منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
هذا منتدى ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 أديب جرار.. إذ يترجل الفارس بعد عقود من الجهاد

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: أديب جرار.. إذ يترجل الفارس بعد عقود من الجهاد   الخميس 27 يوليو 2017, 10:37 am


الدكتور الاخصائي النفسي والناشط السياسي اديب خير جرار من مدينة عكا  عن عمر يناهز ال 60 عاما اثر خضوعه لعملية جراحية وسيشيع جثمانه الى مثواه الاخير  يوم الجمعة في مدينة عكا ,وينطلق موكب التشييع من جامع الجزار في عكا بعد صلاة ظهر يوم الجمعة 7/7/2017 ومن ثم إلى مثواه. وسيصل جثمان الفقيد من فرنسا إلى أرض الوطن مساء يوم الخميس.

ونعى آل جرار في عكا والضفة الغربية والأردن وأقرباؤهم وأنسباؤهم الدكتور أديب.

تقبل التعازي بعد مراسم التشييع للرجال في جامع الجزار في عكا والنساء في بيت والدة الفقيد في شارع هرتسل في عكا بين الساعات 11 صباحا و10 مساء





"احرص على الموت توهب لك الحياة".. مقولة تشرَّبتها روح المجاهد أديب أحمد جرار، فأمضى عشرات السنوات من عمره، مجاهداً في سبيل الله، لا همّ له، سوى رضا الله، ورؤية وطنه مزهوّاً بحريته كباقي الدول.

فقد قاتل الإنجليز فتىً في بداية شبابه، وتتلمذ على يدي الشهيد عز الدين القسّام في حيفا، وشارك في قتال الانجليز في ثلاثينيات القرن الماضي، وقاتل الاحتلال عام 1948، وبقي ممسكاً بجمرة المقاومة، حتى وافته المنية في مدينة جنين في (16/6/2015)، وهو على مشارف المئة عام من العمر، بعد أن قاتل وجُرح واعتُقل وهُدم منزله وقدم نجله شهيداً.

ولد الشيخ أديب أحمد جرار في بلدة برقين شمال مدينة جنين، ورغم أن أوراقه الرسمية توثّق العام 1922 سنةً لميلاده، إلا أن نجله علي يؤكد: "أن العام 1917 هو العام الحقيقي لتاريخ الميلاد، كما كان يذكر المرحوم نفسه لأبنائه"، أجاد الحاج أديب القراءة والكتابة في طفولته، فقد أتم الصفين الأول والثاني في كتاتيب البلدة، وفي الثالثة عشرة من عمره، توجه إلى ميناء حيفا، للعمل فتىً صغيراً في الميناء.

 وفي عامه الأول في حيفا، وفيما يقارب العام 1930، أدرك الفتى أديب جرار، أن الجنود الإنجليز الذين كان يشاهدهم في كل مكان، بلباسهم العسكري، أغراب عن وطنه، لا يريدون له الخير، لذلك كانت أولى نشاطاته في المقاومة، وهو في الثالثة عشرة من العمر، عندما استطاع غَنْم بندقية أحد الجنود الإنجليز على ميناء حيفا، بعد أن غافله وشاغله.

كان الفتى جرار مستقيماً بفطرته، لذلك كان دائماً ما يرتاد مسجد الاستقلال في حيفا، الذي اتخذه الشهيد المجاهد عز الدين القسّام، مدرسة تعبوية جهادية، وكان جرار دائما ما يذكر لأبنائه حبه وتعلّقه بشيخه القسّام كما يؤكد نجله علي، ومع هذا لم يستطع علي تأكيد مرافقة والده للمجاهد عز الدين القسّام في جهاده، لكون والده كما يقول: كان حريصاً على عدم الحديث عن أعماله الجهادية.

تشرَّب أديب جرار روح القسّام وتعاليمه الجهادية، ووعى منه الخطر المحدق بالوطن بوجود الإنجليز، ودورهم في توطئة القدم للاحتلال، فقد حمل بندقيته مبكراً.

ففي أواسط ثلاثينات القرن الماضي، كان جرار جندياً في جيش الاتحاد (الأردني الفلسطيني)، للدفاع عن القرى والمدن الفلسطينية من اعتداءات الإنجليز واليهود، في مناطق جنين والعفولة والناصرة.

وفي العام 1948، شارك في الدفاع عن الأراضي الفلسطينية، وأصيب في تلك الحرب برصاصة في فخذه الأيسر، وفي العام 67، انضم إلى حركة فتح، للجهاد في صفوفهم سعياً لإعلاء راية الله، ودون مقابل، إلا إذا أصابت عائلته فاقه، بأن يتولونهم، لكنه ما لبث أن فارقهم، بعد عام من انضمامه لهم، ويقول بعض أفراد عائلته: "بأنه أصيب بخيبة أمل مما لاقاه من بعضهم، بعد أن تخلوا عن أسرته خلال جهاده".
 
في العام 1969، سجن عبدالحميد إرشيد، أحد قيادات الثورة في جنين وقتها، ووجدوا في منزله قائمة بأسماء أربعين مقاوماً، كانوا يعملون معه، كان أديب جرار واحداً منهم، حيث اعتقله الاحتلال، واعتقل أغلبهم، واتُّهموا بشنِّ 40 عملية عسكرية ضد الاحتلال، فقام الاحتلال على إثرها، بنسف منزل أديب جرار في منطقة واد برقين شمال مدينة جنين، وقال له المحقق الصهيوني الذي كان مبتور الرجلين خلال تحقيقه معه: " أتدري من بتر لي رجليَّ ؟، إسأل نفسك؟!!"، في كنايةً عن دور جرار في إصابة المحقق.

وقد حكم على جرار وقتها بالسجن لمدة خمس سنوات، لكنه وبعد عامين ونصف، تم الإفراج عنه لإصابته بسرطان في القولون، وبعدها بسنوات أجرى عملية جراحية في مستشفى جنين الحكومي، وتم استئصال متر كاملٍ من قولونه.

أقعد المرض جسد أديب جرار، لكنه لم يُقعد همَّته وروحه المتَّقدة للجهاد، فبدأ يزرع بأبنائه حبَّ الجهاد والوطن والمقاومة، وكان كل حديثه في الجلسات العامة ينصبُّ في ذات الأمر، الداعي لمقاومة الاحتلال، حيث اعتقل ولداه: محمد وعمر عام 1989، على خلفية مشاركتهما في فعاليات الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة)، حيث حُكم على محمد بالسجن عاماً ونصف، فيما تم الإفراج عن عُمر بعد 22 يوماً.

وقد تعرض نجله محمد لتحقيق قاس في سجنه، على خلفية مشاركته في عملية عسكرية مع الشهيد نصر جرار، والشهيد سامي الغزاوي، وارتقى فيها الغزاوي شهيداً، فيما تم الحكم على نصر جرار بالسجن 12 عاماً، أما محمد فقد خلَّفَ التحقيق القاسي معه، مرضاً عصبياً له، وتم الإفراج عنه بعد عام ونصف من اعتقاله، ولازمه مرضه حتى وفاته في العام 2011، أما عُمر، فقد وجد ضالته في أيامه القليلة في سجنه، بعد أن تعلَّم صناعة المتفجرات على أيدي بعض الأسرى، لكنه في (20/12/1989) استشهد خلال إحدى تجاربه في تصنيع المتفجرات، بعد أن انفجرت فيه إحدى عبواته الناسفة، وقد تبنته وقتها ثلاثة فصائل هي: حركة فتح وحركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس، فيما تؤكد عائلته أنه كان ينتمي وقتها لحركة حماس.
 
يقول نجله علي: "إن والده حافظ على صحته، بعد أن اتخذ من الدراجة الهوائية وسيلة لتنقله، وقد أمضى أعوامه العشرة الأخيرة في العمل، في فلاحة الأرض وزراعتها، وكانت له حديقة فيها شتى أنواع الأشجار، تقدر مساحتها بدونمين، لكنَّ المرض أقعده في آخر شهرين من حياته، نتيجة انسداد بعض صمامات قلبه، وإصابته بالضغط، وقبل أيام من وفاته نقل إلى مستشفى جنين الحكومي.

وفاضت روحه صباح (16/6/2015)، وتم تشييع جثمانه في جنازة مهيبة من مسجد بلدة برقين الكبير، وتم دفنه في مقبرة البلدة، بعد حياة حافلة بالمقاومة والتضحية والجهاد، لرجل عاصر الاحتلال في أول أيامه، وقد غادر الدنيا وهو على أمل أن تكتحل عيناه بوطنه محرراً، لكنه عزاؤه أنه قام بواجبه، ونقل حب المقاومة إلى كل من يحب ويعرف.


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الخميس 27 يوليو 2017, 10:44 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: أديب جرار.. إذ يترجل الفارس بعد عقود من الجهاد   الخميس 27 يوليو 2017, 10:39 am

رحيل أديب جرار ذاكرة فلسطين

شفيق ناظم الغبرا
جاءني إتصال غير متوقع في أوائل هذا الشهر من أحمد جميل عزم الأستاذ في جامعة بير زيت: «أردت أن أعلمك بأن صديقنا المشترك أديب جرار قد توفي بعد العملية الجراحية التي أجربت له في باريس». سقط الخبر كالصاعقة. تمالكت نفسي بينما أشعر بأن صخرة كبيرة هوت عليّ وأفقدتني قدرتي على استيعاب ما وقع. أديب مناضل من مدينة عكا التي تم احتلالها عام ١٩٤٨، ومن مواليد ١٩٥٧. كان معالجاً نفسياً وشخصية مقدامة ومحبة للعمل العام. وكان، على رغم انتمائه الى الأقلية الفلسطينية التي بقيت في الأرض التي أحتلت عام ١٩٤٨، قرر أن يستقر بصورة موازية في رام الله المحتلة، وهكذا كان يمضي وقته بين المدينتين في عملية توحيد لمعنى فلسطين التاريخية كما شعر به. وما إن انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في أواخر ١٩٨٧ حتى وجد نفسه منخرطاً في فعالياتها وأعمالها. التقيته في المرة الأولى في القاهرة عام ١٩٨٨ أثناء مشاركتي في أحد المؤتمرات، جلسنا لساعات بينما كنت أستمع الى تجاربه عن ملحمة الانتفاضة. ومنذ ذلك الوقت نشأت بيننا صداقة دامت حتى وفاته في باريس في الثاني من هذا الشهر.
وغلى رغم لقاءاتنا التي لا تعد ولا تحصى، إلا أنني مدين لأديب بأنه أراني جانباً من فلسطين لم أكن لأراه لولاه. فعلى رغم انتمائي الى التجربة الفلسطينية الأليمة، وذلك من خلال النكبة أولاً ثم من خلال المقاومة في جنوب لبنان في سبعينات القرن الماضي ثانياً، إلا إنه لم تتوافر لي فرصة زيارة الأرض والمكان الذي بدأت معه القصة الفلسطينيية بكل قسوتها. شجعني أديب جرار على الزيارة وقام بإصرار غريب بإسكات جميع مبرراتي لعدم الذهاب. وهكذا في صيف ٢٠١٢ عبرت الجسر الفاصل بين الأردن ودولة الإحتلال، وللوصول الى فلسطين والضفة الغربية المحتلة مررت رغماً عن إرادتي بكل رموز الإحتلال المهينة للكرامة العربية. وصلت الى رام الله حيث انتظرني أديب.
ومنذ اللحظة الأولى التي التقيت أديب في فلسطين وفي رام الله لم يتوقف عن الشرح والتوضيح. سار معي خطوة خطوة في كل فلسطين من نهرها الى بحرها. في الخليل مثلاً شاهدت أسوأ أشكال العنصرية وكيف قسمت إسرائيل المسجد الإبراهيمي ليخدم المستوطنين، وتجولت في سوق الخليل الشعبي المميز ولكن المحاصر من المستوطنين، وفي القدس رأيت المستوطنات والمواقع المحتلة التي تحيط بالمدينة وتطوقها، وفي نابلس زرت أقاربي. رافقني في كل المحطات، كما عرفني على أصدقائه، فأديب يتحرك في طول الأرض وعرضها بحب الناس له وباحترامهم لدوره ولإحساسه وصدقه، فهو يمتلك رقة الشاعر وأحساس الأديب. هكذا أمضيت أيامي في فلسطين بفضل أديب في لحظات تفاعل مع مناضلين من خيرة مناضلي الشعب الفلسطيني.
في كل مكان من فلسطين لأديب قصة يرويها وحادثة تعكس عمق معارفه، وبينما نحن في السيارة كان يتوقف ليريني حرشاً كثيفاً، وإذا بالحرش مكان لقرية فلسطينية تم إحراقها على يد العصابات الصهيونية بعد طرد أهلها عام ١٩٤٨، نسير قليلاً في السيارة فيتوقف أديب ليأخذني وراء صخور وراءها سر من أسرار التاريخ وظلامه فيريني مقبرة فلسطينية كبيرة ما زالت قائمة وتعود في تاريخها لمئات السنوات. في كل مكان أراني أديب كيف تحيط فلسطين العربية بإسرائيل الغازية، وكيف تتغلغل فلسطين في قلب الذاكرة الحية لضحاياها.
ذهبنا سوياً الى حيفا المحتلة عام ١٩٤٨، وبينما كنا نسير في شوارعها وأزقتها كان يوقف المارة في الطريق سائلاً عن معالم في المدينة. بسببه وصلت الى مكان عمل والدي الطبيب قبل النكبة في مبنى مصفاة حيفا. في حيفا أردت ان أشرب القهوة في أحد المقاهي، لكن أديب الملتزم أصر بأن ننتظر ريثما نجد مكاناً في المدينة مملوكاً لعربي فلسطيني. فعلى رغم كون أديب من مدينة عكا ويحمل هوية إسرائيلية لأنه من فلسطينيي ١٩٤٨، فرفض أن يحتسي قهوة في حيفا من متجر إسرائيلي. فهو يطبق في حياته قوانين المقاطعة الشاملة. لم يكن أديب كارهاً لأحد او لأي دين أو ثقافة، لكن موقفه كان واضحاً: طالما أن الظلم مستمر ضد الشعب الفلسطيني فهو مستمر كذلك في المقاومة بوسيلته وبالطرق التي يستطيع تحقيقها. وبالفعل أخذني أديب الى مقهى صاحبه فلسطيني ويقدم أفضل قهوة وأفضل المأكولات. أراد أديب بهذا السلوك مهما بدا بسيطاً أن يدعم القطاع العربي في فلسطين لأنه يرى أن مستقبل وجود الشعب مرتبط ببقائه على الأرض وبتمكينه اقتصادياً وإنسانياً وبرفع الظلم عنه في كل الأبعاد.
أديب الحيوي الذي ينبض بالحياة يشعر بأنه مالك الأرض الوحيد وابنها الشرعي الذي لم تلد غيره. في حديثه وتعبيراته تكتشف أنك أمام روح متجددة تنبع من أعماق فلسطين التاريخية. في فلسطين انتقلت مع أديب من مكان الى آخر، كان معي في مدينة طبريا عندما وجدت منزل جدي ومنزل والدتي عند ضفاف بحيرة طبريا في فلسطين قبل ١٩٤٨. كان المنزل خالياً لكنه واقف وشامخ. سار معي في أرجائه، ثم انسحب ليتركني لوحدي أتأمل بأسى تاريخ القصة اللعينة بكل ما آلت آليه وبكل ما حملته الينا عبر الذاكرة والتجربة.
عندما ذهبنا الى مدينته عكا حيث تقطن والدته وأسرته الممتدة من عائلة جرار، أخذني الى فندق عربي. كان ذلك الفندق من الفنادق القليلة المملوكة للعرب. في عكا العربية كشف لي الكثير عن تفاصيل الحياة في المدينة التي تبلغ نسبة العرب فيها ٣٠ في المئة. سار معي نحو قلعتها التي تتبوأ مكاناً مميزاً في التاريخ الفلسطيني والإسلامي، ثم أخذني الى مقبرة عكا حيث ترقد أخته لميس جرار التي توفيت في الولايات المتحدة منذ بضع سنوات. جاءت معنا الى المقبرة ابنة لميس التي التزم أديب رعايتها وتربيتها مع والدته في عكا. وكم كانت الصدفة الكبرى عندما وجدت قرب قبر لميس قبوراً لثلاثة من كبار مناضلي فلسطين (محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي) ممن أعدمتهم السلطات البريطانية في عكا عام ١٩٣٠ بسبب دورهم الكبير في ثورة البراق عام ١٩٢٩. تلك المقبرة الى يومنا هذا هي في حماية فلسطينيي عكا وسكانها العرب. سرنا أنا وأديب من مكان الى آخر نكتشف عكا، وعلى رغم فرحتي بوجودي في قلب الأرض الفلسطينية، تعايشت معي لحظات من الحزن، فحال فلسطين تعكس واقع الأمة العربية والإسلامية وعمق الوهن الذي أصابها، لكن بوجود أديب كان يعود إليّ التفاؤل بما يأتي به اليوم التالي. أرض فلسطين تنبت بطبيعتها شخصيات شامخة كأديب جرار.
أديب الذي قرأ كتابي «حياة غير آمنة» وقصة النضال عبر لبنان ونظم لي توقيعاً للكتاب في رام الله بالتنسيق مع مركز علاج وتأهيل ضحايا التعذيب (د. محمود سحويل) أصر أن يصحبني الى الحدود من الجانب الإسرائيلي. أراد أن يريني كيف يبدو كل شيء من الجانب الآخر لبنت جبيل ومارون الراس اللبنانيتين. كانت تلك مغامرة كبرى لأنه أدخلني الى مستعمرات إسرائيلية كانت محطات لقصف المقاومة الفلسطينية في زمن السبعينات والثمانينات. كان يسير على الأرض بثقة سكان البلاد الأصليين وكبريائهم.
ومن أقصى الحدود انتقلنا الى الناصرة تلك المدينة العربية التي نجحت في الحفاظ على وجودها على رغم عوامل التهجير والاقتلاع. بقينا في فندقها العربي لليلة، التقيت أقرباء مباشرين لي من عائلة والدتي ممن استطاعوا تفادي مأساة التهجير الشامل من الأرض. كان ذلك أول لقاء تعارف مع جزء مهم من عائلتي التي تشتتت وتفرقت بسبب قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨.
أحب أديب الحياة في عكا ورام الله، وكانت باريس محطته للراحة والتقاط الأنفاس. كان فرحاً يوم حصل على جنسية فرنسية قبل سنوات عدة. أعلن لي: «الآن استطيع القدوم بسبب الجنسية الفرنسية الى الكويت وزيارة أي دولة عربية أريد». شعوره بأنه يحيا في إسرائيل كفرد من أقلية عربية مضطهدة في دولة يهودية تعلن كل يوم بأنها وجدت من أجل المصادرة والتهويد، جعله يعشق الذهاب الى العالم العربي وجعله في الوقت نفسه اكثر تمسكاً بحقه في فلسطين. ففي العالم العربي، سواء كان ذلك في القاهرة أو الأردن وفي الكويت، يشعر أديب بأن من يشبهونه من العرب هم الغالبية، وهذا زاد من فهمه لتلك الحالة التي أدت، بسبب الصهيونية والتهجير الممنهج، الى تحويل الفلسطينيين في فلسطين ١٩٤٨ الى أقلية. في السنوات الأخيرة جاء زائراً للكويت وذهب الى لبنان ومر على بلدان عربية أخرى.
عاد أديب جرار في حزيران (يونيو) ٢٠١٧ الى باريس بسبب عارض صحي طارئ أصاب قلبه، وبعد الفحوصات تبين إنه مضطر للخضوع لعملية جراحية دقيقة. تحدثنا قبل العملية، ثم تواعدنا على اللقاء في باريس في فترة النقاهة، واتفقنا أيضاً أن نذهب في حج جديد الى فلسطين ومعي أفراد عائلتي لنأخذ من المكان روحاً جديدة ونستمع للمرابطين على الأرض الحافظين للتاريخ المقاومين للتهويد والأسرلة.
عندما اندلعت أحداث القدس هذا الشهر شعرت بأن روح أديب التي صعدت الى السماء تحيط بالمقاومين والمصلين. من دون أديب ستكون نكهة الذهاب الى فلسطين مختلفة، لكن غيابه يؤكد أهمية البحث عن ذات التاريخ والأماكن والمواقع التي نشر فيها مقاومته اليومية للظلم والاحتلال. كان أديب جرار متطوعاً بلا تحفظ ومقاوماً بصدق وتفاؤل في المكان السليب الذي صنع هويته وأسس وعيه ومعارفه.
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت
عن الحياة اللندنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: أديب جرار.. إذ يترجل الفارس بعد عقود من الجهاد   الخميس 27 يوليو 2017, 10:39 am

(إلى أخي الرّاحل، الدكتور أديب جرّار*)

 

بقلم: فريد غانم

 

دوائرُ، دوائرُ؛

سُلَّمٌ حجَريٌّ عتيقٌ، نمَّشَتْهُ ثقوبُ الوَقْتِ، يتسلّقُ إلى بابِ جامعِ الجزّار، أمامَ حجَارةٍ عضَّها بحرُ عَكّا، خلفَ باعةِ الفُولِ والتّاريخ.

نهرُبُ في هذا القيظِ المطّاطيِّ، مثلَ دُخانِ سيجارتَيْنا، من مُحاضرةٍ بلغةِ "دونْ كيخوتِه"، يُلقيها مُرشدٌ أسمَرُ بطاقيّةٍ تشبهُ طبَقًا، ونقتفي ظلًّا يسقطُ سَهوًا من شجرةٍ تشربُ الأذانَ، قطرةً قطرَةً، وتحفظُ الكتابَ عن ظهرِ قلبٍ.

و"حيفا ليسَتْ قرطبة"(1) وعكَّا ترى غرناطةَ في مرآتِها.

يقولُ لي صاحبي، بصوتٍ يُشبِهُ الثَّلْجَ: أَما زلتَ تبحثُ عن الفضائيِّينَ، الّذين خرجوا من أوراقِ إميل حبيبي(2) بعيونٍ تشبهُ المَنارات، ثمّ انطلَقوا من الحاضر المُرِّ إلى ماضٍ مُعَسَّلٍ، ولمَّا يعودوا إلى مستقبلٍ لم يعُدْ في انتظارِهم؟

أقولُ: بل أبحثُ عن صديقي أديب. تركَني هُنا، منذ أربعينَ عامًا، في تجاعيدِ المكانِ، وَمَضى.

هناكَ التقَيْنا كهلًا في عمرِ أبناءِ نُوحٍ، كان يُلقي الكلامَ مثلَ آلةِ تسجيلٍ، على حفنةٍ من السُّيّاح والسّائحات المُدجّجين بالآهِ والدّهشةِ وأقمشةٍ تستردُّ الاحتِشام. قصَّ علينا، بالإنجليزيّة، بلهجةِ أهلِ الجاهليّةِ، حكايةَ ثلاثِ شَعراتٍ مُقدّسةٍ وحكاياتِ الأنبياء والأولياء والأشقياء، فشَرِبْنا البحرَ بالشّوكةِ(3) وكسَرْنا نابليونَ مرّةً أخرى.

وكانَ أديبٌ يحملُ عكّا ويدورُ في شقوقِها. رطوبةٌ تلعَقُ الأسوارَ مثل ذئبٍ جائعٍ، وشمسٌ تُلوِّحُها. في شارع المتنبّي، قربَ وردةٍ مدَّتْ لِسانَها، نسمعُ أغنيةَ "روك أند رول" بصوتِ ريتشارد قلب الأسد(4)، ثمّ نأكلُ أصابعَنا وصحنيَّ حمُّص في مطعم "أبو الياس"، وندخلُ في  ظلِّ الحِجارةِ التي فقدَت وجوهَها.

وأديبٌ حاضرٌ، في الأزقّةِ وسُمرةِ الصّيّادينَ ورائحةِ الأسماكِ ونخلةٍ تُطلُّ من سقفِ زاوية صوفيَّة. نسبَحُ في العَرَقِ الصّاعدِ مِنّا. من سجن عكّا يطيرُ النّشيدُ، جنازاتٍ وأعراسًا، ومريمُ السّمراءُ ترتدي اللّيلَ في النّهار، وتشتُمُ تحتَ القناطرِ المصابةِ بالإعياء، الجيوشَ التي حاصرَتْها من البَرِّ.

أقولُ لَهُ: لا تُحمِّلْ قلبَكَ ما لا يحتَمِلُ.

فيصيرُ قافلةً من النَّملِ، تحملُ حقلًا من القمحِ، وتُطعِمُ الفقراء.

وأقولُ: أغمضْ جفنَيْك، يا أديب، فالعينُ تدمى حين تقاومُ مخرَزًا.

فيصيرُ عنقودًا من النُّحلِ، ويفيضُ شهدًا على الشّفاه.

ثمّ يعيدُني صاحبي إليَّ؛

سُلَّمٌ حجريٌّ، مثقوبٌ بالوقتِ، يهبطُ من بابِ جامع الجزّار إلى فضاءٍ يضيقُ.

وفي الغَربِ، فوقَ هديرِ البَحرِ، أرى أديبًا عائدًا من باريس، يحملُ عكّا إلى عكّا، تلفُّهُ غمامةٌ بيضاءُ، في شكلِ شُرفَةٍ للوَطَن.

_____________________

إضاءات:

*الدكتور أديب جرار (علم النّفس)، ابن عكّا. حملَها معه في ترحالِه في كلّ الجهات. ووافتْهُ المنيّةُ، عن عمرٍ يناهز ستّين عامًا، إثرَ عمليّة جراحيّة في القلب في العاصمة الفرنسيّة باريس. فعادَ بعكّا إليها.

(1) "حيفا ليست قرطبة" كتاب المرحوم الدكتور شوقي قسيس (ابن قرية الرّامة، الجليل)، الذي وافته المنيّة في المهجر حين كان يستعدُّ للعودة إلى مسقط رأسه.

(2) كتابُ الأديب الرّاحل إميل حبيبي الشّهير "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل".

(3) يقول أهل عكّا، تحدّيًا ولكن بلهجةٍ لا تخلو من الدُّعابة، إنّهم يشربونَ ماءَ البحر بالشّوكة، تمثيلًا على قدراتِهم.

(4) قائدٌ صليبيٌّ شهير (ملك إنجلترا) اشتُهرَ بالمجازر التي ارتكبها في عكّا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50467
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: أديب جرار.. إذ يترجل الفارس بعد عقود من الجهاد   الخميس 27 يوليو 2017, 10:41 am

ستبقى عكا كما نعرفها .. لؤلؤة فلسطين .. بقلم المغترب العكي اديب جرار


اذكر من تلك الفترة الجميلة من الطفولة وريعان الشباب في مدينتنا الخالدة عكا، ذلك الشعور القوي بالانتماء والاصالة والنقاء في التعامل، وان اهل البلد باكملهم هم امتداد لعائلة كل منا، والمحبة اسلوب حياة، وان عكا كلها وبالذات القديمة لنا، وكل زقاق، وصخرة، البناجر والاسوار، وشط العرب وعز الدين، وأماكن العبادة بأجمعها، والبحر، وسبيل الطاسات على أعتاب مسجد الجزار، والأسواق والخانات، وسينما بستان وصاحبها طيب الذكر سليم الشاويش، والأفلام في الهواء الطلق، حيث تجاور المكان الإنسانة الصلبة بالعقيدة والكرامة أم احمد زيدان وعائلتها، وساحة عبود والشيخ عبد الله وحارة المجادلة والزاوية الشاذلية حيث سكنت عائلتي، ومواسم مولد النبي الشريف والكشافة الإسلامية والأرثودكسية محتفلة سوية، ودحلة طافش، وكل ذلك الحيز العام والخاص الذي من خلاله تنفست الرئتان هواءا طلقا معطرا بمحبة الواحد للآخر.

اعتقد أننا كنا أبرياء في تلك المرحلة ولم نفهم ان تلك العلاقات المنسوجة كانت حتمية لحفظنا جميعا من آثار النكبة والتشريد التي عاشها أهلنا بحسرة وسكوت وذعر وامل صامت، واحتضانهم شوقا لكل من لجأ مرغما إلى عكا من قراها المهجرة متعاضدين سوية ومنتظرين عودة الأحباب المهجرين في لبنان ومناطق التشرد واللجوء. اليوم عكا تعيش خطر التشريد والتطهير العرقي والحضاري من جديد على أيادي نفس الغاشمين الصهاينة، والجديد فقط انها تستعمل لعبة قذرة ليلتهي ابناء البلد فيما بينهم بجدال هامشي عقيم والتي ستحرق أيادي مخططيها ومنفذيها "الأبرياء".

ما يتجاهله المستعمر واتباعه ان لعكا تاريخ مميز حيث يظهر الكثير من أهلها وكأنهم غير عابثين ولكنهم كالبركان الخامد، يغلي داخليا بهدوء بدون ان يلاحظ الآخرون، وفي اللحظة المناسبة يثورون كالأسود والنمور الجامحة دفاعا عن عرينهم، مرابطون على أسوار عكا العتية، ومسلحون بإيمانهم الراسخ ان عكا القديمة لنا فقط، وبكل ما أوتي لهم يدافعون عن الوطن السليب بأكمله وبضلعه القوي عكا قاهرة نابليون وغيره.

آن ألأوان لنعيد لحمتنا كما تعودنا من أهل عكا وقضاءها ولا ننتظر متفرجين على اخلاءنا البطيء الممنهج، لنتوحد بكل قوانا لتبقى عكانا مزدهرة بأهلها الفلسطينيين أحفاد الكنعانيين الأشداء، ونعيد إعمار عكا وتحسين ظروف سكن أهلها وننعم بما وهبنا أجدادنا من حضارة رفيعة وعمران راق وتماسك. لن نجعل عكا كما حصل في عروس البحر يافا من سلب وجرف وتهجير وبناء على انقاض عمراننا مساكن فخمة للاغنياء اليهود فقط من أنحاء المعمورة، ولا جارتنا الجميلة حيفا في وادي الصليب وحيفا التحتى وساحة الحناطير، ولا اللد والرملة الذين تحولوا بسياسة إسرائيلية إلى مرتع للأجرام، ولا قرية عين حوض للفنانين اليهود لينعموا بما بناه أجدادنا، ولا البروة مهد شاعرنا محمود درويش لتتحول إلى حظائر للأبقار ومسكنا لمغتصبيها الجدد من يهود اليمن السعيد، ولا قرانا المدمرة اثر النكبة والتي حاولت "الكيرن كييمت" اخفاء الجريمة بغرس اشجار السرو فوق انقاضها، والقائمة مستمرة.

لن نقبل بان تستمر النكبة ونحن ملتهين بمتطلبات وقسوة الحياة ومناعمها، ولن نخدع بأي وعود براقة زائفة باسم التطوير لاقتلاعنا من عكا العربية ذات تاريخ أصيل لأكثر من خمسة آلاف عام، ولن نسكت عن الضيم. تذكروا قول وليد عكا غسان كنفاني والذي سكنت عائلتة في عكا وحيفا "متى ستدقون الخزان"؟ الم يحن الوقت لنثور على من يهدفون إلى اقتلاعنا واسكاننا على ارض الطنطور المصادرة من أهالي جديدة والمكر، إلى متى سننتظر؟ هيا لنتوحد سوية لتحرير أوقافنا الإسلامية، وتعمير عكا بأهلها الفلسطينيين الذين بنوها بجهدهم، والتنعم بحضارتها المتينة، ورد كل معتد غاصب أو طامع أو منتفع. فهل من مجيب!

بقلم: المغترب العكي أديب جرار

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
أديب جرار.. إذ يترجل الفارس بعد عقود من الجهاد
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: فلسطين الحبيبة :: شخصيات من فلسطين-
انتقل الى: