منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
هذا منتدى ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

  الحريات العامة و «الحيز العام»... غربياً وعربياً

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50619
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: الحريات العامة و «الحيز العام»... غربياً وعربياً    الأحد 08 أكتوبر 2017, 8:38 pm

الحريات العامة و «الحيز العام»... غربياً وعربياً (١ من ٢)


لألف سبب وسبب ظلت مسألة الحرية متربعة على رأس التطلعات الإنسانية منذ القدم ومشروعاً مفتوحاً على أفق أشكال من الوعي المُتجدد. ولألف سبب وسبب آخر ظلت قوى التسلط والإخضاع تنظر للحرية بكونها أهم الأعداء الواجب ترويضهم، لأن ترويض الحرية وإسكاتها يعني انطلاق تلك القوى من دون قيد أو رقيب. كلما أبدعت الحرية في معركتها الأزلية ضد قوى التسلط وحررت مساحات جديدة من قبضتها، كلما نجحت هذه القوى في الكر ثانية على مواقع الحرية التي تحررت في محاولة دائمة لمعاودة السيطرة عليها. وكما هي الحريات ليست واحدة في تمثلاتها وتمظهراتها السلوكية الفردية، او الجمعية ذات الإهتمام في الشأن العام، فإن التسلطية ليست واحدة ايضاً وتتفرع إلى تسلطيات عدة كل واحدة منها مهجوسة بقمع وإخضاع مجال محدد من الحريات.
الحريات الجمعية ذات الإهتمام بالشأن العام، أي الحريات السياسية وما اقترب منها، كانت على الدوام في مرمى هدف قوى الحكم التسلطية لأن إسكاتها يوفر الديمومة والبقاء للسلطة الحاكمة. ليس في هذا أي اكتشاف جديد بل مجرد توكيد لمسيرة البشر الإستبدادية منذ فجر التاريخ. بنظرة عامة وتاريخية مُجملة يمكن الزعم بأن الشطر الأعرض من التسيس الإنساني في أرجاء الأرض جميعاً، اتسم بنمط قسري وإكراهي وسم علاقات السلطوية السياسية بالأفراد، وبما لا يدع مجالاً للمقارنة مع أي نمط آخر. الإنتعاش النسبي للحريات في حقبة ما بعد التنوير والحداثة السياسية والذي نراه في نموذج الليبرالية الغربية يكاد يكون الاستثناء الأبرز في مسيرة البشرية التسلطية والاستبدادية. حتى في هذا النموذج ثمة توتر لا يهدأ في جانب السلطوية السياسية إزاء كيفية إخضاع وتقليم تمدد الحريات العامة وتقليصها.
وهنا، أي في النموذج الغربي، يمكن رصد جانب من القصة المثيرة في الصراع المتأبد بين الاثنتين: السلطوية والحرية، كما يمكن رصد جوانب أخرى من القصة نفسها في النماذج غير الغربية، ومنها الحالة العربية والإسلامية. غربياً، طورت الحداثة السياسية ما صار يُعرف بـ «الحيز العام» public sphere وهو المساحات التي تم «تحريرها» من السلطات السياسية، او وطأة الدولة، وفي تلك المساحات ازدهرت الحريات العامة، والنقاش المفتوح، وانتعش الفكر النقدي. في «الحيز العام» تأسست قوى وآليات مدنية يُفترض أنها بعيدة من سيطرة الدولة، على رأسها الاحزاب السياسية المُتنافسة، وكذا الـ «منظمات غير حكومية» وكذلك الإعلام غير الخاضع لسلطة الدولة، والجمعيات المهنية والنقابية، وما تبقى من مؤسسات دينية أعيد تشكيلها في ظل التحديث السياسي، واتحادات الطلاب، وأشكال لا تُحصى من التعبير الفني والأدبي. وفي شكل من الأشكال نجحت مجتمعات غربية كثيرة في الحفاظ على هذا الحيز المُحرر نسبياً من سيطرة الدولة، والذي يوفر للأفراد اقداراً مُتسعة من الحرية العامة والحرية الفردية أيضاً. وهكذا تطور نموذج جديد للدولة لم يكن موجوداً من قبل، نموذج مُنسحب من التأثير والسيطرة المباشرة والفجة والتحكم التسلطي بحياة الأفراد، وتحديد أنماط حياتهم وتفكيرهم. ونشأت الدولة الليبرالية ذات السمة غير التدخلية وخفيفة التحكم بالمجتمع في مقابل الدولة الشمولية التسلطية ذات السمة التدخلية وثقيلة الوطأة على المجتمع والأفراد.
لكنّ المثير في قصة النموذج الليبرالي للحريات هو أن الحيز العام الذي تم تحريره من قبضة وسيطرة الدولة في شكل مباشر، وقع فريسة التنافس بين سلطويات أخرى، إما أن تكون مُعبرة عن قوى الدولة نفسها لكن في شكل غير مباشر، أو أن تكون تطورت بحكم واقع النموذج الليبرالي نفسه، وتحديداً بسبب جوهره الرأسمالي. وهذا الأخير، أي رأس المال انتج قواه الخاصة به والتي انفلتت في كل اتجاه في «الحيز العام» تستثمر الوجود المُخفف للدولة، وتنتهك حريات «الاختيار» عبر جبروت قوتها المالية، ولتعيد تنميط المجتمع او شرائح منه والسيطرة عليها في شكل غير مباشر. مثلاً، مثل الإعلام الحر من ناحية نظرية أحد أهم قوى «الحيز العام» لأنه أحد أهم قوى الردع ضد تسلطية الدولة وسيطرتها وربما فسادها. وصار الإعلام «السلطة الرابعة» مُضيفاً نفسه إلى التقسيم والفصل الثلاثي للسلطات الدولتية الأخرى، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية. بيد أن هذا الإعلام الحر المُخول بمهمة شبه مُقدسة وهي مراقبة تلك السلطات الثلاث وكشف اختلالاتها واعتوارها للرأي العام، وقع جزء كبير منه ضحية تغول رأس المال. ففي قلب الإعلام الحديث اختلطت رغبتان ومنذ لحظة التأسيس: رغبة إخبار وإعلام المجتمع والرأي العام بما يحدث، ورغبة تعظيم الربح. والإشكالية المركبة لحظة الولادة فرضت هذا الزواج القسري بين الرغبتين ذلك انه للحفاظ على حرية الإعلام وعدم سقوطه فريسة في يد الدولة والسلطة السياسية، فإن عليه أن يتحرر مالياً وأن يجد مصادر تمويله بعيداً من أي مصدر له علاقة بالسلطة نفسها. لكن الهروب من سلطة الدولة باتجاه رأس المال لم يكون حلاً مثالياً بطبيعة الحال، وإن وفر مساحات حرية لم تكون مسبوقة. وقع الإعلام في قبضة رأس المال، ومع الزمن وبخاصة في القرن الماضي تطورت استثمارات إعلامية عملاقة تحولت إلى امبرطوريات تتمتع بقوى وسلطوية تفوق سلطة كثير من الدول. وفي هذه الامبرطوريات الإعلامية المخيفة استثمرت قوى مالية قريبة من السلطة في هذا البلد او ذاك، او قريبة من حزب سياسي او توجه ايديولوجي معين، بحيث عادت بقوة إلى الحيز العام الذي من المفترض انه تحرر من سلطة الدولة والسلطات الايديولوجية الرسمية او القريبة منها. وبسبب السيطرة شبه المطبقة لهذه الأمبرطوريات الإعلامية على الحيز العام، كما هو الوضع مثلاً في الولايات المُتحدة حيث تسيطر أربع أو خمس شركات إعلامية عملاقة على السوق الأميركي كله، فإن صناعة الرأي العام وتشكيل المزاج السياسي والتأثير في الانتخابات والعملية الديموقراطية يصبح أحد الميادين الأساسية لهذا الإعلام غير المحايد. وتمثل حالة انتخاب دونالد ترامب والتوظيف الهائل للآلة الإعلامية المحافظة المؤيدة له ولأفكاره نموذجاً مثيراً للدراسة والتمحيص.
قاد تغول رأس المال في قلب «الحيز العام» وبخاصة في المساحة الإعلامية إلى عودة أشكال مخيفة من السلطوية والاستبدادية والأحادية القسرية في تكوين الرأي. والخطر المُتأصل في الإعلام الجماهيري اياً كان شكل الوسيلة الإعلامية يتأتى من سهولة توظيفه عاطفياً وغرائزياً بخاصة في أزمنة الأزمات والتوترات والعنصريات. ولأن كل ما هو مُستفز وغرائزي ومشاعري ويختزل المُعقد من المسائل في ثنائيات أسود وأبيض، معنا وضدنا، فإن «إعلام التابلويد» الرخيص والإستثماري في البلدان الغربية صار أحد أهم آليات تشكيل الرأي العام، وهو ما نشهد له تأثيراً كبيراً في الديموقراطيات الغربية الراسخة. يحدث هذا على رغم أن هذه الديموقراطيات كانت انتبهت منذ وقت مبكر إلى مآلات سقوط الإعلام في شرك رأس المال وتغوله في الحيز العام، بالتالي تآكل مهمة «الإخبار والإعلام» تحت وطأة إغراء وطمع الربح وتعظيمه. ما حدث ويحدث في الحالات العربية والغربية إزاء هذه القضايا أخذ مسارات مختلفة، لكنها لا تقل إثارة، وهي ما ستتأمل فيه المقاربة القادمة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 50619
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الحريات العامة و «الحيز العام»... غربياً وعربياً    الأحد 08 أكتوبر 2017, 8:39 pm

الحريات العامة و «الحيز العام»، غربياً وعربياً (2 من 2)


تعرّض الجزء الأول من هذه المُقاربة للعلاقة المُلتبسة بين آلية تحرير «الحيز العام» أو public sphere من قبضة السلطوية السياسية في التجربة الحداثية الغربية، وآلية إعادة احتلال ذلك الحيز العام من جانب قوى رأس المال بخاصة الإعلامية. حدث ولا يزال يحدث هذا على حساب المكاسب التي من المُفترض أن تحققها الحريات العامة، الجمعية والفردية. تطورت أشكال من التحكم غير المباشر وتشكيل الرأي والمزاج الشعبي من جانب إمبراطوريات إعلامية هائلة أعادت صوغ الأفراد وتصوراتهم وتطلعاتهم وفق تنميطية ضاغطة وإن اتسمت باختلافها عن فجاجة السلطويات السياسية المباشرة والقامعة. لا يعني هذا الإنجرار إلى القول أن لا فرق بين التجربة الغربية الليبرالية في الحريات العامة والتجارب السلطوية التقليدية، ذلك أن الأولى قدمت ولا تزال وعلى رغم كل جوانب الاختلال فيها التجربة الأهم بشرياً في توسيع نطاق الحرية وثراء الحيز العام وما يحدث فيه من جدل دائم وتعميق للفكر النقدي ودفع الحدود نحو مساحات جديدة ومبتكرة.
تستكمل هذه السطور وفي ما تبقى من المقاربة التأمل في مسألة «الحيز العام» بخاصة في سجالات ونضالات الحريات العامة في التجربة العربية، في حقبة ما بعد الاستقلال. وهي تجربة تلتقي وتختلف مع تجارب العديد من شعوب ومجتمعات العالم (غير الغربي) في الحقبة الزمنية ذاتها. التشابه الأعرض في سيرورة هذه المجتمعات وقيام دولها ما بعد الكولونيالية وترسخ هوياتها الوطنية السيادية يبرز في تسيد السلطوية السياسية لعقود طويلة من الزمن، على حساب الحريات العامة والمشاركة السياسية. في تسويغ السلطوية سواء الخشنة منها أو الناعمة وُظفت مبررات عديدة أهمها إيلاء الاهتمام للأولويات الضاغطة على الدول والمجتمعات النامية مثل الانخراط في تنمية مستديمة، وبناء هويات وطنية مُكرسة، واقتصادات قوية، وتأجيل مسائل الحريات العامة والديموقراطية والانفتاح السياسي. عربياً، أضيفَ إلى ذلك كله مبرران آخران هما أولوية الصراع مع إسرائيل (بخاصة في المشرق)، والخصوصية الثقافية. في معظم البلدان. الأول وظف الصراع مع إسرائيل لتأجيل أو بالأحرى وئد أي مطالبات بالحريات العامة، السياسية أو الإعلامية، وحتى الثقافية، فضلاً عن الديموقراطية والتعددية الحزبية، بدعوى أن التحدي الأكثر إلحاحاً على الدول والمجتمعات العربية هو الحرب مع إسرائيل وتحرير الأرض المحتلة. استمر هذا المسوغ فعالاً ومستودعاً لشرعيات سياسية لأنظمة عديدة في المنطقة. الثاني، الخصوصية الثقافية، وُظف أيضاً بطرائق خدمت أنظمة أخرى عديدة في المنطقة بزعم أن المجتمعات العربية لها تقاليد وثقافة ودين لا تسمح بالضرورة بـ «نسخ التجربة الغربية الليبرالية» وما يتناسل عنها من حريات و «حيز عام» وديموقراطية. زاد هذان المبرران الضغط على مطالب الحريات العامة والمشاركة السياسية وقادا عملياً إلى سلطوية سياسية سيطرت على الفضاء العام، والمجتمع، والسياسة والثقافة، ولم تتح أي مجال لنشوء «حيز عام» فعال ولو في حدوده الدنيا.
تعرض النموذج «العالم ثالثي المُمانع» للدمقرطة واللبرلة الغربية، وبتنويعاته المختلفة، إلى انهيارات متتالية، جزئية ومتنوعة، ولم تعد المسوغات التي احتمت بها عشرات الأنظمة السلطوية قادرة على الاستمرار، بخاصة وأن مرور عقود من سنين الاحتماء خلف تلك المسوغات قاد إلى انكشافها وزيادة هشاشتها. في غالبية الدول النامية والعربية على رأسها لم تحدث التنمية المُستدامة، ولا الاقتصادات القوية، ولا حتى تكرست هويات وطنية مُعقلنة، وكان الثمن الذي دفعته تلك المجتمعات في تأجيل الحريات العامة ووأدها باهظاً. انهار المسوغ نفسه عربياً ومعه انهارت دعاوى أولوية الاستعداد للحرب مع إسرائيل، وكذا وظائفية «الخصوصية الثقافية» التي أرادت أن تبرر ديمومة الاستبداد والسلطوية وتنسبه لجوهرانية عربية وإسلامية متأصلة، تنسخ بوعي أو من دونه مقولات الاستشراق التقليدي. لكن لا يمكن القول إن تلك الانهيارات الجزئية للمسوغات التي تبرر تأجيل ووأد الحيز العام والحريات العامة وصلت إلى نقطة «الانهيار الكامل»، إذ لا تزال هي أو جوانب منها، إضافة لصلابة الأقنوم الأمني، تدعم وترعى الوضع القائم.
لكن وبكل الأحوال قادت تلك الارتجاجات في أركان الوضع القائم العربي ومسوغاته التي دامت طيلة عقود ما بعد الاستقلال إلى انزياحات مهمة في التسيس العربي، وتحدي السيطرة الشمولية للسلطوية السياسية، وقد بدأت تلك المعالم تظهر مع انهيار الثنائية القطبية، وصعود التوجه نحو الدمقرطة في العالم في تسعينات القرن الماضي. وتواصلت تلك الانزياحات ومعها الانفكاك التدريجي للقبضة السلطوية على الدولة والمجتمع والفضاء العام، وانفجرت مع هبات الربيع العربي وما نتج منها من تغييرات درامية وأحياناً جذرية في بعض الحالات. ما يهمنا هنا هو التأمل في السيرورة التي لحقت بـ «الحيز العام» والحريات العامة في بعض الحالات العربية التي تغير فيها النظام السياسي كلياً أو جزئياً، وخفت القبضة «الدولتية» على المجتمع. هنا، ومن ناحية نظرية بحتة وتبعاً لتحليلات وتأملات فكرة «الحيز العام» فإن الافتراض يقوم على أن «تحريراً» لهذا الحيز من قبضة الدولة والسلطة يتبعه انتعاش للحريات العامة وانفتاح في النقاش وتسارع في التسيس الحر الذي يعزز أمرين: التعددية والوسطية. تتعزز التعددية لأنه مع النقاش الحر واصطدام الأفكار وخروجها إلى السطح تصبح التعددية والتعايش شرطاً للوجود المجتمعي، وليس ترفاً شعاراتياً أو فكرياً يطرحه طرف من الأطراف. يكتشف الجميع أن بديل التعايش التعددي هو الإقصاء والاستئصال. وتتعزز الوسطية لأن صدام الأفكار وتلاقحها مع بعضها بعضاً يكشفان سيادة الرمادي في التسيس في شكل عام وأن لا أحد يملك «الحقيقة السياسية» ولا «الحق» في توجيه الآخرين رغماً عنهم نحو الاتجاه الذي يراه. وتعمل هذه الآليات على تهذيب التطرف الفكري والشطط السياسي وتتعزز الأفكار الوسطية وتتجه نحو المركز، وبالتالي تخلق طبقة «وسط عام» صلبة ومعقولة.
ما حدث ويحدث في المشهد العربي، وربما الإسلامي، إزاء هذه السيرورات يتسم بأمر مختلف ومقلق في آن معاً. ففي كل حالة حدثت فيها زعزعة لمفاصل السلطوية السياسية وتحرير لمساحات من الحيز العام، فإن الوافد الجديد الأهم والأكثر تأثيراً في المساحات المحررة كان الخطاب الديني ومن يقف وراءه، سواء تيارات إسلاموية سياسية، أو مؤسسات دينية رسمية أو شبه رسمية (للمقارنة، لنتذكر أن الوافد الجديد الأكثر تأثيراً في التجربة الغربية كان قوى رأس المال). لم يشتغل هذا الخطاب الديني بتنويعاته المختلفة وفق الافتراض النظري لفكرة «الحيز العام»، فلم يعزز التعددية ولا الوسطية بمعناها المقصود في النقاش هنا. دخل ويدخل الخطاب الديني وتلاوينه في أي مساحة للحرية ليسيطر عليها ويفرض عليها سلطوية من نوع آخر، دينية هذه المرة، تحل عوضاً عن السلطوية السياسية المنقضية. الخطاب الديني في مجمله العام، أيّ خطاب ديني وبغضّ النظر عن الدين المعني، يتصف بأحاديته الصارمة وبقناعته اليقينية بـ «الحق» الذي يرتكز عليه، ولهذا فإن انخراطه في السياسة يجلب عليه، وعلى الآخرين، صداعاً وإشكالات كبيرة عند مواجهته بفكرة «تعددية» الأفكار ورماديتها وبعدها عن الأسود والأبيض.
خلاصة ذلك تقدم لنا إشكالية متعددة الأبعاد وفعلاً معقدة وهي أن الحريات العامة والحيز العام الذي يتم تحريره من السلطوية السياسية يتم الانقضاض عليها فوراً من جانب سلطويات دينية. وهذه الأخيرة تبدأ بفرض قيود واستبداد من نوع جديد، وإذا ما تسلمت مقاليد السياسة في مرحلة موازية نتيجة استغلالها الحيز العام الذي تحرر من السلطوية السياسية المنقضية، فإننا ننتهي إلى سلطوية مزدوجة: سياسية ودينية في آن معاً. هل هذا معناه تأييد الوضع القائم على التغيير؟ طبعاً لا، لأن التغيير فيه دوماً المراهنة على المستقبل وفتح الخيارات، أما رفضه فمعناه الارتكان إلى التكلس والماضي.
 
 
خالد الحروب

* كاتب وأكاديمي عربي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
الحريات العامة و «الحيز العام»... غربياً وعربياً
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: موسوعة البحوث والدراسات :: بحوث متنوعه-
انتقل الى: