منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداث  المنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 د. أحمد يوسف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: د. أحمد يوسف    الأحد 07 مايو 2017, 10:05 pm

في موقف جريء..د.يوسف يطالب حماس بالاعتذار عن أحداث 2007..ويشير الى نقاط سوداء شابت العملية الانتخابية


د. أحمد يوسف
غزة: كتب د.أحمد يوسف القيادي البارز في حركة حماس، وصاحب المواقف المميزة، مقالا يمكن وصفه بالأكثر جرأة عندما طالب حركة حماس الاعتذار عما حدث عام 2007، واشار في موقف نقدي نادر الى حدوث أخطاء شابت العملية الانتخابية الداخلية، وجاء في المقال الذي جاء تحت عنوان "أخي خالد مشعل يا أبا الوليد..ستبقى الكبير الذي عرفناه":
ونحن نعيش لحظات انتهاء الانتخابات التنظيمية لحركة حماس، واختيار الأخ إسماعيل هنية (أبو العبد) خلفاً للأخ خالد مشعل في قيادة المكتب السياسي للحركة على مستوى الداخل والخارج، فإننا ونحن نسجل بعض كلمات الوداع للأخ الذي عملنا معه وعرفناه، فإننا نتمنى للقائد الجديد وإخوانه في اللجنة التنفيذية والمجالس الشورية استكمال ما بناه السابقون من تاريخ ومجد، وخاصة الأخوين موسى أبو مرزوق وخالد مشعل، واللذين قادا الحركة منذ تأسيس مكتبها السياسي عام 1992 وحتى الآن، وشكلَّ كلُّ واحد منهما ملامح بصمته على مرحلة تاريخية معينة، هي شاهدة له بكل ما فيها من مواقف وإنجازات، إلا أن المكانة التي بلغتها حركة حماس في هذا المشوار الحركي والنضالي، والذي استمر لثلاثة عقود حتى اللحظة، يشي بأننا كنا أمام قيادتين يحق لنا الفخر والاعتزاز بهما وبكل ما تركاه من أثر.
الأسابيع القادمة ستشهد تحركات نشطة على مستوى توزيع المهام والمواقع القيادية الحركية، وترتيب البيت الداخلي لحركة حماس، وترميم للكثير من علاقاتها الإقليمية والدولية، خاصة في ضوء الرؤية والبرنامج السياسي الجديدة، والذي توافقت على بنوده كل قطاعات الحركة في داخل الوطن وخارجه، وغدت منذ إطلاقها في الدوحة ملزمة للجميع كخارطة طريق للتحرك في المرحلة القادمة.
إن مسيرة الحركة خلال الثلاثين سنة الماضية كانت تحكم تدرجات تقدمها الكثير من حكمة الرجال وهمَّتها، ولكنها لم تخلُ من الأخطاء وسوء تقدير المواقف من حين لآخر، ولعل أكثر ما يمكننا التصريح به هو أننا لم نستثمر حرص الرئيس ياسر عرفات أن نكون إلى جانبه بعد عودته إلى قطاع غزة في عام 1994، ودخلنا في مناكفة معه كان بالإمكان تأجيلها بعض الوقت، والاستثمار في طيبته ووطنيته وحبه لشعبه لنشد من أزره، ونقطع الطريق أمام من حاصروه من البطانة السيئة التي أوغلت صدره، وأدخلتنا في متاهات الصراع مبكراً مع إخواننا في حركة فتح، فكانت الملاحقات والاعتقالات والتعذيب عام 1996، والذي طال الكثير من كوادر وقيادات الحركة، وأثرَّ فيما بعد على المواقف والسياسات التي حكمت علاقاتنا تجاه بعضنا البعض.
كان المشهد الثاني الذي خسرنا فيه الكثير، مما كان يمكننا البناء عليه لتأسيس شراكة سياسية، ومنظومة حكم جديدة، هو الأحداث المأساوية، التي وقعت في يونية 2007، والتي كانت تداعياتها كارثية، وما زلنا كحالة فلسطينية سياسية ندفع ثمنها حتى الآن.
لولا هذان الشرخان، وعمق الجرح الذي أعقبهما، ونزفه الذي لم يتوقف رغم محاولات الأخ خالد (أبو الوليد) تقديم الكثير من المواقف السياسية والتعبيرات الإيجابية تجاه السلطة والرئيس أبو مازن، إلا أن كل المحاولات ما تزال تظلع مكانها، ولم نصل بعد إلى ما يمكننا من خلاله تحقيق المصالحة وإنهاء الانقسام، وطي صفحة الماضي وجمع الصف الفلسطيني بمختلف مشاربه الدينية والوطنية.. صحيحٌ، هناك في ساحتنا الفلسطينية توجهات وأيدولوجيات متباينة فكرياً، ولكن ليس من الصعب انصهارها في بوتقة المشروع الوطني، وفي إطار الرؤية التي صاغتها وثيقة الوفاق عام 2006.
اليوم، وبعد أن قام الأخ الكبير خالد مشعل بعرض برنامج حركة حماس، من خلال "وثيقة المبادئ والسياسات العامة" الجديدة، والتي رسمت ملامح التحرك والرؤية للسنوات القادمة، وهي - إذا صدق عزم الجميع - من المفترض أن تهيئ لنا الطريق كي نصل لبعضنا البعض، ونعجل بإنهاء حالة القطيعة القائمة بيننا، والدخول في علاقاتنا الإقليمية والدولية من باب واحد، بدل تلك الأبواب المتفرقة ووضعية التشرذم، لحماية مشروعنا الوطني الذي يمثل حالة التوافق والإجماع لنا جميعاً.
اليوم يا أبا الوليد ونحن نخاطبك بهذه الكلمات قبل مشهد الوداع الرسمي، فإنما نأمل منك أن توصي خليفتك الجديد الأخ إسماعيل (أبو العبد) بما تراكم عندك من رصيد التجربة والخبرة في عالم السياسة ودهاليزها الحركية والأخلاقية ومعنى أن الوطن فوق الجميع، وأننا جميعاً كفلسطينيين يداً على من عادانا، وأن سلاحنا الذي أخطأ مرة عنوان المعركة عليه ألا يعود وأن يعتذر، وأن عقيدتنا الأمنية هي أننا لعدونا وعدو أمتنا قاهرون.
إن حركة حماس التي تمثل مفخرة عزٍّ لأمتنا العربية والإسلامية يجب أن تقر وتعترف بأن ما وقع عام 2007 من مواجهات مسلحة كان خطأ يتحمل مسئوليته الجميع؛ الكل الوطني والإسلامي، وأننا يجب أن نعتذر لشعبنا الفلسطيني الذي خذلناه، وهو اليوم الضحية لصراعنا السياسي، وهذا الانقسام البغيض.
لقد أكبرناك يا أبا الوليد يوم خرجت وقلت "لقد أخطأنا"، ووضعت النقاط على الحروف. إن ما قلته لم ينقص من عظمة حركة حماس شيئاً، ولم يقلل من تضحيات رجالها وإنجازاتهم البطولية، فحركة حماس ما تزال هي أيقونة الكرامة لشعبنا وأمتنا، وكتائب القسَّام هي مثار إعجاب ومصدر ثقة لنا واعتزاز إذا حمي الوطيس مع الأعداء.
أخي أبا الوليد أنت في نظري ذلك الفتى الذي عرفته في بداية الثمانينيات، الممتلئ حماسة ووطنية وأخلاقاً وكرامة إنسانية، واستمرت السنوات تتطور فيها رؤيتنا ولقاءاتنا، وتكبر معها أحلامنا في بناء حركة وطنية/إسلامية تحقق تطلعات شعبنا في التحرير والعودة. في ذلك الوقت من الثمانينيات والتسعينيات، لم تكن المواقع القيادية هدفاً لأحد منا، وكانت هناك الكثير من الوجوه التي لا تقل حيوية وحماسة عنا، أسماءٌ كثيرة مرت بعضها أخذ حظه من القيادة والزعامة والشهرة، وبعضهم ما زال يعمل بعيداً في الظل بكل إخلاص وحماسٍ ووطنية، ولكنه لم يفقد البوصلة فما تزال مقلتاه ترنو إلى الأقصى وبيت المقدس.
لن أنسى أخي د. موسى أبو مرزوق الذي عاش القضية والهمُّ الوطني بكل عقله وجوارحه، ودفع بعضاً من سنوات عمره داخل السجون الأمريكية للنهوض بحركته، وكان كالطود شامخاً وصابراً وحافظاً للعهد والمسيرة، وظل مرابطاً على الثغور لم يتخلف يوماً عن مسئولياته النضالية برغم كل الذي الأذى الذي أصابه، والمكر الذي لحق به.
ستظل أخي أبا الوليد بطيبتك وأخلاقك وابتسامتك التي جمعتنا سنين، الأخ الذي نتذكره ونتذاكر مواقفه، ونحفظ له الكثير من المشاهد التي حكمت مظاهر تعاملاته مع الجميع، لتحافظ على هذه الحركة العظيمة وتحميها من عاديات الخصوم وغوائل الزمن.
نعم؛ عشرون عاماً كنت فيها أخي أبا الوليد حادي الركب، وكان بيدك زمام القيادة والتوجيه، وكبرت بك ومعك حركة حماس وكتائب القسَّام، وسجلنا بك ومعك الكثيرون من إخوانك ما اعتبرناه انتصاراً على الأعداء، حتى خروجك من دمشق والنجاة بالحركة والابتعاد بها عن التورط بدماء إخواننا السوريين، كانت حكمة تحسب لك ولإخوانك في قيادة حماس، وإن جرَّت عليك وعلينا غضب من نحب من إخواننا العرب والعجم.
لقد كنت تتحرك يا أبا الوليد وسط حقل من الألغام والتناقضات الأمنية والسياسية العربية والإسلامية، ولكنك نجحت في الوصول بنا لما يحب ربنا ويرضى من بناء هذا الصرح الشامخ لحركة المقاومة الإسلامية، فلم نكن يوماً في جيب أحد، بل حرصنا من خلالك أن نكون عند حسن ظن الجميع بنا؛ شعبنا وأمتنا، التي وضعت قضيتنا في صدارة اهتماماتها، ولم تبخل علينا في التضحية والعطاء.
مسئوليات جسام بانتظارك يا أبا الوليد، ولا يكفي أنك رسمت معالم الطريق، وأوضحت خارطتها لقادم السنين، فأنت رجل يمتلك الكاريزما والحكمة ولك دالة على الكثيرين من رموز وقيادات هذه الحركة في الوطن والشتات، ونحن اليوم كحركة وطنية/إسلامية تتناوشنا بعض رياح الخلاف، وهي تحتاج - الآن - جهدك وحكمتك لإصلاح ذات البين، والعمل على تمتين الصف وشدِّ أركان البنيان، ونحن ننتظر أيضاً من القيادة الجديدة ومن الأخ إسماعيل هنية ألا تغطي الشمس بغربال التجاهل والانكار، حيث علينا أن نفكر جدياً بثلاث قضايا نطرق اليوم بها جدار الخزان؛ وهي أولاً الحزب السياسي، الذي غدا ضرورة ومطلباً وسيسمح لنا من خلال هذه الوثيقة الجديدة التحرك اقليمياً ودولياً بشكل أفضل، للحفاظ على ما أنجزناه كحركة وطنية/إسلامية. والثاني؛ وهو ضرورة الفصل بين العمل الدعوي والعسكري، حيث إن الأول يتطلب التوسع والانتشار وبناء الحاضنة الشعبية، فيما الثاني وهو العمل العسكري يحتاج إلى السرية والانضباط والنخبة وليس كل من هبَّ ودبَّ.
إذا تحقق ذلك، فلسنا بصدد فتح الحديث عن اللوائح والقوانين الناظمة للعملية الانتخابية، والتي لم تكن عملية إجرائها في هذه الدورة موفقة في بعض المناطق، وتركت ندوباً سوداء على ما اعتبرناه دوماً أطهر ما فينا وهو النزاهة والشفافية والأخلاق، وأننا ننظر للمناصب كمغرمٍ وليس بمغنم، وأننا لم نتعود في حراكنا التنظيمي تزكية أنفسنا، بل نتسابق على الموت والشهادة في سبيل الله والوطن.
وإذا لم يتحقق ما نطالب به، فإننا ننتظر منك أخي أبا الوليد وبعض أركان هذه الحركة العتيدة وممن نعتبرهم من "عظام الرقبة" تولي عملية الإصلاح، وإجراء التغييرات المطلوبة لتصويب العملية الانتخابية، حتى لا يقع مستقبلاً ما لا يحمد عقباه.
نقطة أخيرة، لقد كنت أشرت قبل عامٍ تقريباً ما كنت أراه – آنذاك - ضرورة تنظيمية، وهي أن الحركة بحاجة إلى اختيار أمين عامٍ لها من قياداتها المخضرمين بصلاحيات تمكنه في ضبط الإيقاع داخل هذه الحركة واسعة الانتشار، ويكون في موقعه ذلك بمثابة بيضة القبان لها.. هذا الاقتراح ما زلت أطرحه للنقاش، كما أرشح له حالياً أحد الأخوين السيد خالد مشعل والدكتور موسى أبو مرزوق؛ لاعتبارات التوازن والحكمة.
ختاماً يا أبا الوليد... فأنت اليوم ترتب أوراق خليفتك وتستعد للانتقال إلى موقعك الجديد في العمل، لم يحن الوقت بعد كي أقول لك وداعاً، وإن كنت أعلم أنك تتهيأ لهذه اللحظة منذ عدة سنين.. لذا، بالنسبة لي لم يأت بعد وقت الإشادة والغزل، فالخيِّرون أمثالك سيبقون دائماً حاضرين، وستظل مآثرهم تفوح بالمواقف والإنجازات والذكر الحسن.
مع تمنياتنا للقيادة الجديدة والأخ إسماعيل هنية بالتوفيق والسداد.


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الثلاثاء 23 مايو 2017, 8:40 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الثلاثاء 23 مايو 2017, 8:20 pm

شهادة للتاريخ:د. موسى أبو مرزوق كما عرفته..
المسيرة والرؤية والعمق الاستراتيجي..
د.أحمد يوسف


الطفولة والشبابان تكتب عن أخٍ وصديق تعرفه منذ الصغر، وتشاركه الالتزام التنظيمي في مرحلة الشباب، وتصاحبه بعد ذلك في كل المراحل الحياتية؛ سنوات الدراسة بالجامعة في قاهرة المعز، ثم العمل بالإمارات، ثم الدراسة والعمل والجوار وقيادة العمل الإسلامي في معظم سنوات وجودنا بالولايات المتحدة الأمريكية، مسيرة طويلة تجاوزت الثلاثين عاماً لم أعرف فيها لأخي موسى أبو مرزوق الا فضائله ونعمائه، وجدّه واجتهاده لخدمة مشروعنا الإسلامي، وعمله الدؤوب في قيادة نشاطنا الفلسطيني، وخاصة خلال فترة وجودنا في أمريكا أو بعد مغادرته لها، وترأسه للمكتب السياسي لحركة حماس.على طول هذه المسيرة ومحطاتها الممتدة من غزة إلى مصر، ومن مصر إلى الإمارات، ومن الإمارات الى أمريكا، ثم الاعتقال والسجن في نيويورك والترحيل الى الأردن، وبعد ذلك الابعاد إلى سوريا، ثم الرحيل عنها بعد الثورة والعودة إلى مصر من جديد، كان د. موسى علماً فلسطينياً وقيادياً إسلامياً. مشوار تخللته الكثير من المواقف والحكايا والمشاهد والصور، حاولت اختصارها في عناوين حركية وإنسانية وسياسية واجتماعية وجهادية، كان فيها الدكتور  موسى أبو مرزوق يمتلك زمام المبادرة واحتضان المشهد الفلسطيني وتصدر أحداثه. مسجد الهدى: بداية الالتزام الحركي في مدينة رفح ومخيم يبنا نشأ د. موسي أبو مرزوق وترعرع في أسرة كان التدين طابعها العام، وكان إخوته وأخواته من الطلاب المجتهدين والمتميزين، كان أخوه الكبير اللواء محمود أبو مرزوق (أبو أحمد) من أوائل الضباط الذين تخرجوا من الكلية الحربية في مصر، وعادوا إلى غزة كضابط في جيش التحرير الفلسطيني. قد تكون جمعتني لقاءات بالدكتور موسى أبو مرزوق في السنوات التي سبقت التزامي بحركة الإخوان المسلمين، في حوارى مخيم الشابورة أو مخيم يبنا المجاور أو في الملعب البلدي، حيث كُنا جميعاً نعشق كرة القدم، فهي لعبتنا المفضلة وتسليتنا ورباطنا بعد انتهاء اليوم الدراسي، ولكن ذاكرتي لا تملك تفاصيل تلك المرحلة. قبل نكسة عام 67، كان معظم الشباب من المعجبين وطنياً بالرئيس جمال عبد الناصر (رحمه الله)؛ الزعيم الخالد للأمة وبطل القومية العربية، كما كانت تطلق عليه وسائل الإعلام المصرية. ولكن بعد هزيمة العرب المذلة في حرب 67، ووقوع باقي الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي إضافة إلى سيناء والجولان، حدث تحول كبير في اتجاهات الشباب، فقد شهد قطاع غزة حراكاً غير مسبوق باتجاه المساجد، من حيث عمارتها وإعمارها.. كان مسجد الهدى أو ما كان يُطلق عليه اسم "مسجد أبو الهنود" نسبة الى المؤذن الذي كان يمتلك صوتاً جميلاً يصدح به في الآذان وتواشيح الصباح، والذي يقع في مخيم يبنا، وهو المسجد الذي كان يتردد عليه العديد من الشخصيات الإخوانية، التي سبق لمخابرات النظام المصري ملاحقتها واعتقال الكثير منها، وقد تمكن البعض منهم من مغادرة قطاع غزة سراً إلى بعض دول الخليج مثل قطر والكويت، أمثال: الشهيد محمد يوسف النجار، والأستاذ أحمد رجب الأسمر. بدأت هذه العناصر الإخوانية في ممارسة نشاطها العلني من داخل المسجد، حيث شرعت بإقامة حلقات تعليم القرآن الكريم، ودروس الفقه والسيرة، وشهد المسجد حضوراً ملفتاً للنظر، حيث أخذ يتقاطر عليه الشباب بمختلف أعمارهم للاستماع إلى الدروس والعظات التي كان يُلقيها الشيخ حسين أحمد حسن (المصري)؛ إمام مسجد يافا الكبير من عام 36 – 1948، والشيخ رجب العطار والشيخ لطفي الهمص رحمهم الله جميعاً، وهم شخصيات إخوانية تتمتع بالتقدير والاحترام بين أهالي مدينة رفح ومخيم يبنا على وجه الخصوص. تكاثرت الأنشطة الدينية والثقافية في مسجد الهدى، وأخذ دعاة الإخوان وعلماؤهم في القاء خطب الجمعة ودروس ما بعد المغرب والعشاء، وكان من بين أولئك الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله)، والشيخ عز الدين طه، والشيخ سليم شراب (رحمه الله)، والشيخ محمد الأغا (رحمه الله)، وآخرون. لقد أثمرت زيارات الشيخ أحمد ياسين إلى رفح والقائه دروساً في مسجد الهدى ثم لقاءاته ببعض الشباب الذين اختارهم الحاج محمود محسن؛ أحد أهم رجالات الإخوان المسلمين في المدينة، حيث كان تاجراً للأقمشة، وبيته مفتوح لاستقبال الشيخ أحمد ورعاية لقائه بهؤلاء الشباب، ويمكن القول إن في بيت هذا الرجل الصالح تمَّ تنظيم أول مجموعة على مستوى القطاع، والتي سرعان ما أصبح نظيراً لها بمسجد العباس في غزة ، ثم المعسكرات الوسطى، وبعد ذلك في مخيم جباليا، إلى أن أصبحت كل مدن القطاع ومخيماته تحتضن مجموعات إخوانية في سياق وحدة تنظيمية واحدة، وكان هناك من يعمل على مساعدة الشيخ أحمد ياسين في تحركه مع هذه المجموعات، أمثال: الأستاذ محمد الغرابلي (رحمه الله) والأستاذ عبد الفتاح دخان.  لا شك أن الترابط الكبير بين مدن القطاع وقراه قد ساعد على سرعة معرفة هؤلاء الشباب لبعضهم البعض، الأمر الذي مهدَّ الاجواء لنشاطات مشتركة وزيارات متبادلة ومعسكرات ترفيهية على شاطئ البحر يأتي إليها الشيخ أحمد ياسين وبعض القيادات التاريخية للحركة لإلقاء الدروس الوعظيّة، وتقديم شروحات للكثير من المفاهيم الحركية والتنظيمية. كان الشيخ الشهيد أحمد ياسين هو الأبرز من بين كل الدعاة في اجتذاب الشباب وتقسيمهم في وحدات عمل تنظيمية، وكان الدكتور موسى أبو مرزوق واحداً من بين هؤلاء الذين تمَّ تنظيمهم على يد الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله). ان المشهد الذي ما زال حاضراً في ذاكرتي للشاب موسى أبو مرزوق هو جلوسه في باحة مسجد الهدى، وبين يديه أحد مجلدات "في ظلال القرآن" للشهيد سيد قطب يقرأ منه، ويتبادل مع بعض إخوانه الرأي حول ما جاء فيه. بعد احتلال قطاع غزة عام 67 بعدة شهور فتحت المدارس أبوابها، إلا أن العديد من الطلاب قاطعوا العودة إليها، باعتبار أن "لا تعليم تحت الاحتلال"، وكان الطالب موسى أبو مرزوق من بين هؤلاء، حيث درس الصف الحادي عشر في بيته (نظام منازل).. وفي السنة النهائية من مرحلة الثانوية العامة، توجه الأخ موسى لمقابلة الشيخ أحمد ياسين طالباً منه الرأي والمشورة فيما يتعلق برغبته في السفر إلى مصر والدراسة فيها.. أشار عليه الشيخ أحمد (رحمه الله) بالحرص على الالتحاق بالكلية الحربية، وذلك لحاجة في نفس الشيخ أن يراه ضابطاً تنتظره مهمات وطنية عندما يعود إلى غزة.. في مصر، درس الأخ موسى الثانوية العامة في مدينة شبين الكوم، وحاول جهده للالتحاق بالكلية الحربية إلا أن قراراً صدر بإلغاء مساواة الفلسطينيين بالمصريين مما يعني حرمان الأخ موسى من تحقيق أمنية شيخه أحمد ياسين، فالتحق الأخ موسى بمعهد شبين الكوم الصناعي والذي تحول في السنة الثانية إلى كلية هندسة تابعة لجامعة حلوان. انتقل موسى من شبين الكوم إلى القاهرة، حيث أصبح على احتكاك يومي مع إخوانه الطلاب من قطاع غزة. وبالرغم من الظروف الصعبة - نسبياً - التي كانت تواجه الإخوان والعمل الإسلامي في القاهرة إلا أن موسى استطاع تجنيد العديد من الطلاب الفلسطينيين والمصريين. في القاهرة: الدراسة تجمعنا من جديد انتقل الأخ موسى للقاهرة في وقت كان فيه النشاط الاسلامي في الجامعات المصرية على أوجه، ولعله كان الطالب الفلسطيني الوحيد الملتحي في الجامعات المصرية عام 1971. كان التنظيم الفلسطيني الذي يجمع طلاب الإخوان من قطاع غزة يعيش أزمة قيادة وتباعد في الأماكن، حيث إن الجامعات المصرية كانت موزعة في كل الأقاليم من الإسكندرية إلى أسيوط ومن الزقازيق إلى القاهرة والجيزة. كانت لنا جلساتنا الأسبوعية ولقاءاتنا الشهرية تبعاً لقرب المكان أو بعده، وكنا ندير أنشطتنا الدعوية والحركية بحذر شديد، وبعيداً – بالطبع - عن أعين أجهزة أمن الدولة المصرية. كان من حُسن حظنا أن سنوات السبعينيات شهدت انفراجاً في العلاقة بين الرئيس السادات والإخوان المسلمين، حيث تمَّ الافراج عنهم من السجون والمعتقلات، وسمح لهم النظام بالعودة إلى ممارسة أنشطتهم الدعوية والتربوية في المساجد والساحات، بهدف فتح صفحة جديدة في العلاقة معهم، وكذراع – فكري ومجتمعي - ضارب يمكن الاستقواء به لمواجهة خصومه السياسيين من الشيوعيين، الذين كانوا متغلغلين في كل مرافق الدولة، وعلى رأس الكثير من المواقع القيادية المدنية والعسكرية. في الحقيقة، كانت المناسبات الدينية هي واحدة من المجالات التي كان (الإخوان المسلمون)يُظهرون فيها مكانتهم وتميزهم كقوة مجتمعية منظمة، وذلك بمشاركة عشرات الألاف من كوادرهم في الاحتفالات التي يعقدونها بميدان العباسية وساحة عابدين. بالطبع كُنا نشارك في حضور هذه التجمعات الجماهيرية الحاشدة، والتي اتاحت لنا اللقاء والتعرّف على القيادات التاريخية لحركة الإخوان المسلمين في مصر، مثل: الاستاذ عمر التلمساني، والدكتور أحمد الملط، والاستاذ مصطفى مشهور، والاستاذ كمال السنانيري، والشيخ سليمان ربيع، والشيخ يوسف القرضاوي الذي كان يحضر خصيصاً من قطر في المناسبات والاحتفاليات الكبيرة، وخاصة في عيد الفطر أو عيد الأضحى المبارك، وأيضاً قيادات الإخوان الشبابية أمثال: د. عبد المنعم ابو الفتوح، ود. عصام العريان، ود. حلمي الجزار. د. ابو مرزوق: الرجل الأول في قيادة التنظيم عندما بدأ توافد الطلاب الفلسطينيين من قطاع غزة للدراسة بالجامعات المصرية، كان هناك عددٌ لا بأس به من شباب الإخوان بينهم. وقد كلّف الشيخ أحمد ياسين - في البداية - الأخ عبد العزيز عودة أن يكون أميراً عليهم.. استمرت إمارة الأخ عبد العزير للتنظيم حوالي العامين، ولم تخلو من مشاكل تنظيمية وإدارية. في عام 1974، آلت الأمور إلى الأخ موسى أبو مرزوق؛ كمسئول أول عن التنظيم الفلسطيني في جمهورية مصر العربية، حيث عمل على اعادة هيكلته وتنشيطه، ونجح الأخ موسى في فتح أول قنوات اتصال رسمية مع إخوان مصر، حيث كان الأستاذ كمال السنانيري (رحمه الله) هو حلقة الاتصال المباشرة والقناة الرسمية بين التنظيم الفلسطيني والتنظيم الإخواني المصري. أقام الأخ موسى ابو مروق مع بعض أفراد عائلته في نفس البناية التي كنت اقطنها انا وعددٌ آخر من الإخوان، وكانت شقته في مواجهة شقتنا تقريباً، الأمر الذي اتاح لنا الكثير من الوقت للتزاور وتداول الحديث معاً، حيث كانت العمارة 15 في رابعة العدوية يقطنها عدد كبير من الإخوة الفلسطينيين الملتزمين معنا تنظيمياً، مثل: المهندس نزار عوض الله، والأخ حسن أبو شعبان والمهندس عيسى النشار، المهندس يحيى الأسطل وأخويه إسماعيل ومحمد، وكانت الشقة التي أقيم فيها مع الأخوة محمد المزين وعيسى الأسمر وكذلك الأخ محمد الأسعد (سوري الجنسية) بمثابة "مركز الإخوان" في مدينة نصر، وكانت دائماً عامرة باللقاءات والضيوف. كانت مجاورتنا للأخ موسى تمنحنا الكثير من الوقت للاجتماع في حلقات إخوانية نتدارس فيها واقعنا وأحوال أمتنا، وكذلك الصلاة جماعةً في مسجد "رابعة العدوية" المجاور، وأيضاً كنا نصوم أيام الاثنين والخميس ونحرص على الإفطار معاً في أغلب الأوقات. غادرنا الأخ موسى للعمل في الإمارات، وتولى إخوة من الأردن قيادة التنظيم الجديد المسمى (بلاد الشام) والذي تشكل في عام 79م، ليكون حاضنة للعمل الإسلامي في الساحتين الفلسطينية والأردنية، وراعياً لنشاط الطلاب الفلسطينيين والأردنيين في الخارج، وكان من بين القيادات التي رعت التنظيم في مصر – آنذاك - د. راجح الكردي ود. علي العتوم، خلال فترة دراستهم لنيل شهادة الدكتوراه في جامعة الأزهر، وكان على رأس الطلاب الفلسطينيين الأخوة إبراهيم المقادمة ومنير العشي وعمر فروانة ومفيد المخللاتي. انتصار الثورة الاسلامية في إيران: أحداث ومواقف صاحب انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وعودة الإمام الخميني إلى طهران نهاية السبعينيات، حراكاً اسلامياً واسعاً في العالم العربي، وخاصة بين أوساط الشباب الاسلامي، وقد شهدت تلك الفترة نشاطاً مكثفاً داخل الجامعات المصرية، ولم نكن نحن – بالطبع - بعيدين عنه، بل كنا في قلب الحدث، حيث أدخلتنا مجلة "المختار الإسلامي" الشهرية، الممثلة لنبض الشارع الإسلامي في مصر بمقالاتها التحليلية، لأن نكون جزءاً من معادلة الثورة القائمة، والتي كان للأخوين فتحي الشقاقي وبشير نافع مقالاتٍ ثابتة فيها، تتناول الثورة الإسلامية في إيران بشكل متعاطف وبنفسٍ متفائل بإمكانية قيام ثورة مماثلة في مصر. في دوامة الجدل الداخلي حول الثورة الإسلامية في إيران، نشر د. فتحي الشقاقي كتابه "الخميني: الحل الإسلامي والبديل"، الأمر الذي دفع أجهزة الأمن المصرية للقيام بحملة اعتقالات واسعة طالت العديد من طلاب تنظيم بلاد الشام. شهادة للتاريخ، أن غياب الأخ موسى - الصديق العزيز للأخ فتحي الشقاقي - عنَّا في تلك الفترة الحرجة، وعدم معالجة قضية "الخلاف" مع الأخ فتحي الشقاقي، وإبقائها معلقة بدون حل جاد لأكثر من ست سنوات، أدى - بشكل أو آخر - إلى ابتعاد الأخ فتحي عن التنظيم تدريجياً، والتصرف بشكل فردي بعيداً عن تنظيم بلاد الشام، لأخذ مكانته مع من تمَّ تجنيدهم على يديه في القاهرة والزقازيق إلى مسار يمنحه قيادة بديلة تسمع له وتطيع، وتهيء له تظهير فكره ورؤيته في الحركة والتنظيم، وخاصة بعد النجاح الكبير الذي حققته الثورة الإسلامية في إيران بإزالة عرش الطاغوت محمد رضا بهلوي. السفر للإمارات غادرنا مصر بعد التخرج من الجامعة في نهاية السبعينيات عائدين إلى أرض الوطن، وظلت علاقاتنا قائمة مع الأخ موسى أبو مرزوق الذي سبقنا للعمل في الإمارات.. وبعد عامٍ تقريباً، هيأ لنا – من خلال علاقته هناك - بعض فرص العمل، حيث لحقت به مع بعض الإخوة للعمل هناك. وجدت فرصتي الأفضل بالعمل في جمعية الاصلاح والتوجيه الاجتماعي بدبي، وكان د. موسى يعمل مهندساً في شركة (أدنوك ADNOC -) في منطقة أم النار، وكان هذا العمل يمنحه دخلاً عالياً ووقتاً كافياً كان يسافر فيه لتفقد إخوانه واللقاء بهم في باقي مدن الامارات، حيث كان هو المسئول الأول عن التنظيم، وممثلنا بمكتب بلاد الشام في عمان، وكذلك في مجلس شورى الحركة. نجح الأخ موسى في بناء وهيكلة التنظيم الفلسطيني في الإمارات، وتمكن من جلب الكثير من العناصر الإخوانية للعمل هناك، وقد أعانته خبراته الدعوية في تنظيم بعض شباب الإمارات لحركة الاخوان، والتي ربما كانت هي البداية لنشأة التنظيم هناك. لا شك أن تلك السنوات التي مكثها الأخ المهندس موسى أبو مرزوق في الإمارات كانت سنوات كسب وعطاء لحركة الإخوان المسلمين، حيث ساهم– آنذاك – في توحيد الصف الإخواني، وتوفير الدعم المالي لمساعدة أهلنا في فلسطين، ونُصرة قضايا العالم الإسلامي. في بداية الثمانينيات، تمكن الإسلاميون من أبناء الإمارات من الوصول الى مواقع متقدمة في الحكومة، فكانت بأيدهم وزارة التربية والتعليم ووزارة العمل والأشغال العامة وكذلك وزارتي العدل والأوقاف.. وقد كان من حسنات هذا التحول وبركته، أن قامت وزارة التربية والتعليم بتقديم منح تعليمية(Scholarship) لعدد كبير من العرب المقيمين أو غير المقيمين للدراسة في الغرب، وكان أن طالنا نصيب منها، حيث سافر الأخ موسى الى الولايات المتحدة في نهاية 1981، ولحقت به بعد عدة اشهر.. التقينا مجدداً في مدينة "فورت كولنز" بولاية كولورادوا، والتحقنا بجامعة كولورادوا ستيت (CSU)، وكان معنا في الجامعة عدد من الإخوة الليبيين والذي يتولى بعضهم الآن إدارة دفة الأمور في ليبيا ما بعد القذافي.. كذلك إخوة من السعودية وأفغانستان وباكستان والعراق ومصر؛ كالدكتور محمد بشر عضو مكتب الإرشاد.. ومن فلسطين، د. كمالين شعت، والمهندس إسماعيل أبو شنب (رحمه الله)، والدكتور محمد الحلو، وعدد آخر من إخوان بلاد الشام. قيادة العمل الإسلامي: جهد وتميز في تلك الفترة من بداية الثمانينيات، كان النشاط الإسلامي على الساحة الأمريكية تقوده عدة مؤسسات عربية طلابية؛ أهمها رابطة الشباب المسلم العربي (MAYA)، والاتحاد الإسلامي لفلسطين(IAP)، وكان وجودنا الفلسطيني قوياً ومؤثراً داخل تلك المؤسسات، حيث أخذ الأخ موسى مكانته السريعة في قيادة عملنا الفلسطيني هناك، وأصبح هو المسئول الأول عن تنظيم بلاد الشام في أمريكا، وتمكن من ايجاد فضاءات حيوية لنا لمباشرة نشاطنا وحشد طاقات الشباب، من خلال تفعيل الاتحاد الإسلامي لفلسطين، وتطوير وانشاء مؤسسات وجمعيات أخرى تكون حاضنة لنشاطنا الدعوي والإغاثي هناك. بعد عامٍ تقريباً، تبوء الأخ موسى موقعاً تنظيمياً آخر داخل التنظيم الإخواني العام، وأصبح مسئولاً عن الدائرة السياسية في قيادة حركة الإخوان المسلمين في أمريكا، وقد كان لي شرف العمل معه بالإشراف على نشرة "درب الدعاة"، التي كانت أحد الأدبيات الرسمية للحركة، وكانت المقالات المنشورة فيها تتوزع بين نصائح وتعليمات رئيس الحركة وبين مقالات تربوية وأدبية، وكذلك النشرة الدورية "السياسي: مفاهيم ومواقف"، والتي كانت موضوعاتها تشتمل على التحليلات السياسية وتقديرات الموقف، ويشارك في كتابتها بعض القياديين وأساتذة العلوم السياسية بالحركة. في الحقيقة، كانت تلك السنوات من عقد الثمانينيات هي أفضل فترات الكسب والعطاء والحشد والتعبئة للحركة، وأيضاً لنشاطنا الإسلامي لفلسطين.. وقد نجح تنظيم بلاد الشام أن يفرض حضوره داخل ساحة العمل الإسلامي في أمريكا، ويتمكن من كسب مباركة وتأييد الإخوة من مصر والكويت وليبيا، ليفوز د. موسى برئاسة التنظيم العام للإخوان المسلمين على مستوى الساحة الأمريكية بكاملها. إن بصمات الأخ موسى في توحيد وجمع الصف الإخواني معروفة لدى جميع التنظيمات العاملة داخل الساحة الأمريكية، وبعد أن كانت الخلافات تعصف بشباب الحركة، بين متعاطف ومناصر لنهج د. حسن الترابي وبين محذرٍ ورافض لهذا النهج، تمكن الأخ موسى بعقلانيته وقبول الجميع لقيادته أن ينهي تلك الخلافات، ويعيد بناء الصف على منهجيةٍ توافق الجميع عليها، وإن خرج على إثر ذلك – للأسف – عددٌ من الإخوة السودانيين مع بقاء صلة المحبة والتواصل معهم قائمة. إخوان أمريكا: تنظيمات طلابية وهمة عالية تنقل الأخ موسى بهدف الدراسة في عدة ولايات أمريكية، حيث أقمنا معاً في مدينة كولومبيا بولاية ميسوري، بعد أن انتقلنا - معاً - من مدينة فورت كولينز بولاية كولورادوا.. انتقل الأخ موسي الى ولاية لويزيانا، حيث أنهى هناك دراسة الدكتوراه في هندسة الانشاءات، عاد بعدها الى ولاية فرجينيا بمدينة (Fall Church) التي تقع داخل حزام واشنطن العاصمة، حيث باشر - من هناك - عمله التجاري والدعوي. بدأنا في مطلع التسعينيات بتأسيس مركز دراسات (Think-tank) باسم المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث (UASR)، وكان د. موسي هو رئيس مجلس الأمناء للمؤسسة أما أنا فكنت المدير التنفيذي لها. لقد عمل د. موسى على إنشاء العديد من المؤسسات الإغاثية والإعلامية والتعليمية، وكان اسمه حاضراً في مجالس أمنائها، وكانت هذه المؤسسات تعمل بشكل قانوني لسنوات عديدة، قبل أن يتم حلها وتوجيه الاتهامات لها بسبب علاقتها بالدكتور موسى أبو مرزوق.  تمكن د. موسي من خلال علاقاته الواسعة مع الشخصيات الإسلامية في العالم العربي من جلب الدعم للانطلاق بمشروعنا وتوسيع دائرة نشاطه، بحيث غدت المؤسسة محط رحال القادمين للعاصمة الأمريكية من العلماء والقيادات الإسلامية، وكانت ملتقى النشاط الفكري والتعبوي لعملنا الاسلامي، سواء الإخواني منه أم الخاص بفلسطين. لقد تزامن بدء العمل الفلسطيني من خلال تنظيم بلاد الشام مع تلك الفترة 82-1989، وكان د. موسى في قلب هذا العمل وقيادته، وكان تواصله مستمر مع إخوانه في الضفة الغربية وقطاع غزة وكذلك في المجالس القيادية الشورية والتنفيذية في الخارج، حيث لم تكن الصلة بين قيادات الداخل وهيئاته الشورية والتنفيذية ونظيرها في الخارج كما ينبغي لأنها كانت حديثة الولادة. في عام 89 تعرض قطاع غزة لضربة قوية، حيث اعتقل أكثر من 90% من التنظيم على إثر خطف آفي سبورتس وإيلي سعدون، كما اهتز الوضع كذلك في الضفة الغربية. اضطر د. موسى للسفر إلى قطاع غزة لإعادة بناء التنظيم، ولأول مرة يتم فصل العمل الأمني – الجهادي عن العمل الدعوي، وهو من أطلق اسم "كتائب الشهيد عز الدين القسام" على العمل العسكري، حيث كان هناك عملاً موجوداً باسم الشهيد عبدالله عزام، ولكنه مساحات نجاحاته كانت محدودة. بعد ذلك، تم ربط العمل التنظيمي والعسكري بقيادات في الخارج، للحفاظ على سرية الحركة في الداخل ووحدة قرارها السياسي. انتفاضة الحجارة وزيارة غزة بعد أن انهيت دراسة الماجستير في الإعلام قسم "صحافة دولية" كلفني الإخوة بالعودة لقطاع غزة والعمل على فتح قسم للإعلام بالجامعة الإسلامية. وصلت إلى غزة فوجدتها تغلي بالثورة في وجه الاحتلال. ذهبت للجامعة للقاء بعميدها المكلف د. محمد صيام، وشرحت له ما كلفني الإخوة به، فرحب بالفكرة وقال: نمضي على بركة الله عندما يسمح الاحتلال لنا بإعادة فتح أبواب الجامعة. طالت فترة الاغلاق، وحاولت ترتيب أمر عودتي لأمريكا لاستكمال دراسة الدكتوراه لكن جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك) سحب جواز سفري منذ الأيام الأولى لوصولي للقطاع، ومنعني من مغادرة البلاد، وطالبني كذلك بمراجعة لمكتبه استمرت قرابة الشهرين، كنت اتردد فيها بشكل شبه يومي لمقر (الشاباك) في رفح. في تلك الفترة التي اشتدت فيها فعاليات الانتفاضة، بدأت حماس في تعزيز بناء أجهزتها الإعلامية والسياسية والأمنية لتواكب متطلبات مرحلة المواجهة المستشرية مع الاحتلال. وجدت نفسي أعمل في الدائرة السياسية مع الأخ إسماعيل أبو شنب وفي الدائرة الإعلامية مع الأخ صلاح شحادة، وبعد اعتقاله مع الأخ المهندس عماد العلمي، حيث كنت أشارك في كتابة البيانات وصياغة بعض الأدبيات الحركية لحشد الشارع وتعبئته، للحفاظ على زخم الانتفاضة وحيوية المواجهات مع الجيش الإسرائيلي. أشار عليَّ بعض الإخوة برفع قضية ضد جهاز (الشاباك) والطلب باسترداد وثيقة سفري المحجوزة لديه.. وفعلاً، تقدم المحامي عبد الكريم شبير بطلب إلى المحكمة العسكرية، وبعد ستة شهور من عرض الشكوى على المحكمة، جاء الحكم  لصالحي، فاستعدت جواز سفري بعد عامٍ تقريباً من لحظة مصادرته.. لم تنقطع اتصالاتنا بالدكتور موسى أبو مرزوق طوال تلك الفترة، بل كان التعاون والتنسيق بيننا قائماً، لتفعيل تغطيات الانتفاضة عبر وسائل الإعلام الغربية، حيث كانت تصل إلينا بعض المحطات التلفزيونية، فنقوم بتسهيل مهماتها في التحرك لتغطية المواجهات مع الاحتلال في كل مدن وقرى قطاع غزة. قبل أيام من عملية الاعتقال الواسعة التي قامت بها إسرائيل في مايو 1989، غادرت قطاع غزة عائداً للولايات المتحدة، لآخذ مكاني مرة أخري في قيادة العمل الإسلامي هناك، ونواصل ما كنا نقوم به - في السابق - من عمل إعلامي وتوعية سياسية وحراك شعبي داخل جاليتنا الفلسطينية والإسلامية. قيادة حركة حماس: بداية التحريض الإسرائيلي في عام 1992، تم اختيار د. موسى أبو مرزوق رئيساً للمكتب السياسي لحركة حماس، وبالرغم من السرّية التي طبعت نشاطات الحركة واسماء قياداتها وإطاراتها التنظيمية، إلا أن اسم د. موسى أبو مرزوق وجد طريقه الى وسائل الإعلام العربية والأمريكية. فرض هذا الموقع الجديد على د. موسى القيام بعدة سفرات من مقر إقامته بأمريكا الى بعض البلدان العربية والإسلامية لمتابعة شئون الحركة والتنظيم.. وفي أول اجتماع لمجلس الشورى عام 1993، استقال د. موسى من رئاسة التنظيم بأمريكا، مع العلم بأن حركة حماس – آنذاك – لم تكن مدرجة على قوائم الإرهاب بالولايات المتحدة الأمريكية أو في أوروبا. لاشك بأن هذا الوضع قد سهّل من مهمة عمله كقيادي للحركة داخل أمريكا وخارجها. العمليات الاستشهادية: اتهامات "الإرهاب" تلاحق حماس  بدأت حركة حماس في فلسطين القيام بعمليات عسكرية استهدفت مواصلات النقل العام في اسرائيل والمطاعم ومحلات "ألكفي شوب" بعد المجزرة الدامية التي ارتكبها المستوطن (باروخ جولد شتاين) داخل حرم المسجد الإبراهيمي في الخليل عام 1994،  والتي راح ضحيتها أكثر من أربعين فلسطينياً كانوا يؤدون صلاة الصبح في شهر رمضان المبارك داخل المسجد، إضافة لعشرات الجرحى الذي توفى بعضهم لاحقاً. أقسم المهندس يحيى عياش بالانتقام لهؤلاء الأبرياء بخمس عمليات عسكرية، لردع الاحتلال وتأديب مستوطنيه. وفعلاً، تمكن المهندس الشهيد يحيى عياش من تحقيق ما وعد به، وخلق حالة من الرعب والفزع – غير المسبوق – داخل الكيان الاسرائيلي . عملت أجهزة الأمن الاسرائيلية على تحريض العالم الغربي ضد حركة حماس من خلال ماكينة الدعاية الصهيونية ذات التأثير الكبير في الدول الغربية. وفي يناير 1995، أدرجت وزارة الخارجية الأمريكية حركة حماس في قائمة الحركات الإرهابية، بناء على أمر تنفيذي من الرئيس بيل كلنتون، وشرعت في مراقبة أنشطتها داخل الساحة الأمريكية.تمكنت اسرائيل عبر مجموعة من الشخصيات الصحفية والأكاديمية اليهودية في الولايات المتحدة، أمثال: دانيل بايبز وستيفن إيمرسون وجوديث ميللر وريتا كاتز من القيام بحملة تحريض واسعة لملاحقة العناصر الفلسطينية الإسلامية والمؤسسات الداعمة للقضية الفلسطينية أو المتعاطفة معها، وبدأت في نشر أسماء بعض الشخصيات والمؤسسات المستهدفة، بهدف تعبئة الرأي العام الأمريكي ضد كل ما هو إسلامي وفلسطيني، وخاصة بعد التهديدات التي بدأت تطلقها القاعدة وأسامة بن لادن ضد الولايات المتحدة. في ظل هذه الأجواء المحمومة، جاء ذكر د. موسى أبو مرزوق كرئيس لحركة حماس، ولمؤسسات أخرى داخل أمريكا كان د. موسى يتبوأ فيها مواقع رئاسية أو يمثل أحد أركانها الفاعلين. ملاحقة العمل الاسلامي لفلسطين في 25 يوليو 1995، قامت الولايات المتحدة باعتقال د. موسى أبو مرزوق بمجرد وصوله وعائلته إلى مطار جون كينيدي في نيويورك. منذ تلك اللحظة، برز اسم د. أبو مرزوق؛ رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، ليتصدر الصفحات الأولى من الصحف، وليصبح تاريخه وانتماؤه لحركة حماس ونشاطه السياسي مادة ثابتة في التغطيات الإعلامية في الفضائيات العربية والغربية، وكان الاتهام الذي تم توجيهه إليه هو الانتماء لحركة حماس، التي سبق أن وضعها الأمر التنفيذي للرئيس الأمريكي بيل كلينتون في يناير 1995 في قائمة الحركات "الإرهابية"، بإيعاز من إسرائيل وجماعات الضغط الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية. ورغم ما هو معروف عن فكر ومواقف د. أبو مرزوق وطروحاته السياسية والفكرية التي تتسم بالمرونة والاعتدال داخل الحركة، إلا أن حجم الضغوطات التي بذلتها إسرائيل لاستمرار اعتقاله، وحتى المطالبة بتسليمه إليها، كانت رهيبة. تحركت حركة حماس في كل اتجاه، وضغطت بثقلها الجماهيري داخل الشارع العربي والإسلامي، وفي أوساط جاليتنا المسلمة بالولايات المتحدة وأوروبا، للمطالبة بالإفراج عن د. أبو مرزوق.. ومع تحرك الشارع العربي والإسلامي، كانت هناك أيضاً مبادرات رسمية ومناشدات لإطلاق سراح د. أبو مرزوق. شغل ملف اعتقال د. أبو مرزوق حياتي، ليس فقط من باب الواجب الذي شعرت به منذ اللحظة الأولى للاعتقال، تجاه مناضل فلسطيني كرّس حياته من أجل الحرية والاستقلال لشعبه، ولكن ذلك الإحساس "العائلي" الذي جمعنا كأبناء حركة واحدة شكل انتماؤنا لها منذ عام 68 مسيرة ومسار سكن قلوبنا، وجعل حياتنا بمثابة "وقف إسلامي" لهذا الانتماء، إضافة إلى ما كان يربطني به شخصياً وعائلته الكريمة من أواصر اجتماعية وطيدة وعلاقات تآخي وجوار، صاحبتنا في كل محطات حياتنا المتنقلة بين رفح ومصر والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية. خلال سنوات اعتقال د. موسى أبو مرزوق والتي امتدت قرابة العامين، لم يقتصر عملنا في لجنة الدفاع عنه على العمل الإعلامي، بل كانت هناك تحركات سياسية لكسب موقف يمنع ترحيله إلى إسرائيل، والتي شرعت بالمطالبة بتسليمه لها.. كما كانت المسؤولية الأدبية والواجب الأخلاقي والديني تجاه عائلته، والتي وجدت نفسها فجأة في وضع بالغ الصعوبة والتعقيد لم تكن مهيأة له.كانت محاور تحركنا في لجنة الدفاع تعمل - على الأقل - في سبع اتجاهات: 1- العمل الإعلامي، تغطيات صحفية، إصدارات وكتب، مقالات ونشرات.2- المجال السياسي: اتصالات بأعضاء الكونجرس، والتواصل مع السلك الدبلوماسي العربي والإسلامي في واشنطن، لحشد موقف سياسي متعاطف مع القضية، ويدفع في اتجاه المطالبة بالإفراج عنه.3- تحريك الجالية العربية والإسلامية للقيام بفعاليات تضامنية واحتجاجية.4- متابعة الملف القانوني للقضية مع طاقم المحامين.5- العمل على ترتيب شؤون العائلة؛ الزوجة والأولاد، وجدول الزيارة الأسبوعي من واشنطن إلى نيويورك.6- توفير التغطية المالية لكل هذه التحركات، سواء من داخل أمريكا أو خارجها.7-  التواصل مع قيادة الحركة في الخارج لتنسيق الجهود ووضعها في صورة التحركات – السياسية والإعلامية - التي نقوم بها على الساحة الأمريكية. اعتقد أننا إعلامياً بذلنا جهداً جباراً وجعلنا القضية تدخل كل بيت من بيوت جاليتنا المسلمة في أمريكا، وتصل إلى مسامع القاصي والداني، ولم تبق جريدة أو مجلة أمريكية في الولايات المتحدة لم تكتب عن القضية أو تتناول حركة حماس بالدراسة والتحليل من خلال رجلها المعتقل في نيويورك.  ولقد حبانا الله بعدد من المحامين المرموقين الذين عملوا على ملف القضية، وفرضوا احترامهم على الجميع، أمثال: البروفيسور شريف بسيوني؛ أستاذ القانون الدولي في جامعة شيكاغو، والمحامي المخضرم روبرت كنيدي، وكذلك المحامي والناشط اليساري ستانلي كوهين، إضافة إلى المحامي أشرف النوباني؛ وهو أمريكي من أصول فلسطينية. أتذكر في إحدى المؤتمرات الصحفية الخاصة بالقضية في نيويورك، والتي شارك فيها طاقم المحامين الثلاثة، تجمعت هناك أكثر من 25 كاميرا تمثل معظم الفضائيات الأمريكية لتغطية المؤتمر الصحفي، إضافة إلى اكتظاظ القاعة بالصحفيين العرب والأجانب.. وشهد الحدث تغطية غير مسبوقة في تاريخ القضية. لقد كانت سنوات سجن د. أبو مرزوق منحة ربانية، فتحت لحركة حماس أبواباً ما كان يمكن أن تلجها لولا حادث الاعتقال، الذي أراد الصهاينة من ورائه أن يكون درساً لحماس بأن يد إسرائيل الأمنية ستلاحقها وتطالها في كل مكان، فكانت إرادة الله أن تكون هذه المحنة منحةً، لينتشر فكر حماس، ويتعرف الناس على الحركة ورجالاتها ورؤيتها السياسية وحقها المشروع في مقاومة الاحتلال.. كانت فرصة لكشف زيف ادعاءات إسرائيل ومحاكمة جرائمها، كنا نشعر بأن العبء علينا كبير، لكن عائد هذه القضية والكسب المرجو من ورائها كان عظيماً. وفي أوقات كثيرة كنا نستحضر معاني تلك الآيات؛ "لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ"، " فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا..". على مسرح السياسة، أوصلنا القضية إلى الكونجرس، وطالبنا أعضاءً فيه بالتحرك وبذل الجهد مع إدارة الرئيس بيل كلنتون لمنع تسليم د. أبو مرزوق إلى إسرائيل، وطفنا السفارات العربية والإسلامية لوضع الجميع أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية، وناشدناهم بالتحرك معنا لحشد موقف عربي وإسلامي ضاغط يمنع تسليمه لإسرائيل، باعتبار أن د. أبو مرزوق هو رجل سياسي، وحسب القانون الدولي فإنه يتمتع بالحماية في بلد يُفترض أنه يُمثل قلعة العدالة والديمقراطية. بالطبع، كانت حركة حماس تبذل جهداً كبيراً لتعبئة الساحات العربية والإسلامية من خلال تواصلها بقيادات الحركة الإسلامية، التي تتمتع بنفوذ كبير في منطقة الشرق الأوسط. وقد نجحت التحركات التي قامت بها حركة حماس في أن تجعل قضية اعتقال د. موسى أبو مرزوق قضية رأي عام عربي وإسلامي، وأن أي مساس بحياته هو مساس بحياة كل عربي وكل مسلم. أمام هذه التغطيات الإعلامية الهائلة، والحراك السياسي الواسع، والتفاعل الجماهيري الكبير مع القضية، حيث كانت تصل د. موسى داخل سجنه في منهاتن مئات الرسائل - أسبوعياً - من داخل أمريكا وخارجها، إضافة للتهديدات الأمنية التي كانت تطرق أبواب وهواتف السفارات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، لم تجد إدارة الرئيس بيل كلينتون إلا ترحيله إلى الأردن وانهاء هذا الملف بالسرعة الممكنة.. ربما كان القرار الشجاع الذي اتخذه د. موسى بتقديم طلبٍ قانوني برفض الاستئناف وإصراره عليه - رغم اعتراض محاميه في البداية - هو الذي عجّل بقرار الترحيل إلى الأردن، لأن القرار وضع الإدارة الأمريكية في حرج كبير، إذ يتوجب عليها - حينئذ – بموجب القانون تسليمه لإسرائيل خلال 60 يوماً، الأمر الذي جعل نتانياهو يسحب طلب التسليم، لإبعاد شبح التهديدات التي توعدته بها كتائب القسام وحركة حماس إذا ما تم تسليمه لإسرائيل.. وجدت أمريكا نفسها مرة ثانية في وضع بالغ الخطورة والاحراج، مما دعاها للاتفاق مع المحامين حول عملية الإفراج عنه وترحيله بطائرة خاصة إلى الأردن. وفي الأردن استقبل د. موسى أبو مرزوق على المستويين الشعبي والرسمي، وحظي بإقامة مريحة للعمل داخل الساحة الأردنية، وقد فطن  الملك حسين مبكراً لهذه الورقة الرابحة "ورقة حماس"، فهيأ للحركة مسرحاً للعمل منه، حيث قامت الحركة بافتتاح مكتبٍ لها في العاصمة عمان، وظلت هذه العلاقة المتوازنة مع الملك حسين والنظام الأردني تتطور بشكل ايجابي، وقد شهدت محاولة اغتيال الأخ خالد مشعل؛ رئيس المكتب السياسي للحركة، تحركاً من قبل الملك لإنقاذ حياته، ونجحت التهديدات التي أطلقها الأردن في حال تعرض حياة الأخ (أبو الوليد) للخطر في جلب "الترياق - Antidote" من إسرائيل، وقد كان هذا الموقف للملك حسين (رحمه الله) موقفاً يستحق منا جميعاً الشكر والتقدير، إضافة لموقف الملك حسين بطلب الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين، وتوفير الخدمات العلاجية له في الأردن. عندما كنّا نحاول توسيط الملك حسين للإفراج عن د. موسى أبو مرزوق عبر علاقاته المميزة مع الرئيس الأمريكي كان يعدنا خيراً.. وفعلاً وافق الملك حسين على استقباله ضيفاً علي الأردن.. ومن الجدير بالذكر، أن هناك عدداً من الرؤساء والشخصيات العربية والإسلامية التي طالبت الإدارة الأمريكية والرئيس بيل كلنتون بالإفراج عن د. موسى أبو مرزوق، منهم الرئيس الراحل ياسر عرفات (رحمه الله) ورئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان (رحمه الله) وكذلك رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد. عندما عاد د. أبو مرزوق للأردن استقبله الملك في قصره ورحّب به في الأردن، وتمكنت حركة حماس من إقامة علاقات متميزة بالنظام الأردني، انتهت بوفاة الملك حسين (رحمه الله) وتتويج ابنه الملك عبدالله خلفاً له. بعد وفاة الملك حسين في فبراير 1999، خلفه على العرش ابنه عبدالله، وفي نفس العام، قامت أجهزة الأمن الأردنية بإغلاق مكاتب حركة حماس في الأردن وباعتقال قادتها باستثناء د. موسى، حيث تم إبعاده إلى دمشق، ولاحقاً أبعدت الإخوة خالد مشعل وسامي ناصر وعزت الرشق وابراهيم غوشة إلى قطر.  في عام 2001، كان لي لقاء مع د. موسى على هامش المؤتمر الأول لمؤسسة القدس الدولية في بيروت، والذي كنت أحد أعضائها المؤسسين، فيما كان د. أبو مرزوق رئيساً للهيئة التأسيسية ثم للجنة الادارية، وبعد ذلك انتخب رئيساً لمجلس الإدارة، وتم تكوين مجلساً للأمناء مع الشيخ القرضاوي والشيخ فيصل مولوي (رحمه الله). عندما غادرت الولايات المتحدة في منتصف عام 2004، استقرت بي الحياة في الجزائر، ومن هناك كنت أتردد على زيارة د. موسى في سوريا، حيث كنت انزل عنده ضيفاً لعدة أيام، أحظى فيها بما عُرف عنه من حُسن الاستقبال وكرم الضيافة والوفاء لإخوانه.. وكانت جلساتنا الطويلة التي نتبادل فيها الرأي والمشورة في كل مستجدات وضعنا الفلسطيني، وكذلك تطورات علاقاتنا الإقليمية والدولية.. وقد تعّود الرجل في كل زيارة نقوم بها لسوريا أن يستضيفنا في مزرعته بغوطة دمشق، حيث كان يجتمع على الغداء - الذي يُعدُّ في المزرعة - عدد من قيادات الحركة وكوادرها.. بعد الغداء، يتوزع الضيوف لممارسة هوياتهم الرياضية؛ إما بلعب كرة الطائرة أو السلة أو السباحة في البركة الخاصة بمزرعته. لا شك أن كل من تعامل مع د. أبو مرزوق فإنه يجد نفسه أمام شخص يتمتع بخلق عظيم، متواضع، سخيٌ كريم، عفيف اللسان، مشهود له بالفهم السديد والحكمة، استراتيجي في رؤيته وتحليلاته السياسية الداخلية والخارجية، تحترمه في أدبه الجم، وتقدره في حواراته وتناوله لأمور الدين والدنيا. عمق الرؤية والبصيرة السياسية لم يقتصر عمل د. موسى أبو مرزوق على رعاية أنشطتنا الطلابية وحراكنا داخل جاليتنا الفلسطينية من خلال العناوين والواجهات المتاحة، بل كان مسئولاً أول عن لقاءات الدائرة السياسية لنا في أمريكا، ولقد أسهم مع الإخوة سامي ناصر (أبو عبد الرحمن) والدكتور أكرم العدلوني (أبو الحارث) وآخرين في بلورة فكر حماس السياسي، واجتهدت من خلال موقعي بين الإخوة في إصدار العديد من الكتب والنشرات التي تتحدث عن حركة حماس باعتبارها حركة تحرر وطني براية إسلامية، وكان من بين هذه الاصدارات الكتب التالية: "حركة المقاومة الإسلامية: حدث عابر أم بديل دائم؟!"، تناولنا فيه حركة حماس من حيث الأهداف والاستراتيجيات والسياسات، وكذلك "حماس: بين آلام الواقع وآمال المستقبل" ..الخ أما النشرات التي كانت تصدر بشكل شهري وكنت أتشرف بالعمل مع د. أبو مرزوق على تحريرها، مثل: "السواعد الرامية"، و"السياسي: مفاهيم ومواقف"، إضافة للبيانات التي كانت تحض على مواجهة المحتل الغاصب وتدعو لاستمرار الانتفاضة، وكذلك مجلة (فلسطين الغد) التي كانت تغطي أحداث الانتفاضة ووقائعها، وتعمل على تعبئة الرأي العام وتحشيده لدعم نضالات الشعب الفلسطيني، وكسب تضامنه مع أهلنا في الوطن والشتات. لقد أثرى د. أبو مرزوق ساحتنا الإسلامية والفلسطينية على وجه الخصوص بنظرته الثاقبة للأمور، ومن خلال مشاركاته الواسعة في المؤتمرات التي يتم عقدها سنوياً، إضافة إلى الندوات والمناشط السياسية التي تحتضنها المراكز الإسلامية والجامعات، حيث كانت توجه له الدعوات للمشاركة فيها، وهي تمثل مصدر تحريك وإلهام لشبابنا الفلسطيني والإسلامي في الجامعات الأمريكية ووسط جالياتنا المسلمة، والتي يمثل الفلسطينيون في بعض الولايات والمدن الأمريكية حضوراً لافتاً فيها، أمثال: شيكاغوا ونيوجرسي وأناربر ..الخ لاشك أن د. أبو مرزوق كانت له بعض الملاحظات المنهجية على الميثاق، وقد طالب بإجراء بعض التعديلات عليه، وكذلك كانت له مقترحات من أجل تطوير البرنامج السياسي لحركة حماس في بداية التسعينيات، وكان من أول الداعين كذلك إلى دخول حركة حماس لمنظمة التحرير الفلسطينية، وشارك في اللقاءات التي تمت في اليمن والسودان لمثل هذا الهدف. لم يبخل د. موسى أبو مرزوق في تشجيع الجهود لإعادة توحيد الصف الفلسطيني الإسلامي، حيث شارك في محاولات جمع الصف بين حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، باعتبار أن الذي اختلفنا عليه في مطلع الثمانينيات - وهو توقيت المواجهة المسلحة مع العدو الإسرائيلي - انتهى ولا وجود له، حيث إن كتائب القسام وسرايا القدس هي التي تقود الآن صفوف المجاهدين، وأن مبررات استمرار الانقسام داخل الصف الإسلامي لم تعد قائمة.. صحيحٌ لم يتحقق لنا ما أردنا من توحيد التنظيمين لاعتبارات معينة، لكن ما نشهده على الأرض هو وجود تنسيق ميداني وتشاور مستمر بين المستويات السياسية والعسكرية في الحركتين. وفيما يتعلق بملف المصالحة الفلسطينية فإن الدينامو المحرك لها والباعث على الأمل فيها هو د. موسى أبو مرزوق، وقد شاهدنا من خلال لقاءاته مع السيد عزام الأحمد ممثل حركة فتح حيوية وانجاز منح الطمأنينة للشارع الفلسطيني بعد أن ظن البعض أن لا تلاقيا. إن د. موسى جريءٌ في قول كلمة الحق، ولم أشهد عليه مكابرة أو عناداً، وقد أعترف بوجود أخطاء شارك فيها الجميع أدت إلى ما وقع من أحداث دامية في يونيه 2007. وأيضا؛ عندما كانت تخرج تصريحات مغالية من بعض كوادر الحركة أو قياديها كان ينبري لها مصححاً الموقف. وتكفي هنا الإشارة إلى ما أوردته وكالة (قدس نت للأنباء) بتاريخ 19 يونيه 2012، والذي جاء فيه: "انتقد نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس د. موسى أبو مرزوق بشكل غير مباشر ما جاء على لسان رئيس الحكومة بغزة اسماعيل هنية، حين قال: "إن الحكومة قررت أن يكون الرابع عشر من حزيران (يونيو) عيداً للشرطة، في إشارة إلى ذكرى الحسم وتاريخ الانقسام وإحكام سيطرة حماس على قطاع غزة عقب اقتتالها مع حركة فتح، وكذلك الخطاب الذي ألقاه وزير الداخلية في حكومة غزة فتحي حماد في حفلة تخريج الفوج الأول من كلية الشرطة، حين قال: إنه لا مصالحة مع العلمانية، ولا مصالحة مع أحذية الاحتلال، وأن الصلح أولاً مع الله، ثم مع الجهاد، ثم مع المقاومة، ثم مع الشعب". ولم يسم د. موسى أبو مرزوق أياً منهما، مكتفياً بالقول: "يجب أن يعلم الجميع أن فلسطين لأهلها، وكل أهلها يجب أن يكونوا تحت سقف واحد وفي مركب واحد، فمصائبنا واحدة، ولا يفرق بين أبنائه رصاص أعدائه". ولفت في تصريح صحفي لصحيفة "الحياة" اللندنية إلى "تلاوين الشعب الفلسطيني المختلفة من مسلمين ومسيحيين، فقراء وأغنياء، إسلاميين وعلمانيين"، مشدداً على أن "كلهم وطني... ويجب أن تكون أولويتنا جميعاً تحرير الأرض وعودة الشعب". ودعا الى "تجنيب الخطاب الإعلامي للحركة ما يفرقها ... فيغرق المركب ويهبط السقف على رؤوسنا جميعاً". إن د. موسى أبو مرزوق مع أخيه المهندس خالد مشعل هما "صمام أمان" لحركة حماس، وسوف تشهد المرحلة القادمة بقيادتهما حراكاً محلياً وإقليمياً ودولياً يأخذ بسفينتنا إلى شاطئ الراحة والأمن والأمان. *مواقف لا تنسى فورت كولينز: مختار العائلةفي عام 1983، اجتمعنا مع عائلاتنا في مدينة فورت كولينز بولاية كولورادو الأمريكية، والتي تبعد عن (دينفر) أكبر مدن الولاية بحوالي 70 ميلاً. لم يكن أحدٌ منّا يمتلك سيارة خاصة لشراء مستلزمات البيت من السوق التجاري (Supermarket) الذي يقع خارج حدود الحي الجامعي. بالطبع، هناك شبكة من المواصلات العامة التي تربط الحي الجامعي بكافة المرافق الحيوية في المدينة، ولكن هذا يتطلب الانتظار ويحتاج – أحياناً - للكثير من الوقت. إن السيارة كانت عصب الحياة بالنسبة لنا، فاحتياجاتنا للتسوق (Shopping) من بعض الأسواق الشعبية على أطراف المدينة كانت ضرورية لنا من باب الاقتصاد والتوفير؛ لأن المنحة الدراسية كانت تكفينا بالكاد لدفع أجرة السكن والمصاريف المعيشية الأخرى، إضافة لحاجتنا للصلاة في المركز الإسلامي والذي كان يبعد عن الحي الجامعي بمسافة حوالي ثلاث كيلومترات. كان الأخ موسى أبو مرزوق (أبو عمر) هو الوحيد بيننا الذي يمتلك سيارة خاصة، حيث أسعفته حالته الميسورة في ذلك. في الحقيقة، كانت هذه السيارة هي بمثابة "سيارة العائلة"، التي نتحرك بها في كل طلعاتنا للتسوق أو التنزه أو الصلاة، وحتى عندما يسافر أحدنا إلى ولاية أخرى ويحتاج توصيلة إلى مطار دينفر الدولي. كان الأخ موسى بالنسبة لنا أشبه بمختار العائلة الإخوانية، والتي تجمع أكثر من ثمان عائلات من الإخوة الفلسطينيين الذين كنا نعيش متجاورين في مربع واحد من الحي الجامعي، وكنا نحاول تكييف حياتنا مع المنحة الدراسية التي تفرض علينا نوعاً من التقشف وحُسن التدبير. ومن أجل أن نضبط إيقاع حياتنا المعيشية مع منحتنا الشهرية المحدودة، اضطررنا أن نذهب أسبوعياً للتسوق معاً من المحال التجارية التي تبيع بالجملة، حيث كنا نشتري كل ما نحتاج إليه من الخضروات والفواكه، ثم نقوم بتقسيمه بيننا. في هذه الجولات التسويقية كنا نوفر الكثير قياساً مع أسعار المحلات العامة والدكاكين الصغيرة.. بالطبع، لم تكن هذه الأمور التسويقية لتتم لولا توفر سيارة "مختار العائلة" الأخ موسى أبو مرزوق. أتذكر أننا في إحدى المرات عقدنا العزم للذهاب إلى مزرعة للماشية تبعد عنا أكثر من 25 ميلاً، بهدف شراء عجل وذبحه على الطريقة الإسلامية، حيث كانت الشكوك كثيرة حول اللحوم المتوفرة في المحال التجارية، والمذبوحة بطريقة "الصعقة الكهربائية" أو التخدير بطلقة في الرأس، وهل هذا حلالٌ أم حرام..؟ لاشك كان حرصنا أن نأكل لحماً حلالاً دافعاً كبيراً لنا في جولتنا تلك،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الثلاثاء 23 مايو 2017, 8:21 pm

الوطن والرجل الرشيد : خالد مشعل كما عرفته .. د. أحمد يوسف

تعود علاقتي بالأخ خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إلى بداية الثمانينيات، حيث كان اللقاء الأول بيننا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1983، حين دعوناه إلى أحد المخيمات الطلابية التي كنا نعقدها باسم الاتحاد الإسلامي لفلسطين، للحديث حول مستجدات القضية الفلسطينية على المستويين الإقليمي والدولي.. ثم تتابعت اللقاءات بعد ذلك بأشكالها التنظيمية والفكرية إلى يومنا هذا. لقد كان انتماؤنا إلى حركة الإخوان المسلمين هو المظلة الحركية التي جمعتنا وعاظمت من ترابطنا خلال المسيرة التي امتدت على طول أكثر من ثلاثة عقود، كنّا فيها مرابطين على ثغور العمل الإسلامي من أجل فلسطين، التقينا في سياق هذا العمل في أماكن عدة وعلى أكثر من صعيد؛ ففي الولايات المتحدة، كانت هناك المؤتمرات الطلابية التي تنظمها سنوياُ لأبناء الجالية العربية والإسلامية منظمات مثل: الاتحاد الإسلامي لشمال أمريكا (ISNA)، ورابطة الشباب المسلم العربي (MAYA)، والاتحاد الإسلامي لفلسطين (IAP)، واللجنة الإسلامية لفلسطين (ICP). كانت هذه المنتديات بمثابة منابر فكرية للحشد والدعم الإعلامي والسياسي لفلسطين، كما أنها كانت فرصة للقاءات الموسعة بين أبنا الوطن الواحد وشخصيات قيادية - فكرية ونضالية - من خارج الساحة الأمريكية. كانت مساحات العمل ووجود الإمكانيات تسمح لنا – آنذاك - بخلق فضاءات متجددة للنشاطات الثقافية والإعلامية على مستوى القضية والجالية الفلسطينية في أمريكا. وفي طهران وبيروت والقاهرة والدوحة ودمشق كانت اللقاءات تتكرر بيننا في المؤتمرات والأنشطة الداعمة لنضالات الشعب الفلسطيني ومطالبه العادلة في الحرية والاستقلال. أكثر من لقاء على هذه المستويات جعلتني قريباً من الأخ خالد مشعل، ومنحتني الفرصة لمعرفته على المستويين الحركي والإنساني؛ فالرجل يتمتع بخلق دمث وحسٍّ وطني عال ومشاعر جياشة تجاه إخوانه وأبناء شعبه، وفيه من أدب التواضع ما يميزه – بجدارة – عن الآخرين. وعلى مدار أكثر من ثلاثة عقود عملنا معاً على مستويات تنظيمية مختلفة كنت أجد في الرجل نضجاً سياسياً يتطور مع السنين، مع فهم يتعمق في علاقاته الوطنية والإسلامية والدولية شهد أبرز تجلياته في العامين الماضيين، حيث أظهرت التصريحات التي أطلقها بعد توقيع حماس على ورقة المصالحة وإنهاء الانقسام المصرية في مايو 2011 رغبة صادقة لدى الأخ خالد مشعل في رؤية وقائع على الأرض تعكس هذه النوايا التي حملتها كل من فتح وحماس تجاه تطبيق ما جاء في الورقة المصرية. كذلك، فإن هناك جملة من المواقف التي عبّر عنها الأخ (أبو الوليد) والتي تتعلق بالعلاقة مع مصر، من ناحية وجوب تعميقها ومنح الثقة في الجهد المصري لترتيب علاقاتنا الفلسطينية – الفلسطينية والتشاور في كل ما هو استراتيجي، والإصغاء باحترام ومسئولية لما يفضي إليه الرأي والمشورة مع إخواننا في جمهورية مصر العربية، باعتبار أن مصر - ما بعد الثورة – أمينة على المشروع الوطني الفلسطيني، وهي دعامتنا وذراعنا الطويل في الحفاظ على حقوقنا وثوابتنا الوطنية، وتحقيق طموحات شعبنا في الحرية والاستقلال. وفيما يتعلق بالرئيس (أبو مازن) وحركة فتح فقد نجح الأخ (أبو الوليد) في إعادة بناء الثقة وجسور المودة للعلاقة المجروحة والمتوترة مع إخواننا في الحركة الوطنية، وخاصة بعد التفاهم على موضوع الشراكة السياسية مهما كانت النتائج التي ستأتي بها الانتخابات التشريعية القادمة. لقد تمكن الأخ أبو الوليد من جسر هوة الخلاف والنزاع التي كانت قائمة مع الرئيس (أبو مازن) وحركة فتح، والتحرك في اتجاه رؤية وطنية واحدة تجمع الصف الفلسطيني على آلية توافقية تضع المصلحة الوطنية العليا فوق أية اعتبارات حزبية أو فصائلية، وتقطع الطريق أمام التوجهات التي لا تحظى بإجماع وطني أو يُشتم من ورائها وجود أجندات ذات أبعاد لا تخدم السياق الوطني، وتبتعد عما يشكل الحد الأدنى للمطالب الفلسطينية في دولة على حدود 67 والقدس عاصمة لها، وحق اللاجئين في العودة إلى أرضهم وديارهم. لقد حظيت بشرف مشاركته اللقاء مع العديد من الشخصيات الوطنية والإسلامية والدولية، وقد شاهدت حجم الإعجاب بفكره السياسي ومواقفه الوطنية، فالرجل يتمتع برؤية ثاقبة لمجريات الأمور التي تعيشها المنطقة العربية وبأبعاد التحولات التي تمر بها، كما أن تقديراته لمسار السياسة الغربية ووعيه بما هو مطلوب من الجميع فعله لكي تستوي علاقات الطرفين بما يخدم الأمن والاستقرار والازدهار بالمنطقة يلحظه كل من يتابع حواراته مع من يلتقيهم من برلمانيين أوروبيين أو سفراء من الدول الغربية. لقد أشاد لي الكثير من الأوروبيين - ممن التقاهم الأخ أبو الوليد - بواقعيته وعقلانيته السياسية وحجته البالغة فيما يعرضه من رؤى وأفكار؛ فالرجل أظهر بتحركاته ومواقفه أنه بحق سابقٌ لزمانه (Ahead of his time). ملف المصالحة: الرؤية والهدف خلال أكثر من لقاء في دمشق والقاهرة تداولت معه أنا والأخ غازي حمد ملفات الوضع الداخلي، وأهمية الإسراع بإنهاء ملف الانقسام، حتى يتسنى لنا جميعاً توحيد الجهود لمواجهة مخططات الاحتلال الاستيطانية والعمل على تحرير الأسرى والمعتقلين، وحشد المواقف التضامنية في وجه الاحتلال والحصار.. لقد لمسنا تفهماً وإحساساً عالٍ بالمسئولية الوطنية، ووجدنا أن إيمان الأخ خالد مشعل بالمصالحة ينبع من المنطلقات والدوافع التالية: أولا) إعادة التأكيد على وحدة الوطن وإنهاء حالة الانقسام، فالمعركة الحقيقية هي مع الاحتلال، وهذا يتطلب تمتين الجبهة الداخلية وليس شرذمة الجهود السياسية وتشتيت الفعل المقاوم. ثانيا) استعادة قوة الزخم العربي والإسلامي لدعم القضية الفلسطينية إقليمياً ودولياً، حيث إن حشد التعاطف العربي والإسلامي وتفعيل التضامن الغربي مع الفلسطينيين يحتاج إلى جهد مشترك وصفٍّ مرصوص، فالتعبئة لا تجدي نفعاً مع شركاءٍ متشاكسون. ثالثا) تحقيق التوازن والعدل داخل مكونات الشعب الفلسطيني وهياكله السياسية، وأن ما نتوخاه من المصالحة هو أن تكون منصفة وحقيقية وذات مصداقية على الأرض؛ عادلة للجميع ونافعة للجميع. رابعا) الشراكة على أساس التوافق الوطني، فبالرغم من الخلاف السياسي داخل الساحة الفلسطينية إلا أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا، فنحن جميعاً عنوانٌ لهذه الأمة وأملٌ لها، ولهذا فإن المطلوب هو رؤيتنا – نضالياً - على قلب رجل واحد. التصدر السياسي: نباهة وفطنة إن من تابع الأخ (أبو الوليد) في تصريحاته ومواقفه خلال العاميين الماضيين يلحظ تحولا عقلانياً في لغة الخطاب السياسي يطلق عليه في الغرب اسم الواقعية السياسية (Pragmatism)، أي أنك تخرج من تحت عباءة المنطلقات وتفتح عينيك على واقع موازين القوى، وتعمل على تكييف أفعالك بما هو في حدود الإمكانات المتاحة لديك، ولا تطلق العنان لعقيرتك لممارسة القذف بالكلمات والتهديدات التي تمنح لأعدائك المبرر لعزلك واستهدافك، مع كسب دعم المجتمع الدولي وتأييده. إن جوهر المنطق الذي تحدث به الأخ أبو الوليد - سياسياً - لا يخرج عن الحقائق والثوابت التالية: 1- إن حماس لا تسعى للسيطرة والاستحواذ على مراكز السلطة، فهي مع الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، والقبول بالنتائج مهما كانت.. إن هناك حقيقة تفرضها العملية الديمقراطية في معظم الدول المستقلة وهي أن هناك من يحكم وهناك أيضا من يقوم بدور المعارضة، أما نحن فمازلنا تحت الاحتلال، وهذا يستدعي أن ندير شؤوننا بأسلوب ديمقراطي ولكن من خلال الشراكة السياسية. 2- إن من الصعب على أي طرف أن ينفرد بالحكم وحده، وقد كشفت تجربة السنوات الماضية – من خلال الممارسة – خطأ هذا الاعتقاد، حيث لا يستطيع أي فصيل مهما بلغت قوته تحقيق ذلك، وحماس اليوم تتطلع إلى النماذج التي أنتجتها الثورات العربية، حيث تقاسمت القوى الوطنية والإسلامية إدارة شئون الحكم بما يحقق العدالة والتنمية والاستقرار للجميع. 3- إننا نتطلع لدور أوروبي قادر على خدمة القضية الفلسطينية، كما نأمل أن يقوم الأوربيون بمراجعة موقفهم الذي ينظر لحركة حماس باعتبارها حركة إرهابية.! فنحن شعبٌ تحت الاحتلال، وحقنا في مقاومته مشروع بكل المعايير الدينية والأخلاقية والقانونية. 4- إن المنطقة العربية كان يتم النظر إليها كحاضنة للإرهاب والتطرف، اليوم هي صانعة الثورات، كما أنها تتحدث بلغة أكثر ديمقراطية من الغرب، وهذا يؤكد بأن الشعوب عندما تعطى حريتها وتمتلك قرارها ينشأ عن ذلك إبداع وتطور وتنمية وعدالة واستقرار. 5- أثبتت الشعوب العربية من خلال ثورتها أن ثقافتها إسلامية وأنها مع الهوية الإسلامية، كما برهنت على أن الدين ليس عنصر صراع وتوتر بل هو عامل لتحقيق الأمن والاستقرار. آمل ألا يتم تقييم الأمور في المنطقة من خلال منظار الرؤية الإسرائيلية الذي لا يرى في الإسلام إلا خطراً عليه وعلى مصالح الغرب الإستراتيجية في المنطقة. 6- إننا مع إجراء الانتخابات التشريعية كما توافقنا في مايو القادم، وليس لنا أي اعترض أو ممانعة من حضور أطراف دولية لمراقبتها وضمان نزاهتها، ونأمل أن يمارس الغرب الضغط على إسرائيل لعدم تعطيلها، وكذلك العمل على وقف اعتقال النواب وإطلاق سراح المعتقلين منهم. خالد مشعل والخيارات القادمة لا شك أن السنوات الستة عشر التي قضاها الأخ (أبو الوليد) في قيادة الحركة والحكمة التي أظهرها خلال تلك الفترة، بكل ما فيها من تقلبات محلية وإقليمية ودولية، جعلت الرجل يستحق وبجدارة موقع الصدارة لاستكمال مشروع الحركة ورؤيتها في التحرير والعودة. لقد كان لي فرصة الاستماع إليه وهو يعرض مسببات رغبته في عدم الترشح في الانتخابات القادمة، كان الأخ (أبو الوليد) يريد أن يعطي للديمقراطية فرصتها داخل مؤسسات الحركة، فسرمدية المناصب أصبحت خياراً غير مرغوب فيه، كما أنها تفتح المجال لمطاردات القيل والقال، والتغيير سمة هذا العصر، وأنه يريد أن يمنح الأخوة في الحركة فرصة للمنافسة والتجديد. قد يكون ما يطرحه الأخ (أبو الوليد) صحيح في كل أبعاده ودلالاته، وأن هذه الحركة العملاقة تستحق أن تقدم النموذج لباقي حركات العمل الوطني والإسلامي في الساحة الفلسطينية، والتي تعيش معظم قياداتها على رأس هياكلها التنظيمية إلى أن يدركها الزهايمر أو يغشاها ملك الموت. إن العملية الديمقراطية هي ظاهرة صحية، كما أن عمليات التغيير التي تحدثها داخل الأطر التنظيمية تقطع دابر التكلس والشللية وتعطل الإبداع.. فلاشك أن لكل قائد سنوات من العطاء يحتاج أن نمنحها له، ليستكمل مشروعه الذي عاهد الله عليه، وتحقيق الانجاز الذي وعد به، والذي يجعلنا نقول: "مرَّ.. وهذا الأثر". إن حركة حماس التي ترأس قيادة مكتبها السياسي - منذ انطلاقتها في ديسمبر 1987- الدكتور موسى أبو مرزوق ثم الأخ خالد مشعل قدمت إبداعات وطنية، جعلتها أمل الأمتين العربية والإسلامية، واليوم ونحن نتحرك باتجاه مسار صعب - وطنياً وإسلامياً - نحتاج فيه حقيقة إلى استمرار النهج الذي عليه الأخوين د. موسى أبو مرزوق والأستاذ خالد مشعل، فالمرحلة القادمة سوف تشهد تحولات هائلة على الصعيد الإقليمي والدولي، كما أن ساحتنا الداخلية سوف تنشغل بالانتخابات البرلمانية، وهذا كله يتطلب نوعاً من الاستقرار التنظيمي والحراك الشعبي لضمان الكسب المأمول فيها. سلوكيات رساليّة: الهديّة والكلمة الطيبة إن هناك ظاهرة يلحظها كل من يلتقي أو يزور الأخ (أبو الوليد) وهي وهج البشاشة والترحاب الذي يستقبلك به، والتي تعبر عنها – دائماً - ابتسامته العريضة وحرارة العناق.. ومع الصراحة والوضوح الذي يتجلى به حواره، تخرج حقيقة من النقاش بانطباعات أنك فعلاً تتحدث مع زعيم شعب يحمل همَّ الوطن على كاهله، فهو يتكلم باللغة التي تعبر بصدق عن الكل الوطني، بعيداً عن المفردات الحزبية أو التصريحات التي تثير الخلاف وتُعمّق الجراح .. بعد اللقاء يودعك الرجل بنفس الابتسامة والحرارة، وأحيانا تخرج بهدية تُذكّرك بحديث النبي (ص) "تَهَادَوْا تَحَابُّوا". لا أنكر أنني اختلفت مع الرجل في أواخر التسعينيات على خلفية اجتهادات جرت بعد اعتقال د. موسى أبو مرزوق في الولايات المتحدة، ولكن الرجل نجح بعد ذلك في استيعاب ذلك الخلاف، والحفاظ على علاقتنا الأخوية وكأن شيئاً لم يكن. أشهد للأخ (أبو الوليد) أنه ليس من ذاك النوع الذي إذا خاصم فجر، فهو ليس مزاجي الطباع، وصدره وسادة رحمة؛ فهو لا يحمل الضغينة ولا يحتفظ بالخصومة بل يضرب الذكر عنها صفحاً، وهو حريص على إخوانه وعلى وحدة الصف، ودائماً يبحث على إنهاء الخلافات قبل أن تجتاز عتبة بيتنا التنظيمي.إن الرجل يتمتع بكاريزما القائد الذي يُجيد التعامل مع إخوانه ومع غيرهم من القوى الوطنية والإسلامية. إن الأخ (أبو الوليد) يتميز بامتلاك مهارة كسب الأصدقاء، ويحتفظ - دائما - بخط الرجعة في علاقاته مع الآخرين، فلا يُسرف في الخلاف ولا يبتعد في المناكفة والجدل مع أحد، فهو يعتمد سيكولوجية إنسانية منطلقها حُسن التعامل بـ"إفشاء السلام وإطعام الطعام". وكما كنت أتمنى للسيد الرئيس (أبو مازن) بالقدوم إلى غزة - بعد توقيع حماس للورقة المصرية في مايو الماضي - باعتبار أن ذلك هو بمثابة الإعلان الرسمي لإنهاء الانقسام، فإنني كذلك دعوت الأخ (أبو الوليد) للقيام بهذه الزيارة كتدشين صادق للمصالحة، مع إحساسي بالمخاطر الأمنية التي ربما تكتنف ذلك. اليوم، أكرر التمني للسيد الرئيس (أبو مازن) والأخ (أبو الوليد) أن تكون محطتهما القادمة - بعد لقاء القاهرة في 2 فبراير - هي القيام بزيارة مشتركة لغزة، وكم ستكون هذه الزيارة تاريخية لو اصطحبا معهما الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد نبيل العربي. إن غزة الحزينة بحاجة اليوم - وأكثر من أي وقت مضى - لرسم ابتسامة عريضة على وجهها، تقطع الطريق على واقع الاحتلال الذي يتهدد وجودنا جميعاً، وتمنحنا القوة لحشد طاقات أمتنا للتصدي لمخططات المحتل الغاصب في تهويد مدينتنا المقدس وتهديد أقصانا الأسير. ختاماً.. لأخي (أبو الوليد) أقول: أنت صمام أمان لهذا الوطن، أحبتك حماس كما أن فتح اليوم آخذةٌ في التعود على حبك، والجميع يرى أنك تتحلى بالأمانة والمسئولية الوطنية، التي تجعلك في مقام القائد الذي تتعلق به أفئدة هذا الشعب العظيم، وتطالب باستمرار مسيرته لتحقيق طموحاتها في الحرية والاستقلال.. إنك - بحسب ما أقره مجلس الشورى العام – ما تزال تمتلك الحق في المنافسة لدورة ثانية.. إن قادم الأيام حُبلى بالتحديات والفتن، وقيادتك - أخي أبا الوليد - أهلٌ لمواجهتها والتصدي لها. أتمنى كإسلامي وحمساوي وكشخصية فلسطينية وطنية عاشت قريبة من الأخوين د. موسى أبو مرزوق والأستاذ خالد مشعل الحفاظ على نهج مسيرتهما بتثبيت ما هو قائم لدورة قادمة أو التأكيد على تداول القيادة بينهما.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الثلاثاء 23 مايو 2017, 8:22 pm

الشيخ أحمد ياسين في ذكراه القعيدُ الذي أَنهضَ أُمَّةً..!!..أحمد يوسف

توطئة 22 مارس 2004، كنت أتنقل بسيارتي مع أحد الصحفيين اللبنانيين في العاصمة الأمريكية واشنطن، وفجأة رن جرس الهاتف، وإذ بصديق يتصل بي ليخبرني بأن الشيخ أحمد ياسين قد تمَّ اغتياله للتو على إثر خروجه من المسجد عقب انتهائه من أداء صلاة الصبح.. أخذني الصمتُّ للحظات، ثم التفتُّ لمن بجانبي، وقلت: الحمد لله الذي أكرمه بالشهادة، لقد كان مريضاً وعلى فراش الموت، ولكن المولى (عزَّ وجلَّ) اختاره شهيداً ليرتفع ذكره في العالمين، وليكون مع النبيين والصديقين وحَسن أولئك رفيقا. استأذنت صاحبي بعد أن أوصلته للفندق، وعدت أدراجي - على عجل – للبيت، حيث كانت محطات التلفزة الغربية والقنوات العالمية كالجزيرة والعربية تنقل تفاصيل خبر الاغتيال، وتتوسع في رصد ردود الفعل الفلسطينية والإسلامية على الجريمة الإسرائيلية النكراء. لم يكن وقع الأمر هيّناً علينا نحن تلامذة الشيخ، ولكننا نعلم أن الساحة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أصبحت بيئة معادية للإسلاميين ولحركة حماس، وأن هناك من يترصد بنا، وأن أية إشارات أو فعاليات توحي بالتعاطف والانتماء سيتم تفسيرها لغير صالح وجودنا، الذي كانت عيون الأجهزة الأمنية (FBI) تتعقبه وترقبه، وستكون مدخلاً لاعتقالنا والزج بنا داخل السجون الأمريكية. اكتفينا بمشاعر الحزن والأسى نتبادلها عقب كل صلاة في المسجد التابع للمركز الإسلامي بحي (Fall Church) ولاية فرجينيا،  وقد جمعتنا مجالس البيوت نتهامس فيها كذلك بمواجعنا ودموعنا على شهيد أمتنا.. في الحقيقة، كنت سعيداً لاستشهاده لأنه نال ما عمل عمره من أجله، وهو "أن يلقى الله شهيداً عالي الرأس، وأن ينال أعلى درجات الشهادة".. كان الشيخ (رحمه الله) قد تجاوز الستين وهو يعاني من عدة أمراض مزمنة، حاصرت ما تبقى من جسده وقيدته، وكنا ندعو الله (سبحانه وتعالى) أن يرزقه الشهادة في سبيله، ليختم مسيرته الجهادية بذكرى "الشهيد البطل"، وكان أن منَّ الله عليه بذلك.. كانت دموعنا تنساب حباً وكرامة لأغلى شهيد، لن أنسى ما دبجته يدي من مقالات حول مسيرته الجهادية والدعوية والتربوية، والذي كان بعضها موضوع غلاف لمجلة "الأمل" التي تصدرها رابطة الشباب المسلم العربي (MAYA) بعنوان: "الشيخ أحمد ياسين: القعيد الذي أحيا أمة"، وكذلك مجلة "فلسطين الغد" الصادرة عن الاتحاد الإسلامي لفلسطين (IAP) والتي كانت صور الشيخ (رحمه الله) حاضرة  - دائماً – على صفحاتها الأولى. لن أنسى تلك الأيام والليالي من عام 1989، بعد أن غادرت قطاع غزة عائداً للولايات المتحدة الأمريكية لاستكمال دراسة الدكتوراه، حيث أشغلت الكثير من وقتي هناك بإلقاء المحاضرات والدروس، لتوضيح حقيقة ما يجري على أرض فلسطين من حراك شعبي في مواجهة المحتل الإسرائيلي الغاصب، وهو ما أطلقت عليه وسائل الإعلام اسم "الانتفاضة" الفلسطينية، وكذلك بالعمل على تأليف ونشر كتابين للتعريف بالشيخ المؤسس لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وبحركة حماس، كان الأول بعنوان: "الشيخ أحمد ياسين: الظاهرة المعجزة وأسطورة التحدي"، والثاني بعنوان: "حماس: حدثٌ عابر أم بديل دائم.؟". لم تكن المسيرة الحركية لجيلي من الشباب بالمشوار الهيّن والسعي المريح، بل كانت هناك محطات يجب المرور بها قبل الخوض في تفاصيل هذا الارتباط الوثيق بالحركة الإسلامية في منتصف العام 1968. المدخل: عبد الناصر والناصرية كنت في مطلع شبابي مولعاً بالرئيس عبد الناصر (رحمه الله)، ومسكوناً بالفكر القومي، لدرجة أنني كنت أحفظ ميثاق الثورة المصرية، وكنت في مادة التربية الوطنية للصف الأول الثانوي مرجعاً في الحفظ والتلاوة لكل ما أشكل على الطلاب من بنوده. في الحقيقة، كنت وشباب جيلي نعيش فلسطين وجداناً ونعمل من أجلها، ونحلم بالعودة القريبة إلى أرض الآباء والأجداد، ونتشوق – لحظة بلحظة - ليوم الزحف الموعود، والذي سوف تُقرع فيه طبول الحرب وتدق أجراس العودة.. كيف لا، ونحن الذين كنا نردد مع طابور كلِّ صباح نشيد: "عائدون.. عائدون، إننا لعائدون"، للشاعر الفلسطيني هارون هاشم رشيد. كنت في مرحلة الثانوية العامة أقرأ بلهفة كل ما يتعلق بالأدب العربي من شعر ونثر، والتهم كل ما تقع عليه يدي من تراثنا الأدبي ومن القصص والروايات العالمية، وكنت أجد متعة - تأخذ كلَّ وقتي - وأنا أقرأ للأديب الفرنسي فيكتور هيجو، والإنجليزي تشارلز ديكنز، والأمريكي أرنست همنجوى، والروسي ليو تولستوي.. كنت أجد - كذلك - قمة الإمتاع في مطالعة كتب التاريخ، وخاصة السّير والملاحم التي تتحدث عن بطولات الرجال كالزير سالم وأبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد، وكذلك الروايات التي تتناول التاريخ الإسلامي والتراث الإنساني، وأيضا تلك السردّيات المطولة التي تحكي قصة صعود وهبوط الممالك والحضارات. كنا شبابًا في الثانوية، وانخرطنا في العمل الوطني الطلابي بعد نكسة حزيران 1967، حيث أخذنا نعمل بهمة على توزيع المنشورات وتحريك التظاهرات، وكان حسّنا الوطني في كامل اليقظة والحذر.. حاولنا - في البداية - القيام ببعض أعمال التدريب والمقاومة داخل خلايا الحركة الوطنية، ولكنَّ الفراغ السياسي كان قاتلاً لغياب التوجيه والتعبئة.. كانت حالة الخيبة والإحباط قد استبدت بنا واستحوذت على مشاعرنا.. وكنا نعيش حالة حقيقية من الضياع والتشرد، حيث تلاحقنا الأسئلة: هل حقيقة أننا هُزمنا؟! هل ضاعت أحلامنا في التحرير والعودة؟! وهل فعلاً ضاع الرجا فين؟؟لم يُصدّق أحدٌ منا ذلك.. هل حقاً أن كل هذه الجيوش الجرارة لسبع دولٍ عربية والتي دخلت الحرب أو تداعت لها عجزت عن هزيمة هؤلاء اليهود شُذّاذ الآفاق؛ كما كانوا يصفون الإسرائيليين لنا في المدارس؟ كانت الأسئلة تتدافع دائماً على شكل تمتمات مع كل لحظة تأمل ونظر.. ولكننا لم نجد إجابات لكل ما نطرحه من تساؤلات؛ مشروعة أو غير مشروعة.  لم أكن أُصلي آنذاك، ولم أشاهد أحدًا من أسرتي - في ذلك الوقت - يصلي إلا جدتي، التي تجاوزت الستين من عمرها.. كانت الصلاة في ذلك الوقت يقتصر أداؤها على العجزة وكبار السن.. أما الشباب أمثالي فلم يكن الإيمان – بعد – قد سكن في قلوبهم، وكان الدين بعيدًا عن مربع حياتهم وأنماط سلوكهم؛ فراغٌ كُنا نمرح فيه بلا هداية، ونقتله بلعب الكرة ومشاغبات الشوارع، والقوي منا سواء بجسمه أو عائلته يعمل من نفسه "قبضاي" الحارة. سنة كاملة - بعد هزيمة 67 - عشتها حائرًا، تطاردني فيها الأسئلة، وتلاحقني علامات الاستفهام وخلوات التأمل والتفكير.. كانت الهزيمة نكسةً شلّت الأمة العربية والإسلامية، وهزت كياني وأربكته، وأجهضت كل قناعاتي بالناصرية وما أنتجته من ثقافة وطنية. الالتزام الإسلامي: صحوة ما بعد الصدمة بدأت الغشاوة تنجاب شيئًا فشيئًا عن عيوني، حيث بدأنا نسمع في أحاديث المجالس وحوارات الكبار أن ما وقع كان عقاباً ربانياً للمظالم التي اقترفها نظام عبد الناصر بحق الإخوان المسلمين، حيث جاء القصاص - سريعاً - على إعدام المفكر الإسلامي سيد قطب وستة من قيادات جماعة الإخوان المسلمين عام 1966، وكان أيضاً جزاءً لابتعادنا عن المساجد وما ارتكبناه من المعاصي والذنوب، حيث كانت السيئات في حياتنا تراكم السيئات، ولا يعرف الشباب طريقًا لجلب الحسنات. كان يسكن إلى جوار بيتنا في حي الشابورة عدد من مشايخ الإخوان أو "الإخونجية"، كما كان يُطلق عليهم في الحارة بغرض الاستهزاء وتشويه السمعة، وكانوا يتجمعون للصلاة أمام دكان (أبو حطب) في أوقات المغرب والعشاء.. قبل النكسة عام 1967، كنت أعرف أنهم كانوا يتعرضون لملاحقة رجال المخابرات (المباحث)، وأنهم كانوا يعدُّون عليهم الأنفاس، أما بعد مجيء الاحتلال فقد أصبحوا طلقاء... كان هؤلاء الإخوان أُناساً في غاية الطيبة والأخلاق الكريمة، وفيهم من صفات المروءة والكرم والمودة وحسن الجوار ما يفتقر إليه غيرهم حتى من الأخيار، وكنت أتساءل - بيني وبين نفسي - لماذا كانت كل هذه القسوة عليهم.؟ ولما يا ترى كان التصنت الفاضح على بيوتهم والمراقبة اللصيقة لهم؟ فنحن – كجيران - لم نشهد عليهم إلا كل خير وأمان.؟! ويأتيني الجواب ممن يسمع همسي: لأنهم من جماعة الإخوان المسلمين؛ لأنهم يقرؤون لسيد قطب والأستاذ محمد قطب ويسيرون على نهج الشيخ حسن البنا وخطى الشيخ محمد الغزالي.!! لفتت هذه الأسماء سمعي وبصري، وأخذت أفتش عنها.. حصلت على بعض أجزاء من تفسير الأستاذ الأديب سيد قطب "في ظلال القرآن"، وكتابه الشهير"معالم في الطريق" وكذلك كتاب "التصوير الفني في القرآن"، ثم جلبت بعض كتب المفكر الإسلامي محمد قطب: "التطور والثبات"، و"جاهلية القرن العشرين"...الخ، وقد شدني إلى الشهيد سيد قطب (رحمه الله) لغته الأدبية الغنية بأناقتها، حيث لم أكن أفهم – آنذاك – أبعاد رؤيته عن المجتمع والدولة وفكره الحركي ومنطقاته البنيوية، ولكنني كنت أتذوق بمتعة مفرداته اللغوية والصور البيانية الساحرة التي كانت ترسمها كلماته.. وكلما انتهيت من قراءة كتاب أجدني مشدودًا أكثر لجارنا الحاج محمود محسن (أمدَّ الله في عمره)، وهو من قدماء الإخوان المسلمين وأخلصهم.. كان الرجل تاجراً ميسور الحال نسبيًا، وصاحب فضلٍ على الجميع، ويده في الخير والإنفاق ممدودة بسخاء، اقتربت منه أكثر، وأصبح الرجل مصدرنا في الحصول على كل ما نريد من كتب الإخوان المسلمين.. وبدأنا نحن الشباب - الملتزمين إسلامياً - في المدرسة نتداول بعض ما نقرأ ونتحاور فيه. بعد أن امتلأت أوداجي ثقافة دينية وفكراً إسلامياً، وأصبح المسجد ركناً يتجمع فيه بعض أصحابي، سعيت لتعلم الصلاة.. في البداية، مارستها بعيداً عن أعين الناس، حيث كنت ألجأ إلى إحدى البيارات بأطراف المخيم، وأقرأ من كتاب "تعليم الصلاة"، محاكياً ما كنت أشاهده من صور وحركات، ثم بدأت أقرأ القرآن، وتجرأت – بعد اتقاني للصلاة – في الذهاب إلى المسجد.. من هناك، من جانب المحراب تقاربت أكثر مع جارنا الحاج محمود (أبو محمد) وبعض زملاء الدراسة الذين مروا بنفس تجربتي. وجاء من أقصى المدينة رجلٌ يسعى في إحدى الأيام من عام 1968 ظهر في بلدتنا رجل يتحرك على قدميه بصعوبة بالغة، وجلسنا يوم الجمعة في بهو مسجد "الهدى" نسمع له، كان مشلولاً ولكنَّ صوته وهمته وروح دعابته لا تُعبّر عن حال رجلٍ عاجز، بل عن شخصٍ واثق الخطوة يمشي ملكًا. بعد الصلاة في المسجد، دعانا جارنا العزيز الحاج محمود للجلوس - في بيته - مع هذا الرجل الغامض؛ الشيخ أحمد ياسين، الذي ما التقينا به واستمعنا له إلا ازددنا تعلقًا به، وغدونا ننتظر قدومه - بعد ذلك - بكل حماسة وشوق. على مدار سنة كاملة، ونحن نلتقي معه في "أسرة مفتوحة" كما أعتاد الأخوة على تسميتها، إذ لم نكن نعلم - حينذاك - بأن هناك تنظيماً للإخوان المسلمين في قطاع غزة.. وبعد أن تكاملت مداركنا الفكرية والحركية والأمنية داخل الأسرة المفتوحة، كانت البيعة للجماعة والالتحاق بالتنظيم.. كنا بمثابة الرعيل الأول من جيل الشباب، وكنا "أول قطفة تنظيمية" في مدينة رفح وربما على مستوى القطاع، وأتذكر من الأسماء التي شكلت الطليعة الأولى لذلك الجيل كل من الأخوة: د. موسى أبو مرزوق، ود. فتحي الشقاقي (رحمه الله)، والأستاذ إبراهيم معمر (رحمه الله)، والقاضي إبراهيم أبو مر، والمهندس توفيق أبو عيادة، والأستاذ جمال أبو هاشم، والمهندس عيسى النشار، والدكتور فؤاد النحال، والأستاذ إبراهيم المشوخي، والأستاذ عيسى الأسمر، والأخ إبراهيم علوان، والأستاذ سعد المغاري... وآخرون لم يكتب الله لهم الاستمرار معنا في المسيرة، وانخرطوا لاحقًا في حركة فتح، وصار لبعضهم موقع وقرار مثل: العميد حمودة جروان (رحمه الله) والمستشار خميس أبو ندا.كنا نخرج لصلاة الصبح ونحرص على صلاة المغرب والعشاء في مسجد الهدى.. تعودنا على لقاء الشيخ أحمد ياسين كل أسبوعين تقريبًا في بيت جارنا الحاج محمود، والذي كان جواداً كريماً لم يبخل يوماً عن تقديم وجبة غداء دسمة احتفاءً بضيفه الشيخ ومريديه من الشباب. كانت لقاءات الشيخ ودروسه وخطبه بالمساجد هي الزاد التربوي لنا، ثم بدأنا نقرأ بتعمق في الكتب الدينية حتى استوت مداركنا الفكرية على ساقيها، وأصبح بعضنا فيما بعد ناشطاً في مجال الفكر والدعوة والعمل الجهادي  . الشيخ أحمد ياسين: عنوان الجهاد والشهادة من خلال سنوات التزامي بالحركة الإسلامية، والتي قاربت على عقدها الرابع، تعلمت من أحداثها ووقائعها الكثير، واستقيت منها دروسًا وعبرًا لا تُحصى، كما أن زخم التجربة التي مررت بها، والتي حملتني سنواتها الطويلة إلى بلاد وأقطار متباعدة، كان لكل محطة منها بصمةً على حياتي، سواءً أكانت هذه البصمة أخلاقية أو سياسية أو إنسانية أو حركية.. ولكنَّ مجموعها شكّل تكاملاً للمعاني والقيم التي أسهمت في تشكيل شخصيتي، فحصاد التجربة لم يكن هشيماً تذروه الرياح، بل وقفات وحكمة وإمعان نظر لكل ما يدور حولي من أحداث تستدعي - في أغلب الأحيان - إلجام نزوات العواطف ببصيرة العقل والنظر، والتريث حتى لا تبدو الخطوات قفزًا في الهواء، أو مراوحة في المكان، وإعطاء مساحة للزمن حتى تنضج عتمات الليل، وتصبح العين قادرة على تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. لقد تعلمت في شبابي من أستاذي شهيد الأمة الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله) الكثير من الشيم والمعاني والمُثل كالصبر والمصابرة، وبسط اليد وابتسامة الوجه واستيعاب الآخر.. تلك الخصال شكلت رصيداً لي خلال مسيرتي الدعوية والجهادية والفكرية التي بدأت أميالها الأولى بعد عام واحدٍ من النكسة في مخيم الشبورة برفح، ثم ارتحلت ظلالها معي إلى الضفة الغربية وتركيا ومصر عبر مسيرة تعليمية امتدت لسبع سنوات، سافرت بعدها إلى الإمارات ومنها إلى أمريكا حيث الدراسة والعمل، ثم في مهمة إنسانية وإعلامية إلى أفغانستان، حيث كان اللقاء بالكثير من قيادات الجهاد هناك من العرب والأفغان: كقلب الدين حكمتيار، والشيخ عبد رب الرسول سياف، والشيخ أحمد العسال (رحمه الله)، والشيخ عبد الله عزام (رحمه الله) والذي عرفته على مدى عشرة أعوام مجاهداً ربانياً، له وجه صحابي جليل، وكان كلما رأيته تذكرت - دائماً - شيخي وأستاذي الشهيد أحمد ياسين؛ كتلة من الهمة والنشاط والروحانية العالية، ثم كانت الجزائر المحطة الأخيرة في رحلة الغربة عن الوطن، حيث تسنى لي التعايش مع قياداتها في المهجر والعيش مع أهلها وفي ربوعها بعد انتهاء أزمتها الدموية ومحنتها الوطنية، وقد التقيت هناك من رجالاتها من كان يذكرني بشيخي الشهيد أحمد ياسين، ومن كان يطلب منيِّ من شبابها أن أحدثه عن جهاد الشيخ أحمد ياسين. لقد طافت قدماي بلاد العرب والعجم، ولكن الشخصية النموذج التي استحوذت ملامحها وحراكها على منطقنا في الفعل والخطاب هي ذلك الشيخ القعيد الذي كان بحق "الظاهرة المعجزة وأسطورة التحدي". لن أنسى تلك الكلمات التي قالها لي مطلع عام 1988، حيث كنت أنقل له رغبة إخوانه في تنظيم بلاد الشام وجهاز فلسطين، بضرورة العمل على تهدئة الأوضاع خشية أن تفلت الأمور ويصعب التحكم بها، حيث إن تداعيات الانتفاضة إذا استمرت في التصعيد قد تبلغ كلفة مادية يصعب توفيرها لضعف إمكانيات التنظيم وتوجسات الأنظمة بالمنطقة.. بعد وقفة تأمل حملت نظراتها - مع قسمات وجهه - علامات الاستغراب والاستنكار، قال لي: "يا أخ أحمد.. يمكنك أن تقول لإخوانك بأن هذا أمراً قد اتخذنا قرارنا فيه، ولا رجعة عنه، ولهم إن شاءوا أن يمنحونا الدعم بالقدر الذي يستطيعون، ونحن من جهتنا لن نشق عليهم، ولن نكلفهم ما هو فوق طاقتهم.. هذا ما نَأمله منهم ونرجوه.. وإذا آثروا غير ذلك، فلنا عليهم حق الدعاء لنا بظهر الغيب. إن هذه الانتفاضة سوف تمضي – بإذن الله - حتى تبلغ غايتها، ولقد عقدنا العزم على ذلك". شعرت بالحرج الشديد وحاولت البحث عن تفسير يخفف من وطء الرسالة، ولكن دون جدوى.وكان للشيخ ما أراد، واستمرت الانتفاضة تعمل على استنهاض الحالة الفلسطينية وإحياء ثقافة الجهاد والمقاومة، حتى كانت "كتائب القسّام" وضرباتها التي جعلت الاحتلال يعيد حسابات بقائه على أرض قطاع غزة. مضى شيخنا المجاهد شهيداً إلى ربه في فجر يوم الثاني والعشرين من عام 2004، وفي صيف 2005 حمل الاحتلال عصاه ورحل عن أرض العزة. لقد أدى الشيخ الأمانة، فكان وطناً في رجل، أحبه الجميع؛ أحبته فتح كما أحبته حماس فكان رمزاً لكل فلسطين، احتضنه كل من عرفه من قيادات العمل الوطني والإسلامي وطبع الشهيد ياسر عرفات (رحمه الله) قبلة على جبينه، لتحمل للأجيال رسالة واحدة: "أبو عمار علمنا.. أحمد ياسين علمنا.. نموت وتحيا فلسطين". ختاماً.. يمكننا - نحن المريدين - القول بفخر أنه كان لنا شيخاً لم يؤت سعة في العلم والمال، ولا بسطة في الجسم والحال، كان مشلولاً معدماً يحاصره الفقر والصقيع والعيال، ولكنه كان عظيماً في إيمانه وأحاديث لسانه، أيقظ أمة من سباتها، وبنى حركة إسلامية تخطى محيط أعضائها وأنصارها والداعين لها - في بضعة عقود - أسوار الوطن، لتحتضن حواضرنا العربية والإسلامية نشاطات دعاتها ومفكريها، وكان - بحق - مدرسة لبناء الرجال وهندسة الفكر والرؤية، كان سابقاً لزمانه في اجتهاداته ومبادراته وعلاقاته الإنسانية مع الناس. رحم الله شيخنا المجاهد الشهيد أحمد ياسين، وأسكنه فسيح جناته، وجعلنا على دربه من الشاهدين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الثلاثاء 23 مايو 2017, 8:23 pm

ياسر عرفات: في ذكراه.. الوطن وكاريزما الزعيم.

يبقى ياسر عرفات (أبو عمار) في الذاكرة الفلسطينية هو العنوان الأبرز لمنظمة التحرير الفلسطينية وللنضال الوطني الفلسطيني، وأيضاً للفضاء العالمي لفلسطين داخل أروقة السياسة ومحافلها الدولية، لقد وضع الرئيس أبو عمار (رحمه الله) فلسطين على خريطة الجيوبولتيك العالمي، بالرغم من كل المحاولات الإسرائيلية لطمس القضية وتظهير الحالة الفلسطينية وكأنها إشكالية لا تتجاوز وضعية "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"..!!لقد تحرك أبو عمار مبكراً من أجل القضية، ففي أواخر الخمسينيات أي عام 1958، شرعت بعض العناصر الإسلامية - بالتنسيق مع ياسر عرفات – في الدخول على خط تنظيم الإخوان المسلمين بمنطقة الخليج العربي، وذلك بهدف تشكيل حالة نضالية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ولكن التوجّس والخوف من اعتراض النظام الرسمي أو عدم ترحيبه بهذه "الحالة النضالية" جعل الإخوان يترددون في التعاطي مع المبادرة، ويسجلون تحفظهم عليها.استمرت جهود هذه الطليعة - التي كان يقودها الأخ ياسر عرفات - في العمل لتسويق الفكرة عدة سنوات، حتى وجدت لها العدد الكافي من الأنصار، وآلية الدعم والمناصرة فلسطينياً وعربياً، فانطلقت فتح في مطلع عام 1965، ثم كانت قيادتها لمنظمة التحرير في 1968، حيث تمَّ انتخاب أبو عمار رئيساً للجنة التنفيذية، وبدأ في جهود حشد الاعتراف العالمي لها.  في الحقيقة، لقد جعل (أبو عمار) للفلسطينيين عنواناً وهوية، وحالة انتماء تجذرت وفاح شذاها مع عطر دم الشهداء والجرحى ونسمات المعتقلين والأسرى.لقد كان أبو عمار - سواء اتفقنا أو اختلفنا معه - بطلاً قومياً، ونموذجاً في الوطنية والتضحية والفداء، كانت له سلوكيات الأب الحاني الذي يصول ويجول داخل حارات المخيم ويجالس ساكنيه ويمازحهم، ويكفكف بعطفه دموعهم، ويربت على أكتاف الجرحى ويقبل رؤوس الشهداء ويغبر أقدامه في وداعهم، ويسقي بدموع عينيه مدافنهم وآثارهم.كان أبوعمار إنساناً في مشاعره وأحاسيسه، يرعى أبناء الشهداء وأسرهم، ويحفظ لهم العهد.. كان جواداً كريماً، يمنح – دائما - بسخاء من لا يخشى من ذي العرش إقلالا.أبو عمار - اتفقنا أو اختلفنا معه - يبقى رمزاً وطنياً، أحببنا فيه الوطن، وقدّرنا فيه إخلاصه لقضيته وشعبه، وكنّا – ونحن شباب - نشاهد ابتساماته العريضة التي تغرس فينا الأمل بقرب تحقيق حلم العودة وقيام الدولة الحرة المستقلة..لله درّك يا أبا عمار.. كم تجاوزت المصاعب والعقبات، حتى أطلق بعضهم عليك لقب "الزعيمُ ذو السبعة أرواح".لقد نجحت في كسب الدعم العربي والإسلامي لقضية فلسطين ولثورتها وتوفير الإغاثة لشعبها.. لقد فتحت لك العواصم العربية والغربية أبوابها، فكنت دائم الحضور لتأكيد عروبة فلسطين ومظلومية أهلها.. لقد جعلت المجتمع الدولي يعيد إلى طاولة النقاش كل الملفات التاريخية الخاصة بفلسطين، على أمل الاستدراك وإعادة العدل إلى نصابه.. كنت تتطلع – يا أبا عمار - إلى أمة عربية وإسلامية تنصرك وتنتصر لقضيتك، ولكن الرسميّة العربية كما الإسلامية خذلتك، كما خذلتنا جميعاً.لم تكن الثورة بلا أخطاء، بل كانت الممارسات الخاطئة تلاحقها، حاول أبا عمار إمساك العصا من المنتصف بهدف إنقاذ الثورة وتطوير قدراتها، ولكن رهاناته على النظام العربي أوقعته في دائرة التناقضات والصراعات.. من هنا، بدأت رحلة التيه والحيرى..لم تكن المسيرة سهلة على القائد والزعيم، إذ حاول - بذكائه السياسي - أن يكسب الجميع، فقبّل رؤوس الرسميات العربية وعانقها جميعاً كرمال عيون فلسطين، ولكن الشقاق القائم داخل الصف العربي كان أكبر من أي جهد لأبي عمار، حيث تشرذمت ساحة العرب، وغدت  صفوفهم  شيعاً وأحزاباً.. فالرسميات العربية كانت – للأسف - مجرد بيادق لها أسيادها ومساراتها المحظورة، التي جعلت سفينتك تلاطم الموج وحدها في بحر الظلمات.استدرجوك إلى مدريد وأوسلو وكامب ديفيد لينتزعوا منك حقوق شعبك وثوابته الوطنية، ولكنك كنت الأوعى فلم ينالوا من عزيمتك.. لاشك أن بعضهم حاول خداعك وتضليلك والتدليس عليك.بعد غزو الكويت، كثرت عثرات العرب، وانعكست آثارها السلبية على القضية الفلسطينية، والتي شاهدنا كيف انجرَّ العرب إلى مؤتمر مدريد للسلام في بداية التسعينيات، وبدأ البعض منهم في تطبيع العلاقة مع إسرائيل.. ثم تلاحقت الانهيارات تحت عناوين واتفاقيات كان الفلسطينيون فيها هم الخاسر والضحية.مشوار طويل  قطعه (أبو عمار) من أوسلو إلى كامب ديفيد إلى الحصار داخل المقاطعة في رام الله .. لن ينسى شعبنا صمود (الختيار) ومواقفه التي كانت تتحدى إشارات التهديد بالموت والحصار... لم تلن له قناة، ولم تنكسر له عزيمة، وظلت ابتسامته أو غضبته تحرك فينا الأمل وتعزز من صمود شعبنا ورفضه لكافة أشكال الاحتلال.كم كانت قامتك عالية يا أبا عمار، وكم كان حبك لهذا الشعب (شعب الجبارين) كما كان يحلو لك وصفه انسجاماً مع النص القرآني: "أن فيها قوماً جبارين".لم يقل التاريخ كلمته بعد يا أبا عمار.. وإن كنّا على قناعة بأن صفحاته سوف تنصفك، لأن محبتك تسكن قلوب شعبك في الوطن والشتات.اللقاء في واشنطنعندما اعتقل د. موسى أبو مرزوق مسؤول المكتب السياسي لحماس في أمريكا عام 1995، تحركنا نحن أبناء الجالية الإسلامية للدفاع عنه والعمل لإطلاق سراحه، وكنت أحد المسئولين عن هذا الملف.وعندما جاء الرئيس ياسر عرفات لزيارة واشنطن واللقاء بالرئيس بل كلينتون في عام 1997 طلبت لجنة الدفاع عن د. موسى أبو مرزوق اللقاء به، فرحب بلقائنا وذهبنا اليه بعد أن أنهى جلسته مع الرئيس الأمريكي، وسهرنا الليل معه نتحدث عن ظروف اعتقال د. أبو مرزوق والمطلوب بذله فلسطينياً من أجل إطلاق سراحه.. وعد الأخ أبو عمار بذل كل الجهد لضمان عدم تسليمه لإسرائيل، والعمل مع الأمريكان لإطلاق سراحه.. كانت سهرة طويلة قضيناها معه، وكان فيها يبدو بكل حيوية الشباب.. لم يخذلنا (أبو عمار)، إذ لم يمكث د. أبو مرزوق بعد ذلك طويلا، حيث قامت الإدارة الأمريكية بترحيله للأردن، وغلق هذا الملف.أبو عمار والشيخ احمد ياسين لن تنسى الساحة الإسلامية والوطنية مشهد الزعيم (أبو عمار) وهو يطبع قبلة على جبين الشيخ احمد ياسين، كانت الرسالة التي التقطتها العيون أن جوهر العلاقة بين فتح وحماس هي: "إن اختلاف الرأي والموقف لن يفسد الود والمحبة بيننا".لم تتوقف محاولات (أبو عمار) ومساعيه لكسب حماس إلى جانبه أو وضعها – إن أمكن - تحت عباءته.. ولما تعذر ذلك عليه، حافظ أبو عمار على علاقة متوازنة معها، ولولا تجاوزات الأجهزة الأمنية في عام 96 لظلت صفحات العلاقة بين فتح وحماس في منسوبها السياسي المعقول.لم تنقطع حالة التواصل بين الزعيم (أبو عمار) والشيخ احمد ياسين، وظلت شعرة معاوية قائمة على أصولها.. وبين حكمة الرجلين، تعايشت فتح وحماس فكانت المقاومة الإسلامية تحظى بمساحات واسعة من التشجيع وغض الطرف عن عملياتها، حيث إن أبا عمار كان يفقه لغة الحرب والسياسة، ويحاول بذلك المزاوجة بين المقاومة والمفاوضة، باعتبار أن الأولى هي وسيلة قوية لتحسين شروط التفاوض على طاولة الحوار.رحمك الله يا أبا عمار.. فستبقى ذكرى استشهادك ذاكرة وعنواناً لجهاد شعبنا ونضاله في وجه الاحتلال، حتى تحقيق الحرية والاستقلال.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الخميس 25 مايو 2017, 11:03 pm

د.أحمد يوسف يوجه رسالة مفتوحة إلى قيادة حركة حماس

غزة: وجه القيادي في حركة حماس الدكتور أحمد يوسف رسالة الى قيادة الحركة ، متناولاً خلالها تحديات المرحلة والاستجابة المطلوبة، مرراً نصحه للحركة من واجب وضمير المنتمي والحريص على دورها المركزي والحيوي في حياة الشعب الفلسطيني.
 وعنّون د. أحمد يوسف رسالته التي وصلت (أمد للإعلام) بـ "رسالتي الى أخواني في قيادة حركة حماس":
"كنت دائماً ولا أزال الأبن الوفي لهذه الحركة الإسلامية منذ أن تفتحت عيوني على عهد الالتزام بها، وقد توسدت الكثير من مناصبها القيادية في الداخل والخارج، ولم يتوقف قلمي عن الكتابة فيما اعتقد أنه رؤى استراتيجية لها، وهذا ما كان عبر أكثر من أربعة عقود من الحراك في المواقع القيادية المختلفة، وعلى مساحة تزيد عن ثلاثين كتاباً تمَّ نشرها باللغتين العربية والإنجليزية.
نعم؛ نحن عرفنا حركة حماس أكثر من غيرنا، حيث تربينا في أحضانها، وترعرعنا مع قياداتها، وكنَّا من وإلى جانب صُنَّاع القرار فيها، ونعرف أن هذا الأسلوب من النصيحة والخطاب لا يضيرها ولا يعكر صفوها، فهي حركة شورية ولها مؤسساتها ومرجعياتها الحركية التي نعتز بها، وهذا ما يمنحنا الاطمئنان والثقة بها، ويشجعنا على المجاهرة بما نعتبره فصل الخطاب.
إننا كإسلاميين نواجه مرحلة حساسة، وظروفاً سياسية وأمنية واقتصادية صعبة، وأوضاعاً حُبلى بالمخاطر والتحديات، وهي تفرض علينا أن ننصح لقيادة هذه الحركة بكل مستوياتها، وأن نضع النقاط على الحروف، حتى ولو كانت هذه العملية موجعة، وتستدعي الحيطة والحذر.
إن حركة حماس هي تاريخ من الفخر والإنجاز، وصفحات مشهودة من الدم والشهادة، وسيرة عطرة من البطولات والأمجاد، ولا يُخشى عليها من إشارات نقدمها في ثوب النصيحة، وبأمل التسديد والمقاربة، فإن وجدوا في ذلك خيراً أخذوه، وإن مرُّوا بكدرٍ تركوه.
وفي هذا السياق، فلعلي كنت من بين المبادرين الذين أشاروا على قيادة حركة حماس والأخ خالد مشعل؛ رئيس المكتب السياسي السابق للحركة، بضرورة وضع رؤية سياسية وبرنامج وطني يمثل المرجعية لخطابها الحركي والسياسي، حيث إن هناك - للأسف - غياباً في وحدة الخطاب وتبايناً في زوايا النظر، مما يترتب عليه إشكالية قائمة في وحدة القناعة والفهم، وتعددية في لغة خطابنا السياسي، الأمر الذي أدى إلى تعقيد علاقتنا بالآخرين من أبناء جلدتنا من ناحية، ومن نظرتنا للصراع ومقارباتنا من الآخر الذي يشاركنا الرؤية والبندقية؛ فنحن كلانا يتطلع للتحرير وقيام الدولة الفلسطينية، ولكننا نمضي على خطوط تبدو للبعض متشاكسة ومتعاكسة!!
قبل عقد من الزمان كتب أخي د. غازي رسالة إلى قادة حماس تضمنت مخاوفه ونصائحه إلى إخوانه في الحركة، وكان من بين ما جاء فيها تلك الكلمات: " ليس مطلوباً من حماس أن تتنازل عن حقوق وثوابت القضية، بل مطلوب منها شيئان: رؤية استراتيجية واضحة، وقدرة مرنة في التكتيك والمناورة السياسية".
الحمد لله، تحقق المطلب الأول بهذه الوثيقة السياسية الجديدة، ويبقى المطلب الثاني والذي نأمل أن نرى مفاعيله على الأرض مع إخواننا في القيادة السياسية، التي تمَّ انتخابها مؤخراً على رأس المكتب السياسي للحركة في الداخل والخارج.
استشراف المستقبل: رؤية مبكرة
في عام 2012 التقيت والأخ د. غازي حمد أخانا العزيز خالد مشعل في دمشق، وجرى بيننا حديث طويل وصريح حول خطورة النهج الذي عليه الكثير من كوادر الحركة وبعض قيادتها في نظرتها وطريقة تعاملها تجاه الشريك الفلسطيني، وضرورة أن تكون هناك توجهات إيجابية نحوهم على مستوى الفكر والممارسة بحيث تتفهمها الكوادر كما القيادات، حتى لا يكثر المغردون خارج السرب طوعاً أو كرهاً. وعدنا الرجل خيراً، ولم يكن أمامنا إلا الانتظار.
وفعلاً؛ وقبل أن يغادر موقعه كزعيم للحركة ورئيسٍ لمكتبها السياسي، جاءت هذه الورقة السياسية الجديدة؛ باعتبارها "خارطة الطريق"، التي ترسم لنا كأبناء لهذه الحركة معالم الرؤية والفهم، والأهداف التي نصبوا إلى تحقيقها.
كان الغرض من هذه الوثيقة الجديدة – حقيقة - هو تصويب ما ورد في ميثاق 1988 من مسائل ومفاهيم، لم تكن – قبل ثلاثين عاماً - بالنسبة للشارع الفلسطيني أو نخبه الفكرية موضع حوار أو جدل، ولم تكن تشكل أزمة في الخطاب السياسي لحركة حماس، وجاءت في سياق أوضاع كانت فيها الانتفاضة الفلسطينية هي الفعل والهمِّ اليومي لقيادة الحركة، بعد انطلاقتها المباركة في نهاية الثمانينيات.
استغلت إسرائيل (الدولة المارقة) بعض البنود التي وردت في ذلك الميثاق بطريقة خبيثة، حيث قامت بإظهار حركة حماس بأنها حركة عنصرية ومعادية للسامية والقانون الدولي، وظلت تعزف على وتر أنها حركة إرهابية!!. أدت عملية التحريض والتشهير والتشويه التي قامت بها الماكينة السياسية والإعلامية لدولة الاحتلال إلى وضع حركة حماس على قائمة الإرهاب الأمريكية عام 1996، ثم على قوائم الإرهاب الأوروبية في سنة 2001.
إن ما جاءت به هذه الوثيقة السياسية الجديدة والصادرة في مايو 2017 هو تقديم رؤية معدلة، وتسويق طرح ينسجم مع خطاب الحركة منذ أن دخلت مربع الحكم والسياسة مطلع عام 2006.
لا شك أن هذه الوثيقة جاءت متأخرة عن موعدها بعشر سنوات، ولكنَّ التفاعلات السياسية هي اسقاطات وتكيّف مع الواقع السياسي بناءً على معطيات وتحولات بعينها؛ لأن السياسة وإن كانت هي فن الممكن، فهي بالدرجة الأولى انعكاس لموازين القوى، والتي لا تبدو منذ تراجع حركة النهوض العربي، وانفجار الأوضاع الداخلية في العديد من الدول العربية، وانشغال العالم الإسلامي بتداعيات ما يجري في المنطقة من صراعات وحروب، أنها تعمل لصالح القضية الفلسطينية، أو تثبيت بوصلة العداء باتجاه إسرائيل؛ العدو المركزي للأمة، بل أخذت مسارات مضلله وتحشيد باتجاه إيران كعدوٍ بديل!! وصار الكثير من دولنا العربية يخطب ودَّ إسرائيل، ويسعي لكسب رضاها لما لها من تأثير على سياسات الولايات المتحدة الأمريكية ومواقفها تجاه منطقة الشرق الأوسط، بهدف الاستقواء على إيران؛ الجمهورية الإسلامية، وطمعاً في إيجاد تحالفات تحمي أنظمتها بالدرجة الأولى من مخاطر التهديدات الإيرانية العسكرية لها.
مرحلة الاستضعاف: رؤية تاريخية في سياسات تدبير المستقبل
لا شك أننا في ظل هذه المتغيرات الكثيرة والكبيرة التي ألقت بتداعياتها الكارثية على القضية الفلسطينية، وجعلتنا هنا في قطاع غزة نعاني بسبب الانقسام البغيض من فقدان الحليف القريب، ونشعر ربما للمرة الأولى بغياب العمق الاستراتيجي العربي والإسلامي، والذي هرولت معظم أنظمته خلف أمريكا ورئيسها الجديد، الذي تعمد بوقاحة اتهام حركة حماس بأنها (إرهابية) من وسط العاصمة السعودية الرياض وخلال مؤتمر جمع دول عربية وإسلامية، لم يمتلك أحدٌ منهم الرد على هذا الاتهام من بين كل من تحدثوا من القيادات العربية!!
أن يتم تسوية حركة حماس بداعش وتصنيفها كحركة إرهابية ولا يحرك العرب ساكناً، فهذا شيء يبعث على الخوف والقلق لصعوبات قادمة قد تواجهها الحركة وأهلنا في قطاع غزة، مما يستدعي من ذوي الفطنة والحكمة والنباهة السياسية التحرك للتخذيل وسد باب الذرائع لما يمكن أن تفكر إسرائيل أو غيرها القيام به.
إن لحالات الاستضعاف فقهاً ينبغي أن نفطن له، وليس هناك ما يعيب لحماية مشروعنا الوطني، وكسبنا الحركي والدعوي، وقاعدتنا الشعبية العريضة، حيث إن تاريخنا الإسلامي مليء بالشواهد على ذلك، وسأكتفي بالإشارة لبعض تلك الوقائع التي جرت في العهد النبوي، ولن أتطرق لعهود إسلامية وسياقات تاريخية أخرى مثل صلح الرملة، الذي عقده صلاح الدين الأيوبي مع الصليبيين، وما شاهدناه - مؤخراً - في تونس من مواقف الحركة الإسلامية، حيث تنازلت حركة النهضة طواعية عن صدارة المشهد السياسي، بهدف حماية البلاد من الانقسام وحمامات الدم.
في المشهد التاريخي، يتبدا لنا أبدع ظواهر تدبير المستقبل في صلح الحُديبية، فقد قبل الرسول الكريم (صل الله علية وسلم) محو كلمة "محمد رسول الله" لهدف أبعد مدى يتعلق بتأمين المستقبل الإسلامي، وقد دخل من الناس في دين الله تعالى بعد مرحلة الانفتاح والسلم تلك ما يعادل من دخلوا في الإسلام قبل الصلح، الذي سماه القرآن الكريم فتحاً مبيناً.
وفي وضع ثلث ثمار المدينة ما يدل على ضرورة استقراء المستقبل، الذي يحقق الأمن والسلام للأمة المسلمة، فقال الرسول (صل الله علية وسلم) "ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم إلى أمر ما".
وكما أشار المؤرخون فإن مجمل الوثائق السياسية التي عقدها الرسول الكريم (صل الله علية وسلم) والبالغة 287 وثيقة، كان دافعها وموجبها تأمين مستقبل أعز وأقوى وأحكم للأمة المسلمة.
وعليه؛ ومن باب ألا نُضيق واسعاً علينا وعلى أهلنا في قطاع غزة، فإن هناك مجموعة من الأفكار أرى واجباً أن أقدمها هنا لأنصح بها وأهديها لإخواني في قيادة الحركة التي أنتمي إليها، من باب أنها إعذارٌ إلى الله واعتذار إلى الناس، الذين منحونا ثقتهم، وهم اليوم الحاضنة الشعبية الأهم لنا وللمقاومة، التي نعتز بها جميعاً، وهي تتلخص في النقاط التالية:
1)       احتضان قطاع غزة المحاصر وتعهد أهله بالدعم والاسناد، وتقاسم لقمة العيش بالتساوي بين الجميع.
2)       تجنب لغة التصعيد والحرب، حيث تعودت ألسنة البعض تظهيرنا في قطاع غزة وكأننا بإمكانياتنا المتواضعة دولة عظمى.
3)       التحرك من خلال عنوان سياسي يعبر عن توجهاتنا، والوثيقة الجديدة فيها ما يصلح أرضية مناسبة لحزب سياسي للتحرك ورسم السياسات.
4)       يجب التسليم بأننا شعب قوي بأمته العربية والإسلامية، وهو يعتمد على إمكانياتها في الوصول إلى حقوقه المغتصبة، كما أنه قادر بدعم هذه الأمة في الدفاع عن شعبه ضد أي عدوان خارجي.
5)       اعتماد السلوك الديمقراطي في إدارة شئون قطاع غزة، وتفعيل العملية الانتخابية في جميع المرافق التي تتطلب ذلك، مثل البلديات والنقابات والاتحادات والكتل الطلابية، وهذه مسألة ليست مرتبطة بالانقسام، بل هي حراك يحافظ على حيوية المجتمع وفعاليته السياسية.
6)       العمل على تجنيب المساجد والمؤسسات التعليمية لغة المناكفات السياسة، واحترام الخصوصيات الدينية والوطنية لتلك الأماكن.
7)       تهذيب لغة الخطاب الإعلامي، والابتعاد عن أسلوب التكفير والتخوين والملاعنات الحزبية، وكل ما يوغل الصدور، ويكرِّس ثقافة التلاحي والانقسام.
Cool       اعتماد المصالحة الوطنية كأولوية، وتوفير الأرضية التي تشجع على ذلك، وتعمل على سرعة تحقيقها.
9)       التخفيف من مظاهر العسكرة ولغة الحرب، وتعزيز دور الأجهزة الشرطية والأمنية في ظل احترام الجميع للنظام وسيادة القانون.
10)     تحقيق التقارب مع فصائل العمل الوطني والإسلامي كشريك حقيقي وصاحب قرار، وإيجاد الإطار المناسب لتحقيق ذلك.
11)     حل اللجنة الإدارية، وتشكيل لجنة وطنية بمهمات محددة، هدفها التنسيق بين الوزارات، بما يخدم عملها، ويملأ الفراغ الناجم عن غياب الحكومة المركزية.
12)     ارتقاء القيادة في خطابها السياسي للمستوى الوطني، والابتعاد عن اللغة الحزبية والفصائلية، وتجنب إقامة الفعاليات التي تمضي في مثل هذا السياق.
13)     تبنى الحركة لسياسات تحافظ على رصيدها في الشارع، وتسهم في تعزيز حاضنتها الشعبية، كالحفاظ على الحد الأدنى من العيش الكريم للأسر البائسة والمحتاجة، ضمن نظام تكافلي يستوعب الطبقات التي تعيش تحت خط الفقر.
14)     ضرورة أن تخرج القيادة الجديدة للحركة بخطاب سياسي يعكس روح ما جاء في الوثيقة الجديدة من تحولات، للإجابة على سؤال المصداقية الذي ينتظره الغرب والمجتمع الدولي من حركة حماس.
15)     إن الحركة بحاجة الى مراجعة حقيقيةٍ لنظرتها لمن هم خارج دائرتها التنظيمية، كما أنها بحاجة إلى تربية كوادرها وتعويدهم على لغة الوفاق وتقبل الآخر، وأهمية البحث عن القواسم المشتركة.
16)     توجيه دعوة مفتوحة للرئيس محمود عباس للقدوم إلى غزة أو أي أحد من الإخوة الوزراء في رام الله، فهذا الشطر من الوطن يحتاج إلى أن نلتقي ونتواصل، مهما نزغ الشيطان بيننا، فنحن في النهاية أبناء هذا البلد، والحاملين لواء حريته واستقلاله.
17)     التأكيد الدائم على نهج الحركة؛ باعتبارها حركة تحرر وطني، وليس لها أي علاقة بالإرهاب، وقد سبق لها التنديد ببعض أشكاله التي تجري في المنطقة وحول العالم.
18)     إبراز المكانة التاريخية لمصر في دعم القضية الفلسطينية، والتركيز على ذكر الدور والجهود المتميزة لها طوال سنوات الصراع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
19)     الوضوح والصراحة في خطاب الحركة السياسي والأيديولوجي بأنها ليست طرفاً فيما تعيشه المنطقة من اصطفافات وأحلاف، فالقضية الفلسطينية هي قضية الأمة المركزية، وهي تحتاج جهد الجميع ومواقف الكل العربي والإسلامي.
20)     تشجيع مصر للعودة إلى ملف المصالحة الفلسطينية، وإبداء المرونة التي تتطلبها عملية إنجاحها، والتسريع في إجراءات إنهاء الانقسام.
وختاماً، فيما أدعو لكم بكل الخير، وأن يجنبنا المولى سبحانه وايَّاكم كل سوء، فإنني في رسالتي هذه لا أخاطب شخصاً بعينه، مما يستدعي الستر والسرية، ولكن نتحدث إلى قيادة الحركة في الداخل والخارج، كما كان المسلمون في العهود الراشدة يواجهون – بشجاعة وقوة - خلفائهم وسلاطين زمانهم، حيث يطرحون الرأي، ويقدمون المشورة، ويرفعون السؤال بلا خوفٍ أو وجل.
ومن نخاطبهم اليوم ليسوا بأفضل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، الذين جعلوا من المساجد ديواناً للمظالم، وتبنوا سياسة الباب المفتوح ليسمعوا الجميع، ويأخذوا منهم الرأي والمشورة.
ما أرت بكلمتي هذه إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله.. اللهم أرنا الحق حقاً وارزفتا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الإثنين 05 يونيو 2017, 1:51 am

أين أخطأ صديقنا البردويل؟!

غزة: كتب القيادي في حركة حماس ورئيس مجلس بيت الحكمة الدكتور أحمد يوسف، مقالة حول الضجة التي اثيرت مؤخراً بعد تصريحات عضو المكتب السياسي لحماس صلاح البردويل، والتي قال فيها أن قطاع غزة تحت سيطرة حماس منذ عشرة سنوات وستبقى حماس إحدى عشرة سنة أخرى والشعب عليه أن يتحمل، وكان رد الدكتور أحمد يوسف على الضجة وتصريحات البردويل متوازناً ومنطقياً تكسوه ثقافة المتعمق في الانتماء لوطنه، قبل فصيله، مفصلاً في مقالته التي جاءت معنونة :" أين أخطأ صديقنا البردويل، ولماذا كل هذه الهجمة العاتية عليه في الفيسبوك؟!" بفطنة العابر في حقل ألغام يسعى للنجاة مع أداء الامانة لأبناء شعبه.
و (أمد للإعلام) ينشر مقالة الدكتور يوسف كما وصلته:
"فما الذي قاله ولم نتعود على سماعه من قبل، بهدف واضح ألا وهو إغاظة الأعداء.. بضع كلمات تلفظ بها عن الصبر أثارت معها حفيظة الشارع واستفزته.. فهل أخطأ د. البردويل فيما قاله في تلك الوعظيِّة أم هي السياسة التي لكلماتها حسابات أخرى؟!
لا شك أن موقع د. البردويل اليوم كعضو مكتب سياسي هو ما حرَّك الناس لتطاله بألسنتها الجارحة، وبتلك التعليقات التي خرج بعضها عن سياق الأدب، وإن كان ذلك يمكن تفهمه واستيعابه بما أورده القرآن في هذا المعنى  (لا يُحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم)، حيث إن أحوال الناس بلغت أوضاعاً غير مسبوقة من الفقر والعوز والحاجة، وتراجعت مشاهد الأمن والاستقرار، وتزايدت نسبة البطالة والضياع بين الشباب، وتردي منظومة القيم والأخلاق بأشكال تبعث على الخوف والقلق من المستقبل.
صحيحٌ، أن د. البردويل لم يتحدث بتلك اللغة من موقع أنه شيخ أو إمام مسجد تابع لوزارة الأوقاف، ولا كإعلامي في فضائية الأقصى، ولا كمحلل سياسي يجتهد الرأي والموقف، وإنما تحدث بلغة من هو في موقع صانع القرار، الذي لكلماته معانٍ ودلالات، أصابت أوجاع الناس وعضَّت جراحهم، فخرجت تلك الأصوات تعبر عن احتجاجها ورفضها وتمردها بهذه القوة الصاخبة.
إن من حق الناس أن تقول: إن من يطلب منا الصبر يجب أن يعيش مثلنا، وأن يكابد أعباء الحياة وقسوتها، والتي أحاطت بنا من كل جانب.
إن من يطلب منا الصبر عليه أن يرينا أنه يأكل مثلنا من خشاش الأرض، وأنه ينتظر الكابونة على أحرٍّ من الجمر، وأنه قد ربط على بطنه كمسئول حجراً أو حجرين، حتى تكون لكلماته وقعها وصدقيتها، وبأننا فعلاً استوينا في الفقر والمسغبة.
لقد أكل الناس في قطاع غزة القديد بعد عشر سنوات استفرغ فيها الكثير منهم جيوب مدخراتهم، وقهروا بصبر جميل الفقر العنيد، كرمال عيون وطنهم، وحتى لا يشمت بهم الأعداء، ولكنهم لم يشاهدوا من عليِّة القوم من يشاركهم طهي الحصى، تلهيِّة لأطفالهم في عتمات الليل، أو يأتيهم بثوب جديد مع تكبيرات العيد يُلجم أحزانهم، ويدخل على قلوب أولادهم الفرحة.
أخي د. صلاح أتفهم أبعاد كل ما قلت، بهدف إغاظة الأعداء، ولكن ربما خانك التعبير؛ لأن المكان الذي أنت فيه ليس هو المنبر فنفهم ما تقول في سياق الوعظ والإرشاد، فأنت قيادي ورجل سياسة، وإذا طالبت الناس بالصبر فعليك أن تُشهد الناس من خلال ربط حجرين على بطنك، أن فعلك يسبق قولك، حجرٌ تُذهب به عضة الجوع، وآخر لتقول للناس صدقتكم فأصدقوني.
إن هذه الحملة التي طالت د. البردويل هي بالطبع ليست له وحده، ولكن لكل إخوانه في قيادة حركة حماس، ولكل من يرفع عقيرته يطالب الناس بالصبر والتحمل، دون أن يكون لهم إماماً في نفسه وأهله وعشيرته الأقربين.
إننا نريد أن نرى قيادات حركة حماس تربط حجرين على البطن؛ حتى يكون لنداء الصبر بعد عشرة عجاف آذاناً تسمعه، وشعباً يُصغي إليه، ودلالة نقضُّ بها مضاجع الأعداء.
حقيقة، عندما يتحدث السياسي عن الصبر فيجب أن تكون كلماته مشفوعة ببشارة قادمة أو فرج قريب.. نعم؛ تحملنا 11 سنة وقادرين على تحمل مثلها، ولكن في ظل هذا الواقع القائم سنكون أشبه بأجداث وحطام لشعب لم يعد لديه ما يقدمه للوطن، على مستوى التحرير والتضحية والعزيمة وقوة الشكيمة.
لو طالعنا الخطيب في المسجد بما تحدث به د. البردويل لأخذناه على محمل مغاير، من حيث أنه مشكوراً يريد الحفاظ على معنوياتنا عالية وألا ننكسر، وتأتي موعظته من باب شد الأزر ومكايدة الأعداء، أما عندما تأتي من السياسيين فلها دلالات أخرى إذا لم تكن مشفوعة بالبشارات القادمة، والتي يمكن أن يتلمس الناس بعض إرهاصاتها، وإلا فهي حالة من التدليس والضلال المبين.
إن فلسطين لن يحررها شعب أنهكه الجوع والعطش، وأوهى أركان صبره وصموده الانقسام والحصار، ولن يأتي التمكين لقطاع غزة بالخُطب والمواعظ وحدها، فسنن الله لا تحابي أحداً، ومن أراد أن يتعلم السياسة فليقرأ التاريخ؛ تاريخ الشعوب والأمم، ويتبحر في النظرية الأممية لصعود وسقوط الحضارات، ليبني عليها رؤية للأجيال تستوعب من خلالها لماذا تأخر النصر؟ وكيف ترتفع رايات العزة والتحرير.
إن د. صلاح البردويل من خيرة رجالات حركة حماس، ومن أفضل قياداتها على المستوى الإنساني والأخلاقي، وله محبين كثر، وهو شخصية متفتحة وله مواقف تاريخية تمنحه كل ما يستحق من التقدير والاحترام، ولكنه بطبيعة تكوينه الثقافي والدعوي اختلطت عليه مفردات الأديب مع لغة السياسي فوقع فيما وقع فيه، برغم ذكائه وفطنته ومدونة سلوكه المتميزة بنبرة ابن المخيم، والتي أعرفها فيه.
ما وقع وجرَّ عليه كل هذه الموجة من الغضب حتى من الكثير من شباب حركته إنما كان زلة لسان وكبوة جواد، لشخص نحبه ونحترمه من قيادات هذه الحركة المباركة.. لقد أخطأ التوظيف لتعبير كثيراً ما نتداوله، بهدف حثِّ الناس على التحمل ومغالبة الظروف القاسية.. فالصبر هي الكلمة الدارجة التي نرددها في كل حين، وخاصة إذاتجاوزت بنا وضعية الحال الطبيين، وبلغت الحلقوم.
 أتمنى على الأجهزة الأمنية ألا تنجر وراء تعبيرات غاضبة لبعض الإعلاميين وأصحاب الأقلام، فحرية التعبير حق للجميع، والاعتقال في مثل هذه الظروف ولهذه الأسباب ليس فيه من الفطنة والذكاء الذي يحقق التلازم بين المُلك والحكمة".



مقابلة خاصة مع صلاح البردويل القيادي في حركة حماس








البردويل:

تصريحات عباس "مضللة" ولا تليق -المركز الفلسطيني للإعلام

نتقد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الدكتور صلاح البردويل تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس التي هاجم فيها المقاومة وجدد فيها اتهام "حماس" بأنها تمتلك حكومة ظل في غزة، وحديثه عن ضخامة عدد شهداء "فتح" في مواجهة الاحتلال مقارنة بشهداء "حماس".
ورأى البردويل في تصريحات صحفية، أن انبراء عباس للهجوم على المقاومة وعلى "حماس" يعكس شعورا من عباس بفقدان دوره السياسي، موضحا ذلك بالقول إن "ما يدور به محمود عباس الآن في المحافل الإعلامية لا يليق برئيس على الإطلاق، فالرئيس يجب أن يترك هذه المهاترات للناطقين الإعلاميين، لكن يبدو أنه فقد دوره السياسي وبدأ يتعامل بهذيان وثرثرة لا وزن سياسي لها لا في الداخل الفلسطيني ولا الدولي ولا حتى لدى الاحتلال" على حد تعبيره.

وأشار البردويل إلى أن عباس "عندما يتحدث عن أن حماس لم تمكن حكومته من إدارة الأمور في غزة، هو لا يصدق، لأنه يحاول التغطية على سياسته الاستئصالية، فهو لم يمكن حماس ولا الجهاد الإسلامي  من دخول منظمة التحرير الفلسطينية كأنها ملك له، وهو لم يمكن "حماس" من تنفيذ الشراكة السياسية في أي من مستوياتها وحرمها من الإنجاز السياسي من خلال تواطئه على المجلس التشريعي الفلسطيني، بل إنه يحرم حتى موظفي "حماس" من الرواتب، فعن أي شيء يتحدث عباس؟".

ووصف البردويل حديث عباس عن حكومة ظل في غزة بأنه "تضليل .. لأن ما هو موجود في غزة هم مجاهدون خاضوا حربا تاريخية ضد الاحتلال دون رواتب، وهو الآن يصورهم بأنهم حكومة ظل، وهو يتحدث عن حكومة ظل للتضليل والتغطية على كل استطلاعات الرأي التي تتحدث عن تزايد شعبية حماس حتى في الضفة".

وأضاف القيادي في "حماس" يقول منتقدا تصريحات عباس إنه "هو (عباس) يتحدث عن حكومة ظل، بينما حكومته لم تقدم حتى إدانة للعدوان، ولم تستطع أن ترفع قضية في المحاكم الدولية ضد جرائم الاحتلال، بل إنها سحبت دعوى كان قد تقدم بها وزير العدل في محكمة الجنايات ضد الاحتلال"، معتبرا أن "الناس في غزة حتى من أبناء فتح ينظرون بامتعاض لهذه التصريحات" وفق قوله.

وحول مقارنة عباس بين عدد شهداء "حماس" وشهداء "فتح" في العدوان الأخير، قال البردويل: "هذا يأتي في سياق أمني، فـ"إسرائيل" حتى الآن لا تعرف كم استشهد من أبناء حماس، وجاء عباس ليستفزنا ليأخذ ردود فعل ليقدمها للاحتلال، نحن لن نتبرع بها له ولا للاحتلال، فالجميع يعرف نتائج العدوان. وحتى لو أن تصريحات عباس صحيحة وأن عدد شهداء فتح" تجاوز 800 فلماذا لا يدافع عنهم، فهل دماء فتح عنده لا تساوي شيئا؟".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الأربعاء 21 يونيو 2017, 9:21 pm

قيادي في حماس يوجه رسالة هامة الى النائب محمد دحلان

غزة-خاص: وجه القيادي في حركة حماس، الدكتور أحمد يوسف رسالة الى القيادي الفلسطيني والنائب محمد دحلان،كشف خلالها عن بديات الحوار بين  حركة حماس ودحلان، ورغبة الأخير بمساعدة سكان قطاع غزة، وتجاوز آثار الحصار المفروض، مبحراً في تفاصيل اللقاءات بينه كقيادي في حماس والنائب دحلان، حتى تشكيل لجنة التكافل الاجتماعي بين الحركة ودحلان.
وجاء في الرسالة المطولة والموجهة للنائب دحلان والتي خصها الدكتور أحمد يوسف للنشر عبر (أمد للإعلام)
رسالة مفتوحة للنائب محمد دحلان...
دعنا نلتقي ويجتمع الشمل في الوطن
د. أحمد يوسف
سعادة النائب محمد دحلان
هذه هي رسالتي الثالثة التي أخاطب بها بعض قيادات الشعب الفلسطيني، حيث كانت الأولى لقيادة حركة حماس، ثم أعقبتها برسالة للرئيس محمود عباس، وهذه الرسالة التي وجدت أنه من باب الأمانة أن أخاطبك، وأن أكون صريحاً معك بنفس القدر من الصراحة والوضوح الذي نصحت به حركتي وإخواني وكذلك سيادة الرئيس، فسأكون معك كما من سبقك، باعتبار أنك غدوت - الآن - شريكاً يلوح في الأفق، ولربما تجمعنا السياسة على سفينتها مرة ثانية.
أخي أبو فادي..
هذه الرسالة أوجهها لشخص عرفته منذ سنين كخصم سياسي، وجمعتنا به العديد من اللقاءات الرسمية والاجتماعية، كانت بداياتها في العاصمة الأمريكية واشنطن عام 2003، عندما تمَّ دعوتنا كقيادات فلسطينية وإسلامية للاجتماع برئيس الوزراء الفلسطيني – آنذاك – السيد محمود عباس. كان اللقاء فرصة للتعرف عليك وعلى الرئيس، حيث كنت من خلال موقعي كباحث في الشأن الفلسطيني متابعاً لملف الزيارة، وكنت أرصد درجة اهتمام الإدارة الأمريكية بك، ولقائك بوزيرة الخارجية كونداليزا رايس.
في ذلك اللقاء، قدَّمت نفسي وعرَّفت بعملي، وبوعدٍ أن نلتقي قريباً على أرض الوطن.
مرت سنوات قبل أن ألتقيك مرة ثانية، ولكني عندما كنت مقيماً في الجزائر كنت أسمع عنك روايات مختلفة؛ بعضها إيجابي وأكثرها سلبي، حيث كانت طبيعة عملك الأمني تفرض عليك التنسيق والظهور مع الإسرائيليين في مسائل تتعلق بشئون قطاع غزة أو ملف المفاوضات إلى جانب الرئيس أبو مازن.
أخي أبو فادي..
في عام 2005، اتصل بي أحد المقربين إليك، وأبلغني عن رغبتك أن تلتقي قيادة حركة حماس، وأنك جاهز لذلك اللقاء من حيث الزمان والمكان، حيث إن الإسرائيليين شرعوا في ترتيبات الانسحاب من قطاع غزة، وأن هناك أموراً تتعلق بمعبر رفح، وأنك معني بأن تضع الحركة في صورة تلك الترتيبات، وكذلك الاتفاقية التي تمَّ التوقيع عليها.
اتصلت بأخي د. موسي أبو مرزوق في دمشق، وعرضت عليه الأمر.. وبعد التشاور مع رئيس الحركة تمَّ اللقاء في القاهرة، ثم كان هناك لقاء ثانٍ أيضاً في مصر حول نفس الموضوع. تم الاتفاق على الكثير من النقاط، ولكن المشكلة - كما ذكر لي الأخوة - أن القليل هو ما تمَّ تنفيذه.
في فبراير 2006 عدت إلى قطاع غزة قادماً من الجزائر، وعملت مستشاراً لرئيس الوزراء إسماعيل هنية، وحيث إن حضورك كان دائماً حاضراً في النقاشات وجدت أنه غدا لزاماً أن التقي بالرجل القوي في حركة فتح.. دعوتك أخي محمد في تلك الشهور الأولى من تشكيل الحكومة إلى بيتي بمدينة رفح في حي السلطان، لنسمع منك وجهة نظرك تجاه بعض القضايا والملفات.. وفي ذلك اللقاء، الذي شاركني فيه بعض الإخوة في قيادة الحركة، تحدثت طويلاً، وناقشناك في كل ما لدينا من مخاوف وشكوك، وكان لقاءً أسهم في توطيد أواصر الصداقة بيننا، وكانت الساعات الأربع التي أخذها وقت اللقاء كافية لتبديد بعض تلك المخاوف، حيث وعدتنا أنك ستبذل كل ما تستطيع لإنجاح عمل الحكومة برغم خلافك معنا، وأنك ستحرص على تقديم النصح، وأن جهودك في المرحلة القادمة ستكون في التركيز على عملك كنائب في المجلس التشريعي، وأنك سوف تبتعد قليلاً عن الملفات الأمنية.
أخي سعادة النائب..
أعرف أن السياسة هي عملية "أخذ وعطا"، وهي بالدرجة الأولى تحكمها المصالح، أي أن كل شيء له مقابل ويجري وفق حسابات دقيقة بين الأطراف، ولكن يبدو أن ما عرضناه -آنذاك – لم يكن كافياً لإرضاء ما لديك من طموحات، فكان ما كان من مواقف تمَّ فهمها من قبل حركة حماس بأنك تعمل لإفشال الحكومة، التي تقودها الحركة.
التقيتك خلال فترة الحكومة العاشرة أكثر من مرة والأخ د. غازي حمد، وتحاورنا بعتب حيناً، وبرغبة في إصلاح العلاقة مع حماس أحايين، وكنت تبدي الكثير من المرونة بغية الوصول إلى تفاهمات وشراكة قد تجمعنا مستقبلاً.
للأسف، لم تمضِ الأمور بالشكل الذي انتظرناه؛ لأن حركة فتح وحتى الرئيس (أبو مازن) دخلوا بوابة المناكفة السياسية، وكان هناك تعمد واضح بالعمل على اسقاط الحكومة.
في فبراير 2007 عقدنا "اتفاق مكة"، وكان الاتفاق واللقاء نقطة تحول إيجابي في العلاقة بيننا، وفرصة مواتية لقبول كل واحد منا للآخر، حيث انفرجت أسارير الجميع؛ فتح وحماس، وتحلقنا كقيادات حول الحجر الأسود، وتعلقنا بأستار الكعبة، ودعونا الله أن يكلل هذا الاتفاق بالنجاح، وأن تتمكن حكومة الوحدة من التغريد إقليمياً ودولياً.
للأسف، انهار الاتفاق بعد أربعة شهور - تقريباً - من تشكيل الحكومة، وتداعى كل أمل بنيناه لشراكة سياسية بيننا، وكانت الأحداث المؤسفة في 14 يونيو 2007، والتي اعتبرتها السلطة انقلاباً، فيما كان موقف حماس أن الحكومة لا تنقلب على نفسها، وإن ما وقع كان هو عملية حسم للصراع مع الأجهزة الأمنية، التي لم تمنح الولاء للنظام الجديد ولم تلتزم المهنية في أداء واجباتها، وكانت تعمل لإسقاط حكومة الاستاذ إسماعيل هنية.
صحيحٌ؛ جرت تلك الأحداث وأنت خارج البلاد لتلقي العلاج في ألمانيا، ولكن ما كان يصلنا من تقارير هو أنك العقل المدبر لما يُبيت بليل للإطاحة بحركة حماس. 
أخي أبو فادي..
تعلم أني قد اتصلت بك بعد عدة شهور من تلك الأحداث المأسوية، بغرض الاستيضاح والعتاب على كل ما وقع، وسماع وجهة نظرك في كل ما حدث، وقد حاولت كرجل سياسي ومسئول أمني سابق شرح الموقف وتحميل حركة حماس الخطأ والخطيئة، ولكن إجابتك لم تكن مقنعة لي، وإن حاولت تفهم بعض ما ذكرت في تلك المحادثة.
مضت عدة سنوات بعد ذلك، لم نلتقِ ولم نتحدث إلى أن جاء اللقاء في القاهرة عام 2011، حيث وقَّعت حماس على ورقة المصالحة المصرية. دعوتني إلى بيتك في الدقي، لتناول طعام الغداء وإجراء "جردة حساب"، من خلال الحوار لكل ما سبق من سنوات. كنت كريماً كعادتك، وكانت ابتسامتك وتحليلاتك للأمور، ورؤيتك لشخصٍ يمتلك المعطيات بأن الاتفاق لن ينجح، وكانت كلماتك لي: يا أخ أحمد.. إنهما يتكاذبان!! وذلك لاعتبارات منها عدم توفر النيات وغياب الثقة، وأسباب أخرى لا داعي لذكرها الآن.
في عام 2012 تمَّ تشكيل لجنة التكافل الاجتماعي من شخصيات فتحاوية وحمساوية، والتي أخذت على عاتقها جلب الدعم والمساعدة لقطاع غزة. سافرت مع اللجنة إلى دولة الامارات، حيث استقبلتنا في بيتك في مدينة أبو ظبي، وأكرمت وفادتنا، وهيأت لنا الأجواء للقيام بحملة تبرعات مريحة لصالح قطاع غزة.
وفعلاً؛ نجحنا من خلال جهودك وعلاقاتك الواسعة بشيوخ الإمارات أن نجمع الكثير من المساعدات، كان أهمها تقديم دعم لمائتي شاب وشابة على الزواج، ومبالغ مالية أخرى لدعم طلاب المدارس، وأشكال أخرى من المساعدات.
لم تبخل بجهد لإنجاح رحلتنا، وكانت نخوة ابن المخيم بادية عليك تجاه الوفد، الذي كنت أنا أحد أعضائه. كانت الزيارة موفقة والتسهيلات التي قمت بها كبيرة، مع وعود قدَّمتها بمشاريع أكبر لطلاب الجامعات وبناء مدينة للأسرى المحررين.
بعد ذلك انقطعت علاقتي باللجنة، ودخل إليها أخوة آخرون من قيادة حماس، أما علاقتي الشخصية بك فاقتصرت على اتصالات اجتماعية لتهنئة أو واجب عزاء من حين لآخر، وكنت تُظهر الحرص والمودة في كل تلك الاتصالات.  
أخي سعادة النائب..
اسمح لي أن اتعاطى مع مخاوف أبناء الحركة الإسلامية والشارع الفلسطيني، الذي لديه الكثير من الوساوس والشكوك حولك، ليس دفاعاً عنك، فأنت لديك ماكينة إعلامية ضخمة بإمكانها الذود عن حياضك، والعمل على تجميل صورتك ومواقفك بالشكل الذي تريد.. ولكن ما سأتحدث به هو حديث السياسة ولغة الشارع، وهو ما يتطلب منك الرد عليه لتبديد قلق الناس، لاسيما شباب الحركة الإسلامية، الذين ما انفكوا يتساءلون عن حقيقة وجدوى اللقاء بك والعمل معك.
نعم؛ لا يمكن إنكار أن هناك بيننا ثارات دم، وتوجسات كثيرة، وأنت في نظر السواد الأعظم من عناصر وكوادر حركة حماس ما تزال في دائرة الاتهام؛ لاعتبارات سأسرد بعضاً منها، وهي: أولاً؛ بخصوص تعطيل أي تقارب فتحاوي حمساوي لإقامة شراكة سياسية، والعمل عبر الأجهزة الأمنية القريبة منك على إفشال أي نجاحات لحكومة إسماعيل هنية، من خلال وضع العراقيل في طريقها. وثانياً؛ لما جرى من أحداث مأساوية دامية عام 2007.
أخي أبو فادي..
قد نتفق مع من يوجهون هذه الاتهامات وقد نختلف بالطبع؛ حيث إنك كنت من بين من هندسوا لاتفاق مكة، وعملوا على إنجاح توقيع الاتفاق.
إن هذا يدل - من وجهة نظري - على أنك خصم سياسي وليس بالضرورة متآمراً على حماس، كما يحاول البعض أن يضعها في هذا السياق.. أنا اتفهم أنك فتحاوي عنيد، ولك حساباتك الشخصية الخاصة، والتي تبدو عند تمحيصها وكأنك تناصبنا العداء، وهذا في السياسة - كما تعلمته في دراساتي العليا - أنه سلوك الأحزاب، حيث تضع العراقيل في وجه بعضها البعض، بغرض إظهار خصومها بأنهم فاشلون أو لم يحققوا ما وعدوا به قواعدهم خلال حملاتهم الانتخابية أو في برنامجهم الحكومي، كي لا يراهن عليهم الشعب في جولات انتخابية قادمة.
وإذا أخذنا تصرفاتك بهذا المفهوم، فلا أعتقد أنها تستوجب منَا كل هذه القطيعة والتحامل عليك. ولكنها ربما تستدعي من حركة حماس أن تأخذ حذرها، وأن تتعلم أساليب المناورة وتكتيكات السياسة، وأن تمارس اللعب معك على المكشوف، إلى أن تستعيد أركان الثقة بك وبهذا التيار الذي يتهمه مناصرو حماس حتى اليوم بأنه من أشعل الفتنة، وساقنا إلى الكثير من المعارك الجانبية، التي استنزفت طاقتنا، وأوصلتنا إلى طريق مسدود، ظهر فيه أنَّا عيال على عالم السياسة، وأننا عاجزون.
مع كل هذا الذي ذكرناه عنك وربما أكثر من التوجسات والشكوك، إلا أننا في محنة وطنية حقيقية، تتطلب حلولاً ومخارج لتفادي الغرق وغياب النصير.
أخي أبو فادي..
إن التفسيرات التي يطلقها البعض لهذا التقارب، هو كونك - اليوم - بالنسبة لنا في غزة قد تمثل "طوق نجاة" يصلح الاعتماد عليه مرحلياً لتخطي الضغوطات، التي أحكمت قبضتها علينا.. نعم؛ قد يكون في هذا الكلام بعض الصواب، ولكن البعد الغائب عن تفكير الكثيرين هو رغبة جادة لدى قيادة حماس في الخروج من نفق الأزمة وتعقيدات الحالة السياسية الفلسطينية، بعدما غدت الأبواب مؤصدة من جهة الرئيس أبو مازن، وبدا أنه غير معني بحل مشكلة العلاقة مع غزة أو تفريجها، فكأنها الرؤية لدى قيادات الحركة هو البدء بالتيار الذي تمثله أنت، ثم التوسع في مصالحتنا مع حركة فتح الأم، التي يمثلها الرئيس أبو مازن. فإذا نجحنا في بناء الثقة معك، وهذا التيار الواسع الحضور في قطاع غزة، وكان لك "سهم خير" في توظيف شبكة علاقاتك الإقليمية والدولية لخدمة قطاع غزة، وفك الحصار عن أهله، ربما تكون هذه الخطوة هي المدخل لإنهاء الانقسام، وطي صفحة الماضي الأليم.
أخي أبو فادي...
في مشهد الإعلام المسيس بشكل فاضحٍ في عالمنا العربي، والذي يطالعنا بتخريفاته - للأسف - صبح مساء، فأنت متهمٌ بمن يقوم بتزويد الجنرال حفتر بالسلاح، ويعمل ضد مصلحة الليبيين!! وفي تونس، أنت متهمٌ بالتآمر ضد الغنوشي وحركة النهضة!! وأنت كذلك من يحرض الأكراد على التمرد والثورة ضد أردوغان، واستهداف المصالح الأمنية التركية، وأنت - بحسب الرواية التركية - ممن ساهم في دعم الانقلاب هناك، ومن حرَّك المعارض فتح الله كُولن، وأنت من يحرك مجموعات إعلامية للتحريض وتشويه صورة الإسلاميين، وأنت ذراع أمني لدولة الإمارات، لملاحقة الإسلاميين واتهامهم بالإرهاب!! وأنت وأنت!!
لا شكَّ بأن هذا المشهد الإعلامي حولك يبعث - حقيقة – على التوجس والخوف والقلق، وعليك - أخي محمد – أن تثبت لنا أنك غير ذلك، من خلال التركيز على القضية الوطنية، والابتعاد عن باقي الملفات التي لها أبعاد وأجندات إقليمية ودولية. وهذا يتطلب منك بالطبع لغة إعلامية وخطاب سياسي أكثر وطنية، وحرص على هموم وأوجاع شعب فلسطين.
ونظراً لخطورة هذه الاتهامات ضدك، فإن على النخب في هذا التيار الذي تقود أن يحاججوا خصومك بطلب البينة والدليل، حيث إن "البينة على من ادَّعى"، ومن حقك – أخي محمد - أن تقول لهم كذلك: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين".
سعادة النائب محمد دحلان..
يسألني الكثير من الناس إن كنت متفائلاً أو مستبشراً من هذه العلاقة معكم، وإذا ما كانت هذه العلاقة معك ستؤثر على علاقات أخرى استراتيجية مع دول مثل قطر وتركيا وإيران؟ فأقول لهم: نحن في السياسة لا نترك الأمور تجري في أعنة العاطفة بل نتدبرها، ونتعاطى مع المسائل بمنطق "لست خبَّاً ولا الخبُّ يخدعني".. كما أن الموقف الثابت لنا هو أن فلسطين هي قضية الأمة، ويجب أن نحافظ على علاقات متوازنة مع الكل العربي والإسلامي وألا ندخل في أي تحالفات إقليمية، حتى لا يؤثر ذلك على مواقف الشعوب والدول التي تنظر للقضية الفلسطينية باعتبار أنها قضيتها المركزية.
أخي أبو فادي..
لا شكَّ بأن المساهمة الفاعلة في حلِّ مشاكل قطاع غزة سوف تجعل مثل هذه الاتهامات بضاعة "حاطب ليل"، لا قيمة لها؛ لأن العبرة بما يراه الناس بأعينهم، ويلمسونه بأيدهم، من خلال واقعهم المعيش.
إنَّ كل ما أستطيع أن أقوله عنك بعد كل هذه السنوات من النقاش والحوار، أنك شخصٌ يمكن التعامل معه وبأريحية، مع ضرورة توخي الحيطة والحذر؛ لأنك رجلٌ طموح جداً، وليس في السياسة ما يمنع شخص أن يكون سقفه السماء، إذا نجح في اقناع كل من حوله أنه رجل المرحلة، وأنه جدير بها، وأنه يملك بيديه وعلاقاته مقود الخلاص.
إن قادم الأسابيع والشهور هو المحك الحقيقي لتلك العلاقة التي بدأنا في تدشينها بيننا، والتي نأمل أن نبني من خلالها جسوراً للمودة والثقة، وأن يكون ما قدَّمته أيدينا من غرس بعد طول غياب هو محطة للتفاؤل ومبعثٌ للاطمئنان في نفوس أبناء شعبنا، وبه إن شاء الله نطوي صفحات التوجس والقلق والمسغبة، التي أعقبت محنتنا الوطنية في يونيو 2007.
هذه رسالتي التي آمل أن تكون تذكرة لنا ولك، وهي من باب النصيحة، وبهدف استعادة وحدتنا الوطنية، والتي كان غيابها تضيعاً للقضية الفلسطينية، وإضعافاً لمشروعنا الوطني.
اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الثلاثاء 04 يوليو 2017, 4:45 am

‘‘تفاهمات‘‘ حماس – دحلان لإنقاذ غزة


أكد القيادي في حركة "حماس"، أحمد يوسف، أن التفاهمات التي تمت بين حركته والقيادي المفصول من حركة "فتح"، النائب محمد دحلان، مؤخرا، "لا علاقة لها بإقامة دولة في قطاع غزة، كما لا تخطط لذلك مطلقا"، مشددا على موقف "حماس" الثابت بأن "لا دولة في غزة ولا دولة بدونها".
وقال يوسف، لـ"الغد" من فلسطين المحتلة، إن ورقة "التفاهمات"، التي تضم 15 بندا محوريا، تستهدف "تحقيق المصالحة المجتمعية الوطنية، وإنقاذ الوضع المتدهور في القطاع"، بما ينفي وجود ما يسمى "مشروع دولة غزة" في مضمون المصالحة الثنائية التي جرت مؤخرا في مصر بين الجانبين. 
ونوه إلى "تشكيل لجنة إدارية جديدة بمشاركة وطنية واسعة لإدارة قطاع غزة، للرد على اتهامات "تفرد" "حماس" ووجود العنف والتطرف في القطاع، حيث تضم كلا من حماس و"التيار الإصلاحي الفتحاوي" في غزة، تيار دحلان، ومختلف القوى والفصائل الوطنية الإسلامية".
وأفاد بأن "حماس" ستتولى الملف الأمني الداخلي والوقوف سدا مقاوما منيعا ضد عدوان الاحتلال الإسرائيلي، بينما سينشغل تيار دحلان بإدارة شؤون غزة، إلى جانب القوى والفصائل الوطنية والإسلامية في القطاع، بحيث تكون التوليفة الوطنية واللجنة المشتركة عنوانا العمل وتنسيق الجهود".
واعتبر أن ذلك الأمر "سيوفر المساحة الخصبة للشراكة الوطنية والعمل الديمقراطي، عبر إجراء انتخابات بلدية وطلابية وعمالية في فترة لاحقة، بالإضافة إلى تفعيل المجلس التشريعي، بما يعزز إعادة زخم الحياة الديمقراطية، والبحث عن منافذ لتحسين أحوال القطاع".
وأوضح بأن القيادي في حركة "فتح"، سمير مشهراوي، سيصل، مع آخرين، إلى قطاع غزة في غضون أيام، للعمل على تفعيل اللجنة الوطنية للتكافل الاجتماعي، التي تعطلت سابقا بسبب الخلافات مع دحلان، حيث سيتم إعادة بناء وهيكلة اللجنة لتتولى جوب فضاءات الدعم والإسناد المالي للقطاع.
واعتبر أن "تدشين اللجنة سيشكل بداية العمل المشترك"، بينما سيتم حل اللجنة، القائمة حاليا، تلقائيا عند بدء عمل "الجديدة" وربما قبل ذلك، مفيدا بأن تيار دحلان "الإصلاحي" يعد "الأوسع انتشارا في القطاع، بما يتطلب بناء علاقة معه، بعيدا عن سنوات العداء والقطيعة، في إطار المصلحة الوطنية العليا وتحقيق الحقوق الفلسطينية المشروعة".
ولفت إلى أن "حماس" لا تريد التفرد بغزة وإنما "العمل في إطار الشراكة الوطنية الحقيقية لحماية القطاع في مواجهة العدو الإسرائيلي".
ولفت إلى أن بنود التفاهمات مع دحلان تهدف إلى "تحقيق المصالحة المجتمعية، وتقديم الدعم الإغاثي، ومعالجة ملفي الفقر والبطالة، لاسيما بين صفوف الفئة الشابة، وتقديم المساعدات العينية المالية للأسر المعوزة، عن طريق جمعيات خليجية، فضلا عن تأمين الدعم اللازم لإنقاذ تدهور الأوضاع في القطاع".
وبين أنه سيتم، خلال زيارة مشهراوي، "وضع الترتيبات المناسبة على الأرض"، مرجحا "قيام دحلان بزيارة القطاع مستقبلا، وليس في المنظور القريب، حيث يفضل حاليا التحرك في الخارج لجلب الدعم المالي المطلوب لغزة، والبحث عن فرص استثمارية مناسبة، لما يمتلكه من أوراق مناسبة تجعل البعض ينظر إليه بمثابة طوق نجاة للوضع المأزوم في القطاع".
وأشار إلى الأولويات العاجلة بالنسبة لدحلان في المرحلة القادمة للتحرك عربيا وإقليميا لجلب الدعم اللازم لغزة، وفي مقدمتها "تشغيل محطة الكهرباء، وتأمين الوقود والإنشاءات، وتقديم المساعدات العينية المالية للأسر المعوزة في القطاع".
كما تتصدر الأولويات "بناء محطة توليد كهرباء، وإقامة الميناء، ومعالجة إشكالية الأدوية، وبناء مستشفى في القطاع، وغيرها من الأمور ذات العلاقة بالحياة المعيشية لأهالي القطاع"، بتكلفة تقدر بمئات الملايين من الدولارات، حيث سيكون للدعم الخليجي النصيب الأوفر منها.
فيما تحتاج "المشاريع البنيوية الحيوية إلى بضع سنوات ضمن مشاريع تطوير البنية التحتية في غزة، بما يسهم في تحريك الاقتصاد، لاسيما عند الانتهاء من بناء المعبر الجديد، الذي يربط بين مصر والقطاع، بعد شهرين تقريبا، بتكلفة تقدر بنحو 5 ملايين دولار، حيث سيفتح كمعبر لحركة تنقل الأفراد والتجارة بشكل دائم".
ولفت إلى "تخصيص حوالي 50- 100 مليون دولار للمصالحة المجتمعية أو العدالة الانتقالية التي ستعطى الأولوية، إلى جانب ممارسة الجهات المعنية لدورها المعتبر في هذا الخصوص".
وأكد "الدور المحوري لمصر، لمكانتها المركزية الاستراتيجية في المنطقة، وعلاقتها التاريخية بالقضية الفلسطينية، وبصفتها الظهير الاستراتيجي للقطاع وبوابته الرئيسية نحو فضاءات العالم، بحيث لها نصيب الأسد في تخفيف الحصار عن القطاع".
وتحدث عن "الثروات الطبيعية الغنية في قطاع غزة، مثل الغاز الذي جرى تقدير حجم ثروته بنحو 8 مليارات دولار، بما يسمح بإمكانية تسويقة ورفد غزة بعوائده، من خلال التعاون مع مصر"، مضيفا بأن "استمرار العلاقة المتوترة مع الرئيس عباس سيضطر الحركة للبحث عن أسواق خارجية لثروات غزة، غير أن الوحدة الوطنية، التي تحرص عليها حماس، سيجعل الأمور تتم في إطار العمل الوطني".
وأضاف إن "حماس" لا تستخدم "دحلان كورقة ضغط على الرئيس محمود عباس، كما لا تريد إقامة دولة في غزة، ولكنها تبحث عن تأمين الحياة المعيشية الكريمة لأهالي القطاع، مع الإبقاء على إمكانيات المقاومة وقدراتها الجهوزية التامة للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني والتصدي المضاد لعدوان الاحتلال".
ولفت إلى محاذير "غياب المصالحة، وعدم قيام الرئيس عباس بتقديم أي خطوات فعلية باتجاه إنهاء الانقسام واستعادة اللحمة الوطنية، في ظل مخططات الاحتلال بتكريس الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية من أجل استلاب الأخيرة بالاستيطان والعدوان""، بحسب قوله.
ورأى أن "توقف "فتح" عند اللجنة الإدارية، التي شكلتها حماس مؤخرا لإدارة القطاع، يعد ذريعة غير مقبولة، باعتبارها لجنة معنية بتنظيم أمور القطاع إزاء الغياب الفعلي لحكومة الوفاق الوطني، وبالتالي من الممكن حلها في أي وقت".
وأوضح بأنه "لا توجد لدى "حماس" شروط مسبقة أمام الرئيس عباس، وإنما لديها الاستعداد للاستماع للحركة ومعرفة كيفية معالجتهم للأوضاع إذا ابدوا رغبة حقيقية بالمصالحة والابتعاد عن مواطن التشكيك والتخوين المغذية لاستمرار الخصومة والقطيعة".
ورأى أن "الوضع الكارثي في قطاع غزة، وانشغالات الدول العربية والإقليمية بقضاياها الداخلية وبملفات الإرهاب، مقابل تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، أعطى سلطات الاحتلال الذرائع الواهية للمضي في نمط عدوانها الثابت ضد الشعب الفلسطيني".
وقال إن "حماس" تتحرك برؤية استراتيجية واعية لجمع الصف الوطني وإيجاد علاقة قوية مع حركة "فتح" في غزة، تمهيدا لتحقيق المصالحة الوطنية وإنهاء الانقسام".
وقال إن "حماس" تدرك جيدا بأن الأمر يحتاج إلى الوقت لإحداث الإنفراجة الحقيقية والاستقرار المطلوبين في العلاقة بين الجانبين بعد عشر سنوات من العداء والكراهية"، مؤكدا "حرص حماس على فتح صفحة جديدة في العلاقة مع دحلان، لأجل المصلحة الوطنية وإنقاذ الوضع في غزة وتعزيز الحياة الديمقراطية".
وركز على "أهمية توفر الثقة والإرادة الفعلية لتغليب المصلحة الوطنية، وطي الصفحة القاتمة، مع القاتمة، لنسج أخرى جديدة للعمل سويا بهدف تقديم برنامج ورؤية وطنية مشتركة لتأمين صمود الشعب الفلسطيني وتحقيق الحقوق الوطنية المشروعة".
ويوجد حاليا في مصر وفد فني متخصص من غزة لإطلاع المسؤولين المصريين على احتياجات القطاع الطارئة، في مختلف المجالات الصحية والاقتصادية والبنية التحتية وغيرها، والتي تعد ضحية تبعات حالة الإنقسام الفلسطيني، الممتد منذ العام 2007، وحالة التبعية المفروضة للاقتصاد الإسرائيلي.
وأوضح يوسف بأن "الوفد سيضع أمام المسؤوليين في مصر الاحتياجات الأساسية التي تتطلب المتابعة التنفيذية لإنقاذ الحالة الصعبة والمتهالكة في القطاع، في مختلف مجالات البنية التحتية والإنشاءات والصحة، لإعطاء الأهمية لما يمكن أن تقدمه مصر، وعدم ابقاء القطاع رهن التبعية للاحتلال".
ولفت إلى أن "الوفد سيستكمل التفاهمات التي تمت مع مصر في ملف المنطقة الحدودية، والتجهيزات الأمنية التي قد يطلبها الجانب المصري من حماس في غزة لتأمينها وضبط المنطقة حتى لا يسمح بحدوث أي تجاوزات أمنية، من خلال وضع كاميرات الرصد ومراقبة المنطقة".
وأكد بأن "حماس" حريصة على إتمام كل من ما شأنه اثبات وبناء الثقة حتى تطمئن مصر بصدقية ورغبات الأخوة في غزة لتأمين احتياجات الأمن القومي المصري".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الجمعة 14 يوليو 2017, 10:41 am

لإخواني وأحبتي في حركة حماس.. من أراد أن يتعلم السياسة فليقرأ التاريخ

غزة: كتب القيادي في حركة حماس ورئيس مجلس بيت الحكمة الدكتور أحمد يوسف, اليوم الأربعاء مقالة بعنوان " لإخواني وأحبتي في حركة حماس... من أراد أن يتعلم السياسة فليقرأ التاريخ".
و"أمد للإعلام" ينشر مقالة الدكتور يوسف كما وصلته:
من المعروف أن صفحات التاريخ مليئة بالأحداث المتشابهة، والتي يمكن للقيادة الحكيمة أن تستل منها الكثير من الدروس والعبر، وتتلافى بذلك تكرار الأخطاء التي وقع فيها من كانوا قبلهم؛ أي تتبنى نهجاً جديداً بدل سياسة "إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مهتدون".
ففي جولات التفاوض التي خاضها القائد صلاح الدين الأيوبي مع قائد الحملة الصليبية الثالثة رتشارد قلب الأسد، والتي أفضت إلى صلح/هدنة الرملة، حيث إن الكثير مما يمكن لقياداتنا السياسية أن تتعلمه، وأخذ الحكمة في كيفية النجاة بالقافلة، وتجنيب البلاد والعباد محرقة الحروب، والتوصل عبر المفاوضات ومن موقع القوة والندية لتحقيق المرجو والمراد.
وفي الجزائر مثلاً، كان الاستعمار الفرنسي، والذي استمر لأكثر من 130 عاماً، وكانت ثورات الشعب الجزائري بمختلف عرقياته العربية والأمازيغية تتكرر لمواجهته والتخلص منه، ولكنها أخفقت في زحزحة وجوده؛ لاعتبارات كثيرة أدركها الجزائريون في جبهة التحرير بعد عقود طويلة من مسيرة بلادهم النضالية، حيث استفادوا من تجارب من سبقهم من إخوانهم الثوار، إلى أن كتب الله لهم في مثل هذا الشهر من عام 1962 تحقيق حلم شعبهم في دحر الاحتلال، وتحقيق الحرية والاستقلال.
إن في مثل هذه التجربة النضالية الكثير من القضايا والمواقف التي تتشابه مع تجربتنا الفلسطينية، ولذلك فإن قراءتها بوعي وعمق وأخذ الدروس والعبر منها هي ضرورة علمية ومستلزم وطني لكل من يتصدر القيادة على الساحة الفلسطينية.. كما أن في تجارب شعوب أخرى وإن بزوايا مختلفة أيضاً ما يمكننا أن نتعلم منه الكثير، لإنضاج تجربتنا الكفاحية، وتوجيه بوصلتنا الوطنية إلى مسارات لا تتعثر معها الرؤية ولا تزيغ الأبصار.
إن التجربة النضالية في إيرلندا وجنوب أفريقيا مليئة كذلك بما يمكننا المرور عليه من دروس التاريخ، وتعلم الكثير منه، والخروج بخلاصاتٍ تجنبنا الكثير من الأخطاء والزلل.
ولتجلية صورة ما نتحدث عنه، سنمر على بعض الوقائع التاريخية؛ سواء في عالمنا الإسلامي أو في الغرب، وأخذ العبر منها، من خلال حكمة القيادة التي جسَّدت متغيرات تلك المرحلة، وكان لها حقيقة بصمات تعكس طبيعة الكثير مما اتخذته من المواقف والسياسات، والتي تعبر عن الحنكة السياسية والقدرة العالية لرؤية المخاطر وسبل تجنبها، والوصول بذكاء إلى ما حفظ شعوبها من الاندثار، وحمى تراثها من الضياع، وسنتناول ثلاثاً منها، حيث كان لنباهة القائد وحكمته الفضل فيما تحقق لها من إنجازات ومكانة تحت الشمس.
أولاً) صلاح الدين الأيوبي وصلح الرملة: التفاوض بذكاء وحنكة
كلما قرأت عن صلح الرملة؛ وهو الاتفاق الذي تمَّ عقده بين صلاح الدين الأيوبي وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، وأحد قواد الحملة الصليبية الثالثة على بلاد الشام عام 1192، أدركت بأن المفاوضات يمكن أن تأتي أيضاً بكل ما نتطلع إليه من المكاسب والإنجازات، ولكن في سياقات الرجل الحكيم ذي القوة المكين.
أكثر من سبع جولات تفاوضية خاضها صلاح الدين مع ريتشارد، والتي تحسس من خلالها نقاط القوة والضعف لدى أعدائه، كما أنه اشترى الكثير من الوقت لتعزيز قواته، وتحييد العديد من مواقع الخصوم التي كانت تحيط بمملكته.
لقد تمكن صلاح الدين وأخوه العادل من إدارة مفاوضات ناجحة أفضت بتسليم ريتشارد للكثير من المطالب والشروط التي أدت لحقن الكثير من الدماء، والتمكين للمسلمين من إحكام قبضتهم على بيت المقدس، وإنهاء سنوات من القتال الذي أخذ طابعاً دينياً تورط فيه العديد من ملوك أوروبا وكنائسها، ولكن الله كتب للمسلمين بحكمة صلاح الدين النصر والتمكين.
لقد تعلمت الكثير وأنا أقرأ تفاصيل الجولات التي سارت عليها العملية التفاوضية حتى الوصول لتلك الهدنة أو الصلح، وكذلك عن حكمة القائد صلاح الدين، والذي كان يُعدُّ بطلاً للسيف، وأستاذاً في علم المفاوضة، والذي يتوجب على قيادات اليوم من الإسلاميين أن يقرأوا سيرته، وأن يتبحروا في دراسة منهجيته التفاوضية، والتي سجل التاريخ صفحاتها، وتناولتها أقلام الباحثين في مجال التاريخ وعلم السياسة وحلِّ النزاعات.. لقد أعجبني البحث الذي كتبه د. رياض شاهين، والذي تابع بحكم تخصصه كأستاذ للتاريخ مجريات تلك الأحداث والوقائع، وخرج بالعديد من الخلاصات التي تضمنها بحثه، الموسوم "هـدنة الرملـة والظروف المحيطة بها"، حيث أورد فيه المراحل التي مرت بها العملية التفاوضية، حتى تمَّ التوصل إلى ذلك الاتفاق التاريخي، والذي كانت نتائجه تعكس حكمة وذكاء وصبر القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي.. ولعل ما لفت نظري من بين الكثير من الخلاصات التي توصل إليها الباحث مقولته "إن قـبـول صـلاح الديـن لمبدأ المفاوضات، علـى الرغـم من أن الصليبيين يحتلون أرض المسلمين فيه دلالة علـى عقليـة سياسية واعيـة، فالرفض أحياناً لا يـنـم عن سعة في الأفق ولا فهـم فـي السياسـة".
ثانياً) نلسون منديلا: المصالحة وبناء الدولة
إن الصراع المسلح في جنوب أفريقيا استمر طويلاً ولأكثر من أربعة عقود، إلى أن جاءت اللحظة التي أدركت فيها القيادة أن المرحلة القادمة تتطلب أسلوباً آخر غير الكفاح المسلح، حيث اتجهت الأنظار بعد التمحيص على العمل على كسب الرأي العام العالمي عبر الدعوة لإعلان المقاطعة الاقتصادية لنظام الفصل العنصري (الأبارتهايد).
كانت عملية التحول في أدوات النضال هي ما أيقظ وعي البيض الحاكمين والممثلين للقيادة السياسية في البلاد، إلى ضرورة التفكير في نلسون منديلا باعتباره الزعيم الذي يتمتع بسيرة نضالية كبيرة، ويكن له سكان البلاد الأصليين بالكثير من التقدير والاحترام.
كانت البلاد تتجه بتأثير الضغوط العالمية لإنهاء نظام الأبارتهايد، ومنح الأفارقة حق تقرير المصير، حيث ستؤول شؤون الحكم والسياسة في البلاد إليهم بحكم أغلبيتهم العددية.
فكرت القيادة الحاكمة للبلاد من البيض بالشخص الذي يمكنها معه عقد صفقة تنقذ البلاد من التشرذم والانقسام، فوقع الخيار على نلسون منديلا الذي يقبع في السجن لأكثر من عقدين من عمره، ولكنه الشخص الذي يحظى بشعبية واسعة ومسيرة وطنية متقدمة، ولكنه اغدا خيار المستقبل الذي يمكن بناء شراكة سياسية معه. ولذلك، بدأت عملية التواصل معه وهو في السجن، وإخضاعه من حيث لا يدري لعملية تثقيف سياسي مكثفة استمرت لحوالي ثماني سنوات، بهدف تهيئته لما هو قادم من شراكة سياسية بين الطرفين.
زاره خلال تلك الفترة الكثير من المفكرين والسياسيين، وجرت معه حوارات موسعة حول مستقبل البلاد، والعملية الديمقراطية التي تحفظ حقوق البيض ضمن الشراكة السياسية التي يتقاسم فيها كل من البيض والسود إدارة شئون البلاد، حيث إن قطاع المال والأعمال الذي هو ركيزة استقرار وتألق النظام الاقتصادي هو عملياً بيد البيض، فيما العملية الديمقراطية وما تفرزه من نظام سياسي ستكون مرجعيته للسود، وهذا يتطلب الكثير من التنسيق والتعايش والتفاهمات بين الطرفين، كما أن الانفتاح على العالم يتطلب أمناً واستقراراً كبيرين، وهذه مهمة لا يقدر إلا رجل رشيد يقدر حجم المخاطر التي يمكن أن تلحق بالبلاد إذا ما انهار التعايش بين البيض والسود.
ثماني سنوات مرت، ومانديلا يعيش حالة من التثقيف والمراجعات والتأمل في مستقبل البلاد، ويقلب الأمور مع بعض القيادات التاريخية من حركته، والتي سمحت لها حكومة البيض بزيارته خلال تلك الفترة، إلى أن وصل مع أركان حركته التي كانت تتصدر قيادة الحركة الوطنية – آنذاك - إلى أن الخيار الديمقراطي هو الأفضل لبناء جنوب أفريقيا، واستنهاض شعبها من وضعية الفقر والمجاعة وجمع شمل الوطن بما يحقق الأمن والأمان والاستقرار والازدهار للجميع.
خرج مانديلا من السجن بعد أن اتضحت صورة نظام الحكم الذي يريد إقامته في البلاد، فقام بالمصالحة التاريخية بين كل المكونات العرقية والدينية والإثنية في البلاد، وتمَّ كل ما كانت تتطلع له الأقلية البيضاء من استقرار وتعايش، مما جعل الجميع يشعر بالأمن والاطمئنان والكرامة الوطنية والتحرر من المظلومية التاريخية.
لقد خرج مانديلا من السجن بعد قرابة ثلاثة عقود ليس لينتقم، بل ليبني البلاد ويشيد عمرانها، ويضع لبنات الوطن الذي يشعر فيه الجميع بالحرية والانتماء، وعلى كاهل الأبيض والأسود تشاد أركان البلاد.
ثالثاً) مايكل كولنز: العزيمة والحسم
كان مايكل كولنز من أبرز قيادات الجيش الجمهوري الإيرلندي، حيث كان محارباً لا يُشق له غبار، وصاحب مواقف متشددة تجاه الاحتلال البريطاني لبلاده، لذلك كان يتمتع بشعبية كبيرة بين الثوار وحاضنتهم الشعبية.
وعندما طرحت بريطانيا التفاوض مع الجيش الجمهوري لحل الصراع وانهاء الاحتلال، وجرى الحوار بين القيادات العسكرية حول أفضل من يمثلهم في العملية التفاوضية، وقع الاختيار على مايكل كولنز؛ كونه الرجل الأقوى والأشد معارضة وعداوة للوجود البريطاني على أرض بلاده.
وفعلاً؛ ذهب كولنز لمفاوضة بريطانيا، وجاء بعد سنتين برؤيته لحلٍّ سياسي، وبخريطة طريق لإنهاء الصراع في البلاد، و تقوم الخطة على انسحاب بريطانيا من عشرين ولاية من الولايات الست والعشرين، وإقامة جمهورية إيرلندا المستقلة عليها، والابقاء على الولايات الست الأخرى في الشمال ضمن حدود المملكة المتحدة، حيث إن هناك نسبة كبيرة من سكان تلك المناطق من ذوي الأصول البريطانية، وبإمكان تلك الولايات أن تتمتع بنظام ديمقراطي يسمح بالشراكة الوطنية لكل سكان البلاد، والتعايش ضمن كيان سياسي جديد، يحفظ لهم الأمن والأمان والاستقرار والازدهار.
كان العرض مغرياً للمفاوض الإيرلندي، فقرر كولنز القبول به.. وبعد نقاش الاتفاق مع زملائه في قيادة الجيش الجمهوري، رفض البعض منهم العرض، ولكن الغالبية كانت مع القبول بالاتفاق.
مضى كولنز في تطبيق الاتفاق، وأعلن قيام جمهورية إيرلندا المستقلة بعد ثمانمائة عام من الاحتلال البريطاني للبلاد.
كان هذا القرار سبباً في التحريض عليه بين من عارضوا الاتفاق.. وبين من كان يتحرك لتثبيت أركان الجمهورية بعد استقلالها، استدرجه بعض رفقاء الدرب في المقاومة بدعوى استئناف الحوار فيما بينهم، فذهب وحده إلى لقائهم في مكانٍ حددوه له، مطمئناً لتاريخه النضالي معهم، وقيادته السابقة لهم.
عندما استفردوا به اغتالوه، وانهوا سيرته بشكل صادم لشعب الجمهورية.
اليوم، إيرلندا دولة تتمتع بالحرية والاستقلال، وإن كان جزء من الإيرلنديين في الشمال ما زال يطالب بالانفصال عن بريطانيا والانضمام للجمهورية.
نجح كولنز بحكمة قراره وشجاعة مواقفه أن يحسم صراعاً تاريخياً امتد لثمانية قرون، هلك خلالها الحرث والنسل، وتشتت فيها الشعب الإيرلندي، والذي هاجر منه الملايين لأمريكا وأوروبا وأستراليا.
اليوم، تنعم البلاد بالأمن والاستقرار؛ سواء من تحرر منها ونال الاستقلال أو من تبقى يطالب - ديمقراطياً - بالانضمام للوطن الأم.
كان كولنز حاسماً وصاحب رؤية وتاريخ، ويتمتع بمصداقية نضالية عالية، اسهمت في قبول واحترام قراره، والانتصار له بين الغالبية من اتباعه، ولولا ذلك القرار الحكيم والرشد السياسي لقائد عسكري حكيم، لاستمرت حمامات الدم والإبادة لشعب الجزيرة حتى اليوم وبأساليب همجية لا تُبقي ولا تذر.
ختاماً: إن التاريخ البشري فيه الكثير من المشاهد والوقائع والصور التي نحتاج أن نقرأها ونتفحص صفحاتها، لنتعلم ونأخذ منها الدروس والعبر، والتي في كثير من خلاصاتها أن حكمة القيادة وبُعد نظرها، وقدرتها على الحسم واتخاذ القرار، هي أحد العناصر المهمة للتمكين وحماية البلاد واستقرارها.
لن أوغل في صفحات التاريخ البعيدة، فأمامنا الآن شواهد في عالمنا العربي والإسلامي تعكس حكمة وقدرة الرجل الرشيد، فهناك تركيا أردوغان، وهناك - في تونس - الشيخ راشد الغنوشي الذي جنب بلاده ويلات صراع داخلي كذلك الذي شاهدناه في العراق وسوريا، وهناك السياسي المحنك عبد الإله بن كيران ورفيق دربه د. سعد الدين العثماني وحزب العدالة والتنمية المغربي، الذين تعايشوا مع النظام، وأداروا شئون البلاد بحكمة واقتدار، وقطعوا الطريق في وجه أي صراعات أو مواجهات داخلية شبيهة بتلك التي شهدتها بلدان الربيع العربي.
ختاماً.. إن التاريخ هو إطار معرفي فيه خبر الأولين والآخرين؛ باعتبار أن ما سيكون هو انعكاس لما كان من تداول الأيام، وأن كل من يقود ويتصدر قيادة شعبه، ويرتفع سهمه في معادلة الحكم والسياسة، عليه أن يوغل فيه - قراءة وتدبراً - لاستخلاص الدروس والعبر.
هذه نصيحتنا نُسديها لقياداتنا السياسية، التي تعي بأن معادلة المُلك وإدارة شئون الحكم تتطلب الكثير من الحكمة والفطنة والديارة السياسية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    السبت 05 أغسطس 2017, 10:56 am

المتطرفون فى غزة يشكلون تهديداً لأمننا القومى..وبعضهم شارك فى العمليات الإرهابية بسيناء..ودحلان "شريك" وطني

القاهرة: قال الدكتور أحمد يوسف، القيادى فى حركة «حماس» ، رئيس مجلس «بيت الحكمة» فى غزة، إن التفاهمات بين حركة «حماس» ومصر بدأ تطبيقها بالفعل وأصبحت «تطبيقات على الأرض»، موضحاً أن هناك حديثاً عن إجراءات لإمكانية تحويل «الاقتصاد الفلسطينى» بمليارات الدولارات إلى مصر بدلاً من ارتهانه بإسرائيل.
وأضاف يوسف فى حوار لـ«الوطن» المصرية، أن أحداث «الأقصى» الأخيرة وحدّت الفصائل الفلسطينية، وأن القاهرة لها «اليد المؤثرة» فى موضوع التفاهمات داخل «قطاع غزة» بين فصائل العمل الوطنى والإسلامى.
■ ازدادت زيارات وفود «حماس» فى الفترة الأخيرة للقاهرة.. ما آخر ما توصلت له هذه الوفود من تفاهمات بين الطرفين؟
- التفاهمات مع الجانب المصرى لا شك أنها أصبحت تطبيقات على الأرض تقريباً، فالعمل جار بشكل غير مسبوق فى موضوع المنطقة العازلة، والجرافات تعمل بشكل جيد، فضلاً عن التجهيزات الأمنية لضمان أن هذه المنطقة أصبحت آمنة ومستقرة، وهناك وفد مصرى قد يأتى إلى قطاع غزة لمتابعة التطورات على الأرض، خاصة فيما يتعلق بالإجراءات الأمنية فى المنطقة العازلة، وهذا شىء مبشر، والناس كلها مرتاحة بشكل أو بآخر، على الأقل لم يعد هناك ما يستدعى أن تكون هناك ذرائع باتهام الجانب الفلسطينى بأى تواطؤ أو غض الطرف فى سيناء.
■ وماذا عن المواقف السياسية للحركة تجاه مصر؟
- من المعلوم للكافة أن التنديدات بأى عمليات تستهدف الجيش المصرى فى شمال سيناء أصبحت لغة خطاب وموقفاً على ألسنة قيادات الحركة فى قطاع غزة، وبشأن ما هو مقبل، فهناك حديث فتح المعبر وتجهيزات يتم إجراؤها من الجانب المصرى بتوسعة المعبر وجعله متاحاً بشكل مستمر بالنسبة للفلسطينيين الذين أصبحت وجهتهم باتجاه مصر كطوق نجاة أكثر من أى مكان آخر، كما أن هناك حديثاً أيضاً عن إجراءات لإمكانية تحويل الاقتصاد الفلسطينى إلى مصر بدلاً من ارتهانه بإسرائيل، وأن تتحول كل مليارات الدولارات التى تمثل مشتريات الجانب الفلسطينى من الإسرائيليين إلى مصر، وهذه كلها رؤية استراتيجية لعلاقات استراتيجية وطيدة مع مصر التى يكن لها شعبنا كل تقدير واحترام، فما بيننا أكثر من موضوع الجوار، وهى علاقات تاريخية ممتدة زمنياً بشكل يعود لبدايات الفتح الإسلامى، والعلاقات التاريخية مع مصر موجودة، إضافة إلى الخطاب السياسى المصرى تجاه موضوع الصراع العربى الإسرائيلى ومحاولة إيجاد حلول تليق بكرامة الفلسطينيين والحفاظ على حقوقهم التاريخية فى أرض فلسطين.
أحداث الأقصى وحدت الفصائل الفلسطينية.. والحديث عن المصالحة المجتمعية أصبح جاداً ولم يعد مجرد عنوان سياسى
■ وماذا عن الإجراءات التى تنفذها «حماس» على الأرض بشأن التيار المتشدد بغزة فى إطار التفاهمات المصرية؟
- لا شك أن الحركة تعاملت مع هذا التيار فى البداية بالحكمة والموعظة الحسنة، وأملت أن تكون هناك مراجعات، وأطلقت العنان للكثير من الدعاة والعلماء لانتقاد كوادر كبيرة من هذا التيار، لكن هذه الأمور للأسف لم تجد نفعاً، وهنا جاءت المعاملة الأمنية والمحاكمات، فالقضاء دخل على خط هذه المراجعات ومن تثبت إدانته ونواياه بأعمال ممكن تضر الأمن الفلسطينى أو تسىء للعلاقة مع مصر وتسىء للأمن القومى المصرى لا يمكن التسامح معه، وهناك ملاحقات أمنية مستمرة ومعتقلون كثيرون موجودون تحت أعين الأجهزة الأمنية، وهناك أناس يتم استدعاؤهم من حين لآخر للتحقيق بالتزامهم بالأمن والنظام وألا ينخرطوا فى أى أعمال من الممكن أن تسىء للحالة الأمنية فى مناطق الحدود، أو على الأقل ممكن أن تعرض الأوضاع الأمنية على مناطق الحدود لأى نوع من المشاكل مع مصر، هذا التيار كله فى إطار المتابعة والملاحقة، وكثير منهم خضعوا للمحاكمات وبعضهم بالسجن وبعضهم تم الإفراج عنهم لعدم ثبوت عليهم أى أعمال، ولكن يتم استدعاؤهم للتواصل فى التحقيقات من حين إلى آخر.
وعندى يقين أن الملاحقات الأمنية جزء من رفض هذا التيار، وعدم السماح أن يتم غض الطرف عن خطورة أو سلوكيات عدة كوادر من هذا التيار، التى ثبت أنها أساءت لعلاقاتنا مع الدول العربية الشقيقة، خاصة مصر، كما شكلت تهديداً لأمننا القومى وبعضهم شاركوا فى العمليات الإرهابية التى جرت فى شمال سيناء، بحسب ما وصلنا من أسماء، لذلك كان موقف الحركة حاسماً فى هذه المسألة، ولم تسمح بإقامة أى بيوت عزاء لمثل هؤلاء الذين كان لهم دور فى الإساءة لعلاقتنا مع مصر أو تهديد الأمن القومى المصرى.
■ ماذا تعنى مشاركة القيادى محمد دحلان فى المجلس التشريعى الفلسطينى فى غزة لأول مرة منذ 10 سنوات؟
- مشاركة «دحلان» تؤكد أن هذا التحول فى الموقف الفلسطينى هو توجه حقيقى ونقلة نوعية، ومحاولة لطى صفحات الخلاف التى كانت قائمة بعد أحداث 2007 وما سبقها، وهذا التحول جذرى واستراتيجى فى اتجاه بناء علاقات فلسطينية - فلسطينية قائمة على التفاهم والشراكة الوطنية، على الرغم من أن المعظم فى المجلس كانوا خصوماً فى السابق للنائب محمد دحلان، إلا أنه كان هناك حديث مفعم بالأمل والتمنيات فيما يتعلق بدور المجلس التشريعى فى صياغة الخريطة السياسية للمرحلة المقبلة.
خلال أحداث «القدس» الأخيرة وقف المسيحى جنباً إلى جنب مع المسلم للصلاة والدعاء والرباط أمام الأقصى وأرسلوا رسالة إلى الاحتلال مفادها أننا صامدون
وسيكون هذا التيار جزءاً حقيقياً فى إدارة الوضع الفلسطينى الداخلى، وفى اتجاه بناء شراكة وطنية تكون فيها «فتح وحماس» ركائز أساسية فى هذا المشروع لتخفيف الضغوطات المفروضة على قطاع غزة وخطوة فى اتجاه استكمال مشروع المصالحة مع الطرف الآخر، وهو الرئيس الفلسطينى محمود عباس أبومازن.
■ يعتبر الكثير فى حركة فتح أن «دحلان» مفصول من الحركة ولا يمثلها.. فما رأيك فى ذلك؟
- هذه اللغة غير موجودة فى قطاع غزة، ربما موجودة على ألسنة بعض السياسيين فى الضفة الغربية، حيث يمثل محمد دحلان منافساً قوياً لهم فيما يخص مستقبل قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح بشكل عام، وهذه الألفاظ لم نعد نسمعها فى قطاع غزة، وبانعقاد المجلس التشريعى، والخطاب المسئول الذى تبناه الجميع أصبح «دحلان» شريكاً وطنياً فى الساحة الفلسطينية، بالتالى فإن أى لغة غير وطنية وغير لغة الشراكة الحقيقية التى نحاول أن نؤسس لها ونبنى من خلالها مجتمعنا الفلسطينى فى قطاع غزة لغة مرفوضة، لم يعد هناك كلام فى قطاع غزة عن كون محمد دحلان قيادياً مفصولاً أو «مش مفصول»، فهناك من يتخوفون من بروز كاريزما محمد دحلان وما يتعلق بخلافة الرئيس أبومازن، أما بالنسبة لنا فى غزة أؤكد أن دحلان شريك وطنى ويؤدى إلى تخفيف الأوضاع الكارثية والمأساوية فى القطاع، وأعتقد أنه بشكل أو بآخر مثله مثل الآخرين يمر بحالة من المراجعات، فأصبح مخضرماً لم يعد ذلك الشاب الثائر والسلبى تجاه الآخرين، وأيضاً أصبح يتطلع للآخرين كشركاء فى هذا الوطن، والمطلوب أن نضع أيدينا مع بعضنا البعض وأن نبنى ساحتنا الفلسطينية معاً، لم يعد دحلان ذلك الشاب الطائش كما يظن البعض، واليوم هو أكثر حكمة ومسئولية مما مضى، ولغته أكثر وطنية باتجاه الآخر، كما أن تصريحاته تجاه حركة حماس ودفاعه عنها، بعد اتهامها بما خرجت به محكمة العدل الأوروبية يعبر عن مستوى إنسان مسئول ينظر لحركة «حماس» كحركة وطنية وليست إرهابية، وهذا كلام يؤدى إلى تحسين الصورة ودرجة القبول لشخصيته فى مستقبل الساحة الوطنية الفلسطينية.
■ وماذا عن إنهاء الانقسام الفلسطينى؟.. هل يتم العمل على تنفيذ «اتفاق القاهرة 2013» أم أن هناك جديداً؟
- أعتقد أن التفاهمات التى تمت فى القاهرة عام 2013 هى ما يجرى العمل بناء عليه حالياً، كما أن إعادة بناء وتشكيل الهيئة الوطنية للتكافل الاجتماعى بمشاركة معظم فصائل العمل الوطنى والإسلامى تمت فعلياً، ووضع النقاط على الحروف أصبح بمثابة منهجية الآن فى هذه اللجنة، وأيضاً هناك اللجنة الإدارية التى ستواصل عملية الإشراف وإعادة الهيكلة فى إدارة شئون قطاع غزة، والتى ربما سيتم التوقيع عليها مع قدوم القيادى الفلسطينى فى حركة فتح سمير المشهراوى خلال الأيام والأسابيع المقبلة، وأيضاً لجنة التكافل التى سيكون لها مجهود فى جمع التبرعات الإنسانية لقطاع غزة، وأيضاً الهيئة الإدارية المختصة بمشروعات كبيرة جداً فى قطاع غزة سيتم التوقيع عليها أيضاً مع قدوم «المشهراوى»، فهناك مشاريع تتعلق بموضوع محطة الكهرباء، وإدارة شئون المعبر من الجانب الفلسطينى بالتنسيق مع مصر، وموضوع خلق مشاريع تنموية لاستثمار الطاقات الموجودة والمعطلة فى غزة، أعتقد أن التفاهمات موجودة وتطبيقها على الأرض قائم.
هناك محاكمات واعتقالات وملاحقات أمنية لعناصر متشددة بالقطاع فى إطار العلاقات مع القاهرة
وهناك موضوع المصالحة المجتمعية، حيث يجرى الآن حصر لكل شهداء الأحداث المأساوية فى 2007، وكل من تعرض لأضرار، حيث يتم كل ذلك بتنسيق بين الفصائل الفلسطينية جميعاً التى تعمل على هذا الملف، وهذا ملف كبير، يمهد الطريق بشكل كبير جداً أن تأخذ المصالحة دوراً أكثر من أن تكون فقط عنواناً سياسياً أو عنواناً مجتمعياً، الكل يضع ثقته فى القيادة الجديدة التى تتولى إدارة شئون قطاع غزة والممثلة من كافة القوى الوطنية وعلى رأسها فتح وحماس.
■ وماذا ترى بشأن المصالحة بين الفصائل تحت رعاية مصرية خلال الفترة المقبلة؟
- بدون شك أن تطبيق الأشياء التى تم الاتفاق عليها، وأن يشهدها الشارع فى قطاع غزة، وأن تجد فصائل العمل الوطنى والإسلامى تعمل على تنفيذ مثل هذه التفاهمات، وأن تتحول إلى تطبيقات على الأرض، فإن ذلك سيسهل أى إجراءات مستقبلية فيما يتعلق بأن تلتقى كل فصائل العمل الوطنى والإسلامى فى مصر لاستكمال جهود المصالحة والخروج بتفاهمات جديدة فى ترتيب الوضع، طالما الآن العلاقة مباشرة ومفتوحة مع مصر، وإن القاهرة لها «اليد المؤثرة» فى موضوع التفاهمات داخل قطاع غزة وبين فصائل العمل الوطنى والإسلامى، وأعتقد أن المسألة الآن أصبحت فى ظل هذا الانفراج فى العلاقة مع التيار الإصلاحى وحضوره الكبير فى غزة، أصبحت المسألة ربما أسهل أن ترعاها مصر وأن تصل إلى تفاهمات حقيقية واتفاق فعلى بين فصائل العمل الوطنى والإسلامى، وبغض النظر عن سواء شارك التيار المحسوب على أبومازن أم لم يشارك، لكننى أرى أن فصائل «الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحركة الجهاد» كلهم جاهزون لأى مصالحة يمكن أن ترعاها القاهرة برعاية مصرية للتوصل إلى شراكة حقيقية، ربما ترتيب أوضاع مستقبلية حول قضية انتخابات أو ما إلى ذلك تجرى أو تتم داخل قطاع غزة.
■ هل هناك أطراف خارجية أخرى بخلاف مصر تسعى إلى إتمام تلك المصالحة؟
- لا أعتقد أن يظهر «كثيراً من الحرص وتقديم التسهيلات» إلا مصر الآن، وفى المشهد الفلسطينى تتحرك أطراف أخرى كان فى السابق لها دور فى السعى لتحقيق المصالحة بأوضاعها الداخلية مثل قطر، ولكن الآن قطر مشغولة بالمشاكل الموجودة مع دول الخليج، وتركيا حاولت أن تكون طرفاً متوازناً فى العلاقة بين «حماس وأبومازن» وليس لها أى اعتراض أو تدخلات، فمثل قطر، كما إيران، كما تركيا، الجميع يعلمون أن غزة ضمن حسابات السياسة المصرية فى المنطقة، فمصر هى الأقدر على التعاطى مع الملف الفلسطينى، خاصة مع قطاع غزة، بحكم إدارة مصر لشئون القطاع أكثر من 11 عاماً، وهى أدرى بكل تفاصيل الوضع الفلسطينى، وبالتالى هم مدركون أن مصر تمتلك الأولوية فى معالجة هذا الملف، وهى شريان الحياة بالنسبة للقطاع، وبالتالى لا يتدخل أحد أو يشكل حالة اعتراض على أى تحركات تقوم بها «حماس» بشأن أى تفاهمات تجرى فى مصر.
■ أليس هناك جديد بشأن أى «صفقة أسرى» مقبلة مع الجانب الإسرائيلى؟
- هذا الملف بالغ التعقيد وليست هناك معلومات كثيرة يمكن الحديث عنها، ومن المبكر الحديث عنها، ليست هناك أى خطوات تقول إن الشهور المقبلة ستشهد اختراقاً فى هذا الملف، ما زال بالغ التعقيد، وما زالت هناك جهود مصرية تُبذل فى هذا المجال، لكن أيضاً من المبكر أن نتحدث عن شىء حقيقى فى هذا الملف لأن الموقف الإسرائيلى لا يزال متمركزاً حول رفض صفقة تليق بكرامة هؤلاء الأسرى والمعتقلين فى السجون الإسرائيلية واحترام ما تم التوافق عليه فى صفقة «جلعاد شاليط» بالرباعية المصرية، حيث قامت إسرائيل بإعادة اعتقال أكثر من 50 أسيراً محرراً، وهذا يعتبر تعدياً على الاتفاق الذى تم برعاية مصرية.
الاحتلال الإسرائيلى تعدى على صفقة «شاليط» التى تمت برعاية مصرية وأعاد اعتقال الأسرى المحررين من جديد
■ هل كانت أحداث المسجد الأقصى سبباً فى تحريك المياه الراكدة وعقد المجلس التشريعى الفلسطينى فى غزة يجمع العديد من الفصائل؟
- الأحداث التى جرت فى المسجد الأقصى والتوغل الإسرائيلى على القضايا ضغط على عصب مهم، وهو المسجد المبارك، وتخوفات الفلسطينيين أن يتم ما جرى فى الخليل قبل عدة سنوات فى قضية التقسيم الزمانى والمكان وحرمان المسلمين من فرض الوصايا على تراثهم الدينى، وهو ما دفع الجميع للتحرك، لا شك أن هناك تحركات كثيرة داخلية وخارجية، لكن الذى حسم الأمر وقفة وصمود الفلسطينيين و«المقدسيين» فى الضفة الغربية والمرابطين داخل ساحات المسجد الأقصى، فهؤلاء حسموا المعركة مع الاحتلال وأجبروا إسرائيل على رفع البوابات الإلكترونية عن مداخل المسجد الأقصى والسماح للجميع بالعودة للصلاة، ولا شك أن هذا دافع لكى يتم «التنادى» لعقد هذا الاجتماع للمجلس التشريعى الفلسطينى بمن حضر من النواب، ويسجل هذا الموقف أن القوى الوطنية والإسلامية فى قطاع غزة وقفت وقفة رجل واحد خلف الموقف الداعم للمقدسيين وأهل الضفة الغربية الذين احتشدوا بعشرات الآلاف دفاعاً عن مسجدهم، أعتقد كانت خطوة جيدة للتأكيد على أن «الأقصى» هو البوصلة التى تجمعنا من جديد، وسيكون عاملاً محركاً ومهماً جداً لاجتماع الشمل الوطنى الفلسطينى، وأيضاً إعادة حراك الأمة من أجل المسجد الأقصى والتفاعل بشكل كبير من جديد مع القضية الفلسطينية.
■ اتخذ الاحتلال الإسرائيلى خطوات فى خطته لـ«تهويد القدس».. فكيف نواجه ذلك؟
- أعتقد أن لدى إسرائيل مخططات قد تكون نجحت فى بعضها بسبب تقلص حضور العرب فى القدس بنسبة 30%، فإسرائيل من خلال القدس الموسع أصبحت نسبة اليهود نحو 70% وتقلص الحضور الإسلامى والعربى بشكل عام فى القدس إلى الثلث أو أقل، والآن التحركات الأخيرة هذه قالت للمقدسيين والفلسطينيين إنه لا بد من اجتماع الشمل والموقف الموحد الذى يضع حداً لعمليات التهويد والتوغل الإسرائيلى والاستيطانى فى القدس وغيرها.
لم يعد هناك كلام فى قطاع غزة عن كون محمد دحلان قيادياً مفصولاً من حركة «فتح» أو «مش مفصول»
■ وكيف ترى رد الفعل العربى تجاه نصرة «الأقصى»؟
- بدون شك المسجد الأقصى والمدينة المقدسة قضية كبرى من المفترض أن يتحرك لها المسلمون والمسيحيون أيضاً، لأن التراث الدينى المسيحى كبير وهو موجود فى حدود المدينة، ولا يخص المسلمين فقط، هذه قضية مقدسات مليار ونصف المليار من المسلمين، والمطلوب إعادة تشجيع المسلمين خلال مواسم الحج والعمرة وتكون لهم وقفات للمجلس الأقصى والقدس، عادة عندما كان المسلمون يتوجهون إلى الحج كانوا يتوقفون فى القدس، إما فى الذهاب أو الإياب باعتبار أن يكتمل الحج بزيارة بيت المقدس. ومن المفترض أن يكون لمنظمة «التعاون الإسلامى» جهد فى قضية الحفاظ على التراث الدينى فى هذه المدينة المقدسة وعدم السماح لليهود بأى إجراءات فى اتجاه التهويد، ولا بد أن يكون هناك موقف دولى عبر الأمم المتحدة وللمنظمات الدولية من أجل الضغط على الولايات المتحدة وفتح حوارات معها حول أن المدينة المقدسة خط أحمر، ولا يمكن لأى عربى أو مسلم التسامح فيه.
■ صف لنا مظاهر الغضب الفلسطينى على «الأقصى» فى قطاع غزة خلال الأيام الماضية؟
- كانت هناك الكثير من الأنشطة والاحتجاجات والمسيرات المناصرة لأهل القدس وتشجيعهم على الاستمرار فى وقفتهم دفاعاً عن مقدساتهم، وكانت هناك تحركات على مناطق الحدود ربما سقط بعض الشباب شهداء وجرحى، لكن غزة لم تهدأ، فى كل ليلة مسيرات، وحركات جماهيرية واسعة لعشرات الآلاف لتعزيز صمود المقدسيين، وكان هناك أيضاً الكثير من الشعارات الوطنية والدينية التى تحث المقدسيين على الصمود والاستمرار فى تحركات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلى.
■ وبماذا تفسر استهداف الاحتلال الإسرائيلى لرموز الأقصى بدءاً من مفتى القدس مروراً بخطيب الجامع.. وانتهاء بحراس المسجد؟
- الصراع الدائر هو صراع إرادات من الدرجة الأولى، إسرائيل تحاول كسر إرادة المقدسيين وتقطع الطريق أمام هؤلاء المرابطين، وأن تخيفهم، وبشكل أو بآخر شنت إسرائيل حملة اعتقالات واسعة، قامت بالتعدى على كثير من هؤلاء النشطاء من المرابطين داخل ساحات المسجد الأقصى، لكن كما قلت مكانة الأقصى «جوهرة» نفيسة وغالية على الفلسطينيين والمسلمين، وأعتقد أن إسرائيل ستخسر، كما كتبت عندما بدأت المواجهات قلت سيهزمون ولن تستطيع فى هذه المعركة كسر إرادة المقدسيين، لأن القدس والأقصى مسائل دينية، وحركت فى الفلسطينيين كل الاهتمامات، بحيث إن التراث الدينى هو تراث وطنى تحرك من أجله الإسلامى والمسيحى وكل أبناء فلسطين بمختلف طوائفها وإثنياتها من أجل الدفاع عن الأقصى، فقد وقف المسيحى مع المسلم للصلاة والدعاء للمسجد الأقصى، وشاهدنا وقفات اجتمع فيها الكل دفاعاً عن المسجد، فهذه المسيرات التى كانت بعشرات الآلاف لم تكن للمسلمين بل كان فيها مسيحيون، شاركوا فى الصلاة بساحات المسجد الخارجية وتحدوا جنود الاحتلال وأوصلوا رسالة للاحتلال مفادها أنهم مرابطون وصامدون.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الخميس 17 أغسطس 2017, 2:14 pm

د.يوسف: أولوية حماس التوجه نحو مصر و"شراكة حقيقية" مع تيار الاصلاح بقيادة دحلان لادارة قطاع غزة

غزة: أكد القيادي في حركة "حماس"، أحمد يوسف، أن الحركة ماضية نحو شراكة وطنية مع القيادي النائب محمد دحلان، في إدارة قطاع غزة، إلى جانب القوى والفصائل الفلسطينية، مشدداً على "عدم وجود حديث عن تشكيل حكومة جديدة برئاسة دحلان".
وقال يوسف، لـ"الغد" الأردنية، إن "عناصر من "التيار الإصلاحي الفتحاوي" في غزة، تيار دحلان، ستأخذ مكانها ضمن المؤسسات القائمة في القطاع، خلال المرحلة المقبلة، بحيث لن تقتصر على "حماس" فقط، بل ستشهد توسعاً أمام شراكة فعلية، مع مختلف القوى والفصائل الوطنية والإسلامية".
ولفت إلى "تشكيل لجنة إدارية بمشاركة وطنية واسعة للإشراف على الوضع الإداري في غزة، بحيث تضم كل من حماس و"الإصلاحي الفتحاوي"، ومن يرغب من القوى والفصائل الوطنية الإسلامية"، مبيناً أنها "لا ترتقي إلى شكل الحكومة ولكنها ستؤدي نفس الوظائف الحكومية".
بينما يعني تشكيل حكومة موسعة في قطاع غزة، بحسب يوسف، "التوجه الصريح نحو الانفصال، وهو الأمر المرفوض من قبل "حماس"، التي تؤكد مناهضتها الدائمة للإنفصال، الإداري والسياسي، بين الضفة الغربية وقطاع غزة".
وأوضح، أن "الوفد الكبير من "حماس" الموجود حالياً في مصر، يبحث مع وفد "التيار الإصلاحي الفتحاوي"، تيار دحلان، ومختلف القوى والفصائل الوطنية الإسلامية، 17 ملفاً يمسون عصب الحياة المعيشية واستمرار العمل المؤسسي في قطاع غزة".
وبين أن وفداً إماراتياً سيلتحق بأطراف النقاش في مصر، قريباً، فيما تمكنت اللجنة الوطنية للتكافل الإجتماعي من تحقيق جهد حقيقي في عملها، تزامناً مع الحديث عن دعم مالي إماراتي - خليجي بقيمة 15 مليون دولار شهرياً لتغطية الأولويات الملحة في القطاع".
وأفاد بإتمام مرحلة "جمع أسماء المتضررين من الأزمة المأساوية التي وقعت العام 2007، بدء الإنقسام، تمهيداً للشروع في دفع التعويضات لأسر الشهداء، إلى جانب صرف شهادات رمزية كنوع من العرفان بالتضحية وبما يحفظ الكرامة".
ولفت إلى أولوية "دفع تعويضات "الدية الشرعية" للأسر المتضررة، بدعم مالي إماراتي، تزامناً مع دفع تعويضات الجرحى، أو ما يسمى "جبر الضرر"، لكل من لحق به الضرر، سواء بالعمل أم المنزل..الخ، عقب تقدير القيمة".
وتحدث عن "تشكيل لجان مصاحبة لاعتماد الآليات التنفيذية المناسبة، بغية إعطاء الأولوية لدفع التعويضات، وتسوية "أمور الدم"، حال وصول الدعم المالي المطلوب"، معتبراً أن "المرحلة ألأولى تكتسب الأهمية الوازنة كمؤشر فاعل لمضي غزة نحو المصالحة المجتمعية".
وأفاد بعكوف اللجنة في مصر على بحث "17 ملفاً حيوياً، في البنية التحتية والكهرباء والزراعة والأدوية والتعليم والصحة والخريجين...، فضلاً عن ملف المصالحة المجتمعية، الذي تم استكمال تفصيلاته، تقريباً".
ولفت إلى "إعداد مشاريع مهمة من جانب خبراء ومستشارين ومختصين ومتابعين للأولويات الملحة في القطاع، لتخفيف معاناة الناس، بانتظار حضور اللجنة بإجابات وافية عن سبل توفير الدعم المالي المطلوب".
وقدر "بإدراك الناس لطبيعة تفاهمات حماس - دحلان التي تشكل بداية انفراجة حقيقية في القطاع، بهدف تحقيق المصالحة المجتمعية الوطنية، وإنقاذ الوضع المتدهور، رغم وجود المعيقات وتراوح الترقب بين الأمل والحذر، ولكنها خطوة استراتيجية معتبرة".
ولفت يوسف إلى "حرص الحركة على أولوية التوجه نحو مصر، وتحقيق الشراكة الحقيقية مع "التيار الإصلاحي الفتحاوي"، في خطوة استراتيجية حيوية، بالتزامن مع الجهود المبذولة حالياً لتحقيق المصالحة مع الرئيس محمود عباس"، معبراً عن أمله في أن "تسير ألأمور بالشكل الصحيح".
ونفى بأن يكون هذا التحرك بمثابة "ورقة ضغط على الرئيس عباس، وإنما بحث "حماس" الدؤوب عن تأمين الحياة المعيشية الكريمة لأهالي القطاع، مع الإبقاء على إمكانيات المقاومة وقدراتها الجهوزية التامة للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني والتصدي المضاد لعدوان الاحتلال".
وبين أهمية "تحقيق الشراكة الاستراتيجية والإصلاح الحقيقي في العلاقة مع "التيار الإصلاحي الفتحاوي"، بالتزامن مع الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة الوطنية مع "فتح"، مصحوباً بقيام الأخيرة بترتيب أوضاعها الداخلية، لأهمية بقائها قوية ومتماسكة، بما له من انعكاس ايجابي على الوضع الفلسطيني".
واعتبر أنه "طالما استمر غياب عمل حكومة الوفاق الوطني، وعدم تحقيق خطوات فعلية لإنهاء الإنقسام، واستمرار الإجراءات القمعية ضد غزة، فإن "حماس" ستبحث عن سبل التخفيف عن أهالي القطاع وإنقاذ الوضع المتدهور فيه".
وتوقف عند أولوية "التفاهم مع مصر لتسهيل سبل حركة نقل الأفراد والتجارة عبر معبر رفح، وتسهيل عبور المرضى، حتى يصبح المعبر متاحاً للحركة التجارية للمساعدة في تخفيف معاناة أهالي القطاع".
ولفت إلى أن أولوية مباحثات اللجنة تدور حول مشاريع اقتصادية حيوية، تتخذ صفة الأولوية الملحة التي تمس الحياة المعيشية للمواطنين، متوقفاً عند "تحقيق المصالحة المجتمعية، وتقديم الدعم الإغاثي، ومعالجة ملفي الفقر والبطالة، لاسيما بين صفوف الفئة الشابة، وتقديم المساعدات العينية المالية للأسر المعوزة، عن طريق جمعيات خليجية، فضلاً عن تأمين الدعم اللازم لإنقاذ تدهور الأوضاع في القطاع".
كما تتصدر الأولويات "تشغيل محطة الكهرباء، وتأمين الوقود والإنشاءات، ومعالجة مشكلة الأدوية"، ليتم، في مرحلة متقدمة، بحث "بناء محطة توليد كهرباء، وإقامة الميناء، وغيرها من المشاريع البنيوية الحيوية التي تسهم في تحريك الاقتصاد بالقطاع".
ومن المقرر أن يعود بعض أعضاء اللجنة إلى قطاع غزة، لاستعراض ما تم التوافق عليه في مصر، فيما سيجوب آخرون فضاءات الدعم والإسناد المالي للقطاع.
كلمات دالّة:
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الإثنين 28 أغسطس 2017, 11:04 pm

د.يوسف: حركة حماس ودحلان..من تفاهمات الضرورة إلى حتميات الشراكة



غزة - كتب د. أحمد يوسف: عندما حدثت الانفراجة المفاجئة بين حركة حماس وتيار فتح الإصلاحي في القاهرة، وتمخضت عن أكثر من لقاء مع النائب محمد دحلان؛ القيادي في هذا التيار، كانت ردة الفعل تتراوح بين الصدمة والذهول لدى الكثير من الإسلاميين، والترحيب والبشرى عن البعض الآخر، كما أن هناك من بين الفصائل من التزم الصمت، وآثر التريث والانتظار حتى ينجلي الغموض وتتبين ملامح هذه التفاهمات.. ولكن - وهذه حقيقة - كانت الأسئلة تجري على ألسنة الجميع بلا توقف.
واليوم، برغم مضي أكثر من شهرين على تلك التفاهمات، إلا أن غالبية شرائح المجتمع الفلسطيني بكل عناوينها الفصائلية والحزبية، ومنظمات المجتمع المدني، والنخب من الأكاديميين والمفكرين والإعلاميين ما تزال تلوك بألسنتها تلك التفاهمات بلغات متفاوتة، قاسمها المشترك هو أنهم "مبشرين ومنذرين"؛ فلا إجابات قاطعة لديهم ولا تطمينات حاسمة، والكل يعتمد منطق التخمين والتحليل، الذي لا يخلو من الحدس والتوجس، وأن الدليل على صدقية هذه التفاهمات مرهون بالدرجة الأولي على إيجاد حلول لمشكلة الكهرباء، ونسب البطالة العالية بين الشباب، وتغيير لسلوكيات المعاملة اللاإنسانية التي يتعرض لها الفلسطينيون في المطارات المصرية، وحجم التسهيلات وحركة السفر على معبر رفح؛ شريان الحياة الأساس لقطاع غزة.
وحيث إن علامات الاستفهام تملأ فضاء قطاع غزة، وهي الشغل الشاغل لأحاديث النخب ودردشات المجالس، فقد تعهدنا في مؤسسة بيت الحكمة؛ وهي مركز أبحاث للدراسات والاستشارات، أن نحمل هذه الهموم والاستفسارات لقيادات من هذا التيار الإصلاحي لحركة فتح ولشخصيات من حركة حماس، ولبعض قيادات الفصائل ومنظمات المجتمع المدني، إضافة للنخب الفكرية والسياسية، لنسمع منهم جميعاً وجهات نظرهم المختلفة حول هذه الخطوة، والانطباعات التي تشكلت لديهم حول هذه التفاهمات، كما أننا أجرينا في الوقت نفسه أكثر من جلسة حوار مع الشباب، للإنصات إلى ما يدور في أذهانهم وبين تجمعاتهم، حول كل ما يجري من تحركات سياسية تمس واقع حياتهم ومستقبل أجيالهم.. آملين من وراء هذا الجهد البحثي والاستقصائي التوصل إلى نتائج، ربما إن أحسنَّا استخلاصها مساعدتنا على توفير بيئة معرفية لتقييم تلك التفاهمات، من حيث حجم التطمينات أو غيابها.
من الجدير ذكره، أن هذه التحركات السياسية التي يشهدها أهالي قطاع غزة، من حيث التفاهمات والاتفاقات والنشاطات التي ترعها اللجنة الوطنية للتكافل، لن يتمخض عنها حالياً إلا حالة من الانفراج الجزئي، وأنها لن تؤدي إلى تعقيد الحياة السياسية والمجتمعية أكثر مما هي عليه، حيث استشرت الأزمات، واشتدت حلكة المجهول، وأن وضعية المراوحة في المكان القائمة حالياً تميل – للأسف - لحالة من التأبيد والسرمدية إذا لم يحدث التدارك، وهذه أوضاع كارثية إن لم نعالجها بهذه التفاهمات فإنها تبعث على كثير من الخوف والقلق، بصورة ربما لم يسبق لها مثيل في حياتنا السياسية والمعيشية.
اسئلة وتساؤلات وعلامات استفهام محيرة؟!
في محاولة لرصد ما يدور في عقل الجميع حول هذه التفاهمات بين حركة حماس وتيار فتح الإصلاحي، تدافعت على مائدة الحوار الكثير من الأسئلة والتعليقات، وكانت الإجابات والتعقيبات وغيرها من مفردات الحوار هي خلاصة ما أجريناه في تلك اللقاءات الثلاثة التي أجريناها على مدار يومين - في فندق المتحف بغزة - في أجواء بعيدة عن وسائل الإعلام، ودون الإشارة لهوية الشخصيات المشاركة لنمنح الجميع التعبير بحرية عن قناعاتهم بأريحية، كون الهدف هو أن نصل بآرائنا وأراء الآخرين إلى النتيجة التي تمكننا من تقديم وجهات نظر صادقة وأمينة حول كل ما جرى وما زال يجري، كي يهدأ الشارع ويستقر الوطن، وينشرح صدر الجميع بأن هناك ما يلوح في الأفق بأنه طوق النجاة وسبيل الخلاص.
لقد طرحنا في تلك اللقاءات الكثير الكثير من الأسئلة، وحاولنا أن نكون لسان حال الجميع؛ حضر أو لم يحضر؛ لأن الهدف هو قراءة عقل عليِّة القوم، الذين يمتلكون معطيات وأسرار حول ما يجري، ولهم دراية - ولو نسبية - بالأجندات السياسية وما يدور خلف الكواليس. ولذلك، جاءت الأسئلة على الشكل التالي:
هل كان اللقاء بالنائب دحلان وتياره الإصلاحي في حركة فتح هو خيار الضرورة أم اقتضت ذلك المصلحة الوطنية؟ وهل هذا الانفتاح على دحلان سيؤثر على العلاقة المتوترة بين الرئيس أبو مازن وحركة حماس؟ وهل تحسين العلاقة مع دحلان يعني انفراجة أوسع في العلاقات مع مصر؟ وماذا لو أخفقت تلك الخطوة باتجاه دحلان، ما هي بدائل وخيارات حماس القادمة؟ وماذا لو كُتب لهذه التفاهمات أن تنجح، فما هو الشكل الذي ستتطور له العلاقة مع هذا التيار الإصلاحي في سياق الشراكة السياسية، وترتيب أوضاع القطاع، وهل معنى ذلك تكريس القطعية مع الرئيس والحكومة في الضفة الغربية؟ وهل إذا حدث مثل هذا سيكون مؤشر لانفصال قطاع غزة واستقلالية القرار فيه؟ وباي باي للسلطة والرئيس عباس؟!
أسئلة كثيرة صاحبت جلسات الحوار، وتمخضت الإجابات عن قراءة لا تبتعد عن أهمية تلك الخطوة من التفاهمات مع مصر والنائب دحلان، مع ضرورة توخي الحذر بألا ننجرف بعيداً ونخسر الرئيس أبو مازن، وتجد غزة نفسها في أحضان لا توفر لها ضمانات الأمن والأمان!! وعليه؛ فالمطلوب هو استمرار التواصل والسعي لجسر الهوة مع السلطة في رام الله، لتكون تلك الخطوة التي أنجزناها مع التيار الإصلاحي هي المدخل لاستكمال جهود المصالحة مع الرئيس أبو مازن، وبالتالي نكون قد أصبنا عصفورين بحجر واحد؛ كسبنا دحلان وتياره وأوجدنا أرضية تعايش مريحة في قطاع غزة بين فتح وحماس، ومهدنا الطريق أيضاً لمصالحة فتحاوية – فتحاوية، وربما ذهبنا جميعاً لانتخابات تجمعنا جميعاً على قاعدة الشراكة السياسية والتوافق الوطني.
هل نجحنا في وضع النقاط على الحروف؟!
في الجلسة الأولى، والتي اقتصرت على قيادات من حركتي حماس وتيار فتح الإصلاحي، كانت الأجواء تعكس حالة من الصراحة والوضوح بأن هذا الخيار من التقارب الذي حدث بين حماس وتيار فتح الإصلاحي، وبغض النظر عن كل ما يقال عنه، من حيث دوافعه وتوقيته بعد مؤتمر الرياض، والاتهامات التي تمَّ توجيهها لحركة حماس، وتصنيفها كحركة إرهابية بمباركة عربية!! كانت السعودية – للأسف- تقف على رأس الداعمين لها!! ثم تلك الحملة العدائية الشرسة ضد قطر لمحاصرتها وعزلها والضغط عليها، وتداعيات ذلك على حركة حماس، التي تجد في دولة قطر وأميرها الشيخ تميم نصيراً لها وللقضية الفلسطينية.. لا شك أن تلك الأجواء لم تكن تبشر بخير، حيث وجدت حركة حماس نفسها محشورة في الزاوية وبخيارات شبه معدومة، بعدما فقدت الثقة بإمكانية تحقيق المصالحة مع الرئيس أبو مازن.
فجأة، جاءت دعوة القاهرة لأركان القيادة العسكرية والأمنية لحركة حماس، وكذلك للرئيس الجديد للمكتب السياسي الأخ يحيى السنوار، لزيارة مصر واللقاء بالمستويات الأمنية العليا فيها ممثلة بجهاز المخابرات العامة والوزير اللواء خالد فوزي، والتي تمخض عنها تفاهمات إيجابية لبناء الثقة وترتيبات لحماية أمن الحدود. كما جرت لقاءات أخرى مع النائب محمد دحلان وتيار فتح الإصلاحي تبعث على التفاؤل والأمل.
نعم، كانت النظرة إلى تلك التفاهمات بأنها خيار الضرورة، وأنها كانت أشبه بممر إجباري لا بديل عنه، بعد أن أغلق الرئيس (أبو مازن) الطريق أمام قيام شراكة سياسية حقيقية مع حركة حماس أو خروج آمن وبكرامة تحفظ تاريخها وإنجازاتها.
إن القناعة التي وصلت لها قيادة الحركة من خلال التقارير وما يجري من أحاديث في مجالس أهل السياسة وبطانة الرئيس، أن النيَّة غير متوفرة في رام الله لدى القيادة السياسية في التوصل إلى حل ومصالحة حقيقية مع الحركة، فالرئيس - كما يقولون - فقط يناور، وهو لا يكن أي احترام تجاه غزة وأهلها، وهو يراهن على عامل الوقت لانهيار الجهات الحاكمة فيها!!
في الحقيقة، لم تتوقف جولات الحوار وجهود الوساطة خلال السنوات العشر الماضية، والتي شاركت فيها جهات فلسطينية وإقليمية ودولية، بهدف تحقيق المصالحة وانهاء الانقسام، إلا أنها تعثرت، كما أنها عمقت الشكوك وفقدان الثقة في العلاقة ما بين حركة حماس والرئيس أبو مازن.
وبالرغم من كثرة الحديث الإيجابي بعد الهبة الفلسطينية الأخيرة للدفاع عن المسجد الأقصى، حول مبادرات جديدة ومرونة سياسية تتحدث بها الأطراف جميعاً، ولقاءات توحي بأن هناك تحركات واتصالات ورغبة لكسر جليد التوتر والقطيعة مع غزة، وأن هناك تغيير ورغبة في الإصلاح لدى القيادة في رام الله، وأن مساحة الخلاف تقلصت بشكل كبير، وأن المطلوب فقط هو الإعلان عن حل اللجنة الإدارية، مقابل الغاء كل ما سبق من قرارات عقابية طالت موظفي قطاع غزة.
يبدو الأمر سهلاً من ناحية الخطاب السياسي، ولكن غياب التهيئة وإعداد الأرضية لهذه الخطوة هو ما يبعث على تعظيم الشك وعدم الاطمئنان، حيث إن هناك من يعتقد أن مثل هذه المرونة التي ظهرت - مؤخراً - لم تكن حاضرة في السابق، ولكنها استجدت بعد ما أخذت التفاهمات مع دحلان طريقها إلى أرض الواقع، وأن هناك تحركات لتجسيد مشاريع وميزانيات لإدارة شئون قطاع غزة، وتأمين إنعاش اقتصادها المتهالك.
إن حركة حماس تخشى في سياق إي خطوة غير محسوبة - الآن - مع الرئيس أبو مازن أن تخسر ما تراه إنجازاً مهماً لها مع مصر من ناحية، ومع النائب دحلان وتياره الشبابي الواسع، والذي يمثل عملياً قرابة 70% من حركة فتح بتاريخها وأمجادها في قطاع غزة من ناحية ثانية.
ولذلك، عندما يتم الحديث عن عودة حكومة الوفاق للقيام بدورها، والذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية، لا يأخذ أحد في قطاع غزة هذا الكلام على محمل الجد؛ بل يتم النظر إليه على اعتبار أنه مجرد تكتيكات سياسية ووهم يتم تسويقه، والمطلوب من حركة حماس وقياداتها - الذي غدت أكثر وعياً بألاعيب السياسة - تصديق ذلك!!
إن قناعات حركة حماس اليوم هي الحفاظ على كسبها السياسي مع مصر ودحلان، وعدم التفريط فيه تحت أي ظرف، وذلك بأمل توظيف هذا الكسب في سعيها لتحقيق المصالحة مع الرئيس أبو مازن، والتفاهم حول ما لديه من خيارات وأفكار حول الشراكة السياسية، والعمل على إعادة انتخاب وتجديد للمجلس الوطني الفلسطيني.
إن الجلسة الثانية والثالثة سجلت تحفظات لفصائل ومنظمات المجتمع المدني وأيضاً لبعض النخب الفكرية، وهي تحفظات مشروعة في ظل حالة الغموض التي رافقت تلك التفاهمات.
وفي اللقاءات الشبابية التي أدرناها متزامنة مع لقاءات النخب لم تختلف المواقف ووجهات النظر، فالشباب يريدون مصالحة تحمي مستقبلهم وتجمع الشمل، وليس لهم تحفظات أن يلتقي الجميع على رؤية ومشروع وطني واحد.
إننا نجد ونجهد لأن تتحول هذه التفاهمان من خيار الضرورة إلى رؤية في الشراكة السياسية، التي تجمعنا كحركتي فتح وحماس لأن نعمل معاً، متجاوزين لخلافات الماضي، ومتطلعين - بأمل كبير - لمستقبل يشتد فيه ساعدنا أجمعين، بهدف تحقيق طموحات شعبنا في التحرير والعودة.
ختاماً.. نحن نستشرف ملامح انفراج قادم يجتمع عليه الكل الوطني والإسلامي، وما بادرت فيه تركيا أردوغان من خطوات أعادت بعث الأمل فينا من جديد.. وبانتظار ما ستتمخض عنه لقاءات الرئيس (أبو مازن) والرئيس رجب طيب أردوغان في تركيا، تبقى أحلامنا وتطلعاتنا لعيد سعيد، فيه من مستجدات أمرنا الكثير من البشرى والتجديد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44320
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: د. أحمد يوسف    الإثنين 29 يناير 2018, 7:47 pm

د. أحمد يوسف: بعد تعثر المصالحة.. دحلان للمشهد السياسي من جديد!!

أمد/ غزة: كتب القيادي في حركة حماس ورئيس مجلس بيت الحكمة الدكتور 

أحمد يوسف, اليوم الاثنين, مقالة بعنوان "بعد تعثر المصالحة: دحلان للمشهد 

السياسي من جديد!!".
و"أمد للإعلام" ينشر مقالة الدكتور يوسف كما وصلته:
مع تردي الأوضاع المعيشية في قطاع غزة إلى درجة الانفجار، وتراجع المكانة 

السياسية للقضية الفلسطينية إقليمياً ودولياً، وصدمة أهالي القطاع بطريقة التعامل 

المهينة التي تمارسها حكومة رامي الحمد الله، واستمرار الإجراءات العقابية 

على حالها، برغم شهادة جهات فلسطينية عديدة بحصول "التمكين" الذي طلبته 

الحكومة، إلا أنه يبدو بأن هناك أجندة غامضة لمواصلة الضغط على أهالي قطاع 

غزة، من خلال بقاء وضعية المراوحة المملة في نفس المكان، وهذا يعني فقدان 

أمل الخلاص من جهة رام الله، والتطلع من جديد باتجاه خيارات أخرى، إحداها 

خيار النائب محمد دحلان وما يمثله من تيار له ثقله في قطاع غزة.
دحلان وحديث المجالس من جديد
النائب محمد دحلان في المشهد الفلسطيني هو شخصية جدلية، حيث تتداوله ألسنة 

المحبين والمبغضين، فهناك من يرى فيه أنه صاحب رؤية، وأنه شاب طموح 

يتطلع للرئاسة، وهناك من يتوجس منه خيفة لعلاقاته السابقة والغامضة 

بالإسرائيليين، حيث كان الناس يشاهدون مشاركته مع القيادة الفلسطينية في 

جولات التفاوض التي كانت تجري في القدس وواشنطن.. وأيضاً هو الرجل الذي 

تحدى حركة حماس، وكان خصماً عنيداً لها عندما فازت في الانتخابات التشريعية 

وشكلت الحكومة عام 2006، واليوم يبدو داخل المشهد السياسي متحالفاً معها أو 

منفتحاً عليها كشريك سياسي.
أما في المشهد الإقليمي فهو الشخص الذي أقام علاقات واسعة مع العديد من 

الشخصيات المتنفذة سياسياً وأمنياً في العالم العربي؛ مثل: بندر بن سلطان، 

وسيف الإسلام القذافي، والشيخ محمد بن زايد، واللواء عمر سليمان، حيث إن 

الانطباعات التي تسود بأشكال مختلفة أنه كان أحد العقول التي وقفت خلف 

إفشال ثورات الربيع العربي، كما أنه متهم بالتآمر على تركيا، وأنه كان له دور 

في المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي قام بها العسكر ومجموعة فتح الله كولن في 

15 يوليو2016.
من الجدير ذكره، أنه وفي ظل حالات الصراع والاستقطاب السياسي والتحالفات 

القائمة في العالم العربي وحتى داخل الساحة الفلسطينية، فإن هناك من الأقلام 

الكثيرة؛ بعضها يكتب عنه، والآخر يوجه له سهام النقد ويحرض عليه!!
إن هذا الغموض في شخصية النائب محمد دحلان يستدعي أن نقوم بتجليته 

والكتابة عنه؛ لأن هناك من ينسج حول سيرته وقدراته الأساطير، كما أن هناك 

في الوقت ذاته من لا يرى في شخصية دحلان إلا ابن المخيم الشاب الطموح، 

الذي ساقته حيويته التنظيمية داحل حركة فتح، وموقعه المتقدم في مؤسسات 

السلطة الفلسطينية، خاصة جهاز الأمن الوقائي، وعمله وتحركاته بين الشبيبة 

الفتحاوية، أن يأخذ فرصته، ويصبح اسمه يتردد من بين المرشحين لخلافة 

الرئيس محمود عباس، وكانت هناك ارهاصات تشي بذلك.
لا شك أن دحلان طوَّر علاقات دولية واسعة، أهلته أن يحلم بالزعامة، وهذا حق 

له؛ فالرجل مشهود له بالفطانة والذكاء، ولغته تتسم بنكهة المخيم ونبرة أهله 

الطيبين، وأن كلَّ من تعامل معه عن قرب - بعيداً عن مواقعه التنظيمية – 

فسيجد فيه إنساناً متواضعاً برغم ثروته وغناه، كما أنه في مدونة سلوكياته العامة 

يبدو محافظاً من ناحية منظومة القيم والأخلاق، وأن ثقافة المخيم ومفرداته التي 

تمس شغاف القلوب هي ما يردده في أحاديثه أغلب الأوقات.. وكوننا خلال 

الشهور الماضية قطعنا مشواراً للمصالحة معه، ومع التيار الذي يقوده بجدارة 

واقتدار، وأصبح ذكره يتردد كثيراً في أوساط الشباب وأحاديثهم، باعتباره - ومن 

خلال المشاريع التي قدَّمها - غدا للكثيرين منهم "طوق النجاة"، وصاروا يعقدون 

عليه الآمال، بعدما ساءت الأحوال السياسية والمعيشية في قطاع غزة، إلى 

الدرجة التي تهدد بالانفجار ووقوع الكارثة.
بالتأكيد إن دحلان هو لغز يحتاج إلى من يفكك أسراره، ويكتب عنه بلغة بعيدة 

عن المجاملة أو التحامل، وهو اليوم - وفي سياق كل هذا الغموض - يحتاج إلى 

من يحرك أوراقه، ويستكشف صفحاته ويأتي بسره المكنون، بعيداً عن 

الافتراءات والاتهامات، ووضع الرجل - بما له وما عليه - أمام شارعنا 

الفلسطيني وشبابه الغالي؛ هؤلاء الذين أضعنا بخلافتنا وغبائنا السياسي 

مستقبلهم.
إن هذه الشخصية الفاعلة حركياً وسياسياً - الآن - تتطلب أن نواجهها، وأن 

نطرح عليها أسئلة الوطن، والتفاكر معه فيما يمكن تقديمه للخروج من نفق 

الأزمة، التي توشك أن تطيح بكل جميل عشنا له، وناضلنا من أجله.
بالرغم من أن بداية معرفتي بالنائب دحلان تعود جذورها إلى عام 2003، حيث 

التقيته أول مرة في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث كان ضمن الوفد 

الفلسطيني الزائر برئاسة الأخ محمود عباس، والذي كان – آنذاك - رئيساً 

للوزراء. كان اللقاء أقرب لحديث التعارف والمجاملة لعدة دقائق، حيث قدمت 

نفسي وعملي، وكيف يمكننا أن نتواصل مستقبلاً.
في عام 2005، كنت مقيماً في العاصمة الجزائرية، حيث بلغني أن الأخ محمد 

دحلان معني بالتواصل مع قيادة حركة حماس بالخارج؛ أي قيادة المكتب 

السياسي، وأنه مستعد للقاء بها في أي مكان تختاره وتسمح به الظروف؛ لأن 

هناك ما هو عاجل ويستدعي النقاش حوله، بعد أن اتخذت الحكومة الإسرائيلية 

قرارها بالانسحاب من قطاع غزة.
بدأنا اتصالاتنا بالإخوة في قيادة المكتب السياسي في دمشق، والتي تجاوبت مع 

هذه الرغبة.. وفعلاً؛ جرى أكثر من لقاء في القاهرة، وتمَّ الحديث عن المستقبل 

وما يستدعيه ذلك من التعاون وتنسيق الجهود بين الطرفين.
بعد الانتخابات وفوز حركة حماس، جمعنا من جديد أكثر من لقاء مع النائب 

دحلان.. كان الرجل في مشهد خطابه الوطني وأحاديثه السياسية معنا يبدي 

الرغبة في التعاون والتنسيق، والعمل على توظيف ما لديه من مكانة وإمكانيات 

للارتقاء بالحالة الأمنية والسياسية، وبذل الجهد لتحقيق التمكين والاستقرار الذي 

نتطلع إليه.
خلال فترة تشكيل الحكومة والتطورات التي صاحبتها، جرت بالتأكيد مياه كثيرة 

تحت النهر كما يقولون، إذ بدأت الاتهامات والاحتكاكات الأمنية تتصاعد، وكثر 

الحديث عن مخطط دحلان المسمى "خمسة بلدي" لترقيص حركة حماس!!
في تلك الفترة كثرت قرقعة التهديد بالسلاح، وصارت الخروقات الأمنية 

المتكررة تنذر بأن المواجهة العسكرية قادمة، وأن الحكمة ولغة العقل مطلوبة 

لتجنب كارثة بدأت تلوح في الأفق.. للأسف، كان هناك من يغذي الفتنة، ويهيئ 

الحالة الأمنية للانفجار، وكما جاء ذكر دحلان، كانت هناك أسماء أخرى على 

الجانب المناوئ تعلوا أصواتها المحرضة في الميدان.
لم أتعود في حياتي الدفاع عن وجهة نظر دون أن أضع الأمور في سياقاتها 

الظرفية والسياسية، والتي تدفع كل طرف ليدَّعي ويُبيت من القول ما لا يرضى به 

الطرف الآخر. نعم؛ كان هناك ما يجعل حركة حماس تغضب من دحلان، كما أن 

هناك أيضاً ما كان يستفز دحلان ويسوقه لفعل ما يؤجج هذا الغضب!!
إن محاولة التقييم تستدعي أن يكون الإنسان محايداً في قراءته لظاهرة الخلاف، 

ونحن تربينا على الصراحة والجرأة على قول الحق، انسجاماً مع أخلاقياتنا 

القرآنية التي تضبط مسارات التقييم، وهي: "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا 

تَعْدِلُوا...".
حقيقة، ومن باب الشهادة، فإن الفترة التي حكمت فيها حركة حماس ونالت 

خلالها ثقة المجلس التشريعي في نهاية مارس 2006، كانت التوترات بين 

الطرفين قائمة، وللكل نصيب من الاتهام، فلم يكن هناك طرف مبرأ من كل عيب، 

حيث الجميع كان مسئولاً عن الأخطاء التي وقعت، والخطايا التي تمَّ ارتكابها في 

أحداث يونيه 2007، وأفضت بنا إلى القطيعة والتشظي والانقسام الذي ما زلنا 

نعاني منه حتى اليوم.
نعم؛ إن من حق كل طرف الاجتهاد لتبرير أخطائه، وتحميل الآخر وزر ما جرى 

لتبرئة نفسه، ولكن حجم الجريمة التي تمَّ ارتكابها بحق الوطن، والتي فاقت 

الخيال بعد عشر سنوات من مشاهدة المآل، يجعلنا نقول: فليتحسس كل منكم 

مساحات الدم الذي على يديه!!
هل نطوي الماضي بالاعتذار عن صفحاته؟
إن من حق الضحايا - وأولهم هذا الوطن - أن يطالبونا بالاعتذار، والتسريع 

بإنهاء الانقسام ككفارةٍ وإعذار إلى الله، والعمل معاً لاجتماع الشمل والتصدي 

لـ"صفقة القرن"، المراد من وراءها شطب مشروعنا الوطني من ناحية، 

والتمكين لإسرائيل الكبرى من ناحية أخرى!!
أنا من طرفي كمواطن فلسطيني اعتذرت، واعترفت أكثر من مرة بأن ما وقع 

كان خطأ، وقد فعل المئات غيري كذلك، ومن بينهم محمد دحلان.. إن الواقع 

المأساوي يحتم علينا جميعاً أن نعالج تداعيات ذلك؛ لأن النتائج التي نقرأها - 

اليوم - تؤكد أن ما وقع كان كارثياً على الوطن، بل إن البعض اعتبره بمثابة 

النكبة الثانية التي حلت بالفلسطينيين.
حاولنا في الشهور التي تلت يونيه 2007 معالجة آثار تلك الكارثة، ولكن "حميَّة 

الجاهلية" والنبرة العصبية لدى كل طرف حالت دون أن نتقدم خطوة باتجاه الحل.
في الحقيقة، كان الطرفان؛ فتح وحماس، قد سرقت كل منهما السكِّينة؛ أي أن كل 

واحد منهما كان يوجه الاتهام بأن الآخر هو المسئول وحده عن الجريمة!! وهذا 

هو ما لمسته عندما اتصلت بدحلان بعد شهور ثلاثة من تلك الأحداث المأساوية، 

أولاً؛ من باب العتب، حيث إنه كان أمامنا فرصة للتعايش السياسي، والرهان 

على خيارات أفضل مما جرى من اقتتال، والثانية؛ إمكانية التفكير في رؤية 

للخلاص نتخطى من خلالها عقابيل ما جرى ولملمة الجراح حتى لا يضيع 

الوطن.. الرجل من طرفه كان له من الحجج والأدلة ما يحاول فيه الذود عن 

حياضه، وبأنه كان خارج البلاد للعلاج، ولو كان هناك مخطط للإطاحة بحماس أو 

حكومتها لكان المنطق يستدعي أن يتم ذلك خلال وجوده في البلاد وليس 

خارجها.,. لقد أدركت حينها أن الوقت لم يحن بعد للحديث عن المصالحة، ونفس 

الشيء لمسته لدى حركة حماس.
اليوم، من حقنا أن نسأل ونحن نراجع وقائع الأحداث المأساوية قبل أكثر من عقد 

من الزمان، هل كانت إسرائيل تدير خلافاتنا من خلف الكواليس، وتسوقنا للصدام 

عبر شبكة من الجواسيس؟!
هل ما وقع كان مخططاً له منذ أن قررت إسرائيل الانسحاب من قطاع غزة، وفقاً 

لرؤية سياسية استراتيجية سبق أن تمَّ الحديث عنها في خطة فك الارتباط، والتي 

تم عرضها في دراسة أعدها مركز جافي الإسرائيلي للدراسات السياسية 

والاستراتيجية، والتي تنبأ فيها منذ العام 1989 بعودة منظمة التحرير، وتوليها 

قيادة السلطة، وحدوث صراع سياسي بين الفلسطينيين؟!
إن تلك الدراسة الموسومة باسم "الضفة الغربية وغزة: خيارات إسرائيل 

للسلام”، عرضت مجموعة من السيناريوهات والخيارات المستقبلية أمام صانع 

القرار الاسرائيلي، وكان من بين تلك الخيارات، خيار الانسحاب من غزة من 

جانب واحد، وكان كالتالي: "تقوم إسرائيل بسحب قواتها من قطاع غزة من جانب 

واحد بلا مفاوضات مسبقة أو اتفاق مع أي طرف عربي بما في ذلك 

الفلسطينيون. وسينطوي الانسحاب على قطع الارتباطات كليا، وتسييج الحدود 

الكترونياً، وتلغيمها للحؤول دون حدوث أي تسلل (إرهابي)، وضمان أمن 

إسرائيل.. كما سيتم العمل على تسيير دوريات أمنية في مياه القطاع الإقليمية 

لمنع إدخال الأسلحة إلى جيش فلسطيني، ومن الممكن أن تكون الآثار الناتجة 

داخل القطاع صراعاً حاداً بشأن السلطة بين وطنيين علمانيين، وبين مسلمين 

أصوليين يتمتعون بقدرة أكبر من قوتهم بالضفة الغربية، وأيا تكن النتيجة فإن 

الدويلة في غزة ستلهب نزاعاً مطرداً باستمرار مع إسرائيل، وستجد السلطات 

الحاكمة في قطاع غزة صعوبة في احتواء العنف الموجه نحو إسرائيل.. في حين 

أنها ستكون قلقةً بالتأكيد من ردَّاتٍ إسرائيلية انتقامية عنيفة، وغير مهتمة لعودة 

الاحتلال.. إن من غير الواضح إلى أي درجة سيرتدع السكان عامة بفعل خطر 

الأخير، فالأحوال في غزة قد تسوء إلى درجة أن بعض أهل القطاع قد يستعيد 

ذكرى الاحتلال الإسرائيلي بشيء من الحنين".
إن قراءة المشهد اليوم، واستطلاع ما كتبه البعض من المحللين والمتابعين للشأن 

الإسرائيلي، تشي بأننا قد وقعنا في الفخ الذي كان يخطط له الإسرائيليون 

وينفذونه بدقة، جعلتنا نعتقد أن بعضنا هو من يمثل المكر والمكيدة وليس 

إسرائيل.
لقد سمعت هذه الرواية حول نجاح إسرائيل في استدراجنا إلى ما نحن فيه من 

كارثة على مستوى التهديد الوجودي والإنساني والسياسي من أكثر من شخصية 

فلسطينية، أمثال: المفكر والأكاديمي د. إبراهيم أبراش، وأيضاً الباحث منصور 

أبو كرَّيم، والإعلامي أكرم عطالله، وهناك أسماء من الباحثين والأكاديميين 

المختصين بالشأن الإسرائيلي ومن ذوي التوجه الإسلامي، مثل: د. عدنان أبو 

عامر، والباحث صالح النعامي، وكذلك د. ناجي البطة، والذين تناولوا في 

تحليلاتهم الكثير من هذه القراءات.
والآن ما يتم سماعه عن دولة غزة، والتحضير لهذا المآل إسرائيلياً وأمريكياً 

وعربياً، يؤكد أننا كنا جميعاً ضحايا غبائنا السياسي، والتنازع على كرسي تبين 

بعد عشر سنوات أنه كان خازوقاً يدمي خلفياتنا الوطنية دون أن ندري!!
لقاء السنوار ودحلان: خطوة كان لا بدَّ منها
أدركت حركة حماس أن سياسة الرئيس أبو مازن هي في اتجاه الانتقام ومعاقبة 

حماس، وأن قطاع غزة لم يعد ضمن أجندته السياسية، ولا بدَّ من التفكير بمخرج 

آخر للحفاظ على صمود وتماسك أهل القطاع، وعدم الاستسلام لضغوطات 

الحصار التي تمارسها أكثر من جهة لكسر شوكة حماس ورهاناتها على جدوى 

الفعل المقاوم.
في منتصف يونيه 2017، كان لقاء القاهر مع قيادة المخابرات العامة والذي أخذ 

مساراً إيجابياً، وترتب عليه عقد عدة جلسات مع النائب دحلان وأركان التيار 

الإصلاحي لحركة فتح، وتمخض عن تلك اللقاءات وعود كثيرة بالعمل على 

سرعة فتح المعبر وتسهيل تقديم منح ومساعدات لأهالي قطاع غزة.
بالطبع كانت خطوة اللقاء بدحلان مفاجئة ولها ارتدادات متباينة؛ بين مرحب بها 

وبين من وجدها خطوة مستعجلة، ولكن هذا الجدل ظل صوته خافتاً داخل 

الحركة، ومضت العلاقة، وصارت هناك حقائق على الأرض، حيث بدأ التيار في 

ممارسة بعض الأنشطة والقيام ببعض الفعاليات التي كان لها مردود إيجابي لدى 

الجميع بما فيه كوادر حركة حماس، الأمر الذي استشاطت معه رام الله غضباً!!
كان التوجه داخل الحركة هو استمرار المحاولة لكسر الجمود في العلاقة مع 

الرئيس أبو مازن، والابتعاد عن أسلوب التحالفات التي قد تطيح بمشروعنا 

الوطني. ولذلك كانت الخطوة الجريئة التي اتخذتها حماس بتسليم السلطة في 

قطاع غزة لحكومة الحمد الله، واللقاء بالقاهرة من جديد لعقد اتفاقات التمكين 

للحكومة وفق تفاهمات الطرفين؛ فتح وحماس، وبرعاية مصرية لإنجاز تلك 

الاتفاقات.
للأسف، ومع تباطأ خطوات رام الله في التقدم لتحمل مسئولياتها، دخلنا من جديد 

على خط المناكفات وتبادل الاتهامات، وشعرت قيادة حركة حماس بغياب جدية 

طرف الرئيس الأخذ بعزائم الأمور، والعمل على استمرار نهج الحصار والتجويع 

لقطاع غزة!!
هل دحلان اليوم هو المخرج لتخيف أزمة الحصار، وإظهار تماسك الحالة 

الفلسطينية وتمنعها على تمرير أية صفقات تطيح بآمال وطموحات الفلسطينيين 

في الأرض والوطن؟
إن الحالة الفلسطينية ومنذ الأحداث المأساوية التي وقعت في يونيه 2007 هي 

لغز وعثرات وتحركات بلا بوصلة أو هدف.
إن علينا ألا نقطع الطريق مع أحد، كما أن علينا معاود التواصل القوي مع 

دحلان من جهة، وتعزيز أواصر الشراكة الوطنية مع كل الفصائل والتيارات 

الحزبية العاملة في الساحة الفلسطينية، وإيجاد أرضية تجعل الجميع يتحرك لأداء 

واجبه الوطني ضمن التوافقات والالتزامات والقواسم المشتركة، وعدم الركون 

إلى حالة المراوحة القاتلة في المكان.
نعم؛ غزة تحتضر، وتحتاج جهد الجميع للحفاظ على مشروعنا الوطني، وإلا فإن 

سفينتنا تترنح في بحر لجي، وأشرعتها توشك على السقوط.
أتمنى أن نعيد حساباتنا ونرتقي فوق الحزبية، وأن نعمل على استيعاب بعضنا 

البعض في سياق الأجندة الوطنية، وإن كان هناك من مطالب عاجلة فهي أن نعقد 

العزم على العمل معاً، وليتفضل كل من بيده إمكانيات لإنقاذ الحالة أن يتقدم؛ 

سواء أكان النائب دحلان أو رجل الأعمال د. عدنان مجلي أو أي شخص وطني 

غيور لا يريد لشعبه الهلاك.
ختاماً.. يبدو أن آمال الفلسطينيين في إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية - 

بعد توقيع اتفاق المصالحة بالقاهرة في أكتوبر الماضي - قد تبخرت، خصوصاً 

بعد اشتداد وطأة الحصار على قطاع غزة، وهو كما أشار د. إبراهيم حبيب؛ 

صاحب مبادرة الإنقاذ الوطني، ما يُنذر بحالة انهيار اقتصادي متوقعة خلال 

الأشهر القليلة القادمة، وما سيتبعه من تداعيات أمنية واجتماعية ووطنية خطيرة.
إن هذا الوضع الخطير يستدعي من الكل الوطني تحمّل مسئولياته تجاه ما يجري 

من فقدانٍ للأمل في مُستقبل أفضل لجيلٍ كامل من الغزيين، نتيجة لعجز حركتي 

فتح وحماس عن إتمام المصالحة، وعدم تحمُّل حكومة الوفاق لكامل مسؤولياتها 

في القطاع، نتيجة لعوامل داخلية وضغوط خارجية ستُعجّل من حالة الانهيار، مما 

يستوجب منَّا جميعاً التحرك لتجاوز هذه الكارثة.
إن أخشى ما أخشاه أن يتحول "الانفجار" إلى مطلب شعبي، ويصبح في نظر 

أهالي قطاع غزة ضرورة وطنية!!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
د. أحمد يوسف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: فلسطين الحبيبة :: شخصيات من فلسطين-
انتقل الى: