منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداث  المنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 صبحي حديدي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: صبحي حديدي    الأحد 11 يونيو 2017, 10:29 am

قبل قطر والإخوان وحماس: دود الخلّ الذي من السعودية وفيها!
09/06/2017



ذات يوم، غير بعيد، كان الصحافي السعودي عادل زيد الطريفي (أحد كتّاب صحيفة «الوطن» يومذاك، قبل أن يتدرّج في المناصب: رئيس تحرير يومية «الشرق الأوسط»، مجلة «المجلة»، قناة «العربية»، وزارة الثقافة والإعلام…)؛ قد كتب ما يلي، تحت عنوان «حتى لا تكون منهاتن سعودية»: «إننا اليوم واقعون أسرى لإرهاب تمّ توفير الأرض الخصبة لنموّه منذ عقود. وما يردده اليوم كثير من الشيوخ الرسميين والكتّاب ـ الذين لم يستيقظوا إلا حين وقعت الواقعة ـ ليس إلا وصفاً غير صادق للظاهرة، لا يتناول الأسباب والجذور الحقيقية للفكر التكفيري/الجهادي. إذ يكتفي هؤلاء باعتبار ما حدث فكراً وافداً، وينسى هؤلاء إنّ البذور كانت كامنة في ثقافتنا، ونتيجة لأخطاء كثيرة عبر الزمن يتحملها الكثيرون منّا في المجتمع».
لم يكن الطريفي يتحدث عن «رعاية قطر للإرهاب»، غنيّ عن القول، ولا عن الإخوان المسلمين أو «حماس»؛ بل كان يقصد دود الخلّ الذي من السعودية، وفيها؛ وكان يشير بوضوح إلى أنّ «البذور» كامنة في ثقافة المملكة ذاتها، أولاً. رئيس تحريره يومذاك، جمال خاشقجي، ذهب أبعد: «بيننا فكر ظلامي يرفض العصرنة والمساواة والتسامح والانفتاح على العالم من أجل حياة أفضل بروح اسلامية أصيلة، ومن يحملون هذا الفكر ليسوا مجرد شباب مغرّر بهم يحملون السلاح ويخرجون علي الدولة، وإنما طابور واسع نما في غفلة من الزمن واستغلّ تسامح وليّ الأمر، تتدرج عندهم صور التكفير والعصيان ولكن يجمعهم هدف واحد ليس فيه خير لبلدنا. هؤلاء وفكرهم يجب أن يكونوا الهدف الأول بعد القضاء على هذه العصبة المارقة. نريد أن نعيش في مجتمع مسلم منسجم مع ذاته لا متصارع. وليكن ما حصل البارحة بداية النهاية لهذا التيار، وبعدها نتفاءل بربيع سعيد مقبل».
وأما «ما حصل البارحة»، فقد كان سلسلة عمليات انتحارية تعاقبت في الرياض العاصمة، وشكلت هزّة نوعية للأسرة الحاكمة، حيث توالت تصريحات كبار المسؤولين السعوديين التي لم تكتفِ بإدانة العمليات الانتحارية، بل وجهت أصابع الاتهام المباشرة إلى منظمة «القاعدة»، وأسامة بن لادن شخصياً.
وفي كلمة متلفزة قال الأمير عبد الله بن عبد العزيز، وليّ العهد يومذاك: «لا مكان للإرهاب بل الردع الحاسم ولكلّ فكر يغذيه ولكل رأي يتعاطف معه»؛ الأمر الذي كان يشير إلى أنّ المملكة لن تحارب «القاعدة» وحدها، بل كلّ من يتعاطف معها في «الفكر» و«الرأي». آنذاك، هنا أيضاً، لم تكن قطر على لائحة الاتهام، وكان الإخوان المسلمون يسرحون ويمرحون في أرجاء المملكة، ولم تكن «حماس» منظمة «إرهابية» على أي نحو…
وكان طبيعياً أن يكون خاشقجي، وفريق تحرير «الوطن»، أهل السبق في الذهاب أبعد، وأجرأ، وأشدّ صراحة استطراداً؛ في وضع الإصبع على الجرح، وليس على أطرافه وحدها. ولا ريب في أنّ خاشقجي كان قد تلقي توجيهات عليا، اختلطت في سريرته بذلك الحماس «الليبرالي» المفرط؛ فضلاً عن يقين في أنّ المملكة تنوي طيّ صفحة كبرى وافتتاح أخرى، وأنّ 2003/5/12 في الرياض، لن يكون أقلّ أثراً من 2001/9/11 في نيويورك. صحيح أنّ خطاب خاشقجي، في نقد التطرّف والأصولية والتيارات الجهادية وأنصار أسامة بن لادن، كان يردّد أصداء الخطاب الأمريكي اليميني التقليدي (وليس الليبرالي، للمفارقة!)، حتى بدا في بعض الأمثلة وكأنه يكتب بقلم أمثال دانييل بايبس أو وليام سافير؛ إلا أنّ الرجل لم يكن ينطق عن هوى حين فتح النار، بعد تفجيرات الرياض مباشرة، على مؤسسات دينية منيعة حصينة، أقلّ ما يُقال فيها أنها كانت رديف السيف في تمكين عبد العزيز بن سعود من إقامة كيان المملكة.
من جانبها، كانت صحيفة «المدينة» تعكس مزاج العائلة المالكة الجديد، واللافت؛ الذي لا يكتفي بمحاربة الإرهاب على مستوى تقني ـ أمني صرف (وهو خيار الماضي بصفة إجمالية)، بل أيضاً على مستوى «الفكر» و«الرأي»، أي على مستوى العقيدة والتربية في عبارة أخرى. ولقد كتبت الصحيفة تقول إنّ «الحادي عشر من أيلول كان نقطة تحوّل في الولايات المتحدة أتاحت لواشنطن الاحتشاد استجابة لتحدّي الإرهــــاب، والثاني عشر من أيار [تاريخ وقوع العمليـــات الانتحارية] ينبغي أن يكون نقطة تحوّل في حياتنا لكشف الأسباب الحقيقية لهذا الإرهاب ومعالجتها واجتثاث جذورها». التكرار، هنا أيضاً، لا يبدو مثيراً للملل: لم تكن «المدينة» تتحدث عن قطر، وكان كتّاب الإخوان المسلمين يحتلون أعمدة الصحف وشاشات التلفزة، وكانت حركة «حماس» مقاومة فلسطينية «شريفة»!
يومذاك كذلك، ولكي تكتمل الصورة على نحو أكثر تظهيراً لعناصرها التكوينية؛ لم يكن بالأمر المألوف ـ في مملكة مغلقة منغلقة، لا يُخرق فيها المألوف إلا لماماً واستثناء ـ أن يخرج الداعية والفقيه الإسلامي الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، فيفتي بعدم شرعية قراءة صحيفة يومية، «الوطن»؛ يحدث أنّ رئيس مجلس إدارتها هو الأمير بندر، نجل الأمير خالد بن فيصل بن عبد العزيز، حاكم عسير. وفي الواقع كان الأمر خارقاً للعُرف، وللأعراف جمعاء ربما، لأنّ الصحيفة تُراقب بالفعل، وبصفة يومية، من وزارة الداخلية؛ فضلاً عن أنها معروفة بالدفاع الشديد عن آراء وليّ العهد الأمير عبد الله، في الإصلاح والتطوير وتحديث الدولة والمجتمع. وهكذا توجّب تقديم كبش فداء، إذْ لا مناص من تقديم ضحيّة أو ديّة ثأر بالأحرى؛ فكان رئيس تحرير الصحيفة، الذي لم يمض على تعيينه سوى أسابيع معدودات!
بالتوازي مع هذا المشهد، طرأ حدث خارجي بالغ الدلالة، لأنه مثّل أحد أخطر الانشقاقات السياسية داخل بيت آل سعود، خاصة بعد غزو العراق، 2003. ففي جنيف أعلن الأمير سلطان بن تركي بن عبد العزيز (ابن شقيق الملك فهد من أبيه وأمّه، وكان نائباً لوزير الدفاع حتى عام 1977، وأطيح به في خلاف عائلي)، تشكيل «هيئة سياسية ملكية سعودية تعمل من أجل تقديم النصح باتجاه تقويم الحكم»؛ مؤكداً أنّ تحقيق المشاركة الشعبية في إدارة حكم البلاد سيكون من مهامها الرئيسية، إضافة إلى العمل على إيقاف الفساد الذي ينتهجه بعض الأمراء، والبعض من كبار المسؤولين ورجال الأعمال.
غير أنّ ما حلم به هذا الأمير، تماماً كالذي قاد خاشقجي إلى ذلك الحماس المفرط، لم يكن الجوهر في المأزق الكبير الذي تعيشه المملكة.
الإصلاح عسير لأنه يأتي ولا يأتي، والمؤسسة الدينية هرمة ولكنّ أسنانها قاطعة، ويبقي أنّ التفكير الجهادي هو المعضلة الكبرى اليومية المتنامية، شاء الليبراليون أم كرهوا. وفي أزمنة غير بعيدة كان البعض من ثقاة العائلة المالكة قد ظنّوا أنّ رعاية الجهاد بعيداً عن حدود المملكة، في أفغانستان والبوسنة والشيشان، هو أفضل السبل لاتقاء شرّه داخلياً، من جهة أولى؛ ولإلهاء الناس عن همومهم اليومية، وعن فساد الأمراء، من جهة ثانية. والأرجح أنّ الثقاة أنفسهم أدركوا أنّ السحر انقلب على الساحر، وليس من اليسير ـ إذْ ليس في الإمكان، عملياً ــ قطع خطوة واحدة ملموسة في طريق «الحرب الشاملة على الإرهاب»: ضدّ العمليات، وضدّ ما يتماهى معها من «فكر» و«رأي» و… مناهج تعليمية!
وبدل ترحيل المأزق، هذا، وسواه كثير في الواقع، إلى قطر والإخوان المسلمين و«حماس»؛ خير لعقلاء المملكة أن يتفحصوا قاع الخلّ السعودي ذاته، إذْ الأرجح أنهم سوف يعثرون فيه على كثير من الدود الموروث، والعلق المتأصل!
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الأحد 11 يونيو 2017, 10:30 am

السعودية: عماء النفط وخواء السياسة

يدرك المرء، على غرار إدراك البديهيّ الجليّ، أنّ مفردة واحدة وحيدة، هي النفط، تشكّل محرّك المواقف الأمريكية ـ تسعة أعشار السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط بأسره؛ من الظهران السعودية إلى كركوك العراقية، ومن الصحراء الجزائرية إلى مأرب اليمنية. أو، باختصار، حيثما توفّرت مكامن تلك المفردة السحرية، وحقولها وآبارها.
غير أنّ هذا المستوى الأوّل، الذي يحرّك سياسات القوى العظمى على نحو حاسم قد يدفعها إلى إرسال جيوشها الجرّارة لغزو البلدان والشعوب، هو الشكل الأعلى من سياسات كونية تعتمدها شركات النفط الكبرى العملاقة، وتنهض ركائزها على الاحتكار والسيطرة والاستغلال. وبالطبع لا تنقلب هذه الركائز إلى صناعة إمبريالية لائقة بالإمبراطوريات، الكبرى العملاقة بدورها، إلا إذا تكاملت سياسات النهب الخارجية مع تلك الداخلية.
على صعيد الدول المنتجة للنفط، تنقلب سياسات الشركات الكبرى في النهب الخارجي والداخلي إلى مزيج عجيب من التسليم والتبعية، والتبذير والفساد؛ فضلاً عن ذلك الطراز العجيب من وفرة لا توفّر الكفاية لأهلها، كما حين يضرب الفقر الكثير من الدول الغنية بالنفط، أو حين يضطرّ بعضها إلى استيراده غالي الثمن… بعد تصديره رخيصاً!
وفي ضوء حال التأزيم الراهنة، التي افتعلتها السعودية، وتقودها، ضدّ قطر؛ ثمة حكمة في استعادة بعض عناصر ذلك التراث القديم، المتجدد أبداً في الواقع، الذي يخصّ «ميزان التبادل» الجيو ـ سياسي بين الولايات المتحدة والمملكة، خاصة بعد حرب الخليج الأولى، ثمّ الثانية:
1 ـ خلال عقود الحرب الباردة، كانت ستراتيجية الأمن القومي الأمريكي تعتمد كثيراً على مبدأ احتواء الخطر السوفييتي، بمصطلح كوني تحظى فيه المملكة «الصديقة» برعاية دفاعية وأمنية خاصة؛ وتتحمّل هذه الأخيرة، في المقابل، سلسلة «مسؤوليات» تبدأ من أبسط أشكال المساندة الدعاوية ضد «الخطر الشيوعي»، ولا تنتهي عند القواعد العسكرية وعقود بيع السلاح الخرافية. وكانت أسباب عميقة موروثة (على رأسها النفط، بالطبع، ثمّ أمن إسرائيل، وتعطيل أي مشروع نهضوي عربي…) تضفي أهمية كبرى على طبيعة العلاقة مع المملكة، وتستدعي نوعية خاصة من الفعل الاجرائي التكتيكي والستراتيجي.
2 ـ القضايا المتصلة بأمن «الصديقة» واستقرارها ظلت حيوية في ذاتها، ولكنها بعد الحرب الباردة باتت أكثر عرضة للتأثّر الحادّ بالمستجدات التي تسارعت وتعقدت طبيعتها الجيو ـ سياسية: انشقاق إيران (والعراق طبعاً، قبل احتلاله) عن التوازنات السياسية لطور ما بعد «عاصفة الصحراء»، مشكلات صعود التيارات الإسلامية، انسداد كلّ الآفاق أمام تنفيذ اتفاقيات أوسلو، هزّة 11/9 بما أدخلته من تعديلات جذرية على مفاهيم الأمن الداخلي الأمريكي، احتلال أفغانستان والعراق، صعود «حماس» و«حزب الله» وإعادة رسم خرائط التحالفات الإقليمية حول محور إيراني عابر للانحيازات المذهبية التقليدية بين قوس الإسلام الشيعي ودائرته السنّية… وهذا، كلّه، قبيل انتفاضات العرب، وصعود «داعش».
3ـ الأخطار التي بدت محدقة بالمملكة، حول مفاهيم «الأمن» و«الاستقرار»، وسواهما من أنساق تهديد ليس من السهل إدارتها عن طريق إيفاد حاملات الطائرات وفيالق التدخل السريع؛ أخذت تكمن في العاقبة الطبيعية للتآكل التدريجي ـ البطيء، ولكن المحسوس للغاية ـ في البنى الاقتصادية والسياسية لهذه «الصديقة» للولايات المتحدة، الحليفة لها في كلّ كبيرة وصغيرة.
هذه، بين عناصر أخرى لا تقلّ أهمية، كانت تجبر حكّام المملكة، خاصة بعد أن انقلب عليها وحش الإرهاب ذاته الذي صنعته بأموالها وأجهزتها، على جَسْر الهوّة بين عماء النفط، وخواء السياسة؛ وسط عجز الجاسر الذي، في الحالَين، يسوس أقدار الديرة والعيال، بعقلية شيخ عشيرة!
بذلك، وعلى هذه الخلفية تحديداً، وما خفي من مفاعيلها، لا تسير سياسات التأزيم السعودية إلا على رمال متحركة، متعاقبة، يتوالد بعضها من بعضها الآخر؛ في منطقة لا يسهل إغماض العين عنها برهة واحدة، دون دفع ثمن فادح!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الأحد 11 يونيو 2017, 10:35 am

تعليق


اعتقد ان كاتبنا المميز صبحي لامس الواقع من اكثر من جانب، ولا شك ان التحالف السعودي الامريكي كان قائما منذ لقاء بن سعودـ روزفلت كان قائما على النفط ولاشيء سوى النفط، وعلى ان عائدات النفط يجب ان تعود الى صاحبها العم سام بوسيلة تدويرية عبر شراء السلاح، والمنتجات الامريكية، والايداعات الضخمة في المصارف الامريكية، اي بالمختصر لا يبقى للتنمية شيء يذكر ولهذا السبب بقي التخلف يضرب أطنابه في ربوع الربع الخالي وتوابعه، وبما أن السعودية كانت تخاف من أي منافس عملت دائما على مواجهته بادوات امريكية كمصر عبد الناصر او العراق صدام حسين والان قطر آل ثاني،


رابط  للتذكير


http://shanti.jordanforum.net/t16227-topic
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الأحد 02 يوليو 2017, 3:41 am

واشنطن والرياض: البقال والمغفل
ذات يوم غير بعيد، قبيل زيارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إلى السعودية؛ أعرب البيت الأبيض عن «خيبة أمل كبيرة» لأنّ سفارة المملكة رفضت منح تأشيرة دخول للصحافي الأمريكي مايكل ولنر، مراسل صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، ليكون ضمن الوفد الصحفي الذي سيرافق أوباما. الاحتجاج صدر أوّلاً عن مساعديْ سوزان رايس، مستشارة الأمن القومي؛ قبل أن تعقبه احتجاجات أشدّ من رابطة مراسلي البيت الأبيض، التي أصدرت بياناً أدان الإجراء السعودي بوصفه اعتداءً على المراسلين أجمعين، ثمّ على حرّية الصحافة كقيمة كونية مقدّسة. ولنر، نفسه، كتب افتتاحية في صحيفته لم تترك «مجالاً للشكّ» في أنّ حجب التأشيرة استند على موقع عمله، ثمّ ديانته اليهودية؛ فأغفل، عامداً، حقيقة أنّ المملكة موئل عشرات الصحافيين اليهود، وبينهم دافيد ماكوفسكي زميله في الصحيفة إياها، والذي كان يراسل من جدّة!
اليوم لا يقول البيت الأبيض الكثير، وتقتدي به رابطة مراسلي البيت الأبيض، حول مطلب الدول المحاصِرة لقطر بإغلاق قناة «الجزيرة»، وعدد من وسائل الإعلام الأخرى؛ ليس تحت بند عامّ هو رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول المستقلة ذات السيادة، ولا أيضاً تحت البند الخاصّ، الذي يُفترض أنه الأهمّ والأقدس: صيانة حرية التعبير وحقّ الرأي الآخر. لكلّ مقام مقال، في عرف هؤلاء الصامتين، وما ينطبق على «جيروزاليم بوست» لا يجوز أن يشمل «الجزيرة» وسواها!
بيد أنّ زيارة أوباما يومذاك، مثل زيارة خَلَفه دونالد ترامب مؤخراً، انطوت على خيبات أمل من جهات أخرى: ناشطات سعوديات راودهنّ الأمل في أنّ أوباما سوف يثير، خلال لقائه مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، مسائل حقوق الإنسان في المملكة، عموماً؛ والحرّيات العامة، وتلك التي تُحجب عن المرأة بصفة خاصة. أو، في أضعف الإيمان، أن يبدي تضامنه مع السعوديات القلائل اللواتي غامرن، في مناسبة قمّة خريم، بانتهاك العرف السائد، وتحدّي المطوّعين، وقيادة السيارة جهاراً. هنا، أيضاً، توفّرت «خيبة أمل كبيرة» لأنّ أوباما اكتفى بتنظيم حفل خاصّ سريع، سلّم خلاله جائزة الشجاعة، التي تمنحها وزارة الخارجية الأمريكية، إلى الدكتورة مها المنيف، المدير التنفيذي لبرنامج الأمان الأسري الوطني، وذلك نيابة عن زوجته ميشيل أوباما؛ وسوى ذلك، لم ينبس ببنت شفة، حول أيّ حقّ! لم تكن السيدة الأولى الأمريكية الحالية، ميلانيا ترامب، أفضل من سابقتها، غنيّ عن القول؛ وظلّ «الحال من بعضه» اليوم، كما يومذاك.
في عبارة أخرى، لم يتغيّر الكثير ـ بل من الإنصاف القول: هيهات أن يتغيّر حتى القليل! ــ في تاريخ العلاقات الأمريكية ـ السعودية. والذي يظلّ جاثماً مثل حجر ثقيل، أبد الدهر، هو مقدار ما تملك واشنطن من وسائل ضغط وإغراء لتوقيع المزيد من عقود الاستثمار والتسليح واستنزاف خزائن الرياض المالية. ولهذا تتابع «ركائز» العلاقة القديمة مفاعيلها على الحاضر، وكأنها جديدة ومستجدة؛ بل يجري إعادة تدويرها تحت باب الإلحاح والضرورات العاجلة؛ ولا يعدم أي رئيس أمريكي، حين يمتهن سلوك البقال، بيع بضائع الجملة مثل سلع المفرّق، سواء بسواء…
ومن البديهي ألا تغيب لعبة الاستغفال عن علاقة التبادل هذه، كأنْ تُعرض بضاعة محاربة الإرهاب تحت بند تسويق عقود التسليح بالمليارات، أو تُعرض سلعة توريث صغار الأمراء على رفوف أقلّ شأناً (ولكن ليس أبخس ثمناً!). وإذا صحّت التقارير التي تحدثت عن انقلاب القصر الأخير في المملكة، الذي مسخ محمد بن نايف، بين ليلة وضحاها، من ولي عهد إلى أمير تحت الإقامة الجبرية؛ فإنّ لعبة التعاقد بين البائع والشاري صارت على المكشوف أكثر من ذي قبل، بل يدور الافتراض أنه لا يدركها أولاً، وعلى النحو الأوضح، إلا المتعاقدان: البقال والمغفل!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الأحد 23 يوليو 2017, 5:18 am

سلطة فلسطين المقدسية

صبحي حديدي




Jul 22, 2017



حال الغليان الشعبي بصدد الأقصى، والتي تشهدها فلسطين التاريخية بأسرها، من البحر إلى النهر كما يتوجب القول، ليست سوى المآل الطبيعي الأوّل الناجم عن جوهر الاحتلال العسكري والاستيطاني الإسرائيلي؛ والذي أسفر، على الدوام، ومنذ احتلال القدس الشرقية سنة 1967، عن مآلات رديفة أكثر احتقاناً وتصعيداً. وهذه الحصيلة تكتسب عمقاً إضافياً، ونطاقاً أوسع بكثير، حين يتصل الأمر بالمقدسات عموماً، ومجمّع الأقصى بصفة خاصة. وليس مقتل شرطيين إسرائيليين، واستشهاد ثلاثة فلسطينيين، مؤخراً، داخل باحات الأقصى (للمرة الأولى منذ وقوع المجمّع تحت الاحتلال) إلا ذروة جديدة في تلك الحصيلة.
وكان مناحيم بيغن، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، قد دشّن هذا التكوين الانفجاري في المدينة، حين تولى الترجمة السياسية، ثمّ الاستيطانية واللاهوتية، لقرار الكنيست الشهير الذي اعتبر القدس «عاصمة أبدية موحدة لشعب إسرائيل». ثمّ تعاقبت الإجراءات التهويدية والعنصرية والتمييزية والزجرية والتقييدية التي اتخذتها الحكومات الإسرائيلية المختلفة، في صفّ «اليمين» كما «اليسار»، وعند المتدينين أسوة بالعلمانيين؛ حتى بلغ الفلسطيني المقدسي هذا الطور السوريالي الراهن: أنه ابن أصيل لمدينة وُلد فيها، ولكن لا حقوق له لدى الدولة ذاتها، التي تعتبر المدينة عاصمة لها!
في «هآرتز» يكتب الصحافي الإسرائيلي نير حسون إنّ هذا الوضع، الذي يعيشه الفلسطيني المقدسي، لا نظير له في أيّ مكان على امتداد العالم؛ متناسياً أنّ هذا الاحتلال الإسرائيلي، بدوره، لا نظير له على امتداد التاريخ البشري! وإذْ يقرّ بأنّ السلطة الفعلية في مجمّع الأقصى ليست إسرائيل، الجيش والشرطة والمستوطنين؛ وليست الأردن، بموجب الاتفاقيات الراهنة؛ ولا الوقف ذاته (الذي يدير الأقصى منذ 500 سنة، للتذكير المفيد)؛ بل هي سلطة الفلسطينيّ المقدسي، أوّلاً. هنا، كذلك، يتناسى حسون أنّ ذلك «الفلسطيني المقدسي» يحدث أنه مسيحي أيضاً، وليس مسلماً فقط؛ وأنه يمثّل كلّ فلسطينيي فلسطين التاريخية، بدليل التضامن الشامل الذي شهدته مناطق 1948 والضفة الغربية والقطاع، سواء بسواء.
وفي نيسان (أبريل) الماضي، أقرّت حكومة بنيامين نتنياهو بناء 15 ألف وحدة سكنية في القدس المحتلة، أي على أرض يقرّ القانون الدولي أنها محتلة، ولم يتجاسر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه (أو ليس بعد، في الأقل!)، على اعتبارها إسرائيلية، رغم وعوده الانتخابية حول نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. قبل ذلك، سعت الحكومة الإسرائيلية إلى إصدار تشريع يسمح لليهود بالدخول إلى باحة الأقصى، وممارسة مختلف الشعائر الدينية هناك؛ الأمر الذي استوجب إضافة إجراء عسكري وأمني يكمل ذلك التشريع، أي تكليف جيش الاحتلال بحماية المصلّين اليهود، حتى إذا اقتضى الأمر إخلاء الباحة من الفلسطينيين، وسائر زوّار المكان أيضاً. وقبل هذه وتلك، كان الكنيست قد ناقش تشريع وقف الأذان في القدس، لأسباب «صحية» تخصّ «الضجيج» الذي يلوّث البيئة؛ متجاهلاً نفير السبوت اليهودية، إذْ لعلّ مشرّع الكنيست صنفها في باب الكونشرتو!
لا تنفصل عن تغذية هذه الحال الانفجارية، خاصة لجهة غطرسة نتنياهو وذهابه أبعد في الانتهاك والتصعيد، حقيقة أنّ العالم لا يتفرج على إسرائيل مكتوف الأيدي، فحسب؛ بل يمدّ يد العون إلى سياساتها هذه، إما عن طريق التواطؤ المباشر، أو التشجيع بطرق شتى (والرئيس الأمريكي ليس أكثر حمية من الرئيس الفرنسي، الذي استضاف نتنياهو مؤخراً في مناسبة تخصّ يهود فرنسا)، أو التزام الصمت. وفي داخل هذا العالم، يمكن احتساب السلطة الفلسطينية، والأنظمة العربية، وتسعة أعشار المتباكين على الأقصى وقبة الصخرة.
وهذه، في أوّل المطاف ونهايته، ليست حال جديدة على فلسطين والفلسطيني؛ فقد توجّب أن يحاصر حصاره مراراً، لا مفرّ، كما ذكّره محمود درويش!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الأحد 06 أغسطس 2017, 4:22 am

«غزوة بيروت» الكبرى بعد الصغرى!

صبحي حديدي



Aug 05, 2017



بين 7 أيار (مايو) 2008، في العاصمة اللبنانية بيروت؛ و21 تموز (يوليو) 2017، في جرود عرسال، لبنان دائماً؛ ثمة قاسم مشترك أعظم هو «حزب الله»، مع فارق حاسم بين ذاك الحزب وهذا، على صعيد العلاقة مع لبنان «الدولة»، إذا كان استخدام هذه المفردة ما يزال وارداً، دلالياً في أقلّ تقدير.
التاريخ الأوّل شهد «غزوة» الحزب الشهيرة في قلب العاصمة، بعد اكتشاف كاميرا المراقبة التي كان الحزب قد نصبها على المدرج 17 في مطار رفيق الحريري، تحت سمع وبصر (ومنطقياً: تسهيل) العميد وفيق شقير، قائد جهاز أمن المطار. يومها استشاط الحزب غضباً، بسبب إعادة العميد شقير إلى ملاك الجيش (وهذا، حسب نواف الموسوي، مسؤول العلاقات الدولية في الحزب، «تجاوز للخطوط الحمر»، و»الفريق الآخر يلعب بالنار ومن يلعب بالنار يحرق يديه»). كذلك رفض الحزب قرارات رئاسة مجلس الوزراء بتأكيد حقّ الدولة (دون سواها!) في متابعة القضية وإزالة الكاميرا (ففي هذا مسّ بأمن «المقاومة»، طبقاً لقراءة الحزب!). وهكذا، نزلت عناصر الحزب المسلحة إلى شوارع العاصمة، فانتشرت في مواقع حساسة، وقطعت طريق المطار بالإطارات المشتعلة مما أسفر عن تعليق حركة الطيران، كما استولت على مراكز «تيار المستقبل» وأحرقت بعضها؛ بمشاركة عناصر مسلحة من حركة «أمل»، والسوري القومي الاجتماعي وبعث النظام السوري.
يومها، اختفى جيش لبنان العتيد نهائياً، كأنه أثر بعد عين.
في التاريخ الثاني، أواخر تموز (يوليو) 2017 وحتى الساعة، لم يختف الجيش اللبناني، والحقّ يُقال؛ لأنه ساهم عسكرياً في معركة «حزب الله» ضدّ «التكفيريين»؛ وإنْ عن طريق تأمين طرق الارتداد من الجرود إلى الداخل اللبناني، وتقديم العون اللوجستي، فضلاً عن توفير الغطاء المدفعي (وكأنّ هذا كله قليل!). ذلك لأنّ الجيش العتيد، إياه، كان قبلها قد اقتحم مخيمات اللاجئين السوريين في عرسال، ونكّل بأبرياء كثر تحت ذريعة تطهير المخيمات من الإرهابيين، كما انتهت جلسات التعذيب التي مورست أثناء التحقيق مع الموقوفين إلى وفاة عشرة منهم. في عبارة أخرى، كانت غزوة «حزب الله» الثانية، في جرود عرسال، تستكمل غزوة الحزب الأولى في العاصمة بيروت قبل تسع سنوات؛ مع هذا الفارق الحاسم: أنّ الجيش توارى تماماً خلال لجوء الحزب إلى اجتياح بيروت في الغزوة الأولى، ولكنه انخرط في المعركة مباشرة، كما اصطفّ خلف الحزب ذاته، خلال الغزوة الثانية.
يندر، بالطبع، أن تجد عاقلاً منصفاً يمكن أن يحجب عن الجيش اللبناني الحقّ في، والواجب نحو، حماية المواطن اللبناني من أذى الإرهاب، أياً كانت مصادره وأشكاله؛ وخاصة تلك العمليات التي نفذها، أو كان يزمع تنفيذها، الإرهابيون الجهاديون. ويتوجب، استطراداً، أن يكون نادراً ذلك العاقل المنصف الذي يسحب مهمة كهذه من الجيش اللبناني، لكي يسندها إلى جهة عسكرية خارج الدولة، ليست أعلى تسليحاً من الجيش ذاته فقط، بل هي تقاتل على أرض دولة جارة، إلى جانب نظام مارس ويمارس جرائم الحرب ضدّ الشعب السوري، وسبق لجيش ذلك النظام أن احتلّ لبنان طيلة سنوات، وارتكب فيه انتهاكات شتى وفظائع لا حصر لها.
في المقابل، هيهات أن يُوضع العقل أو الإنصاف على محكّ ما يشهده لبنان من اختلال عميق في التوازن ما بين «حزب الله»، ثكنة إيران في لبنان وسوريا والعراق واليمن، المدجج بالسلاح والمال والسلطة السياسية لا كما يمكن أن ينطبق على أيّ «حزب»؛ وبين «دولة» لبنان: العاجزة عن إزالة القمامة من شوارع مواطنيها، «السيدة» و»الحرّة» على منوال الوزير جبران باسيل، الجمهورية على مقاييس ميشيل عون ونبيه بري وسعد الحريري.
بذلك تبدو جرود عرسال 2017 غزوة «حزب الله» الكبرى، بعد غزوة بيروت 2008 الصغرى؛ ويبدو قادم الأيام أعظم، يُنذر بالغزوات الأكبر!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الجمعة 19 يناير 2018, 10:28 am

أفريقيا وعرب عبد الناصر: من تجار رقيق إلى حلفاء تحرير
صبحي حديدي
Jan 19, 2018

يسجّل الباحث الكيني المرموق علي مزروعي أنّ علاقة العرب بالقارّة الأفريقية تمتد على 12 قرناً، لعبوا خلالها دورَين أساسيين: الأوّل، بصفة شركاء متواطئين في تجارة الرقيق؛ والثاني، ابتداء من منتصف القرن العشرين، كحلفاء في حركات التحرر الأفريقية. بذلك فإنّ العربي كان فاتحاً، في الأطوار الأولى من العلاقة مع الأفارقة، ثمّ صار شريكاً في التحرر؛ تاجراً، بضاعته العبيد؛ أو حامل انعتاق، بضاعته الأفكار الجديدة. ولم يكن الإسلام، في الجانب الذي يخصّ انتشار اللغة العربية على وجه الخصوص، بعيداً عن هذه المعادلة؛ التي ستجعل من الفصحى، أو اللهجات السواحيلية المتأثرة بمفرداتها، لغة سائدة أو حتى طاغية.
وفي الذكرى المئوية لولادة جمال عبد الناصر (1918 ـ 1970)، يُستذكر للزعيم المصري دور حاسم في توطيد هذا الانتقال، أو بالأحرى: تدشين النقلة الكبرى، في العلاقة بين العرب والأفارقة. هنا، أيضاً، يشير مزروعي إلى أنّ تجذّر أفكار عبد الناصر، وتجسيدها بعدئذ في الممارسة والسلوك والقرارات الفاصلة، أفزع المستوطنين البيض في كينيا وروديسيا وجنوب أفريقيا والمستعمرات البرتغالية؛ خاصة بعد اقترابه أكثر من الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا، وصمود مصر أمام العدوان الثلاثي البريطاني ـ الفرنسي ـ الإسرائيلي، سنة 1956. كذلك كانت دعوة عبد الناصر إلى «جامعة أفريقية»، حتى في مفهومها الخام الغائم والتبسيطي، تسهم في تقويض مفاهيم أخرى سبق للقوى الاستعمارية أن ابتدعتها وروّجت لها، على شاكلة «وحدة وادي النيل» مثلاً.
وفي «فلسفة الثورة»، اعتبر عبد الناصر أنّ مصر واقعة في المركز من ثلاث حلقات: العالم العربي، والعالم المسلم، والقارّة الأفريقية؛ وعن الحلقة الثالثة كتب (وأفكاره وليدة أواخر الأربعينيات ومطالع الخمسينيات، كما يتوجب التذكير): «إننا لن نستطيع بحال من الأحوال ـ حتى لو أردنا ــ أن نقف بمعزل عن الصراع الدامي المخيف الذي يدور اليوم في أعماق أفريقيا بين خمسة ملايين من البيض ومائتي مليون من الأفريقيين. لا نستطيع لسبب هام وبدهي، هو أننا في أفريقيا. ولسوف تظل شعوب القارة تتطلع إلينا، نحن الذين نحرس الباب الشمالي للقارة، والذين نُعتبر صلتها بالعالم الخارجي كله. ولن نستطيع بحال من الأحوال أن نتخلى عن مسؤوليتنا في المعاونة بكل ما نستطيع على نشر الوعي والحضارة حتى أعماق الغابة العذراء». 
ورغم ذلك، ورغم أنّ عبد الناصر انتقل من التنظير إلى التطبيق فساند معظم حركات التحرر الأفريقية مادياً ومعنوياً، لم يكن من السهل أن يمسح الأفريقي، سريعاً، تلك الصورة الراسخة في ذاكرته، والتي تختزل العربي في صورة تاجر الرقيق، خاصة وأنّ المناهج المدرسية، التي وضعتها سلطات الاستعمار ذاتها، كانت تحرص على تثبيت تلك السردية تحديداً. التوجّه الآخر الرديف في تلك المناهج تضمّن المزج بين شخصية العربي تاجر الرقيق، والعربي بوصفه المسلم الفاتح أيضاً؛ القادم لتقويض الديانات المحلية على اختلاف عقائدها وشعائرها، خاصة الوثنية والطوطمية، وإحلال الإسلام والتوحيد محلها، بالقوّة والإجبار. ولم يكن غريباً، إزاء حال كهذه، أن تلجأ سلطات الاستعمار البريطاني إلى محاربة تجارة الرقيق العربية في تبرير احتلال هذا البلد أو ذاك. 
على نحو آخر، وفي جبهة أخرى، كانت أفكار عبد الناصر حول الانفتاح المصري على القارة قد لقيت ممانعة من جانب زعماء ومفكرين أفارقة؛ ارتابوا في أنّ الغايات البعيدة هي إلحاق بلدان أفريقية بمحاور عربية، خاصة حين كانت مصر في وحدة مع سوريا، البلد الآسيوي في نهاية المطاف. ذلك كان موقف زعيم أفريقي بارز مثل الغاني كوامي نكروما، الذي ساجل بأنه «لا يمكن لأية حادثة تاريخية أن تنجح في تحويل بوصة واحدة من تراب أفريقيا إلى امتداد لأية قارة أخرى». لكن الزمن لن يطول به حتى ينخرط مع عبد الناصر في حركة عدم الانحياز، التي ضمت بلداناً في آسيا (الهند وأندونيسيا)، وأوروبا (يوغوسلافيا)، فضلاً عن مصر الأفريقية.
أوبافيمي أوولو، الزعيم القومي ورجل الدولة النيجيري البارز، اتخذ موقف النقد الشديد لمفاهيم عبد الناصر حول الشطر الأفريقي من الهوية المصرية؛ وكتب: «إن الجمهورية العربية المتحدة، المخلوق الأثير عند عبد الناصر، والتي تضع قدماً في أفريقيا وأخرى في الشرق الأوسط الآسيوي، هي النقيض الصريح لفكرة الوحدة الأفريقية». لكنه سرعان ما أدرك الدور التحرري الأعرض نطاقاً، الذي يلعبه دعم مصر لحركات التحرر في عدد من البلدان الأفريقية؛ ضدّ سياسات الاستعمار القديم عموماً، وأنظمة الاستيطان والتمييز العنصري والأبارتيد خصوصاً.
ذلك التحوّل بدا ثمرة طبيعية لاستمرار مصر في الانفتاح الملموس على القارة، والانحياز الأوضح إلى الهوية الأفريقية، حتى أنّ العاصمة المصرية باتت ملجأ ومقرّاً للأنشطة الأفريقية ضدّ الاستعمار، كما استقبلت الجامعات المصرية مئات الطلاب الأفارقة، وتحولت إذاعة القاهرة إلى منبر للقوى والأحزاب الأفريقية المنادية بالاستقلال والتحرر. وهكذا، وعلى نحو تدريجي، تجاوزت مصر مفارقة انتمائها إلى العمق العربي أكثر من الأفريقي، وتحوّلت إلى أكثر دول شمال أفريقيا دفاعاً عن مفهوم الجامعة الأفريقية. وفي المقارنة مع نكروما، مثلاً، بدا مؤكداً أنّ عبد الناصر مصري بمعنى تاريخي أعمق بكثير من كون نكروما غانياً؛ الأمر الذي لم يكن يلغي حقيقة أنّ الأخير أفريقي، بمعنى تاريخي أشد عمقاً من انتماء عبد الناصر إلى هوية أفريقية عامة.
وفي خضم هذه التحولات النوعية التي طالت صورة العربي، والمسلم، في الوعي الجَمْعي الأفريقي؛ توفرت تلك المفارقة الكبرى: لا العرب، ولا الأفارقة أيضاً، كانوا أوّل من أدرك مخاطر الترابط الوليد الذي أخذ يتوطد بين الشرق الأوسط وأفريقيا؛ بل كان المستوطنون البيض في أفريقيا، والقوى الاستعمارية والإمبريالية الأوروبية إجمالاً، هم السبّاقون إلى ذلك الإدراك الحاسم. بات معروفاً الآن، على سبيل المثال، أنّ السلطات الاستعمارية البريطانية في أفريقيا أعربت عن قلق عميق إزاء تحولات مصر؛ وكانت سياسات عبد الناصر الراديكالية المبكرة، داخلياً وعربياً ودولياً، قد أكدت تلك المخاوف، التي تُرجمت بعدئذ إلى سلسلة سياسات غربية مضادة اتخذت صياغات عسكرية وأمنية واقتصادية.
في بُعد آخر للمسألة الناصرية/ الأفريقية، إذْ انقلبت هكذا في الواقع ولم تعد تقتصر على علم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا؛ انقسمت القارّة إلى كتلتين، حين كانت خيارات عبد الناصر تتفاعل على مستوى الشعوب والأنظمة معاً:
ـ كتلة الدار البيضاء الراديكالية (وتألفت من مصر والمغرب والجزائر وغانا وغينيا ومالي)، ودعت إلى وحدة سياسية أفريقية متينة، ودعمت قيام حكومة مركزية قوية في الكونغو بقيادة لومومبا، وعارضت انشقاق إقليم كاتانغا (بمساندة بلجيكا، التي استعمرت البلد)، وناهضت تحالف موبوتو ـ تشومبي المؤيد للغرب.
ـ كتلة مونروفيا المحافظة (وضمّت معظم الدول الناطقة بالفرنسية، بالإضافة إلى ليبيريا ونيجيريا)، ودعت إلى نقيض سياسات كتلة الدار البيضاء، كما طرحت صيغة اتحاد فضفاض، ونظام ولايات فدرالي في الكونغو.
صحيح أنّ وقائع التاريخ اللاحقة، في مصر والعالم العربي وأفريقيا، تكفلت بإعادة خلط الأوراق، وتفكيك وإعادة تركيب المحاور والكتل؛ إلا أنّ التطور الأكبر الذي رسخ، وما يزال قائماً اليوم بدرجة كبيرة، هو أنّ صورة العربيّ تبدلت جذرياً بفضل سياسات عبد الناصر الأفريقية. ولم يكن يسيراً، في حسابات الاجتماع الإنساني التاريخي والجغرافي، أن يتحوّل العربي من تاجر رقيق وفاتح عسكري وديني، إلى شريك في التحرّر، ومشارك في… التحرير!

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الجمعة 16 فبراير 2018, 9:54 am

إعادة إعمار العراق: لو ناديتَ حيّاً!
صبحي حديدي
Feb 16, 2018

في ختام مؤتمر إعادة إعمار العراق، الذي احتضنته الكويت مؤخراً، توصلت 76 دولة ـ و51 صندوقاً تنموياً ومؤسسة مالية، و107 من المنظمات المحلية والإقليمية والدولية وغير الحكومية ـ إلى التعهد بمنح العراق 30 مليار دولار. في المقابل، كانت بغداد تأمل في دفعة أولى عاجلة لا تقلّ عن 22.9 مليار، وأخرى على المدى الطويل تبلغ 65.4 مليار، حسب تصريحات وزير التخطيط العراقي سلمان الجميلي. وبين المأمول والمعتمَد، تجب الإشارة إلى أنّ معظم التعهدات تأخذ شكل تسهيلات ائتمانية واستثمارية، بعضها في مجال الصادرات (نموذج بريطانيا، بمعدّل مليار سنوياً على مدى عشر سنوات)؛ أو المشاريع الاستثمارية (تركيا بخمسة مليارات، والسعودية والكويت بمليار لكلّ منهما)؛ في حين أنّ حكومة الولايات المتحدة اكتفت باستثمارات القطاع الخاص.
وبمعزل عن السؤال الكلاسيكي الذي يكتنف مسألة إعمار العراق، أي إشكالية بلد بالغ الثراء من حيث مخزونه وصادراته النفطية، ولكنه يضطر إلى تسوّل العون من الخارج؛ ثمة ذلك السؤال الأكبر، الراهن والقديم في آن معاً: مَن يضمن عدم هدر بعض، أو حتى معظم، هذه الأموال في أقنية الفساد والإفساد التي باتت جزءاً لا يتجزأ من تركيبة السلطة في البلد؟ واستطراداً، وأياً كانت طرائق محاربة الفساد التي تعلنها الحكومة العراقية أو تشترطها الجهات المانحة، مَن يضمن حسن استثمارها لصالح حاجات المواطن العراقي ومتطلبات التنمية، وليس خدمة المحاصصات المذهبية والطائفية، أو تمويل ميليشيات كبرى على غرار «الحشد الشعبي»؟
في أحدث تقاريرها عن العراق، أوضحت «بوابة مكافحة الفساد»، BACP، أنّ ميادين الفساد تشمل كلّ قطاعات الدولة، إلى جانب القطاع الخاص؛ وتستوي في هذا الجهات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأجهزة الشرطة والجيش والخدمات العامة وإدارات الأملاك والضرائب والجمارك والموارد الطبيعية… لافت، إلى هذا، ما يقوله التقرير عن المجتمع المدني: «الدستور العراقي يكفل حرية التعبير، لكنّ القوانين الغامضة تترك مجالاً واسعاً للحكومة كي تضيّق الخناق على الصحافيين. أجواء وسائل الإعلام معادية وخطيرة، والخوف من انتقام السلطات أدى إلى رقابة ذاتية واسعة النطاق في أوساط الصحافيين. وفي العراق نسبة اغتيال الصحافيين هي بين الأعلى عالمياً، والقانون العراقي يجرّم بشدّة حالات القذف والتشهير، ولهذا اعتاد المسؤولون الحكوميون رفع دعاوى قضائية ضدّ التقارير الصحافية التي تتناول الفساد. واستخدام الإنترنت يخضع للقيود، وتوفرت تقارير تشير إلى مراقبة حكومية تمارس على المواقع دون إذن قانوني».
حال العراق هذه، في ثنائية الحاجة إلى العون الخارجي والعجز عن وقف سرطان الفساد، تحمل مغزى سياسياً إضافياً، من حيث توفير المزيد من العلائم الملموسة على اندحار النظرية التي بشّر بها أمثال بول ولفوفيتز وريشارد بيرل وسواهما من أقطاب «المحافظين الجدد» خلال حقبة غزو العراق سنة 2003؛ أي قدرة البلد على تمويل مشروعات الإعمار ذاتياً، واعتماداً على الثروة النفطية، ودون اللجوء إلى مصادر تمويل واستثمار خارجية. معظم وقائع السنوات الـ15 الماضية لا تكذّب هذه النبوءة الزائفة، فحسب؛ بل تبدو نتائج مؤتمر الكويت الأخير وكأنها تفضح دركاً أشدّ مأساوية هبطت إليه تلك النظرية. ويكفي التذكير بأنّ عائدات النفط الراهنة، وبالنظر إلى ما تستنزفه أقنية الفساد المنفلتة من كلّ عقال، لا تكاد تكفي سداد رواتب بعض مستخدمي الدولة، وعلى رأسهم الـ 750 ألف عامل في سلك الشرطة وأجهزة الأمن.
المزيد من المغزى، في شطره الأمريكي تحديداً، كانت توفّره التقارير ربع السنوية التي ظلّ يصدرها ريشارد بوين، «المفتش الخاص لإعادة إعمار العراق»، بين تشرين الأول (أكتوبر) 2004 وحتى تشرين الأول 2013. ومن المعروف أنّ مكتب التفتيش هذا تمّ إنشاؤه بقرار من الكونغرس الأمريكي، بعد حلّ السلطة الائتلافية المؤقتة التي كان يقودها بول بريمر؛ وعُهدت إلى المكتب مهمة الإشراف على «صندوق تنمية العراق»، الذي أنشأه مجلس الأمن الدولي سنة 2003، ثمّ آلت مسؤوليته إلى العراق أواخر سنة 2007، بناء على طلب الحكومة العراقية. أهداف الصندوق تمثلت في: 1) إعادة الإعمار الاقتصادي للعراق، و2) النزع المتواصل للسلاح، و3) الإنفاق على الإدارة المدنية العراقية، و4) الإنفاق على أغراض أخرى لصالح الشعب العراقي.
والإنصاف يقتضي القول إنّ بوين لم يكن يشاطر إدارة بوش الابن، ولا إدارة خَلَفه باراك أوباما، توصيف أحوال العراق الإدارية، أي تلك المالية والاستثمارية والتعاقدية. هنالك وقائع مذهلة ساقها المفتش الخاصّ، تروي فضائح واختلاسات وهدر أموال عراقية، على يد بعض ممثلي سلطة التحالف، وبمشاركة أو بعلم أو بتشجيع أو بإغماض العين من جانب السلطات الأمريكية. وفي كلّ تقرير جديد، لم يتوقف المفتش عن سرد أقاصيص تبزّ ما قبلها في النهب والسلب واللصوصية المفتوحة. وكانت خلاصاته وتوصياته ستمرّ مألوفة عادية، على هدي ما يجري من فساد هنا وهناك في العالم شرقاً وغرباً، لولا أنّ التفاصيل بدت مذهلة، واستثنائية، في جانبين جوهريين على الأقلّ: أنّ الفضائح تدخل في سياقات منهجية منتظمة، تجعلها أقرب إلى النسق الدائم وليس المظاهر العابرة؛ وأنها كانت تجري في شروط احتلال عسكري تمارسه ديمقراطية عريقة يحدث أنها أيضاً القوّة الكونية الأعظم، الساعية إلى إرساء نظام ديمقراطي ودولة قانون في العراق.
وفي تقريره الختامي، عند حلّ مكتب التفتيش، أعاد بوين التذكير بواحد من أبرز دروس احتلال العراق: صحيح أنّ الفساد مؤسسة محلية عراقية، في هيكليته الأساسية؛ ولكن من الصحيح أيضاً أنّ مختلف أجهزة الاحتلال الأمريكية، الحكومية والخاصة، عاثت فساداً بدورها، ولم تنهب أموال العراق وثرواته وحدها، بل تقاسمت أيضاً بعض المليارات التي سددها دافع الضرائب الأمريكي في مغامرة العراق. على سبيل الأمثلة، سرد بوين تحقيقات في 80 ملفّ فساد وإفساد، بينها النماذج التالية: مقاول مدني دفع أكثر من 2.8 مليون دولار من الرشاوى لضابط في الجيش الأمريكي، برتبة رائد، يعمل مسؤولاً عن العقود؛ إقرار من شركة أمريكية كبرى بارتكاب مخالفات جنائية للحصول على عقد بقيمة 8.5 مليون دولار، لتوريد عربات أمنية؛ إدانة عقيد سابق في الجيش الأمريكي، والحكم عليه بالسجن لمدّة 30 شهراً، لمشاركته في صفقة احتيال؛ الحكم على موظف عقود في وزارة الدفاع، بالسجن لمدة 50 شهراً بسبب قبول الرشوة وارتكاب سلسلة مخالفات قانونية…
لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيّاً، إذن، في ملفّ إعادة إعمار العراق، ما دامت سلطة الفساد والإفساد داخلة في تركيبة النظام، كما في أنساق اقتسام السلطة بين الأحزاب والتنظيمات والميليشيات؛ وما دامت، أيضاً وأيضاً، تعشش في قلب المؤسسات ذاتها التي استُحدثت لمكافحة الفساد، مثل «هيئة النزاهة»، و«مكتب المفتش العام»، و«ديوان الرقابة المالية». وليس عجيباً، والحال هذه، أن يحلّ العراق في الموقع 166 ضمن تصنيف منظمة «الشفافية الدولية» للدول الأكثر فساداً في العالم؛ فلا تأتي بعده إلا 10 دول: فنزويلا وغينيا ـ بيساو وأفغانستان وليبيا والسودان واليمن وسوريا وكوريا الشمالية وجنوب السودان والصومال! 
الطامة الأكبر أنّ حال الفساد والإفساد استقرت وترسخت واستوطنت، بل باتت اعتيادية تماماً، ولعلها أخذت تجبّ تلك الأسئلة القديمة عن عائدات النفط العراقي: ما قيمتها؟ أين تذهب؟ مَن يتحكّم بها؟ وهل توضع في خدمة العراقيين، حقاً؟ وإذا كانت معدلات التصدير اليومية من الموانئ الجنوبية قد وصلت إلى قرابة 3.535 مليون برميل يومياً، خلال شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وهذه معدلات لا سابق لها؛ فكيف يتسوّل العراق ملياراً من هنا، وملياراً من هناك؟

٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الإثنين 12 مارس 2018, 5:18 am

هايدن وايت وجماليات التاريخ

صبحي حديدي



رحل، قبل أيام، المؤرّخ والمفكر الأمريكي هايدن وايت (1928 ـ 2018) أحد كبار فلاسفة التاريخ في النصف الثاني من القرن العشرين، وبين الأبرز في مقاربة قراءة التاريخ من منظور الناقد الأدبي، وعلم الجمال، وفنون الخطاب.
وليس هنا المقام المناسب لاستعراض منصف، أياً كانت مقادير إيجازه، لسلسلة معقدة من الأفكار التي صاغها وايت حول استدراك الدلالات الأعمق ـ التي يصحّ الافتراض، أيضاً، أنها «مستترة» على نحو أو آخر ـ خلف حوادث التاريخ وحولياته ورواياته؛ أو بالأحرى: سردياته، كما كان وايت يفضّل القول.
أعماله عديدة، بينها «مدارات الخطاب: مقالات في النقد الثقافي»، «محتوى الشكل» الخطاب السردي والتمثيل التاريخي»، «واقعية بلاغية: دراسات في تأثير المحاكاة»، «قَصَص السردية: مقالات حول التاريخ والأدب والنظرية»، و«الماضي العملي». وأمّا كتابه الاهمّ، في يقيني، فهو «ميتا ـ تاريخ: المخيّلة التاريخية في أوروبا القرن التاسع عشر»، الذي صدر سنة 1973.
ولعلي أبدأ من حكاية قانونية، لا تشير إلى شجاعة وايت الشخصية، وموقفه النقدي العميق من المؤسسة الرسمية الأمريكية، والحرّية الأكاديمية وحرمة الحرم الجامعي، فحسب؛ بل هي إشارة عملية إلى طبيعة الحسّ بالتاريخ الفعلي، على نقيض ما اتُهم به وايت من تفضيل القراءة البلاغية لما هو فوق التاريخ (بمعنى بادئة الـ Meta كما استخدمها في عنوان كتابه الأشهر). ففي عام 1972، وكان يومذاك أستاذاً في جامعة كاليفورنيا ـ لوس أنجليس، رفع وايت شكوى ضدّ إدوارد م. دافيز رئيس الشرطة، بتهمة الإنفاق غير الشرعي للأموال العامة عن طريق زرع مخبرين في أقسام الجامعة، سجلوا أنفسهم كطلاب وكانت مهامهم الحقيقية هي كتابة تقارير عمّا يدور من مناقشات في قاعات التدريس. وقد صعدت الشكوى إلى المحكمة العليا في كاليفورنيا، وصدر حكم بالإجماع لصالح وايت، الأمر الذي سجّل سابقة قانونية تحظر على الشرطة أيّ انخراط في المراقبة خارج التفويض السليم على أساس الاشتباه بالجريمة.
أنوّه، كذلك، بأسف، إلى أنّ وايت ليس معروفاً في العالم العربي كما يليق بمفكّر كبير وفيلسوف في التاريخ من طرازه. وتقتضي الإشارة، دون إبطاء، إلى مبادرة حميدة لهيئة البحرين للثقافة والآثار، التي أصدرت أوّل كتاب مترجم (في حدود ما أعلم) من تأليف وايت؛ هو «محتوى الشكل: الخطاب السردي والتمثيل التاريخي»، نقله إلى العربية نايف ياسين وراجعه فتحي المسكيني. هنالك، بالطبع، إشارات متفرقة إلى أعمال وايت ونظريته حول السردية والميتا ـ تاريخ؛ بينها فصل فرعي في كتاب «المعرفة التاريخية في الغرب: مقاربات فلسفية وعلمية وأدبية»، للمؤرخ اللبناني قيس ماضي فرّو. كذلك كان لي شرف التنويه بتنظيراته حول العلاقة بين التاريخ والسرد، ضمن دراسة مطوّلة عن نظريات ما بعد الاستعمار، نُشرت في فصلية «الكرمل»، العدد 47، 1993. 
أعود إلى كتاب وايت حول الميتا ـ تاريخ، متوقفاً أوّلاً عند ذلك الاقتباس المحيّر ــ من غاستون باشلار، في «التحليل النفسي للنار» ــ الذي يضعه وايت في مستهلّ الكتاب: «ليس في وسع المرء أن يدرس إلا ما حلم به أوّلاً»! مصدر الحيرة أن تتخيّل مؤرخاً أوروبياً، ما دام كتاب وايت يتناول ما وراء المخيلة التاريخية في أوروبا القرن التاسع عشر، لا يفلح في دراسة أحقاب الثورة الفرنسية، أو الحرب الأهلية الأمريكية، أو الثورة الروسية، إلا إذا حلم بها! ليس هذا هو المقصود، بالطبع، ولكنّ تبسيط المعادلة، عن سابق قصد هنا، يمكن أن يفضي إلى إدراك التعقيد الداخلي الذي تنطوي عليه فرضيات وايت حول كتابة التاريخ من موقع الخطاب؛ بما فيه من رومانس في الواقعية (الفرنسي جول ميشليه، مثلاً)؛ أو الكوميديا (الألماني ليوبولد فون رانكه)؛ أو التراجيديا في الواقعية (توكفيل)، أو السخرية (يوهان لودفيك بوركارت)… أو، بصدد فلسفة التاريخ، «الدفاع الفلسفي عن التاريخ في صيغة الكناية (عند ماركس)، والاستعارة (نيتشه)، والمفارقة (بنديتو كروتشه)…
ولعلّ التلخيص الأفضل لمقاربة وايت هو، في هذه العجالة، ما يكتبه في الفقرة الثانية من مقدّمة كتابه: «في هذه النظرية أتناول العمل التاريخي بوصفه ما يظهر عليه غالباً: بنية لفظية تأخذ شكل خطاب نثري سردي. التواريخ (وفلسفات التاريخ أيضاً) تضمّ مقداراً معيناً من «المعطيات»، والمفاهيم النظرية لـ«شرح» تلك المعطيات، وبنية سردية لتقديمها كأيقونة لمجموعة من الحوادث يُفترض أنها وقعت في أزمنة ماضية. بالإضافة إلى هذا، أزعم أنها تحتوي على محتوى بنيوي عميق هو شعري عموماً، وألسني على نحو محدد، في طبيعته، يخدم كنموذج أمّ، مقبول في إطار نقدي مسبق، لما يتوجب أن يكون عليه «الشرح التاريخي». في صياغة أخرى، يؤمن وايت أنّ المؤرّخ يمارس فعلاً شعرياً في جوهره، لأنه يستبطن الحقل التاريخي ويقوم بإنشائه كميدان يُسقط عليه نظريات محددة سوف يستخدمها لتفسير «ما يحدث حقاً» في قلب ذلك الميدان. وبهذا المعنى يلجأ وايت إلى أربعة من عناصر البلاغة: الاستعارة، الكناية، المجاز المرسل، والمفارقة.
التاريخ عبء على كاهل البشر، لا ريب، وجهود وايت لم تستهدف تخفيف أثقاله، بل استرداد كرامة دراسته كخطاب إنساني بلاغي، يقيم شعرية القول في قلب خشونة الحادث الجلل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الإثنين 07 مايو 2018, 7:09 am

أيار 68 في سنّ الخمسين
صبحي حديدي
May 07, 2018

ليس دون مغزى تاريخي خاصّ، ثمّ اجتماعي وسياسي وثقافي أيضاً، أنّ احتفالات فرنسا بعيد العمل والعمال اقترنت هذه السنة بأعمال احتجاج عنيفة، قادتها فئات شابة جامعية غالباً، ويسارية متشددة إجمالاً. ذلك لأنّ الشهر يدشن الذكرى الخمسين لانتفاضة 1968، التي بدأت طلابية محضة يوم 3 أيار (مايو) وانطلقت من جامعة نانتير إحدى ضواحي العاصمة باريس، ثم عمّت جميع فروع السوربون وكلياتها؛ وتطوّرت، في نقلة حاسمة يوم 13، مع إضراب عمالي غير مسبوق شلّ الحياة اليومية؛ وفي نقلة أخرى، سياسية هذه المرّة، ابتداءً من 27 حين أخذ الجنرال شارل دوغول يمزج بين الرضوخ والمقاومة، وصولاً إلى حلّ الجمعية الوطنية وتنظيم انتخابات تشريعية.
ولأنّ الانتفاضة استقطبت حركات وتيارات ومدارس شتى في السياسة والاجتماع وعلم النفس والتربية والدراسات الثقافية، فإنّ المناخات الفكرية والفنية التي اقترنت بها (بتأثير جان ـ بول سارتر بصفة خاصة، ثمّ أمثال بول ريكور، ميشيل فوكو، جيل دولوز، آلان باديو، ناتالي ساروت، مرغريت دوراس، ميشيل بوتور، جان ـ فرنسوا ليوتار، هنري لوفيفر، غي دوبور… بالإضافة إلى فرنسوا مورياك وأندريه مالرو في الصفّ المقابل)، لم تكن تناقش اللحظة الفارقة تلك، فحسب؛ بل تؤسس أيضاً لسجالات مستقبلية، أكثر تعقيداً واتساعاً، حول سلسلة متشابكة من الظواهر، وحول واقع أوروبا الرأسمالية في أطوار متأرجحة بين رواسب ما بعد الحرب العالمية، وتباشير العولمة الأبكر.
عشرات الأعمال صدرت، وتواصل الصدور، إحياء لهذه الذكرى الخمسين؛ ونطاقاتها، كما للمرء أن يتوقع، تشمل كلّ تفصيل اقترن بوقائع تلك الانتفاضة، سواء من باب التعاطف والتأييد، أو الاتكاء على الذكرى للتحذير من أنها متواصلة ومستدامة بسبب جذورها الاجتماعية، أو انتقادها بشدّة إلى درجة إنكار أنها حركة اجتماعية أصلاً (كتاب دوني تيلينياك «أيار 68 خدعة القرن»، على سبيل المثال). هنالك، أيضاً، عمل جماعي مصوّر بعنوان «أيار 68»، لخمسة من كبار رسامي الكاريكاتير ــ ولينسكي، كابو، سينيه، جيب، ري ــ الذين عاصروا أو رسموا أحداث الانتفاضة؛ وكتاب آخر، «ألف شاعر من أجل قصيدة واحدة»، يتضمن قصائد لشعراء من أربع رياح الأرض حول أيار 68. هذا فضلاً عن أعمال تتناول، على نحو فكري ونقدي، معضلة الحزب الشيوعي الفرنسي واليسار التقليدي بصفة عامة، مثل كتاب آلان تورين «حركة أيار والشيوعية الطوباوية»؛ أو روجيه مارتيللي، «الشيوعيون في 1968، سوء الفهم الهائل».
في الفنون، وكما هو معروف، كان محتوماً أن تترك الانتفاضة بصمات عميقة على السينما بصفة خاصة، بالنظر إلى صعود «الموجة الجديدة» الفرنسية آنذاك؛ فانعكست روحية أيار 68 في أفلام جان ـ لوك غودار وفرنسوا تروفو وأندريه كايات وكلود شابرول وجان أوستاش؛ بل انتقلت أيضاً إلى الإيطالي برناردو برتولوتشي، في شريطه «الحالمون»، الذي يتناول إنخراط طالب جامعي أمريكي في تظاهرات باريس 1968. في التشكيل كانت حركة «الرسام الشاب»، المؤلفة من دانييل بورين وأوليفييه موسيه وميشيل بارمنتييه ونيل توروني، قد أعلنت في بيان صاخب خلال معرض مشترك، عشرة أسباب تنزع عن الرسام صفته هذه (رغم أنهم عرضوا بالفعل، وأثاروا اهتماماً وصخباً!).
إلى هذا كله، هنالك كرّاس طريف يتجاوز الذكرى الخمسين في الواقع، لأنّ فكرته تقوم على إعادة إنتاج، فوتوغرافية توثيقية، لبعض شعارات لانتفاضة؛ خصوصاً تلك التي اعتمدت الصدمة الدلالية (كما في: «كونوا واقعيين، واطلبوا المستحيل»)؛ أو السخرية اللاذعة («فلندعِ الخوف من الأحمر للحيوانات ذوات القرون»)؛ أو التورية عن طريق المفارقة («أركضْ أيها الرفيق، فالعالم القديم وراءك»). كتاب آخر طريف، مصوّر، عنوانه «500 ملصق من 68»، يكرّم ذلك الانفجار الغرافيكي الذي اقترن بيوميات أيار 68، ولم يجد أفضل من جدران باريس معرضاً له؛ أعدّه الفنّان التشكيلي والممثل المسرحي فاسكو غاسكيه، أحد أبرز رسّامي تلك الملصقات التحريضية النارية.
غير أني لا أخفي انحيازي، مجدداً، إلى كتاب أساسي وتأسيسي أيضاً، لم يقترن بالذكرى، ولم يُكتب بالفرنسية بل بالإنكليزية، ولم يقتصر على انتفاضة السوربون بل رصد الصورة الأعرض لنشوء «اليسار الجديد»، من وارسو إلى براغ، ومن باريس إلى لندن ومدريد، قبل بلوغ أمريكا الشمالية واليابان. ذلك الكتاب عنوانه «68: سنة المتاريس»، للروائي والمؤرخ البريطاني دافيد كوت، الذي يستجمع قسطاً كبيراً من أفضل مزايا المؤلف في التحليل والتفكيك والتركيب، ومنهجيته الصارمة في اقتفاء أثر الوقائع، ولغته الأدبية الرشيقة التي تخفف من مشاقّ المتابعة الرتيبة لأحداث معروفة، وانحيازه المعلن إلى الماركسية في غمرة النقد الشديد لأصنامها.
يبقى ما يتردد عن عزم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إحياء الذكرى الخمسين، رغم أنه ولد بعد
تسع سنوات على اندلاع وقائعها، ورغم إشكالية قرار كهذا. وكان سلفه فرنسوا هولاند قد اعتنق مبادئ الانتفاضة، ردّاً يومذاك على رغبة الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي في «تصفية إرث أيار 68» بسبب ما خلّفه من «نسبوية فكرية وأخلاقية». في عبارة أخرى، ثمة هوّة عميقة تقسم الفرنسيين حول الذكرى، بين رغبة في الإحياء مقابل أخرى موازية تدعو إلى الدفن!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 47413
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: صبحي حديدي    الأحد 13 مايو 2018, 8:26 am

النكبة والجذور الفاشية للمشروع الصهيوني


في الذكرى السبعين للنكبة، وهي استطراداً تصادف الذكرى السبعين لإقامة الكيان الصهيوني الذي سوف ينقلب إلى دولة احتلال واستيطان وتمييز عنصري؛ ثمة حقائق يتوجب استذكارها على الدوام، ليس من زاوية المضامين الكارثية التي اقترنت بالنكبة وحاقت، يومذاك، بما يزيد عن 850 ألف فلسطيني، فهذه صارت أدبيات تاريخية راسخة ومفتوحة على المزيد من البحص والتوثيق؛ بل من زاوية التشديد على ما يحتاج دائماً إلى إعادة تشديد: التراث الفاشي للصهيونية، الذي توجب أن يستولد الشخصية الفاشية المعاصرة لدولة الاحتلال.
وليس الحديث عن هذا التراث محض نزوع رغبوي من جهة معادية للكيان الصهيوني على طول الخطّ، كما قد يفترض قائل، بل هو وجهة نظر باتت واسعة الانتشار لدى كتّاب ومعلّقين إسرائيليين؛ وآخرين صهاينة (نعم!) هنا وهناك في أوروبا وأمريكا، باتوا يشفقون على «المشروع الصهيوني»، «العلماني» و»الديمقراطي» و»المدني»، من مغبة الانحدار إلى مستويات أكثر انحطاطاً في السلّم الفاشي. وهكذا نقرأ معلّقاً مثل جدعون ساميت، يجزم بأنّ «هذه الدولة» تسير حثيثاً إلى أكثر السيناريوهات عنصرية وفاشية، وبالضبط إلى الحلول التي يطرحها اليمين الفرنسي المتطرّف؛ ذاك الذي ينبغي أن تمقته الصهيونية أكثر من أيّ فرنسي آخر، لا لشيء إلا لأنّ الإسرائيليين على يقين تامّ من أنه يمقتهم أكثر من أيّ مجموعة بشرية أخرى على وجه الأرض!
ولعلنا لن نعدم، في غمرة السعار الذي سيقترن باحتفالات الذكرى السبعين، من يعيد إحياء ذكرى أبا أخيمئير (1897 ـ 1962)، أحد كبار قادة الحزب «التنقيحي» الذي أسّسه زئيف جابوتنسكي، وصاحب المواقف المتشدّدة ضدّ «الصهاينة الكاذبين» من مجموعة «أحباب صهيون». ومنذ أواخر عشرينيات القرن الماضي أعلن أخيمئير أنّ المنظمة الصهيونية (أي تلك «العلمانية» و»الاشتراكية» و»الإنسانية»…) باتت جثة هامدة ينبغي أن تُدفن سريعاً قبل أن تزكم رائحتها أنوف «الصهاينة الأطهار»؛ وهؤلاء كانوا شباب الحركة الصاعدين، من أمثال مناحيم بيغين وإسحق شامير، أبطال العمليات الإرهابية القادمة ضدّ الفلسطينيين والبريطانيين على حد سواء، وقادة أحزاب اسرائيل ورؤساء وزاراتها في العقود التالية.
وكان الأمر سيبدو صراعاً عقائدياً داخل أبناء الصفّ الصهيوني الواحد، لولا أنّ أخيمئير كان في الواقع فاشيّ الهوى، علانية، دون مواربة، وبحماس منقطع النظير؛ واعتاد على كتابة عمود بعنوان «من يوميات فاشيّ» في مجلة «دوار هايوم»، التي كانت تصدر بالعبرية في فلسطين. فاشية أخيمئير لم تكن مجرّد إعجاب بالفاشية الأمّ، بل كانت دعوة إلى تطابق تامّ ومباشر مع العقيدة الفاشية الإيطالية، ومع شخصية بنيتو موسوليني؛ حتى أنه لم يتردد في إطلاق لقب «دوتشي يهودا والسامرة» على جابوتنسكي.
أكثر من ذلك، اعتبر أخيمئير أن صعود النازية الألمانية يقدّم خدمة خماسية للحركة الصهيونية، لأنه يخلصها من ميوعة الصهاينة الإنسانيين من أمثال آحاد هاعام، ومن يسير في ركابه ضد فكرة الدولة اليهودية في فلسطين؛ ويبرهن أن الدوس على روح الأمة سوف يطلق أفضل ما فيها: أبطالها الأشبه بالأنبياء؛ ويثبت إفلاس الذين يفضّلون تحسين أوضاع اليهود في الشتات، بدل نقلهم إلى فلسطين؛ ويقدّم دليلاً جديداً على استحالة اندماج اليهود في مجتمعاتهم «المضيفة»؛ وأخيراً، يُضعف الشيوعية السوفييتية، ويطهّر ألمانيا، أعظم الأمم في عالم «الأغيار»، من شبح الشيوعية كما تنبأ به «اليهودي العاقّ كارل ماركس»…
وليست دورة الزمان طويلة بين عشرينيات القرن الماضي، حين تماهت الصهيونية مع الفاشية والنازية معاً، والعقود الأولى من هذا القرن؛ حين تقول استطلاعات الرأي إنّ غالبية 46٪ من الإسرائيليين يقرّون ما كان أخيمئير نفسه يتحرّج من إعلانه، أي تنظيم «ترانسفير» جديد، وطرد قرابة مليونَي عربي فلسطيني خارج أراضي 1948.
ذلك لأنّ جذور المشروع الصهيوني لم تضرب أصلاً إلا في تربة كهذه، فاشية واستيطانية وعنصرية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
صبحي حديدي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: فلسطين الحبيبة :: شخصيات من فلسطين-
انتقل الى: