منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف   الجمعة 06 أكتوبر 2017, 12:35 am

الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف‘‘
حسني عايش




‘‘الغد‘‘ تنشر سلسلة ‘‘الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف‘‘ لحسني عايش

الكاتب والتربوي حسني عايش

عمان- الغد- تنشر "الغد" اعتبارا من عدد اليوم سلسلة مقالات مهمة للكاتب والتربوي حسني عايش بعنوان "الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف"، تتضمن 11 مقالا، تشكل بمجملها دراسة قيمة لهذه القضية التربوية المهمة.
حسني عايش
إلى الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات: كيف تجعلون أطفالكم موهوبين وعباقرة؟ لماذا لا يوجد بيننا أو منا موسيقيٌ عالميٌ؟ أو لاعب كرة قدم أو سلة أو تنس عالمي؟ لماذا لا نحصل على الذهب في الأولمبياد؟ لماذا لا نحصل على جوائز نوبل في العلوم والآداب؟ لماذا لا نجد بيننا أو منا مخترعاً أو مكتشفاً طبقت شهرته الآفاق؟ 
وبعبارة أخرى لماذا شعوب هذه الأمة مفلسة أو متحجرة؟ هل تفوّقها في الإرهاب سيعجّل بتفوقها في العلوم والآداب والفنون؟ هل لهذا الوضع علاقة بالجينات؟ 
في هذه الحلقة والحلقات القادمة سوف أبين أن لدينا كل الإمكانيات لنتفوق (ولماذا لا نستطيع؟) معتمداً على أحدث الأبحاث في موضوع الذكاء والعبقرية والموهبة والإنجاز التي تؤكد أن الموهبة أو العبقرية تُكوّن وتصنع، وأن البيئة بنظامها التربوي والتعليمي والنظام العام هي التي تطلقهما أو تعطل انطلاقتهما. 
سوف أقوم بكتابة بضع حلقات حول هذا الموضوع، وهذا أولها مستعيناً بأحدث الكتب ذات العلاقة، وعلى رأسها كتاب "New Insights into genetics , Talents and IQ"  لمؤلفه ديفيد شنيك، وكتاب "I Q: A Smart History of a failed Idea " لمؤلفه ستيفن ميروزم، وكتاب "Immunity to Change  " لمؤلفيه روبرت كيجن وليزا لاهي، وكتاب "The Talent Code: Greatness Isn't Born. It's Grown. Here's How " لمؤلفه دانيال كويل وغيرها.
يؤكد علماء الجينات المعاصرون أنه بعكس ما تعلمنا وعلمنا أن جينات المرء تقرر شكل مستقبله، لا تقرر الجينات وحدها أو بمفردها هذا المستقبل، وأن تفاعلها الديناميكي مع البيئة وهي عملية حيوية مستمرة منذ الحمل إلى اللحد، هي التي تحدد في النهاية سمات المرء. 
وبعبارة أخرى وكما يقول مايكل ميني - أستاذ الجينات في جامعة ماكجيل الكندية- لا توجد عوامل جينية يمكن دراساتها بمعزل عن البيئة. كما لا توجد عوامل بيئية تعمل مستقلة عن الجينات وأن ميزة أو خصلة فردية تبرز من خلال التفاعل بين الجين والبيئة. ويتم التعبير عن هذا التفاعل أو ترجمته بمعادلة:
 الجين × البيئة GXE (ج × ب) المختلف تماماً عن النموذج الخامل المعبر عنه بمعادلة E + G (ج + ب).
يبدأ النموذج الجديد (GXE) بالتفاعل مع البيئة ويستمر به طيلة الحياة، ولا أساس جيني لأي مستقبل بدون دخول البيئة عليه، فالجينات تعبر عن نفسها طبقاً لبيئاتها بدءا من الحمل وحتى الموت. 
نعم، تظل الظروف الجينية في النموذج الجديد مهمة جدا، ولكن الجينات وحدها لا تقرر من نحن، وإلا كنا متماثلين تقريباً. ويبدأ كل جين من الآف الجينات الموجودة في الـ(DNA) عملية يحول بها الحامض الأميني إلى بروتينات وهي جزيئيات متخصصة تساعد في صنع الخلايا ونقل العناصر الحيوية، وإنتاج التفاعلات الكيماوية. والبروتينات أنماط مختلفة ومهمتها بناء المداميك اللازمة لبناء كل شيء في الجسم وعليه فكل إنسان هو خلاصة أو محصلة بروتيناته. 
ويفسر لنا هذا كيف أن كل خلية في الدماغ وكل خلية في الشعر، وكل خلية في القلب.. تحتوي على كل الـ(DNA) الذي لديك ولكنها مع ذلك تؤدي وظائف متخصصة جداً من التنوع الجيني الذي يسير في طريق طويل جداً تجعل البشر مختلفين الواحد منهم عن الآخر، ليس بسبب الفروق الجينية القليلة نسبياً بيننا فقط، بل أيضاً لتأثير كل لحظة من حياتنا في تعبيرنا الجيني.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف   السبت 07 أكتوبر 2017, 9:00 am

بينت في المقالة السابقة أن النموذج الجديد المحدد لشكل المستقبل تحدده العلاقة التفاعلية بين الجينات والبيئة GXE ( ج × ب) وأن مستقبل كل فرد مفتوح على أوجه شتى ليس أي منها مقرر سلفاً. وأدعوك الآن إلى التفكير في هذا النموذج ككعكة كما يقترح باتريك باتيسون أستاذ البيولوجيا في جامعة كمبردج. 
عندما يطلب من مائة معد إعداد كعكة من المواد نفسها، فإن كعكة كل منهم تختلف كثيراً عن الأخرى، وإن كان لا فرق في المواد بين كعكة وأخرى. الفروق بينها تنشأ بالعملية (Process) التي يقوم بها كل معد بإعداد الكعكة. ومثله نمو الطفل/الإنسان فهو كيمياء (مركبة) مثل الكعكة أي لا يمكن تفكيك الكعكة بعد إعدادها إلى موادها الأولية. 
ويبين باتيسون في كل مرة أن الطفل/ الفرد يبدأ حياته (بقابلية) النمو أو التشكل بعدد لا يحصى من الطرق. إنه يشبه صندوق الموسيقى الذي يعزف لك اللحن أو يطلق لك الأغنية التي تختارها بوضع قطعة معدنية فيه. إن في الطفل/ الفرد كما في صندوق الموسيقى، إمكانية أو قابلية لعزف نغمات نموية مختلفة، ولكنه يعزف لحناً واحداً في إطار الجهة التي تختارها البيئة التي يتفاعل معها ويعيش في محيطها التربوي/ الثقافي. 
ولما كان الأمر كذلك، فإنه منذ لحظة الحمل يخضع المزاج، والذكاء، والموهبة، والعبقرية، لعملية النمو بمعنى أن الجينات بمفردها لا تصنع الشاطر، أو الغبي، أو المشاغب، أو المؤدب، أو المكتئب، أو الفرِح، أو الموسيقي، أو الرياضي، أو الأديب، أو البليد... تنتج كل هذه الخصائص أو الخصال من التأثير الديناميكي المتبادل والمعقد بين الجينات والبيئة، ففي كل يوم وبكل طريقة تقوم البيئة بتشكيل الجينات بمجرد تفعيلها. إن حياتك تتفاعل مع جيناتك. لقد تبين بالبحوث أن النموذج الجديد GXE (ج × ب) يقوم بدور حاسم في كل شيء: في مزاجك، وفي خصالك، وفي صحتك، وأسلوب حياتك، وعملك، وحياتك الاجتماعية. إنه كيف نفكر، وما نأكل، ومن نتزوج، وكيف ننام.
كانت عبارة الطبيعة والتطبيع (التربية) Nature /nurture  تبدو جيدة في القرن الماضي ولكنها ليست ذات معنى اليوم لأنه لا يوجد تأثير منفصل عن الآخر بين الجينات والبيئة، فالجينات والبيئة غير قابلة للفصل أو الانفصال ولن نستطيع فهم العالم الجديد للذكاء والموهبة والعبقرية بدون دمج هذه الفكرة في لغتنا وتفكيرنا. 
يجب أن تحل مقولة النمو الديناميكي محل مقولة الطبيعة والتطبيع (التربية) لقد صارت فكرة النمو الديناميكي المثال المحتذى للموهبة أو العبقرية، وأسلوب الحياة وحسن الصحة. وهي أن الجينات تؤثر في كل شيء، ولكن قراراتها قليلة جداً. القرار النهائي للبيئة. 
النمو الديناميكي هو الذي يجعل بيولوجيا الإنسان صندوق موسيقى بإمكانيات شتى من النغمات أو الألحان. بمعنى أنه لا توجد فيه تعليمات مسبقة قائمة من أجل نوع من الحياة، بل إمكانية أو قابلية مسبقة فيه لحيوات مختلفة ممكنة، فلا واحد مصيره مقرر سلفاً ليكون متوسطاً أو بين بين. إن وجود جين معين يؤدي أوتوماتيكياً إلى إنتاج نمط معين أو عدد معين من البروتينات بعد حث أو تنشيط أو تفعيل البيئة له. وفوق ذلك اكتشف علماء الجينات حديثاً أن بعض الجينات (لم يعرف عددها بعد) متحولة أو متقلبة، أي أن الجين يستطيع في بعض الحالات إنتاج بروتينات مختلفة اعتماداً على كيفية ولحظة تنشيطه. 
لطالما كرر وادّعى العلماء في السابق وتبعهم الناس قائلين: هذا الفتى ولد صغير الحجم، وهذا ولد ذكي، أو موهوب، أو عبقري، أو موسيقار، أو ليكون لاعب كرة قدم، وهكذا. إنها افتراضات مغوية أو مضللة لنا نكررها في هذه المناسبة أو تلك غير أننا عندما ننظر إلى ما وراء التاريخ الجيني نكتشف أن هذه الأقوال غير صحيحة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف   السبت 07 أكتوبر 2017, 9:00 am

قلنا في الحلقة السابقة أن لا أحد يولد وذكاؤه مقرر أو محدد سلفاً، لأن الذكاء تحدده نتيجة التفاعل الديناميكي بين الجينات والبيئة. وعليه فإنه يمكن تحسين الذكاء وزيادة المعروض من الموهوبين والعباقرة في المجتمع. إنّ قلة قليلة من الناس بلغوا مستوى ذكائهم الممكن. وذلك بعكس العلم القديم الذي ظلّ يدّعي حتى اليوم أن الذكاء فطري وأنه محدود، وكمية ثابتة لا يمكن زيادتها. وكانت مهمة المدرسة الكشف عن هذه القلة، والكتابة إلى الوالدين عن أطفالهم المقصرين مدرسياً: يُكتفى بتعليمه. غير أنه في ضوء الأبحاث الجديدة في هذا الموضوع يصبح واجباً علينا أن نصحح هذا التشاؤم القاسي أو الهمجي كما كان يدعو الفرد بينيه نفسه – مخترع اختبارات الذكاء، لكن الذين خطفوا الفكرة في أميركا دمروها، وجعلوا اختبارات الذكاء "بزنساً" يدر الملايين من الدولارات سنوياً للشركات التي تُعدها أو تجريها وعلى حساب الذين يفشلون في بلوغ المستوى المرتفع فيها، مع أنها لا تصلح لقياس الذكاء، فالذكاء ليس شيئاًَ قابلاً للقياس الكمي. إنها اختبارات تحصيل تعتمد نتائجها على بيئة الطفل في الأسرة والمدرسة والمجتمع، فلا يجوز إدانته عليها وتحديد مستقبله في ضوئها. وعلى كل مدرسة محترمة لحقوق الإنسان أن لا تجريها، وإن ظلت أميركا تجريها لأنها أصبحت تقليداً لا تستطيع التخلص منه على الرغم من البحوث الحاسمة ضدها. هل تستطيع بريطانيا السير على اليمين؟ هل تستطيع المدرسة في أميركا إلغاءها وقد أصبحت حدثاً يومياً يصدقه الناس المغفلون؟ 
لقد كانت النساء، واليهود، وشرقيو أوروبا يفشلون فيها، ويرى ديفيد شنك أن المأساة الحقيقة لاختبارات الذكاء هي الرسالة التي تبعث بها لكل طفل أن ذكاءك معطى أو مقرر فطرياً وليس قابلاً للنمو. 
يفيد عالم النفس ايفان ولسون في شهادته أمام المحكمة في قضية جرمية كبيرة أن اختبار ويز الثالث WAIS _III هو اختبار الذكاء المعياري للراشدين في أميركا. وأنه يوجد اختبار ويز للأطفال من سن سنتين ونصف وما فوق، وأنها معولمة. 
لا تدل علامات اختبارات الذكاء كم أتقن الطفل فعلاً مادة الاختبار، وإنما تبين مقدار إتقانه لها مقارنة بغيره، إنها تجعل له مرتبة في قائمة من الناس. إن الحط الأتوماتيكي لمن يحصل على علامة 100 خلط بين القيمة النسبية والقيمة المطلقة. 
لما تبين لرجال الأعمال في أميركا "بزنسية" الاختبارات أقبلوا وعملاءهم من علماء النفس والقياس على الترويج لها واستخدامها في كل ميدان مسلحين بنظرية الانتخاب الطبيعي. 
نعم، لا مانع من إجراء امتحانات التحصيل بهدف استخدامها للتغذية الراجعة، إي لتحسين التعلُم والتعليم ولكن استخدام اختبارات الذكاء والقدرات مدمّر للذين يفشلون في بلوغ المستوى المرغوب فيه، عادة بالصدفة أو بتأثير البيئة السلبي (الوضع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للأسرة والمدرسة) عليهم. 
إن علامات اختبارات الذكاء ترتبط عكسياً بدرجة عزلة مجتمع الطفل، فكلما زادت العزلة وسوء الوضع المذكور انخفضت العلامات. وقد تم التعليق على تلك النتيجة بالقول: الأطفال ينمون حسب متطلبات بيئاتهم، كما يفيد عالم النفس النيوزلندي جيمس فلن الذي اكتشف عمق ومصداقية هذه المقولة. لقد تبين له من مقارنة علامات الذكاء عبر قرن أن علامات الاختبار ترتفع كل بضع سنوات بمعنى أن أطفال اليوم يبدون أذكى من نظرائهم في الأمس. 
إننا نعرف اليوم أن البيولوجيا لا تقرر مصير أو مرتبة الفرد في المجتمع، بل العوامل الاجتماعية الثقافية والاقتصادية والأكاديمية المؤثرة عليه، وأنه لا فرد يبقى في مرتبته الأصلية إذا تغيرت تلك العوامل ايجابياً أي أن الفرد يمكن أن يصبح أذكى إذا تطلبت بيئته ذلك. 
ولإطلاق إمكانيات الأطفال لا بد مما يلي:  • التكلم مع الأطفال مبكراً وكثيراً. • القراءة لهم مبكراً وكثيراً. • التغذية الجيدة والتشجيع. • توقعات أعلى في كل مرة.  • قبول الفشل واعتباره فرصة للتعلم. • تشجيع التنمية العقلية للطفل لأن الذكاء ليس ثابتاً أو محدوداً وإنما عملية (Process) ديناميكية مستمرة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف   السبت 07 أكتوبر 2017, 9:00 am

ذكرنا في الحلقة السابقة أن الذكاء ليس محدوداً أو ثابتاً بل عملية (Process) ديناميكية مستمرة. إن معنى ذلك أن الذين ينجزون أو يتفوقون ليسوا أذكى من غيرهم بالفطرة بل مثابرون ومنضبطون أكثر منهم. ونخدع أنفسنا عندما نعتقد أن قياس ذكاء شخص ما مثل قياس طول طاولة أو عرضها، أو -على الأصح- مثل قياس وزن طفل عمره خمس سنوات. إن قياس أو نتيجة أي قياس نحصل عليها تنطبق على يوم القياس فقط. لا نعرف كيف تكون النتيجة غداً. إن ذلك يتوقف على الطفل وعلينا جميعاً. 
 وبعبارة أخرى: لو كانت الجينات فقط هي المحدد للمستقبل أو العمل أو المهنة لتماثل جميع الأطفال من مختلف الثقافات والأعراق الذين يملكونها أو لحصلوا على العلامة نفسها في اختبارات الذكاء. الجينات لا تحدد المستقبل أو العمل أو المهنة. الاتجاه تحدده البيئة. لا تنتج الجينات وحدها الشخصيات نفسها. إن البيئات المختلفة هي التي تنتجها. تؤكد البحوث العلمية أن الموهبة أو العبقرية ليستا فطرتين، وإنما نتاج أو محصلة تراكم خفي وبطيء من المهارات التي تتكون منذ لحظة الحمل بالجنين. 
نعم، يولد كل واحد منا مختلفاً، وقد يكون لبعضنا ميزات للقيام بأعمال معينة، لكن لا أحد مصمم جينياً نحو العظمة في التفوق أو الإنجاز. إن قلة قليلة جداً معوقة بيولوجياً لا تستطيع بلوغها.
يتطلب استرجاع بعضنا لكميات استثنائية من المعلومات الجديدة استخدام الإستراتيجيات الصحيحة والتمرين الصحيح والكثيف لاسترجاعها. لقد كان السيد شفيق "عامل المقسم" في وزارة التربية والتعليم سابقاً، يحفظ عن غيب جميع أرقام الهواتف الداخلية والخارجية، لأن عمله فرض عليه ذلك. وقد أحبه وتمرن عليه وأتقنه، وكذلك يفعل سائق سيارة التكسي في لندن الذي يحفظ بالتمرين عناوين المدينة الكبرى بتفصيلاتها عن غيب، لأن عمله يتطلب ذلك وقد أحبه وتمرن عليه سنة بعد أخرى إلى أن أتقنه. وكذلك كان مايكل جوردان في لعبة كرة السلة، وكل نجم في الرياضة، أو الفن. ومثله المثابرة في الاكتشاف والاختراع. إنها العامل الحاسم في النجاح فيها وهو ما صرح به دوماً المخترع المشهور توماس اديسون الذي كان يرد على ما من يصفه بالعبقري بالقول: "ليست عبقرية أو غير عبقرية. إنها 99 % مثابرة وواحدة في المائة ذكاء". 
إن أدوات التفوق متوافرة لمن يريد استخدامها، لكننا للأسف أو لسوء المعرفة أو الثقافة المتداولة نقول لأنفسنا عندما يبهرنا إنجاز: "إن لدى كل من هؤلاء شيئاً ما لا نملكه، لقد ولدوا به ونحن لم نولد به. إنهم موهوبون أو عباقرة، وهي افتراضات راسخة في ثقافاتنا، فحسب قواميسهم وقواميسنا: الهبة هي عطية طبيعية أو إلهية، والشعراء والموسيقيون.. مولودون لا مصنوعون. وقد تحول هذا المعطى الطبيعي أو الإلهي إلى معطى جيني في القرن العشرين. 
لقد عارض الفليسوف الألماني فدريك نيتشة (1844 – 1900) هذا الاعتقاد على طول الخط واصفاً العظمة بالعملية (Process) وأن الفنانين العظام مثل موزارت لا يملون أداءها. وكدليل له على ذلك بحث نيتشة في كتب وخربشات بيتهفون، فوجدها تدل على بطئه ومثابرته وتعبه في صياغة قطعه الموسيقية لدرجة انه كان يعمل ستين أو سبعين مسودة من الواحدة قبل الاستقرار على أحدها. 
قال بيتهوفن مرة: "إنني أجري تغييرات كثيرة أرفضها وأحاول مرة أخرى إلى أن أرضى عنها. وبعدئذ أبدأ الأداء بالطول والعرض والارتفاع والعمق التي في رأسي". ولكن لا كلام نيتشة ولا كلام بيتهوفن غيّر أفكار الناس التقليدية عن الموهبة والعبقرية، لأن الناس يفضلون الفكرة البسيطة عليها وهي أن الموهبة أو العبقرية فطرية، ومن الجينات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف   السبت 07 أكتوبر 2017, 9:00 am

الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف (5 - 11)

بينا في الحلقة السابقة كيف أن الموهبة أو العبقرية ليست فطرية، وان البيئة هي التي تجعل الزهور تتفتح أو تذبل أو تموت. ونضيف اليوم قائلين: إن البرامج المكثفة لتعليم الأطفال وتدريبهم تجعل التفوق عندهم ممكنا، أي عند الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات الذين تحرروا من نظريات فطرية أو جينية الموهبة أو العبقرية. إن الأثر المشترك من التعرض المبكر والتعليم الاستثنائي والتمرين الدائم، وعناية الأسرة (وإرادة) الطفل/ة القوية للتعلم (ليس بالإكراه) والتمرين هي التي تنشئ الموهبة وتصنع العبقرية. 
لقد ساعد على إبقاء الفكرة التي تقول أن الموهبة أو العبقرية فطرية أو جينية، سائدة ثقافياً ثلاثة أمور وهي: 
• العجز عن تفسير عظمة أو إنجازات (أو معجزات) كانت عند الطفل موزارت الذي كان يملك قدرة هائلة مدهشة تبدو للناس أنها هبطت عليه من علٍ أو من مصدر ما.
• خرافة الجينات كمحدد مسبق.
• عدم وجود بديل علمي ملزم أو خطاب فعال.
كل ذلك ترك الموهبة أو العبقرية كتعبير عن قدرة استثنائية، لكن عالم النفس السويدي أندرز إيركسون وبعد إجراء تجارب حول الموهبة جاء لينفي ذلك وليقول: "لم تعد دوغما الموهبة ذات معنى بعد الآن. الموهبة ليست سببا بل نتيجة لشيء ما. إنها لا تصنع العملية (process) وإنما هي النتيجة النهائية لها. 
لقد كان موزارت في سن الثالثة مؤديا موسيقيا ومتألقا في سن الخامسة. وقد قيل أن موهبته الموسيقية هبطت عليه من حيث لا يعلم لدرجة أن والده قال: "إنه المعجزة التي سمح الله بولادتها في سالزبورغ. لكن دراسة دقيقة لتاريخ موزارت أماطت اللثام أو أزالت الغموض عن الحقيقة، وخلاصتها أن تربيته كانت استثنائية من أبيه الموسيقار، وتعبير مدهش عن العملية (process). لقد استحمّ بالموسيقى قبل ولادته، وكانت طفولته ليست كأي طفولة. كان والده ليوبولد موزارت النمساوي الموسيقار والمؤلف الموسيقي ومعلم الموسيقى، شديد الطموح. كان يحلم بأن يكون موسيقارا عظيما وقد وصل السقف... ولما ولد موزارت كرّس نفسه له أي ليكون بديلا له لجعله علامة موسيقية خالدة، فانتقل من التركيز على طفلته نانيرل المتميزة هي الأخرى موسيقيا قبل ظهور موزارت إلى التركيز على موزارت مسّرعاً نموه نحو الموسيقى. 
لم يكن موزارت أدائيا موسيقيا عظيما أبدا في الحقيقة. كان متقدما على عمره بالتمرين، ولكنه لا يقارن بالموسيقيين الماهرين الكبار. لقد أدهش موزارت البلاط الملكي وكان في ذلك الوقت غير عادي بالنسبة لقدراته المبّكرة التي أتاحت له بيئته الأسرية (والده) تكوينها. ويحقق في هذه الأيام كثير من الأطفال بالتعليم والتدريب والتمرين والمواظبة عند كبار الموسيقيين المستوى نفسه أو أفضل منه.  نرسل أولادنا وبناتنا أو أحفادنا وحفيداتنا لتعلم الموسيقى... مرة أو مرتين في الأسبوع عند معلم خاص للموسيقى وعندما يبدأون بالتعلم لا يواصلونه بالتمرين في البيت على طريق التفوق به. وسرعان ما نمل وإياهم من جراء توصيلهم إلى بيت المعلم وإعادتهم منه وانشغالنا بأمور أخرى، فينتهي المشوار ولا يصبحون موسيقيين، ويضيع التعليم والتمرين والفلوس هباءً وتركن الأداة الموسيقية في زاوية ثم تختفي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف   الأحد 08 أكتوبر 2017, 7:18 am


الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف (6 - 11)



يؤدي استمرار الفكر التقليدي عند الراشدين والمعلمين والمعلمات إلى المنطق الدائري للموهبة كما يقول الموسيقار "دانيال جي. ليفيثين" لأننا عندما نقول: إن طفلا ما موهوب فلأننا نعتقد أن لديه ملكة فطرية للتفوق. ونستخدم المصطلح بالرجوع إلى الوراء عندما تكون الإنجازات متميزة. ولكن المترادفات في اللغة وعدم الدقة في استخدامها مؤشر على وجود هوة حقيقية في فهمنا للغموض المسيطر علينا. 
إن الموهبة أو العبقرية تكوين أو اختراع لا اكتشاف كما يدعي تربويو الفكر البائد إلى اليوم، ومؤتمراتهم التربوية عن ضرورة اكتشاف المبدعين لن تفيد بشيء لأنها قائمة أصلا على فكرة قديمة مغلوطة، وهي أن الموهبة أو العبقرية هبة أو معطى أو فطرة ، وأن كل ما يلزم هو اكتشافها. لا يختلف تفكيرهم عن تفكير الفلاحين السابقين الذين يرون أن هذه القطعة من الأرض تصلح للزراعة، فيزرعونها والأخرى لا تصلح فيتركونها. لكن فلاحي اليوم يرون أنه يمكن استصلاح كل أرض حتى وإن كانت صحراء وزراعتها وإنتاج الوفير فيها. 
وللأسف وسوء التقدير فبرك تربويو فكر الأمس مدارس للريادة والتميز مع بقاء النظريات والبرامج البائدة كما هي فلم يعثروا على موهبة ولم يكتشفوا عبقرياً. الفرصة يجب أن تعطى لجميع الطلبة، والتحدي بالمثابرة والتمرين والمواظبة الذين يؤديان إلى تكوين الموهبة وصنع العبقرية. إن في كل طفل/ة قابلية لذلك. إن البيئة في الأسرة والمدرسة والمجتمع هي التي تفتح الطريق لتكوين الموهبة وصنع العبقرية أو تغلقها. 
وإذا كانت الأسرة – إجمالا- أو المجتمع في بلادنا غير موهوبين، فيجب أن تكون المدرسة موهوبة بفكرها وبرامجها التربوية وفرصها لتكوين الموهبة وصنع العبقرية. إن الذين يحتلون المراكز المتقدمة في الإمتحانات العامة الأردنية والدولية مثابرون أكثر منهم أذكياء وقد تبين أنهم ليسوا أذكى من زملائهم الذين رسبوا فيها. 
إن المطلوب تربية الطفل على الإرادة والمثابرة في تحقيق الميل أو الهدف الذي يرغب فيه ويتفوق. إن استمرار الاعتقاد أن الموهوبين أو العباقرة قلة كارثي في المجتمع الذي ما يزال يتمسك بهذا الاعتقاد. إنه يحجّم التفوق والعظمة فيه. وإلى الذين يسعون إلى الوصول إلى القمة يذكرهم شنكر بما يلي: 
• التمرين يغير الجسم. لقد بين الباحثون جميعا أن التغيرات الفيزيائية في العضلات والأعصاب، والقلب، والرئتين، والدماغ ... تحدث كرد فعل مباشر للتمرين أو التدريب.
• وأن التفوق أو الموهبة تكون في مهارة أو مهارات محددة. لقد بينت البحوث أن الذين يبلغون القمة يتفوقون بمهارة أو مهارات معينة وليس في مهارات أخرى، فأبطال لعبة الشطرنج يستطيعون تذكر أو تصور مئات النقلات بالترتيب، ولكن ذاكرتهم تبقى عادية في كل شيء آخر. 
إن التغييرات الجسمية والعقلية استجابات خاصة جداً لمتطلبات مهارة معينة، فالدماغ والجسم يتكيفان مع متطلبات المهارة أي ان طبيعة المهارة/ الموهبة تفرض نفسها على الدماغ والجسم فيستجيبان لها. 
• التمرين وأسلوب التمرين والمواظبة حاسمة. التمرين او التدريب العادي قد يغير مهارتك الواهنة ولكنه لا يكفي لتصبح أفضل. إنك بحاجة إلى نوع خاص من التمرين أو التدريب لإجبار دماغك وجسمك على أحداث التغيير الضروري للتحسن في كل مرة. 
• لا يسد التمرين أو التدريب القصير المدى وإن كان مكثفا مسد التمرين أو التدريب الطويل أو المواظب المدى لأن التغييرات الحاسمة في الدماغ/ العقل والجسم تحتاج إلى وقت طويل لتحدث فسيولوجيا. لن تبلغ القمة بين عشية وضحاها ولن ينفع العليق عند الغارة كما تفعل فرقنا الرياضية.
لقد بينت البحوث أنك بحاجة إلى التمرين لاكتساب المهارة المطلوبة لمدة ثلاث ساعات كل يوم وبمقدار عشرين ساعة في الأسبوع، ونحو عشرة ألاف ساعة في عشر سنوات كي تبلغ القمة. وتحتاج كذلك  -طبعا- إلى إرادة ملتزمة وتمرين صحيح يتجاوز فيه المرء نفسه في كل مرة. إن أسلوب التمرين ومدة التمرين تنطبقان على كل تفوق عظيم في أي ميدان. إن أصحابه يقضون وقتاً أطول في العزلة والتمرين أي إلى أسلوب ثابت ومستمر من الاستعداد أو ما يسميه ايركسون بالتمرين المتروي Deliberate practice. إنه أكثر أو أكبر من العمل الشاق في التحسين المستمر للمهارة. إن التمرين المتروي يختلف عن مجرد التمرين كالذي تقوم به فرقنا الرياضية أو الموسيقية... كما أنه يختلف عن الإنغماس اللعوب في التمرين. والتمرين المتروي قد لا يكون ممتعاً لأنه ليس مجرد تنفيذ لتكرار مهارات مكتسبة سابقاً بل محاولات متكررة لتجاوز المستوى السابق في كل مرة الفاشل أحيانا، وإلا كيف تفسر دقة لاعبي كرة السلة الأميركية بإصابة الهدف من أي مسافة أو موقع في الملعب.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف   الإثنين 09 أكتوبر 2017, 4:59 am

الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف (7 - 11)



ذكرنا في الحلقة السابقة أن التمرين المتروي المستمر والملتزم وأسلوبه ضرورة لاكتساب المهارة، لكن كيف يُطّوِر التمرين المتروي مهارة الفرد لتبلغ القمة؟ بإيجاز شديد يفيد الباحثون أن عضلاتنا وأدمغتنا تتكيف مع متطلبات التمرين والمهارة المطلوبة. وقد أشرنا إلى ذلك عندما تحدثنا عن شفيق والهاتف وتكسي لندن والسائق... ولما كان الأمر كذلك فإن تلقي دروس من معلم جيد أو عظيم لا يكفي لبلوغ القمة، كما هو حاصل اليوم مع كثير من الآباء والأمهات المتلهفين لإيصال أطفالهم إليها فينقلونهم من معلم أو مدرب إلى آخر في الموسيقى أو الرياضة أو غيرهما. إلا أنهم سرعان ما يخسرون ما تعلموه أو تدربوا عليه بعد توقف الدروس، لأنهم لا يستمرون في التدريب والتمرين لتجاوز مستوياتهم في كل مرة تمهيداً لإتقان المهارة وبلوغ القمة. 
إنني أعرف عن كثير من الآباء والأمهات الذين حملوا أو أرسلوا أطفالهم لتعلّم الموسيقى ساعة أو ثلاث في الاسبوع، وأنهم أعجبوا بسرعة تعلمهم وقيامهم بعزف بعض الألحان مثل لحن النشيد الوطني و"هابي بيرث تو يو"، لكنهم لم يتجاوزوا ذلك المستوى بعد توقفهم عن التمرين، بل فقد كثير منهم المهارة الأولية. كان هؤلاء الأطفال بحاجة إلى مواصلة التمرين الصحيح آلاف الساعات ليصبحوا موسيقيين كباراً، ولكن الأهلين ملّوا والأطفال تعبوا. 
لقد وجد ايركسون فرقاً كبيراً بين اللاعبين للترويح الذين يقصدون إمتاع أنفسهم من آن إلى آخر باللعبة والتمرين، والإنجازيين الذين يُكّرسون أنفسهم له ويلتصقون به ويحسنون آدائهم في كل مرة. 
لكن ماذا عن الذين يتمرنون بانتظام وبهمة، الساعين إلى التفوق ولكنهم مع ذلك لا يتحسنّون بصورة لافتة؟ هل تنقصهم الشرارة الجينية؟ لا. يجيب ايركسون وفريقه من الباحثين: "فبعد مراجعة دقيقة للإدلة المنشورة عن الوراثة عند عظماء الرياضة، فشلنا في الكشف عن دليل قابل للتكرار لأي كبح جيني (باستثناء حجم الجسم) للوصول إلى المستويات العليا. والذين يفشلون في الوصول إليها يضيفون شيئاً في العملية (Proass): في الأسلوب أو في كثافة التمرين، أو التكنيك، أو البنية العقلية، أو الاستجابة إلى الفشل". 
لتصبح عظيماً في شيء ما يتطلب منك الجمع بين الموارد والعقلية والاستراتيجيات والمثابرة والوقت، وهي أدوات متوافرة نظرياً على الأقل لكل إنسان عادي. 
لا يعني أنها متوافرة نفسها والفرصة نفسها عند كل إنسان، وأن أي واحد منا يمكن أن يكون عظيماً في أي شيء، وأنه لا توجد فروق بيولوجية وظرفية بين الناس، لكن تكوين الموهبة عملية (Process)، والفكرة الساذجة عن الموهبة الجينية تسقط وتزول الغشاوة عنها. لم يعد معقولاً ولا مقبولاً نسبة الموهبة/ العبقرية إلى جين معين أو إلى هبة خفية. إن الهبة تنتمي إلى كل واحد منا. إنها الليونة والمرونة والاستجابة الاستثنائية القائمة أصلاً في البيولوجيا الأساسية للإنسان. الهبة الحقيقية هي حصيلة التفاعل الجيني البيئي (GXE : ج × ب). 
وتتطلب فسيولوجية هذه العملية كميات هائلة من الوقت ليس ساعات فقط من التمرين المتبصر كل يوم، بل كل أسبوع ولعدة سنوات كما ذكرنا في حلقة سابقة حسب بحوث اريكسون. 
لقد اندهش فريقه من عدم وجود أي نموذج أو مثال لأي انجاز استثنائي في أي ميدان بأقل من عشرة الاف ساعة من التمرين/ التدريب، وهو ما قضاه موزارت عندما كتب إلى أبيه قائلاً: "لا أحد كرّس مثلي الوقت الكثير والتفكير الطويل للتأليف الموسيقي فسمفونية التاسعة والعشرون جاءت بعد عشر سنوات من الأولى". 
لعله لهذا النقص في التدريب والتمرين والالتزام بهما عند الرياضيين والموسيقيين والفنانين والعلماء... العرب يجعلهم لا يفوزون بميدالية ذهبية في اولمبياد أو مونديال أو إبداع أو اختراع أو اكتشاف عالمي الآفاق والدور، فقبل المشاركة في المناسبة أو قبيلها يبدأون بالتدريب أو التمرين ولبضع ساعات أو أيام أو أسابيع فلا يفوزون بالذهب في منافسة. 
يفوز الكينيون والجمايكون في السباقات الطويلة ويحصلون على أرفع الألقاب لأن الفائزين منهم يقضون أكثر من مئتي ساعة في الأسبوع وهم يمشون ويركضون وراء قطعان الأبقار، فتلتقطهم الإدارة الرياضية ويعتني بهم المدربون ويعدونهم للمشاركة في الألعاب الأولمبية، مما جعل أحد المعلقين يقول: "وفروا لهم دراجات أو باصات يتنقلون بها ليصبحوا معوقين". قديماً قالت العرب: "لا ينفع العليق عند الغارة".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف   الثلاثاء 10 أكتوبر 2017, 3:46 am

الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف (8 - 11)

يقول عالم الأعصاب والموسيقار دانيال ليفنين، أنه نتيجة للغموض اللغوي المحيط بفكرة الموهبة، أصبحت الفكرة مجرّدة تماماً في التاريخ الإنساني كله، إلى أن جاء الباحث انديرس ايركسون وفريقه من الباحثين لينتقلوا ببحوثهم من اللامحسوس إلى المحسوس، ففي العقود الثلاثة الأخيرة، وكغيرهم من العلماء الجيدين، اتخذوا منهجاً بتفتيت الإنجازات الرياضية، والفكرية، والعلمية... إلى أجزاء صغيرة قابلة للقياس وفصل القمح من الزوان، أو الجيد من السيئ، والجيد من الأجود، والأجود من الاستثنائي، فقابلوا وسجلوا وتفحصوا ودققوا. 
لقد قاسوا كل شيء بدءاً من النّفَس، مروراً باستجابة العضلة، ووظيفة بطين القلب.. وانتهاء بالذاكرة. كما راقبوا مهارات العظام (bones) لسنوات عدة وبمرور الوقت برزت صورة ليست كاملة تماماً، ولكنها كافية من الوضوح لرؤية عملية (Process) أصغر الأجزاء المتحركة في الخلايا التي تدفع إلى التحسن في الأداء. 
ومن أجل الساعين إلى التفوق أو العظمة نلخّص فيما يلي نتيجة ما وصل إليه ايركسون وفريقه: 
• يُحدِث التمرين (Exercise) في استجابة مباشرة له، تغييراً في العضلات والأعصاب، والقلب، والرئتين ، والدماغ... عند كل زيادة قوية في مستوى المهارة في أي ميدان. 
• يجب أن تكون المهارة محددة، فالأفراد العظماء أو المتفوقون في مهارة معينة، لا يصبحون عظماء أو متفوقين في مهارات أخرى، أي أن مهاراتهم في ما تفوقوا فيه قد تبقى عادية في كل شيء آخر. إن التغيرات الجسمية والعقلية استجابات متخصصة جداً لمتطلبات مهارة معينة، بمعنى أن طبيعة المهارة تفرض على الجسم والعقل التغيرات اللازمة لإتقانها. 
• والتغيرات في الدماغ هي الأكثر عمقاً عند الرياضيين، جنباً إلى جنب زيادة قوية في المعرفة الدقيقة للمهارة أو العمل، والانتقال من تحليل الوعي إلى التفكير الحدسي (توفيراً للوقت والطاقة) وإلى مراقبة ذاتية وفذلكة تمكن الفرد من إجراء التعديلات/ التكيفات الفورية في الوقت الحقيقي. 
• أسلوب التمرين/ التدريب حاسم: إن التمرين العادي حيث تتعزز مهارتك الراهنة لا يكفي. لتصبح أفضل فإنك بحاجة إلى نوع خاص من التمرين لإجبار دماغك وجسمك على إجراء التغيير الضروري للتحسن المطلوب. 
• التمرين الكثيف القصير المدى (كما يفعل الرياضيون العرب قبيل المباراة أو المنافسة) لا يحل محل الالتزام بالتمرين الطويل المدى، لأن كثيراً من التغيرات الحاسمة في الدماغ والجسم تحتاج إلى فترات طويلة من الوقت لتحدث فسيولوجياً. من المستحيل أن تصبح عظيماً أو متفوقاً بين يوم وليلة. 
وبالتمعن في هذه الشروط نجد أن أسلوب التمرين، ومدة التمرين (المثابرة) شاملان وحاسمان بدءاً من لعبة الدارت (Dart) مروراً بلعبة كرة القدم أو السلة... وانتهاء بالعزف على آلة موسيقية أو ببحث في العمق من أجل اكتشاف فيروس أو دواء لمرض عضال. 
ويسمى ايركسون هذين الشرطيين بالتمرين المتروي (Deliberate Practice) وهو مصطلح ظهر لأول مرة في سنة 1993 في مجلة علم النفس (Psychology Review) وهو تمرين يختلف عن العمل الشاق لأنه شكل خاص من النشاط المختلف عن مجرد التمرين أو اللعب بدون تفكير، فالتمرين المستدام يؤدي إلى تحسن مستمر في المهارة، وبخلاف الانغماس اللعوب مع الأقران في تمرين أو نشاط، فقد يكون التمرين المتروي غير ممتع بالضرورة، لأنه ليس مجرد تنفيذ أو تكرار للمهارات المكتسبة سابقاً، بل محاولات متكررة لتجاوز المستوى الراهن في كل مرة المصاحَب بالفشل المتكرر أحياناً إلى الحد الذي يعتبره الفرد نجاحاً. 
إن مجرد اللعب الكثير في الشطرنج أو الجولف، أو العزف أو أخذ دروس منها عند معلم مدهش لا تكفي، وأن مجرد الرغبة في المهارة مهما كانت قوية لا تكفي. التمرين المتروي يتطلب بنية عقلية لا تكتفي أبداً بالمستوى الراهن. إنه يتطلب نقداً ذاتياً دائماً وقلقا (مرضيا) وعاطفة مصرة على تجاوز ما عند الفرد من استطاعة، لدرجة الرغبة في الخيبة والفشل دون انهاء المحاولة أي الالتزام في التغير نحو الأفضل والأعلى والأقوى والأسمى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
مقالات حسني عايش الموهبة والعبقرية: اختراع لا اكتشاف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: اردننا الغالي :: شخصيات اردنيه-
انتقل الى: