منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 حكمة تشريع الحج في الإسلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: حكمة تشريع الحج في الإسلام   الإثنين 18 سبتمبر 2017, 5:41 pm

(( فيه آيات بينات ))

إن حياة المسلم كلها موصولة بالبيت العتيق حيث يبدأ صباحه بالتوجه إليه، وينهي نهاره، ويبدأ ليله بالتوجه إليه أيضا، ويمارس عملية التوجه، والصلاة خمس مرات يوميا، مصرا على استرداد معاني التوحيد وآثاره، التي انطلقت من البيت العتيق، معتقدا أن هذا الموقع الذي انطلقت منه خير أمة أخرجت للناس، يمتلك الإمكان والقدرة، في كل وقت وحين إذا توافرت الشروط، على معاودة إخراج الأمة، التي تمتلك الخيرية للعاملين، ذلك أن نهوض أي مجتمع، مرهون بتوفير شروط وظروف ميلاده الأول. إن توجه المسلم المستمر، إلى البيت العتيق، نفسيا في المعتقد، وحركيا في عبادة الصلاة والحج، يعني فيما يعني، الخلوص من العبوديات، والتحرر من كل ألوان التسلط، والضغط، والإكراه، والانعتاق من كل المغريات المادية والمعنوية، والانطلاق إلى أداء الرسالة، التي بني عليها البيت من أول يوم في تاريخ النبوة، رسالة التوحيد والتحرير.
إنه البيت العتيق، قبلة الإنسان العتيق من كل القيود والإصار، الذي يمتلك المسلم التاريخ بالتوجه إليه، فينسلك في قافلة النبوة، التي انطلقت من ذرية إبراهيم، ومقامه عند البيت الحرام، ويسعد بكسبها ويستمد من عطائها، ويدخل في قافلة الخلود، الذي لا يحده الموت، وقد يتوج هذه المعاني كلها عمليا، إذا امتلك الزاد والراحلة، فيسقط جدار الزمان، ويختزل مساحة المكان، ليحج البيت العتيق ويطوف حوله، متمحورا حول المعاني الكبيرة، التي يحملها في تاريخه الطويل، واقفا أمام الآيات البينات وجها لوجه، وفي مقدمتها مقام إبراهيم، باني التوحيد، وصاحب الحنيفية السمحة، {فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا}(آل عمران:97) {ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل}(الحج: 78).
إن الآيات البينات، التي يقرأ عنها المسلم، ويتوجه إليها يوميا، والتي كان يؤمن بها غيبا من الغيب، يشهدها هنا في رحاب البيت الحرام عيانا في لحظات، يحس معها بمعاني الخلود وآفاق الامتداد، وأخوة البشرية، ووحدة الإنسانية، ويسقط معها كل صور الزيف، والتمييز، ويستشعر أنه لم يعد بينه وبين الله حجاب، فيعب من الخير على أرض النبوة، وفي مواقع القدوة، مترسما خطا النبوة، متوسما الآيات البينات، لأنها آيات للمتوسمين، هنا في رحاب البيت العتيق، يتحرر من كل قيد، ويطلق سمعه، وبصره، وعقله، وحسه، وحدسه، لإدراك الآيات البينات.هنا في رحاب البيت الحرام، وعلى مقربة منه، يسمع من وراء الزمن المنظور، ومن غار حراء عطاء الوحي الخالد: {أقرأ باسم ربك الذي خلق}(العلق:1) فيدرك أن الإسلام كان المرحلة الفاصلة بين العلم والجهل، بين الضلال والضياع، بين الإيمان واليقين، ويدرك أيضا أن العلم مفتاح هذا الدين، ويعتصر قلبه أسى وحسرة، على أن نسبة الأمية في عالم المسلمين اليوم، هي أعلى النسب؛ ذلك أن أمة اقرأ أصبحت لا تقرأ!ولعل ذلك الصوت الغائب اليوم، عن الحياة الإسلامية، بالشكل المطلوب، صوت الوحي: بـ{اقرأ}، هو من أولى الخطوات المطلوب استردادها، وأولى الآيات البينات.فإذا نظر المسلم إلى الكعبة، التي جعلت مثابة للناس وأمنا، يلمح في تاريخ النبوة، كيف أن هذا البيت الذي بني على التوحيد، ترجمت النبوة الخاتمة معاني التوحيد فيه إلى واقع الناس، وأعلنت وحدتهم العملية، وكأنه يرى بلالا (رضى الله عنه) يصعد الكعبة، بساقيه السوداوين، ليعلن نداء التوحيد، والمساواة، وتتعاظم مكانته وتتعاظم، ليدوس بقدمه سطح الكعبة ويصبح سيدا، فالإنسان المؤمن أكرم من كل شيء - وأبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا- بعد أن كان يسمى الغراب الأسود.إن المسلم، الذي يبصر مكانة بلال، من وراء الحجب، يدرك من الآيات البينات، الشيء الكثير الغائب عن حياة المسلمين اليوم، والذي يمثل روح الحضارة الإسلامية، وهو المساواة، وعدم التمييز، وأن الأكرم هو الأتقى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(الحجرات: 13) وعندما يطوف في خياله، نموذج بلال وسليمان، لا بد له أن يقف ولو للحظات، عند معاني الكرامة، وتصويب الموازين، فبلال يصعد حتى يقف على الكعبة، والقرآن، يتلى: {تبت يدا أبي لهب وتب . ما أغنى عنه ماله وما كسب . سيصلى نارا ذات لهب . وامرأته حمالة الحطب . في جيدها حبل من مسد}(سورة المسد)؛ فيدرك هذه الآيات البينات، وكيف أن رموز الجهل والظلم والجاهلية، أصبحت وسائل إيضاح، لمصير كل الطغاة والمعاندين للحق، لقد غابت الجاهلية برموزها وتاريخها، وبدأت الآيات البينات، والمعاني الجديدة للقيم الإنسانية الجديدة.قال رسول الله(صلَّ الله عليهِ و سلَّم) فيما معناه: [إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتفاخرها بالآباء، كلكم لأدم وآدم من تراب](حديث حسن)، {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس}(البقرة: 199)المسلم في رحلة الحج، يقف كما أسلفنا، وجها لوجه أمام الآيات البينات، هنا في الحج، يصبح الماضي مستقبلا، ويتحول التاريخ، من الوراء إلى الإمام، فيتزود الإنسان بالآيات البينات، ليعود مولودا جديدا، [فمن حج لله، فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه](متفق عليه)إنه يرى صورة أبي لهب الدارسة، ويرى معها صور كل أولئك الذين يحملون الحطب اليوم، ليحاربوا الدعوة والصحوة، ويرى مصارعهم، وكيف أنهم سيصبحون وسائل إيضاح للطغاة والمتألهين، الذين يسيرون وراء لواء أبي لهب إلى النار، فيزداد المسلم قوة على قوة، وتصميما على تصميم، في الثبات على الحق، والدفاع عنه، لأنه يعلم أن الله يضرب الحق والباطل، {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}(الرعد: ).ومن الآيات البينات أيضا ما يقرره العلماء: من أن النظر إلى البيت الحرام: الكعبة عبادة، ذلك أن هذا النظر، والتأمل، والتوسم سوف يستدعي الكثير من المعاني الغائبة.إن هذا النظر، يذكر أول ما يذكر، بحكمة الرسول (صلَّ الله عليهِ و سلَّم) أثناء إعادة بناء الكعبة، ووضع الحجر كما أنه يذكر بحكمته في الدعوة، وأخذ الناس بأحكام الإسلام شيئا فشيئا، فيستمع إلى حديثه العظيم في قولته لعائشة: [لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت البيت، وأقمته على قواعد إبراهيم]. ويدرك حكمته وكيف أنه تحول إلى تغيير النفوس، لا إلى تحطيم الرؤوس، فكان يقرأ القرآن، ويطوف البيت الحرام، والأصنام تملأ ساحاته، فلم يمسها بأذى، حتى انتهى الأمر بها إلى أن كسرها عبادها، بأيديهم بعد أن آمنوا.يتأمل المسلم في الكعبة، وتأمله عبادة فيستثير التأمل في نفسه الكثير والكثير، من المعاني الغائبة، يتذكر ما كان عليه الرسول(صلَّ الله عليهِ و سلَّم) ن الصبر والمصابرة، وما كان عليه المسلمون من الاستعجال، والرغبة في النصر السريع والضيق، بالمعاناة الشديدة، وكيف أنهم لا يدركون تماما أن مع العسر يسرا، وأن العسر والشدة مقدمات النصر.وكأن المسلم الذي يتأمل في الكعبة، ليدرك الآيات البينات، يبصر من السيرة، وعند هذا المكان كيف أن الرسول (صلَّ الله عليهِ و سلَّم) كان متوسدا بردته في ظلها، عندما جاءه المسلمون يقولون: ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا، وقد أصابهم من الشدة ما أصابهم، فيقول لهم بما معناه: [لقد كان فيمن كان قبلكم يؤتى بالرجل، فينشر بالمناشير ما بين فرقه وقدمه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، ما يثنيه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، ولكنكم تستعجلون](رواه البخاري)؛ فيتعلم المسلم من رحلة الحج، فن الصبر، ويدرك أبعاده وآماده، وأعماره المطلوبة، فيدرك خطورة حرق الزمان، ويدرك خطورة الاستعجال، ويدرك خطورة التحول، من تغيير النفوس، إلى محاولة الإطاحة بالخصوم.يدرك المسلم في جنبات هذا البيت، كيف أن الكثير من الصحابة، سمعوا آيات الله تتلى وهم أهل الفصاحة والبيان، ومع ذلك لم يؤمنوا لسنوات من السماع طويلة، ثم ما لبثوا أن آمنوا، وكانوا عدة الإسلام، ورجاله العظام، فيعيد حسابه من جديد، ويدرك أن عملية التربية، والتحويل الثقافي، وتغيير النفوس من الصناعات الثقيلة، التي تقتضي الكثير من الصبر، والاحتساب، والمصابرة، حتى تنضج الثمار، ذلك أن أي استنهاض للنبتة قبل أوانها، يعني قطعها والقضاء عليها، فيتعلم من الحج فن الصبر، والاحتمال في سبيل الله، وأن لكل أجل كتابا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب "في رحاب الحرم"
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 42349
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: حكمة تشريع الحج في الإسلام   الإثنين 18 سبتمبر 2017, 5:45 pm

حكمة تشريع الحج في الإسلام

محمد إقبال النائطي الندوي
إنّ الله تبارك وتعالى فرض فرائض، وشرع شرائع، وأمر بأوامر، وذكر لها حكما وأسرارا، ليتعرّف الناس عليها، ويسرعوا خطاهم نحوها. فرض الصلاة فقال: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14]وجعل الصلاة منهاة عن الفحشاء والمنكر، وأخبر عباده أنّها أكبر وسيلة لذكره، فقال عزّ وجل: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 45] فرض الزكاة وبيّن أنّها سبب لتطهير القلوب وتزكية النفوس فقال عزّ وجل: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 103] فرض الصيام على عباده وجعلها مجلبة للتقوى في النفوس ومطردة لوساوس الشيطان في الصدور فقال عزّ وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183] وعند ما أمر الناس بالحج فقال: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه ﴾ [البقرة: 196] لم يجعل الله تعالى حكمة منوطة بهذا الأمر وهذا الفرض (الحج) سوى ابتغاء وجهه الكريم فقال: لله لا لشيء سوى مرضاته وقال: {﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97] إذن الحج عبادة القلب والروح وهو عبادة كلّها شوق وهيام، وحبّ وغرام، وعاطفة وحنان، وهو تحرّر من كل رقّ، وثورة على كل وثن، وكفر باختلاف الجنس واللون والوطن، يقول الشيخ أبوالحسن علي الحسني الندوي رحمه الله: لقد كان المسلم في حاجة - بعد هذه الصلوات التي يصلّيها كلّ يوم، وبعد شهر رمضان الذي يصومه كلّ عام، وبعد الزكاة التي يقوم بها إذا تمّ النصاب وحال الحول- إلى أن يشهد موسما هو ربيع الحبّ والحنان، وملتقى المحبين والمخلصين. (الأركان الأربعة، أبوالحسن علي الحسني الندوي، ص:243) فالأعمال التي يقوم بها الحاجّ من الطواف حول البيت العتيق، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة، والمكث في منى، والمبيت في المزدلفة، ورمي الجمار، والذبح لله تعالى، كلّها عبارة عن الانقياد الخالص والاستسلام الصادق لله عز وجل.

وقد تحدّث الإمام الغزّالي رحمه الله عن روح الحج الأصيلة وغايته النبيلة بقوله البليغ: "ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوّار من كلّ فجّ عميق، ومن كلّ أوب سحيق شعثا غبرا متواضعين لربّ البيت، ومستكينين له خضوعا لجلاله واستكانة لعزته مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد ليكون ذلك أبلغ في رقّهم وعبوديتهم، وأتمّ في إذعانهم وانقيادهم، ولذلك وظّف عليهم فيها أعمالاً لا تأنس بها النفوس، ولا تهتدي إلى معانيها العقول كرمي الجمار بالأحجار والتردّد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار، وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرقّ والعبودية. فإنّ الزكاة إرفاق ووجهه مفهوم وللعقل إليه ميل، والصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدوّ الله وتفرّغ للعبادة بالكفّ عن الشواغل، والركوع والسجود في الصلاة تواضع لله عز وجل بأفعال هي هيئة التواضع وللنفوس أنس بتعظيم الله عزّ وجل فأما تردّدات السعي ورمي الجمار وأمثال هذه الأعمال فلا حظّ للنفوس ولا أنس فيها ولا اهتداء للعقل إلى معانيها فلا يكون في الإقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد وقصد الامتثال للأمر من حيث إنّه أمر واجب الاتباع فقط وفيه عزل للعقل عن تصرّفه وصرف النفس والطبع عن محلّ أنسه فإنّ كلّ ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلاً ما فيكون ذلك الميل معيناً للأمر وباعثاً معه على الفعل فلا يكاد يظهر به كمال الرقّ والانقياد، ولذلك قال - صلّى الله عليه وسلم - في الحج على الخصوص لبّيك بحجة حقاً تعبّداً ورقاً، ولم يقل ذلك في صلاة ولا غيرها. وإذا اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم وأن يكون زمامها بيد الشرع فيتردّدون في أعمالهم على سنن الانقياد وعلى مقتضى الاستعباد كان ما لا يهتدي إلى معانيه أبلغ أنواع التعبّدات في تزكية النفوس وصرفها عن مقتضى الطباع والأخلاق مقتضى الاسترقاق. وإذا تفطّنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الأفعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبّدات وهذا القدر كافٍ في تفهّم أصل الحج إن شاء الله تعالى" (إحياء علوم الدين، الإمام أبو حامد الغزالي، 1/266).

تنزل الرحمات من الله عزّ وجل على الحاجّ تترى رضىً بما يأتي به انقيادا وامتثالا لأمر الله تعالى. هذا رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - يقول للأنصاري الذي جاء يسأله عن ثواب الحج وأجره: أما خروجك من بيتك تؤمّ البيت الحرام فإنّ لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة ويمحو عنك بها سيئة، وأما وقوفك بعرفة فإنّ الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثا غبرا من كل فجّ عميق يرجون رحمتي ويخافون عذابي ولم يروني فكيف لو رأوني؟ فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا أو مثل قطر السماء ذنوبا غسلها الله عنك، وأما رميك الجمار فإنّه مدخور لك، وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمّك» (المعجم الكبير للطبراني، رقم: 13566).

فروح الحج هي الشوق إلى لقاء الله عزّ وجل يقول الإمام الدهلوي: ربما يشتاق الإنسان إلى ربّه أشدّ شوق فيحتاج إلى شيء يقضي به شوقه فلا يجده إلا في الحج. (حجة الله البالغة، 1/59) ويشير الإمام الغزالي إلى هذه الروح الموجودة في الحج فيقول: فالشوق إلى لقاء الله عزّ وجل يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة هذا مع أنّ المحب مشتاق إلى كل ماله إلى محبوبه إضافة والبيت مضاف إلى الله عز وجل فبالحريّ أن يشتاق إليه لمجرّد هذه الإضافة فضلاً عن الطلب لنيل ما وعد عليه من الثواب الجزيل. (إحياء علوم الدين،1/267).

فالحج يتمكّن به المؤمن من إشباع رغبته، وإرواء غلّته، وتحقيق حاجته، وتسلية حنانه وعاطفته، يقول الربّ عزّ وجل: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾ [الحج: 26 - 29]. فالمؤمن يجد في الحج لذّة عجيبة وفرحة عظيمة لما يرى نفسه منقادة لأمر الله تعالى من غير حظّ للعقل. يقول الإمام الغزالي رحمه الله وهو يتحدّث عن الرمي: وأما رمي الجمار فاقصُد به الانقياد للأمر إظهاراً للرقّ والعبودية وانتهاضاً لمجرد الامتثال من غير حظّ للعقل والنفس فيه ثم اقصُد به التشبّه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجّه شبهة أو يفتنه بمعصية فأمره الله عزّ وجل أن يرميه بالحجارة طرداً له وقطعاً لأمله فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه وأما أنا فليس يعرض لي الشيطان فاعلم أنّ هذا الخاطر من الشيطان وأنّه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي ويخيّل إليك أنّه فعل لا فائدة فيه وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به فاطرده عن نفسك بالجدّ والتشمير في الرمي فيه برغم أنف الشيطان. واعلم أنّك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان وتقصم به ظهره إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه وتعالى تعظيماً له بمجرد الأمر من غير حظّ للنفس والعقل فيه.(إحياء علوم الدين، 1/270).

وبالحجّ يجدّد المسلم صلته بإمام الملّة الحنيفية إبراهيم عليه السلام ويحاول أن يتشبّع بروحه ويحافظ على إرثه ويقارن بين حياته التي عاشها إبراهيم عليه السلام وحياته التي يعيشها هو اليوم ويستعرض ما يعيش فيه المسلمون في أقطار العالم من أقصاه إلى أقصاه ويسعى للقيام بتصحيح ما وقع في حياتهم من تحريف وفساد وإعادة ذلك كله إلى أصله ومنبعه. يقول الإمام الدهلوي رحمه الله: ومن المصالح المرعيّة في الحج موافقة ما توارث الناس عن سيّدنا إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام، فإنّهما إماما الملّة الحنيفة ومشرعاها للعرب، والنبي صلّى الله عليه وسلّم بعث لتظهر به الملّة الحنيفية وتعلو بها كلمتها، وهو قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الحج: 78]. فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها كخصال الفطرة ومناسك الحج؛ وهو قوله - صلّى الله عليه وسلّم - " قفوا على مشاعركم فإنّكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ". (حجة الله البالغة، 2/87).

فالحج عبادة عظيمة لا تعدلها عبادة في الجمال والكمال، وقد شُبِّه تاركها باليهود والنصارى في الكفر والضلال. كما يقول الإمام الغزالي رحمه الله: فأعظم بعبادة يعدم الدين بفقدها الكمال ويساوي تاركها اليهود والنصارى في الضلال (إحياء علوم الدين، 1/238).

وصلّى الله تعالى على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وبارك وسلّم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
حكمة تشريع الحج في الإسلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: الدين والحياة :: السيرة النبوية الشريفة-
انتقل الى: