منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الشيخ سعيد عبدالله صبري .. قاضي القدس الشرعي 1905 – 1973م

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 44666
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: الشيخ سعيد عبدالله صبري .. قاضي القدس الشرعي 1905 – 1973م   الثلاثاء 06 يونيو 2017, 10:16 am

الشيخ سعيد عبدالله صبري .. قاضي القدس الشرعي 1905 – 1973م
علماء من وطني




بقلم الشيخ الدكتور عكرمة سعيد صبري
في جو ديني وعائلة متوسطة المعيشة رأى الفقيد نور الحياة في بلدته «قلقيلية» عام 1925م .

وجد والده الشيخ عبدالله أن ابنه «سعيداً» خير خلف لطلب العلم الشرعي فأرسله إلى الأزهر الشريف بعد أن أتم المرحلة الابتدائية في مدرسة بلدته وهو فتى وكان في مصر مثالاً للطالب المجد في دروسه، النزيه في مسلكه، والإنساني في معاملته مع زملائه.

وبعد تخرجه من الأزهر سنة 1928م عاد إلى بلدته ليبحث عن العمل فأمضى مدة تزيد عن السنتين بدون عمل، إلى أن عين مأذوناً شرعياً لمنطقة طولكرم بتاريخ 2/3/1931م .

وفي 1/9/1934 م عين واعظاً عاماً لطولكرم وقضائها، واستمر في تجواله بين قرى القضاء واعظاً المسلمين وشارحاً لهم الأحكام الدينية ومرشدهم للفضيلة والأخلاق الحميدة لغاية 1/6/1938م حيث عزل مع واعظين آخرين لأسباب سياسية .

عمل في المدرسة التابعة لجمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في طولكرم بتاريخ 1/10/1938م وبقي في التدريس لغاية 14/5/1940م .

أشغل منصب مدير صندوق الأيتام في المحكمة الشرعية في يافا بتاريخ 15/5/1940م بعد أن تفوّق على عشرين متنافساً على هذه الوظيفة، وفي 15/4/1944م نقل رئيساً لكتاب الحكمة الشرعية في الناصرة ثم نقل إلى نابلس لمثل وظيفته بتاريخ 1/4/1945م .

وفي 1/7/1952م عين قاضياً شرعياً في جنين ثم نقل إلى عجلون لمثل وظيفته بتاريخ 1/4/1952م وتمكن من بناء عمارتين للأوقاف باعتباره رئيسا للجنة محلية في عجلون وأعدّ مشروعاً لبناء مجمع للدوائر على نفقة الأوقاف وهي أول خطوة شهدتها الأوقاف في عجلون منذ زمن بعيد.

وفي 16/7/1954م نقل إلى نابلس قاضياً شرعياً فيها ، وقد شارك في تأسيس جمعية التضامن الخيرية وعين رئيس شرف لها بتاريخ 27/6/1956م وبقي مؤازراً للجمعية حتى وفاته.

ثم نقل قاضياً شرعياً لبيت المقدس بتاريخ 20/9/1957م وعين عضواً للهيئة العلمية الإسلامية – التي كانت تضم نخبة من العلماء وكانت اجتماعاتها بالقدس .

وفي16/6/1960م نقل قاضياً شرعياً للسلط وأنشئت في عهده الجمعية الخيرية الإسلامية وبنى عمارة لها كما أشرف على إنشاء عدة مساجد في السلط وقضائها وفي الأغوار التابعة لها.

ثم رجع قاضياً شرعياً للقدس في 1/6/1962م وبقي في منصب القضاء إلى أن وافاه الأجل رحمه الله تعالى .

كان خطيباً للمسجد الأقصى المبارك منذ 16/11/1962م حتى وفاته، ويشهد المسجد الأقصى للمرحوم مواقفه من الاحتلال ومن بيع الأراضي ومن المحافظة على المقدسات وقول الحق وإسداء النصح والإرشاد، والجدير بالذكر أنه آخر من وقف خطيباً على منبر صلاح الدين في الأقصى قبل إحراقه من قبل الصهاينة بتاريخ 21/8/1969م.

ساهم في تشكيل الهيئة الإسلامية العليا و كان أحد أعضائها البارزين وذلك في 24/7/1967م للإشراف على الأوقاف والمحاكم الشرعية وشؤون المسلمين وبنفس الوقت عين عضواً في محكمة الاستئناف الشرعية وعضواً في مجلس الأوقاف والشؤون الإسلامية وبقي في هذه المناصب حتى وفاته وبذل جهداً مضنياً للقيام بالمسؤولية الملقاة على عاقته.

وكان رحمه الله عضواً في لجنة إعمار المسجد الأقصى المبارك والتي تشكلت على إثر الحريق بتاريخ 25/11/1969م .

وفي مجال القضاء فإن المحاكم الشرعية تشهد بنزاهة وصواب قراراته القضائية التي كان يصدرها خاصة في محكمة الاستئناف الشرعية.

ولشدة حرصه على طلب العلم الشرعي فقد ساهم في تأسيس معهدين لطلاب الشريعة: الأول في نابلس باسم المدرسة الإسلامية التابعة لجمعية التضامن الخيرية عام 1957م ، والآخر في القدس باسم ثانوية الأقصى الشرعية التابعة للأوقاف عام 1958م ، كما ساهم في إقامة قسم الشريعة للبنات في دار الطفل العربي بالقدس عام 1970م .

داوم في المحكمة الشرعية بالقدس يوم الأحد في 18/3/1973م - أي قبل وفاته بيوم واحد- ونظر في عدة قضايا ووقع على عدة معاملات، وفي مساء ذلك اليوم تدارس هو ونجله الشيخ إبراهيم بحثاً في الحضانة من كتاب الأحكام الشرعية، فقد كان المرحوم محبا للعلم والعمل حتى لحظة وفاته.

تزوج من ابنة عمه الشيخ مصطفى سنة 1929م وأنجب منها خمسة ذكور وأربع إناث.

لبى نداء ربه قرابة الساعة السابعة من صباح يوم الاثنين في الخامس عشر من صفر سنة 1393 هـ الموافق 19/3/1973م في بيته الكائن بحي وادي الجوز بالقدس – رحمه الله-.

المحافظة على المقدسات والتمسك بالأرض والوطن

كان المرحوم من أحرص الناس على المقدسات ومن أشدهم تمسكاً بالأرض والوطن والمحاربة للسماسرة وبائعي الأراضي وهو أول من تعرض لبيع الأراضي في القدس في خطبته التي سبقت زيارة البابا بولس السادس لمدينة القدس وكان موضوع الخطبة «الأخوة وبيع الأراضي» بتاريخ 3/10/1964م ومما قال فيها:

(.. واليوم تشاهدون مؤامرة أخرى تتمثل في تسابق المؤسسات والهيئات الأجنبية في هذا البلد لشراء الأراضي والعقارات بمختلف الأساليب وشتى المغريات جاهدين هادفين لتغيير صبغة هذا البلد الإسلامي وتقليص ظل الإسلام عنه، إن تمليك الأرض المقدسة للأجانب الذين ظهرت نواياهم الرهيبة ووضحت مقاصدهم الخطرة واحتيالهم على القانون يؤدي حتماً إلى محو أثر الإسلام وإطفاء نوره من هذا البلد المقدس).

و تعرض المرحوم إلى هذه المواضيع عدة مرات فألقى خطبة بتاريخ 7/5/1971م جاء فيها:

«يا أيها المسلمون، في ذكرى مولد الرسول صل الله عليه وسلم نذكر يوم إسرائه إلى هذه البقاع المباركة وصلاته فيها، وعروجه منها إلى السموات العلى، ويقتضينا ذلك الحفاظ على مقدساتنا ووطننا وديارنا وأن الذين يبيعون أراضيهم وديارهم ووطنهم ويرحلون عن هذه البقاع المباركة قد استحقوا سخط الله عليهم ولعنة الأجيال».

وألقى بتاريخ 17/11/1972م خطبة حول اعتداء اليهود على الحرم الإبراهيمي استهلها بقوله تعالى: «ألم تر كيف فعل ربك بعاد.. إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالواد وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد».

وجاء فيها: (.. يا أيها المسلمون، انه ومنذ نكبة عام سبع وستين والبلايا والمصائب تصب علينا صبا في مختلف شؤوننا ومقدساتنا، وأخيرا وليس آخرا فقد اعتُدي على الحرم الإبراهيمي في الخليل، وأقام اليهود فيه كنيساً لهم، يقيمون فيه طقوسهم الدينية وينفخون فيه البوق ويضعون أدوات صلواتهم فيه من المقاعد والخزن والكتب، معتدين بذلك على حقوق المسلمين في مسجدهم، إن الحرم الإبراهيمي هو مسجد إسلامي منذ أقدم العصور، ولم يكن كنسياً لليهود في يوم من الأيام.. وان اتخاذهم منه كنسياً لهم هو ظلم واعتداء صارخ على المسلمين وانتهاك لحقوقهم.

لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في الناس إيمان وإسلام

إننا نرفض هذه الإجراءات بإصرار ونطالب السلطات المختصة أن تعيد الوضع في الحرم الإبراهيمي إلى سابق عهده مسجدا إسلاميا ليس لأحد من غير المسلمين فيه أي حق).

مواقفه من الاحتلال الإسرائيلي

القدس ، لهذه المدينة مكانة في قلب الفقيد وعقله ومشاعره – كما لها مكانة لدى كل مسلم حريص على دينه - بالإضافة إلى كونه قاضيا شرعيا لها.

ومنذ الساعات الأولى من وقوع القدس في قبضة الاحتلال الإسرائيلي حتى وفاته وهو يصر على إسلامية هذه المدينة المقدسة وخلال هذه المدة التي تقارب الستة سنوات وقف عدة وقفات مع اليهود مباشرة.. وفي جلسات الهيئة الإسلامية..

وقد تكرم السيد حازم محمود الخالدي فحدثنا عن الفقيد وما بدر منه وما حصل معه في يومي الثلاثاء والأربعاء «6/6 و7/6/1967م

تعرفت على فضيلة المرحوم الشيخ سعيد صبري قاضي القدس الشرعي ليلة الثلاثاء في 6/6/1967م في بناية المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس (دائرة الأوقاف الإسلامية حاليا) الملاصقة للحرم الشريف وفي ظروف حرجة جدا إذ أن الجيش الأردني قرر الانسحاب من القدس وباقي المناطق في منتصف تلك الليلة فوجد محافظ القدس السيد أنور الخطيب إن من واجبه استدعاء وجهاء المدينة –الذين يمكن الاتصال بهم- للتشاور معهم عن أفضل طريقة للمحافظة على المدينة القديمة ومقدساتها فأرسل ثلة من رجال الشرطة يستدعون الوجهاء.

وبعد نصف ساعة حضر بعض الوجهاء ومن بينهم فضيلة قاضي القدس الشرعي الشيخ سعيد صبري الذي كان موجوداً في البلدة القديمة باعتباره عضواً في لجنة الدفاع المدني وتأخر الباقون لتواجدهم خارج السور حيث كانت المدينة خارج السور محتلة، واخبر المحافظ الحضور بان الجيش الأردني قد انسحب من على الأسوار ولم يبق على أسوار القدس سوى أفراد من الشرطة والمقاومة الشعبية وبدأ التداول في الأمر من قبل الحضور.

بالنسبة لي استبشرت خيرا بوجود فضيلة القاضي فقد كان العالم الوحيد من بين الحضور وأسبغ على الاجتماع مهابة ووقاراً غير أن المجتمعين قرروا أن لا يبدو رأيا الا بعد حضور جميع المدعوين فاستجاب المحافظ لمطلبهم وفض الاجتماع على أن يعقد في الساعة السابعة من صباح اليوم التالي «الأربعاء في 7/6/1967م.

حضر المدعوون في الساعة السابعة من صباح يوم الأربعاء مع مئات من أهل البلد –شيوخاً وشباناً وصبياناً- وأصروا على حضور الاجتماع مما تعذر عقد الاجتماع المقرر ومرت نصف ساعة بين اخذ وعطاء لإقناع الجمهور – لكن دون جدوى- وفي الأثناء ظهرت الطائرات الإسرائيلية في سماء القدس وأخذت تقصف حارة السعدية وزاوية الهنود وباب حطة وباب الأسباط والأماكن القريبة من الحرم فاختفى الجمهور ولم يبق في عمارة الأوقاف سوى أربعة أشخاص «المحافظ وفضيلة القاضي وأنا وأحد الأذنة» وخيم صمت رهيب على المدينة القديمة.

وحوالي الساعة العاشرة بدأت المصفحات الإسرائيلية إطلاق نارها على بوابة الأسباط الخارجية ومئذنة الأسباط، وحوالي الساعة العاشرة والنصف شاهدنا من نافذة إحدى غرف الأوقاف العلوية الجنود الإسرائيليين يتراكضون داخل الحرم واتخذوا لهم مراكز على ساحة قبة الصخرة المشرفة، فاتفقت مع فضيلة القاضي والمحافظ على أن اخرج إلى الجنود الإسرائيليين فأقف على رأس الدرج العالي لدائرة الأوقاف وان يبقى كلاهما في غرفة داخلية، وقلت لهما: إذا نجوت بحياتي عند اللقاء الأول مع الجنود الإسرائيليين سأخبرهم بان المحافظ والقاضي موجودان في الداخل وتم الأمر –والحمد لله- كما تبينته، فقد كلمني الجندي الإسرائيلي باللغة الانجليزية فأخبرته بمن داخل البناية.. وأصر على أن نرفع أيدينا جميعا فقمنا بذلك، واعتقد أن وجود القاضي بيننا –بملبسه المتميز ووقاره- قد أنقذنا من موت محقق في تلك اللحظة.

ساقنا الجنود إلى ساحة الحرم بالقرب من المتحف الإسلامي، وأمرونا بمواجهة حائط السور رافعي الأيدي، كما ساقوا عشرات الأشخاص ممكن يسكنون في البنايات المحيطة سور الحرم، واخذ الجنود الإسرائيليون يستهزئون بنا ويشتموننا بالعربية والانجليزية وبالعبرية.

في موقف كهذا يصعب جدا تدقيق الزمن.. لا اعتقد أننا واجهنا الحائط أكثر من ربع ساعة ولكنها بدت آنذاك وكأنها عدة سنوات !! وفي أثناء الوقوف المكره اصدر احد الإسرائيليين أمراً عسكريا بالعبرية.. فتهيأت مزالق البنادق لإطلاق الرصاص علينا، فأسرّيت إلى فضيلة القاضي والمحافظ أن يستعدا للموت، وبدأنا نتشهد فسمعت من القاضي دعاءً جميلاً مؤثراً لا أذكره الآن لكنه كان له وقع مريح في نفسي.

كان يوم الأربعاء السابع من حزيران يوما حاراً جداً، فكان العرق يتصبب من أجسامنا بالإضافة إلى الخوف من الموقف الرهيب الذي زاد في تصبب العرق وبعد نطقنا للشهادتين جاء ضابط وأمر باستدارتنا وطلب منا مقابلة قائد الحملة «الجنرال غور» رئيس الوفد الإسرائيلي العسكري المفاوض في جنيف ,وكان برتبة مقدم- قائد لواء- في ذلك الحين فشعرنا أن شبح الموت قد ابتعد عنا –ولو قليلا-.

فأخذونا إليه حيث كان في قبة السلسلة خلف قبة الصخرة فطلب منا التعريف بأنفسنا فعرفناه.. وسألنا إذا كان باستطاعتنا أن نوقف إطلاق النار داخل المدينة فقلنا له: انه ليس باستطاعتنا ذلك لأننا مدنيون ولان القوات النظامية قد انسحبت في منتصف الليلة الماضية، وان أفراد المقاومة الشعبية لا يأتمرون بأمر احد.

وطلب قائد اللواء المظلي من فضيلة القاضي أن يرى بأم عينيه إن كانت الأماكن المقدسة لم تصب بأذى. فأجاب القاضي: أريد أن ادخل إلى مسجد الصخرة، فدخل وصلى ركعتين تحية المسجد وشكر الله بهدوء وخشوع والضابط بانتظاره.. ثم تجول داخل الصخرة فسأله مندوب الإذاعة الإسرائيلية: هل وجدت أي إصابة في قبة الصخرة؟ فأجاب القاضي حتى الآن لم أشاهد أية إصابات، وهذا ما أشاهده ولا اعلم شيئا عن باقي الأماكن المقدسة.. ولكن شاهدت بعض شظايا القنابل قد نزلت فوق القبة على مدخل الباب الرئيسي للمسجد الأقصى.

ونشر هذا التسجيل في إذاعة إسرائيل مساء الأربعاء «7/6» مرتين.. مع حذف بعض الأقوال.

وساقونا بعد ذلك إلى دائرة الأوقاف وحبسنا –تحت الحراسة المشددة- في غرفة صغيرة أسفل درج دائرة الأوقاف وقبيل العصر أتى ضابط وطلب من فضيلة القاضي أن يقيم الآذان وان يصلي في الصخرة المشرفة وان يشهد بأم عينه أن الجنود الإسرائيليين لم يتعرضوا للصخرة بأذى، وخرج فضيلة القاضي من الغرفة واتجه نحو الصخرة دون أن يرفع يديه وقد تابعناه من نافذة الغرفة الصغيرة ورأيناه يقف فجأة ويرفض الصلاة في الصخرة المشرفة ما دام العلم الإسرائيلي فوقها.. فاحتار الضابط.. وانطلق إلى رؤسائه.. وعاد فضيلة القاضي إلينا واخبرنا بما حصل معه.. وعندما شاهد بأم عينيه إنزال العلم الإسرائيلي توجه إلى الصخرة المشرفة وسمعنا بعد برهة صوتا أجش يدعو إلى الصلاة.. وعاد إلينا بعد أربعين دقيقة تقريبا ولم يكن رافعا يديه.. وبقينا سجناء الغرفة حتى الساعة الخامسة من بعد الظهر عندما جاء جماعة من الضباط فأخذوا عطوفة المحافظ وفضيلة القاضي لمقابلة قائد اللواء المظلي وابلغهما بان الأسر قد رفع عنهما ويمكنهما الذهاب لمنزليهما.. فلم يتمكنا الخروج من داخل السور فذهبا إلى مستشفى الحكومة «الهوس بيس» وناما ليلتهما هناك – بين صخب المرضى والجرحى وبدون طعام، وفي عصر اليوم التالي «الخميس في 8/6/1967م رفع منع التجول لمدة ثلاث ساعات تمكن القاضي خلالها من الخروج من المستشفى «داخل السور» والوصول إلى بيته في حي وادي الجوز «خارج السور».

عدم اعترافه بضم القدس إلى إسرائيل

أعلن الفقيد ذلك من خلال مقررات وبيانات الهيئة الإسلامية –منذ صدور قرار الضم في 26/6/1967 وحتى وفاته-.

وكذلك أعلن رفضه للتعيين كقاض في إسرائيل أمام وزير الأديان الإسرائيلي في المقابلة التي تمت بين الوزير المذكور وبين بعض علماء المسلمين بالقدس بتاريخ 10/7/1967م وبناء على طلب من الوزير-.

وأثناء المقابلة افهم الوزير بان المحاكم الشرعية سائرة في عملها وفقا للقوانين الأردنية والقانون الدولي، وان العلماء لا يعترفون بضم القدس إلى إسرائيل وعندما طلب الوزير من فضيلة القاضي التعيين في دولة إسرائيل وحلف اليمين القانونية رفض ذلك, فطلب الوزير من المرحوم تقديم استقالته من القضاء، كان الجواب: لا أستقيل، وإنما يمكن أن تمنعونا من العمل في المحكمة.

وفي 19/7/1967م قام وزير الأديان بزيارة المحكمة الشرعية بالقدس على أمل أن يثير الموضوع مرة أخرى فلم يجد تجاوبا من القاضي الشرعي فاعتبر الزيارة للمجاملة فقط.

المحامي الإسرائيلي والمحكمة الشرعية

وكّل احد المواطنين في القدس العربية محامياً إسرائيليا يدعى غازي بطاط –من أصل عراقي- ليدافع عنه لدى المحكمة الشرعية بالقدس حيث كان المواطن محجورا عليه لسفهه فيريد رفع الحجر عنه.

فمثل المحامي المذكور أمام محكمة القدس بتاريخ 26/2/1968م فبلغه القاضي بأنه لا يستطيع أن يرافع أمام المحكمة الشرعية لأنه ليس من سكان المملكة الأردنية .. فأجاب المحامي: انه يستطيع المرافعة بموجب قانون مجلس المحامين الإسرائيلي، فرد عليه القاضي: نحن غير مرتبطين بقانون مجلس المحامين الإسرائيلي ولا بالقانون الإسرائيلي عامة أيضا، لكن المحامي لم ييأس فأثار أمام القاضي بان القدس الشرقية ضمت رسميا إلى دولة إسرائيل ومن هنا وجب عزل القدس كلها وضواحيها عن القانون الأردني.

وعلى هذا أجاب القاضي: «لسنا نعترف بهذا الضم، ولا شك لحضرتكم إن هذا الموضوع لا يزال مثار المناقشة مع حكومة إسرائيل وان الضم لم يبت فيه بعد من قبل دول العالم وهيئة الأمم»، وقد تناولت الصحف العبرية هذا الخبر شرحا وتعليقا وحللت موقف قاضي القدس الشرعي من المحامي المذكور: فصحيفة معاريف الصادرة بتاريخ 27/2/1/1968م نشرت الخبر مطولا تحت عنوان «المحكمة الشرعية في القدس الشرقية رفضت مثول محام إسرائيلي» وعلقت على الخبر بقولها «ويرى رجال القضاء في إسرائيل إن رفض المحكمة الشرعية في القدس الشرقية لمحام إسرائيلي بالمثول أمامها أمراً متناهياً في الخطورة والارتباك، نظرا للوضع الخاص للقضاء في المحاكم الشرعية».

كما نشرت صحيفة( جروسلم بوست) الخبر مع تحليل له في يومين متواليين «28 و29/2/1968» ومما قالته (وبموجب القانون الإسرائيلي فانه لا يعتبر وجود اية محكمة او قاضٍ دون أن يكون معينا من قبل رئيس الدولة» ثم أثارت صحيفة جروسلم بوست هذا الموضوع مرة ثالثة في عددها الصادر بتاريخ 6/3/1968 فقد نشرت على لسان وزير العدل «المستر شابيرا» تصريحا له أمام الكنيست بان أحسن عمل يمكن عمله هو أن يعامل القاضي بالإهمال، وأما فيما تخصنا نحن الإسرائيليين فنقول: لا سلطة له بأي شكل كان.

واستمرت المحكمة الشرعية بالقدس في تنفيذ القوانين المعمول بها ما قبل عام 67 وحتى اليوم، الا أن السلطات الإسرائيلية لا تعترف بأي وثيقة صادرة عنها، فاضطر معظم سكان القدس الشرقية من إجراء معاملات الزواج وغيرها من قضايا الأحوال الشخصية في محكمة يافا الشرعية بالإضافة إلى محكمة القدس الشرعية.

وإما مواقف الفقيد من المسجد الأقصى.. ومن الحريق الذي حصل للمسجد في 21/8/1969م ومن بوابات الحرم بشكل عام ومن بوابة المغاربة بشكل خاص.. فهي موضحة في خطب الجمعة التي ألقاها في المسجد الأقصى المبارك كما هي متمثلة في بيانات الهيئة الإسلامية وقرارات مجلس الأوقاف وكلها مواقف متناسقة منسجمة مع أحكام دينه ومصلحة بلده.

قلقيلية مسقط رأسي

(فيها ولدت وترعرعت.. فيها أهلي وعشيرتي.. فيها بيتي وبيارتي.. ولكن ماذا أصابها في حرب حزيران سنة 1967م ..؟!

لقد أصابها ما أصابها من هدم للبيوت وتشريد للأهالي في البراري يفترشون الأرض ويلتحفون السماء... إن واجبي يحتم عليّ أن أقف بجانب قلقيلية...).

هذا لم ينطق به لسان الفقيد فحسب بل نطقت به جوارحه وأحاسيسه..

ففي يوم الخميس الواقع في 15/6/1967 انطلق الفقيد بسيارة نجله الدكتور عبدالله إلى نابلس ليتأكد من الأخبار المزعجة التي سمعها عن قلقيلية من نسف للبيوت وتشريد للأهالي – الذين يزيدون عن اثني عشر ألفاً- ووصل إلى نابلس بالرغم من نقاط التفتيش التي كانت على الطريق واجتمع بأخيه الحاج حسين – رئيس ببلدية قلقيلية وقتئذ- في بيت المرحوم الحاج محمد العنبتاوي بنابلس.. ووقف على الحقيقة المرة وقفل راجعا إلى القدس في نفس اليوم.

وفي اليوم التالي «الجمعة في 16/6/1967م» وبعد أن أدى الفقيد صلاة الجمعة علم أن وزير الدفاع الإسرائيلي «الجنرال موشيه دايان» قد حضر إلى دائرة الأوقاف الإسلامية وانتهز الفقيد الفرصة وتحدث مع دايان عن قلقيلية.. واستغرب وزير الدفاع عن سبب حرص الفقيد على قلقيلية فأجابه بان قلقيلية مسقط رأسه فقال له الوزير: إن قلقيلية غير موجودة –الآن- لقد مسحت.. فأجابه: إن الأهالي لا يزالون في نابلس وفي القرى المحيطة بها وهم على استعداد للعودة إلى بلدهم على الأنقاض.. فقال الوزير: أريد مقابلة رئيس بلدية قلقيلية.. فأخبره الفقيد بان رئيس البلدية هو أخي واني على استعداد لإحضاره من نابلس في أي وقت فقال له الوزير: يمكنه أن يحضر غدا السبت لمقابلته بواسطة الضابط دافيد فارحي –مستشار الحكم العسكري في الضفة- وقد أرسل الفقيد لأخيه في نفس اليوم بالحضور غدا السبت.

وفعلا حضر الحاج حسين صبري إلى بيت أخيه في القدس وذلك في يوم السبت الواقع في 17/6/1967 ولم يستطيع مقابلة وزير الدفاع لانشغال الأخير وعاد إلى نابلس صباح يوم الأحد في 18/6/1967م.

وبعد عصر نفس اليوم الأحد جاء الضابط (داوود فارحي) إلى بيت المرحوم وسافرا معا في سيارة عسكرية إلى نابلس –بناء على طلب من وزير الدفاع- لإحضار الحاج حسين.. وفي تلك الليلة تمت المقابلة بين الحاج حسين ووزير الدفاع في سيارة عسكرية مقابل الكنيست وحينما تفهم الوزير وجهة نظر رئيس البلدية ووقف على إصرار أهل البلدة بالعودة إليها ولو على الأنقاض ذهب الوزير إلى مجلس الوزراء الذي كان منعقدا وقتئذ وعاد بعد مدة وجيزة إلى السيارة واخبر الحاج حسين –رئيس البلدية- بأنه قد تقرر عودة أهالي البلدة إلى قلقيلية في مدة أقصاها يوم الخميس الواقع في 22/6/1967م.

انطلق الحاج حسين من القدس إلى أهالي قلقيلية الموجودين في نابلس وفي القرى المجاورة لينقل لهم البشرى بعودتهم إلى ديارهم.

ولكن لم يسمح للأهالي بالعودة إلى بلدهم في اليوم المحدد لهم ولكن دخلوها يوم الأربعاء في 28/6 فدخلوها والدموع في محاجر عيونهم ممزوجة بالفرح والحزن، فرحا لعودتهم إلى أراضيهم وحزنا لما اصابهم من هدم لبيوتهم وإتلاف لبياراتهم.

وقد اطمأن المرحوم إلى عودة الأهالي إلى قلقيلية وأعاد قلقيلية الى أهلها.. تلك البلد التي ما فتئ ان قدم لها الخدمات الجليلة منذ نكبة عام 1948م وحتى وفاته رحمه الله في مختلف المجالات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
الشيخ سعيد عبدالله صبري .. قاضي القدس الشرعي 1905 – 1973م
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» اهلا ومرحبا بطلبة طب بيطرى القاهره
» الثورة الروسية 1917م

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: فلسطين الحبيبة :: قلقيلية-
انتقل الى: