبية والأطفال والرضع، الذين قتل كثيرٌ منهم دهساً أو حرقاً أو قنصاً بدمٍ باردٍ.
شكراً لك أفيخاي أدرعي، نحن في غنىً عن غيرتك وغضبك، ولا نريد منك أن تخاف على أطفالنا أو تقلق على مستقبلهم، فأنت دعيٌ كاذب، وانتهازيٌ مخادعٌ، وخبيثٌ فاسدٌ، ترتكب وجيشك كل الموبقات وأسوأ المحرمات وأكثر الجرائم فحشاً وقبحاً، ثم تثور غضباً لأجلنا وغيرةً علينا، كأنك مبرأٌ من كل جرمٍ، وطاهرٌ من كل ذنبٍ، فهذا لعمري ليس إلا مكرٌ مكرتموه في كيانكم، ومؤامرةٌ حبكتم خيوطها ضد شعبنا ومقدساتنا، وهو ما لا ينطلي علينا أبداً.
لهذا نحن في غنىً عن نصحك يا أدرعي، ولسنا في حاجةٍ إلى توجيهاتك وإرشاداتك، وكل ما نريده منك أن ترحل أنت وجيشك ومستوطنوك عن أرضنا، وأن تغادروا وطننا، وأن تتركونا وشأننا، وتنسوا وساوسكم في قدسنا، وتتخلوا عن أساطيركم في بلادنا، وخرافاتكم في وطننا، وتكفوا عن رواياتكم الضالة وأفكاركم المنحرفة، ولتنصحوا ترامب ومن معه أن يتراجع عن فعلته، وأن يتوقف عن لعبته، وألا يمضي قدماً في سياسته، فهذه الأرض لنا، وهذه القدس مدينتنا وعاصمة دولتنا، قبلتنا الأولى ومسرى نبينا ومعراج رسولنا، عربية الوجه إسلامية الهوية كانت وستبقى.













القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (15)

أعيادُ الميلادِ المجيدةُ أيامٌ في فلسطين حزينةٌ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

إنها ليلة عيد الميلاد المجيدة، وإنها مدينة بيت لحم العتيدة، مهد السيد المسيح عليه السلام، المدينة التي ولد فيها رسول المحبة السلام، وإنها شجرة الميلاد الضخمة تنتصب على مداخلها، ومصابيح الزينة التي تضفي على المكان سيما الفرح وعلامات الاحتفال، وفرقٌ فنية وكشفية قد وفدت إلى المدينة وقريباً من كنيسة المهد لإحياء هذه الليلة العظيمة، والمشاركة في إحياء طقوسها السنوية، وقساوسةٌ ورهبانٌ وبطاركةٌ قد تهيأوا لهذه الليلة، وأعدوا لها عدتها، وإن كان القلق يسكنهم والخوف يسيطر عليهم، فالعدو يترقبهم ويتربص بهم ويضيق عليهم، ولا يريد لهم أن يحيوا طقوس هذه الليلة العظيمة.

وجموعٌ غير غفيرةٍ جاءت من أكثر من مكانٍ في فلسطين، أعدادها قليلة، وفئاتها واحدة أو متشابهة، والمناطق التي جاؤوا منها محدودة، وأعدادٌ أقل من السياح والحجاج غير الفلسطينيين، جاؤوا إلى المدينة على استحياء ودخلوها بليلٍ خائفٍ وقلقٍ كبيرٍ، فخلت لقلة عدد الحجاج والسياح والزوار والمسيحيين الفلسطينيين ساحة المدينة، التي اعتادت أن تحيي هذه الليلة كل عامٍ، إذ نصبت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الحواجز على مداخل المدينة وبالقرب من ساحتها، وكأنها تتعمد إفشال الاحتفال، ولا تريد أن يشارك فيه جموعٌ شعبية أو أجنبية حاشدة، وكأنها تحارب المسيحيين في أعظم مناسباتهم، وتضيق عليهم في أقدس أيامهم، وتعتدي عليهم في أعظم الليالي عندهم.

يدرك المسيحيون الفلسطينيون أن فلسطين في خطر، وأن القدس تتعرض للمؤامرة، وقد شكت بالأمس من قرار ترامب الجائر بحقها، الذي استهدف به الفلسطينيين جميعاً، المسلمين والمسيحيين وهم سكان الأرض وأصحاب الحق، فآثر القائمون على احتفالات ليلة الميلاد المجيدة أن تقتصر احتفالاتهم لهذا العام على الطقوس الرسمية، والاكتفاء بصلاة منتصف الليل، وإلغاء كافة مظاهر الاحتفال العامة، تعبيراً عن غضبهم الشديد لما أقدم عليه الرئيس الأمريكي، واستنكاراً للسياسة الأمريكية بحق هذه المدينة المقدسة وأهلها.

لن يغفر السيد المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، ولا المسيحيون الصادقون وأتباعه المخلصون، في ليلة عيد الميلاد المجيدة وفي هذه الأيام المباركة، ما أقدم عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد ارتكب جرماً كبيراً، واستحق بفعلته الشنيعة الطرد والإقصاء والحرمان والعقاب، إذ اقترف بحق المسلمين والمسيحيين معاً ذنباً يصعب غفرانه، ولا يمكن التطهر منه بالاعتراف فقط، ولا يقبل كهنة الكنيسة أن يتستروا على جريمته، أو أن يسكتوا على معصيته، بل يطالبونه قبل الاعتراف أمامهم بالتراجع والندم، وسحب الاعتراف والكف عن مناصرة الباطل والوقوف إلى جانب الظالم، فالسيد المسيح عليه السلام، وأتباعه المسيحيون الذين آمنوا به واتبعوه، وصدقوه وناصروه، لا يقبل أن يكون أتباعه ظلاماً من بعده، ومفسدين في الأرض وهم يحملون اسمه، بل يدعوهم إلى حمل رسالة السلام التي جاء بها، وإقرار العدل الذي نادى به.

اليوم فلسطين تتوشح السواد، ويلفها الحزنُ، ويسكنها الألم، وينساب منها الوجع، وتنعب بالدماء جراحها، ويسقط على الأرض شهداؤها، ويتنادى للدفاع عن قدسها شبابها وشيبها ونساؤها، وتنتابها موجات من الغضب، ومسيراتٌ صاخبةٌ، ومظاهراتٌ حاشدةٌ، واشتباكاتٌ دائمة، وحالةُ ثورةٍ كامنة، والمسيحيون في فلسطين جزءٌ من هذا الوطن وبعض نسيجه، كنسيتهم مستهدفة، ومهد رسولهم مستباحٌ، وأوقافهم تصادر وحقوقهم تغتصب، وأبناؤهم يقتلون ويطردون، ويضطهدون ويعذبون، ويحرمون ويعاقبون، شأنهم شأن إخوانهم المسلمين، الذين يشتركون معهم في الهوية والوطن، ويسكنون وإياهم الأرض والديار.

الإسرائيليون يهينون المسيحيين جميعاً لا الفلسطينيين وحدهم، ويسيؤون إليهم في كل مكانٍ، يقتلون إخوانهم، ويعتدون على مقدساتهم، ويضيقون عليهم في أعظم مناسباتهم، ويحرمونهم من أبسط حقوقهم، لهذا فإن مسيحيي فلسطين والدول العربية يحملون مسيحيي أوروبا وأمريكا وغيرهم من المؤمنين بالسيد المسيح عليه السلام، المنتشرين في كافة أصقاع العالم وينتسبون إليه، ممن يملكون القوة ويسيطرون على القرار الدولي، المسؤولية عن احتلال مدينة مهد رسولهم، التي يدنسها العدو الإسرائيلي بجنوده، ويجوس فيها مستوطنوه خراباً وفساداً، ويطالبون إخوانهم المسيحيين الأقوياء أن ينتصروا لهم، وأن يقفوا إلى جانبهم، وأن يدافعوا عن حقوقهم، ويحموا أبناءهم ومقدساتهم، وألا يتركوهم فريسةً سهلة بأيدي سلطات الاحتلال التي تنكل بهم ولا ترحمهم، ولا تفرق في عدائها لهم بين مسلمين أو مسيحيين ما داموا جميعاً يداً فلسطينية واحدة.

إننا نحن المسلمين والمسيحيين في فلسطين المحتلة، لا نحلم بالمستحيل ولا نتمنى العدم، ولا نرجو ما لا نستحق، ولا نطلب ما ليس لنا، ولا نعتدي على غيرنا ولا نفتري على سوانا، بل نريد أن نعيش كغيرنا من الشعوب والأمم في كنف دولتنا وتحت راية علمنا، وفي ظل بلادنا وعلى أرضنا وتراب وطننا، أسوةً بغيرنا من الشعوب التي تنعم بأوطانها، وتتمتع بخيرات بلادها، فهذه الأرض المقدسة بالرسل والأنبياء أرضنا، وقد كانت لنا وستعود إلينا وستبقى إلى الأبد لنا، فهي مهد المسيح عليه السلام، كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، وفيها بيت لحم والناصرة البقاع الأكثر قداسةً للمسيحيين، وفيها المسجد الأقصى مسرى رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم ومعراجه، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.

حزينةٌ هي فلسطين هذا العام كما كل الأعوام التي سبقت والسنين التي مضت، إلا أن تتحرر من ربقة الاحتلال وسرطان الاستيطان، ويرحل عنها الغاصبون لها والوافدون الغرباء عنها، وتستقل بدولتها وتستعيد سيادتها على كامل أرضها التاريخية، ويعود أهلها إليها من شتاتهم وشعبها من لجوئهم، وتكون لهم فيها دولتهم المستقلة، والقدس عاصمةً لها بوجهها العربي الأصيل وثوبها الفلسطيني القشيب، يرفرف في سمائها ويرفع فوق الساريات والتلال العالية علمها، وبذا تفرح في أعياد الميلاد المجيدة، وتحتفل فيها وتزدان، وتحتفي بها وتختال، وتتزين شوارعها استقبالاً لها، وتبتهج ميادينها سعادةً بها، وتكون أعياد الميلاد المجيدة فيها أعياداً عامةً وأياماً وطنيةً، يفرح فيها الجميع في ظلال الحرية والاستقلال، وتتحد فيها الكنسية والمسجد معاً على شعارٍ واحد، يتردد صداه في القدس وبيت ولحم، وفي الخليل والناصرة، وفي المسجد الأقصى وكنسية القيامة، القدس عربية عاصمة فلسطين الأبدية.



القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (16)

إسرائيل وأمريكا تنسحبان من المنظمات الدولية وفلسطين إليها تنتسبُ

بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي

أصيبت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دولة الكيان الصهيوني بالسعار والجنون، بعد الصدمة التي شكلها التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي مس قداسة القدس ومكانتها، وهدد مستقبلها وعبث بهويتها الحضارية والدينية، وقرر نقل ملكيتها اعتباطاً وتغيير سيادتها ظلماً، عندما اعترف بها عاصمةً موحدةً للكيان الصهيوني، وقرر نقل سفارة بلاده إليها، دون مراعاةٍ للحق أو التزامٍ بالقانون، ولكن تصويت أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة بالغالبية العظمى ضد قراره، وتأكيدهم على الاحتفاظ بوضعية المدينة المقدسة وعدم المساس بها، التزاماً بالقرارات السابقة لمجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، أحرج الإدارة الأمريكية وعزلها، وانتقد السياسة الأمريكية وحشرها، إذ لم يقف معها غير سبعة دولٍ مجهريةٍ لا تكاد تبين ولا يعرف باسمها أحدٌ بالإضافة إليها والكيان الصهيوني.

استشاطت الحكومة الإسرائيلية غضباً وأصيبت بالخبل والذهول، وخرج الرئيس الأمريكي ترامب عن طوره، وبدأ يصرخ ومندوبته في الأمم المتحدة دون وعيٍ وإدراك، وبلا تمييزٍ وتقديرٍ، وصار يتخبط في تصريحاته المتضاربة كالغِر عديم الخبرة، وكالجاهلِ فاقدِ المعرفة، وتبعه رئيس حكومة الكيان وأعضاء حكومته في هستيريا عنيفة، وحمى شديدة الوطأة، أدخلتهم جميعاً في حمأةٍ آسنةٍ أربكتهم، وفي فوضى عارمة أفقدتهم التوازن والتركيز، إذ هددوا الدول والحكومات التي أيدت القرار وعارضت الإرادة الأمريكية والرغبة الإسرائيلية، بقطع المساعدات عنهم، ووقف تمويل مشاريعهم، ومعاقبتهم بشدة على سلوكهم، وعدم التهاون في التعامل معهم.

وامتدت التهديدات الأمريكية والإسرائيلية المجنونة، التي حملت شبهة الثأر والانتقام والعقاب والقصاص، لتطال المؤسسات الدولية والمنظمات الإقليمية ومؤسسة الأمم المتحدة، حيث تهكم الطرفان بهذه المؤسسات، واستخفوا بجديتها، واتهموها بالتبعية والذيلية، وأنها منحازة وغير عادلة، وأعلنا نيتهما الانسحاب من بعضها، وعدم تمويل الأخرى منها، وأكد الرئيس الأمريكي عزمه تقليص مساهمة بلاده في ميزانية الأمم المتحدة، التي وصفها بأنها نادي العاطلين، واعتبر أن قراراتها غير مسؤولة، ولا يجب الإصغاء لها أو الاهتمام بها، وهي نفس الشعارات التي رفعها إبان حملته الانتخابية الرئاسية، والتي أكد أنه سينفذها في حال فوزه، وما نراه اليوم ليس إلا ترجمةً دقيقة لشعاراته الانتخابية التي هي ثوابته السياسية.

أما حكومة الكيان الصهيوني فقد كانت قبل القرار غاضبةً جداً من منظمة التربية والعلوم والثقافة “الأونيسكو”، التي سبق لها أن أصدرت أكثر من قرارٍ يدين الكيان الصهيوني، وينفي السيادة اليهودية على الأماكن المقدسة في مدينة القدس، في الوقت الذي أكدت فيه السيادة الفلسطينية عليها، الأمر الذي أغضب الإسرائيليين وأزعجهم، فأطلقوا سلسلة من التصريحات المنددة بهذا القرار، والرافضة لسياستها، وأكد رئيس حكومتهم نيته الانسحاب منها وعدم المشاركة في اجتماعاتها ولقاءاتها الدورية، أسوةً بقرار الإدارة الأمريكية الذي قضى بالانسحاب من عضوية الأونيسكو، والذي وصفه نتنياهو بأنه قرارٌ أخلاقي شجاعٌ وجريءٌ.

تكرر موقف الحكومة الإسرائيلية نفسه مع منظمة اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة “الأسكوا”، التي أصدرت رئيستها ريما خلف تقريراً يصف ممارسات سلطات الاحتلال بالعنصرية، ويطالب بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتمكين أهلها من تأسيس دولتهم وتقرير مصيرهم، ورغم إصرار الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريوس على سحب التقرير والتراجع عنه، إلا أن التهديدات الإسرائيلية والأمريكية للمنظمة التي خضعت لها واستجابت لشروطها وسحبت تقريرها بقيت على حالها، ولم يخفف منها إلغاء التقرير واستقالة المديرة التنفيذية العامة، الأمر الذي يشير إلى تفاقم الانحياز الأمريكي المطلق لصالح الكيان الإسرائيلي في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.

يبدو أن الإدارة الأمريكية ومعها حكومة الكيان الإسرائيلي سيمضيان قدماً في مشروع الانسحاب من المنظمات الدولية، وتقليل الاعتماد على منظمة الأمم المتحدة، وعدم اللجوء إليها أو القبول باللجوء إليها لحل أي مشكلة دولية، والاكتفاء بالمواقف السيادية لها، التي تعتمد على القوة والنفوذ في فرض القرارات التي تريد، وتمرير السياسات التي ترى وجوبها، وذلك لإحساسهما بأن المجتمع الدولي يتجه لرفض سياستهما، ويتجرأ في الاعتراض على قراراتهما، الأمر الذي سيحرجهم وسيعمل على عزلهم، إذ لم يعد من الممكن دولياً القبول بالممارسات الإسرائيلية، أو باستمرار احتلال الأراضي الفلسطينية، ومنع الفلسطينيين من تقرير مصيرهم وتأسيس دولتهم، وقد تكون الخطوة الأمريكية القادمة تجاه مجلس حقوق الإنسان، التي ستبادر بالانسحاب منه بعد الإهانات التي تعرضت لها فيه، والانتقادات التي تلقتها من كثيرٍ من الدول الأعضاء، والملفات والقضايا التي أثارها أعضاء المجلس التي تُعتبرُ الولايات المتحدة الأمريكية طرفاً فيها ومتهمةً بها.

بالمقابل فإن فلسطين قد حصدت نتائج التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولمست درجة التأييد الدولي لها رغم حملات الترغيب والترهيب، والضغوط والتهديدات الأمريكية لكل دولةٍ تخرج عن بيت الطاعة، حيث أن دولاً كثيرة رفضت الخضوع لمنطق الابتزاز المادي، والمقايضة على المبادئ والأخلاق مقابل الدعم المادي والوعود السرابية، وأبدت استعدادها الكامل للتصويت لفلسطين في كل المحافل الدولية والمؤسسات والمنظمات الأممية، ولعل الأصوات التي ستنالها في أي تصويتٍ قادمٍ سيتجاوز ما نالته في التصويت الأممي على مستقبل القدس وما حصلت عليه في قرار منظمة الأونيسكو.

ينبغي على السلطة الفلسطينية أن تكون جادةً في تهديداتها، وصادقةً في وعودها، ومخلصة في الدفاع عن شعبها وحماية مقدساتها، وتمضي قدماً في الالتحاق بالمؤسسات والمنظمات الدولية، دون خوفٍ من الضغوط الأمريكية والتهديدات الإسرائيلية، وعليها أن تستفيد من الأجواء العامة والمناخات التي وفرها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يشكل بالنسبة إلى فلسطين قاعدة انطلاقٍ جديدة، ومنصةً أخرى للعمل الوطني الجاد والمثمر، فالقدس تنتظر منا المزيد من الحراك الدولي والنشاط الدبلوماسي، إلى جانب الحراك الشعبي ومسيرات التضامن ومظاهرات التنديد الدولية.


يتبع ….
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الخميس 28 ديسمبر 2017, 11:50 am

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (17)
قرارُ ترامب يطلق الكلاب ويفلت الذئاب

يبدو أن القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار القدس هي العاصمة الموحدة للكيان الصهيوني، وبنقل سفارة بلاده إلى مدينة القدس، قد أطلق إشارة البدء وصافرة الانطلاق لسلسلةٍ طويلةٍ من الإجراءات والقرارات الإسرائيلية الصاخبة، وأتاح المجال للمتطرفين الإسرائيليين وغلاة المستوطنين والمتشددين المتدينين والقوميين معاً لأن يعبروا عن رغباتهم المتطرفة، ويكشفوا عن مكنون نفوسهم الخبيثة، وينفذوا ما استعصى عليهم قديماً، واستحال عليهم سابقاً نظراً للظروف الدولية والإقليمية، والعقبات التي كانت تعترضهم، والمقاومة التي كانت تمنعهم وتصدهم، ولكن القرار المشؤوم أخرجهم من جحورهم وبث سمومهم كالأفاعي، وأطلقهم على الأرض يلذغون ويغدرون كالعقارب، فبات خطرهم أشد وأقسى، وفعلهم أسوأ وأخبث، دون خوفٍ يقيدهم، أو ترددٍ يمنعهم، أو خصمٍ يتعقبهم.

توالت المشاريع وتسارعت الخطوات، وهي أكثر مما نعتقد، وأشد خطراً مما نتوقع، وقد استغلت الحكومة الإسرائيلية فرصة القرار الأمريكي فاستثمرته كما تريد وفسرته كما تحب، وشعرت أن الظروف العامة تخدمها والأوضاع الفلسطينية والعربية لا تستطيع أن تصدها، وهي فرصة قد لا تتكرر بهذه المواصفات والحيثيات، فضلاً عن أنها من جانبٍ آخر تخدم نتنياهو المهدد في مستقبله، والمتهم مع زوجته في قضايا عديدة، فالمضي في بعض هذه المشاريع قد يبعد عنه شبح تحقيق الشرطة وكابوس المحاكمة والسجن، وفي الوقت الذي يحقق فيه بعض المنافع الشخصية وهي هامة بالنسبة له ولها أولوية عنده، فإنه سينجح في استرضاء قادة ائتلافه الحاكم ورموز التشدد والتطرف والاستيطان في الأحزاب اليمينية والدينية.

كانت أولى الخطوات التصعيدية التي انتهزت الظرف واستغلت القرار، إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية المصادقة على مشروع بناء ثلاثة آلاف وحدة سكنية في مدينة القدس ومحيطها، وهذا من شأنه مع ما سبق من مشاريع معدة سابقاً أن يطوق مدينة القدس بالمستوطنات والأحياء اليهودية، وأن يعزلها عن محيطها العربي، ويزيد عدد سكانها اليهود بالمقارنة مع السكان العرب، المحرومين من التوسع والبناء، وممنوعين من الترميم والصيانة، ومهددين بالطرد والحرمان من الهوية والمواطنة المقدسية.

وأصدر رئيس بلدية القدس الصهيوني نير بركات تعليماته إلى طواقم بلديته لإعداد خطة شاملة وكاملة لجميع شوارع ومرافق وأنحاء مدينة القدس، والمباشرة في عبرنتها، أي إعادة تسميتها باللغة العبرية، وإعادة الأسماء العبرية القديمة التي يعتقدون أنها كانت لها قبل آلاف السنين، على أن يتزامن هذا الإجراء مع شطب كافة الأسماء العربية، وتغيير كافة اللوحات الطرقية التي تحمل أسماءً وإشاراتٍ عربية، علماً أن هذا المشروع كان حلماً قديماً يراودهم، لكنهم كانوا دوماً يعجزون عن تنفيذه، ويلجأون إلى إرجاءه عاماً بعد آخر.

بالتزامن مع مشاريع استكمال عملية تهويد مدينة القدس، ينوي أعضاء الكنيست الإسرائيلي مناقشة مشروع فرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين الذين يدانون بعملياتٍ عسكريةٍ يقتل فيها مواطنون إسرائيليون، ويطمح العديد من أعضاء الكنيست بالإضافة إلى وزير حرب العدو أفيغودور ليبرمان وغيره، إلى إقرار هذه العقوبة والموافقة على تنفيذها بحق المدانين من الأسرى الفلسطينيين، ويرون أن الفرصة مواتية جداً لإقرارها واستخدامها سلاحاً رادعاً في وجه المقاومة الفلسطينية، ولا يرون عيباً في تنفيذها رغم اعتراض الأمم المتحدة ولجان حقوق الإنسان الدولية عليها، وهي نفسها التي تعترض على الولايات المتحدة الأمريكية التي يصفونها بأعمق الديمقراطيات في العالم، ومع ذلك فهي تنفذ عقوبة الإعدام في حق المدانين بارتكاب جرائم قتلٍ.

في ظل هذه الأجواء المشحونة بالتوتر والعنصرية والكراهية، قام عضو الكنيست الإسرائيلي روني حزان بالاعتداء على كرامة الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وتهجم بصورةٍ سافرةٍ وبكلماتٍ بذيئةٍ نابيةٍ على والدة أحد الأسرى، بينما كانت في حافلةٍ عائدةً من زيارة ابنها الأسير، وقد تعمد حزان الإساءة إليها، وقام جندي يرافقه بترجمة كلماته النابية وكررها على مسامعها أكثر من مرةٍ، واصفاً الأسرى وابنها بالحشرات، ولم تقم أي جهةٍ رسمية باستدعاء النائب المذكور للتحقيق معه أو إدانته بما ارتكب من جرمٍ شائنٍ بحق هذه الأم وابنها.

أما حزب الليكود الذي يترأس الحكومة الإسرائيلية ويعتبر قلب الائتلاف الحاكم وعموده الفقري، فإنه يمثل قمة التطرف والتشدد، ولعله يقف على يمين الأحزاب اليمينية الدينية والقومية، فقد أعلن عزمه إجراء استفتاء داخل حزبه على مشروع ضم الضفة الغربية بصورةٍ نهائية إلى الدولة العبرية، لتكون جزءاً من الكيان الصهيوني، تخضع لسيادتها ويطبق القانون الإسرائيلي عليها، وذلك تمهيداً لعرض المشروع بعد إنضاجه على الكنيست لدراسته في أكثر من قراءة والتصويت عليه، حيث أنهم يعتقدون أن الضفة الغربية هي "يهودا والسامرة"، التي تمثل قلب الممالك اليهودية القديمة، وبذا فإنها جزء أساس من الدولة اليهودية المنوي الإعلان عنها وجلب الاعتراف الدولي بها، وتمهيداً لهذه الغاية فقد انطلقت أوسع حملة استيطان ومصادرة أراضي لبناء مستوطناتٍ جديدةٍ أو توسيع القائم منها، ولن تقتصر هذه المشاريع الاستيطانية على مدينة القدس وحدها، بل ستتجاوزها إلى كل أراضي الضفة الغربية.

وفي معرض مواجهتها لحملة الاحتجاج الفلسطينية، وقبل أن تتحول إلى انتفاضةٍ عامةٍ وشاملة، فقد اعتمدت سياسة التصعيد العسكري والتهديد باستخدام القوة المفرطة، وعمدت إلى استهداف الأطفال والنساء، وإطلاق النار على الجميع بقصد الإصابة أو القتل، وحتى لا تتعرض الحكومة الإسرائيلية إلي انتقادٍ أو إدانةٍ دولية، فقد باشرت الانسحاب من بعض المؤسسات والمنظمات الدولية والإقليمية، واستنكرت قراراتها ووصفتها بأنها غير مسؤولة، ويبدو أنها ستقوم في الأيام القلية القادمة بما يغيظها ويستفزها.

إنه قرارُ ترامب الأهوج الذي فتح الأبواب أمام الكلاب الإسرائيلية المصروعة لتنبح وتعض وتنهش، وللذئاب الصهيونية لتهاجم وتنقض، دون خوفٍ من أحدٍ، أو مراعاةٍ لجهة، فسيد العالم الذي يتطلع إلى محاكاة الكابوي قد سبقهم إلى الحلبة والميدان، وحثهم على اللحاق به واتباعه، لكنه وهم ما عرفوا أن هذا الشعب قد لبس لأمته وأعد عدته وقرر مع أمته مواجهته والتصدي له، مهما بلغت قوته وعظم سنده، وكثر سلاحه، وما كان لشعبٍ امتشق سلاحه وآمن بحقه، أن يعود دون هدفه أو يرجع منكساً رأسه.


يتبع...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الإثنين 08 يناير 2018, 7:28 pm

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (20) 
في ذكرى انطلاقتها القدسُ تفتقدُ حركةَ فتح وثورتها
بسرعة البرق ذاع صيتها وسما نجمها وانتشر اسمها وعلا سهمها، وعرف القاصي والداني بانطلاقتها، وتعرف الفلسطينيون على قادتها، وعلقوا الآمال على مؤسسيها، وانتبه لدوي عمليتها الأولى العالمُ، التي كانت شارة بدء العمليات العسكرية وصافرة انطلاق المقاومة الشعبية، واستفاق العدو عليها فرآها قد باشرت عملياتها وانطلقت في مقاومتها، جريئةً قويةً، مقدامةً شجاعةً، عنيفةً سريعةً، فانتابه القلق من هذه الحركة الجديدة، التي التف حولها العرب والفلسطينيون معاً، وانتسبوا إليها باكراً، وعلقوا الآمال عليها غداً، وخشي كثيراً من مستقبلها، فهي تكبر ككرة الثلج، وتتعاظم كشعلة اللهب، ويزداد عدد المنتسبين إليها كسيل نهرٍ، وتتوالى عملياتها وتتنوع أهدافها وتتباين نتائجها، فأصيب بالهلع ولحق به الجزع، فقوات العاصفة تتقدم، ورجال الثورة يزحفون، وأبطال المقاومة يزدادون، ومن كل الدول والجنسيات إليها يفدون وإلى صفوفها ينتسبون.
إنها حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، الحركةُ العظيمةُ التي انطلقت قبل النكسة، والعملاقة التي شملت الشعب كله، وانضوى تحت جناحيها راضياً عنها ومؤمناً بها، فهي التي أشعلت شرارة المقاومة، وحملت شعلة الثورة، وقادت النضال الفلسطيني سنين طويلة، وتقدمت الصفوف، وقادت الجموع، وسار خلفها الشعب وفصائله، وقواه ونخبه، ومنحها الشعب ثقته، وبايعتها الأمة على التحرير، وتعاهد الجميع معها على النصر، فأعطاها الشعب خيرة أبنائه، وما بخل فيها بشبابه ورجاله، ومنحتها الأمة الكثير مما تملك، وأغدقت عليها بحبٍ وسخاء، وجادت بأموالها وكنوزها برضا وطيب نفس، وفتحت لها بلادها وأرضها، وبنت لها معسكرات التدريب ومواقع النضال، إذ رأت فيها الأمل والرجاء، واستبشرت فيها الغد والمستقبل، وتمنت على يديها وبفضل رجالها النصر والعودة والتحرير.
نحن الفلسطينيين اليوم ومعنا كل الشعوب العربية والإسلامية، في أمس الحاجة إلى فتح الأولى، فتح الانطلاقة والشرارة والبندقية والعاصفة، فتح التي تخيف وتردع، والتي تنظم وتجمع، والتي تقول وتصنع، والتي تحصد وتزرع، فتح التي تواجه ولا تخضع، وتقاتل ولا تجزع، وتقاوم ولا تفزع، نحن بحاجةٍ إلى قوات العاصفة وبياناتها العسكرية وعملياتها النوعية، ورجالها الأماجد وأبطالها الفرسان وقادتها النشامى الشجعان، الذين كان لحضورهم شأنٌ ولدورهم أثرٌ، والتي كانت أسماؤهم تخيف وألقابهم ترعب، ممن صنعوا مجد الشعب وكتبوا بدمائهم تاريخ الثورة، وصانوا بأرواحهم ثوابت الأمة وحقوق الشعب والوطن.
فلسطين اليوم، شعبها وأرضها وقدسها وأقصاها ومقدساتها وتاريخها ومصير أبنائها ومستقبل أجيالها، في حاجةٍ ماسةٍ إلى حركة فتحٍ الشريفة صاحبة الرصاصة الأولى، التي عرفها الشعب وذاق مرارة عملياتها العدو، وانتمى إليها بأملٍ عربٌ ومسلمون جنباً إلى جنبٍ مع إخوانهم الفلسطينيين.
فهذه الأيام التي تمر بها القضية الفلسطينية أيامٌ عصيبة، مظلمةٌ حالكةٌ، ليس أشد منها سوءاً في تاريخها، ولا أصعب مرحلةً على مدى سنوات محنتها، يتآمر فيها العدو وحلفاؤه والمغرر بهم من أمتنا، وعتدون عليها ويستفردون بها، ويتحالفون ضدها ويتكالبون عليها، يريدون تصفيتها ووضعِ نهايةٍ لها، لكنهم يريدونها نهاية بلا وطن، وخاتمة بلا أرض، ومستقبلاً بلا أي ضمانةٍ أو سيادةٍ أو هوية، وقد شعر الفلسطينيون بتخلي الكثير عنهم وانفضاضهم من حولهم، خوفاً من الإدارة الأمريكية أو تآمراً معها واتفاقاً وإياها، إلا أنهم لا يسلمون بالضعف، ولا يشكون من الوحدة، ولا يستجيبون للضغوط ومحاولات القهر والإكراه.
في هذه الظروف العصيبة يسأل الفلسطينيون عن فتحهم الوطنية القوية، الواعية المستنيرة، الصادقة المخلصة، الجبارة الأبية، ويفتقدون دورها في الملمات والأزمات، وعند المحن والابتلاءات، حيث اعتادت أن تتقدم ولا تتأخر، وتعطي ولا تبخل، وتمد يد الخلاص لشعبها والنجاة لقضيتها، ولعل هذا الأوان هو أوانها، وهذا الزمان هو زمانها، فلا يفوتنها هذا الدور، ولا تتأخرن عن هذا الواجب.
ففي ذكرى انطلاقتها المجيدة الثالثة والخمسين، يتطلع الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات إليها، ويعلق الآمال عليها، ويريد منها أن تعلن موت العملية السلمية، وتخليها عن خيار التسوية البغيض، وتمسكها بالحق الوطني الفلسطيني العتيد، ويتمنون عليها أن تعود إلى الثوابت الوطنية الفلسطينية، وإلى الإجماع الوطني الأصيل الذي كان قديماً، فتسحب اعترافها بالكيان الصهيوني، وترد عليه اتفاقية الذل والعار التي كبلتها وصادرت دورها وعطلت قدراتها، وتعلن له وللعالم كله تمسكها بالأرض كلها وبالحق الخالص لها.
ويتطلعون إليها لأن تتخلى عن الإدارة الأمريكية، وأن ترفض الخضوع لها والاستسلام لابتزازها، فنحن شعبٌ عزيزٌ وأبناءُ أمةٍ كريمةٍ شريفةٍ، لا نفرط بكرامتنا مقابل حفنة من الدولارات، ولا نبيع شرفنا بمساعداتٍ ومعونات، ولا نقبل المساس بمقدساتنا مقابل شرابٍ وطعامٍ مغموسٍ بالذل وممزوجٍ بالمهانة، فقد أسفرت الإدارة الأمريكية عن حقيقة موقفها، وجاهرت بسوء سياساتها، وأعلنت التبعية للكيان الصهيوني وتبني مشاريعه ودعم سياساته، التي تستهدف تدمير أحلامنا والقضاء على مشروعنا، ونسف قضيتنا وتمزيق هويتنا وتذويب وطنيتنا، والقبول بالحلول التي تخدم الكيان الصهيوني وتحقق أحلامه.
أيها الفتحاويون الغيارى، أيها النشامى الأبطال، يا أبناء هذا الوطن الحر العزيز، أيها البواسل المغاوير، يا ورثة أبي عمار وأبي جهاد وأبي يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر وأبي علي إياد وأبي علي حسن سلامة، يا هذا يومكم وهذا الميدان ميدانكم، وهذه السوح والجبهات لكم، فأروا الله وشعبكم أعمالكم وصدق نواياكم وطهر مسعاكم، وجدية تحرككم وبسالة تضحياتكم، وهبوا لتكونوا لأهلكم قادةً ورواداً، تأخذون بأيديهم إلى طريق النجاة وبر الأمان، واعلموا أن شعبكم يفرح اليوم لكم ويحتفل معكم بذكرى انطلاقتكم المجيدة، ويتمنى لكم التوفيق والسداد، والوحدة والتلاحم، والعودة إلى صدارة العمل الوطني الجامع، فكونوا للمقاومة قادةً وللانتفاضة سادةً، ولبوا صيحة القدس واستغاثة الأقصى، إذ بها نحقق الأماني ونستعيد المجد الضائع.










القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (21)
ترامب يؤجج معركة القدس ويشعل نار الكراهية


بقلم د. مصطفى يوسف اللداوي


يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مصرٌ على المضي قدماً في الحرب التي أعلنها، وعازمٌ على التمادي أكثر في مسلسل الجنون الذي أطلق حلقاته، وسمح لحليفه نتنياهو والكيان الصهيوني بإنتاج المزيد من المشاهد الجنونية المستفزة، التي فاقمت من حدة الأزمة، وضاعفت نتائجها وتداعياتها، وكأنه قد أصيب بحمى هستيرية أفقدته عقله، وأخرجته عن طوره، وصورت له العرب والفلسطينيين ومعهم المسلمين جميعاً وكأنهم دمى بين يديه، أو عرائس شمعٍ يحركها بأصابعه، ويتحكم فيها بإرادته وحسب مزاجه، وأوهمه خياله أنه لا إرادة عند الشعوب العربية والإسلامية، ولا كرامة عند الفلسطينيين، ولا عزة تحركهم ولا غيرة تغضبهم.


ولهذا أمعن ترامب أكثر في إساءاته، وأثخن أكثر في اعتداءاته، دون حسابٍ للعقل أو المنطق، أو اعتبارٍ للحق والتاريخ وسنن الكون والحياة، وظن أنه سينجو بأفكاره، وسينجح في مخططاته، وسيحقق ما عجز عن فعله الرؤساء السابقون، وسيكون هو الرئيس الأمريكي الأوحد الذي منح اليهود اعترافاً طالما حلموا به وتمنوه، وكأن التاريخ سيقف عند وعده، والشعوب ستركع عند قدمه، والفلسطينيون سيسلمون بعقله وسيقبلون بمخططه، وسيندمون إن عارضوه، وسيخسرون إن خالفوه، إذ ليس بعده منجاة، ولا قدرة لغيره أن يقوم بمثل ما قام به، ولا فرصة يُكتب لها النجاح كفرصته.


لم يكتف ترامب بقراره الأهوج بحق الفلسطينيين والعرب والمسلمين، بل مضى قدماً في اتخاذ سلسلة قراراتٍ أخرى من شأنها تعقيد المسألة، وتعميق الأزمة، وجر الأطراف كلها نحو حربٍ دينيةٍ حقيقيةٍ، ستكون هي الأسوأ والأكثر دمويةً في الشرق الأوسط، وسيكون لها مضاعفاتٌ وتأثيراتٌ كبيرة على المنطقة كلها، ولكنه يعتقد أنه يستطيع بهذه القرارات والإجراءات أن يلوي عنق الفلسطينيين، وأن يجبرهم على القبول بأفكاره.


وهو يعتقد أن الفلسطينيين سيبيعون قدسهم بدراهم معدودة، وسيفرطون بحقهم بمعوناتٍ ماديةٍ، وكوبونات إغاثةٍ إنسانيةٍ، وما علم أنه يؤجج نار الحرب، وينفخ في رمادها، وهي لا حربٌ لا شك في أنها قادمة، فبذور الكراهية التي يزرعها، ومساعي الإفساد التي مضى فيها، وسياسته الخرقاء التي يحاول فرضها، لا شك أنها ستثمر حروباً مدمرة وفوضى مخربة، ستطال الجميع ولن ينجوَ منها أحدٌ.


يريد الرئيس ترامب مقايضة السلطة الفلسطينية على المساعدات المالية التي تقدمها بلاده لتسيير عملها، وهي بمجموعها السنوي لا تمثل شيئاً ولا تغير واقعاً، ولا تنتشل الشعب الفلسطيني من أزماته ولا تحقق له شيئاً من رغباته، وهي لا تذكر بالمقارنة مع حجم المساعدات التي تقدم للكيان الإسرائيلي بدون شروطٍ، ولكنه يريد أن يستغلها لأنه يعرف واقع السلطة المالي المرير وحاجتها الماسة ونفقاتها المتزايدة وأزماتها المتفاقمة، ويريد أن يفرض عليها وعلى رئيسها القبول بما قرر، والعودة أذلاء إلى طاولة المفاوضات، والقبول بإدارته وسيطاً لعملية السلام، وراعياً لمسار التسوية، وكأنه لم يرتكب جرماً ولم يأتِ بفعلٍ مشينٍ، وإلا فإنه سيقطع هذه المساعدات، وسيتوقف عن تقديمها سنوياً حتى تأتي السلطة إليه صاغرةً ذليلة.


لا يكتف ترامب بمعاقبة السلطة الفلسطينية ورئيسها، بل يريد أن يعاقب الشعب الفلسطيني كله، وأن يحرمه من مساعدات الأونروا البسيطة التي لا تكاد تقيل عائلة صغيرة فضلاً عن شعبٍ أغلبه لاجئٌ ومشردٌ، فأعلن كعادته على شبكة تويتر أنه ينوي التوقف عن دفع التزامات بلاده السنوية لوكالة الأونروا، ولسان حاله يقول للشعب الفلسطيني إما القبول بقراره والتوقف عن الاعتراض والتظاهر وإلا الجوع والحرمان، ولعل هذا الأسلوب الوضيع وهذه السياسة الوقحة لا يلجأ إليها عاقل، ولا يجربها تاجرٌ، ولكنه للأسف بلغ من السفه والجنون حداً يجعله يظن أن الفلسطينيين يبيعون كرامتهم بدولاراته، ويفرطون بحقوقهم أملاً في مساعدات بلاده، التي يراها الفلسطينيون نجسة وغير نظيفة، ومشروطه ومهينة.


يصر ترامب على دولٍ أخرى أن تنحو نحوه، وأن تقلده في سياسته، وأن تؤيده في قراراته، وإلا فإنه سيعيد النظر في علاقة إدارته بها، ويقصد بذلك علاقتها المالية، وحجم المساعدات التي تتلقاها حكوماتها من الولايات المتحدة الأمريكية، وهو لا يدخر وسعاً في تأليب هذه الحكومات وتحريضها، وفي الدفع بها والتأثير عليها، إذ يريد منها أن تكون جزءاً من المعركة، وإلى جانبه في جبهة العدوان الجديدة، وإلا فإن مصيرها الحرمان أيضاً إن لم يكن الجوع مآلها، ولا يدري أنه بهذا العمل إنما يزرع الفتنة، ويؤسس للكراهية، ويحرض على العنف.


الحكومات العربية تراقب ما يجري في المنطقة، وترصد تصريحات ترامب وتعلم خطواته وتعرف إجراءاته، وتدرك أنه يحاول استخدام المساعدات المالية في تركيع الشعب الفلسطيني وتمرير قراره عليهم، وسلب القدس منهم وتجريدهم بعدها من أرضهم وحقوقهم في بلادهم كلها، فهل تكتفي هذه الدول والحكومات بالمتابعة والمشاهدة، وبالرصد والمتابعة، وتقبل أن تكون شاهدةً عاجزةً عما يحدث، وترضى أن يستغل ترامب قوة بلاده في الضغط على الفلسطينيين وابتزازهم، وهم يعلمون أن الفلسطينيين لن يستجيبوا لترامب ولن يخضعوا له، ولن يضعفوا أمامه ولن يصرخوا نتيجة حصاره، ولن يأتي اليوم الذي يفاوضونه فيه على شرفهم وكرامتهم.


أما ينبغي على هذه الدول والحكومات الغنية القادرة، التي حباها الله المال والقدرة، وأعطاها من الثروات والكنوز ما لم يعط أحداً غيرهم من العالمين، فجعلهم أغنياء أثرياء يحوزون على الترليونات، ويسبحون فوق بحيراتٍ من النفط والغاز لا تنتهي ولا تنضب، بل تزداد وتتجدد، أن يقفوا إلى جانب الشعب الفلسطيني العزيز، الذي يرفع رأسهم دوماً بكبريائه، ويحفظ كرامتهم بمقاومته، ويحقق لهم العزة بانتصاراته، ويحول بتضحياته دون تغول العدو عليهم وطمعه فيهم، وهو الذي لا يخفي أطماعه ولا ينكر طموحاته في بلادهم وخيراتهم، فهل يدركون أن كرامة الفلسطينيين لهم كرامة، وعزتهم لهم عزة وسؤددٌ ومكانةٌ.








القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية (22) 
المجلس المركزي اجتماعٌ تاريخي وقرارٌ مصيري
يتطلع الفلسطينيون جميعاً إلى اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي سيعقد يوم الرابع عشر من الشهر الجاري، ويعلقون عليه الآمال الكبيرة، ويتوقعون منه الكثير، ويرجون أن تكون قراراته على مستوىً عالٍ من المسؤولية، وأن ترقى إلى درجة الخطورة القصوى التي تمر بها القضية الفلسطينية ويعيشها الشعب الفلسطيني، وأن تأتي قراراته قوية عاصفة، وحازمةً رادعةً، وحاسمةً قاطعةً، لتشكل رداً شافياً وصفعةً حقيقية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وللحكومة الإسرائيلية ورئيسها، ولكل الذين راهنوا على نجاح مشروع ترامب وتمرير مخططه، وللذين شاركوه في قراره سواء بالموافقة والقبول، أو بالصمت والسكوت، أو الذين كانوا محل استشارة وموضع سؤالٍ قبل صدور القرار، فشجعوه على القرار، وطمأنوه عن المعارضة، وهونوا أمامه ردات الفعل وثورات الغضب.
إنها فرصة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها ولأعضاء المجلس المركزي التابع لها، أن يبرأوا إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى الشعب الفلسطيني كله وإلى الأمتين العربية والإسلامية، من هذه الجريمة النكراء التي ترتكب بحق فلسطين الوطن والأرض والمقدسات، وأن يعلنوا أنهم ليسوا طرفاً فيها، وأنهم يرفضونها ولا يمكن لهم أن يقبلوا بها أو يوافقوا عليها، وأن يثبتوا لشعبهم وأمتهم أنهم أمناء على الوطن، وصادقين في الدفاع عن القدس وحماية الأقصى، وأنهم لا يفرطون ولا يبدلون، ولا يقصرون ولا يتخاذلون، وأنهم لا يبيعون ولا يساومون، ولا يغطون ولا يسهلون، وأنهم في ساعة العسرة رجال وعند المفاصلة أبطال، وأنهم يصلحون أن يكونوا قادةً ومسؤولين، ويستأهلون المكانة والمنصب، ويحفظون الأمانة والواجب، فهذا وقتهم والساعة موعدهم والكلمة الفصل لهم.
المسألة التي سيجتمع من أجلها المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ليست مسألة هامشية ولا قضية عرضية، إنها القدس التي تضيع، والمسجد الأقصى التي يهود، والأرض الفلسطينية التي تقتطع وتصادر، والأسرى والمعتقلون الذين يتهددهم الإعدام وحبل المشنقة، والأونروا التي تقلص ميزانيتها ويحرم اللاجئون من خدماتها، والضغوط الأمريكية التي تفرض، والقيود والعقبات التي توضع، والتحديات السياسية الجديدة، والأنظمة العربية التي لا يعرف موقفها ولا تحدد سياستها، والتسريبات التي تظهر والأسرار التي تكشف، التي يبدو منها أنها جزءٌ من المؤامرة، وطرفٌ فاعلٌ في الأزمة، تشارك في المخططات وتشترك في التسويات، ولها دورٌ أساسٌ في هذه الصفقة.
ينبغي ألا يكون هذا الاجتماع عادياً كغيره من الاجتماعات السابقة، فالدورة ليس انتخابية، والمرحلة ليست عادية، والأوضاع في فلسطين ليست مستقرة، والعدو يتربص ويعتدي، ويغير يبدل ويزور ويزيف، لهذا كله ينبغي أن يكون هذا الاجتماعُ استثنائياً بكل معنى الكلمة، وأن يكون تاريخياً في هذا المفصل الحرج في مسار القضية الفلسطينية، وعليه ينبغي عدم تغييب أحد أو إغفال فريقٍ، أو استثناء فصيلٍ كرهاً أو نكايةً، أو خوفاً وخشيةً، أو إقصاءً سياسياً وإبعاداً ميدانياً، بل يجب على جميع القوى والأطراف أن تلتقي وتجتمع، وأن تناقش وتراجع، وأن تتخذ القرارات المناسبة وتنفذ الإجراءات المطلوبة، وأن تمضي في الاتجاه الوطني الصحيح، فالوقت ليس للمناكفة، والظرف لا يسمح بالمساجلة، والتاريخ لن يرحم العابثين، ولن يغفر لمن كان سبباً في بعثرة الجهود وتفريق القوى وإضعاف الصف وخسارة الوطن وخذلان الشعب.
كما أن قطاع غزة وشعبه المحاصر يترقب اجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية بفارغ الصبر، ويرى أنه تأخر في الانعقاد وقصر في الواجب، إذ كان سكانه يتمنون انعقاده منذ فترةٍ عندما تم إنهاء الانقسام وتحققت الوحدة الصورية، لأنه يريد لاتفاق المصالحة أن يكون جاداً وحقيقياً، ويطمح لقراراته أن تمضي، وللحصار أن يرفع، وللعقوبات المفروضة عليه أن تنتهي، ويتطلع لأن تقوم حكومة الوفاق بدورها المنوط بها وبالواجب الذي يمليه عليها موقعها ووظيفتها، فهي موجودة لخدمة الشعب والقيام بمهامه والتخفيف من أعبائه، لا أن تكون طرفاً في الحصار وأداةُ في العقاب.
فقطاع غزة السباق دوماً في كل مواجهة، والمتصدي لكل محنة، والسابق في كل انتفاضة، والمتصدر لكل ثورة، والملتحم مع شعبه والمحب لأهله، يتطلع لأن يكون له دورٌ كبير في انتفاضة القدس وثورة الشعب من أجل كل الوطن، ولهذا يريد أن تخفف عنه حكومته بعض الأعباء التي ينوء بها ظهره، وأن ترفع عنه غول الحصار الذي أتى على أبنائه ودمر مستقبلهم، وقتل مرضاهم وأتلف أعصاب الكثير من أهله، وقضى على أحلام الصغار وطموحات الكبار، وأفنى أعمار الشيوخ وعقد حياة الأطفال، وجعل الحياة فيه مرةً، والعيش داخل أسواره شكلاً من أشكال العذاب القاتل المميت.
لهذا يريد قطاع غزة من المجلس المركزي أن ينتبه إلى سكانه، وأن يأخذ بأيديهم ليشاركوا شعبهم، ويقفوا إلى جانب أهلهم، وأن يفعل قرارات المصالحة، ويترجم شعارات الوحدة والشعب الواحد وحكومة التوافق، وإلا فإن العدو ومعه قوىً أخرى معادية ستأخذ القطاع وسكانه إلى مكانٍ غريبٍ وموقعٍ آخر لا يشبه موقع الوطن، ولا يتفق معه في التاريخ والمستقبل.
ولتعلم كل الأطراف الفلسطينية أنها جزءٌ من هذا الشعب، ومكونٌ أساسٌ فيه، فلا تستطيع أن تدعي أنها الممثل الوحيد والمالك الحصري الذي ليس له شريك، ولا تملك الحق في الدعوة الاستنسابية والإقصاء المزاجي، بل كلنا شركاء، وجميعنا مسؤولون، وهذا الاجتماع يخصنا جميعاً ويعنينا كلنا، ولا بد أن نكون جميعاً عقلاء وحكماء، فلا يصح أن نترك الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ نضاله الوطني دون قيادة حكيمة، وقراراتٍ رشيدةٍ، وسندٍ فاعلٍ، وداعمٍ قادرٍ، فهذه الانتفاضة التي يخوض الفلسطينيون غمارها بحاجةٍ إلى قيادةٍ موحدةٍ، وتنسيقٍ ميداني، واستثمارٍ سياسي، ولن يكتب لها النصر ما لم نتحد، ولن يقف إلى جانبنا أحدٌ ما لم نتفق، ولن تكون لانتفاضتنا قيمة وأثر ما لم تكن يدنا واحدة وصفوفنا موحدة وصوتنا مشترك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الأربعاء 10 يناير 2018, 10:05 am

القدس إسلامية عاصمة فلسطين الأبدية (23)
رام الله لا تشبه القدس لمن لا يفهمون

د. مصطفى يوسف اللداوي

مدينة رام الله العاصمة المؤقتة للسلطة الفلسطينية، ومقر مجلسها التشريعي ومؤسساتها الأمنية والإدارية، حاضرةٌ فلسطينيةٌ عريقةٌ، لها مكانتها ومركزها القديم والحديث بين أهلها الفلسطينيين، وهي وإن لم تكن عريقةً في قدمها، وموغلةً في عمق الزمان كغيرها، إذ مضى على بنائها قرابة ستة عقودٍ ونيفٍ فقط، إلا أنها استطاعت أن تحفر بين المدن الفلسطينية مكانتها، وأن تنقش دونهم اسمها وتثبت دورها وتحقق وجودها، وأن تصنع من نفسها مركزاً تجارياً رائداً، حقق لها الرفعة والألمعية والتجارة الخارجية، ونمَّا فيها رؤوس الأموال الكبيرة وطبقةً من رجال الأعمال المميزين. 
وفيها انتشرت المدارس الدولية والبعثات الأجنبية وممثليات الكنائس المسيحية، واعتاد أن يزورها قناصل الدول الأجنبية وسفراؤها، وإليها كان يرتاد الأجانب والطلاب ومندوبو الشركات العالمية، وفيها العديد من الفنادق العالمية الفخمة العربية والأجنبية، لتتمكن من استيعاب الضيوف والوافدين، وتنجح في عقد المؤتمرات والندوات، وإدارة الأنشطة والفعاليات، وفيها جامعة بيرزيت الشهيرة، التي تضاهي كبريات الجامعات العالمية، ومنها تخرج أغلب القيادات الفلسطينية.
مدينة رام الله التي غلب عليها ردحاً طويلاً من الزمن مواطنون فلسطينيون مسيحيون، أعطوها رونقاً خاصاً، وصبغوها بصبغةٍ جميلةٍ مميزةٍ، وساهموا في رسم صورتها القشيبة وتزيين مظهرها الخلاب، وتلوين سكانها المنسجمين فيما بينهم، والمتعاونين في عيشهم، هاجر عددٌ غير قليلٍ منهم إلى دول القارتين الأمريكيتين، إلا أنهم بقوا على ارتباطهم بمدينتهم، يحبونها ويعشقون ترابها، ويتطلعون إلى العودة إليها والعيش فيها، رغم أن العديد منهم قد اكتسب جنسيات الدول التي هاجروا إليها، وبعضهم أصبح فيها مالكاً أو حاكماً، وعنده فيها شركاتٌ وتجارةٌ وأموال، لكن شيئاً من هذا لم يبعدهم عن وطنهم فلسطين، ولا عن مدينتهم الفلسطينية الساحرة رام الله. 
واليوم بات فيها طيفٌ فلسطينيٌ منوعٌ، ثريٌ وغنيٌ وفقيرٌ ومتوسط الحال، مسلمون ومسيحيون متآخون متحابون ومتجاورون في المسكن والمتجر، وفي المدرسة والجامعة، وفي السوق والشركة، وفي الوزارة يتشاطرون المدينة إقامةً وعملاً، ويتقاسمون أعباء الحياة، ويواجهون بغي الاحتلال معاً، ويناضلون لتحرير الوطن جنباً إلى جنبٍ، ويضحون من أجله معاً، ولا يبخلون في سبيله بشئٍ من أموالهم أو أوراحهم ومستقبل حياتهم.
مدينة رام الله جزءٌ من الوطن وقطعةٌ من نسيجه القشيب، وبقعةٌ من أرضه المباركة ودياره المقدسة، إنها صنو الخليل ويافا، وأخت حيفا والناصرة، وجارة نابلس واللد، وشبيهة العفولة وغزة، وتحتضن البيرة وتجاور مدينة القدس، وهي لا تقل عن غيرها من المدن الفلسطينية مكانةً وقدراً، وبركةً وطهراً. 
يحبها الفلسطينيون ويعتزون بها، ويشعرون بالفخر لتميزها وتألقها، لكنهم لا يرضون أبداً أن تكون بديلاً عن غيرها، أو تعويضاً عن سواها، فهي كما لا يمكن تعويضها بغيرها، أو الاستغناء عنها بسواها، فإنها لا يمكن أن تكون بدلاً عن غيرها، أو أن تحل مكان مدينةٍ أخرى، ولو كان الثمن أن تسمى عاصمة، وأن تُعرف حاضرة، وأن يصب فيها المال صباً، وترتفع فيها البنايات عالياً، وتفتح الدول فيها السفارات والقنصليات، وإليها يحج المسؤولون، ويزورها القادة والحكام والملوك والرؤساء.
القدس ليست مجرد مدينة أو أرضاً فلسطينية، أو أنها ترابٌ وجبالٌ وسهولٌ وسهوبٌ وهضابٌ، أو تلالٌ ومرتفعاتٌ وأعمدةٌ وهياكل وبقايا تاريخ وأشياء عالقة من ذاكرة الإنسان، القدسُ جزءٌ من ديننا وهي بعض إسلامنا ووقف أجدادنا، وهي إرث أسلافنا، وأمانة الفاتحين من أبطالنا، إنها آيةٌ في كتاب ربنا ومسرى نبينا ومعراجه إلى السماوات العلى، إنها أرض الأقصى قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين المقدسين، التي إليها معهما دون غيرهم تشد الرحال، ويتجه إليها الحجاج والمصلون، وهي إن كانت تشبه مدن فلسطين بكوفيتها، ولا تتميز عنها بأثواب نسائها ولهجة أبنائها، ولا تفترق عنها بأطعمتها الشهية وحلوياتها المشهورة، إلا أنها تبقى القدس التي لا تشبهها أرضٌ ولا تعلو مثلها سماء، ولا يسكنها أبداً عبر الزمان غرباء، أهلها هم الفلسطينيون الأصلاء، وهويتها هي العربية النجلاء.
جاهلون هم أولئك الذين يريدون منا أن ننسى القدس أو أن نتخلى عنها لغيرنا، أو أن نشطبها من ذاكرتنا ونغير تاريخها ونزور ماضيها، أو أن نلبسها ثوباً آخر غير ثوبها العربي الأصيل، المطرز بأيدي النساء البدوية، والموشى بألوان العلم الفلسطينية، لتلبس بدلاً عنها أثواباً يهودية مسخةً، لقيطةً مجهولة النسب، دخيلةً غير أصيلة، غريبةً غير مألوفةٍ، ما عرفها سكان القدس قديماً، ولا انسجموا معها حديثاً، ولا يريدون أن تكون هي المميزة فيها أو الشاهدة عليها، فالقدس مدينةٌ شريفةٌ، أرضها مقدسة وسكانها عربٌ أشرافٌ أقحاحٌ، لا يستبدلون بشذاذٍ آفاقٍ وافدين، ولا بمستوطنين مارقين، ولا بيهودٍ متصهينين حاقدين. 
وسفهاءٌ هم أولئك الذين يريدون منا أن نشيع بين شعوبنا أن القدسَ أرضٌ كأي أرضٍ، وأنها مدينةٌ كأي مدينةٍ أخرى، وأن غيرها قد تحل مكانها وتكون مثلها وتؤدي غرضها وتقوم بدورها، وأنه يمكننا أن نعلنها عاصمةً لفلسطين بدلاً عنها. 
سفهاءٌ بلهاءٌ أو هم أعداءٌ أغبياء، أولئك الذين أرسلوا رسلهم ونشروا سفراءهم وبثوا سمومهم، وطلبوا من كل المتعاونين معهم والعاملين لهم، أن ينشطوا إعلامياً وسياسياً واجتماعياً بين شعوبهم، ليهزوا المكانة الدينية لمدينة القدس، ولينفوا عنها صفة القداسة، ويشطبوا هويتها العربية، وينزعوها من محيطها الإسلامي، ويوهموا الفلسطينيين أن خيرهم والعرب في أن يتخلوا عن القدس، وأن يقبلوا بعاصمةٍ أخرى غيرها، لتُغدق عليهم الأموال، وتفتح عليهم الدنيا، وتتعاون معهم الدول المانحة، وينعم شعبهم بالخير والرخاء والاستقرار والازدهار، إنهم دهاةٌ ماكرون، وكاذبون مخادعون، ولكنهم حقاً لا يفهمون، ويقيناً أنهم لا يفقهون، إذ يعتقدون أنهم سينجحون فيما يخططون، وسيفلتون بما يدبرون ويتآمرون
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الثلاثاء 27 فبراير 2018, 11:14 pm

الأعياد اليهودية مآسي وآلامٌ فلسطينية
الكاتب: د. مصطفى يوسف اللداوي
يكره الفلسطينيون الأعياد اليهودية ويتوجسون منها خيفةً، ولا يشعرون بالسلامة فيها ولا بالراحة خلالها، ولا يطمئنون إليها عند حلولها، ولا يأمنون على أنفسهم من سلطات الاحتلال أثناءها، ويشعرون أنها نقمةٌ عليهم أو لعنةٌ تنزل بهم، إذ بقدر ما يفرح اليهود بها ويحتفلون خلالها، ويستعدون لها زينةً وطقوساً، فإن الفلسطينيين يعذبون أثناءها، ويُحاصرون ويُضيق عليهم، وتُغلق مناطقهم كلياً، ولا يُسمح لهم بالخروج منها، كما يُمنع سكانها من العودة إليها، وتفرض على بعض مناطقهم أحكامٌ عسكرية كمنع التجوال، ولا تستثني سلطات الاحتلال من إجراءاتها المرضى والحالات الاستثنائية، بل تمارس سلطاتها العسكرية إلى أبعد مدى، وتطبق أحكامها على السكان بكل قسوةٍ وشدةٍ، وبحزمٍ وبلا تردد، بحجة حماية المواطنين اليهود خلال فترة الأعياد، والحيلولة دون وقوع أي عملياتٍ قوميةٍ تخل بالأمن العام، وتلحق الضرر بالمواطنين.
يحتفل اليهود في فلسطين المحتلة وفي أنحاء متفرقة من العالم هذه الأيام بعيد البوريم، وهو نسبةً إلى اليوم الذي نجا فيه اليهود من مذبحةٍ كادت أن تقع لهم في بلاد فارس، إذ نجوا من الموت والقتل بأعجوبةٍ من خلال حيلةٍ بارعةٍ نفذتها زوجة الملك استير اليهودية بالتعاون مع ابن عمها مردخاي، ولهذا يحتفلون في هذه المناسبة فرحاً بالنجاة، واستهزاءً بالوزير هامان الذي فتكت به استير وبأتباعه، وأنقذت أبناء شعبها من يومٍ أسودٍ كان ينتظرهم، فإذا به ينقلب أسوداً على من كان يدبر لقتلهم.
يصر اليهود في هذا العيد أن يظهروا أقصى مظاهر الفرح والسعادة، وأن يعبروا عن سرورهم وبهجتهم بكل الوسائل الممكنة، ولا يسمحون لأي شئٍ بأن يعكر مزاجهم، أو أن يفسد احتفالاتهم، أو أن يعطل مهرجاناتهم، إذ أنه يوم الخلاص بالنسبة لهم، مما يستحق الفرحة والسعادة والبهرج والزينة والهدايا والاحتفال، ولهذا فإن القرار العسكري الإسرائيلي الذي يفرض على المناطق الفلسطينية يأخذ الصفة الدينية أحياناً، إذ أنه يأتي تطبيقاً لتعاليم يهودية قديمة، وليس فقط استجابةً للإجراءات الأمنية، ودرءاً للمخاطر والتهديدات التي من الممكن أن تعكر عليهم صفو الاحتفالات وتفسد عليهم فرحة العيد.
يسمى هذا العيد عند اليهود أيضاً بعيد المساخر، وفيه يلبسون الغريب ويلونون وجوههم بمساحيق مختلفة، ويضعون الأقنعة الغريبة التي تحمل صوراً لحيواناتٍ أو صوراً شيطانية وبهلوانية، حيث يظهرون بمظاهر عجيبة تدل على فرحهم وتظهر سعادتهم، وذلك إمعاناً في إظهار شماتتهم بهامان الذي كان ينوي بزعمهم قتلهم، حيث يصنعون دمىً باسمه، يبشعون شكلها ويشوهون صورتها ثم يقومون بحرقها والتشنيع بها، كما يصنعون الحلوى والسكاكر على شكل أذن وكأنها أذن هامان ويوزعونها.
وهو العيد نفسه الذي كرهته شعوب أوروبا وعافته، وتمنت رحيل اليهود عن بلادهم وتخليص أوطانهم من شرورهم، ذلك أن اليهود الذين كانوا يعيشون في أوروبا، اعتادوا أن يصنعوا فطيرة كبيرةً بمناسبة العيد، يأكلون منها جميعهم، ولكن هذه الفطيرة ممزوجة بدمِ ضحيةٍ يختارونها من غير اليهود، وغالباً ما تكون الضحية طفلاً صغيراً، يضعونه في برميلٍ مثقبٍ مليئ بالإبر، حيث تقوم الإبر بوخز جسد الضحية وتستنزف دمه الذي يتجمع في وعاءٍ خاصٍ، ثم يستخدمونه في صناعة فطيرة العيد المقدسة، التي يحرصون على أن يأكل منها جميع اليهود المتواجدين في منطقتهم، ولهذا كرهت الشعوب الأوروبية وجود اليهود بينهم، وتمنت رحيلهم، إذ كانوا السبب في كل رذيلة وأداة كل جريمة، ومنبع كل فسادٍ اجتماعي واقتصادي ظهر بينهم.
إنها ذات العقلية اليهودية وذات الجبلة القديمة ما تغيرت ولا تبدلت، إذ كانوا يصنعون سعادتهم من دماء الآخرين، ويحيون احتفالاتهم على آهات وأنين المعذبين من ضحاياهم، ويبنون فرحهم على أحزان سواهم، ولا يهمهم أن يسرقوا الفرحة من أصحابها، وأن يغتالوا البسمة من على شفاه مستحقيها من النساء والأطفال، الذين يحرمونهم حقهم المقدس في الحياة، ويجردونهم من فرصتهم في الفرح والسعادة والبقاء.
الحال نفسه اليوم يكررونه هم أنفسهم مع الشعب الفلسطيني المحتلة أرضه والمغتصبة حقوقه، إذ أنهم يحيلون حياة الفلسطينيين في أيام أعيادهم إلى جحيمٍ لا يطاق، ويجعلون من مناطقهم سجوناً كبيرة أو معتقلاتٍ مفتوحةً، بعد أن يجزأوا مناطقهم، وينصبوا الحواجز ونقاط التفتيش على مداخلها وعلى الطرق المؤدية إليها، حيث يمنعون السكان من العبور، ويوقفون حركة التجارة، فلا سيارات تعبر ولا بضائع يسمح لها بالمرور، ولو كان السكان في حاجةٍ لها أو كانوا على موعدٍ معها ينتظرونها، ومع أن أيام الأعياد محدودة إلا أنهم يمدونها ويفتحونها، لا في مدينة القدس وحدها بل في الضفة الغربية عموماً، فتكون أياماً قبل العيد وأياماً بعده، مما يزيد في معاناة الفلسطينيين ويفاقم من أوضاعهم السيئة.
إنها ساديةٌ عنصريةٌ يهوديةٌ متطرفةٌ، وأنانيةٌ حيوانيةٌ مفرطةٌ، يمارسون فيها أبشع أنواع القهر والتعذيب والإساءة والتنكيل بالشعوب الأخرى، ويحرمونهم من حقهم في الحياة، وفرصتهم في العيش الكريم، فقط ليحتفلوا هم بمناسباتهم، ويحيوا أعيادهم، وليدعوا أطفالهم يفرحون وشبانهم يرقصون ونساءهم تغني، وليشربوا جميعاً نخب الحياة ويرقصوا طرباً على سيمفونية جراح الآخرين، ولو كان ذلك على حساب سعادة غيرهم، أو كان ثمنه شقاء سواهم، فهذا الأمر ما كان يعنيهم قديماً، وهو لا يعنيهم اليوم، ولن يعنيهم غداً، وسيجدون للأسف من الحكومات الغربية من يؤيدهم ويساندهم، ويقف معهم وإلى جانبهم، ويهيئ لهم كل السبل الممكنة لتمام فرحتهم ونجاحهم في احتفالاتهم.
إنه عيد المساخر اليهودي وليس عيد البوريم القديم وحسب، إنه عيد المساخر اليهودي الجديد بثوبه المعاصر، يوم أن سيطروا على أمةٍ كانت الأعز، وعلى شعوبٍ كانت الأكرم، وهزموا بلاداً كانت الأقوى، وطووا حضاراتٍ كانت الأعلى، واحتلوا أرضاً كانت وما زالت هي الأقدس، وداسوا فوق ترابٍ كان ولا زال هو الأطهر، لهذا فإنهم يحتفلون بعيد المساخر الذين يسخرون فيه من أمةٍ فرطت، ومن بلادٍ باعت، وأنظمةٍ ساومت وفاوضت، ثم استسلمت وخانت.
فحق لليهود أن يحتفلوا بانتصاراتهم على هذه الأنظمة الخربة، التي قوضوا بنيانها وخربوا اقتصادها وأفسدوا حياتها، ومزقوا نسيجها وبثوا الفرقة بين أبنائها، فاستحقوا بانتصارهم الحياة ونالوا حق البقاء، وحريٌ بالمنهزمين الضعفاء أن يتواروا عن الأنظار وأن يغيبوا عن الصورة والواقع، ليستبدلهم الله بأقوامٍ غيرهم، أعزةٍ كرامٍ، يثورون على الظلم، وينتفضون على الذل، ويرفضون الهزيمة، وينتصرون على العدو وينهون أسطورته الكاذبة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الثلاثاء 24 أبريل 2018, 10:46 am

كَنَائِسُ القُدسِ تُقَاوِمُ وأَوقَافُهَا تُهُوَّدُ

رغم أن حكومة الكيان الصهيوني ومعها بلدية القدس ورئيسها العنصري المتطرف نير بركات قد تراجعوا عن قراراتهم التعسفية وجمدوا مفاعيلها الآنية والرجعية، ولم تعد تطالب بلدية القدس بتنفيذها، وذلك نتيجة موقف إدارة الأوقاف المسيحية التي رفضت الاستجابة إلى قرار بلدية القدس، واعتبرته قراراً باطلاً أصدرته سلطات احتلال عسكرية، وعليه أغلقت بوابات كنيسة القيامة أمام المصلين المسيحيين من الفلسطينيين وغيرهم من الضيوف الوافدين إلى فلسطين المحتلة للحج وزيارة الأماكن المسيحية المقدسة، ما أدى إلى جانب الضغوط الدولية العديدة، إلى جانب التضامن الإسلامي الكبير مع إخوانهم المسيحيين الفلسطينيين، إلى تراجع سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن قراراتها بحق الأوقاف المسيحية في مدينة القدس.
لا يبدو أن الإجراءات الإسرائيلية بحق كنيسة القيامة وأوقاف الكنيسة المسيحية في القدس إجراءاً عادياً، أو أنها قوانين بلدية مرعية الإجراء بحق جميع المرافق والعقارات في مدينة القدس، بل هي إجراءاتٌ تعسفيةٌ مقصودة، ومساعي متعمدة لإرهاق الكنيسة مالياً وكسر ظهرها مادياً، ودفعها للقبول بمحاولات بيع ممتلكاتها والتنازل عن عقاراتها لتسديد ما عليها من مستحقاتٍ تدعيها بأثرٍ رجعي، لعلمها أن ممتلكات الكنيسة في القدس كبيرة، ومواقعها حساسة ومميزة، ولهذا فهي تخطط بكل السبل الممكنة لتجريد الكنيسة من عقاراتها، وحرمانها من ممتلكاتها بكل السبل الممكنة، وهناك سماسرة يهودٌ وغيرهم يحاولون إقناع بعض رجال الدين ببيع بعض العقارات المسيحية لتمويل أنشطتهم الكنسية، ومساعدة أتباع دينهم الذين يتقلص عددهم يوماً بعد آخر في فلسطين المحتلة، إلا أن مسيحيي فلسطين يرفضون ويستنكرون كل هذه المساعي والمحاولات.
الحكومة الإسرائيلية تسعى جادةً لخلق دولةٍ يهودية في فلسطين المحتلة، وتريد شطب كل ما يدل على الأديان الأخرى فيها غير اليهودية، فهي كما تحارب الإسلام والمسلمين في القدس وفي عموم فلسطين، فهي تحارب المسيحية أيضاً وتقسو على أتباعها وتضيق عليهم وتدفعهم للهجرة والهروب، فهي لا تريد في فلسطين المحتلة وجوداً مسيحياً أبداً، في الوقت الذي تسعى إلى طمس المعالم الإسلامية عن المدينة وتهويدها، إذ لا فرق بين المقدسات الدينية الإسلامية والمسيحية في الفكر الصهيوني والممارسة العنصرية الإسرائيلية، فكلاهما لدى العدو واحدة، يستهدفهما معاً، ويعتدي عليهما عن عمدٍ وبقصدٍ، ويرى في وجودهما دعامةً للحق العربي الفلسطيني، وصبغةً عربيةً تقوي وجودهم، وترسخ أقدامهم، وتحمي مستقبلهم.
علماً أن الصراع المسيحي اليهودي في فلسطين المحتلة صراعٌ قديمٌ قبل الفتح الإسلامي لفلسطين في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، إذ كان المسيحيون يعانون كثيراً من الاعتداءات اليهودية على مقدساتهم، ومن مزاحمتهم لهم في أرضهم وممتلكاتهم، ومحاولاتهم السيطرة على دور العبادة والحصون المسيحية، وتدنيسهم لكنيسة القيامة وغيرها، ولهذا أصر بطريرك القدس صفرنيوس الثاني على عمر بن الخطب رضي الله عنه في العهدة العمرية، ألا يساكنهم اليهود في المدينة المقدسة، وألا يسمح لهم بالإقامة فيها، لعلمهم أن اليهود قومٌ عنصريون، وأنهم انعزاليون أنانيون، معتدون ظالمون، يريدون الاستحواذ على حقوق غيرهم والسيطرة على ممتلكات سواهم بغير وجه حقٍ، اللهم إلا الاستعانة بالقوة واللجوء إلى العنف والافراط في الاعتداء واستخدام السلطة إذا تمكنوا منها، وهو الأمر الحادث الآن في مدينة القدس، والذي كان بطارقة القدس القدامى يخافون منه ويحذرون من وقوعه.
أليس غريباً أن تأتي هذه الاستفزازات الإسرائيلية بعد قرار الرئيس الأمريكي المسيحي دونالد ترامب، الذي هو رئيس أقوى دولة مسيحية في العالم، باعتبار القدس العاصمة الأبدية والموحدة لدولة الكيان الصهيوني، فجاءت هذه القرارات العنصرية على هيئة قوانين بلدية ضد الوجود المسيحي كله في المدينة، وكأنهم يشكرون ترامب على صنيعه بطريقتهم، ويمتنون فضله بفهمهم، ويكافئونه على ما قام به اهتماماً بأنباء ملته، وحمايةً لمقدسات دينه، ويعلنون له صراحةً طمعهم في ممتلكات وعقارات كنائسه.
ولكن ترامب المنسلخ عن مسيحيته السمحاء، والمارق من دينه الأصيل، والبريء من المسيح عيسى عليه السلام، الفاقد للغيرة والمفتقر إلى الحمية، متضامنٌ معهم، ومتآمرٌ وإياهم في هذه الجرائم النكراء كلها، التي تستهدف المسيحيين والمسلمين في فلسطين عموماً وفي القدس على وجه الخصوص، طالما أنهم فلسطينيون، يحبون وطنهم ويعشقون قدسهم، ويتطلعون إلى تحريرها واستنقاذها من الاحتلال الصهيوني الغاشم لها، لكن يبدو أن كره ترامب للفلسطينيين كبيرٌ ولو كان بعضهم من أبناء دينه، وإخوانه في العقيدة، يؤمنون مثله في الصليب والاعتراف وقيامة المسيح عليه السلام.
يبدو أن الحكومة الإسرائيلية مطمئنة إلى ردة فعل حكومات العالم المسيحي وفي المقدمة منهم الإدارة الأمريكية وبريطانيا ودول أوروبا الغربية مجتمعة، ولا تهتم بالحراك الشعبي والمعارضة العامة والتحريض الإعلامي، إذ أن دول أوروبا والحكومات المسيحية متواطئة مع حكومة الكيان الإسرائيلي، وتسكت عن إجراءاتها التعسفية بحق أبناء ملتهم وإخوانهم في الدين المسيحي، الذين يجأرون بالسؤال وطلب النصرة، ويعلو صوتهم بالشكوى والصراخ من الممارسات الإسرائيلية المتزايدة ضدهم، ولكنهم لا يجدون من إخوانهم تعاطفاً، ولا يلمسون من حكومات العالم المسيحي تفهماً لمعاناتهم، ونصرةً لهم، أو محاولةً لرفع الظلم عنهم.
ألا ينتصر المسلمون الفلسطينيون والعرب وغيرهم لإخوانهم المسيحيين في فلسطين، الذين يُضطهدون ويُعذبون، ويحاصرون ويُهُجَّرُون، ويُطردون من أرضهم ويُحرمون من حقوقهم، وتُصادر عقاراتهم وتُسرق ممتلكاتهم، ويُضيق عليهم في كنائسهم ومعابدهم، ويُعتدى عليهم في دينهم، ويُمنعون من أداء طقوسهم والعبادة في دورهم، ويُدلسُ عليهم في مفاهيمهم، ويكونون صفاً واحداً وإرادةً مشتركة لمواجهة الأخطار الصهيونية والتهديدات الإسرائيلية، فهذا الأخطبوط المخيف يستهدف الاستقرار في العالم، ويهدد السلم والأمن في المنطقة كلها، إنه سرطانٌ خطيرٌ وشرٌ مطلقٌ يحاول السيطرة والهيمنة على حقوق الفلسطينيين أياً كانت هويتهم وديانتهم، ولعل حقده على المسيحيين الفلسطينيين يفوق بكثير حقده على المسلمين وكرهه لهم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الثلاثاء 24 أبريل 2018, 10:47 am

تصريحات الجبير مستنكرةٌ ومواقفه مستقبحةٌ

لا ندري إلى أين تمضي بنا السياسة السعودية، وماذا تريد منا قيادتها، وماذا تخطط لمستقبلنا، وإلى أي مدى ستمضي في مخططاتها العلنية وبرامجها السرية وسياستها الخفية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، إذ بات من المؤكد أنها طرفٌ فاعلٌ فيما يُسَمَّى بصفة القرن، وأنها لاعبٌ أساسي مع الولايات المتحدة الأمريكية وأطرافٍ دوليةٍ أخرى، وأنها تملك معلوماتٍ وافرةٍ وربما كافية عن هذه الصفقة.
ذلك أن طباخها المكلف جاريد كوشنير قد زار الرياض عدة مراتٍ قبل تسريب بعض بنود الصفقة، ومن المؤكد أنه ناقشها مع القيادة السعودية، وأنها تكفلت أو كُلِّفت بإقناع الفلسطينيين بالصفقة والقبول بها وعدم معارضتها، وهو ما صرح به رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي اعترف بأنه تعرض لضغوطٍ عربيةٍ ليقبل بالصفقة، ويوافق على تمريرها، وكشف بعض المسؤولين في السلطة الفلسطينية أن القيادة السعودية تمارس ضغوطاً على الرئيس عباس ليقبل بالمعروض، ويسكت عن بنودها السرية والعلنية.
يشعر الفلسطينيون باستياءٍ شديدٍ لما يتناهى إليهم من أخبارٍ ومعلوماتٍ عن الدور السعودي في تمرير هذه الصفقة المجحفة بحق الشعب الفلسطيني، التي تستهدف تصفية قضيته ولا تتطلع إلى حل مشكلته وتسوية أزمته، بل تتجاوز نضالاته وتضحياته، ولا تقدر مقاومته وثباته، وتنقلب على صموده وإصراره، فهي الصفقة الأسوأ في تاريخ الأمة العربية تجاه القضية الفلسطينية، وهي وصمة عارٍ في جبين من يقبل بها أو يذلل العقبات أمامها، أو يبشر بها ويدعو إليها.
إنها صفقةٌ إسرائيليةٌ بامتياز، بل هي صفقة العمر بالنسبة إلى الحركة الصهيونية، وهي حلم أجدادهم وأمل أجيالهم، إذ لن يجود الزمان عليهم برئيس أمريكي يفرض رؤيتهم، وبقيادةٍ عربية تؤمن بنظريتهم وتدافع عن مشروعهم وتتبنى سياستهم، وتقبل بدولة الكيان الصهيوني شريكاً لها في المنطقة وجاراً لها في الإقليم، لها حق الشفعة والجيرة، ولها الأولوية والصدارة، نستأمنها على حقوقنا ونطمئن إلى مستقبلنا بالتعاون معها.
نتساءل نحن الفلسطينيين من الذي أذن لها بالحديث باسمنا، أو بالتفاوض نيابةً عنا، فهل استأذنت الشعب الفلسطيني أو شاورت قيادته واستمزجت رأي قواه وفصائله، وعرفت توجهات الشعب ورغبة المواطنين، وهل أحاطت علماً برأي الفلسطينيين جميعاً في الوطن والشتات، ورأت أنهم قد يأسوا من المقاومة وتعبوا من القتال، وأدركوا أنه لا قدرة لهم على مواجهة الكيان، فرأوا الخضوع له والاستسلام لشروطه، والتنازل له والاعتراف به، وأبدوا استعدادهم للتنازل عن أرضهم والتخلي عن حقوقهم، ومبادلتها بأرضٍ أخرى، ومقايضة ممتلكاتهم بأموالٍ يقبضونها أو مكتسباتٍ ينالونها.
غريبةٌ مواقف المملكة العربية السعودية بل ومستنكرة، وهي مرفوضةٌ ومستهجنة، إذ ما اعتدنا منها تجاه القضية الفلسطينية على مثل هذه المواقف، وما عهدنا عليها هذه السياسات، وما كنا نتوقع منها هذا الخذلان، ولا هذا التواطؤ مع العدو علينا والتآمر مع الولايات المتحدة الأمريكية ضدنا، فهل ارتضت السعودية أن تقف في خندق الأعداء ضد أمتها، وهل تقبل أن تناصر الظالم ضد المظلوم، وأن تسلم للمعتدي بما احتل، وأن تعترف للكيان بشرعية ما نهب واغتصب، وأن ترحب بالمطبعين معه والمعترفين به، وأن تيسر لهم سفرهم إليه واجتماعهم مع قادته السياسيين والعسكريين ونخبه العلمية والثقافية والفنية، وأن تسكت عن دفاعهم عنه وتأييدهم له، وأن توافق على تحريضهم على أعدائه من قوى المقاومة الفلسطينية وحركاتها.
لكن الأدهى والأخطر أن ينبري وزير خارجية المملكة العربية السعودية عادل الجبير، بالصوت والصورة وفي أكثر من محفلٍ ومناسبةٍ، وفي أكثر من دولةٍ ومكانٍ، باللغة العربية حيناً وباللغة الانجليزية في أحيان كثيرة، فيعلن أن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" حركةٌ إرهابية، ويدعو إلى حصارها والتضيق عليها وتجفيف منابعها ومحاربتها والقضاء عليها، وهي الحركة التي ينتمي إليها قطاعٌ كبيرٌ من الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويؤيدها السواد الأعظم من الأمة العربية والإسلامية، وفي المقدمة منهم أبناء الشعب السعودي الأصيل، الذين يستنكرون هذه السياسة ولا يعترفون بها، ويرفضون التطبيع مع العدو الصهيوني، ويتأففون من كل من يلتقي بهم أو يتعاون معهم، ويرون أن هذه السياسات لا تمثلهم، وهذه التصريحات لا تعبر عن حقيقتهم، فهم سند المقاومة وحصن أهلها، وهم جدارها المكين وقلعتها الحصينة التي إليها تلجأ المقاومة وبها تستعين.
تُرى ماذا أبقى الجبير لعدونا أن يقول، وماذا ترك له حتى يصف ويهاجم، فقد أرضت تصريحاته العدو وأسعدته، فانتشى بها كثيراً ورضي عنه وعنها، فقدموه في نشرات أخبارهم، واستعرضوا تصريحاته في لقاءاتهم وتحليلاتهم، وأبرزوها في صحفهم ومنشوراتهم، وعمموا صوره وسلطوا الضوء على شكله، فقد أراحهم من عناء الاتهام والهجوم، وسهل عليهم العزل والإقصاء، وشرع لهم الحرب والعدوان، والقصف والاستهداف والاغتيال، فهل تراهم يكافئونه على تصريحاته ويقدرون له مواقفه وكلماته، فيسكتون عن أخطائه، ويغضون الطرف عن خروقاته، ويقبلون منه مخالفته للقوانين وانتهاكه لحرمة الشعوب وسيادة البلدان.
كأنَّ الجبير قد نسي أنه عربيٌ وأن العربي الحرَّ لا يخون أمته، ولا يقف مع العد ضد أهله، ولا يكون بحالٍ لساناً ينطق باسمهم، وترجماناً يتحدث بالنيابة عنهم، ونسي أنه مسلمٌ يقرأ القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وفيه أن اليهود لن يرضوا عنه ولو تبع دينهم وصار منهم، ولن يكونوا معه أبداً ولن يوفوا له عهداً، ولن يحفظوا له وداً، فهم أول من ينكث العهود وآخر من يفي بالوعود، وأكثر من يغدر بالحلفاء وينقلب على الأصدقاء، فهل يرجو بمواقفه المشينة وتصريحاته المعيبة منهم نصرةً، وأنه يكونوا معه حلفاً ضد من يراهم خصوماً له وأعداءً لسياسته، أم أنه ينتظر منهم وفاءً له وتقديراً لتضحياته من أجلهم.
يخطئ كثيراً إذا اعتقد الجبير ومن شغله أن أحداً سيصدق تصريحاته وسيقبل بأقواله، وسيعتمد التصنيف الذي أعلنه وسيلتزم بالمقاطعة التي مضى بها، فالشعب السعودي الذي أعطى فلسطين دماً ومالاً، ومنحها عرقاً ورجالاً، وبذل في سبيلها الكثير وضحى من أجلها بالغالي والنفيس، فإنه سيبقى على العهد والوعد، وطنياً صادقاً، وعربياً حراً، ومسلماً أبياً، يصدق كلام الله عز وجل ويتبع نهج رسوله الأكرم محمد صل الله عليه وسلم، وستبقى عندهم حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، ومعها كل قوى المقاومة الفلسطينية وحركاتها وتنظيماته، في وعيهم وعقولهم وقلوبهم ووجدانهم جميعاً، شامةً في جبين الأمة، ونطاقاً تتزنر به وتقوى، ووشاحاً تتزين به وتختال، وقلادةً تزهو بها وتفتخر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الثلاثاء 24 أبريل 2018, 10:48 am

شيوع جبهات المقاومة وتعدد منصات النضال

لستُ من دعاة الفصل بين ساحات الصراع، أو التفريق بين المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، ولست ممن يرى مناطق منخفضة التوتر وأخرى عالية التوتر وشديدة المواجهة، ولا يرضيني أن أرى مدناً فلسطينية محاصرة وأخرى ميسورة الحال، وبلداتٍ تدفع ثمن المواجهة وأخرى تنعم بأثواب العافية.
ويحزنني أن أرى بيوتاً يسكنها الأسى وأخرى بالأفراح عامرةً، كما يحزنني أن أرى أسراً حزينةً وأمهاتٍ ثكلى، وأخرى سعيدة وأمهاتهم جذلى فرحة، كما يؤلمني أن أرى أطفالاً فقدوا آبائهم شهادةً أو أسراً واعتقالاً، وغيرهم يعيشون في كنف آبائهم وأحضان عائلاتهم، يمنحونهم الحب ويغدقون عليهم بالعطف، ويحيطونهم بالرعاية والاهتمام، ويشرفون معهم على بناء المستقبل واستشراف الغد الآتي.
لستُ فيما قدمتُ وبينتُ داعياً إلى المساواة في المعاناة، والتشابه في الألم، والمشاركة في الضيق والسأم، ولا أريد تعميم الحصار وتوسيع العقاب وشمولية التضحيات وعموم المعاناة، بل أتمنى لشعبي كل السلامة، وأدعو الله له بالأمن والعافية، وبالفرح والسعادة، والرغد والعيش الكريم، بعيداً عن الآلام والشجون والأتراح والأحزان.
وأتمنى أن يعيش بطمأنينة نفسٍ وهدوء بالٍ، ملتئماً شمله وموحداً صفه، وقوياً جمعه، وسعيداً أهله، تعم مناطقهم الأفراح وتسود أيامهم السعادة، فلا طفل يشكو غياب أبيه، ولا أم تبكى فقد الولد، ولا أسر تعاني من الفقر والجوع والتيه والتشرد والضياع، وقد هُدمَ بيتها ولا بديل لهم، وشردوا من مناطق سكنهم ولا أخرى تفتح لهم أبوابها ترحاباً.
يسرني أن أرى أهلي فرحين وشعبي بعيشه سعيد، وبلداتهم ومدنهم، وقراهم ومخيماتهم حرة وغير محاصرة، وقادرة وغير عاجزة، وتتمتع بفرص العمل ودوران رأسمالهم الصغير بينهم، فلا شكوى من بطالة، ولا معاناة من جمود الحالة الاقتصادية، ولا فقر وجوع، ولا حاجة ومسألة، ولا مخمصة ومسغبة.
كما أنني لست مع منطقةٍ تستعر ومخيم يلتهب، وبلدةٍ تنتفض ومدينةٍ تثور، ومناطق تضحي وبيوتٍ تدمر، بينما نظائرها في الأرض المحتلة هادئة ووادعة، ومستقرة ومطمئنة، فلا اضطراباتٍ ولا مظاهراتٍ، ولا مسيرات ولا اشتبكات، ولا شئ من أعمال المقاومة اليومية، وكأنها معفاة من المقاومة، ومستثناة من النضال، ولا يقع عليها عبء التحرير وواجب القتال.
لكني مع اشتراك الشعب كله في المقاومة، ومؤازرة بعضه البعض في القتال، ومع تعدد الجبهات وتنوع الاشتباكات وتشكل المواجهات، ومع المفاجئات والابتكارات، والإبداعات والاختراقات، ومع المقاومة السرية والاشتباكات العلنية، والفعاليات الجماهيرية المكشوفة، ومع المقاومة الإعلامية والميدانية، ومع القصف الإعلامي والحرب الدعائية المعادية، ومع القلم والريشة والكلمة والصوت والصورة، ومع الحجر والمدية والسكين والدهس والصدم، ومع الرصاصة والقذيفة والعبوة والصاروخ، ومع كل أدوات المقاومة الممكنة، المادية منها والمعنوية.
ومع إشغال العدو وإرباكه، ومناوشته وتشتيته، وتوزيع قواه وبعثرة جهوده واضطراب أدائه، ومع إحداث بلبلة في صفوفه واضطرابٍ في مؤسساته، وتيه وغربة بين مواطنيه، ومع بث الرعب بين مستوطينه، ونشر الذعر بين جنوده ومقاتليه، ومع إحداث صدماتٍ تربكه ومفاجئاتٍ تحيره، وهزاتٍ تفقده توازنه.
لا بد من فتح الجبهات كلها، وتعدد المواجهات في كل الأرض الفلسطينية المحتلة، في القدس ومدن الضفة الغربية وقطاع غزة، ليشعر العدو أن الأرض كلها تحت أقدامه تتزلزل، ومن حوله تشتعل في كل مكانٍ ناراً، فلا نجاة له فوقها، ولا قدرة له على الفرار من قدره المحتوم من تحتها، ولا مدينة بالنسبة له مسالمة وأخرى مقاتلة، ولا خضوع لتصنيفاته ولا قبول بتقسيماته.
بل لا بد وأن تكون الأرض الفلسطينية كلها جبهة واحدةً مشتركةً، وميداناً مفتوحاً موحداً، يتواصل فيها خط النار وتلتحم فيها خطوط المواجهة والتماس، وإلا فلن تغير الأحداث الموضعية من الواقع شيئاً، ولن تلحق بالعدو ضرراً كبيراً، ولن تجبره على تغيير مخططاته واستبدال مشاريعه، بينما عموم الثورة تخيف، وانتشار المقاومة يضعف، وتعدد أشكالها يزعج، واحتمالات السيطرة على نقاطها العديدة تبدو أحياناً مستحيلة، ولو أثخن العدو في القتل وأمعن في الاعتقال والتضييق، فإنه لن يقوَ على لجم المقاومة، أو منع الشعب من مواصلتها حتى ينجح في تحقيق أهدافه وفي الوصول إلى غاياته.
ولا أستثنى الساحات الخارجية من المقاومة ومواصلة النضال، فإن تعذر العمل العسكري فيها وصار صعباً، فإن أعمال المقاومة الأخرى مفتوحة وكثيرة الأبواب والعناوين، خاصةً بعد العولمة التي سادت، وزوال الحدود وانسياح الثقافات وتبادل المعلومات، وعالم الانترنت الذي قرب المسافات وألغى الحدود وانتصر على الممنوعات والمحرمات، فباتت مقاومة الانترنت أكثر فعلاً وأشد أثراً.
ولعل مجموعات هكر المقاومة التي تمارس عملها من كل الساحات، وتواجه العدو انطلاقاً من كل البلاد، لهي أكثر وجعاً وإيلاماً له من معارك النار وحروب البارود، ففي هذا النوع من المعارك خسر العدو معلوماته وفقد أسراره، وتضررت تجارته، وتعطلت مصانعه ومعامله، وتشوهت صورته، وساءت حالته، وبات المقاطعون له في ازدياد، حتى اتحدت مجموعاتهم واتسقت جهودهم، فباتوا يشكلون أوسع إطارٍ للمقاطعة، وأوجع وسيلةٍ للمواجهةٍ، تضرر منها المستوطن والشعب، والجيش والحكومة، والدولة والمؤسسات.
لا أرى وسيلةً لكسب المعركة وجني ثمار المواجهة، وحصاد عطاء الانتفاضة والحفاظ على انجازات السنين وتضحيات الشعب، أفضل من شيوع جبهات المقاومة وتعدد منصات النضال، وتظافر الجهود وتكامل العمل، وهذا ما يخافه العدو ويخشاه، وما يتجنبه ويسعى للخلاص منه، لذا لا بد من وحدة النضال وصيرورة المواجهة وديمومة الثورة ومواصلة الانتفاضة لتحقيق الأهداف والوصول إلى الغايات، وإلا فإن العدو الذي يتبع نفس هذه الوسائل في مواجهتنا، ويعدد الجبهات ضدنا ويوسع المعارك والحروب لقتالنا، فإنه سيضعفنا وسيستفرد في مناطقنا، وسيخضعها لإرادته الواحدة تلو الأخرى، فهل نعطيه الفرصة لينجح، أو نسبقه نحن وننجح.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الثلاثاء 24 أبريل 2018, 10:49 am

الأسرى الشهداء جثامين محتجزةٌ وعائلاتٌ معذبةٌ

يتجاوز عدد الأسرى الشهداء في برادات المستشفيات الإسرائيلية وفي مقابر الأرقام المئات، وإن كان يجري مبادلة بعضهم من وقتٍ لآخر ضمن صفقات تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والعربية من جانبٍ وإسرائيل من جانبٍ آخر، التي تقوم بتسليم بعضهم أحياناً إلى ذويهم ضمن شروطٍ محددة وقاسية.
يدرك الإسرائيليون أكثر من غيرهم أهمية ووجوب دفن المتوفى لدى المسلمين، أياً كانت الوفاة موتاً أو شهادة، حيث أن كرامة الميت في الإسلام دفنه، ويفضل الفقه الإسلامي التعجيل في دفن الميت بعد تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، فضلاً عن أهمية معرفة قبر الشهيد إكراماً له، حتى يتمكن أهله ومحبوه إذا زاروا المقبرة أن يطرحوا عليه السلام، وأن يقرأوا له الفاتحة، لكن شيئاً من هذا لا يحدث في حال احتجاز السلطات الإسرائيلية لجثة الأسير الشهيد، وامتناعها عن تسليمه لذويه لدفنه بموجب الطقوس الإسلامية المتعارف عليها.
احتجاز سلطات الاحتلال لجثت الأسرى الشهداء وعدم تسليمها لأهلهم، يحرمهم من أن يجعلوا له قبراً معروفاً يزورونه وقتما يحبون، وهذا الأمر يتعب أهل الأسرى الشهداء ويحزنهم، حتى أن بعضهم لا يعترف بأن ابنهم سقط شهيداً ما لم يستلموا جثته ويدفنوها بعلمهم ومعرفتهم، ومنهم من لا يقيم بيتاً للعزاء وتلقي الخاطر إذا لم يستلم الجثة ويدفنها، وهذا يفسر قيام بعض العائلات بفتح بيوت لتقبل العزاء في ابنهم الشهيد الذي مضى على استشهاده فترة زمنية طويلة نسبياً، ولكنهم لم يفتحوا له بيت عزاء إلا عندما سلمت لهم سلطات الاحتلال جثمانه.
والأسرى الشهداء هم الذين سقطوا خلال قيامهم بعملياتٍ عسكرية ضد الجيش الإسرائيلي، سواء من داخل فلسطين المحتلة، أو من الدوريات التي كانت تدخل فلسطين في عملياتٍ عسكرية تنظمها المقاومة، وأكثرهم في السنوات الأخيرة الذين يقتلهم جيش الاحتلال بتهمة محاولتهم طعن جنوده، أو الذين يستشهدون أثناء اشتباكه معهم أو خلال مطاردته لهم، فكانت الحكومات الإسرائيلية تحتجز جثامينهم، وترفض تسليمها إلى ذويهم أو إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كما ترفض الاعتراف بأي معلوماتٍ عنهم، وتفضل الاحتفاظ بهم في مقابر رقمية، أو تبقيهم في براداتٍ خاصةٍ مهينة وغير لائقة، ومنافية للقيم الإنسانية وقواعد الدين والأخلاق، إلى حين صدور قرارٍ بشأنهم، سواءً بدفنهم في مدافن الأرقام السرية، أو بتسليمهم إلى ذويهم.
يصر الفلسطينيون على استعادة جثامين أبنائهم مهما تأخر الوقت، ويرفضون فتح بيوت عزاءٍ لشهدائهم إلا أن يستلموا جثتهم، إذ يحظى الأسرى الشهداء بالاحترام والتقدير الكبير واللائق من قبل الشعب الفلسطيني، الذي حال تسلمه لجثتهم أو بقاياها، فإنه يقوم بإحسان تكفينها والصلاة عليها، ودفنها في أماكن لائقة ومناسبة في مقابر الشهداء، بحيث يكون لأصحابها ذات التقدير الذي لبقية الشهداء لجهة المكان والشاهد والذكر بين الأسماء، كما تفتح لهم بيوت عزاء ومباركة من جديد مهما كان تاريخ استشهادهم قديماً.
ترفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي تسليم جثث الشهداء إلى ذويهم إلا وفق شروطٍ قاسية، إذ تطلب منهم تعهداتٍ واضحة، وفي حال مخالفتهم لها فإنها تنفذ في حقهم أحكاماً قاسية، ومما تطلبه من ذوي الأسرى الشهداء عدم إجراء تشريح شرعي للجثة، وعدم فتح بيت عام للعزاء، وتشترط أن يتم الدفن في الليل بعد إتمام المراسم الدينية، وفي حضور عددٍ محدودٍ من الأهل والأقارب.
وبعد التأكد من وضع الشهيد داخل القبر، تشترط أن يتم إغلاقه بكتلة إسمنتية محكمة، تحول دون استخراج الجثة منه، لئلا يتمكن أهل الشهيد من معرفة ما الذي تم سرقته من جثة ابنهم، وقد أكد عددٌ من الخبراء والمختصين، ومنهم الصحفي السويدي بوستروم أن السلطات الإسرائيلية تسرق الأعضاء البشرية للشهداء الأسرى وغيرهم، وأنها تسيئ إلى جثثهم، ولا تحترم حالة الموت التي كانوا هم سبباً في حدوثها، وقد نشر بوستروم تقريراً فاضحاً للممارسات الإسرائيلية المخالفة لشرائع حقوق الإنسان بحق الأسرى الشهداء.
ويشترطون أيضاً ألا ترفع صور الشهيد، وألا يذاع عنه أو يقرأ له عبر مكبرات الصوت، وأن تتم كافة مراسم الاستلام والدفن والعزاء في أضيق نطاقٍ ممكن، وتتم العملية كلها أحياناً تحت مراقبة ومتابعة جهاز المخابرات الإسرائيلي، الذي قد يقوم أحياناً باستدعاء أحد أفراد أسرة الأسير الشهيد وتحذره، وفي أحيانٍ أخرى تتم كل هذه المراسم في ظل حضورٍ قوي لعناصر من الشرطة وأفراد من الجيش الإسرائيلي المدججين بالسلاح، وهم في حالة استعدادٍ تام للهجوم.
لكن العائلات الفلسطينية لا تلتزم الشروط الإسرائيلية ولا تقبل بها، وتصر على إكرام الشهيد وإتمام مراسم الصلاة والدفن والجنازة، وتفتح لهم بيوت العزاء الكبيرة، وتستقبل وفود المهنئين من كل مكان، وترفض الخضوع للشروط الإسرائيلية حتى ولو تأخر أو تعذر استلامهم لجثمان ابنهم، حيث يرفضون إعطاء أي تعهداتٍ مسبقةٍ تحت طائلة المساءلة والعقاب أو الغرامة المالية في حال مخالفتهم للشروط، وأمام إصرار الأهالي غالباً ما تخضع سلطات الاحتلال، وتتراجع عن شروطها، وتسلم الجثامين دون أي شروطٍ مسبقة.
لا تكتفي دولةُ الاحتلال الإسرائيلية بمعاقبة الفلسطينيين والعرب الأحياء، بل تعاقب الأموات أيضاً، وهي كما تعتدي على الأرض المأهولة والمسكونة، فإنها تعتدي على المقابر والأموات أيضاً، وكما أن لديها أسرى أحياء، فإنه لديها أسرى أموات، وكما يوجد لديها سجونٌ ومعتقلات ومراكز احتجازٍ للأسرى والمعتقلين الأحياء، فإن عندها مراكز احتجازٍ واعتقالٍ للأموات أيضاً، حيث تحتجز جاثمين الأسرى الشهداء في مقابر عسكرية سرية داخل فلسطين المحتلة، بعضهم مازال محتجزاً لديها منذ أكثر من ثلاثين عاماً، لا يعرف عنه ذووه شيئاً، ولا تتمكن المؤسسات المعنية من جمع المعلومات عنه، الأمر الذي يحزن الأسر الفلسطينية ويدمي قلوبهم ويبكي عيونهم، حزناً ألا يجدوا حجراً على الأرض يبكون ابنهم تحته.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48514
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الدكتور مصطفى يوسف اللداوي   الثلاثاء 24 أبريل 2018, 10:51 am

حنين زعبي وقفات عزٍ وتحديات كرامة

يتمنى الإسرائيليون لو أن الأرض تنشق وتبتلعها، أو أن تتعرض لحادثٍ يودي بحياتها، ويضع حداً لنشاطها، وينهي حيوتها، ويعطل اندفاعها، فقد بات اسمها يزعجهم، وصورتها تربكهم، وحضورها يقلقهم، وتصريحاتها تستفزهم، وكلماتها تغضبهم، ومواقفها تحرجهم، وحركاتها تغيظهم، وملاحقتها تعجزهم، وقد أصبحت بمفردها تشكل جبهةً حقيقيةً ضدهم، وفيلقاً عنيداً في مواجهتهم، ولواءً لجباً ينتصر عليهم، تقاومهم وتصدهم، وترد عليهم ولا تسكت لهم، وتواجههم ولا تجبن، وتتصدى لهم ولا تتردد.
تتقدم النواب العرب وتسبق الشجعان منهم، فلا يمنعها قانونٌ ولا تجبرها على الصمت شرطة، ولا تخرس لسانها سلطة رئيس برلمان ولا أغلبية متطرفة كارهة، تدرك أنها تغامر بحياتها وتضحي بمستقبلها، وأنها قد تتعرض للسجن والاعتقال، وربما للقتل والاغتيال، وأنه قد يساء إليها وقد يضيق على عائلتها، ولكنها صمت أذانها عن سبابهم وشتائمهم، وضربت بعرض الحائط تهديداتهم، وأظهرت لهم قوةً عجيبة وشجاعةً مخيفة، وإقداماً غير مسبوقٍ.
إنها المرأة العربية الفلسطينية الحرة الجريئة حنين زعبي، الأكاديمية الإعلامية البرلمانية، ابنة مدينة الناصرة الشامخة، عضو القائمة العربية المشتركة عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي، تصدح بالحق الفلسطيني ولا تتردد، وتصرخ في جه الاحتلال الإسرائيلي ولا تخاف، الغيورة على شعبها والثائرة من أجل أهلها، الغاضبة من أجل غزة والمتضامنة مع سكانها، الرافضة للحصار والمستنكرة للعقاب، والداعية إلى وقف كل الاجراءات العقابية عن قطاع غزة وأهله، وهي التي ترى الحصار على غزة جريمة، والاعتداء على أبنائها عدواناً، وتدعو المجتمع الدولي للوقوف ضد حكومة الكيان الإسرائيلي التي تمارس القتل والعدوان على الشعب الفلسطيني كله.
حنين زعبي ترفض أداء قسم الولاء لدولة إسرائيل، وترفض كلياً الاعتراف بها دولةً يهودية، وتنكر النشيد القومي الإسرائيلي "هتكفا" وترى أنه لا يمثلها ولا يعبر عنها، وتصف الحكومات الإسرائيلية بأنها حكوماتٌ عنصرية متطرفة، تطبق برامج عنصرية تخالف الشرائع الدولية وقوانين حقوق الإنسان، فهي تصادر الأرض وتطرد السكان، وتحرمهم من حقوقهم، وتجبرهم على أداء خدماتٍ مدنية في الدولة التي تهينهم وتسرق حقوقهم وتصادر أرضهم.
وكانت قد وقفت ضد الحكومة الإسرائيلية عندما شاركت في أسطول الحرية التركي "مرمرة"، وتعرضت للضرب والإساءة أثناء اقتحام جنود البحرية الإسرائيلية لسفينة مرمرة، وخضعت لسلسلة من الإجراءات العقابية والتأديبية لأنها تضامنت مع أهل غزة، وشاركت في سفينة الحرية، ودعت إلى محاكمة الجنود الذين اقتحموا السفينة ونفذوا عمليات القتل على ظهرها.
تتحدى حنين زعبي جيش العدوان الإسرائيلي وتصفه بالعنصري القاتل، وأن جنوده يتعمدون قتل الفلسطينيين في الوقت الذي يستطيعون فيه اعتقالهم بدل قتلهم، وشنت حملةً شديدةً ضد وحدة اليمام في الجيش الإسرائيلي على خلفية قتل جنوده لابن بلدة عرعرة نشأت ملحم، وطالبت على إثرها بمحاكمة الوحدة العسكرية الإسرائيلية الخاصة التي نفذت عملية إعدام الفلسطيني نشأت ملحم، ولهذا اتهمها ليبرمان وغيره بأنها تحرض على جيشهم، وتدعو إلى العنف العنصري بينهم، وتهدد السلم والأمن في كيانهم، ولهذا ينبغي اعتقالها ومحاكمتها.
وكانت أول الغاضبين من قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمةً أبديةً موحدةً للكيان الصهيوني، فرفضت القرار ووصفته بأنه قرارٌ باطل، ودعت إلى الخروج عليه والثورة ضده حتى يسقط ويتراجع الرئيس الأمريكي عنه، ولذلك منعتها الشرطة الإسرائيلية من السفر للمشاركة في أية مؤتمراتٍ أو أنشطة أو فعالياتٍ تضامنيةٍ مع الشعب الفلسطيني، وكانت الشرطة قد سحبت من قبل جواز سفرها الدبلوماسي لمنعها من استخدامه في السفر إلى حيث تريد.
أما الأسرى الفلسطينيون في السجون والمعتقلات الإسرائيلية فهم شغلها الشاغل وهمها الدائم، إذ لا تتوقف عن الدفاع عنهم، وتسعى لتحصيل حقوقهم وضمان وكفالة مكتسباتهم النضالية، وتحسين شروطهم الاعتقالية، وتعنى كثيراً بالأوضاع الصحية لهم، وتصر على معالجة المرضى منهم، وإجراء عملياتٍ جراحية للمحتاجين فيهم، وتنتقد علناً لدى الحكومة الإسرائيلية أو في الكنيست سياسة الإهمال الطبي
الذي تتبعه سلطة مصلحة السجون، والتي تسببت في استشهاد العديد من الأسرى الفلسطينيين. 
لا تنسى حنين زعبي في ذروة دفاعها عن القدس ونصرتها لقطاع غزة، ومناصرتها للحقوق الفلسطينية المشروعة، أهلها في الأرض المحتلة عام 48، إذ تتصدى لقضاياهم، وتسعى لحل مشاكلهم، وتصد الاعتداءات عنهم، وتفاوض السلطات لضمان حقوقهم واستعادة ممتلكاتهم وعدم الاعتداء عليهم، وتحاول أن تحميهم من اعتداءات اليمينيين المتطرفين وتصرفات القوميين المتشددين، وتقف إلى جانب الطلاب العرب في جامعاتهم، وتجلس معهم وتستمع إليهم وتتبنى قضاياهم، ولا تسكت عن أي ظلم يقع عليهم، وتطالب بالمساواة بينهم والعدول عن بعض القرارات التي تحرمهم حقوقهم أو تحد من عددهم.
يكرهها الإسرائيليون، ويحرض عليها المستوطنون، ويشن ضدها الكتاب والإعلاميون أعنف الحملات العنصرية، ويصفونها تارةً بالإرهابية وحيناً بالمخربة، وبالخائنة والكاذبة والعدوة في كثير من الأحيان، ويتربص بها أعضاء الكنيست الإسرائيلي إذا صعدت المنبر لإلقاء كلمتها، فيرفعون أصواتهم ويضربون بأيديهم على الطاولات، ويحدثون فوضى في القاعة عارمة، ويحولون دون إلقائها لكلمتها، ويطالب بعضهم بإنزالها عن المنصة، بينما يدعو آخرون إلى تجريدها من امتيازاتها وحقوقها، أو إقصائها من الكنيست وحرمانها من العضوية فيه، بينما يدعو آخرون إلى اعتقالها ومحاكمتها وطردها من البلاد.
أما رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الغارق في مشاكله، والمتهم في ذمته، والمشكوك في نزاهته، فهو يطالب محامي دولته بالإدعاء عليها والمطالبة بمحاكمتها، ويطالب الشرطة بالتحقيق معها وتشكيل ملفٍ ضدها، يجيز تقديمها للمحاكمة، ويرى أنها تشكل خطراً على الحياة السياسية في كيانه، وأنها تستغل الديمقراطية التي يتميز بها كيانهم والحقوق التي يكفلها قانونهم، لتمرير الكذب والادعاء الباطل على الجيش والسلطة السياسية.
تصر حنين زعبي أن تثبت للجميع أنها فلسطينية وعربية، وأنها لن تتوقف عن الدفاع عن قضيتها والذود عن حياض مقدساتها، وحماية مواطنيها، وأنها لن تصغي السمع لأي محاولةٍ لإخماد صوتها، أو ثنيها عن نضالها، وأن الأصوات الإسرائيلية التي تشوش حولها لن تفت في عضدها، ولن تخرس صوتها، ولن تسكتها عن الحق الفلسطيني، فهنيئاً لشعبنا بحنينه وطوبى لحنين مواقفها الحرة التي تصنع الكرامة وتحقق العزة والشرف.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
الدكتور مصطفى يوسف اللداوي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: فلسطين الحبيبة :: شخصيات من فلسطين-
انتقل الى: