منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 إحسان الفقيه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: إحسان الفقيه   الإثنين 12 يونيو 2017, 10:43 am

من لا يقرأ التاريخ يؤدّبه الواقع ولكن..

إحسان الفقيه




Jun 12, 2017

عندما أقيمت الدولة الإسلامية الأولى، لم يجد المسلمون أمامهم خلفية حضارية
يعوّلون عليها ويستمدون منها دفعة لإقامة حضارتهم وصناعة نهضتهم، لكنهم كانوا على قناعة من أن ذلك المنهاج الرباني القويم الذي أنعم الله به عليهم، كفيل بأن يمكنهم من قفزة حضارية واسعة.
يقول الدكتور راغب السرجاني في كتابه «ماذا قدم المسلمون للعالم»: «تاريخ العرب قبل الإسلام لا يشير بأي صورة من الصور إلى أنهم سيصبحون قادة العالم، ومؤسسي أعرق حضارات الدنيا، ولا يوجد أي مبرر منطقي لتفوقهم وإبداعهم إلا تمسكهم بالإسلام وقواعده وهو ما انتبه إليه الفاروق عمر فقال: إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله».
 فهذا المنهج الرباني يدفع في اتجاه إقامة علاقة قوية بين المسلم ومجتمعه
وبيئته، ويتكفل منهجه الشمولي بتقديم أدوات صناعة النهضة، ورسم معالم الطريق تجاه الرقي والتقدم، وبيان سبل التعاطي مع المستجدات. وانطلاقا من هذه الحقائق، كان المسلمون الأوائل يستشرفون المستقبل ويخططون له، وكثيرا ما نقرأ في الآثار الواردة والتراث الإسلامي، الاهتمام بأحاديث المستقبل، على مدى قرون مضت في نهر الحضارة الإسلامية، حتى أن ابن خلدون رائد علم الاجتماع، وهو العلم الذي أسماه بـ»علم العمران» كان ينشد من خلال وضع أسسه، استشراف المستقبل من خلال التأمل في التاريخ، لذا اشتهرت لدى المفكرين وعلماء الاجتماع عبارة «التاريخ يعيد نفسه».
في الواقع الإسلامي المعاصر، ثمة إشكالية كبرى في نظرة المسلمين إلى تاريخهم وتراثهم، فمنذ أن دبّ الوهن في الدولة العثمانية، التي كانت راية جامعة للمسلمين، وخضعت الأمة لمؤامرات التقسيم والتفتيت، وتوالى ظهور الحركات والنعرات المعاصرة الهدامة، وذابت هوية المسلمين أو كادت، بدأ المسلمون يقفون عند تاريخهم المجيد وحضارتهم التليدة. يكمن الخلل في تلك النظرة، أن وقوف المسلمين عند تاريخهم أصبح مهربا من الواقع، وسلوانا في أجواء المحن، يكتفون به عن النظر إلى المستقبل.
ولعل هذه النظرة انسحبت على بعض الباحثين والمهتمين بالشأن التاريخي،
فغاصوا في التاريخ سردا وتحليلا، دون الربط بينه وبين المستقبل، وامتد ذلك إلى المناهج التعليمية، ليستقر في وجدان الدارسين أن القراءة في التاريخ ليست سوى متعة وإشباع للشغف بعبق الماضي. ولذا افتقد المسلمون ثقافة التخطيط للمستقبل في شتى مناحي الحياة، ما بين مسلم دبّ فيه اليأس من إصلاح الحاضر فغدا لا يفكر في المستقبل، ومسلم تربى ونشأ على مفاهيم مغلوطة ترى أن المستقبل غيب ينبغي عدم الاشتغال به، بينما تشكّل وعي وفهم البعض من خلال النصوص التي تحثّ على الزهد وعدم التعلق بالدنيا، دون التوفيق والدمج بينها وبين نصوصٍ أخرى تدعو إلى العمل الجاد والتخطيط للغد من أجل مستقبل أفضل. فغفلوا عن أن النبي صل الله عليه وسلم سيد المتوكلين، كان يدخر لأهله قوت سنة، وأن يوسف عليه السلام أرشد الناس إلى كيفية مواجهة شدائد المستقبل، والتعامل مع أيام القحط والسنين العجاف المنتظرة.
يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد العَبْده في إحدى رسائل «دروب النهضة»: «ليس المستقبل عالم الأحلام البعيد، بل هو مستقبل الحاضر وتطوره، وإن المسلم الذي يثق بوعد الله، ويملك القيم الثابتة والتفاؤل الكبير، يتهيأ ليكون صاحب شأن وتأثير في معارك الحياة، فينبغي له ألا يكون خارج المتغيرات والتحولات العالمية، بل يرقبها مراقبة الذي يعرف ما يدور حوله، وما يجري من أحداث كبار».
لستُ أستهدف من هذا التناول صناع القرار وأولي الحكم والسلطة، فهو أمر عسير المنال في الوقت الحالي، ولن يبدأ من قمة الهرم ورأس الجسد، إنما ثقافة التخطيط للمستقبل والعناية به، تبدأ من حيث القاعدة العريضة، من حيث الفرد والأسرة، من حيث مؤسسات المجتمع المدني، والكيانات الإصلاحية.
وقبل أن نقطع الخطوة، يلزم أولا التخلص من سيطرة الأوهام والضعف وسطوة الواقع المر، فليس عصرنا هذا وحده الذي شهدت فيه الأمة المحن والأزمات. «واجبٌ على كل حكيمٍ أن يحسن الارتياد لموضع البغية، وأن يُبيّن أسباب الأمور ويُمهّد لعواقبها. فإنما حُمد العلماء بحسن التثبّت في أوائل الأمور، واستشفافهم بعقولهم ما تجيء به العواقب، فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات في استدبارها. وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم. فأما معرفة الأمور عند تكشّفها وما يظهر من خفياتها، فذاك أمرٌ يعتدل فيه الفاضل والمفضول، والعالمون والجاهلون».
صدقت يا أباعثمان الجاحظ، فقبل بزوغ شمس الإسلام على أرض العرب، لم يكن لهم شأنٌ يُذكر بين الأمم، حيث لم تجمعهم دولة كبرى على غرار امبراطوريات الفرس والروم وغيرهما، وإنما كان حكما عشائريّا، يصطبغ بروح العصبية القبلية، لذا كانت فارس والروم، تكِلان شؤون القبائل العربية لملوك (عرب) يدينون لهما بالولاء.
وأختتم بمقولة المناضل علي عزت بيجوفيتش رحمه الله، تختصر عليّ وعليكم ما أودّ قوله: «إن أفضل طريقة لمقاومة البرودة الخارجية، هي أن يجري الدم في الداخل، الشجاعة تأتي من الداخل من القلب، نتحدث كثيرا عن الهزائم التي ألحقها بنا الآخرون، وحان الوقت لكي نبدأ بالحديث عن الهزائم والخسائر التي ألحقناها بأنفسنا».
كاتبة أردنية





تعليق

عنوان المقال بحد ذاته ، حكمة تستحق أن تحفظ و أن تدرس ، و حقيقة علمية و تحليل دقيق فيما ذكرتم أستاذة إحسان الفقيه : ( أن وقوف المسلمين عند تاريخهم أصبح مهربا من الواقع، وسلوانا في أجواء المحن، يكتفون به عن النظر إلى المستقبل ) ، و تجد ذلك في انصهار و التأثر المشاهد العربي في متابعته المسلسلات التاريخية .
فيجدها ملاذا و مهرباً من واقعه الذي يعيش .
فلابد من تغيير الفكر النهضوي للشعوب العربية ، من استجلاب التاريخ و العيش فيه ، إلى مرحلة أن نتعلم من مدرسة التاريخ ( كيف نتقن إدارة الحاضر و صناعة المستقبل ، و بناء الفكر ) .
و فعلا البداية الحقيقية ( هو الاعتراف بالواقع و ما صنعناه لأنفسنا و للأجيال القادمة ، ثم العمل على التغيير الإيجابي )
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الأربعاء 28 يونيو 2017, 5:00 am

قالوا عن قطر تدْعم الإرهاب

إحسان الفقيه



Jun 28, 2017





هل صحّ قولٌ من الحاكي فنقبَلهُ
أمْ كلُّ ذاكَ أباطيلٌ وأسمار؟
أمّا العقولُ فآلتْ أنّه كذِبٌ
والعقلُ غَرْسٌ له بالصدقِ أثمار
نعم يا أبا العلاء المعرّي، أتتْ كلماتك على الجِراح، فكيف نقبَلُ هذه الافتراءات التي برزت فجأة من العَدم بين عشيَّة وضُحاها لتنال من دولة قطر، فما هي إلا أباطيل وأسْمار، تَؤول العقول إلى تكذيبها.
أنْ تُتّهم قطر جزافًا بدعم الإرهاب، لَهُو استخفاف بوعيِ الشعوب العربية والإسلامية، لقد عَانت السعودية الأمرّين من تهمة الإرهاب، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي قام بتنفيذها عرب أكثرهم من المملكة، إضافة إلى كثرة أعداد السعوديين في بُؤر القتال، في الصراعات الدائرة في العالم الإسلامي، كل ذلك وضع السعودية زورا وبهتانا تحت طائلة دعم الإرهاب، فهل يُعقل أن تسمح الشقيقة الكبرى لأن تكتوي أختها بالنيران ذاتها؟
وأتحدث عن السعودية تحديدا لما لها من ارتباط وَثيق بقطر في المذهب والتوجّه الديني، فكلاهما يوصف بالوهابية.
غير مقبول أنْ تُتَّهم قطر بدعم الإرهاب من أجل علاقتها الانفتاحية على التيار الإسلامي المعتدل، فهي ترى أن هذا التيار ليس هو العدو، وأن إقامة علاقات هادئة مُتَّزنة مع تلك الجماعات أفضل من التضييق عليها ومحاربتها، ودفْعها خارج المسار السلمي، وأنَّ الأوْلى أن تستثمر تلك العلاقات مع الفصائل المعتدلة باتجاه تقارب مع أمريكا والغرب، وهو ما يُعد استثمارا في صناعة السلام وانفراج العلاقات بين الشرق والغرب، وبين الإسلام وغيره.
وكيف تُتهم قطر بدعم الإرهاب بذريعة علاقاتها المنفتحة على جماعة الإخوان، رغم أن الدول التي تتهمها بذلك لها علاقاتها الواسعة مع ذلك الفصيل، فمنها من تنفَّذت في مؤسساتها رموز إخوانية، ومنها من ظلَّت عقودا تسمح لتلك الجماعة بممارسة الحياة السياسية والحزبية والتنافس على السلطة – بالتوازي مع التضييق عليها ـ ومنها من استضاف رموز الجماعة العلمية والدينية حينا من الدهر.
غير مقبول أن تُتهم دولة قطر بدعم الإرهاب استنادا إلى قبولها بافتتاح مكتب لحركة طالبان الأفغانية في الدوحة عام 2013، والتوسُّط بينها وبين الأمريكان لإطلاق سراح الجندي الأمريكي مقابل خمسة من عناصر الحركة.
قطر تتبنَّى منذ التسعينيات سياسة الباب المفتوح، التي تُركّز على بناء علاقات، والتوسط في حل النزاعات، بما تستفيد منه قطر والمجتمع الدولي معا، تلك السياسة سمحت لها بأن تقوم بدور الوسيط في العديد من المحادثات والاتفاقيات، ومنها الوساطة بين جيبوتي وإريتريا، والتوسط لإنهاء أزمة راهبات معلولا، والإفراج عن الصحافي الأمريكي بيتر ثيو كيرتس، الذي كان مختطفا في سوريا، كما توسطت قطر للإفراج عن 45 جنديا من فيجي، تابعين لقوات حفظ السلام في سوريا أيضا. فبأيِّ منطِق تُتهم قطر بدعم الإرهاب، وهي تنتهج دبلوماسية تعتمد على لغة الحوار وتعزيز السلام؟
وكما قلت سابقا وأكرر: الإرهاب تفريق لا تجميع، هدم لا بناء، تغليب لصوت الرصاص على صوت العقل والحكمة. واستنادا إلى هذه الدبلوماسية المُثْمرة التي يستفيد منها الجميع، ما الذي يمنع أن تتفاهم قطر مع حركة طالبان، التي كانت لاعبا بارزا على مسرح الأحداث في أفغانستان، وهي الحركة التي سيْطرت على معظم البلاد في فترة من الفترات؟
لقد أثْمر هذا التفاهُم مع الحركة صفقةً تم بمُقتضاها الإفراج عن رقيب في الجيش الأمريكي اعتقلته طالبان مقابل الإفراج عن خمسة من عناصر الحركة كانوا في سجن غوانتنامو، على أن يظلّ الأفغان الخمسة تحت رقابة قطرية لمدة عام.
ومما يضع علامة تعجب إزاء هذه التهمة، أن هذه الخطوة تمت بمباركة أمريكية، وأشاد بها الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.
غير مقبول أن تُتهم قطر بدعم الإرهاب لأنها تدعم المقاومة الفلسطينية، فهو شرف ينبغي أن يسعى إليه الجميع، فإن قضية فلسطين هي قضية مركزية للأمة العربية والإسلامية، ومقاومة المُحْتل الغاصب حقٌ مشروع بموجب قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، والاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، وكلُّ موادِّها تُعطي الحق لأي شعب من الشعوب في تحرير أرضه ولو بالكفاح المسلح، دون اعتباره إرهابا، فكيف يُتهم من يدعم شعب فلسطين في تحرير أرضه، بأنه إرهابي أو داعم للإرهاب؟
تُهمة رعاية ودعم الإرهاب أصبحت ورقة ضغط أمريكية، لمُعاقبة الشرفاء وإجبارهم على  التناغُم مع توجهات البيت الأبيض، ولوازِمِها من المصالح الصهيونية، وصار مصطلح الإرهاب فضفاضا، تُرمى به الدول والجماعات والأفراد دون تقديم حيثيات مُقنِعة مَدعومة بالأدلة المادية.
هناك رغبة محْمومة في وضع الدول والحكومات بين خيارين، إمّا التعامل مع كل الفصائل الإسلامية باعتبارها جماعات إرهابية، دون تمييز بين كيان وآخر، وإمّا التعرض لتهمة دعم الإرهاب، وهو أمر جدُّ خطير من شأنه التكريس لمزيد من العنف والإرهاب، إذ أنْ هذا التوجّه قد يدفع الفصائل التي تنبُذ العنف إلى انتهاجه.
ولا ريب في أن اتّهام قطر بدعم الإرهاب سيصبُّ في صالح الكيان الصهيوني، ويُخضع ملف القضية الفلسطينية لقبضة الحكومة الإسرائيلية. أضف إلى ذلك أنَّ تمرير هذه التهمة، سيكون تجربة قابلة للتكرار، مع كل نظام لا يقبل بحرفية الإملاءات الخارجية، فالهجمة على قطر واتهامها بدعم الإرهاب لا يمكن النظر إليه على أنه نزاع عربي عربي، ولا يمكن فصْلُه عن المصالح الأمريكية والصهيونية في المنطقة. 
 كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 03 يوليو 2017, 7:43 am

خطاب استعماري بغلاف ديني للمزيد من التجهيل

إحسان الفقيه


Jul 03, 2017



في يوم 21 ديسمبر 1798، ارتدى نابليون بونابرت ثوب الواعظ، ووجّه منشورا إلى المصريين، بعد أن أخمَد ثورة القاهرة الأولى، يُذكّرهم بأن احتلاله بلادهم هو من قدَر الله وأنَّ عليهم الرضا به، ومما جاء في نصّ المنشور الذي أورده هيرولد في كتابه «بونابرت في مصر»: «أيها العلماء الأشراف، أَعْلِموا أمَّتكم ومَعَاشِر رعيَّتكم بأن الذي يُعاديني ويُخاصمني إنما خِصامه من ضلال عقله وفساد فِكْره، فلا يجد ملجأً ولا مُخلِّصاً يُنجيه مني في هذا العالم، ولا ينجو من بين يدي الله، لمعارضته مقادير الله سبحانه وتعالى، والعاقل يعرف أن ما فعلناه بتقدير الله تعالى وإرادته وقضائه».
خطاب استعماري بغلاف ديني، لم يكن القائد الفرنسي لِيستخدمه لولا أن الوعي الجماهيري المُتردّي يسمح بترويجه، حيث غلبتْ في تلك الفترة أفكار التصوف المُغالية المتخبّطة في تفسير الدين، فلا نتعجب إذا رأينا من يُواجه الغُزاة بحلقات الذكر والرضا بالاحتلال، باعتباره من قدر الله لا يجوز السخط عليه، أو الاكتفاء بتحميل الشعوب المسؤولية، بسبب ذنوبهم ومعاصيهم.
وبينما أُقلِّب النظر في الصحف والمواقع المصرية على عادتي، طالعت خبرا أعاد إلى ذاكرتي ما قرأتُه عن منشور بونابرت إبان الحملة الفرنسية على مصر، الذي استخدم فيه الدين لأغراض استعمارية.
مضمون الخبر كان تعليقا لأحد رجال العلم على فضائية مصرية على موجة الغلاء الجديدة، التي اجتاحت مصر بعد رفع الحكومة أسعار الوقود، حيث أكّد الشيخ أن ذلك الغلاء بسبب ذنوب الناس، وأن عليهم أن يتوبوا ويُدركوا أن أي أزمة تحصُل في بلدهم هي بسبب تقصيرهم، وينبغي عدم إلقاء التبعة على الدولة، ناصحا إياهم بالانشغال بالعبادة وترك هذه القضايا لولي الأمر.
هو الخطاب ذاته البونابرتي في شكل جديد، يدعم هذه المرة الاحتلال الداخلي المُتمثِّل في النظام القمعي الذي جوّع الشعب وحاربه في قوت يومه، من خلال سياساته الأمنية والاقتصادية التعسُّفية.
هو الخطاب التخديري ذاته، الذي يُحمِّل الشعوب المسؤولية عن الخراب، دون الإشارة لسوء الإدارة وعبث الحكومات، هذا الخطاب هو أقرب إلى الخيانة وبيْع الشعوب لصالح حكامها باسم الدين. ولله دَرُّ المفكر الإسلامي الراحل محمد الغزالي إذ يقول: كل دعوة تُحبِّب الفقر إلى الناس، أو تُرضّيهم بالدون من المعيشة، أو تُقنعهم بالهون في الحياة، أو تُصبّرهم على قبول البخْس، والرضا بالدنيِّة، فهي دعوة فاجرة، يُراد بها التمكين للظلم الاجتماعي، وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد، وهي قبل ذلك كله كذب على الإسلام وافتراء على الله. وبذلك المنطق الفاسد الذي سلكه ذلك المحسوب على الدعاة والعلماء، يتم قطع الطريق أمام الاعتراض على الأوضاع الجائرة، والقرارات المستبدة والفساد الإداري، وتحميل الأقدار التبعة. العالِم الذي يتذرَّع بالأقدار في فساد الأوضاع الاقتصادية، أشبه بمن يُجيز لنفسه ولغيره ارتكاب المُوبقات بدعوى أنها قدر مكتوب.
وهكذا يتم التكريس لتفسير الأزمات تفسيرا غيبيا يُتخرّص فيه على القدر،
ويُغيَّب جوهر الفكرة الإسلامية التي تأمر بالتعاطي مع الأسباب ومعالجتها.
ونحن – كمؤمنين نوقن بالقرآن وصحيح السنة – نوافق الشيخ في أن ذنوب العباد جزء من المشكلة، وأن لها تأثيرا على واقعهم وحياتهم، ولكن أليس ظلم الحكام والكبراء من أعظم هذه المعاصي، فما بال الرجل قد سكت عنها؟
شيء جيد أن يأمر الشيخ المجتمع بالتوبة، ولكن ماذا عن توبة أولي الأمر من سفك الدماء واعتقال عشرات الآلاف بغير وجه حق، وتكميم الأفواه، وتبديد الأموال في مشاريع وهمية على سبيل الدعاية للنظام؟ أليست هذه من جُملة الذنوب التي تحتاج إلى توبة؟ الشيخ تعمَّد تغييب حقيقة الدين من أن عموم المشيئة الإلهية لا يعني عدم تحميل إرادة البشر مسؤولية ما تقترفه، وإلا فلماذا لا يتذرَّعون بالأقدار في محاكمة المجرمين والمخربين؟
إن التذمَّر من تحويل أموال الدول إلى الفاسدين وتجاهُل الطبقات الكادحة التي تزرع ليحصد غيرها، ليس من قبيل التشغيب على تعاليم الدين والسخط على أقدار الله، وإنَّ إقحام الذنوب والمعاصي في قضايا الفساد المالي والخلل الإداري لاقتصاد الدول، هو نوع من المتاجرة بالدين لصالح الأنظمة والحكومات، لوأد أي تطَلُّعات لاسترجاع الحقوق المسلوبة والثروات المنهوبة.
ربما تزول الدهشة عندما نعلم أن الحكومات والأنظمة على مر العصور، قد رحبت بالأفكار الصوفية الدخيلة، التي تُرغّب الناس في العُزوف عن مُتع الدنيا والإقبال على الزهد فيها (بمعناه الزائف) وتُحبِّب الفقر والضياع المالي إلى نفوس الشعوب، لأن هذه الأفكار التي لا تمُتُّ للإسلام بصلة، تُوافق أهواء
الحكام والمستأثِرين بالأموال، وتحجُب عن الشعوب حقيقة مصارف ممتلكات الأمة ومُقدّراتها. هذا الخطاب الذي يَستخدم الدين لتبرئة ساحة المسؤولين عن الفساد والفقر، هو الخطاب ذاته الذي استُخدِم من قبْل في تبرير الغزو والاحتلال، من قِبَل أدعياء العلم من أذناب المستعمرين وأبواقهم، الذين لبّسوا على الناس في مسألة الإرادة الكونية والشرعية، وأوهموهم بأن الاستسلام للغزاة أو الفقر والمرض والأزمات هو من باب الرضا بقضاء الله، مع أنَّ الأمر الشرعي جاء بدفع العدو وعلاج المرض ومواجهة الفاقة.
كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 10 يوليو 2017, 6:15 am

الصراع بين «حزب الله» والكيان الصهيوني بين الوهم والحقيقة

إحسان الفقيه


Jul 10, 2017

كانت «الرسالة المفتوحة للمستضعفين» التي أعلن فيها حزب الله اللبناني توجّهاته السياسية والفكرية عام 1985، بمثابة الوثيقة الأساسية الرسمية التي اعتبرها تحديدا لإطاره الأيديولوجي، وفيها دعا الحزب إلى تحرير فلسطين المُحتلة كاملة من النهر إلى البحر، وإزالة إسرائيل من الوجود.
لكن مضمون الوثيقة والواقع العملي لحزب الله تجاه إسرائيل، يختلفان جملة وتفصيلا، فبعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، أعلن حسن نصر الله في «بنت جبيل» أمام مئة ألف جنوبي، أن حزبه لن يشارك في أي عمل عسكري ضد إسرائيل من أجل تحرير فلسطين.وفي تفاهمات يوليو 1993، وأبريل 1996، تعهّد حزب الله بعدم ضرب أهداف إسرائيلية داخل فلسطين المحتلة ابتداء.
الأمر الذي يعني أن تحرير فلسطين والقضاء على الكيان الإسرائيلي خارج حسابات حزب الله، وليس كما أعلن في الوثيقة، وهو ما أكّد عليه من قبل، حسن روحاني الرئيس الإيراني الحالي والأمين العام لمجلس الأمن القومي سابقا، حيث قال:»حزب الله مقاومة تقتصر على الأراضي اللبنانية».
إنها التقيّة السياسية التي مارسها حزب الله بزعامة حسن نصر الله، الذي كان يلعب على عاطفة الشعوب الإسلامية، ومكانة القدس لدى المسلمين، تماما كما فعلت إيران التي صنعته في لبنان، وجعلت منه ذراعها العسكرية في المنطقة لتنفيذ أجندتها. لم يكن حسن نصر الله يوما مُستهدفا من قبل إسرائيل، التي لم تحاول اغتياله رغم معرفة تحركاته، فحزب الله بالنسبة إلى إسرائيل هو حارس الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة، والقضاء عليه يعني أن تبقى هذه المنطقة رخوة، قابلة لاستقدام الجماعات الجهادية التي تبحث عن نقاط تماسّ مع العدو الإسرائيلي. حرب تموز 2006، لم تكن سوى أكذوبة روّج لها إعلام حزب الله على أنها انتصار ساحق على العدو الإسرائيلي، ولم تترتب عليها فائدة لصالح لبنان أو فلسطين، إنما كان المنتفع منها إسرائيل وإيران. فإسرائيل من خلال هذه الحرب سوّقت كعادتها للأخطار التي تتهددها وتحيق بها، ومن خلالها تتلقى الدعم وتُحقق المكاسب، وهذا شأن السياسة الإسرائيلية التي تستثمر التهديدات والمخاطر التي تهدد وجودها للحصول على الدعم الدولي، وهو ما صرّح به جوناثان غولدبرغ رئيس تحرير صحيفة «ذي فوروارد» العبرية، حيث قال: «إن وحدة الرأي العام اليهودي والأمريكي في دعمه إسرائيل ناجمة عن المحرقة، وعن فكرة أن إسرائيل من دون دعم تواجه خطر الموت». لقد ربحت إسرائيل من هذه الحرب حماية حدودها بقوات دولية «اليونيفيل»، وبذلك أغلقت الطريق وأمّنت حدودها ضد العمليات التي كانت تنفذها المقاومة الفلسطينية في الداخل الإسرائيلي عن طريق لبنان.
أما إيران فهي أحد أبرز الأطراف الرابحة من حرب 2006، التي كانت حربا يخوضها حزب الله بالوكالة عن إيران، في ظرف كانت تُمارس فيه الضغوط الدولية والأمريكية على الملف النووي الإيراني، ومن ثمَّ كانت طهران بحاجة إلى استخدام ذراعها العسكرية في لبنان (حزب الله) لفك هذا الضغط عن الجمهورية الإيرانية.
متانة العلاقة بين حزب الله وإيران معلومة للجميع منذ نشأتها، وقادة الحزب لم يتوانوا في الانتساب لإيران وإظهار الولاء والانتماء والتبعية لها. فالناطق السابق لحزب الله إبراهيم الأمين يقول: «نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران».
وقال محمد حسين فضل الله المرشد الروحي لحزب الله: «إن علاقة قديمة مع قادة إيران الإسلامية بدأت قبل قيام الجمهورية الإسلامية، إنها علاقة صداقة وثقة متبادلة، ورأيي ينسجم مع الفكر الإيراني ويسير في سياسته نفسها». كما قال حسن نصر الله: «إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام، والدولة التي تناصر المسلمين والعرب. وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه، كما إن المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا ونضالنا». ويؤمن مساعد وزير الخارجية الإيرانية للشؤون العربية والإفريقية محمد صدر، على كلام نصر الله قائلا: «السيد حسن نصر الله يتمتع بشعبية واسعة في إيران كما تربطنا به علاقات ممتازة».
بعد أن كف حسن نصر الله وحزبه الجعجعة ضد إسرائيل – نظرا لأنه يتحرك في فَلَك السياسة الخارجية الإيرانية – بدأ قناعه بالتشقق، وأدركت الجماهير المؤيدة للحزب وزعيمه، أن تلك الحرب كانت تنفيذا لأجندات خاصة.
وزال القناع كلية عن وجه نصر الله وحزبه، بعد اندلاع الثورة السورية، وتوجه كتائب الحزب إلى سوريا لقمع الثوار والحفاظ على الحليف السوري. فالحزب يلعب دورا محوريا في الصراع الدائر في سوريا، ويعمل على تماسك نظام الأسد أمام كتائب الثوار. تدخُّل حزب الله في سوريا عسكريا يُعد خروجا صريحا عن السياق الوطني في لبنان، فكيف لحزب أن يتناول ملفا خارجيا بهذا الحجم دون الرجوع إلى الحكومة اللبنانية؟ السبب في الأساس أن لبنان قام على ركيزة تجميع الطوائف بدلا من انصهارها، فرَعَتْ الدولة المؤسسات الطائفية التي توسعت في أنشطتها إلى حد مخيف، وأعني حزب الله.
وكالعادة مارس نصر الله كذبه المعهود، حين ادّعى أن تدخّل الحزب في سوريا لمواجهة التكفيريين الإرهابيين، وحماية العمق اللبناني.
لقد كشف نصر الله عن طائفيته المقيتة، وأن معركته ليست مع الكيان الصهيوني، وإنما يخوضها ضد أهل السنة، عندما دعاهم إلى التقاتل معه على الأرض السورية تحت عنوان: «دعونا نتقاتل هناك ونُحيِّد لبنان، وهي بلا شك دعوة تُعتبر اعتداء على سيادة دولته».
أما الاقتحامات المتتابعة للمسجد الأقصى والعدوان الإسرائيلي على غزة، فالسيد نصر الله في شُغُل عظيم عنها. وأختتم هنا بتصريح لضابط استخبارات إسرائيلي لصحيفة «معاريف» في سبتمبر 1997 قال فيه: العلاقة بين إسرائيل والسكان اللبنانيين الشيعة غير مشروطة بوجود المنطقة الأمنية، ولذلك قامت إسرائيل برعاية العناصر الشيعية، وخلقت معهم نوعا من التفاهم للقضاء على التواجد الفلسطيني، الذي هو امتداد للدعم الداخلي لحركتي حماس والجهاد.
كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 21 أغسطس 2017, 1:55 am

عندما يُصبح رفض العلمانية جريمة

إحسان الفقيه



Aug 21, 2017




«أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناسٌ يتطهرون» كانت طهارة الأخلاق من الرذائل، هي التهمة التي رشق بها القومُ لوطا عليه السلام، هي جريمة في عقليتهم وحدهم، فما مِن ذي عقل وفطرة سليمة يسمع بالتهمة ومسوِّغِها إلا وينتصر لنبي الله لوط.
كثيرا ما ينطَوي الاتِّهام على تبرِئة ساحة المُتَّهم، فتنقلب المذَمَّة إلى مَحْمَدة، وهو الأمر الذي اتضح لي وللكثيرين غيري في تصريحات السفير الإماراتي
لدى واشنطن يوسف العتيبة ضد قطر، خلال لقائه مع قناة «بي بي إس» الأمريكية، التي أنصف فيها قطر من حيث لا يدري. ذكر العتيبة خلال التصريحات التي نشرت السفارة الإماراتية في أمريكا مقاطع منها، أن ما تريده الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين للشرق الأوسط، بعد عشر سنوات هو حكومات علمانية مستقرة ومزدهرة، وذلك يتعارض مع ما تريده دولة قطر بحسب قوله. إذن رفض النظام العلماني هو جريمة اقترفتها الدوحة بحسب هذه النظرة، لكنها تهمة تزيد من الرصيد الأخلاقي لدولة قطر، التي ترفض فكرة دخيلة على المجتمع العربي، لا تتفق وهويته الثقافية المستمدة من تاريخه الطويل في ظل الحضارة الإسلامية.


هل تخطئ قطر إذ لا تقبل بأنظمة علمانية؟

ولا أتكلم هنا بلسان الشريعة التي تتصادم معها العلمانية جُملة وتفصيلا، فبعض قومنا ينبذ فكرة هيمنة المنهج الإسلامي على مناحي الحياة، ولن يجدي معه الخطاب الديني. إنما أتحدث من منظور علم الاجتماع وقوانين النهضة، وهو قطعا مجال مقبول لدى أصحاب التوجهات المختلفة، لا سيّما وأن رجاله البارزين معظمهم من الغرب. لا نستطيع إنكار حقيقة أن الحضارة الغربية هي التي تقود العالم الحالي، وأننا قد تخلّفنا عن الغرب بمسافات شاسعة، لكننا بدلا من الاستفادة من إنتاجهم الحضاري، اتَّجهنا إلى استيراد أفكار كانت نتاج حالة تاريخية لها ظروفها الاجتماعية والسياسية، فحاولنا زراعة العلمانية في تربة ليست لها. ولنا أن نتساءل: لماذا فشل المشروع العلماني بعد عُقود طويلة من التوغُّل العلماني في بلادنا؟ لماذا لم يحقق نهضة اقتصادية مع أنه قد تبنَّته أنظمة عربية؟ وماذا قدّم العلمانيون للأُمة؟ هل قضوا على البطالة والجوع والفقر والمرض؟ ماذا قدموا في مجال البيئة والصحة؟ هل تمكنوا من تطوير التعليم؟ هل تمكنوا من تطوير الصناعات الثقيلة والخفيفة؟ ماذا قدموا للناس؟
لا شيء على الحقيقة سوى التنظير والمعارك الفكرية التي خاضوها ضد الفكرة الإسلامية، فلا هم قدموا شيئا، ولا هم أبقوا على الهوية الإسلامية.
نعم نعترف بأن العلمانية غزت أمتنا وهي في حالة من الضعف والتشرذم، لكن هذا حال الأمة على مرّ التاريخ، تضعُف لكن الهوية الإسلامية تكفل للمسلمين العودة والالتفاف حول الراية مرة أخرى والخروج من المأزق.


ولكن لماذا فشل المشروع العلماني؟

وفقًا لقوانين علم الاجتماع، فإن أي مشروع نهضوي لابد له من أربعة عوامل أو مُقومات، نذكر كلا منها ثم نعرِض عليها المشروع العلماني لندرك أسباب فشله:
*أول العوامل الفكرة المركزية، وهي كما يُبسِّطها الدكتور جاسم سلطان «مجموعة من المُسلّمات والعقائد التي يُبنى عليها نظام القيم، ويصطبغ بها نظام المجتمع». والعقيدة الدينية هي دائما الفكرة الأصيلة التي تتولد عنها الحضارات الإنسانية عبر التاريخ، وهذا ما أكّد عليه أرنولد توينبي، حيث اعتبرها في كتابه «مختصر دراسة التاريخ» جزءًا من نظام الاستيلاد الحضاري، وهو ما أكد عليه كذلك مالك بن نبي في كتابه «شروط النهضة». ومع ذلك فقد رأى علماء الاجتماع أن هذه الفكرة المركزية لابد أن تتوافق مع القِيم المُترسِّخة في وجدان المجتمع التي شكّلت هويته الثقافية. إذن القانون هنا، هو أن أي فكرة مركزية تتعارض مع الهوية الثقافية للمجتمع تبوء بالفشل. كما أنه يلزم أن تكون هذه الفكرة مُتجسِّدة في عقيدة واضحة تصبغ مجالات المجتمع، وقادرة على التعامل مع مستجدات العصر ومتغيراته. ولذا فشل المشروع العلماني، لأنه اعتمد فصل الدين عن الدولة أو الحياة، وهو الأمر الذي تعارض مع الهوية الثقافية المُتجذِّرة في المجتمع.
*ثاني هذه المقومات هو الفكرة المُحفّزة، وهي الفكرة التي تنطلق من الفكرة المركزية وتتعلق بواقع الناس وتتّجه إلى دوافعهم الفطرية، فهي فكرة دافعة يلتفُّ حولها الناس. ولمزيد من التوضيح، جاءت رسالة الإسلام مُتمحْورة حول فكرة مركزية واحدة وهي تحقيق العبودية لله وحده، ثم تتضح الفكرة الدافعة المحفزة في الوعود بإصلاح الدنيا عن طريق الدين، كما في حديث الصحابي ربعي بن عامر أمام قائد الفرس: «الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد» فهذه فكرة مركزية، ثم يقول «ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة»، فكانت تلك العبارات بما تتضمّن من معانٍ ودلالات، بمثابة فكرة مُحفّزة. وفي المثال الصهيوني كانت الفكرة المُحفّزة هي الاجتماع في فلسطين أرض الميعاد، وفي المثال الشيوعي كانت رفع شعار «نريد خبزا». فإذا نظرنا إلى الفكرة المُحفزة في المشروع العلماني، وهي النهوض، يظهر فشلهم في تجميع الناس حول هذه الفكرة، لأن النموذج العلماني لم ينتج سوى أفراد يلهثون وراء لقمة العيش، يئِنّون بين سطوة الجوع وسطوة القهر والقمع، فبمثل هؤلاء لا تقام نهضة ولا تُشيد حضارة.
*ثالث هذه المقومات هو القيم والثقافة المنبثقة كذلك من الفكرة المركزية، ويتحرك في ظلالها المجتمع بأسره، فتلك القيم تُمثّل ثقافة راسخة تضبط سلوكهم وتُنظّم علاقاتهم، وهي كما يرى مالك بن نبي مجموعة من الصفات والقيم الاجتماعية يتلقَّاها الفرد منذ ولادته، وتُمثّل المناخ الذي تتشكل فيه شخصية الفرد. فإذا نظرنا إلى المشروع العلماني نرى أنه يعتمد القيم الغربية، لكنه في الوقت نفسه لم يستفد من القيم الإيجابية لدى الغرب، وركز على استيراد الجانب السلبي الذي لا يتوافق مع المجتمع العربي المسلم، فمن ذلك استيراد قيمة الحرية بمفهومها الغربي، الذي يعني في كثير من مفرداته التفسّخ الأخلاقي.
*رابع هذه المقومات اللازمة لأي مشروع نهضوي هو الإنتاجية، التي تُعتبر نتيجة طبيعية للمقومات الثلاثة السابقة، وتُسمّى في الفكر الإسلامي بـ«عمارة الأرض». وكانت النتيجة الطبيعية كذلك للفشل العلماني في المُقومات الثلاثة المذكورة، الفشل الذريع في الإنتاج، فلم يقدم العلمانيون أي حلول عملية لنهوض الدول، فما زالت البلدان العربية – حتى التي تتبنّى العلمانية- تعيش على الاستهلاك، ولا تجد لنفسها موضعا بين الدول. لهذا فشل المشروع العلماني، ولهذا سيستمر في الفشل، ولهذا يعتبر تصريح السفير الإماراتي برفض قطر للأنظمة العلمانية تزكية لها لا العكس.
كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 28 أغسطس 2017, 5:56 am

مشكلة أوضاع أم مشكلة إنسان؟

«لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست في ما نستحق من رغائب، بل في ما يسودنا من عادات وما يراودنا من أفكار، وفي تصوراتنا الاجتماعية، بما فيها من قيم الجمال والأخلاق، وما فيها من نقائص تعتري كل شعب نائم».
يُعتبر المفكر الجزائري مالك بن نبي – صاحب هذه العبارة – من أكثر المفكرين عُمقا في تناول مشكلات العالم الإسلامي وتحديد أبعادها، والوقوف على جوهرها من دون التركيز على الأعراض والمظاهر، فلذا يرفض منطق التساهل الذي اعتنقه الكثيرون في ردِّ مشكلات الأمة إلى الأزمات التي يعتبرها هو نتائج لأصول أخرى.
دائما نضع تصوراتنا في تشخيص المشكلة في إطار اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي، فالبعض يرى أن الفقر هو المشكلة الأساسية، لكن بالنظر إلى تكدُّس الأموال في أيدي ثُلّة من الأثرياء الذين ينفقون في البذخ والترف الزائد، تُصبح المشكلة مزدوجة، فإضافة إلى الفقر تبرز القيم الفاسدة المصاحبة لمسائل التملّك والإنفاق كسبب رئيس في المشكلة. البعض يرى كذلك أن مشكلة الأمّة تكمن في الجهل، مع أن الواقع يشهد بأن كثيرا من المتعلمين ليس لهم تأثير في حياة الآخرين، وربما لا تجد أي فرْق بينه وبين غير المُتعلّم. وحتى أثر الاستعمار في بلادنا، ربما أعدّه البعض المشكلة الأبرز، نرى بشيء من التأمُّل أن الاستعمار لم يكن سوى سبب أو نتيجة لأَصل في نفوسنا وهو القابلية للاستعمار. المشكلة ليست في الأزمات والأوضاع، فما من أُمة تقدمت أو نشأت إلا وأمامها العراقيل والعوائق، فعلى سبيل المثال كانت الطوائف اليهودية في بعض البلدان في السابق تعاني الاضطهاد ووضْع العراقيل أمام التجارة والحصول على التعليم، لكنهم لم يركنوا إلى تلك الظروف، وأنشأوا مدارس سرِّية في البيوت يقوم عليها متطوّعون من شتى المجالات، ونشطوا في مجال التجارة على مبدأ الفرد للجميع والجميع للفرد، وعمّروا المعابد أكثر من ذي قبل، باختصار: قدموا أنموذجا لانتصار الفرد على البيئة.
في كتابه «شروط النهضة» يبرز مالك بن نبي سبب انتصارهم على العراقيل الخارجية بقوله: «كان نجاحهم منطقيا، فإن أنفسهم لم تكن معلولة، ولم يكن مِن مُعوّق داخلي يُمسكهم عن التقدم ويحطّ من قيمة أنفسهم بأنفسهم». إن المشكلة الأساسية تكمن في ذلك الجهاز الاجتماعي الأول المسمى بالإنسان، الإنسان المسلم الذي غاب عن الفاعلية فغاب عن التأثير في الواقع. مشكلة ثقافة أفراد تجعلهم دائما يتحدثون عن حقوقهم المسلوبة، ويغضون أبصارهم عن الواجبات التي تقع على عواتقهم، ولستُ أعني بالثقافة هنا المعرفة كما يظن الكثيرون، وإنما أعني ذلك الإطار الجامع للصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أوّلي في الوسط الذي نشأ فيه. وكثيرا ما نرى أن بعض النخب الثقافية بلا تأثير، وهو نتيجة طبيعية لذلك الخلل الذي نتحدث عنه، وربما طالب كغيره بالحقوق المسلوبة تحت أيّ ظرف، مثل ذلك المُثقَّف الذي وقف يومًا في إحدى الجامعات العربية يقول: «إننا نريد حقوقنا ولو مع جهلنا وعُرينا ووَسَخِنا». ما الذي يجعل الطالب العربي يتقدم أحيانا في دراسته عن الطالب الأوروبي، بينما يتفوق عليه الأخير في التأثير في مجتمعه؟ إنها فاعلية الفرد وقدرته على التأثير. إن أيّ مشروعات نهضوية لا تنبني على إعداد الفرد، تُعتبر كقصور من الرمال على شاطئ البحر، لن تجدي ولن تستمر، فعلى سبيل المثال: الفرد الذي لا يتشبع بالقيم الحضارية الإيجابية لن يضع القمامة في سلّة المُهملات المخصصة لها مهما كان عددها في الشوارع، بينما الفرد الفعال تجده يبحث عن مأوى لمخلفات منزله مهما طال به البحث. التوجه إلى إعداد الفرد هو واجب الوقت ورأس الأولويات، وإلا فالدوران في حلقة مفرغة، فلا مَناص من إعداد الفرد وتنميته وتثقيفه.
أسهل وأقرب السبل لإعداد الفرد يكون من خلال الحكومات والأنظمة التي تسيطر على مفاصل الدول ومؤسساتها، وتستطيع – إن شاءت – إعادة صياغة الفرد ليكون جزءًا من عوامل الاستيلاد الحضاري. لكن كما هو معروف، تُعتبر معظم الأنظمة العربية الإسلامية ذيلا للاستعمار الذي رحل وترك لنا جيوشا وحكومات تقوم بعمله، في وضع العراقيل أمام تفجير الطاقات والمواهب، ولذا لا يُعوّل على تلك الحكومات التي لا يعنيها في الغالب سوى العروش التي تركها المستعمر. وإنما أسوق ذلك التوضيح حتى لا يتهمني أحد بالتكريس للظلم الاجتماعي، بإلقاء الكرة في ملعب الأفراد ونزع التبعة والمسؤولية من عن أكتاف الحكام والمسؤولين، ولا أبرئ ساحة الأنظمة في ما وصلنا إليه من أوضاع مُترديّة، وإنما لا بد أن نتحدث عن بديل بعد أن بُحّت الأصوات. بقِي التعويل على الفرد ذاته، في استشعاره المسؤولية في أنه مفتاح التغيير، وبحركته يتحرك المجتمع والتاريخ، تشاركه في ذلك المحاضن والمؤسسات التي تهدف إلى الإصلاح في شتى المجالات، سواء كانت مؤسسات دينية دعوية، أو اقتصادية، أو تعليمية، أو سياسية، أو إعلامية. جميع هذه المحاضن يمكنها وضع آليات لتشكيل الفرد العضو في المؤسسة بما يتفق مع الهوية الثقافية لمجتمعه، وما يتفق مع متطلبات النهوض.
كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 04 سبتمبر 2017, 5:29 am

السادة عندما يكذبون

إحسان الفقيه



Sep 04, 2017





خرج أبو سفيان بن حرب سيد قريش في قافلة تجارية إلى الشام، وكان لا يزال على وثنيته، فلما سمع بهم هرقل ملك الروم دعاهم إلى مجلسه، ثم أحضر تُرجمانه وسألهم: أيّكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ (يعني رسول الله محمد) فقال أبو سفيان: أنا أقربهم به نسبا، فأدناه هرقل وجعل أصحاب أبي سفيان عند ظهره حتى يُكذّبوه إذا كذب.
قال أبو سفيان وهو يروي بعد إسلامه تفاصيل تلك الواقعة: فوالله لولا الحياء من أن يأْثِروا عليَّ كذبا لكذبت. لقد جسّد أبو سفيان حالة انتشرت في المجتمع العربي من كون السيادة لا تعني فقط أن يكون الرجل سيدا في قومه بالمال والجاه والسلطة، بل يكون أيضا سيدا في نفسه، ما يعني أن يتعامل مع الآخرين بمقومات السيادة وأخلاقياتها، ولذا أبى الرجل أن يُؤثر عليه الكذب أمام قومه.
حال السادة اليوم تغيّر كثيرا، فهم يكذبون، ثم يكذبون، وهم يعلمون أن الشعوب تعرف أنهم كاذبون، ولا يكترثون إذا خلا كذبهم من الحبكة الدرامية التي تجعل الخدعة تنطلي على البسطاء والمغفلين من القوم. لئن كان الكذب مرفوضا في جميع الملل والأعراف، إلا أنه غدا تحت مظلة المصالح السياسية أمرا مقبولا مُستساغا، فإن يكذب الحاكم أو رمز في نظامه، فهو واجب الوقت عند البعض، يندرج لديهم تحت فقه الواقع، للأسف، ولكن، لماذا لم يعد السادة يُقدّمون مبررات تقتنع بها الجماهير؟ لماذا لم يعُد يشغلهم إتقان تحريف الكذب؟ الحقيقة أن ذلك يعكس ضآلة تأثير المجتمعات العربية في صنع القرارات السياسية، فالسادة يتصرفون في شؤون الدول على أساس أنها إقطاعيات خاصة، واستطاعوا تكميم أفواه الشعوب، وسلب إرادتها وسَوْقها كالقطيع، فلا وزن لهم يُذكر في حسابات السماسرة الأكابر من أهل السلطة.
أزمة حصار قطر كانت إحدى المحطات البارزة التي تجلّى فيها كذب السادة وإطلاقهم التهم جُزافا بدون أدلّة تصلح للاتِّكاء عليها، بل إن بعضهم يرميها بتهم كان الأحرى أن تُوجّه صوْبهم. فبناءً على خطاب منسوب لأمير قطر، سارعت دول المقاطعة بتثبيت حزمة من الشروط التعجيزية، على الرغم من عجزها عن بث تسجيل للخطاب المُختلق لإقناع الرأي العام، في ظل النفي القطري الرسمي، فالمهم هو اختلاق سياق للبناء عليه في فرض الوصاية على الدولة القطرية، واستلاب قرارها السيادي، ولو كان ذلك السياق واهيا. وعلى طريق الكذب على قطر في دعمها التطرف، اعتمد الساسة على كذبة أخرى في وصف حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالتطرف والإرهاب، رغم أن الأمم المتحدة لا تُصنف الحركة جماعة إرهابية. استمر السادة في كذبهم المفضوح، فاتهموا الدوحة بدعم الحوثيين في اليمن ضد التحالف العربي الذي تقوده السعودية، وهو أمر غير قابل للتصديق، فقطر – قبل أن يستبعدها التحالف بعد الأز مة الأخيرة – كانت شريكا مُؤسِّسا للتحالف العربي. دخلت قطر بعشر طائرات مُقاتلة شاركت في الموجة الأولى لضربات «عاصفة الحزم» وانضمت دفعة أولى من قواتها قوامها ألف مقاتل، مُعزّزة بصواريخ دفاعية ومنظومة اتصالات متطورة، استعدادا لعملية استعادة صنعاء، إضافة إلى تدخل قوة قطرية أخرى التحقت بالقوات السعودية لحماية الشريط الحدودي من تسلّل عناصر قوات الحوثي/صالح. شكّلت قواتها جزءًا مهما من التحالف الذي يقاتل الحوثيين في اليمن، في الوقت الذي تشير عدة تقارير غربية، على انفراد الإمارات باستهداف قوات الحوثي بدون استهداف قوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح، الذي تستضيف أبو ظبي نجله المُعيَّن سفيرا لليمن في الإمارات حتى 2015، إضافة إلى تقارير غربية سابقة أشارت إلى أن تأخر تحرير تعز كان بسبب رفض الإمارات تسليح المقاومة الشعبية، لأن قادتها تابعون لحزب الإصلاح المحسوب على الإخوان المسلمين، وهو ما نشرته «فورين أفيرز» الأمريكية.
والأصل الذي تفرعت عنه هذه الكذبة، اتهام قطر بالتحالف مع إيران ضد الخليج، في الوقت الذي كانت قطر تواجه مع التحالف، ذراع إيران في اليمن المتمثل في الحوثيين، وحليفها في سوريا المتمثل في بشار الأسد. لكن السادة غضّوا الطرف عن زعيم الانقلاب المصري، الذي دعّم بشار الأسد والحوثيين وحفتر ليبيا، فكافأوه باتخاذه حليفا ينفذ خطة الحصار. اتهموا قطر بالتحالف مع إيران التي تهدّد الأمن القومي الخليجي، في الوقت الذي تقيم الإمارات علاقات اقتصادية متينة مع طهران التي تحتلّ الجزر الإماراتية. رأى السادة أن يتّهموا قطر بدعم الأذرع الإيرانية في الخليج، فادّعوا أنها تدعم شيعة البحرين (قوة معارضة)، على الرغم من مشاركة قطر ودعمها للتدخل السعودي المعروف باسم «درع الجزيرة» لإنهاء الاحتجاجات التي تمت عسكرتها لتتحول إلى أعمال حرق وتخريب واستهداف لمؤسسات وأجهزة الدولة. وطالما أن الأدلة المادية لا تلزم السادة في توجيه الاتهامات لقطر، فلا غضاضة في اتهام قطر بدعم كل حركات التمرد في السعودية والبحرين لزعزعة الاستقرار فيهما.
لا يحتاج الأفراد وحدهم للالتزام بالإطار الأخلاقي القِيمي في التعاملات، الساسة أيضا يجب أن يُراعوا في سياساتهم وقراراتهم وتصريحاتهم البُعد الأخلاقي، إن لم يكن اعتزازا منهم بهويتهم الثقافية التي ميَّزتهم عن غيرهم، فعلى الأقل احتراما للشعوب التي لن يستمر بها الحال في أن تبقى مسلوبة الإرادة مغيبة الوعي.
كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 18 سبتمبر 2017, 7:09 am

طاعة ولي الأمر بين الشريعة وعلماء السلطة
إحسان الفقيه
Sep 18, 2017


يقول المفكر الإصلاحي السوري عبد الرحمن الكواكبي رحمه الله: «ما مِن حكومة عادلة تأْمن المسؤولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها، إلا وتُسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد، وبعد أنْ تتمكن فيه لا تتركه، وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين: جهالة الأمة، والجنود المُنظمة». 
تلك العبارة الوجيزة التي أوردها الكواكبي في كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، تُجسد عوامل الاستبداد وروافده، التي تُغذيه بمقومات البقاء في ظل غفلة الأمة، ويأتي على رأسها «الملأ»، وهم «البارزون في المجتمع وأصحاب النفوذ فيه، الذين يعتبرهم الناس أشرافا وسادة، أو يعتبرون حسب مفاهيم المجتمع وقيمه أشراف المجتمع وسادته». 
هذه الشريحة بِمثابة حلقة الوصل بين الحاكم وشعبه، تُروج لسياساته بينهم، وتُشكل الرأي العام وِفق توجهاته، ومن وراء ذلك تكون لهم الحظوة والسلطة والوجاهة. ومن هذه الفئة علماء السلطة الذين يُشرعنون قرارات الحاكم بكل حال، ويدعمونها عن طريق لَي أعناق النصوص وتأويلها، وإدراج ضرورة تقبلها تحت أصل عام وهو طاعة ولي الأمر. 
لِكل فِرقة من الفرق القديمة المنحرفة امتدادٌ إلى عصرنا هذا، فكما يُمثل أصحاب الفكر التكفيري منهج الخوارج، هناك علماء السلطان الذين أخذوا عن فرقة المُرجئة بعض مبادئها، فتركوا الإنكار على الحاكم والاعتراض على قراراته، ووقفوا لمن يفعل ذلك بالمرصاد ووصفوه بأنه من الخوارج مثيري الفتن. هؤلاء المنتسبون للعلم لم يُكرسوا للديكتاتورية ويشاركوا في صناعة الظلم الاجتماعي فحسب، بل شوهوا صورة الإسلام، حينما حملوا الناس على تقديس الحاكم وطاعته بصورة مطلقة، ومِن ثَم أوجدوا المناخ المناسب لتغلغل العلمانية، التي قامت أصلا في أوروبا، فرارا من الحكم الكنسي الثيوقراطي، والسلطة الكهنوتية لرجال الدين الذين يحكمون الشعوب باسم الرب. فالعالم الإسلامي، بِشقيه الشيعي والسني، قدم أنموذجا مسيئا للإسلام في شؤون الحكم، فالشيعة لديهم عقيدة الولي الفقيه، التي تجعل زمام الأمور في يد أكبر الفقهاء وتمنحه سلطة مطلقة وتفرض على أتباعه كذلك طاعة مطلقة له، فبالغوا في تقديسه حتى رفعوه إلى منزلة لا تكون إلا لنبي مُرْسل. 
وفي العالم السني، بعدما ران الاستبداد، أصبح علماء السلطة والجامية يُروجون لولي الأمر بصورة تقتضي الطاعة المطلقة وترك الاعتراض عليه، متجاوزين في ذلك الأطر الشرعية التي حددها الإسلام في النظر والتعامل مع ولي الأمر الشرعي. إننا نقر بوجوب طاعة ولي الأمر الشرعي، ولكن هذه الطاعة مقيدة بكونها تابعة لطاعة الله ورسوله صل الله عليه وسلم، وهذا المعنى هو ما استقر عند المفسرين في قوله تعالى «يَا أَيهَا الذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدوهُ إِلَى اللهِ وَالرسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» (النساء: 59). 
فذكر لفظ (أطيعوا) مع الله ورسوله، ولم يذكرها قبل أولي الأمر، دلالة على أن طاعة الحكام تكون تبعا لطاعة الله ورسوله وليست مستقلة بذاتها، ويدل على ذلك أيضا تكملة الآية «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدوهُ إِلَى اللهِ وَالرسُولِ» لبيان أن الاختلاف والتنازع يرد إلى الأصلين: الكتاب والسنة، لا الحكام وأهل السلطة، فمِن ثم لا تجب طاعة ولي الأمر في أي مخالفة شرعية أو قرارات جائرة. 
إن الاعتراض على الحاكم والإنكار عليه ليس إثارة للفتن وخروجا على الدولة، وهذا ما جرى عليه العمل زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولقد وقف عمر بن الخطاب يوما يخطب في الناس ويقول، إسمعوا وأطيعوا، فقام رجل من القوم وقال لا نسمع لك ولا نطيع، ولما سأله أمير المؤمنين عمر عن ذلك، عاتبه الرجل بأنه أعطى لكل رجل منهم ثوبا واحدا بينما يُرى عمر وعليه ثوبان، فرد عليه أمير المؤمنين: «أين عبد الله بن عمر؟ (أي ولده) فقال: ها أنا يا أمير المؤمنين، فقال لمن أحد هذين البردين اللذين عليّ؟ قال: لي، فقال للرجل: عجلت يا عبد الله، كنت غسلت ثوبي الخَلِق فاستعرت ثوب عبد الله، قال: قل، الآن نسمع ونطيع». فإن شكك بعض المهتمين بالأسانيد في تلك القصة، فحسبي أنها قد ذكرت في كتب الجهابذة أمثال ابن القيم في «إعلام الموقعين»، والمحب الطبري في «الرياض النضرة»، وابن الجوزي في «صفة الصفوة» وغيرهم. وحتى لو سلمنا لتلك الشكوك، فلدينا قول أبي بكر عندما تولى الخلافة: «قد وُليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني»…إلى أن قال: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم». وعمر بن الخطاب نفسه ، كان يرى أن من حق الرعية وواجبها تقويمه ورده إلى الجادة، جاءه رجل يقول له: اتق الله يا عمر: فغضب بعض الحاضرين من قوله وأرادوا أن يسكتوه عن الكلام، فقال لهم عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نسمعها. وأنكر ابن عباس على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنهم أجمعين – تحريق السبئية الذين ألهوه بالنار، لأنه لا يعذب بالنار إلا خالقها. فهؤلاء خيرة الصحابة كانوا يرون الإنكار والاعتراض على الحاكم وتقويمه، فكيف بمن هم أقل منهم فضلا وعدلا ومراعاة للحقوق؟ 
إن على الأمة أن تدرك جيدا أن ولي الأمر موظف لديها يتحتم أن يسير في رعيته بالعدل والحق، فليست ثروات الأمة ملكا للحكام، وليست لهم طاعة مطلقة إلا ما خلا من مخالفة وظلم، وأن الأمة هي التي تُعين الحاكم وتراقبه وتحاسبه، بل وتعزله إذا لزم الأمر في ضوء مراعاة المصالح والمفاسد. 
علماء السلطان الذين يحملون الناس على تقديس الحاكم وطاعته المطلقة، أخذوا النصوص التي تحث على طاعة أولي الأمر، من دون أن يجمعوا إليها النصوص الأخرى التي تتضمن الإنكار على الحاكم في ظلمه وجوره، كقول النبي صل الله عليه وسلم: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». 
فرقٌ بين الإنكار والاعتراض والتقويم، وبين الخروج على الحاكم، وفرقٌ بين المنكر الذي يأتيه الحاكم في خاصة نفسه فُينصح فيه سرا، وبين المنكر الذي يتعدى للناس ويتغلغل فيهم، فيستوجب الإنكار أمام الناس وبيان هذا المنكر بأدلته. لكن علماء السلطان يعبثون بتلك الفروق، فيلبسون على العامة بأن الاعتراض والإنكار خروج، وأنه لا يجوز مطلقا نصح الحاكم والإنكار عليه أمام الناس، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 02 أكتوبر 2017, 6:06 am

«دون كيشوت» في أرض الحجاز

إحسان الفقيه


Oct 02, 2017

هناك في فرنسا، كان ديكارت مشغولا بِصياغة التصوُّر الجديد للذات العقلانية التي تكتشف أسرار الكون وتسْبر أغواره، وفي إنكلترا كان جان لوك بمنهجه التجريبي الاستقرائي يُنازع الفيلسوف الفرنسي صاحب المنهج العقلي الاستنباطي في منهجية توصُّل العقل إلى الحقيقة، فكلاهما ذهب إلى تقديس العقل الذي ساد ذلك العصر التنويري في القرن الـ17.
وفي ذلك المناخ وُلد «دون كيشوت» في خيال الروائي الإسباني «ميخائيل دي سرفانتس»، شخصية هزيلةٌ على مشارف الخمسين، مسكونةٌ بأدب الفروسية البائدة، والشغَف بالبطل الأسطوري قامِع الظلم وناصر المقهور.
ودون أدنى امتلاكٍ لمُقوِّمات البطولة الجامحة، يُقرِّر بطل الرواية بَعْثَ الفروسية من مَرقَدها، فاستخرج سيفًا مُتهالكًا ورمحًا هزيلًا يتوافق مع جَواده الأعْجف، واصطفى في رحلة المجد خليلةً يُهدي لها انتصاراته على عادة الفرسان، ثم اختار لرفقة الطريق فلاحًا ساذجًا على وعد تنصيبه حاكمًا لإحدى الجزر التي سوف يُحرِّرها «دون كيشوت». 
انطلق في غمْرة الهَوَس وتهاويِ الحدود بين الواقع والأوهام، ليقوم بمغامراته الساذجة، إلى أن قاده خياله العابث إلى الصراع مع طواحين الهواء، حين توهَّم أنها شياطين ذاتُ أذْرع تبثُّ الشر في عالم البشر، فغرس فيها رمحه فعَلَق بها، فطوَّحَتْه في الهواء، لينزل على الأرض وقد تكسَّرت عظامه، فظل في فراش المرض يلعن الفروسية والبطولة.
مقدمة طويلة أليست كذلك؟ هكذا رأيتها بعد كتابتها.
لم يكن بيدي ولا بيدِ عمرو، بل بسطْوةِ اندماجٍ بين الرواية والواقع غزا مداركي، فاستسلمت.
في أرض الحجاز دارت معركة حامية الوَطِيس، لا تختلف عن صراع «دون كيشوت» مع طواحين الهواء، تمَّت صياغة أحداثها، واختيار طرفي النزاع فيها، والنفخ فيها بالقَدْر الذي يسْتَلِب الأنظار، إلى أن تمّ حسم الصراع، فالمنتصر يتمرَّغ فرحًا بنشوة الظفر، والمهزوم يجرّ أذيال الخيبة وينشد في رثاء عالمه الحزين.
هل كانت أُمّتنا تنقصها الهموم حتى تصير قيادة المرأة السعودية للسيارات قضية كبرى تشغل الرأي العام السعودي والعربي والإسلامي، بينما الأعداء يستلقون على ظهورهم من فرط الضحك إزاء هذا الأداء الكوميدي؟
المسألة بِرُمَّتِها منذ سن قوانين المنع إلى وقت قرار الإباحة، كانت صراعا مع طواحين الهواء، لم ينتَهِ بِحسْم الأمر عبْر قرار سيادي، بل امتدَّ أُفُقه لندخل في دوَّامة من التفسيرات وردود الأفعال مُتَّشِحة بالنظرة السطحية.
فريق يرى أن السماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة نازلة حلّت بالإسلام، وهزيمة للفضيلة، وفتح لأبواب الشرور، وكأن البقاع صارت المدينة الفاضلة التي داعبت أحلام أفلاطون، فلا ينقصها سوى النزاع حول مسألة لا تعدو أن تكون قرارا إداريا تمَّ دعمه بفتاوى رسمية في قضية اجتهادية لمْ يأْت بها نَصٌّ.
وفريق آخر يرى في القرار انتصارا للمرأة السعودية، وأنه أعاد إليها حقَّها المسلوب، ومكانتها المهضومة، فكان اغتباطٌ تَلفُّه تفسيرات غوغائية للحقوق من جهة المنع والمنح. لكنني مع ذلك أجد نفسي أمام نزعتي الشخصية في تحديد المشكلة الرئيسية في ذلك القرار. هل كانت المشكلة في القرار الرسمي بذاته؟
لا أرى ذلك، فالأمر يمكن قَبُولُه بسهولة إذا كان قد أتى ضِمن منظومة إصلاحات مجتمعية، خاصة أن قيادة المرأة السعودية كما أسلفت، لم يأت دليل على منعه، وكل الفتاوى المانعة مبناها على التوسع في سد الذرائع، وهو الأمر الذي نحذر منه دائما.
إذن، هل كانت المشكلة في تغيير الفتوى؟
لا أراه كذلك، لأن الفتوى تتغير بتغير الزمان، وهناك علماء أجِلّاء غَيَّروا كثيرًا من آرائهم الفقهية، فالشافعي له مذهب قديم قبل نزوله مصر، وآخر جديد، والإمام أحمد كثيرًا ما تُنقل عنه في المسألة روايتان من المؤكد أنّ إحداهما سابقة للأخرى.
المشكلة في تعنُّت العلماء باستعمال أحادية القول في مسائل يسوغ فيه الخلاف، ومبالغتهم في الحظْر تحت مظلَّة سدِّ الذرائع، وهذا التوسع دائما يجلب نتائج عكسية.
المشكلة في ثورة علماء المملكة على كل من عارض قرار المنع الأول، فاتهموهم بتمييع الدين، ومنهم القرضاوي الذي أرسلَ إلى المَلك مطالبًا بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارة، إضافة إلى بعض علماء المملكة المنتسبين إلى تيار الصحوة، ألم يكن الأحْرى أن يتقبلوا الرأي الآخر ويدرجوه ضمن دائرة الاختلاف السائغ؟
والمشكلة الكبرى تكمن في السياق الذي اتُّخِذ فيه القرار، فأثار المخاوف حول الاتجاه الذي تهرع إليه المملكة التي يُعتبر مَسارُها شأنًا عامًا للأمة الإسلامية:
فجاء القرار متوافقًا مع القفزة السعودية البعيدة باتجاه (الأمركة) والإفراط في إظهار الانسجام مع توجُّهات البيت الأبيض، بدايةً من القمة التي كلّفت السعودية أكثر من 400 مليار عاد بها ترامب إلى بلاده مُتهللا، وخلَّف وراءه انفجارًا مُدوّيًا في البيت الخليجي، وانتهاءً بتعيين فاطمة سالم باغشن مُتحدثة باسم السفارة السعودية في واشنطن، لتكون أول امرأة تشغل هذا المنصب، وهي حاصلة على الماجستير من جامعة شيكاغو، وشغلت عدّة مناصب أبرزها مديرة مؤسسة الجزيرة العربية بواشنطن، ومستشارة لمؤسسة الإمارات لتنمية الشباب. جاء القرار كرسالة طمأنة للأمريكان والمجتمع الدولي على وضعية المرأة السعودية، ولإسدال الستار على موجات النقد الغربي إزاء مسألة قيادة السيارات. 
جاء القرار مصحوبا بمظاهر لمْ تعْهدها السعودية، تُنْبئ بفتح الباب على مصراعيه أمام التيار الليبرالي، على غرار ما حدث في احتفالية اليوم الوطني، واعتبره البعض تحوّلا إيجابيا في المسار الاجتماعي للسعودية، في الوقت الذي يُضيَّق فيه الخِناق على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد تهميش دورها، في ما يبدو أنه توطئةً لإلغائها.
وجاء القرار في وقت تُطلق فيه حملات الاعتقال التي طالت رموز العلم والدعوة من غير المنتسبين إلى المؤسسة الرسمية، وهو الأمر الذي يؤكد حقيقة استلهام التجربة الأمنية للنظام المصري. جاء القرار في خِضمِّ التناسق مع الرُؤى الإماراتية التي انطلق منها وزير الخارجية الإماراتي يُبشّر بشرق أوسط جديد، يسود فيه النظام العلماني.
وجاء القرار في ظل تكهّنات بتطبيع المملكة مع الكيان الصهيوني، أجبرنا على قبولها: الصمت حِيال القضية الفلسطينية، وإظهار وجهِ العداء للمقاومة، ومحاصرة وملاحقة دُول وكياناتٍ وشخصيات مُزْعجة للكيان الإسرائيلي.
فإلى أين تتجه السعودية؟ نسأل الله لها السلامة.
عدا هذه المخاوف، فلا يعدو الأمر أن يكون إحدى معارك دون كيشوت.
كاتبة أردنية

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 09 أكتوبر 2017, 4:28 am

[size=30]مهلاً أيها الواعظ

إحسان الفقيه

[/size]


ألا فليُقْبِل وُعّاظ العصر بأقلامٍ ومحابر، فإن يحيى بن معاذ الواعظ يقول كلمته، ويُطلقها حكمة سائرة، يُحمِّل العبارة الوجيزة معاني بليغة، يخُطُّ بها معالم الخطاب.
«أحسنُ شيء: كلام صحيح، من لسان رجل فصيح.. كلام رقيق، يُستخرج من بحر عميق، على لسان رجل رفيق».
وهكذا يُدوّن ابن معاذ بكلمته معالمَ الخطاب الوعظي الناجح، الذي يحمِل كلمة طيبة، ذات أصل ثابت، وفرعٍ سامق، تؤتي أُكُلها كل حينٍ بإذن ربها.
ذلك الخطاب الذي تمتزج فيها عناصر الفصاحة وسلامة المصدر، وعمق المعالجة، والاهتمام بجمال الظاهر وروعة المضمون، فماذا عنك يا واعظ العصر؟
فليتسع صدرك لشيء من العتاب، فإنما الوعظ والتوجيه وارتقاء المنابر جزء ثابت في الخطاب الديني العام، والذي صُدّعِت حوله الرؤوس بمطالبات التجديد، فهلّا ارتقينا؟ لا تأخذني بخطابك بعيدا عن الرعيل الأول إلى عصور متأخرة ظهر فيها التكلف والنأي عن الاقتصاد في التعبد، لا تُحدثني عمّن كان يصلي الصبح بوضوء العشاء، وبينهما قيامُ بلا فتور، وحدثني عن أبي بكر الذي يصلي بعد العشاء ما تيسر له ثم ينام، أو عن الفاروق الذي يرقد بعد العشاء ويستيقظ قبل الفجر ليتنفّل، والرجلان قد تعلما من هدْي نبيهما الذي كان يصلي ويرقد، ويصوم ويفطر.
لا تُحدثني عن ذلك الذي حرمه خوف جهنم من التبسّم، وائْت لي بجواب ابن عمر لمن سأل: هل كان الصحابة يضحكون؟ فقال: «نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبال». إن تسليط الضوء على واقع القرون المُفضّلة التي اصطبغت بالوسطية، لهو الأوْلى، فهي نماذج قابلة للتأسي بها، أما نماذج التكلُّف في العصور اللاحقة، فهي حالات فردية لا تُعبر عن منهج أو اتّجاه، ومن شأنها أن تُصيب المتلقي بالإحباط، ويرى بَوْنًا شديدا بين عبادته، وما كانت عليه هذه النماذج.
حنَانَيْك، لا ألفَينَّك تُعيد على سمعي مرارا وتكرارا الحديث عن الصبر والتوكل وأعمال القلوب ووصف الجنة والنار، فالدين دنيا وآخِرة، وإن كانت تلك الحياة قنطرة إلى الآخرة، فعلِّمني كيف أُصلح القنطرة.
لا تُهمل هذا الجانب المعنوي، ولكن لا تنس أن تُحدثني عن قيمة العمل والإنتاج، عن القيم التي يستقيم بها أمر المجتمع، عن نهضة الأمة وانبعاث حضارتها، عن الواقع الذي أعيشه، نعم ذلك الواقع الذي تتهرب في خطابك من معالجته وتُحيلني إلى الوصية بالصبر والرضا. النبي صل الله عليه وسلم كان يتحدث في أمور المعاش، وقدِمَ المدينة فناقشهم في تأبير النخل، وأرشد إلى تعلُّم اللغات، وعلّم صاحبه كيف يسلخ الشاة، ووجّه إلى الرفق بالحيوان، وإلى الحفاظ على البيئة، فدونك هدي نبيك وإمامك.
 أيها الواعظ، إن أعداء الإسلام يريدون أن يُظهروا الإسلام في صورة الدين الذي لا يملك للناس حلولا عملية لأزماتهم، أتدري عَلامَ اعتمدوا؟
اعتمدوا على مثل هذا الخطاب الذي تتَّجِه به أنت إلى الناس، ففي كل نازلة وكارثة وأزمة، تقول لهم إنّ الحل أنْ تتقوا الله تعالى، ثم تصْمت، ولا تُرشِد إلى كيفية معالجة الأزمات.
الإمام الشعبي من التابعين الذين وُلدوا في خلافة عمر، مرَّ بِإبلٍ قد فشا فيها الجرَب، فقال لصاحبها: أما تداوي إبلك؟ فقال: إنَّ لنا عجوزا نتّكل على دعائها. فقال الشعبي: اجعل مع دعائها شيئا من القطران. حرص على أن يقترن بالتوجيه الإيماني توجيه آخر عمليّ، وهذه هي حقيقة التوكل، اعتماد القلب على الله مع مباشرة الأسباب، وتلك هي الحقيقة التي غفلتَ عنها في خطابك، التوجيه العملي، والتطرُّق إلى الحلول العملية، يسبقها الأمر بتقوى الله وطاعته التي هي أصْل كل خير.
أيها الواعظ لا أريد لك الكفَّ عن تناول صفات الحلم والصدق والعفاف والقناعة والصبر، ولكن مع ذلك لا تتجاهل صفات الفاعلية والإيجابية والمبادرة الذاتية والقيادة، فمنظومة الأخلاق الإسلامية تتَّسع دائرتها لتشمل صفات الأمانة والقوة معا، وحسبك في ذلك أن القرآن قد نقل إلينا تزكية الجانبيْن مجموعيْن «إن خير من استأجرت القوي الأمين».
فتلك المنظومة الأخلاقية بمجموع طرفيْها هي التي يستقيم بها أمر المجتمع، فكما يلزم أن تسود فيه الأخلاق التي ترتقي بها العلاقات الإنسانية، فيلزمه كذلك تلك الأخلاق التي تصب في نهضته وازدهاره.
يا واعظ العصر، في الصحيح غُنْية، فلا تُعبّئ خطابك بالآثار الموضوعة والأساطير المنسوجة، فأمتنا أمة إسناد، وكم من حديث مكذوب سار به الناس دهرًا، يظنونه من حسن القول وجليلِه، فلبَّس عليهم في تصوراتهم، وضلّ به سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
فهلّا تحريت الصحيح من السقيم وصُنْت الأسماع عن الخضوع لسكرة الولوغ في الحكايات الأسطورية؟ أيها الواعظ، كن بخطابك ناصرا للدين لا ناصرا عليه من حيث لا تدري، واعلم أن كلمتك للناس هدية وعطية، فانظر ماذا تهديهم، ودونك درّة عبد الوهاب عزام «ولن تخلد الكلمة على الأجيال، إلا إذا اتصلت بالحق والخير، وكان لها من قوانين الله في خلقه سند، ومن إلهامه لعباده مدد».
كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 23 أكتوبر 2017, 6:29 am

بعض مظاهر العبث بالتصور الإسلامي

«أخْبِرني عن الإسلام»، لم يجد الصحابة في الرعيل الأول عناءً في استيعاب الرد على هذا المطلب، ولم تكن ثمة إجابات ضبابية تنغَلِق أمامها العقول في التعرف على الإسلام وتفاصيله، بل كانت تعريفات واضحة جليَّة تنسجم مع الفطرة السويّة والعقول السليمة، فيضع المسلمون على أساسها تصوُّرا واضحا مُوحَّدا عن الإسلام.
وخلال قرون مضت، انشطرت وحدة الفكر الإسلامي، واضطربت منظومة التصورات لدى فِئات من الناس، وتمَّ العبث بهذه المنظومة، وأُدخل فيها ما ليس منها، واستجاب المسلمون لضغط التيارات الوافدة، التي حاولت جاهدةً إعادة تعريف الإسلام، وتقديم تفسيرات جديدة له، تتعارض جُملة وتفصيلا مع نسخته الصحيحة التي نزلت من السماء.
أبرز مظاهر العبث في منظومة التصور الإسلامي، كانت اختزال المنهج إلى بعض الشعائر التعبُّدية والقيم الروحية، وترتَّب عليه استبعاد مجالات الحياة المختلفة عن مظلة الإسلام، فلا سياسة في الدين، والدين لا شأن له بالنظام الاقتصادي، والدين لا علاقة له بالأمور التي تقع خارج نطاق المسجد وهكذا.
وليس ذلك فحسب، بل حُمّل الإسلام ـ رغم إقصائه- المسؤولية عن تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع أن التاريخ يشهد على ذلك النموذج الحضاري الرائع الذي شيَّدهُ العرب في ظل الإسلام، عندما تمثَّلوه منهجا في حياتهم، رغم ما اعتَرى الحِقب المُختلفة من خلَلٍ في التطبيق، إلا أنه كانت هناك ثوابت تمسَّك بها المسلمون حفظت للدين شكله وجوهره.
الإسلام دستور حياة، ومنهج شامل يحيا به الناس ويموتون عليه، يُصلحون به دنياهم وآخرتهم، وهذه الحقيقة هي التي يهضمها العقل، فليس من المعقول أن يكون هذا المنهج الذي خُلق من أجله الكون، مجرد مشاعر بشرية تجاه الخالق، وصيغٍ جمالية للتعامل مع المخلوق فحسب. 
طال العبث في التصور الإسلامي مصادر التلقي لدى المسلمين، حيث استجاب قطاع واسع منهم إلى الدعوات الهدَّامة التي تُحْدث شرخًا في هذا الجانب، وفرّقت بين الوحيين (الكتاب والسنة)، حيث انبَعث أشقى القوم لحصْرها في القرآن دون السنة النبوية، وما ذلك إلا لغاية خبيثة تتلخَّص في هدم هذا الدين، إذ أن السُّنة وحيٌ من الله كما القرآن، ومُكمِّلة له، ومُفَصِّلة لمُجْمَله، وشارحةٌ للخطوط العريضة التي وضعها الكتاب.
ولو أن المسلمين استجابوا لهذه الدعوة، وقاموا بإقصاء السنة النبوية، لعاشوا بلا دين، فمعظم الأحكام والتشريعات جاءت بها السنة وليس القرآن.
ومن أوجه هذا العبث، القبول بالتعدُّدِية في مفهوم الإسلام، وأعني بها: القبول بالتقسيمات التي ادَّعاها المستشرقون بأن الإسلام ليس شيئا واحدا، وأنه متنوع بتنوع أطياف شعوبه، فقالوا: إسلام شعبي، إسلام شيعي، إسلام سني، إسلام صوفي، إسلام قديم وجديد، إسلام معاصر…
ترتَّب على هذه التقسيمات تسويغُ تنوُّع مصادر التلقي، التي فتحت الباب على مصراعيه للآراء الشخصية والافْتِئَات على الشارِع، فبعد أن كانت مصادر التلقي هي القرآن والسّنة والإجماع، أُقْحِمت مصادر جديدة كالكشف والإلهام والمنامات، وبعضهم ادّعى تحريف القرآن والحكم بعدم صلاحيته كمصدر. 
ومن مظاهر هذا العبث، الادّعاء بأن التشريع الإسلامي لا يتناسب مع متطلبات العصر وروح التقدم، وأنه كان مجرد حالة تاريخية لأُمَّة العرب، وفي ذلك التصور مُصادمة صريحة لنصوص القرآن: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا»، كما أن هذا الادّعاء يتطلّب أن تكون الأديان السابقة على الإسلام حالة تاريخية أيضا، فمِن ثمّ يترتب عليه القول بأن العالم سيحيا أبد الدهر من دون بوصلة تُحددها كلمة الله الخالق.
ومن جهة أخرى، كان المنهج حاضرا يُوجِّه دفَّة الاندفاع الحضاري عبْر قرون طويلة، تقدمت خلالها عجلة التطور والصناعات والاختراعات، من دون أن يكون لهذه الدعوى مكان، فما الذي تغيّر في قرنٍ واحد من الزمان؟
ومن أوجه العبث بالتصور الإسلامي قضية الحكم، والخلط بين الحكم الإسلامي والحكم الثيوقراطي بهدف الثورة على النظام، الذي وضعه الإسلام ونبْذِه.
فرْقٌ بين الحكم الثيوقراطي الذي يجعل البشر نائبين عن الله، ويمنح الحكام سلطة كهنوتية، ويفرض لهم الطاعة المطلقة، والإسلام الذي يتعامل مع الحاكم على أنه موظف لدى الشعب، يقوم الشعب بتعيينه ومراقبته ومحاسبته، وعزله أن توافرت الدواعي في ضوء المصالح والمفاسد.
فرق بين الحكم الثيوقراطي الذي جعل الكنيسة في أوروبا تبِيع صكوك الغفران ومساحات الجنة، وتُصادر الأملاك والآراء باسم الرب، والحكم الإسلامي الذي يحرص ـ في شكله الأصلي- على إطلاق حريات الناس بضوابط التنزيل الإلهي، ويكفل الرأي والعلم والتطور، ويحفظ للناس كرامتهم.
قضية الخلاف كانت كذلك هدفا للعبث، فبعض المنتسبين إلى الإسلام يُشغّب على المنهج، عن طريق إثارة القضايا الخلافية، ويلوح بها للتدليل على اضطراب المنهج الإسلامي. ولا تخلو هذه الدعوى من إفْك عظيم، يجد له مكانا في الأمة بسبب الجهل، فالإسلام دين له أصول وفروع، فأما الأصول فهي أصول الاعتقاد وأصول النظر والاستدلال، وهي التي يتفق عليها أهل سنة نبي الإسلام صل الله عليه وسلم، وهي مما لا يصح فيه الاختلاف.
أما الفروع فهي تُطلق على فروع العقيدة التي يسوغ فيها الخلاف، مثل: هل رأى النبي ربه ليلة المعراج؟ واختلافهم في الموزون يوم القيامة هل هو العامل أم عمله أم صحائفه أم الجميع؟، ويدخل في الفروع المسائل الفقهية التي لم يأت بها نصٌّ قطعي الثبوت والدلالة، ولم يُجْمع عليها المسلمون.
ولعَمْر الله إنها لمزية، لأن التشريع الإسلامي ليس جامدا، ويفتح الطريق أمام الاجتهادات في المسائل التي لن يضر الخلاف فيها بالعقيدة وأصول الدين، كما أن مِن شأن الخلاف الفقهي التوسعة على الناس بحسب الأحوال والأزمنة والأمكنة.
إصلاح منظومة التصورات التي يترتب عليها إصلاح التفكير ثم السلوك، هـــــي أول واجبات الدعاة في هذا الوقت، الذي تَدَاعت فيه الأفكار الهدّامة على الأُمة كما تَداعى الأَكَلَة إلى قَصْعتها، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 30 أكتوبر 2017, 7:50 am

الحل الإسلامي لأزمات الناس بين التأصيل والتحريف
إحسان الفقيه
Oct 30, 2017

كان اللصُّ قد لاذ بالفرار بعد أن طاردته الشرطة، ولم يجد مكانا يختبئ فيه سوى دار ذلك الشيخ ذي اللحية البيضاء والمسبحة، الذي انكبَّ على المصحف يتلو كلام الرحمن.
يستجير اللصّ الذي ظلمَهُ المجتمع ونُخَبُه الفاسدة بذلك الشيخ الوقور، ويطلب منه المساعدة والنجدة، ويلتمس لديه الحل لأزمته، فما كان من الشيخ إلا أن قال له بابتسامة هادئة: «توضأ وصلِّ».
يعاود اللص شكواه، فيقابلها الشيخ بالابتسامة ذاتها والرد نفسه: «توضأ وصلّ»، فما كان من اللص إلا أن تركه واستمر في طريق الهروب، بينما استأنف الشيخ تلاوة القرآن.
كان ذلك مشهدا من فيلم «اللص والكلاب الذي أنتجته السينما المصرية في بداية الستينيات، عن قصة الكاتب الراحل نجيب محفوظ.
لا يخلو هذا المشهد من ملامح المنهجية التي اتبعتها الدراما العربية في تقديم الشيخ أو الداعية في قوالب سلبية رديئة، فأظهره ذلك العمل الدرامي في صورة شيخ بعيد عن الواقع، يعجز عن تقديم حلول عملية للناس حوله، ولا يملك سوى أن يأمرهم بالعبادة، التي يراها ـ وحدها- كفيلة بالتغلب على أزماتهم.
ولا شك أن هذا القالب المتكرر في الدراما العربية، قد أثّر بشكل كبير على ثقة الناس في الحل الإسلامي، لأنه تأصَّل في حِسِّ الكثيرين منهم، أن الشيخ أو الداعية يُعبّر عن الإسلام ويرمز إليه.
وساعد على ذلك مسْلكُ بعض الدعاة والعلماء الذين لا يتطرقون إلى أزمات الناس إلا من جهة الأمر بتقوى الله والصبر والاكتفاء بذلك، فيُسْهم هذا الطرح في تعرُّض الإسلام لتشويه صورته الحقيقية، فيجد العلمانيون في ذلك بُغيتهم، وعلى أساسه يطرحون مشروعهم.
وكالعادة نقول إنه لن يستقيم أمر يتعلق بالإسلام إلا بالرجوع إلى أصله، إلى عهد الرسالة، إلى سيرة النبي صل الله عليه وسلم، ففيها الإسلام في نسخته التي أنزله الله بها، كيف كان النبي المختار يُعالج مشاكل الناس الحياتية، هل كان يكتفي بالوعظ والوصية بالصبر والتقوى؟
لنتناول إحدى المشكلات التي تعرض لها النبي، صل الله عليه وسلم، في المجتمع المسلم، وهي مشكلة الفقر والبطالة.
لقد استخدم في علاج تلك المشكلة، أساليب متنوعة، يتكامل فيها التوجيه النظري مع النموذج العملي، والربط بين صلاح الحال الدنيوي والثواب الأخروي، فمن جهة يحثُّ على الأكل من عمل اليد فيقول: (ما أكل أحد طعاما قط، خير من أن يأكل من عمل يده).
ومن جهة ثانية يوجه إلى سُبل التكسّب ويفتح آفاقا للعمل، فيرشد مثلا إلى استصلاح الأراضي، فيقول: (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، أو إلى التجارة فيقول: (لأن يأخذ أحدكم حَبْله فيأتي الجبل فيجيء بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه).
ومن جهة ثالثة، يقدّم مُعالجة عملية ذات مراحل تفصيلية، لمن جاءه يطلب الصدقة، فسأله عما يملك، فأخبره الرجل أنه ليس في بيته سوى كساء من الشعر وقدح غليظ للشرب، فأمر النبي أن يأتي بهما، وعرضهما للبيع، فباعهما بدرهمين، أعطى الأنصاري درهما لشراء طعام لبيته، واشترى بالآخر قدوما (آلة النجارة) وقال له اذهب فاحتطب، وأمره أن يأتيه بعد خمسة عشر يوما، فتربح الرجل عشرة دراهم.
أما من عجز عن التكسب، فهنا يأتي دور التكافل الاجتماعي، حيث ندب النبي، صل الله عليه وسلم، المسلمين إلى الصدقة ومراعاة الفقير، وجعلها مسؤولية اجتماعية.
كان هذا هو المنهج الإسلامي الأصيل في معالجة المشاكل والأزمات، ومنه استقى الصحابة ذات الكيفية، كما حدث مع عمر بن الخطاب، عندما جاءه شاب فتِيٌّ يسأل الحاضرين، فندب الفاروق أصحاب الأراضي والزراعات أن يستأجروا هذا الشاب، فأخذه أحدهم للعمل في أرضه، فعمل وتكسّب، ولم يكتف عمر بأن ينصحه بالصبر على الفقر.
والإمام الشعبي من التابعين الذين وُلدوا في خلافة عمر، مرَّ بِإبلٍ قد فشا فيها الجرَب، فقال لصاحبها: أما تداوي إبلك؟ فقال: إنَّ لنا عجوزا نتّكل على دعائها. فقال الشعبي: إجعل مع دعائها شيئا من القطران.
إذن، تقديم الحل العملي كان في صلب الخطاب الديني في الرعيل الأول، وليس الإسلام مسؤولا عن انحراف البعض في هذه المفاهيم، ولا عن النماذج التي أساءت للدين بِتَجاهل تقديم الحلول العملية المادية، إلى جانب الحل الإيماني المُتمثل في التقوى والطاعة، اللتين هما أساس حل المشكلات.
ليتنا نردُّ الأمور إلى أصلها قبل أن نُحاسب المنهج الإسلامي، وليتنا نُفرّق بين المنهج الأصيل وانحرافات بعض المسلمين عن تطبيقه، فبدلاً من إحالة الناس إلى أطروحات أخرى بدعوى عدم صلاحية الإسلام للتعاطي مع واقع الناس، يكون الأولى ردّ المسألة إلى صورتها الحقيقية، من خلال النظر في واقع العهد النبوي والقرون المفضلة.
كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 06 نوفمبر 2017, 5:46 am

كنز أسامة بن لادن
 [1]
«ذهب، ياقوت، مرجان، جواهر، أحمدك يا رب»
كما هتف «علي بابا» عندما وجد الكنز في المغارة في تلك القصة المتداولة بتراث الشعوب العربية، ها هي دول وشخصيات ووسائل إعلام تهتف فرحًا بذلك الكنز الذي أفرجت عنه المخابرات الأمريكية، والمُتمثّل في مئات الآلاف من الوثائق والمُذكرات الشخصية التي خلّفها زعيم تنظيم «القاعدة» الراحل أسامة بن لادن، وعُثر عليها في مقرّ إقامته في باكستان، الذي تعرض للهجوم الأمريكي.
الإفراج عن هذه الوثائق والمذكرات في هذا التوقيت، يبدو لي أشبه بغزل أمريكي للمملكة السعودية، فبعد فترة «أوباما» التي شهدت تقاربًا أمريكيا إيرانيا على حساب السعودية والخليج، جاء ترامب (رجل المرحلة) ليعكس الأوضاع، ويتجه إلى توطيد العلاقات مع السعودية، والتوتير المُنضبط مع إيران، فتم الإفراج عن الوثائق التي أعتبرُها ( من وجهة نظري)، هدية أمريكية للسعودية يمكنها توظيفها ضد خصومها على النحو التالي:
أولا: التوظيف ضد إيران التي كشفت الوسائل دعمها لتنظيم «القاعدة» الذي نفّذ عمليات تخريبية في الخليج، الأمر الذي يخدم السعودية وحلفاءها في تعبئة وتحشيد الشعوب العربية والإسلامية السنيّة ضد إيران، ويُحسن صورة المملكة في العالم الإسلامي السنّي باعتبارها المستهدف الأول للأطماع الإيرانية.
ثانيا: حسم الجدل السابق حول الارتباط بين «القاعدة» وإيران، الذي يقضي على أي تعاطف مع التنظيم.
ثالثا: التوظيف لصالح حصار قطر، ودعم اتهامها برعاية الإرهاب، استنادا إلى اهتمام زعيم «القاعدة» السابق بالجزيرة القطرية، وترحيبه بالربيع العربي والتقائه في ذلك مع الدوحة.
على الرغم من احتواء الوثائق والمذكرات على جوانب مُتعددة، إلا أن أطرافا خليجية، ركزت فقط على الوثائق التي تستطيع توظيفها في تصفية حساباتها مع قطر وذراعها الإعلامي، وجماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى إيران، مع توقعات بتوظيفها ولو بصورة غير مباشرة ضد حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) ، فكانت تلك الوثائق بمثابة كنز معرفي وثروة وثائقية لبعض دول الخليج.
على سبيل المثال، وظّفت صحيفة «عكاظ» السعودية الوثائق للنيْل من جماعة الإخوان المسلمين واتهامها بصورة ضمنية بإنتاج وتفريخ الإرهاب، اعتمادا على ما كتبه أسامة بن لادن بخط يده عن انتمائه أولا للإخوان. عندما نعود إلى المُذكرات التي كتبها ابن لادن بخط يده، نراه يقول فيها نصّا: «من الناحية العلمية التزمتُ مع الإخوان ومناهجهم محدودة، قرأت السيرة، مرة واحدة في الأسبوع كان اللقاء، حجم التأثر بهم لم يكن كثيرا من الناحية العلمية». ويظهر من خلال عباراته أن ارتباطه بالإخوان كان علميا وليس منهجيا، كما يكشف عن عدم رضاه التام عن منهج الإخوان، لكنها تصفية الحسابات مع خصم أصبح العدو الأول بالنسبة لمعظم الدول الخليجية.
وجدت الإمارات في تلك الوثائق بُغيتها، حيث جعلت منها دليلا يُعضّد اتهام قطر بدعم ورعاية الإرهاب، نظرا لاحتواء الوثائق على ما يُفيد متابعة زعيم «القاعدة» للجزيرة التي كان يُفضّل بثَّ كلماته من خلالها. التقط وزير الخارجية الإماراتي أنور قرقاش ذلك الخيط (الذي ظنّه صيدا ثمينا)، فزعم وجود تقاطع مصالح بين «القاعدة» وقطر، وصفها بأنها أمر واضح ومُقلق، فيقول على تويتر: «أوراق أسامة بن لادن بخط يده تؤكد العديد من الافتراضات، فهو يدعم «الجزيرة» في تبنّي الثورات ويُعوّل على القرضاوي في ليبيا ويريد الفوضى للبحرين». ويضيف: «كراس بن لادن بخط يده مهم لمعرفة مواقف التطرف والإرهاب، وتقاطع المواقف مع توجهات الشقيق المرتبك واضح ومقلق، أزمة قطر هي عن التطرف والإرهاب».
وتأتي صحيفة «الخليج» الإماراتية لتدعم وجهة نظر قرقاش، فتقول في الافتتاحية: «من المؤكد أننا سنشهد في الفترة المقبلة مزيدا من الوثائق تميط اللثام عن طبيعة علاقة طهران ومعها الدوحة، بتنظيمي «القاعدة»، و«داعش» اللذين يحملان راية الإرهاب في كل بقعة من العالم». 
لكن قرقاش – وإعلام بلاده – لم يلتفت أو يتطرق إلى علاقات بن لادن بإعلاميين غربيين ووسائل إعلام غربية لا «الجزيرة» وحدها، كشفت عنه تلك الوثائق، حيث جاء في الوثائق أن زعيم «القاعدة» التقى الصحافي البريطاني روبرت فيسك، وسكوت مراسل التايم الأمريكية، وغيرهما من رموز الإعلام والمؤسسات الإعلامية الشهيرة، فلماذا لم تُهاجم «التايم» والـ»سي إن إن» لعلاقتها الإعلامية بتنظيم «القاعدة»؟
لكنه أمر طبيعي أن يتم تجاهُل تلك العلاقات، لتصبح «الجزيرة» القطرية – التي دأبت على الانفراد والسعي للسبق الصحافي – في أعين الجماهير ذراعا إرهابيا لدولة إرهابية تدعم التطرف والإرهاب. ما يمكن توقُّعه واستشرافه، أن يتم توظيف ذلك الكشف في الهجوم على حركة حماس التي ألجأها الجحود العربي إلى التقارب مع إيران، وذلك عن طريق محاولة وضع حماس و«القاعدة» في سلة واحدة، فكما كشفت الوثائق أن إيران دعّمت جماعة مسلحة محسوبة على السنة لضرب المنطقة الخليجية، فيمكن تقبل فكرة استغلال إيران لحماس لتحقيق الأهداف نفسها، فقط مع التغذية الإعلامية المُستمرة للجماهير حول هذه المسألة، فتكون المحصلة النهائية: كل جماعة مسلحة مدعومة من قبل إيران فهي عدو إرهابي.
ولا يخفى أن حماس لا يمكن وضعها في مقارنة مع «القاعدة»، نظرا لأن الحركة الفلسطينية لا تعمل خارج حدودها، وتمحورت حول القضية الفلسطينية وحدها، ومن ثم تنفتح على الآخرين بحسب استفادة القضية الفلسطينية منهم، أما «القاعدة» فهي تنظيم دولي لا حدود له، ولذلك يمكن استغلاله بصورة أو بأخرى لتحقيق أجندات إقليمية.
الولايات المتحدة تُصدّر لنا أزمة جديدة من طرف خفيّ، تُصادف استعدادا مُسبقا لمزيد من النزاع، مزيد من الشقاق، مزيد من التشرذُم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

*كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 20 نوفمبر 2017, 11:00 am

محاربو أردوغان وجولات القوة الناعمة

من قلب قبيلة الكايي التركية خرج رئيس المحاربين تورغوت ألب، يرافقه بامسي المحارب الذي لا يقاتل إلا بسيفين، وانطلقا إلى تلك الأرض البعيدة من بلاد العرب، فاستقبلتهما وجوه كانت لرؤياهم بالأشواق، فكان لقاءً حميميًا تلاقت فيه أطراف الحضارة.
إنها الجوْلة التي قام بها أردوغان مؤخرًا إلى قطر، مصطحبا معه رمزين من أبطال مسلسل «قيامة أرطغرل»، الذي يُعد – دون مبالغة – بمثابة زلزال درامي اهتز له الوطن العربي بأسره، وأصبح حديث الجماهير العربية التي وجدت ما تنشُده في ذلك العمل الكبير الذي دخل موسمه الرابع منذ أسابيع قليلة.
ربما كان اصطحاب أردوغان للبطلين اللذين يُجسّدان شخصيات مُقاتِلة من قبيلة الكايي، يحمل دلالة رمزية على إصرار تركيا على دعمها العسكري لقطر، تتوافق هذه الرمزية مع ما أكّد عليه الرئيس التركي بالفعل من دعم بلاده لقطر عسكريا، قد يرى البعض أن الفكرة لا تُجاوز خيالي، لكن على كل حال هناك اهتمام غير عادي من القيادة التركية بهذا المسلسل وأبطاله. يظهر هذا الاهتمام في الزيارات المتكررة من قِبَل الشخصيات البارزة لمواقع التصوير، مثل: أردوغان وقرينته، وكذلك رئيس الوزراء السابق داود أوغلو، وبكر بوزداغ نائب رئيس الوزراء الحالي، وغيرهم.
كما يتبدّى ذلك الاهتمام في تكرار الظهور لأبطال المسلسل في المناسبات والاحتفالات الرسمية المختلفة داخل تركيا، حيث أصبحت المشاهد التي تضمّ أردوغان وأبطال المسلسل شيئا اعتادت عليه أعين المتابعين، حتى أن الرئيس التركي كان شاهدا على زواج الفنانة إسراء بيلغيتش، التي جسّدت في المسلسل شخصية السلطانة حليمة زوجة أرطغرل. السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا كل هذا الاهتمام من القيادة التركية بهذا المسلسل وأبطاله على هذا النحو؟ لماذا يتم تصدير وجوه أبطال المسلسل في الزيارات الخارجية؟ 
ابتداء، لو عدنا إلى الوراء في الحقل الدرامي، سندرك أن وظيفة الفنان أو الممثل كانت أصدق ما توصف به أنها وظيفة لتسلية الناس، بل كانت في بدايتها في بعض الدول العربية مِهنة مَشِينة، لدرجة أن عائلات بعض الفنانين تبرأوا منهم لدخولهم عالم التمثيل. مع تنامي تأثير الدراما في شعوب العالم بفعل مجموعة عوامل – ليس هنا مجال ذكرها – تغيّر شأن الممثل، حتى غدَتْ وجهة نظرِه في الأحداث الجارية على مختلف الأصعدة، تَحْظى بمتابعة جماهيرية كبيرة، وصار عضوا مشاركا في رسم الصورة الذهنية عن بلاده لدى المجتمعات الأخرى، وأصبح مِن الممثلين من يتم اختيارهم كسفراء للنوايا الحسنة، إلى جانب إسهام بعضهم في الأعمال الإغاثية على مستويات دولية.
ما يفعله أردوغان هو استغلال وتوظيف الدراما الهادفة باعتبارها إحدى الأدوات العصرية للقوة الناعمة، التي تحقق الأهداف والرغبات بالوسائل الحضارية بعيدا عن الإرغام، وتجتذب الأطراف المَعْنية إلى المسار الذي يخدم مصالح الدولة التركية. يرعى أردوغان خطًا لإنتاج الدراما الهادفة التي تركز على التاريخ العثماني لربط الشعب التركي بتراثه، وذلك بعد عقود من إطفاء الكماليين لجذوة ذلك التراث وفصل الشعب التركي عن ماضيه الذي يُعد حلقة مهمة في التاريخ الإسلامي. فأردوغان يسعى جاهدًا لمواجهة الدراما التي تشوه تاريخ الأتراك – والتي تنسجم مع الشكل الذي رسمه أتاتورك لحياة ذلك الشعب – بتيار آخر محافظ، وعلى هذا الطريق يحاول الرئيس التركي احتضان العديد من الفنانين، والزجِّ بهم في ذلك التيار المحافظ. ومن يتابع أنجين آلتان دوزياتان بطل مسلسل أرطغرل، يدرك أنه بعيد عن أي توجّه ديني، بل إنه لا يُخفي إعجابه بمصطفى كمال أتاتورك، ومع ذلك أصبح عنصرا مهما في دراما التيار المحافظ، واستطاع أن ينسجم مع الاتجاهات الرسمية للدولة في توظيف ذلك الخط كقوة ناعمة، وقدّم عرضا شهيرا في مؤتمر الطاقة أمام الرئيس الروسي بوتين.
استطاع ذلك النمط من الإنتاج الفني التأثير وبقوة في الشعوب العربية والإسلامية بصورة غير مسبوقة، وقد تناولتُ في مقالة على «القدس العربي» منذ ستة أشهر مظاهر ودلالات التفاعل العربي مع ذلك العمل الدرامي الهادف (قيامة أرطغرل)، ذلك التفاعل وصل إلى حد تغيير خريطة المسلسل، حيث اضطر القائمون عليه إلى عدم إنهائه كما كان مقررًا له بنهاية الجزء الثالث، بل تم تغيير النهاية بما يضع الجمهور أمام موسم رابع، ظلت الجماهير العربية المتابعة في شغف لا يخمد إلى موعد انطلاقه. ولئن كان مسلسل أرطغرل يحظى باهتمام بالغ من الحكومة التركية، إلا أن هناك العديد من الأعمال التاريخية الهادفة الأخرى، التي تندرج تحت النمط ذاته، أبرزها: فلينتا- السلطان عبد الحميد، فيما يجري التحضير لعرض مسلسل «الفاتح».
هذه الأعمال التاريخية، أسهمت بشكل كبير في تعريف الجمهور العربي بالثقافات والعادات التركية الأصيلة، ووجهته إلى الاهتمام بالتراث العثماني، وهو ما يتناغم مع التوجهات التركية الجديدة الرامية إلى الانفتاح على العالم العربي الإسلامي.
الفرق بين أردوغان وغيره في استغلال هذه القوة الناعمة، أنه يعمل على ذلك بصورة انتقائية تتوافق مع توجهاته الإصلاحية والنهضوية، فيركز على أن يحيط نفسه بمجموعة تنتظم في خدمة الوطن عبر الأعمال الهادفة، ويرى المتابع بغير عناء، أنه ينفث فيهم روح الوطنية، ويشعرهم بأهمية ما يقدمون من أعمال للنهوض بالمواطن التركي. وفي المقابل، هناك من يسعى للتقليد بهدف الدعاية السياسية، فيصطحب معه في أسفاره بعضا من أهل الفن المؤيدين له في قراراته، الذين دأبوا على تقديم أعمال هابطة، على المستويين الأخلاقي والقيمي، فكيف سيوظِّف هذه الأداة كقوة ناعمة؟ وما الهدف من تقديم هذه النماذج وتصديرها في الزيارات الخارجية لمجرد شهرتهم؟ وهل يسعى للتأثير في الشعوب الأخرى من خلال دراما رخيصة لا تهدف إلا للربح؟ 
لم أعُد أُحصي كم مرة كتبتُ عن هذا المسلسل، ففي كل مرة أجد نفسي أمام زاوية جديدة تستدعي التطرق إليها، فهذا المسلسل ليس مجرد عمل فني، بل نشاط سياسي تركي، يربط بين الأتراك وتراثهم من ناحية، وبين الأتراك والوطن العربي الإسلامي من ناحية أخرى، كمجالٍ حيوي لدولة تركيا. ربما اتَّهمني البعض بالمبالغة والتضخيم، لكن هذه هي قناعاتي التي تجعلني أقول: إن كل شيء في تركيا يتطور بالفعل.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الأحد 26 نوفمبر 2017, 6:03 am

[size=30]التصعيد السعودي الإيراني إلى أين؟[/size]

احسان الفقيه


«إننا نعمل على تصدير ثورتنا إلى مختلف أنحاء العالم»، لم يمر سوى عام واحد على انطلاق الثورة الإيرانية 1979 حتى أدلى الخميني بذلك التصريح الذي أثار توتر دول الجوار، وخاصة السعودية، تفاقَمَ مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية.
جاء تأسيس مجلس التعاون الخليجي في1981 كخطوة توافقية تنسيقية على طريق الوحدة الخليجية، حلقة بارزة في تاريخ التصعيد الخليجي السعودي في مواجهة الخطر الإيراني، الذي باتت معالمه واضحة من أنه مشروع قومي مُحمّل على رأس طائفي، يستهدف التوسع في المنطقة عبر جغرافية متصلة، تبدأ من طهران، مرورا ببغداد وسوريا، ثم إلى لبنان، ووصولا إلى السيطرة على اليمن ومضيق باب المندب، إلى أن تجد دول الخليج وعلى رأسها السعودية نفسها وجهًا لوجه أمام الخطر الإيراني.
شهدت السنوات الأولى للثورة الإيرانية بقيادة مرشدها الأول الخميني، العديد من مظاهر التوتر والتصعيد ضد السعودية، يأتي على رأسها تفجير الأزمات في مواسم الحج عن طريق الحجاج الإيرانيين، ومن ذلك أحداث 1987 عندما تحول أحد الطقوس الشيعية في الحج المعروف بـ «مظاهرة البراءة من الشرك»، إلى مواجهات دامية ومحاولة لاقتحام الحرم، تمّ خلالها حرْق سيارات ومبانٍ، ما أدى إلى إصابة العديد من الحُجاج.
وعقب هذه الأحداث مباشرة، قامت مجموعة كبيرة من الإيرانيين باقتحام مقر السفارة السعودية في طهران، واحتجزوا دبلوماسيين سعوديين داخلها، وتم الاعتداء عليهم، بينهم القنصل السعودي رضا عبد المحسن النزهة، بينما توفي الدبلوماسي السعودي مساعد الغامدي، بعد نقله إلى بلاده متأثرا بإصابته، ترتب على ذلك قطع العلاقات السعودية مع إيران حتى عام 1991.
في أعقاب الغزو العراقي للكويت عام 1990، سادت حالة من الهدوء بين البلدين، تزامنت مع وجود علي خامنئي على رأس السلطة كمرشد أعلى، وأكبر هاشمي رفسنجاني كرئيس للجمهورية، حيث شهدت تلك الفترة تحوّلا في المسار الثوري الإيراني من خلال فرض المشروع عبر أجندات ثقافية وتبشيرية واجتماعية واقتصادية بعيدا عن الصِدام.
وأخذت العلاقات بين السعودية وإيران في التحسن بشكل عام منذ عام 1997، بعد فوز محمد خاتمي برئاسة الجمهورية الإيرانية، والذي كان يتبنى سياسة نزع التوترات، لم تلبث أن تلبّستْ بمخاوف سعودية عام 2003، بعدما وكلت واشنطن إلى جماعات موالية لإيران إدارة العراق، تحوّلت إلى توتر في العلاقات عقب صعود تيار المحافظين بعد فوز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية 2005.
وشهد عام 2007 تدخلات إيرانية صارخة في المشهد العراقي، زادت من تأزم العلاقات بين طهران والرياض، ونشطت التحركات الإيرانية في المنطقة عبر الأقليات والجماعات الموالية لها في دول المنطقة.
 كان لهذا التدخل الإيراني في شؤون المنطقة أثره في اندلاع مظاهرات بحرينية في 2011، أسفرت عن تدخل سعودي مباشر على رأس قوات درع الجزيرة التي أنشأها مجلس التعاون الخليجي، للسيطرة على الأوضاع في البحرين لصالح النظام الحاكم.
«عملية التحالف الأحمر» كان الاسم الذي أطلقه مكتب التحقيقات الفيدرالي بالولايات المتحدة الأمريكية على محاولة إيرانية في أكتوبر2001، لاغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير- يتولى حاليا منصب وزير الخارجية – كانت إحدى صور التصعيد الإيراني ضد السعودية.
ازدادت حدة التوتر بين السعودية وإيران بعد اندلاع ثورات الربيع العربي التي أعادت صياغة الاستقطابات الإقليمية، والتي أنتجت محورا عربيا إسلاميا بقيادة السعودية يضم دول التعاون الخليجي ودولا عربية وإسلامية أخرى، ومحورا آخر إيرانيا يضم أذرعا إقليمية مرتبطة بالمركز (إيران) عبر نظرية الولي الفقيه التي صاغها الخميني.
وفي الوقت الذي ربحت إيران في ميدان العراق على حساب السعودية التي سعت إلى احتواء النفوذ الإيراني فيه من خلال ورقة الاقتصاد والعلاقات الدبلوماسية، خاض الجانبان جولة أخرى من الصراع في سوريا، حيث دعّمت إيران نظام الأسد الموالي لها، في حين وقفت السعودية إلى جانب بعض القوى الثورية المناوئة للنظام.
وشهدت ولاية الرئيس الأمريكي باراك أوباما اتجاها للمواءمة مع إيران بلغت ذروتها في اتفاقية النووي الإيراني مع دول 5+1، والتي جاءت على حساب الأمن الخليجي، ما فجّر مخاوف سعودية من النفوذ الإيراني، وخاصة في اليمن، والتي سبق وأن وجهت المملكة بهذا الصدد اتهامها لطهران عام 2014 بتقديم الدعم الشامل لجماعة الحوثيين في اليمن، والتي قامت بالسيطرة على صنعاء ومقر الحكومة والعديد من المقرات الاستراتيجية، نتج عنه تصعيد سعودي بقيادة عشر دول عربية لخوض العمليات العسكرية المعروفة باسم «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين وقوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح في 26 آذار/مارس عام 2015، دعما للشرعية وحفاظا على الأمن القومي الخليجي وفق الرؤية السعودية.
في العام نفسه، تصاعد خطاب التهديد الإيراني إلى أعلى مستوياته، بعد مقتل حجاج إيرانيين في حادثة تدافع منى، وقامت إيران بتحميل السعودية المسؤولية عن الحادث، وطالبتها بتقديم اعتذار رسمي لطهران.
لم يسبق أن بلغ حد التصعيد والتوتر بين السعودية وإيران كما بلغ هذا العام، جرف في مساره شؤون البيت الخليجي بعد أن حاصرت السعودية والإمارات والبحرين (إلى جانب مصر) دولة قطر بعد رشقها بحزم من الاتهامات من بينها تأييد إيران في مواجهة الخليج، وهو ما تنفيه الدوحة.
صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه مطار الملك خالد بالرياض تصدت له الدفاعات الأرضية السعودية – قيل أنه يحمل توقيعا إيرانيا – أثار موجة عاتية من التصعيد، حيث اعتبرته السعودية عدوانا عسكريا إيرانيا مباشرا، أتبعه إصدار التحالف العربي في اليمن بيانًا توعد فيه بالرد عبْر سلسلة من الإجراءات التي تحمل تهديدا لإيران، قابلته الأخيرة بتصريح من خلال رئيسها يحذر من عواقب أي تصعيد سعودي، داعيا المملكة إلى الحذر من قوة ومكانة إيران.
تزامن الحدث مع إعلان رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري استقالته من قلب الرياض، اعتبرته إيران تصعيدا سعوديا جديدا يستهدف إعادة تشكيل الأوضاع اللبنانية التي يتصدر المشهد فيها حزب الله اللبناني الموالي لإيران.
حزب الله كان ولا يزال متموضعا في الصراع بين السعودية وإيران، حيث تعتبره المملكة ذراعا إيرانيا في لبنان، قام بمساندة النظام السوري في القتال الدائر في سوريا، ودعّم جماعة الحوثيين في اليمن، وعلى إثر ذلك حصلت المملكة على ما يشبه إجماع عربي على اعتبار الحزب منظمة إرهابية وذلك في اجتماع وزراء الخارجية العرب بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة 19 تشرين الثاني/نوفمبر، بناء على طلب السعودية، ضد ما قالوا أنه انتهاكات إيرانية بحق الدول العربية.
لا يمكن النظر إلى التصعيد السعودي الحالي ضد إيران بمعزل عن الموقف الأمريكي من الصراع السعودي الإيراني في حقبة سيطرة الجمهوريين برئاسة ترامب، والذي يتجه إلى تقويض العلاقات مع إيران وضرب اتفاقية النووي مع تقارب أكثر باتجاه الخليج، ما شجع المملكة على اقتناص الفرصة والتصعيد ضد طهران.
فهل باتت المواجهة بين الجبهتين وشيكة؟
من المستبعد في الوقت الراهن اندلاع مواجهات مباشرة بين السعودية وإيران، فأما السعودية فقد أُرهِقت ماليا في الحرب ضد الحوثيين في اليمن، وهي كما يبدو حرب لا نهاية قريبة تلوح في أفقها، إضافة إلى الشأن الداخلي المُرتبك بعد حُزم القرارات الأمنية والاقتصادية التي اتخذها ولي العهد السعودي، والتي اختُلف في توصيفها ما بين التهور والجرأة.
كما أن السعودية تعمل حسابا للقوة الصاروخية الإيرانية، وحسابا آخر لورقة الأقليات والتجمعات الشيعية التي تحركها إيران داخل وخارج المملكة.
وأما إيران، فإنها لم تتعافَ بعْدُ من الآثار الاقتصادية الطاحنة لحرب الخليج الأولى، ومن العقوبات الاقتصادية المتعاقبة التي فُرضت عليها منذ عام 2006، وهي كذلك تأخذ في حساباتها على محمَل الجد أنها لن تكون في مواجهة السعودية وحدها، والتي يتوقع أن تساندها العديد من الدول العربية والخليجية، إضافة إلى تخوّف إيران من التسليح السعودي عالي المستوى الذي كلّف المملكة مئات المليارات.
أغلب الظن أن مسار التصعيد السعودي ضد إيران، سوف يقف عند حد سعي المملكة لنيل أكبر قدر ممكن من التأييد الدولي والعربي لاحتفاظها بحق الرد على طهران، بما يعني رغبة السعودية في التحرك ضد إيران تحت غطاء قانوني دولي، لخلق دافع دولي في توقيع عقوبات جديدة على إيران يحدّ من نفوذها وتهديداتها، تتمكن من خلاله السعودية وحلفاؤها من تقليم أظافر الأذرع الإيرانية في المنطقة، وهو ما بدأت المملكة بالفعل في الشروع بتنفيذه، متمثلا في سعيها لتقويض قوة حزب الله اللبناني، والذي لا يستبعد أن تقوم السعودية بتوجيه ضربات بالوكالة إلى قواته المتمركزة في لبنان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: إحسان الفقيه   الإثنين 04 ديسمبر 2017, 8:37 am

إفْعلها يا سيد البيت الأبيض فقومنا في شُغل عظيم
إحسان الفقيه
Dec 04, 2017

في الوقت الذي حبَس العربُ أنفاسهم انتظارا لما ستُسفر عنه قرعة كأس العالم روسيا  2018، كانت وكالات أنباءٍ عالمية تنقل عن مسؤولين أمريكيين، أن ترامب سوف يُعلن قريبا أن القدس عاصمة لدولة الاحتلال، تمهيدا لنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس.
وسواءً أعلنها ترامب في الأيام القليلة المُقبلة، أو كان الأمر مجرد تهيئة للنفوس لإعلان قبلة المسلمين الأولى كعاصمة لدولة الاحتلال، فإن الرجل سوف يَفِي لا محالة بوعده الذي قطعه إبان الحملة الانتخابية بنقل السفارة إلى القدس، وقد صرح في أكثر من مناسبة بأن المسألة تتعلق فقط بالتوقيت، ويزيد من تلك الاحتمالات تعرُّضه لضغوط مُتجددة من قبل الحزب الجمهوري والمسيحيين الإنجيليين، كما عبرت صحيفة «يديعوت أحرونوت». لكن المتغافلين من القوم لن يتعلموا الدرس، ولن يُقرّوا بأن ترامب ليس طرفا نزيها في المباحثات الفلسطينية الإسرائيلية، وسوف يستمرون في سياسة الانبطاح والاستخذاء والرضى بالابتزاز.
أين العرب من تلك الأحداث؟ ربما دخلوا في موت إكلينيكي، وعما قريب ستجيب الأحداث عن سؤال نزار قباني «متى يُعلنون وفاة العرب»، ذاك الذي صدق شعره في قومنا:
أنا منذ خمسين عاما
أراقب حال العرب
وهم يرعدون، ولا يُمطرون.
وهم يدخلون الحروب، ولا يخرجون.
وهم يعلِكون جلود البلاغة عَلْكا
ولا يهضمون.
وماذا لو أعلن ترامب نقل العاصمة إلى القدس وضرب القضية الفلسطينية في العمق؟ ما الذي يمكن أن يُقدّمه العرب في ظل حالات الهزال والكساح التي أصابتهم؟ سنكون متفائلين إذا قلنا بأن ردة الفعل لن تجاوز قمة عربية أو إسلامية تُدين إجراءات ترامب. عندما قام الصهاينة بحرْق المسجد الأقصى عام  1969، قالت رئيسة وزراء الاحتلال غولدا مائير: «لم أنم ليلتها وأنا أتخيل كيف أن العرب سيدخلون إسرائيل أفواجًا أفواجًا من كل حدَب وصوْب، لكني عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء، أدركت أن بمقدورنا أن نفعل ما نشاء، فهذه أمة نائمة».
تمت الجريمة في وقت كان فيه حكام العرب يُظهرون أو يتظاهرون بأن فلسطين هي قضيتهم المركزية، ويتنافسون في ما بينهم في رفع شعارات زائفة لنصرة القضية الفلسطينية، كجرْعاتٍ مخدرةٍ إضافيةٍ يحقِنون بها شعوبهم. أَمَا وقد أصبحوا لا حاجة بهم للأقنعة والمُبررات، وسبَحوا مع تيار التطبيع، فإن السياق يقول لسيد البيت الأبيض: تفضل، إفعلها مُطمئنًا. قومنا ارتعدت فرائصهم لعنتريات ترامب منذ البداية، وآثروا الاحتماء منه به، واسترضَوْه بمئات المليارات التي حملها إلى بلاده وهو ينفجر ضحكًا من السخرية بالعرب. لم تعد فلسطين هي قضيتهم الأم، وانسحب ذلك على الشعوب فانطفأت الجذوة في مُعظمها، وتم تهميش حلم التحرير، وإنك لتلحَظ في قراراتهم وتصريحاتهم أنهم كادوا أن يقولوها علانية: «فلسطين شأن خاص بالفلسطينيين وحدهم» إنهم عنها لفي شُغُل عظيم.
انشغلوا عن تحرير فلسطين بالتفكير الجدّي في حلول بديلة، فتارة يروجون للخيار الأردني، الذي يقضي بتوطين الفلسطينيين في الأردن، ومن جهة أخرى يتعاظم القول بأن سيناء يتم تفريغها من أجل «صفقة القرن» التي تقضي بإقامة وطن للفلسطينيين في غزة وسيناء، ابتغاء تصفيةٍ نهائية للقضية الفلسطينية. انشغلوا بإلهاء الشعوب عن القضية الفلسطينية بملف الصراع مع إيران، وإبرازها على أنها العدو الأوحد، الذي ينبغي الاصطفاف لمواجهته، وكأنهم لم يتبيّنوا خطورة المد الإيراني سوى الآن. ولطالما كتبتُ عن خطر المشروع الإيراني الفارسي، وما زلت على قناعة راسخة بأن إيران لها مشروع قومي مُحمّل على رأس طائفي يسعى لابتلاع المنطقة، إلا أن مواجهة ذلك الخطر ينبغي أن لا يصرفنا عن العدو الصهيوني الذي تتضافر من أجل إنجاحه جهودُ أطرافٍ دولية وإقليمية.
انشغلوا بكيفة إدراج حركة المقاومة الإسلامية حماس على قوائم الإرهاب، وتنكّروا لها، ودفعوها باتجاه التقارب مع إيران، ثم يحاسبوها على ذلك التقارب، يحدث ذلك في الوقت الذي تخْفِق فيه رايات التطبيع مع الكيان الصهيوني، حتى انبعث أشقى القوم يدافع عن الاحتلال على حساب إخوانه الفلسطينيين. انشغلوا بحصار قطر، والتجييش ضدها باعتبارها سبب كوارث الأمة، وصنّفوا المنطقة إلى معسكرين حول ذلك المحور، متبعين مبدأ بوش الابن (من لم يكن معنا فهو ضدنا)، بينما تنعدم لديهم أي إشارة للإرهاب الصهيوني. انشغلوا بمصطلح الإرهاب الفضفاض، وكيفية طرح هذا التهمة فوق رأس كل معارض ومخالف، فاتّسع المفهوم في حس الكثيرين، حتى صار يشمل الأمة بأسرها. انشغلوا بتأمين العروش عن طريق ممارسة الاستبداد والبطش والاعتقالات العشوائية والمُمنهجة، وقمع الحريات وتكميم الأفواه.
إنهم في غفلة يعمهون، كما قال الكواكبي: يقتضي لإيقاظهم الآن بعد أن ناموا أجيالا طويلة، أن يسقيهم النطاسي (الطبيب) البارع مرّاً من الزواجر والقوارس علَّهم يفيقون، وإلا فهم لا يفيقون، حتى يأتي القضاء من السماء: فتبرق السيوف، وترعد المدافع وتمطر البنادق، فحينئذٍ يصحون، ولكن صحوة الموت! لذلك أعيد ما قلت، سياق الأحداث وخريطة الأوضاع السياسية، تسمح لترامب بتوجيه هذه الطعنة لقلب القضية الفلسطينية، بل تسمح بأكثر من ذلك، فظَنِّي أنه لو صبّحتْنا وسائل الإعلام بنبأ هدم الأقصى، لَمَا خرج المشهد عن استنكار رسمي من الحكومات، وتظاهرات غاضبة للشعوب المقهورة، تقمعها الأنظمة.
لقد عودونا على هذه الفرقعات التي تُميت فينا الحذر، وتقتل فينا استعظام الهول، يُذكّرنا بما جاء في بعض كتب التراث من أمر دهاء الثعلب، حيث أتى إلى جزيرة فيها طير فاعمل الحيلة وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء نحو الطير، ففزعت منه،  فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وتألفَه، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبَر إلى الطير. فلم تشُك الطير في أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب الثعلب على طائر منها وعدا به.
ليست نظرة تشاؤمية لأوضاع القضية الفلسطينية، بقدر ما هو تأكيد على حقيقة باتت واضحة، أن على الفلسطينيين عدم التعويل على غيرهم في حل القضية، فالشعوب مُغيّبة مغلوبة على أمرها، وحكامها خلَصُوا إلى حتمية التعايش السلمي مع الاحتلال ولو على حساب فلسطين، وودّوا لو أن هذه البقعة ابتلعتها الأرض وأراحتهم من عناء الإحراج. وفي سبيل ذلك يلزم أن تكون هناك مُصالحة فلسطينية حقيقية، تتفق على خيار المقاومة بشكل أو بآخر، فهي الضامن الوحيد لسير المفاوضات بشكل يخدم الفلسطينيين. هي بلا شك أمنيات لن يترجمها سوى أهل فلسطين وحدهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
كاتبة أردنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
إحسان الفقيه
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: اردننا الغالي :: شخصيات اردنيه-
انتقل الى: