منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
هذا منتدى ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 أ.د. وليد عبد الحي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: أ.د. وليد عبد الحي   الجمعة 26 مايو 2017, 1:00 am

أ.د. وليد عبد الحي



حاصل على درجة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة القاهرة عام 1980، عمل في معهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة الجزائر خلال الفترة 1982-1994؛ أستاذاً للدراسات المستقبلية، وشغل منصب رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك خلال الفترة1996-1998، ويعمل حالياً في قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك وجامعة آل البيت، الأردن. كما أنه عضو في العديد من الجمعيات الأكاديمية؛ مثل الجمعية العربية للعلوم السياسية وجمعية مستقبل العالم  (World Future Society) في واشنطن، وشارك في مؤتمرات عديدة.
ألَّف العديد من الكتب والدراسات المتخصصة في الدراسات المستقبلية والعلاقات الدولية، وأبرز مؤلفاته: "معوقات العمل العربي المشترك"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1987. و"الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية"، الرباط 1992. و"موسوعة العلوم السياسية" (قسم الدراسات المستقبلية)، الكويت 1993. و"تحول المسلمات في العلاقات الدولية: دراسة مستقبلية"، الجزائر 1994. و"مستقبل الفكر الصهيوني"، جامعة اليرموك 1997. و"الدراسات المستقبلية في المدرسة الأردنية"، الأردن 1999. وترجم عدداً من الكتب أبرزها كتاب "النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية"، الكويت 1985. وكتاب "الصغر خطر: دويلات في عالم كبير"، دمشق 1989. وله العديد من الدراسات المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة منها: ملامح النظام الدولي الجديد وأثره على الوطن العربي، جامعة الجزائر 1994. وتوجهات السلوك السياسي للدول الكبرى في الأمم المتحدة، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت 1986. وأثر التغيرات في النظام الدولي المعاصر على مستقبل الوظيفة الإقليمية لإسرائيل، شؤون عربية 1991. وتطوير استخدام تقنية دلفي في الدراسات المستقبلية، مجلة دراسات المستقبل، جامعة أسيوط 1997.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: أ.د. وليد عبد الحي   الجمعة 26 مايو 2017, 1:02 am

”جولة دونالد ترامب في المنطقة العربية وانعكاساتها المستقبلية“ بقلم أ.د. وليد عبد الحي*.



(خاص لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات).
أولاً: دوافع جولة ترامب:

تمثل زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأسبوع الأخير من أيار/ مايو 2017 مؤشراً أولياً على الخطوط العريضة لسياسته الشرق أوسطية، والتي يمكن تحديدها في ثلاثة اتجاهات كبرى هي:
1. أولوية البعد التجاري المالي على البعد السياسي في العلاقات مع الدول العربية.
2. أولوية ربط عدم الاستقرار الإقليمي بالدور الإيراني، وليس بانعكاسات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية.
3. أولوية التطبيع العربي مع ”إسرائيل“ على التسوية السياسية للقضية الفلسطينية.
وقبل الدخول في تحليل هذه الأولويات ودلالاتها المستقبلية، لا بدّ من الإشارة إلى أن ترامب يسعى لتحقيق إنجازات خارجية في أقاليم رخوة —كالشرق الأوسط— ليكبح تداعيات مآزقه الداخلية المتمثلة في هواجس تداعيات مزاعم حول صلة الروس بنجاحه في الانتخابات، والتي يبدو أنها قضية تأبى أن تتوارى؛ ثم محاولة تخفيف صورته المهزوزة لدى الرأي العام الأمريكي والتي رسمتها دوائر الإعلام الأمريكية والغربية؛ إلى جانب اتهامه ”بعدم الأهلية“ للمنصب من قِبَل نخبة مهمة من علماء النفس الأمريكيين (35 عالماً) والذين وقّعوا على بيان بذلك [1]؛ ناهيك عن دعوات أساتذة قانون دستوري في أبرز الجامعات الأمريكية لمحاكمته على مخالفات دستورية [2]؛ ومواجهته الداخلية مع دوائر الهجرة والمحاكم الاتحادية، والفارق الكبير بين خطاباته في حملاته الانتخابية وخطاباته بعد الانتخاب، في موضوعات عديدة داخلية وخارجية واتهامه بالكذب بنسبة تصل لـ 76% من أقواله كما سنبين لاحقاً.
بناء على هذا الوضع الداخلي لترامب اختار الشرق الأوسط، ليحاول تحقيق إنجازات تعزز مركزه الداخلي، ويسترضي جماعات ضغط مؤثرة في الجسد السياسي الأمريكي، مثل جماعة المُركَّب العسكري الصناعي Military Industrial Complex، واللوبي اليهودي الصهيوني، وبعض الشرائح المسيحية المتطرفة، لا سيّما من المحافظين الجدد وطبقة أصحاب رؤوس الأموال.
ثانياً: المرحلة الأولى من الجولة:

بدأت رحلة ترامب بالمملكة العربية السعودية، التي نظمت مؤتمراً إسلامياً عربياً أمريكياً في الرياض، تحدث فيه ترامب وغيره من القادة العرب، وانتهى المؤتمر ببيان يمكن التوقف فيه عند النقاط التالية [3] :
1. غياب أيّ إشارة في البيان —نصاً أو تأويلاً— وبشكل تام للصراع العربي الإسرائيلي أو القضية الفلسطينية أو الاحتلال للأراضي العربية، وبالرغم من إمكانية التعلل بالإشارات العامة وغير الواضحة لتسوية الصراعات في المنطقة، فإن تواري الموضوع الفلسطيني بشكل تام وراء دخان الموضوع الإيراني، يشير بشكل قاطع لمفهوم التحالف والشراكة الاستراتيجية التي نصّ عليهما البيان في فقرات لاحقة.
2.  لما كانت الولايات المتحدة هي الطرف المركزي في المؤتمر، فإن خطاب ترامب يُعدُّ جزءاً من وثائق المؤتمر، وقد أشار ترامب في خطابه إلى أن حركة حماس (وحزب الله ومعهما بشكل ضمني حركة الجهاد الإسلامي) تقع كلها ضمن المنظمات الإرهابية التي تكررت الإشارة لها في البيان لمرات عديدة (وهو ما كُنتُ قد تنبأت به في مقال منشور في 17/10/2015، أي قبل أكثر من سنة ونصف، وقلت بأن ”إسرائيل“ وأمريكا تسعى لدمج حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله في إطار مكافحة الإرهاب)… . وهنا لا بدّ من ربط ذلك بجوانب أخرى وردت في البيان وهي:
‌أ. يقول البيان إن تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي سيبدأ الانضمام إليه سنة 2018. وعلينا أن نلاحظ أن اسم التحالف هو التحالف الشرق أوسطي الاستراتيجي وليس التحالف العربي الإسلامي الأمريكي. فالاسم الأول يتيح لـ”إسرائيل“ التقدم للعضوية خلافاً للثاني، الذي أشير له بتعبير ”الشراكة بين الدول العربية والإسلامية والولايات المتحدة“. فماذا لو تقدمت ”إسرائيل“ بطلب العضوية، إذ إن البيان يشير إلى إطارين هما ”تحالف شرق أوسطي استراتيجي“ وهو ما يشمل ”إسرائيل“ وإلى ”شراكة عربية إسلامية أمريكية“، والتعبير الأول أوسع التزاماً من الثاني من حيث العضوية والمهام الموكلة له؛ بل إن درجة الالتزام بـ”التحالف” أكثر من درجة الالتزام بـ”الشراكة”.
‌ب. ينص البيان على فتح باب التوقيع على اتفاقية تعاون في مجال مكافحة ”تمويل الإرهاب“، ويتم ذلك —حسب البيان— من خلال تأسيس مركز لاستهداف تمويل الإرهاب. ولما كان الطرف المركزي في الاتفاق هو الولايات المتحدة، فإن ذلك يعني أن أيّ مساعدات عربية لمنظمات فلسطينية ستقع ضمن تمويل الإرهاب. وعليه فإن على حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي تحديداً أن تستعدا لاحتمالات أبرزها التضييق المالي عليهما —أو تجفيف مصادرهما المالية بلغة البيان— سواء من الأفراد في الخليج أم من الدول الخليجية؛ مع ملاحظة أن المراقبة ستأخذ طابعاً مؤسسياً، حيث جاء في نصّ البيان ”تشكيل فرق عمل ولجان وزارية ورفع تقارير دورية“ عن مدى تقدم هذه الجوانب. وهو ما يعني المتابعة لكل خطوة عربية أو إسلامية تجاه حركات المقاومة الفلسطينية المسلحة وأشخاصها بصفتهم تنظيمات ”إرهابية“ وفق التفسير الأمريكي.
‌ج. يدعو البيان إلى ”التصدي ومنع الهجمات الإرهابية“. وطبقاً لسياق المؤتمر وتوصيفاته فإن هذا التعبير يمتد بدلالاته إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، طالما أن ترامب وضع التنظيمات الفلسطينية المسلحة ضمن قوائم الإرهاب، وعليه فإن دول البيان ملتزمة بمعاقبة حماس، أو الجهاد الإسلامي، أو غيرهما في حال القيام بأيّ عمليات ضدّ الاحتلال.
‌د. نصّ البيان على تأسيس مركز عالمي (وتعبير ”عالمي“ وليس عربي أو إسلامي يشمل ”إسرائيل“ وغيرها) لمواجهة الفكر المتطرف. فهل سيمتد دور هذا المركز إلى الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى؟ إن مثل هذا المركز ينطوي على احتمال للضغط على العربسات والنايل سات لإغلاق المحطات الفضائية التابعة لحماس والجهاد الإسلامي (كما جرى مع قناة المنار). بل قد يمنع توزيع الصحف والمجلات أو مراكز الأبحاث التي تساند مواقف هذه التنظيمات، وقد يمتد الأمر إلى اعتبار أي مستوى من الانتفاضة في الأراضي المحتلة على أنه ”تحريض وتعزيز لثقافة الكراهية“.
ولا شكّ بأن مثل هذا البيان سيلقى رضاً كبيراً لدى اللوبي اليهودي، الذي يشعر ترامب بأنه في أمسّ الحاجة له في مواجهاته الداخلية مع القوى التي تمت الإشارة إليها.
ثالثاً: البعد التجاري المالي في المرحلة الأولى للجولة:

لقد نجح ترامب في عقد صفقة لبيع السلاح الأمريكي للسعودية، وفي جلب استثمارات سعودية للبنية التحتية الأمريكية، وهو ما جعل قيمة الصفقة تصل إلى نحو 400 مليار دولار. وهي صفقة ستُبهج جماعة المُركَّب العسكري الصناعي الأمريكي. ويكفي أن نعلم أن 15 من كبار المسؤولين في البنتاغون ممن عيّنهم ترامب هم من ذوي العلاقات المباشرة مع المركّب العسكري الصناعي الأمريكي (مثل جارد كوشنر، وبنيامين كاسيدي، وجوناثان هوفمان، وجيم ماتيس، وجون كيلي، وبات شانهان، وهيثر ويلسون، وكيث كيلوج، وتشاد وولف، ولورا رايس، ومايكل كاتنزارو، وجوستون ميكولي…إلخ). وكانت أولى مؤشرات العلاقات بين ترامب والمُركَّب العسكري الصناعي هو زيادة ترامب للإنفاق العسكري بنحو 54 مليار دولار[4] .
إن الاتفاق السعودي الأمريكي الذي ينص على شراء أسلحة أمريكية بمبلغ 350 مليار دولار خلال السنوات العشر القادمة، حيث تبدأ بصفقة فورية قيمتها 110 مليار دولار، يعني أن المركّب العسكري الصناعي (الذي كشف عنه منذ أكثر من نصف قرن الكاتب الأمريكي رايت ميلز وحذر الرئيس الأمريكي الأسبق آيزنهاور في ستينيات القرن الماضي من خطورته) سيدفع نحو تأجيج النزاعات الدولية (دون انخراط مباشر فيها، وهو ما اتضح في خطاب ترامب في مؤتمر الرياض من أن على دول المنطقة أن تحمي نفسها بنفسها) لإفساح المجال لمزيد من مبيعات السلاح للمتصارعين. وهو أمر يتضح من حجم المبيعات العسكرية الأمريكية على المستوى العالمي بشكل عام والشرق أوسطي بشكل خاص، وهو ما يتضح في أن أغلب الحروب الإقليمية تدور بسلاح أمريكي مع الطرفين أو مع أحدهما.
يضاف لصفقات الأسلحة أنباء عن استعداد سعودي لاستثمار نحو 40 مليار دولار في البنية التحتية الأمريكية، ناهيك عن الاستثمارات الموجودة أصلاً في الأسواق الأمريكية.
لكن من الضروري التذكير بأن الرئيس السابق أوباما سبق له أن عقد اتفاقاً مع السعودية لمبيعات عسكرية بنحو 115 مليار دولار، لكن التنفيذ تعرض للعرقلة لخلافات حول السياسات السعودية الداخلية والخارجية [5] .
من المؤكد أن السعودية تسعى لتضييق المجال أمام ”ما تراه خيارات استراتيجية إيرانية“ في المنطقة، كما أن طموحاً سعودياً بالتحول لدولة محورية في الشرق الأوسط قد يتعزز بمثل هذه الصفقات العسكرية، لكن نود التذكير بأن الاتحاد السوفييتي كان ثاني قوة عسكرية في العالم، غير أن البنية الداخلية كانت هي الحاكمة لمصيره، كما أن شاه إيران كان أحد أعمدة المنطقة لكن الوضع الداخلي حسم الأمر معه بشكل واضح. ومن هنا فإن السياسة السعودية ستواجه عقبات عدة في طموح تسعى له دول أخرى:
1. كيف سيتم التوفيق بين ضغوط أمريكية لمزيد من الإنفاق العسكري، وبين تراجع الدخل السعودي من مبيعات البترول التي تشكل المورد المركزي للاقتصاد السعودي؟
2. كيف ستوفق السعودية بين ”طموح إقليمي يتوارى وراء صفقات سلاح“ وبين حزام فقر اقتصادي إقليمي يحيط بها في كل من مصر واليمن والأردن والعراق، وقد يُلقي بظلاله عليها؟
3. هل ستستفيد السعودية من هذه الصفقة في عرقلة التقدم في مسار تطبيق قانون جاستا الذي أقره الكونجرس الأمريكي؟
من جهة أخرى، من الواضح أن السعودية تحاول استكمال مقومات الطموح الإقليمي من خلال بعض الخطوات الإجرائية مع الدول الكبرى الأخرى:
1. التوافق مع الروس على الاستمرار في سياسات الانتاج النفطي، لضمان استقرار الأسعار النفطية ومنع تدهورها.
2. استمرار تصدرها لقائمة موردي النفط ومستوردي السلع مع الاقتصاد الصيني.
3. من الواضح أن توجهات الرئيس الفرنسي ماكرون ستجعل الحركة الديبلوماسية السعودية أكثر ”براحاً“. فهل ستكتمل هذه التوجهات الخليجية بشكل عام بنوع من الضغوط الناعمة على السلطة الفلسطينية كمقدمة لتعديل المبادرة العربية، لا سيّما في موضوع اللاجئين والحدود، والطبيعة القانونية لأي كيان سياسي فلسطيني مقترح، ناهيك عن عملية التطبيع العربي مع ”إسرائيل“؟ وهذا أمر يجب التعامل معه بجدية.
رابعاً: البعد الغائب في المرحلة الثانية:

تمثلت المرحلة الثانية في انتقال ترامب مباشرة من ”السعودية لإسرائيل“ وزيارته لحائط البراق، وتأكيده في خطاباته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو على العلاقة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية، والتزامه بأمن ”إسرائيل“، ثم لقائه برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.
ويمكن الإشارة لعدد من النقاط التي تستحق التأمل في هذه المرحلة من الجولة:
1. خلت كل تصريحات ترامب من أي التزام محدد بخصوص الإطار الذي ستتم فيه التسوية المأمولة من طرفه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فهو ملتزم بـ”السلام“ دون تحديد لإطاره الدولي (قرارات الأمم المتحدة، أو قرارات اللجنة الرباعية، أو المبادرة العربية)، أو إطاره الأمريكي المعلن من الإدارات السابقة (قيام دولة فلسطينية منذ قبول الرئيس بوش بها).
2. خلافاً للموقف الأمريكي المعلن حول الاستيطان والاحتلال، فإن ترامب تجنب الإشارة لأي موضوع من موضوعات القضية الفلسطينية سوى الدعوة للسلام وبلغة إنشائية تغطي على الرغبة في التملص من أي التزام أمريكي سابق.
3. يلاحظ أن موضوع نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس بقي في الظل، وعلى الرغم من بالونات الاختبار التي أطلقها الإسرائيليون قبيل وصول ترامب، إلا أن الموضوع بقي في نطاق ”سيناريو المراوغة“ الذي أشرنا له في تقدير استراتيجي سابق صادر عن مركز الزيتونة.
خامساً: التداعيات المستقبلية:

مع الإقرار بأن المؤسسات السياسية في النظام السياسي الأمريكي أقوى من الفرد، إلا أن دور الفرد يبقى له وزنه في سياق تفاعلات المؤسسات مع البيئة المحلية والإقليمية والدولية. وعليه لا بدّ من التوقف عند شخصية ترامب لوضعها في الاعتبار، عند محاولة فهم سياسته وتداعياتها المستقبلية وكيفية التعامل معه:
1. شخصية ترامب:

ما يلفت النظر أن الرئيس الحالي ترامب حظي بقدر غير معتاد من الحوارات حول ”بنيته النفسية“ أو السيكولوجية؛ وهو أمر لم تعرفه الرئاسات السابقة بهذه الحدة والتوسع في المناقشة؛ بل وحملت عشرات الصحف الأمريكية وبعض المجلات المتخصصة حوارات حول هذا الموضوع وبإسهاب يشير لقدر من القلق. وقد كان أغلبها من أطراف ”أكاديمية“ متخصصة، فهناك البيان الذي وقّع عليه 35 من الأطباء النفسيين الأمريكيين ونشرت نيويورك تايمز، والأتلنتيك، ونيويورك ديلي نيوز… وغيرها مقتطفات من البيان [6] .
وأهم ما ورد في بيان الأطباء النفسيين هو ”أن ترامب غير مؤهل عقلياً لوظيفة قائد عام“. ويرى البروفيسور جون غارتنر من جامعة جون هوبكنز أن ترامب يعاني من ”نرجسية مرضية“، ولديه خلل عقلي لا يؤهله لمزاولة الرئاسة [7] .
ويتفق الجميع على ”نرجسية“ ترامب، لكن الخلاف بينهم على حِدَّة هذه النرجسية وكم مؤشر من مؤشراتها متوفر في شخصيته؟! فالتيار الأكبر يرى أن لديه ثماني خصائص من خصائص النرجسية المرضية (من بين تسع خصائص للنرجسية المرضية)، بينما يرى آخرون أن ترامب يعاني من أربع منها فقط. وتتمثل خصائص النرجسية المرضية طبقاً لهذه المساجلات في أن النرجسي:
أ. ينظر لإنجازاته العادية بشكل فيه قدر كبير من المبالغة بأهميتها.
ب. لديه وَهْم المثالية.
ج. يظن أن الناس العاديين لا يستطيعون فهمه، بل يحتاج لأشخاص غير عاديين لفهمه.
د. يستمتع بالإعجاب المفرط من قبل الآخرين به.
ه. يرى نفسه دائماً على حق.
و.  يستغل علاقاته بالآخرين بشكل جشع.
ز. لا تعنيه مشاعر الآخرين.
ح. لديه وهم بأن الآخرين يحسدونه على ما هو عليه، وتأكلهم مشاعر الغيرة منه.
ط. متقلب، ويبرر مواقفه بشكل متعجرف.
إن أغلب ما وجده الباحث من دراسات أمريكية لشخصية ترامب منذ طفولته ومراحل تطوره، وصولاً لعالم المال والأعمال وعلاقاته الفردية وميوله العاطفية وغيرها من الموضوعات، التي يُعنى بها علم النفس السياسي، يشير إلى ما يلي:
أ‌. افتقاده للشعور بالأمن: ويعيد عدد من الباحثين ذلك في شخصية ترامب إلى ثلاثة عوامل:
1. مرحلة التحاقه بالأكاديمية العسكرية، والتي غرزت في نفسه إحساساً بأن الآخر هو ”العدو“، فدائماً يتدرب على كيفية مواجهة طرف آخر، وهو ما جعل الشعور بالقلق من الآخر يغوص في أعماقه، ويتوارى وراء دافع آخر لكنه يعززه.
2. انغماسه في عالم المال والأعمال، جعله يشعر بأن اليد الخفية التي يعرفها الاقتصاديون تتسلل بين لحظة وأخرى، وتؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار إمبراطوريات اقتصادية وشركات وبنوك عملاقة، وقد ذاق ترامب بعضاً منها.
3. طفولته تشير إلى أن مستوى المديح الذي كان ينتظره من الوالدين لم يرْقَ لنزعات الطفل. فبالرغم من الثراء والحياة الهادئة التي عاشها، لكنه لم ينل المديح الذي توقعه، مما جعله يطوي بداخله مشاعر القلق لمعرفة لماذا؟
ب. الكذب: تشير دراسة لتصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية إلى أن التحقيق فيما كان يقوله يقود إلى النتائج التالية:
• 2 % مما قاله صحيح تماماً.
• 7 % صحيح بنسبة عالية.
• 15 %  نصف صحيح.
• 15 %  كذب بنسبة عالية.
• 42 %  كذب تماماً.
• 18 % كذب فيه شطط كبير.
وهو ما يعني أن 76% من تصريحاته كانت أقرب للكذب [8]، مقارنة بـ 29% لتصريحات هيلاري كلينتون.
ج. نرجسي بشكل كبير (كما سبق): يشير تحليل لكتابات ترامب والمقابلات الصحفية إلى أن لديه نرجسية عالية، تظهر في تكرار اسمه في مواضع كثيرة، وإحساسه بأن ما يستطيعه يعجز عنه الآخرون، ويطرب للمديح (وهو ما يتضح في كراهيته للإعلام لأنه لم يمدحه). ونظرته للآخرين توحي بقدر قليل من التعاطف الوجداني، بدليل أن لديه نزوعاً قوياً بل وجامحاً لتشويه صورة خصمه.
د. تفاوضه: تدل استنتاجات الباحثين الذين اهتموا بمن تفاوض معه في دنيا المال والأعمال بأنه:
1. يوظف كل أدوات القوة لديه من بداية التفاوض وبشكل شرس.
2. يُغرق الطرف الآخر في أدق التفاصيل مهما بدت بسيطة أو تافهة.
3. يميل لوضع الطرف المقابل في ظروف تفاوضية غير مريحة من خلال تشويه السمعة كما أشرنا سابقاً، وإيجاد بيئة تفاوضية محبطة للآخر تجعله يقبل بشروط ترامب.
4. لا يعرف تأنيب الضمير على ما يقع للآخرين في نطاق العمل التفاوضي.
5. إذا شعر أن عناده قد يقود للخسارة، فإنه يتراجع ولا يرى في ذلك ضيراً.
هـ. ماذا يعني كل ذلك للمفاوض العربي:
1. على المفاوض العربي أن يضع في اعتباره أن ترامب لن يتورع عن الكذب عليه، وهذا يعني أن على المفاوض العربي أن لا يأخذ ما يقوله ترامب على محمل الجد، إلا في حدود لا تزيد عن 30%.
2. إذا ما اضطر المفاوض العربي للثناء على ترامب، فيجب ألا يتضمن ذلك الثناء مواقف سياسية، لأنه ينتظر دائماً ممن يتعامل معه أن يثني عليه مهما فعل.
3. لن يتوانى ترامب عن ابتزاز المفاوض العربي سواء أكان الموضوع سياسياً أم مالياً وبمستوى من الابتزاز غير الأخلاقي.
4. كل من يخالفه الرأي من العرب سيعمل على تشويهه تماماً في كل تصريحاته ومواقفه.
5. إذا شعر ترامب بأنه خاسر تماماً فإنه يتراجع ولا يرى في ذلك أيّ حرج (مواقفه مع الصين، ومع كوريا الشمالية، ومع الداخل الأمريكي، ومع موضوع الناتو، بل ومع السعودية…إلخ).
2. توجهات ترامب الكبرى وانعكاساتها على المنطقة العربية:
إن الإنفاق العسكري الأمريكي الذي أعلن عنه ترامب بزيادة 54 مليار دولار لتصل إلى 639 مليار (مجموع إنفاق الدول السبع التالية لها في الترتيب)، يستدعي التساؤل عن كيفية التوفيق بين هذه الزيادة وبين وعود ترامب بإنعاش الاقتصاد الأمريكي. فالولايات المتحدة التي تمثل 4,3% من سكان العالم تنفق 37% من الإنفاق العسكري والدفاعي العالمي.
إن أهم رافعة لتحريك النمو الاقتصادي الأمريكي هو الصناعة العسكرية، ويكفي أن نتنبه إلى بعض المؤشرات:
أ‌.  68% من نفقات البحث العلمي في الولايات المتحدة تذهب للأغراض العسكرية.
ب‌. 46% من الحروب (الدولية والداخلية) في العالم تتم بأسلحة أمريكية يحملها طرفا الصراع، و43% من الحروب يستخدم فيها أحد أطراف الحرب سلاحاً أمريكياً.
ج. كان نصيب الولايات المتحدة من مبيعات السلاح 33% من مبيعات العالم خلال الفترة 2011–2015.
د. من الواضح أن المعاناة من فترات الركود الاقتصادي أو تعثّر النمو (1929، و1970، و1987، و2008) تبعتها زيادة في الإنفاق العسكري، لأن ذلك يسهم في امتصاص البطالة وتطوير التكنولوجيا وتعزيز التجارة العسكرية…إلخ.
الملاحظ أن مشروع ترامب تضمن تخفيضاً في النفقات الخارجية، والإسكان، والبيئة، والكثير من المشروعات الفيدرالية لتعويض بعض الإنفاق العسكري، وكل ذلك يخدم المجمع العسكري الصناعي. ويكفي النظر في خلفيات الشخصيات المهمة في إدارة ترامب لفهم ذلك. وإذا كانت الدول التي صنفها ترامب خلال حملته بأنها الأكثر عدوانية، وهي الإرهاب، والصين، وروسيا، وكوريا الشمالية، وإيران تجعله يبرر زيادة الإنفاق، فإن المجمع العسكري الصناعي هو الذي يُحرّكه، ويكفي أن أحد ممثّلي المجمع قال ”جئنا به لخدمتنا [9] “ .
الاتجاه الأعظم Mega-trend للسياسة الأمريكية (المستقبل البعيد):

من غير الممكن دراسة سياسة الولايات المتحدة في عهد ترامب بمعزل عن اتجاه أعظم للوضع الأمريكي الذي يميل تدريجياً للتراجع على المستوى العالمي، طبقاً لتقديرات عدد كبير من الخبراء في الدراسات المستقبلية أو غيرها (مثل بول كيندي، أو جون غالتنغ أو غيرهما).
بناء على ذلك فإن تحليل السياسة الأمريكية يجب أن يتم بناء على مديين، هما: المدى المباشر (فترة ترامب) والمدى البعيد (عشر سنوات أو أكثر). ولما كان المقام لا يسمح بتناول مؤشرات المدى البعيد، فإننا سنشير لبعضها على عَجَل، لرصد احتمالات السياسة الأمريكية على المدى القصير أو المباشر في المنطقة العربية لا سيّما في الموضوع الفلسطيني:
إن عالم الدراسات المستقبلية جون غالتنغ من أوائل من تتبعنا دراساتهم ونماذجهم خصوصاً أنه يجمع التخصص في علم الاجتماع وفي الرياضيات (يحمل درجة الدكتوراه في كل منهما)، وما يلفت انتباهنا هو سجله الحافل في مجال التنبؤ في الدراسات المستقبلية، ولعل نموذجه الأكثر مدعاة للانتباه هو نموذج رياضي صاغه في نظريته ”تزامن وتعاضد التناقضات” synchronizing and mutually reinforcing contradictions سنة 1980 [10]، ودرس فيها صعود وهبوط عشر امبراطوريات، وتوقع استناداً لنظريته أن ينهار الاتحاد السوفييتي في سنة 1990 (أي بعد عشر سنوات من نظريته، وهو ما وقع بالفعل).
وتتضح قدرة غالتنغ من خلال تنبؤاته الأخرى مثل: تنبؤه بوقوع الثورة الإيرانية، ووقوع اضطرابات ميدان تيانانمين الصيني 1989، ووقوع الأزمات الاقتصادية 1987 و2008 في الاقتصاد العالمي، ووقوع هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة. لكن دراسته الأكثر صلة بالولايات المتحدة هي الدراسة التي نشرها سنة 2009، والتي تنبأ فيها بمسألتين مهمتين هما [11] :
1. أن الولايات المتحدة ستتراجع خلال 25 سنة، وبنى رؤيته استناداً لرصد 15 مؤشراً على التناقض في الجسد الأمريكي، من أهمها:
أ. التناقض الاقتصادي: فائض في الإنتاج، مع بطالة، ونفقات تلوث متزايدة.
ب. تناقض عسكري: خلافات مع الحلفاء في الناتو وخارجه حول من يتحمل نفقات الحروب (وهو ما يثيره ترامب حالياً).
ج. تناقض سياسي: التناقض بين أدوار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي مع الدور الأمريكي.
د. تناقض ثقافي: التناقض بين المكون المسيحي اليهودي والمكون الإسلامي والأقليات الأخرى (موضوع ملتهب الآن).
هـ. تناقض اجتماعي: تزايد الهوة بين الحلم الأمريكي لكل مواطن وبين تآكل الطبقة الوسطى (سيتعزز مع ترامب).
و. تناقضات دولية تظهر في التنافس الأمريكي مع الصين وروسيا (وهي واضحة الآن في مجالات عديدة).
2. العلامة الفارقة في هذا المسار يحددها غالتنغ في الحالة التي تبدأ فيها نخب الأطراف تتذمر من القيام بمهمات الحروب نيابة عن المركز. وهو ما يشير لبدء انهيار الإمبراطورية وهو ما يتضح في موقف دول الناتو حالياً من الدور الأمريكي (تدخلت الولايات المتحدة عسكرياً منذ 1945 في 37 دولة وقتلت 20 مليون فرد). ويرى غالتنغ أن تراجع الولايات المتحدة في المسرح الدولي سيقود لتداعيات داخلية قد تصل لحد تفكك الولايات المتحدة ذاتها أو تتحول لدولة كونفيدرالية.
وبعد انتخاب ترامب رأى غالتنغ ان التراجع سيبدأ قبل ذلك بخمس سنوات (2020) وأن الفاشية ستكون المظهر المركزي للانهيار، ويرى أن مواقف ترامب من المهاجرين تكيد لرؤيته [12] .
3. المستقبل القريب:
بناء على ذلك، نرى أن المستقبل القريب يحمل القسمات التالية:
أ. إن تغليب التطبيع العربي مع ”إسرائيل“ على التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، ستكون أوفر حظاً من الاتجاه المعاكس.
ب.  إن محاولة فكّ تحالفات بعض القوى الفلسطينية المسلحة أو اقتراب بعضها الآخر من محور المقاومة سيتعرض لمزيد من الضغوط.
ج. إن أنصار التسوية السلمية سيواجهون هم الأخرون قدراً كبيراً من الإحباط، مما يجعلهم في موقف أكثر ضعفاً.
وبناء على ما سبق، فإن على المقاومة الفلسطينية أن تتوخى أقصى درجات الحذر، وأن تحاول استثمار القوى الحزبية والشعبية العربية (بغض النظر عن كل ما يشوبها) لأنها ستكون الجدار الواقي لها. كما أن عليها أن لا تنخرط بأي شكل في النزاعات العربية الداخلية، وأن تحاول ترميم علاقاتها مع ”كل“ من يقدم لها يد العون.
أخيراً:

من الضروري عدم استبعاد أن شبح الاتهامات ولجان التحقيق الداخلية التي تلاحق ترامب في أكثر من جانب ”ربما“ تلقي بظلالها على وهج الصورة السابقة فيرتبك المشهد بكامله. إن إقالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الأف.بي.آي (جيمس كومي) ومطالبة زعيم الديموقراطيين في الكونجرس بلجنة تحقيق مستقل، حول علاقات ترامب بروسيا، توحي أن الاضطراب ما زال يضرب الإدارة الأمريكية. ولا بدّ من التذكير بأن فضيحة ووترغيت بدأت في منتصف 1972 وانتهت بعد 26 شهراً عندما استقال نيكسون بعد شعوره بأن إدانته صارت مؤكدة… فهل سيتكرر المشهد؟ وهو ما قد يدفع ترامب لتأجيج أزمات خارجية لامتصاص آثار أزماته الداخلية وصورته المهزوزة، وقد يكون الشرق الأوسط هو الأكثر جذباً له لممارسة ذلك.

http://www.alzaytouna.net/wp-content/plugins/extrawatch-pro/components/com_extrawatch/extrawatch.php?origin=frontend&task=ajax&action=download&env=ExtraWatchWordpressEnv&file=arabic/data/attachments/AcademicArticles/Trump_USA_Arab-Region_Walid-Abdalhay_5-17.pdf
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: أ.د. وليد عبد الحي   الجمعة 26 مايو 2017, 1:04 am

سطوة التاريخ .. د.وليد عبد الحي





يَشْخصُ التاريخ في لحظتنا العربية الراهنة بشكل ملموس في أن الحركات الدينية(على اختلاف أطيافها) تمثل القوى الأكبر في النسيج السياسي العربي المعاصر من ناحية ، وفي أنها الأكثر استفادة من استحضار نموذج تاريخي وإلهاب المشاعر من حوله من ناحية أخرى، وينطوي ذلك كله على منظومة معرفية لا يمكن إدراكها إلا بتفكيكها وإدراك أن نتائجها ليست مجرد إعادة جمعٍ لنتفها، إذ تقوم رؤية التاريخ السياسي العربي من منظور المنهج الكلاني(Holistic) لا على مجرد "تجميع ومراكمة" الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واعتبار أن الواقع مساوٍ للمجموع الرياضي لهذه المكونات ، بل هو أكبر منها، فمثلما يتكون الماء من الأوكسجين والهيدروجين ، فإن في الماء صفات لا توجد في أي من مكوناته.
إن الإطلاع على التراث الفكري السياسي الإسلامي، وليس الفقهي السياسي ، يكشف لنا عن معضلة مركزية يمكن التوقف عند تفاصيلها طويلا، إذ يمثل "الفكر السياسي" في التراث العربي الإسلامي من وجهة نظرنا أضعفَ مساهمات هذا التراث في إثراء الفكر السياسي العربي والإنساني المعاصر ، فإذا استثنينا ابن خلدون كأول من أطل في فترة متأخرة من الحضارة الإسلامية على الظاهرة السياسية بمنهجية علمية ، لا نكاد نعثر في هذا التراث على تأصيل للظواهر السياسية خارج نطاق المعالجات الأخلاقية ، أو خارج نطاق نسخ أو تقليد بعضٍ من التراث اليوناني أو الفارسي ، دون أن نغمط المساهمات الهائلة والفذة لهذا التراث حقها في الحقول المعرفية الأخرى.
مظاهر حضور التاريخ في المنظومة المعرفية السياسية العربية المعاصرة:
ينطوي مصطلح المنظومة المعرفية (cognitive map) الذي كان علماء السياسة منذ سبعينات القرن الماضي أول من طرحه على أبعاد ثلاثة: أولها مجموع المعلومات التي يمتلكها الفرد عن الذات والآخر والكون بغض النظر عن مدى صحتها ، وثانيها شبكة العلائق الذهنية المنتظمة بين المعلومات، أي العلاقة والتداعي بين معلومة وأخرى ، وقد تكون هذه العلائق صحيحة أو خاطئة ،وثالثها سلم قيمي شكلته الخبرة المجتمعية، ويضعُ مثاليةً تسيطرُ وتَهدي آلية التفكير في الظواهر.
ولعل المنظومة المعرفية تشكل أداة للتمييز بين مجتمع وآخر،فقد تتماثل المعلومات التي يمتلكها مجتمع مع تلك التي يمتلكها مجتمع آخر، غير أن شبكة العلائق الذهنية بين المعلومات التي تمثل إطار التفسير العام للظواهر هي التي تختلف،وهو ما تدعمه منظومة القيم التي تشكل البعد الثالث في المنظومة المعرفية.
ذلك يعني أن تحليل الفكر السياسي العربي الإسلامي يتم من زاوية تحليل المنظومة المعرفية السياسية لتفسير ظاهرة الاستبداد السياسي تحديدا، رغم إقرارنا أن نظريات الطابع القومي لا سيما دراسات الإنثروبولوجيين مثل مارغريت ميد و روث بينديكيت أو النظرية الهيدروليكية لكارل ويتفوغل أو نظرية نمط الانتاج الآسيوي لماركس أو المنظور "الإرثي" لماكس فيبر لها أهميتها في تفسير ظاهرة الاستبداد الشرقي،لكننا سنحصر نظرتنا في المنظومة المعرفية بتعريفها الذي اشرنا له،مع التأكيد على أننا لا نجد في تراثنا السياسي الإسلامي نظريةً تفسر الاستبداد بعيدا عن المنظور الأخلاقي الوعظي(باستثناء بن خلدون في فترة متأخرة من الحضارة الإسلامية،رغم أن مفهوم الدولة عند بن خلدون ينصرف إلى العهد السياسي أو النظام السياسي وليس للدولة بمفهومها المعاصر:الإقليم والشعب والسلطة).
لقد انطوت المنظومة المعرفية السياسية العربية على بعد سياسي هام تمثل في تكريس صورة " السلطة فوق البشرية" للحاكم من خلال الأدب السلطاني، والفقه السياسي، والشعر السياسي، وتعززت الصورة عبر التاريخ بأنماط نظم حكم تم نسخها من تجارب موازية في إضفاء "فوق البشرية" على السلطة كالنموذج الكسروي المنقول من فارس تحديدا.
إن صورة الحاكم "فوق البشرية" التي تتمطى في المنظومة المعرفية العربية وتقترب من أحد نماذج السلطة عند ماكس فيبر(القيادة الكاريزمية المستندة لنص ديني) هي نتاج تفاعلات الأبعاد الثلاثة للمنظومة المعرفية التي أشرنا لها(المعلومات،العلائق بينها،القيم) على النحو التالي:
أولا-تكثيف المقدس في مرحلة اجتماع السلطة السياسية والدينية في شخص واحد، فقد كرست دولة المدينة المنورة اندماج الديني بالدنيوي بكيفية يصعب الفصل بينهما سواء من حيث شخص الحاكم أو قواعد الحكم.
لقد تسنمتْ الدولةَ الإسلامية الجنينية سلطةٌ(الرسول) بإرادة لا علاقة للمجتمع بها(الوحي)، وتشكل الدستور (القرآن) الناظم للعلاقات بشكل تدريجي لم يكن للمجتمع من دور فيه إلا التلقي دون المشاركة في صياغته بأي شكل من الأشكال، كما لم يكن هناك أي حق للمجتمع في تقديم اقتراحات أو تعديلات على النص، بل اقتصرت مهمة العامة على حفظه، وانشغلت النخبة بشرحه للعامة.
وما أن اكتمل النص، وتدربت الذهنية العامة على التلقي فقط، حتى بدأت التطورات اللاحقة(الخلافة، وشؤون الدنيا الأخرى،والفتوحات...الخ) تواجه القيادة الجديدة(الخلفاء) الذين ورثوا إرث التلقي والاقتناع باكتمال النص(أو الدستور بلغة الحاضر) ، فلجأوا لنقل تجارب المجتمعات الأخرى لا سيما الناجحة في حينها، ولم يسعف النصُ المجتمعَ في إيجاد آلية لاختيار الحاكم إلا بنقل النموذج الكسروي وبعد فترة من عدم الاستقرار تمثلت بمقتل ثلاثة خلفاء من أصل أربعة في المرحلة الراشدة.
لقد أدى ذلك كله إلى غياب فكرة التطور السياسي من مرحلة لأخرى في المنظومة المعرفية نظرا للاعتقاد بأن المجتمع لديه القول النهائي والمكتمل الذي لا يستدعي أي تغيير، وله صلاحية مطلقة في الزمان والمكان يجسدها النص في " اليوم أكملت لكم دينكم" أو تداول فكرة مالك بن أنس "لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله".
ونعتقد أن جدب التراث الفكري السياسي العربي آت من هذه الناحية، فقد اقتصرت مهمة النخبة(أو الخاصة في مفردات التراث) على تكييف معنى النص ليتسق قسرا مع تطورات الواقع دون القدرة على تأويلٍ تطوريٍ للنص(الخطاب) أو إنتاج نص(خطاب) بديل أو موازٍ،فليس في التراث نظرية للدولة أو الحكومة بل نظرية سياسية في الحاكم(الخليفة).
لقد كبل فهمٌ محددٌ للمقدس المنظومةَ المعرفية، ونقلَ هذا الفهمُ القداسةَ إلى السلطة القائمة ، واستقر الأمر على هذا الحال وصولا للمرحلة المعاصرة، وهو ما يتضح في محاولات ربط العديد من الحكام المعاصرين نسبهم بالرسول أو علي بن أبي طالب أو إطلاق تسميات دينية عليهم كأمير المؤمنين أو غيرها من المفردات ذات الظلال الدينية، والتي تفترض استنادا للإرث الذي اشرنا له الحق في وعي ما يقول الحاكم لا الحق في معارضته. وتكرست هذه المنظومة المعرفية من خلال التوظيف السياسي البراغماتي المعاصر للتاريخ ، كما حدث في توظيف واستحضار المقدس من قبل أنظمة سياسية عربية عديدة لمواجهة المد الناصري واليسار العربي، أو لمواجهة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، أو حتى لتبرير الصلح مع إسرائيل، أو لتفسير الهزائم المتلاحقة...الخ.
ثانيا:يمكن الافتراض بأن الاتجاه الرئيسي في الفكر السياسي "السني" اتجه نحو تكريس فكر الحفاظ على الأمر الواقع بحكم أن السلطة في أغلب فترات التاريخ الإسلامي كانت لهذا الاتجاه،مما ساعد على بلورة فكر سياسي مشغول بالحفاظ على السلطة بحكم وجوده على كرسيها،بينما مال الفكر الشيعي في اتجاهه العام (لا التفصيلي) إلى التأكيد على فكر الثورة والميل نحو انحياز ما للفئات الشعبية والفقيرة،لذا طور فكرا سياسيا تغييريا أكثر بالمقارنة مع الفكر السني، لكنه جعل من "الإمامة" منصبا مجاورا في مكانته للنبوة مما كرس من فكرة القداسة للسلطة مرة أخرى.
ثالثا-تعززت قضية الجدب الفكري السياسي بكيفية فهم تيارات فكرية إسلامية معينة-كالسلفيين- لبعض النصوص مثل "ما فرطنا في الكتاب من شيء" أو " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء" ،إذ كرست هذه التيارات فكرة عدم جدوى التفكير السياسي ما دامت الحلول منصوص عليها ولا حاجة إلا لتكييف النصوص،وهو أمر تعزز أثره بفكرة وقف الاجتهاد مع النصف الثاني من الدولة العباسية.
إن الفهم للنص المقدس في معالجته لتفاصيل الحياة اليومية ، جعل مشروعية أي تطور رهينة فتوى شرعية تصدر من الحاكم أو فقيه الحاكم ، وهنا ضمرت مساحة التفكير خارج إرادة السلطان، وامتنع التطور في أنساق اجتماعية أو أفكار أخرى ، وأية محاولة خارج هذه السياق تجعل صاحبها ضمن الزنادقة، أو البغاة أو المرتدين أو الرافضة،وتصبح الحركات الاجتماعية المعارضة "فتناً"،وتكرس الأمر بغياب مؤسسات لصنع القرار ، رغم أن التجارب التاريخية السابقة والتي اطلع عليها المفكرون المسلمون كانت تشير إلى نماذج معينة لمؤسسات صنع القرار ولو في مستوى بدائي.
ونلاحظ في الفترة المعاصرة أن قوى المعارضة السياسية في أغلبها قوى دينية،ولا شك أن هناك علاقة بين الفشل السياسي للأنظمة العربية المعاصرة وبين الارتداد إلى التجربة التاريخية للاحتماء بمنظومتها المعرفية عبر بنية سيكولوجية نوستالجية(nostalgia) تسعى لخلق نوع من التوازن ، ومن المعلوم أن وزن العقل الباطن في تحديد السلوك يزداد بعلاقة طردية مع غياب الوعي، ففي ظل مجتمعات ذات بعد واحد في ثرائها الثقافي، يرتد الفرد إلى منظومته المعرفية لتفسير الواقع، ولما كانت هذه المنظومة لا تشتمل لدى أغلب العامة إلا على النموذج التاريخي، فإنها ستسعى لتفسير كل المظاهر بالاتكاء على هذه المنظومة، وتصبح نظرية ليون فيستنغر حول عدم الاتساق المعرفي(cognitive dissonance) قابلة للتطبيق بشكل كبير.
رابعا:-مشكلة المفاهيم السياسية في التراث:كثيرا ما نعثر على إشارات متكررة في أدبيات التيارات الإسلامية المعاصرة عن أن الإسلام دعا إلى الحرية( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا)، والمساواة(الناس متساوون كأسنان المشط) والعدالة(وإذا حكمتم بين الناس فاحكموا بالعدل)، وهي مفاهيم شكلت نقلة نوعية تطورية في منظومة القيم في حينها، لكن محتوى هذه المفاهيم يجب عدم فصله عن سياقه التاريخي، فمفهوم الحرية لدى عمر بن الخطاب هو "نقيض العبودية أو الرق" ولكنها لا تعني الحق في الإيمان بأي دين أو فكر أو الانتماء والدعوة له، والمساواة كأسنان المشط لا تتيح لغير المسلم تولي بعض المناصب، والعدالة تعني خضوع الجميع لنفس القانون دون أي تمييز وليس لقانون لم "يتعاقدوا اجتماعيا" عليه، ويرى البعض فيه نوعا من عقود الإذعان.
ومع التطور المعاصر اتسع مضمون هذه المفاهيم إلى نطاق لا تحتمله الأدبيات السياسية التراثية ، ومالت مستويات السلطة المختلفة في المجتمع العربي(السلطة السياسية،والاجتماعية،وقطاع كبير من السلطة الثقافية) إلى التشبث بالنطاق الأضيق ، فبدأت تصطدم تدريجيا بأجيال أفرزتها تحولات إنسانية عميقة ، وبدأت حدود منظومة القيم السياسية لها تتجاوز الحدود التقليدية ، فبدأت ملامح المواجهة بين الطرفين تتشكل تباعا.
خامسا:غياب آلية فض النزاعات السياسية الداخلية وعلاج البغي السياسي في التراث السياسي:
عند استعراض الأدبيات السياسية في التراث الإسلامي من ناحية أو التجربة التاريخية للدولة الإسلامية من ناحية أخرى ، نكتشف الفقر في تحديد آليات فض النزاعات السياسية الداخلية في المجتمع الإسلامي بخاصة التي تكون السلطة طرفا فيها ، فرغم الإشارة إلى التحكيم أو الصلح في أغلب الموضوعات الاجتماعية، فإن الآلية السياسية لتسوية النزاعات السياسية تكاد أن تكون غير واضحة، فلو أخذنا النص القرآني" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله"، لتبين لنا عددا من الإشكاليات التي يمكن الاستدلال عليها بيسر شديد من وقائع التاريخ الإسلامي ومن كتب التراث السياسي ذات الصلة بهذه المسألة:
أ-عندما تكون السلطة طرفا في النزاع السياسي: إن الإشارة إلى "أصلحوا بينهما" تثير التساؤل الأول وهو من يقوم بعمل الصلح بين المتخاصمين؟ فإذا افترضنا أنها السلطة، فماذا لو كانت السلطة طرفا في النزاع؟(الصراع بين عثمان وخصومه، الصراع بين علي وعائشة، الصراع بين علي ومعاوية، الصراع بين يزيد والحسين، وثورات القرامطة والزنج...الخ).
لقد بقي التراث الفكري السياسي العربي الإسلامي عاجزا عن إيجاد آلية لتسوية النزاع في الحالات التي تكون فيها السلطة العليا طرفا في النزاع، وبقي الأمر حتى هذه اللحظة، وهو ما نلاحظه في تعدد الفتاوى وتضاربها عند حدوث نزاع بين دولتين إسلاميتين أو بين فريقين داخل دولة إسلامية ،ويكفي أن نقارن بين فتوى يوسف القرضاوي وفتوى محمد سعيد البوطي تجاه ثورات الربيع العربي المعاصرة.
ب- تحديد الجهة الباغية: وهنا نعود ثانية للتساؤل من يحدد الباغي إذا كانت السلطة طرفا في النزاع ، ولما كان هناك افتقاد لمؤسسة تحدد الباغي، أصبح لكل فقيه الحق في تحديد الباغي،وهو ما يتبعه تعدد مصادر تحديد الباغي وما ينجم عنه استمرار الصراع.
ج- فكرة "تفيء إلى أمر الله": نعود مرة أخرى للتساؤل عمن يحدد أن جهة ما من أطراف الصراع فاءت أم لا لأمر الله؟
إن الفكر السياسي الإسلامي باعتباره الخلفية الفكرية للمجتمع العربي لم يقدم بل لم ينشغل بهذه المسألة، وبقيت الغلبة في معالجة هذه المسألة للقوة والدهاء السياسي، وهما "خلال" بتعبير ابن خلدون بقيت شاخصة حتى اللحظة.
سادسا: آلية اختيار الحاكم:
أ‌- عرفت التجربة السياسية الإسلامية تنوعا كبيرا في كيفية اختيار الحاكم في بداياتها، فقد تولى الرسول السلطة بأمر "إلهي"، وتولاها أبو بكر كنتيجة لتوازنات القوى في السقيفة ، بينما أصبح عمر خليفة بالتعيين، ليليه عثمان بن عفان بقرار لجنة، بينما جاء علي كنتيجة لتمرد أو ثورة، ثم قتل الحسين بن علي ليتم نقل النموذج الفارسي في الحكم من خلال الملكية الوراثية التي أصبحت النموذج المستقر. نحن هنا إزاء مجتمع تحددت طريقة اختيار الحكام فيه بمعطيات اللحظة الراهنة وملابساتها دون وجود منظور فكري لآلية اختيار الحاكم.
ب- رغم انشغال المفكرين الإسلاميين بالترجمات للأدب السياسي اليوناني في مراحل لاحقة، فإن فكرهم نأى بنفسه عن المناقشات التي تناولتها الأدبيات اليونانية في كيفية اختيار الحاكم،وكأن فكرة التصويت والانتخاب...الخ، لم تثر لديهم أي انتباه،فالملاحظ أن اختيار الحاكم في التراث السياسي الإسلامي انقسم إلى اتجاهين رئيسيين أحدهما يصر على الإجماع(السنة)،والآخر يصر على النص(الشيعة)،وكليهما يجعل من الجمهور طرفا غائبا.
ويؤكد الإمام أبو حامد الغزالي ذلك في أحد كتبه،إذ يتحدث في باب الإمامة عن ثلاثة جوانب هي بيان وجوب نصب الإمام أولا، ومن يتعين بين سائر الخلق أن ينصب إماما( يتميز بخاصية يفارق سائر الخلق بها) ثانيا، وشرح العقيدة ثالثا، ويشير إلى أن أمر الإمامة ليس من المهام الرئيسية فيقول " أعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليس من المهمات ، وليس أيضاً من فنّ المعقولات ، بل من الفقهيات ، ثمّ إنّها مثار للتعصبات ، والمُعْرِض عن الخوض فيها ، أسلم من الخائض فيها ، وإن أصاب ، فكيف إذا أخطأ؟.
وتركز اختيار الحاكم تاريخيا على فكرة البيعة(الخاصة والعامة)، وأهل الحل والربط(أي النخبة)،دون أن تتضح طرق اختيار أهل الحل والربط،كما لم يتم توضيح آليات البيعة، ونستدل على الفهم غير الواضح لهذه الآلية في تعدد طرق اختيار الخلفاء الراشدين، ثم التوقف عند آلية الوراثة ،والتي تعني أن الشعب يبايع الحاكم بعد اختياره ولا يشارك في الاختيار.
البعد الثوري للتراث الفكري السياسي:
ساهم المخزون المعرفي الديني في المجتمع العربي في التحرر من الاستعمار الخارجي، فأصول الثورة الجزائرية ذات طابع ديني( الأمير عبد القادر وبن باديس،) ،وكذلك المقاومة الليبية(عمر المختار) ومقاومة الانجليز في السودان(الحركة المهدية) وفي الثورة الفلسطينية(عز الدين القسام)..الخ.
ويمكن تفسير هذه الثنائية في المنظومة المعرفية العربية-استبدادية مع الداخل ومقاومة مع الخارج- بأن أدبيات المقاومة في التراث السياسي أثرى كثيرا من أدبيات تحليل ظاهرة الدولة والسلطة،أو ما يمكن تسميته علم الاجتماع السياسي(قبل بن خلدون)، فالخبرة التاريخية الإسلامية في التوسع والحرب والصراع وقوانين الحرب والتعامل مع الأسرى وضوابط البعثات الدبلوماسية(أو ما يسمى الرسل في كتب التراث) خبرة ثرة،وهو ما جعل حضورها متجددا في مختلف المراحل،بل إن تقسيم الشافعي دار العهد إلى دار الإسلام ودار الحرب منذ القرن الثاني للهجرة يشير إلى أسبقية علم العلاقات الدولية على علم السياسة في الخبرة الإسلامية .
استنتاجات:
من الضروري طرح مجموعة من التساؤلات في نهاية هذه المناقشة:فهل بقيت السمات المركزية للفكر السياسي العربي الإسلامي دون تحولات جذرية؟ ألم يترك التلاقح مع الإرث الثقافي في المناطق التي امتدت لها الإمبراطورية الإسلامية عبر مختلف مراحل تطورها أية آثار؟ وهل خلت المرحلة الاستعمارية من أي تأثير على الإرث الثقافي السياسي العربي؟ وألم تترك الأيديولوجيات الحديثة والمعاصرة بصماتها على منظومة الفكر السياسي العربي؟
ثم ألا تدل التجربة التاريخية العربية الإسلامية على إثبات ميداني لقدرة العرب على الإبداع والتطور والمساهمة في الحضارة الإنسانية؟
نستبعد بداية أوهام مفكرين مثل غوبينو عن "عدم التساوي بين الأجناس البشرية"، ونميل إلى الأخذ بأن المؤسسات الاجتماعية والسياسية هي التي تحافظ على النمط العام للشخصية التاريخية أو الطابع القومي الذي تمثل المنظومة المعرفية مقوما أساسيا له، والتغير ينال هذا الطابع بمقدار تطور المؤسسات وتكيفها مع التطور العام والخاص في المجتمع.
ونزعم أن درجة التغير في المؤسسة السياسية العربية الإسلامية وتكيفها مع التغير في بيئتها لا تعدو أن تكون درجة تغير محدودة ويغلب
عليها الطابع الشكلي البحت، وبقيت تغيرات في هامش المنظومة المعرفية(تغير في المعلومات)،دون المس الجذري بآليات العلائق الذهنية للمعلومات،أو منظومة القيم( الركائز الأساسية للمنظومة المعرفية)،وتتضح هذه المسألة في بعدين:
1- البعد ألمفاهيمي(Conceptual):وهو مجموعة المفاهيم التي تعطينا قدرة أكبر على تقديم تفسير أكثر دقة لجوانب رئيسية من ظاهرة معينة،أو اكتشاف مفاهيم تصلح لتفسير قضية معينة بشكل جديد، (فمثلا لعب مفهوم اللاوعي في الفكر السياسي الغربي دورا هاما في تفسير العديد من مظاهر السلوك السياسي ما كان من الممكن فهمها بدونه،غير أن من الصعوبة اكتشاف مفاهيم جديدة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر.
2- البعد الميتافيزيقي(Metaphysical):وهو مجموعة الشواهد أو الأدلة الضرورية التي يقبلها الفرد لكيفية تقييم شيء ما بأنه صحيح أو خاطئ ، فإذا تحولنا من تفسير التخلف أو الهزيمة من اعتبارهما دليلا على " سوء العلاقة مع الله" إلى اعتبارهما دليلا على "سوء البنية الاجتماعية والسياسية"، فإن المنظومة المعرفية تكون قد عرفت تحولا في بعدها الميتافيزيقي.
لقد تطور الفكر العلمي العربي الإسلامي بشكل تدريجي –نظرا للتحول الذي أصاب المنظومة المعرفية العربية بعد ظهور الإسلام - ،وتطور في المرحلة العباسية إلى مستوى كبير، لكن هذا التطور لم يمتد إلى الظاهرة السياسية للأسباب التي أتينا عليها في الصفحات السابقة، وعند وقوع المنطقة العربية تحت السيطرة العثمانية توقف تطورها العلمي(إذ تعد الإمبراطورية العثمانية من ضمن أكثر الإمبراطوريات تخلفا في مجال التطور في العلوم الطبيعية بشكل خاص والعلوم بشكل عام،وكانت نموذجا للإمبراطورية العسكرتارية ، ولم تساهم في تقديم نموذج معرفي جديد في أي من ميادين المعرفة) ، وهو ما أدى إلى جمود في المنظومة المعرفية العربية بأبعادها المختلفة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: أ.د. وليد عبد الحي   الجمعة 26 مايو 2017, 1:10 am

الدكتور وليد عبد الحي يقرأ مسبقا ” قمة البحر الميت”: الأسوأ ظرفيا في تاريخ العرب المعاصر ..مغامرة دبلوماسية ورهان على “رمل متحرك”.. لابد من تقليص عدد الوفود لتأمين “الحماية” والقرارات ستكون “بالحد الأدنى” مع “بعض ما يطرب”


قدم عالم وباحث مستقبليات أردني بارز قراءة عميقة في ترتيبات وتحضيرات القمة العربية التي ستعقد بعد عشرةايام في منطقة البحر الميت بالتزامن مع إعلان السلطات للغلق الأمني الكامل في  منطقة الإنعقاد في يوم 20 من الشهر الجاري.
وقدر الدكتور وليد عبد الحي بأن القمة تأتي في ظروف ربما هي الاسوأ في التاريخ العربي المعاصر، فالبيئة السياسية العربية تشير لتناحر داخلي مميت في دول عربية مركزية واحتقان يتصاعد في دول عربية هامة اخرى، وحدود بين دول قد تكون نقطة اشتعال قادمة، ناهيك عن بيئة اقتصادية خانقة ، وفشل للمنظومة الاقليمية العربية في مواجهة كل هذا، وصياغة للمنظومة الاقليمية العربية من قوى اقليمية غير عربية وقوى دولية وبقدر لم تعرفه المنطقة العربية في تاريخها المعاصر.
وفي القمة القادمة ، فإن امام الدبلوماسية الأردنية مهام عسيرة للغاية سواء في الجانب الاجرائي للقمة او في الجانب التنفيذي لها، ونجاح أي قمة يتمثل في نسبةالحضور ومستوى التمثيل وترتيب جدول الأعمال والقرارات والإلتزام بها.
وإعتبر الادكتور عبد الحي في تحليله بانه ولا نقاش في أن تحقيق قدر ما من هذه الجوانب الخمسة أمر لا يبدو يسيرا ، بل فيه قدر من المغامرة الدبلوماسية وربما مراهنة على رمل متحرك.
ومن المؤكد ان انتشار المواقد المشتعلة حول الاردن واحتمالات تطاير الشرر منها هنا وهناك، يستوجب من الجهات الامنية خلال القمة جهدا أمنيا غير مسبوق لا سيما أن القلق الامني يستوجب أن يكون عدد اعضاء الوفد الواحد في حدود يمكن السيطرة عليها.
إن البيئة العربية وفقا لورقة الدكتور عبد الحي لا تبعث على التفاؤل ، لكني اعتقد ان تقليص جدول الاعمال لقضايا حولها قدر من الاجماع ولو “اللفظي” يمثل التكتيك الأنسب لضمان لا النجاح بل عدم الفشل، وقد يكون موضوع القدس هو الأقرب لهذا الهدف، بخاصة احتمال نقل السفارة الامريكية لها، وموضوع مقاومة الارهاب ” دون تحديد” قائمة لمن ينطبق عليه التعريف ، مع التاكيد على التعاون العربي في ظل الظروف الاقتصادية العسيرة ، مع تزيين هذا الجدول للاعمال ” ببعض ما يُطرب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
أ.د. وليد عبد الحي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: فلسطين الحبيبة :: شخصيات من فلسطين-
انتقل الى: