منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداث  المنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الخروج على الحاكم أحكامه وضوابطه

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 45704
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: الخروج على الحاكم أحكامه وضوابطه   الثلاثاء 17 أكتوبر 2017, 7:16 pm

الخروج على الحاكم 
أحكامه وضوابطه



تأليف الشيخ
محمود بن على سرور
عفا الله عنا وعنه


المقدمـــة

إن الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون" (آل عمران: 102).

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا" ( النساء: 1).

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً" (الأحزاب: 70 ، 71 ).

أما بعد :- 

فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدى هدى محمد صل الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

ثم أما بعد :- 

فهذا بيان لقضية مهمة جداً وهى من القضايا العقيدية المطروحة على الساحة وهى قضية الخروج على الحاكم وموقف أهل السنة من هذه القضية المهمة، لاسيما بعد التغيرات التى حدث بسبب الثورات العربية وما ترتب عليها من فتن.

والأمر فى هذه القضايا لا يرجع إلى الرأى ولا إلى الهوى ولكن يرجع إلى الدليل الصحيح الواضح من كتاب الله وسنة رسول الله (صل الله عليه وسلم) وآثار السلف الصالح (رحمة الله عليهم).

فإلى كل منصف وباحث عن الحق أقدم هذا البحث والله أسال أن ينفع به جميع المسلمين إنه هو السميع العليم.

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه
أبى عبدالله 
محمود بن على سرور 



المبحث الأول
التعريف والحكم:

أولًا: التعريف

تعريف الإمامة لغة: "مصدر الفعل أمَّ تقول: أمَّهم: تقدَّمهم، وهى الإمامة والإمام كل ما أتُم به من رئيس وغيره" (1).

وأصل الخلافة فى اللغة ما دة خلف، تقول خلف فلانًا إذا كان خليفة ويقال استخلف فلان فلانًا: أي جعله مكانه والخليفة الذى يخلف من قبله والخلافة الإمارة، والخليفة السلطان الأعظم (2).

تعريف الإصطلاحى:

عرف الموردى -رحمه الله- الإمامة بقوله: "الإمامة موضوعة لخلافة النبوة وحراسة الدين وسياسية الدنيا به" (3).

وعرفها الإمام الجوينى (رحمه الله) بقوله: "الإمامة رياسة تامة وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة فى مهمات الدين والدنيا" (4).

وتعريف الإمامة يصلح لتعريف الخلافة، فهما مترادفان وقد أشار إلى ذلك غير واحد من الأئمة كالنووى (5) وابن خلدون (6) -عليهما رحمة الله تعالى-.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)القاموس المحيط ص (1392)
(2)لسان العرب (9/ 83)
(3)"الأحكام السلطانية" ص (5)
(4)"غيات الأمم" ص (15)
(5)"روضة الطالبين" (10/49)
(6)"المقدمة" (19)


ثانيًا حكم الإمامة:

الإمامة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع والقواعد الشرعية وهو وجوب كفائى متوجه إلى أهل الحل والعقد باعتبارهم الممثلين للأمة النائبيين عنها فى هذه المهمة العظيمة.

وإذا تقاعس أهل الحل والعقد عن ذلك لحق الأثم بكل من له قدرة واستطاعة حتى يسعى لإقامة هذا الواجب بحسب وسعه.

ومن الأدلة على ذلك:

قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا" (59).

واختلف أهل العلم فى: "أولى الأمر" الذين أمر الله بطاعتهم فى هذه الآية، فذهب جماهير أهل العلم إلى أنها فى الأمراء وذهب بعض أهل العلم إلى أنها فى أهل العلم والفقه وقال آخرون: هى عامة تشمل الصنفين.

وأولى الأقوال من ذلك أنها فى الأمراء خاصة لأن الناظر إلى أدلة الشرع من القرآن والسنة يجد أن النصوص لا تأمر بطاعة العلماء والفقهاء إنما الأمر بالطاعة مخصوص بالأمراء لما فى طاعتهم مصلحة البلاد والعباد.

وهذا ما رجحه الطبرى (رحمه الله) حيث قال:

"وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال: هم الأمراء والولاة لصحة الأخبار عن رسول الله (صل الله عليه وسلم) بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحته.." (1).

وهذا الذى رجحه الطبرى (رحمه الله) هو اختيار البيهقى (رحمه الله) حيث قال: "والحديث الذى ورد فى نزول هذه الآية دليل على أنها فى الأمراء" (2).

والحديث هو ما أخرجه البخارى ومسلم فى صحيحيهما" (3).

عن ابن جريح قال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ" فى عبدالله بن حذافه بن قيس بن عدى السهمى، بعثه رسول الله (صل الله عليه وسلم) فى سرية، أخبرنيه يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.
ــــــــــــــــــــــــ
(1)"شعب الإيمان "(13/41)
(2)"رواه البخارى ومسلم حديث. 


ووجه الأستدال من هذه الآية:

أن الله عزوجل أوجب على المسلمين طاعة أولى الأمر منهم وهم الأئمة والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولى الأمر لأن الله تعالى لا يأمر بطاعة من لا وجود له ولا يفرض طاعة من وجوده مندوب إليه، فالأمر بطاعته يقتضى الأمر بإيجاده؛ فدل على أن إيجاد إمام للمسلمين واجب عليهم (1).

ومن السنة:

قوله (صل الله عليه وسلم) كما فى صحيح مسلم (2): "مَنْ مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" أى: بيعة الإمام.

وهذا واضح الدلالة على وجوب نصب الإمام لأنه إذا كانت البيعة واجبة فى عنق المسلم والبيعة لا تكون إلا لإمام فنصب الإمام واجب.

والأحاديث فى هذا الباب كثيرة سيأتى إن شاء الله تعالى ذكرها ضمنًا فى المباحث التالية.

أما الإجماع:

فقد قال ابن حجر الهيثمى (رحمه الله): "فى الصواعق المحرقة ص: 15 "اعلم أن الصحابة (رضوان الله عليهم) أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب بل جعلوه أهم المهمات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله (صل الله عليه وسلم)".

وقال الإمام القرطبى (رحمه الله): "فى الجامع لأحكام القران" (1/ 264) "ولا خلاف فى وجوب ذلك -أى عقد الإمامة- بين الأمة وبين الأئمة إلا ماروى عن الأصم (1) حيث كان عن الشريعة أصم وكذلك كل مَنْ قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه".

وقال الموردى فى الأحكام السلطانية (ص: 5):

"وعقدها لمَنْ يقوم بها فى الأمة واجب -بالإجماع- وإن شذ عنهم الأصم".

والمقصود بهذا الوجوب -كما سبق الإشارة إليه- هو الوجوب الكفائى فإذا بايع البعض لإمام سقط الإثم عن الباقى فلا يشترط فى البيعة أن تكون للجميع ويتوجه هذا الوجوب فى الدرجة الأولى لأهل الحل والعقد أو من يقوم مقامهم من العلماء.
ــــــــــــــــــــ
(1)"الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة " د.عبدالله الدميجى ص (47).
(2)"رواه مسلم"حديث (1851).
(3)الأصم هو أبو بكر عبدالرحمن بن كيسان الأصم شيخ المعتزلة "سير أعلام النبلاء" (9/ 402).



صلة الإمارة والخلافة بالعقيدة والفقه والتاريخ:

الحق أن مسألة الإمارة والخلافة لها جوانب عقدية ولها جوانب فقهية ولها جوانب تاريخية أيضًا.

ـ أما فى الجانب العقدى: 

فنجد علماء السلف (رحمة الله عليهم) حينما يذكرون عقيدة أهل السنة يذكرون فيها ضمنًا مسألة الإمامة ووجوب السمع والطاعة لولى الأمر المسلم فى المعروف وحرمة الخروج عليه إلا إذا كفر كُفرًا بواحًا وكان هناك قدرة على الخروج مع وجود البديل المسلم مع عدم إحداث الفتنة.

وينصون على الصلاة خلف كل إمام برًا وفاجراً وعلى الجهاد معه وهذه كلها من مباحث الإمامة 

كذلك العلماء ينصون على ذلك فى مسائل العقيدة للرد على المخالفين من أهل البدع والأهواء كالخوارج والرافضة ومن سار على اعتقاداتهم الفاسدة فى باب الإمامة.

ـ أما فى الجانب الفقهى:

فإن من مسائل الإمامة شروط الإمام وكيفيه اختياره وأهل الحل والعقد وشروطهم وعددهم والشورى وأحكامها والبيعة وأحكامها وهذه كلها مباحث فقهية.

ـ أما فى الجانب التاريخى:

فهو دراسة الموضوع من الناحية التاريخية، كالحديث عن سيرة الخلفاء الراشدين ومَنْ بعدهم والأحداث التى وقعت فى دول الإسلام كدولة بنى أمية وبنى العباس، والنتائج والعبر والأحكام المستخلصة من ذلك. 

تنبيه مهم:

حينما نقول بأن مسألة الإمامة لها علاقة بالعقيدة أن معنى ذلك أنها من أصول الدين التى لا يسع المكلف الجهل بها، فإن هذا هو معتقد الشيعة الإمامية ومَنْ وافقهم الذين يعتقدون أن مسألة الإمامة أصلًا من أصول الدين وركن من أركانه كالشهادتين والصلاة والزكاة كما أنهم لا يرون إيمان من لا يقر بالإمامة والأئمة عندهم اثنى عشر إمامًا آخرهم أبو القاسم محمد بن الحسن (المهدى) وهذا هو الحجة -يزعمون- أنه ولد سنة (256هـ) وغاب غيبة صغرى سنة (260هـ)، وغيبة كبرى سنة (329هـ) وسيظل حيًا إلى يوم القيامة وسيعود ليملأ الأرض عدلًا ومعروفًا وإحسانًا إلى آخر هذا الكذب والهراء.
ـــــــــ
(1) انظر طرفًا من عقائد الشيعة فى كتابنا "الانتصار لأصحاب الأخيار والرد على شبهات الشيعة الأشرار".


المبحث الثانى
مقاصد الإمامة:

يقول شيخ الإسلام (رحمه الله):

"المقصود والواجب بالولايات إصلاح دين الخلق الذى متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينا ولم ينفعهم ما نعموا به فى الدنيا، وإصلاح ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم" (1).

يظهر من كلام شيخ الإسلام أن الإمامة تقوم على مقصدين رئيسيين:

أما المقصد الأول المصلحة الدينية:

وهو إقامة دين الله عزوجل من جمع وجماعات وأعياد وجهاد وحدود لذلك قال عمر (رضى الله عنه: "لادين إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمامة ولا إمامة إلا بسمع وطاعة" (2).

وقال الحسن البصرى (رحمه الله فى الأمراء: 

"هم يلون من أمورنا خمسًا: الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود، والله لا يستقيم الدين إلا بهم أكثر مما يفسدون مع أن طاعتهم -والله- لغبطة وأن فرقتهم لكفر" (3).

وقال الإمام الألوسى (رحمه الله): 

"الدين والملك تؤمأن ففى ارتفاع أحدهما ارتفاع الآخر لأن الدين أسٌّ والملك حارس، وما لا أسَّ له فمهدوم وما لا حارس له فضائع" (4).

أما المقصد الثانى المصلحة الدنيوية:

وهو إقامة مصالح الناس على وفق ما جاء به الشرع المطهر وأمر به، وهذه هى "السياسية الشرعية" التى يسوس بها الأمراء والأئمة الرعية.

فإقامة مصالح الناس وتنظيم شئونهم وإقامة العدل والمساواة والحرية بينهم من شئون ولى الأمر كل هذا فى ظل ما جاء به الشرع الحنيف.

لذلك قال عثمان بن عفان (رضى الله عنه): "ما يزع الإمام أكثر مما يزع القرآن".

قال ابن منظور معناه: "أن مَنْ يكف عن ارتكاب العظائم مخافة السلطان أكثر ممَنْ تكفه مخافة القرآن والله تعالى، فمَنْ يمنعه السلطان عن المعاصى أكثر ممَنْ يكفه القرآن بالأمر والنهى والإنذار" (5).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "مجموع الفتاوى" (28/ 262).
(2) أخرجه الدارمى (1/ 69).
(3) "آداب الحسن البصرى" لابن الجوزى ص (121).
(4) "روح المعانى" للألوسي (1/ 174).
(5) أخرجه ابن عبدالبر فى "التمهيد" (1/ 118) قال ابن القاسم قلت لمالك: ما يزع؟ قال يَكُفُّ.


ويقول أبو عبدالله القَلْعِى الفقيه الشافعى فى كتابة "تهذيب الرياسة" كلامًا بديعًا يحسن إيراده هنا يقول (رحمه الله):

"نظام أمر الدين والدنيا مقصود ولا يحصل ذلك إلا بإمام موجود، لو لم نقل بوجوب الإمامة لأدى ذلك إلى دوام الاختلاف والهرج إلى يوم القيامة، لو لم يكن للناس إمام مطاع؟ لانثلم شرف الإسلام وضاع.

لو لم يكن للأمة إمام قاهر لتعطلت المحاريب والمنابر وانقطعت السبل للوارد والصادر، لو خلا عصر من إمام؛ لتعطلت فيه الأحكام وضاعت الأيتام ولم يُحج البيت الحرام، ولولا الأئمة والقضاة والسلاطين والولاة لما نكحت الأيامى، ولا كُفِلت اليتامى، لولا السلطان لكان الناس فوضى ولأكل بعضهم بعضًا" (1).

ولهذين المقصدين العظيمين كانت الإمامة من أعظم واجبات الدين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله تعالى) (2).

وحكى العز بن عبدالسلام (رحمه الله تعالى) إجماع المسلمين على أن الولايات من أفضل الطاعات (3).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "لسان العرب" (8/ 390).
(2) "تهذيب الرياسة" ص (94ـ95).
(3) "مجموع الفتاوى" (28/ 390).
(4) "القواعد" للعز بن عبدالسلام (1/ 104).


المبحث الثالث

الطرق الشرعية لتنصيب الحاكم:

الإمامةَ تنعقدُ بالنصِّ كما هو الحالُ في أبي بكرٍ -رضي الله عنهُ-.

وتنعقدُ بالاستخلافِ كحالِ أبي بكرٍ مع عمرَ -رضي اللهُ عنهما-.

وتنعقدُ بالعهدِ إلى الأصولِ والفروعِ إن خلا من الشبهةِ وكان المعهودُ إليهِ من أهلِ الحزمِ والديانةِ، وتنعقدُ بالغلبةِ والقهرِ.

وهذه الطرقُ بعضُها أولى من بعضٍ، والحكّامُ درجاتٌ فيها، فمنهم من يأتي على رأسِ القائمةِ وهو الحاكمُ الذي اختارهُ أهلُ الحلِّ والعقدِ (1).

وهكذا تنزلُ الدرجاتُ حتى تتناهى إلى الغلبةِ والقهرِ، وهي أضعفُ طرقِ التنصيبِ، وإنّما قبلتْ بها الشريعةُ من بابِ التعاملِ مع الواقعِ وحقنِ الدماءِ وضبطِ الأمورِ، خروجاً من الفتنةِ، وشرعتْ في أثناءِ ذلك كلّهِ أمْرَ ذلك الحاكمِ المستبدِ بالمعروفِ والطاعةِ، ونهيهُ عن المُنكرِ والبغْي، وجعلتْ ذلك من أعظمِ أنواعِ الجهادِ في سبيلِ اللهِ تعالى، فللفردِ المسلمِ أن يقاومَ الحاكمَ المستبدَ المتسلّطَ بنفسهِ وروحهِ ويجودُ بها، لكن لا يحلُّ لهُ أن يدفعَ بالأمةِ في مواجهتهِ إلا إن علِمَ يقيناً قدرتهم على التغلّبِ عليه والعودةِ بالحكمِ إلى الجادةِ، فحينئذٍ يكونُ للأمرِ حكمٌ آخر...


......يتبع  
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 45704
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الخروج على الحاكم أحكامه وضوابطه   الثلاثاء 17 أكتوبر 2017, 7:19 pm

....  تابع


والحاصل أن تنصيب ولى الأمر يكون بأربعة طرق وهذا هو تفصيل القول فيها:



الطّريق الأوّل:
الاختيار والبيعة من أهل الحلّ والعقد:

أهل الحلّ والعقد من قادة الأمّة الذين يتمتّعون بالعلم والرّأي والمشورة والتّوجيه مخوَّلٌ لهم اختيار إمام المسلمين -نيابةًعن الأُمَّة- وَفْق شروطِ ومعاييرِ الإمامة الكبرى، فإذا ما بايعه أهل الحلّ والعقد ثبتت له بذلك ولاية الإمام الأعظم، ولزمت طاعتُه، وحَرُمت مخالفتُه فيما يأمر به وينهى بالمعروف، وليس من شروط ثبوت الإمامة والطّاعة أن يكون كلُّ مسلم من جملة المبايعين له، وإنّما تلزم بيعةُ أهل الحلّ والعقد كلَّ واحدٍ ممّن تَنْفُذُ فيه أوامره ونواهيه، لأنّ المسلمين أمّةٌ واحدةٌ وجسدٌ واحدٌ، تجمعهم الأخوّة الإيمانية وتربطهم العقيدة الإسلاميّة، وهم في الحقوق والحرمات سواءٌ؛ لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يَرُدُّ مُشِدُّهُمْ عَلَى مُضْعِفِهِمْ، وَمُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ، لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلاَ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» (1).
ـــــــــــــــــــ
(1) وأهلُ الحلِّ والعقدِ لا يشتبهُ على النّاسِ حالهم، فهم العلماءُ والوجهاءُ ورؤوس النّاسِ، ممن خبروا الحياةَ وعرفوا أمورَ الناسِ، وهم موجودونَ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ويسهلُ الاهتداءُ إليهم ومعرفتهم، وللعلماءِ بحوثٌ في شروطهم وطرقِ اختيارهم وأهمِّ وظائفهم، وذلك منثورٌ في كتبِ الأحكامِ السلطانيّةِ وغيرها، ويدخلُ ضمنَ اختيارِ أهلِ الحلِّ والعقدِ الاختيارُ بالانتخابِ المباشرِ، فيما لو كان الانتخابُ بين أشخاصٍ على قدرٍ متساوٍ من الديانةِ والعلمِ بتصريفِ الأمورِ وسياسةِ النّاسِ، فالإمامةُ ليستْ علماً شرعيّاً فحسب، بل تحتاجُ إلى الحزمِ والخبرةِ، وإضافةً إلى انتخابِهم ومفاضلتِهم بين المرشّحينَ للإمامةِ، فإنَّ لهم حقَّ العزلِ أيضاً.


قال الشّوكانيّ -رحمه الله-: 

«طريقها أن يجتمع جماعةٌ من أهل الحلّ والعقد فيعقدون له البيعة ويقبل ذلك، سواء تقدّم منه الطّلب لذلك أم لا، لكنّه إذا تقدّم منه الطّلب فقد وقع النّهي الثّابت عنه صلّى الله عليه وسلّم عن طلب الإمارة (2)، فإذا بويع بعد هذا الطّلب انعقدت ولايتُه وإن أَثِمَ بالطّلب، هكذا ينبغي أن يقال على مقتضى ما تدلّ عليه السّنّة المطهّرة. 

والحاصل أنّ المعتبر هو وقوع البيعة له من أهل الحلّ والعقد، فإنّها هي الأمر الذي يجب بعده الطّاعةُ ويَثْبُتُ به الولاية وتحرم معه المخالفة، وقد قامت على ذلك الأدلّة وثبتت به الحجّة... قد أغنى الله عن هذا النّهوض وتجشُّم السّفر وقطع المفاوز ببيعة من بايع الإمامَ من أهل الحلّ والعقد، فإنّها قد ثبتت إمامته بذلك ووجبت على المسلمين طاعتُه، وليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كلّ من يصلح للمبايعة، ولا من شرط الطّاعة على الرّجل أن يكون من جملة المبايعين، فإنّ هذا الاشتراط في الأمرين مردودٌ بإجماع المسلمين: أوّلهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم» (3).

وبهذا الطّريق تمّت مبايعة أبي بكر الصّدّيق -رضي الله عنه-، فثبتت خلافته بالبيعة والاختيار (4) في سقيفة بني ساعدة. 

قال القرطبيّ -رحمه الله-: 

«وأجمعت الصّحابة على تقديم الصّدّيق بعد اختلافٍ وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التّعيين» (
ــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه أبو داود (2751) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه، وصحّحه الألباني في «إرواء الغليل» (7/ 266) رقم (2208).
(2) من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لاَ تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، ...» [أخرجه البخاري في «الأحكام» باب مَنْ لم يسأل الإمارة أعانه الله عليها (7146)، ومسلم في «الإيمان» (1652)].
(3) «السيل الجرّار» للشوكاني (4/ 511-513).
(4) ومن العلماء من يرى أنّ خلافته ثبتت بالنصّ والإشارة من النبي صلّى الله عليه وسلّم [انظر: «شرح العقيدة الطحاويّة» لابن أبي العزّ الحنفي (533)].
(5) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (1/ 264).


الطّريق الثّاني
ثبوت البيعة بتعيين وليّ العهد:

وذلك بأن يعهد وليّ الأمر إلى من يراه أقدر على مهمّة حماية الدّين وسياسة الدّنيا، فيخلفه مِن بعدِه، فإنّ بيعته على الإمامة تلزم بعهدِ مَنْ قبله، كمثل ما وقع مِن عهدِ أبي بكرٍ -رضي الله عنه- لعمر -رضي الله عنه-، فإنّ الصّدّيق -رضي الله عنه- لمّا حضرتْه الوفاة عَهِد إلى عمر -رضي الله عنه- في الإمامة، ولم ينكر ذلك الصّحابة -رضي الله عنهم- وقد اتّفقت الأمّة على انعقاد الإمامة بولاية العهد، وقد عَهِدَ معاوية -رضي الله عنه- إلى ابنه يزيد وغيرهم، ويدلّ عليه أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أعطى الرّاية يوم مؤتة زيد بن حارثة وقال: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ» (1).

فاستُشهدوا جميعًا، ثمّ أخذها خالد بن الوليد ولم يكن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- تقدّم إليه في ذلك، والحديث دلّ على وجوب نصب الإمام والاستخلاف. 

قال الخطّابيّ:

«فالاستخلاف سنّةٌ اتّفق عليها الملأ من الصّحابة، وهو اتّفاق الأمّة لم يخالف فيه إلاّ الخوارج والمارقة الذين شقّوا العصا وخلعوا ربقة الطّاعة» (2).

الطّريق الثّالث
ثبوت البيعة بتعيين جماعة تختار ولي:

وذلك بأن يعهد وليّ الأمر الأوّل إلى جماعةٍ معدودةٍ تتوفّر فيها شروط الإمامة العظمى، لتقوم باختيار وليّ العهد المناسب فيما بينهم يتوالَوْن عليه ويبايعونه، كمثل ما فعل عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-، حيث عَهِدَ إلى نفرٍ من أهل الشّورى لاختيار واحد منهم.

قال الخطّابيّ -رحمه الله-: 

«ثمّ إنّ عمر لم يُهملِ الأمر ولم يُبطلِ الاستخلاف، ولكنْ جعله شورى في قومٍ معدودين لا يعدوهم، فكلّ مَنْ أقام بها كان رضًا ولها أهلاً، فاختاروا عثمان وعقدوا له البيعة» (17)، ثمّ لمّا استُشهد عثمان -رضي الله عنه- بايعوا عليًّا -رضي الله عنه-.
ـــــــــــــ
(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/ 204)، من حديث عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما. وصحّحه أحمد شاكر في تحقيقه لـ «مسند أحمد» (3/ 192)، والألباني في «أحكام الجنائز» (209).
(2) «معالم السنن» للخطّابي (مع سنن أبي داود) (3/ 351).


الطّريق الرّابع 
ثبوت البيعة بالقوّة والغلبة والقهر:

إذا غلب على النّاس حاكمٌ بالقوّة والسّيف حتّى أذعنوا له واستقرّ له الأمر في الحكم وتمّ له التّمكين، صار المتغلّبُ إمامًا للمسلمين وإن لم يستجمع شروط الإمامة، وأحكامُه نافذةٌ، بل تجب طاعته في المعروف وتحرم منازعته ومعصيته والخروج عليه قولاً واحدًا عند أهل السّنّة، ذلك لأنّ طاعته خيرٌ من الخروج عليه، لِما في ذلك من حقن الدّماء وتسكين الدّهماء، ولِما في الخروج عليه من شقّ عصا المسلمين وإراقة دمائهم، وذهاب أموالهم وتسلُّطِ أعداء الإسلام عليهم.

قال الإمام أحمد -رحمه الله-: 

«ومَنْ خرج على إمامٍ من أئمّة المسلمين وقد كان النّاس اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأيّ وجهٍ كان بالرّضا أو الغلبة؛ فقد شقّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله -صلّى الله عليه وآله وسلّم-، فإن مات الخارج مات ميتة جاهليّة، ولا يحلّ قتال السّلطان ولا الخروج عليه لأحدٍ من النّاس، فمَنْ فعل ذلك فهو مبتدع على غير السّنّة والطّريق» (1).

يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميّةَ -رحمهُ اللهُ تعالى–:

"والقدرةُ على سياسةِ الناسِ إمّا بطاعتِهم لهُ، وإمّا بقهرهِ لهم، فمتى صارَ قادراً على سياستِهم بطاعتِهم أو بقهرهِ، فهو ذو سلطانٍ مطاعٍ إذا أمرَ بطاعةِ اللهِ" (2).

وقال الإمام الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ تعالى-:

"كلُّ مَنْ غلبَ على الخلافةِ بالسيفِ حتّى يُسمّى خليفةً، ويجمع الناس عليه، فهو خليفةٌ" (3).

وقد حكى الإجماع على وجوب طاعة الحاكم المتغلّب الحافظ ابن حجر في «الفتح» (4).

قلت: 

ومن الإمامة التي انعقدت بالغلبة والقوّة ولاية عبد الملك بن مروان، حيث تغلّب على النّاس بسيفه واستتبّ له الأمر في الحكم، وصار إمامًا حاكمًا بالغلبة، ومن ذلك ولاية بني أميّة في الأندلس: انعقدت لهم بالاستيلاء والغلبة، مع أنّ الخلافة قائمة في بغداد للعبّاسيّين.
ـــــــــــــ
(1) «المسائل والرسائل» للأحمدي (2/ 5).
(2) منهاج السنّةِ 1 /142.
(3) مناقبُ الشافعي 1/ 449.
(4) «فتح الباري» لابن حجر (13/ 7) وقد حكاه عن ابن بطّال -رحمه الله-.


فهذه هي الطّرق التي تثبت بها الإمامة الكبرى فتنعقد بالاختيار والاستخلاف سواء بتعيين وليِّ عهدٍ مستخلَفٍ أو بتعيين جماعةٍ تختار من بينها وليّ عهد، وهما طريقان شرعيّان متّفقٌ عليهما، فإذا بايعه أهل الحلّ والعقد بالاختيار لزمت بيعتُهم سائرَ مَنْ كان تحت ولايته، كما تلزمهم البيعةُ الحاصلة بالاستخلاف، وكذا المنعقدة عن طريق القهر والغلبة، فالبيعة حاصلةٌ على كلّ أهل القطر الذي تولّى فيه الحاكم المستخلَف أو المتغلّب ممَّنْ يدخلون تحت ولايته أو سلطانه.

ملحوظة:

أمّا انعقاد الولاية أو الإمامة العظمى بأساليب النُّظُم المستوردة الفاقدة للشّرعيّة الدّينيّة -فبغضّ النّظر عن فساد هذه الأنظمة وحكمِ العمل بها- فإنّ منصب الإمامة أو الولاية يثبت بها ويجري مجرى طريق الغلبة والاستيلاء والقهر، وتنعقد إمامة الحاكم وإن لم يكن مستجمِعًا لشرائط الإمامة، ولو تمكّن لها دون اختيارٍ أو استخلافٍ ولا بيعةٍ. 

قال النّوويّ -رحمه الله-: 

«وأمّا الطّريق الثّالث فهو القهر والاستيلاء، فإذا مات الإمام، فتصدّى للإمامة مَنْ جمع شرائطها من غير استخلافٍ ولا بيعةٍ، وقهر النّاس بشوكته وجنوده، انعقدت خلافتُه لينتظم شملُ المسلمين، فإن لم يكن جامعًا للشّرائط بأنْ كان فاسقًا أو جاهلاً فوجهان، أصحُّهما: انعقادها لما ذكرناه، وإن كان عاصيًا بفعله» (1).

فإذا تم تنصيب ولى الأمر أو الحاكم بطريقة من هذه الطرق فلا يجوز الخروج عليه ولا شق عصاه إلا إذا كفر ولى الأمر كفرًا بواحًا عندنا من الله فيه برهان وتوفرت القدرة على الخروج من غير إحداث فتنة وكان هناك البديل المسلم.

هذه الضوابط التى بها يمكن الخروج على الحاكم إذا توفرت وصاحب الكلمة والحكم فى ضبط هذه الأمور ليس أحاد الناس ولا عوامهم بل يترك الأمر لأهل الحل والعقد.

وبعد الحديث عن الطرق الشرعية لتنصيب الحاكم أتطرق إلى الحديث عن حق الحاكم على الرعية وحق الرعية على الحاكم لما لهذه المسألة من أهمية وهذا فى المبحث التالى. 
ــــــــــــــــ
(1) «روضة الطالبين» للنووي (10/ 46).


المبحث الثانى
حقوق الراعى والرعية:

أولًا: حقوق الراعى (السلطان)

الحق الأول:

بذل الطاعة له ظاهرًا وباطنًا فى كل ما يأمر به أو ينهى عنه إلا أن يكون معصية فلا طاعة فى المعصية.

قال تعالى: "يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم" النساء.

وقد سبق البيان أن المراد "بأولى الأمر" هم "الأمراء" وفى الصحيحين عن عبدالله بن عمر -رضى الله عنهما- عن النبى -صل الله عليه وسلم- أنه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" (1).

"يعنى سمع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم سواء أمره بما وافق طبعه أو لم يوافقه بشرط أن لا يأمره بمعصية فإن أمره بها فلا تجوز طاعته لكن لا يجوز له محاربة الإمام" (2).

ولا يفهم من ذلك أنه إذا أمر بمعصية فلا يسمع له مطقًا فى كل أوامره بل يسمع له ويطاع مطلقًا إلا فى هذه المعصية بعينها التى أمر بها فلا سمع ولا طاعة.

قال حرب فى "العقيدة" التى نقلها عن جميع السلف: "وإن أمرك السلطان بأمر فيه لله معصية فليس لك أن تطيعه البتة وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه" (3).


الحق الثانى:
بذل النصحية له:

عن أبى أوس تميم الدارى (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله (صل الله عليه وسلم): "الدين النصحية قالوا لِمَنْ يا رسول الله؟ قال: "لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم" (4).

وعن أبى هريرة (رضى الله عنه) قال رسول الله (صل الله عليه وسلم): "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاة الله أمركم" (5).
ـــــــــــــــــــــــ
(1) "رواه البخارى" ومسلم.
(2) "تحفة الأحوذى" (5/ 365).
(3) نقل ذلك ابن القيم فى "حادى الأرواح" ص: (401).
(4) "رواه مسلم".
(5) "رواه مسلم" وأحمد فى "المسند" (2/ 367) واللفظ له.


كيفية النصح لولاة الأمور:

والنصح لولاة الأمور يكون سرًا لا علانية مع التلطف واللين والوعظ فإن استجاب فذاك وإلا فقد أدى الذى عليه، ومن وسائل النصح المشافهة والمكاتبة والمراسلة والاتصال ونحو ذلك.

وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة فى نصح ولاة الأمور من غير إفراط ولا تفريط.

وقد هدى الله تعالى أهل السنة والجماعة لهذا الفهم من خلال نصوص الشريعة المباركة وهذا الذى كان عليه سلفنا الصالح (رحمة الله عليهم).

قال (صل الله عليه وسلم): "مَنْ أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية ولكن ليأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذاك وإلا قد أدى الذى عليه" (1).

وفى الصحيحين (2) عن أسامة بن زيد أنه قيل له ألا تدخل على عثمان لتكلمه؟ فقال: "أترون أنى لا أكلمه إلا أسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بينى وبينه ما دون أن أفتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من فتحه".

قال الحافظ بن حجر فى "الفتح" (3) قال المهلب قوله: "قد كلمته سرًا دون أن أفتح بابًا" أى باب الإنكار على الأئمة علانية خشية أن تفرق الكلمة. 

وقال عياض: مراد أسامة أنه لا يفتح باب المجاهرة بالتكبير على الإمام لما يخشى من عاقبة ذلك بل يتلطف به وينصحه سرًا فذلك أجدربالقبول".

وقال الإمام الشوكانى(رحمه الله) فى "السيل الجرار" (4): 

"ينبغى لمن ظهر له غلط الإمام فى بعض المسائل أن يناصحه ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد بل كما ورد فى الحديث أنه يأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصحية ولا يُذلُّ سلطان الله".

وقال ابن النحاس: "ويختار الكلام مع السلطان فى الخلوة على الكلام معه على رؤس الأشهاد بل يود لو كلمه سرًا ونصحه خفية من غير ثالث لهما" (5).

ويقول العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز (رحمه الله):

"ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر لأن ذلك يفضى إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة فى المعروف ويفضى إلى الخوض الذى يضر ولا ينفع. 

ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: 

النصحية فيما بينهم وبين السلطان والكتابة إليه أو الإتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير" (6).
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "رواه أحمد".
(2) البخارى ومسلم.
(3) "الفتح "(13/52).
(4) "السيل الجرار" (4/ 556).
(5) "تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين وتحذير السالكين من أفعال الهالكين" ص (64).
(6) من فتوى للشيخ مطبوعة فى آخر رسالة "حقوق الراعى والرعية" لابن عثمين ص (27ـ 28).


وقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (رحمه الله): 

"فإذا كان الكلام فى الملك بغيبة أونصحه جهرًا والتشهير به من إهانته التى توعد الله فاعلها بإهانته فلاشك أنه يجب مراعاة ما ذكرناه.

يريد الاسرار بالنصح ونحوه - لمن استطاع نصيحتهم من العلماء الذين يَغْشُونَهم ويخالطونها وينتفعون بنصيحتهم دون غيرهم. 

فإن مخالفة السلطان فيما ليس من ضروريات الدين علنًا وإنكار ذلك عليه فى المحافل والمساجد والصحف ومواضع الوعظ وغير ذلك ليس من باب النصحية فى شىء فلا تغتر بمَنْ يفعل ذلك وإن كان عن حسن نية فإنه خلاف ما عليه السلف الصالح المقتدى بهم، والله يتولى هداك" (1).

ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: "ومن النصح لهم تنبيهم على الأخطاء والمنكرات التى تحصل فى المجتمع -وقد لا يعلمون عنها- ولكن يكون هذا بطريقة سرية فيما بين الناصح وبينهم لا النصحية التى يجهر بها أمام الناس أو على المنابر لأن هذه الطريقة تثير الشر وتحدث العداوة بين ولاة الأمور وبين الرعية، وليست النصيحة أن الإنسان يتكلم فى أخطاء ولاة الأمور على المنبر أو على كرسى أمام الناس، فهذا لا يخدم المصلحة وإنما يزيد الشر شرًا، إنما النصيحة تتصل بولاة الأمور شخصيًا، أو كتابيًا أو عن طريق بعض الذين يتصلون بهم.

وتبلغهم نصيحتك سرًا فيما بينك وبينهم وليس من النصحية أيضًا أن نكتب نصيحة وندور بها على الناس ليوقعوا عليها وتقول هذه نصحية لا، فهذه فضيحة، وهذه من الأمور التى تسبب الشرور وتفرح الأعداء ويتدخل فيها أصحاب الأهواء" (2).

وبعد ذلك أظن أن كل مصنف علم المنهج السلفى فى هذا الحق ألا وهو النصح لولاة أمور وعلم الضوابط الذى ذكرها أهل العلم فى هذا الشأن وهذا ليس من قبيل المداهنة ولا الخوف ولا الحرص على المصلحة -كما يزعم ضعفاء الإيمان وأهل الأهواء هداهم الله إلى الحق- إنما ذلك إستنادًا للأدلة الشرعية ودرءًا للمفاسد وجلبًا للمصالح والله الهادى إلى سواء السبيل.

الحق الثالث:

القيام بنصرتهم باطنًا وظاهرًا وبذل المجهود فى ذلك لمافيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين وكف أيدى المعتدين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "مقاصد الإسلام" لابن عثمين ص (393).
(2) من فتوى للشيخ فى "الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة" ص (9).




.....يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 45704
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الخروج على الحاكم أحكامه وضوابطه   الثلاثاء 17 أكتوبر 2017, 7:21 pm

....  تابع

الحق الرابع:

أن يعرف له عظيم حقه وما يجب من تعظيم قدره فيعامل بما يجب له من الأحترام والإكرام وما جعل الله -تعالى- له من الإعظام ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم وعدم الطمع فيما لديهم.

الحق الخامس:

إيقاظه عند غفلته وإرشاده عند هفوته.

الحق السادس:

تحذيره من عدو يقصده بسوء وحاسد يرميه بأذى.

الحق السابع:

إعلامه بسيرة عماله الذين هو مطالب بهم ومشغول الذمة بسببهم لينظر لنفسه فى خلاص ذمته وللأمة فى مصالح ملكه ورعيته.

الحق الثامن:

إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة ومساعدته على ذلك بقدر المكنة قال تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" (البقرة).

الحق التاسع:

رَدّ القلوب النافرة عنه إليه وجمع محبة الناس عليه لما فى ذلك من مصالح الأمة وانتظام الملة.

الحق العاشر:

الذَّبُّ عنه بالقول والفعل وبالمال والنفس والأهل فى الظاهر والباطن والسِّرِّ والعلانية.

وإذا وَفَّتِ الرعية بهذه الحقوق العشرة الواجبة وأحسنت القيام بمجامعها والمراعاة لمواقعها صَغَتِ القلوب وأخلصت واجتمعت الكلمة وانتصرت.ُ



ثانيًا حقوق الرعية:
الحق الأول:

حماية بيضة الإسلام والذب عنها إما فى كل إقليم إن كان خليفه - أو فى القطر المختص به إن كان مفوضًا إليه فيقوم بجهاد المشركين، ودفع المحاربين والباغين وتدبير الجيوش وتجنيد الجنود وتحصين التغور بالعُدَّة المانعة.

الحق الثانى:

حفظ الدين على أصوله المقدرة وقواعده المحررة ورد البدع والمبتدعين، وإيضاح حجج الدين ونشر العلوم الشرعية، وتعظيم العلم وأهله النصحاء لدين الإسلام، ومشاورتهم فى موارد الأحكام.

قال الله تعالى - لنبيه (صل الله عليه وسلم): "وشاورهم فى الأمر".

قال الحسن: 

"كان والله غنيًا عن المشورة ولكن أراد أن يستن لهم".

"ومشورة الرعية ليست واجبة فى حق ولى الأمر كما أنه إذا استشار فليس ملزمًا باتباع مستشاريه لأنه هو المسؤل الأول عن تصريف الأمور؛ فيتحمل وحده كافة التبعات. 

الحق الثالث:

إقامة شعائر الإسلام كفروض الصلوات والجمع والجماعات والآذان والإقامة والخطابة والإمامة ومنه: النظر فى أمر الصيام والفطر وأهلته وحج البيت الحرام وعمرته.

ومنه: الاعتناء بالاعياد وتيسير الحج وغير ذلك.

الحق الرابع:

فصل القضايا والأحكام بتقليد الولاة والحكام لقطع المنازعات بين الخصوم وكف الظالم عن المظلوم ولايولى ذلك إلا مَنْ يثق بديانته وصيانته من العلماء والصلحاء والكفاة النصحاء ولا يدع السؤال عن أخبارهم والبحث عن أحوالهم، ليعلم حال الولاة مع الرعية فإنه مسؤل عنهم مطالب بالجناية منهم قال رسول الله (صل الله عليه وسلم): "كلُ راع مسؤؤل عن رعيته".

الحق الخامس:

إقامة فرض الجهاد بنفسه وبجيوشه أو سراياه وبعوثه وأقل ما يجب منه فى كل سنة مرة؛ إن كان بالمسلمين قوة فإن دعت الحاجة إلى أكثر منه وجب بقدر الحاجة ولا يخلى سنة من جهاد إلا لعذر كضعف بالمسلمين -والعياذ بالله تعالى- واشتغالهم بفكاك أسراهم واستنقاذ بلاد استولى الكفار عليها.

الحق السادس:

إقامة الحدود الشرعية على الشروط المرعية صيانة لمحارم الله عن التجرؤ عليها ولحقوق العباد عن التخطى إليها ويسوى فى الحدود بين القوى والضعيف والوضيع والشريف.

قال رسول الله (صل الله عليه وسلم): "إنما أهلك مَنْ كان قبلكم: أنهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع ويتركون الشريف وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها".

الحق السابع:

تحصيل الزكوات والجزية من أهلها وأموال الفىء والخراج عند محلها وصرف ذلك فى مصارفه الشرعية وجهاته المرضية وضبط جهات ذلك وتفويضه إلى الثقات من العمال.

الحق الثامن:

النظر فى أوقات البر والقربات وصرفها فيما هى له من الجهات وعمارة القناطر وتسهيل سبل الخيرات.

الحق التاسع:

النظر فى قسم الغنائم وتقسيمها وصرف أخماسها إلى مستحقيها.

الحق العاشر:

العدل فى سلطانه وسلوك موارده فى جميع شأنه، قال تعالى "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" النحل (90).

وقال تعالى: "وإذا قلتم فاعدلوا" الأنعام (152).

وفى كلام الحكمة عدل الملك حياة الرعية وروح المملكة فما بقاء جسد لا روح فيه؟!

فيجب على مَنْ حكًّمه اللهُ تعالى فى عباده وملكه شيئًا من بلاده أن يجعل العدل أصل اعتماده وقاعدة استناده لما فيه من مصالح العباد وعمارة البلاد ولأن نِعَمَ اللهِ يجب شكرها وإن يكون الشكر على قدرها ونعمة الله على السلطان فوق كل نعمة فيجب أن يكون شكره أعظم من كل شكر.

وأفضل ما يشكر به السلطان لله -تعالى- إقامته العدل فيما حكمه فيه.

وقد اتفقت شرائع الأنبياء وآراء الحكماء العقلاء، أن العدل سبب لنمو البركات ومزيد الخيرات وأن الجور سبب لخراب الممالك واقتحام الممالك ولا شك عندهم فى ذلك" (1).
ــــــــــــــــــــ
(1) انظر "تجريد الأحكام فى تدبير أهل الإسلام" لبدر الدين ابن جماعة (ص61 :71) و "حقوق الرعية فى الأحكام السلطانية" لأبى يعلى ص (19) و "معاملة الحكام فى ضوء الكتاب والسنة" للدكتور عبدالسلام البرجس ص (51: 56)بتصرف كبير.


المبحث الثالث

شبهات والرد عليها:

الشبهة الأولى

يقولون بأن الإمام الذى له سمع وطاعة والمنصوص عليه فى الأحاديث هو إمام لجميع المسلمين:

الرد على هذه الشبهة:

هذا الكلام لا دليل عليه بل قام الإجماع على خلافه! فيشترط فى الإمام الذى يبايع أن يكون إمامًا لجميع المسلمين فى جميع الدنيا، بل كل إمام استقل بولايته وجبت بيعته على المسلمين جهته.

قال شيخ الإسلام (رحمه الله): "والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوَّابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفى الحقوق" (1).

وقال الشوكانى (رحمه الله):

"لما اتسعت أقطار الإسلام ووقع الإختلاف بين أهله واستولى على كل قطر من الأقطار سلطان اتفق أهله على أنه إذا مات بادروا بنصب من يقوم مقامه، وهذا معلوم لا يخالف فيه أحد بل هو إجماع المسلمين منذ قبض رسول الله (صل الله عليه وسلم) إلى هذه الغاية" (2).

يُعلم من ذلك أن كل جماعة فى جهة نصِّب عليها إمام بييعة أو بغيرها من وسائل نصب الإمام وجب على أهل هذه الجهة أن يسمعوا له ويطيعوا فى المعروف.
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) "مجموع الفتاوى" (34/ 175).
(2) "السيل الجرار" (4/ 502).


الشبهة الثانية:

زعموا بأن النصوص القاضية بوجوب السمع والطاعة لولى الأمر إنما هى محمولة على ولى الأمر العادل أما الفاسق الفاجر فلا.

الرد على هذه الشبهة:

إعلم (رحمنى الله وإياك) أن النصوص النبوية قاضية بوجوب السمع والطاعة لولى الأمر العدل والفاجر إلا إذا كان هناك كفرًا بواحًا عندنا من الله فيه برهان، ولقد سار السلف (رحمهم الله) على هذا المنهج والتزموه تطبيقًا للأحاديث النبوية التى تنص على ذلك. 

والتى منها:

ما رواه مسلم فى "صحيحه" (1) عن حذيفة (رضى الله عنه) قال: "قلت يا رسول الله: إنا كنا فى شر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال نعم. قلت: فهل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم. قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم. قلت: كيف؟ قال: يكون بعدى أئمة لا يهتدون بهداى ولا يستنون بسنتى وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين فى جثمان أنس قال: قلت: كيف أصنع يارسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع".

قال النووى (رحمه الله):

"وفى حديث حذيفة هذا لزم جماعة المسلمين وإمامهم ووجوب طاعته وإن فسق وعمل المعاصى من أخذ الأموال وغير ذلك، فتجب طاعته فى غير معصية" (2).

وفى الصحيحين (3) عن جنادة بن أبى أمية قال: "دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض قلنا: أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: دعانا النبى (صل الله عليه وسلم) فبايعناه فقال: فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة فى منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان".
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) "رواه مسلم" حديث (1847).
(2) "شرح النووى على مسلم" (6/ 482).
(3) "رواه البخارى"حديث(705) و "مسلم" حديث (1709).


وقد أخرجه ابن حبان فى صحيحه بلفظ: "اسمع وأطع فى عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك وأن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إلا أن يكون معصية" (1).

يفهم من هذه النصوص أن الإمام إن ظلم وجار بضرب الظهر وأخذ المال وكذا وكذا... يسمع له ويطاع وعلى المسلم الصبر والدعاء إلا إذا أمر الإمام بالمعصية فلا سمع له ولاطاعة.

"ولا يفهم من ذلك أنه إذا أمر بمعصية فلا يسمع له مطلقًا فى كل أوامره بل يسمع له ويطاع مطلقًا إلا فى المعصية فلا سمع ولا طاعة" (2).

ويدل على ذلك ما رواه مسلم فى "صحيحه" (3)

عن عوف بن مالك (رضى الله عنه) قال: قال رسول الله (صل الله عليه وسلم): "ألا من ولى عليه وال فرآه يأتى شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتى من معصية الله ولا ينزعن يدًا من طاعة".

والسير السلفية انسياقًا وراء العواطف المجردة عن قيود الكتاب والسنة أو المذاهب الثورية الفاسدة يقول عبد الله ابن حنبل (رحمه الله): "اجتمع فقهاء بغداد فى ولاية الواثق إلى أبى عبدالله يعنى الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله) وقالوا له: أن الأمر قد تفاقم وفشا يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك ولا نرضى بإمارته ولا سلطانه! فناظرهم فى ذلك وقال عليكم بالإنكار فى قلوبكم ولاتخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم وانظروا وعاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح ويستراح من فاجر وقال ليس هذا - يعنى: نزع أيديهم من طاعته- صوابًا هذا خلاف الآثار" (4).

"فهذه الصورة من أروع الصور التى نقلها الناقلون تشرح صراحة التطبيق العملى لمذهب أهل السنة والجماعة فى هذا الباب" (5).

يقول الحسن البصرى (رحمه الله): فى الأمراء: 

"هم يَلُون من أمورنا خمسًا الجمعة والجماعة والعيدين والثفور والحدود والله لا يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا وظلموا والله لَمَا يصلح الله بهم أكثر ما يفسد، مع أن طاعتهم -والله- لغبطة، وإن فُرْقتهم لكفر" (6).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) "الإحسان فى تقريب" صحيح ابن حبان (10/ 426) وإسناده حسن.
(2) "معاملة الحكام" ص: (90).
(3) "رواه مسلم".
(4) أخرجه القصة الخلال فى السنة "ص: (133) وانظر "الآداب الشريعية" لابن مفلح (1/ 195).
(5) "معاملة الحكام" ص: (9).
(6) "آداب الحسن البصرى" لابن الجوزى ص (121)، وقوله لكفر يعنى: به كفر دون كفر وهكذا كان السلف (رحمه الله عليهم) من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يتعاملون مع أئمة الجور والفسق بالسمع والطاعة وعدم الخروج والصبر والدعاء.


قال شيخ الإسلام (رحمه الله):

"وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديمًا وحديثًا، ومن سيرة غيرهم" (1).

وإليك نموذج من هؤلاء السلف (رحمهم الله) وهو الإمام أحمد بن حنبل حيث كان مثالًا للسنة فى معاملة الولاة لقد تبنى الولاة فى زمنه أحد المذاهب الفكرية السيئة وحملوا الناس على القول بخلق القرآن بالقوة والسيف فثبت الله عزوجل الإمام أحمد فى هذه الفتنة فكان كالجبل الشامخ فى وجه مَنْ أراد مخالفة المنهج النبوى.
ـــــــــــــــــــ
(1) "مجموع الفتاوى" (35 /12).


الشبهة الثالثة:

كيف نسمع لولاة الأمر وهم لا يحكمون شرع الله تعالى، وبعض هؤلاء يطلقون الحكم بالكفر على ولاة الأمور.

الرد على هذه الشبهة:

هذه الشبهة مجملة وصاحبها أطلق الكلام دون تفصيل قال الشيخ عبدالعزيز بن باز (رحمه الله):

"مَنْ حكم بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أمور:
الأول: 

مَنْ قال أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية فهذا كافر كفرًا أكبر.

الثانى: 

مَنْ قال أنا أحكم بهذا لأنه مثل الشريعة الإسلامية فالحكم بهذا جائز وبالشريعة جائز فهو كافر كفرًا أكبر.

الثالث: 

مَنْ قال أنا أحكم بهذا والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائز فهو كافر كفرًا أكبر.

الرابع:

مَنْ قال أنا أحكم بهذا وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل ولا يجوز الحكم بغيرها ولكنه تساهل أو يفعل هذا لأمر صادر من حكامه فهو كافر كفرًا أصغر لا يخرج من الملة ويعتبر من أكبر الكبائر (1).

لذلك مَنْ خرج على ولى الأمر بسبب تكفيره لأنه لم يحكم بالشريعة بدون التفصيل السابق فهو لم يفهم منهج أهل السنة والجماعة.
ــــــــــــــــــ
(1) "التحذير من التسرع فى التكفير" (22).


الشبهة الرابعة:

يستدل البعض على جواز الخروج على ولاة الأمر والكلام فيهم وتحريض الناس عليهم، بحديث: "إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائز" (1).

الرد على هذه الشبهة:

أولًا:

الحديث إنما قال عند -أى إمام- ولى الأمر وحضوره لا من خلفه.

ثانيًا:

ليس معنى الحديث الإنكارعلى ولى الأمر علنًا أو سبه على المنابر وفى المحاريب فإن هذا ليس من طريق السلف فى النصح لولاة الأمر -كما سبق بيانه- أنه بلطف وسرية كما جاء فى حديث عياض بن غنم قال لهشام بن حكيم: ألم تسمع يا هشام رسول الله (صل الله عليه وسلم) إذ يقول: "مَنْ كانت عنده نصيحة لذى سلطان فيأخذ بيده فيخلوا به فإن قبلها قبلها وإن ردها كان قد أدى الذى عليه" (2).
ـــــــــــــــ
(1) "رواه أحمد فى المسند (3/ 403- ـ404) وكتاب السنة مع ظلال الجنة للألبانى (2/ 274) حديث (1098).
(2) سبق تخريجه.

....يتبع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 45704
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: الخروج على الحاكم أحكامه وضوابطه   الثلاثاء 17 أكتوبر 2017, 7:22 pm

... تابع

الشبهة الخامسة:

لا تلزمنا البيعة ولا سمع وطاعة لأننا لم نبايعهم بأنفسنا.

الرد على هذه الشبهة:

لا يشترط فى البيعة أن تكون من كل فرد فى الولاية فإن عمل الخلفاء الراشدين والسلف الصالح جرى على هذا حيث اكتفوا بيبعة أهل الحل والعقد لولى الأمر. 

قال شيخ الإسلام (رحمه الله):

"ما أَمر اللهُ به ورسوله (صل الله عليه وسلم) من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب على الإنسان، وإن لم يعاهدهم عليه وإن لم يحلف لهم الإيمان المؤكدة" (1).

فإذا بايع أهل الحل والعقد الإمام يلزم الباقين طاعته وليس بلازم أن يبايعه كلهم من المشرق والمغرب رجالًا ونساءً هذا ليس منهج الإسلام فى عقد الإمامة.

قال الشيخ عبدالعزيز بن باز (رحمه الله): 

"إذا اجتمع المسلمون على أمير وجبت طاعته على الجميع ولو ما بايع بنفسه الصحابة والمسلمون ما بايعوا أبا بكر، بايعه من فى المدينة ولزمت البيعة للجميع" (2).
ـــــــــــــــــــــ
(1) "مجموع الفتاوى"(35/ 9).
(2) من شريط طاعة ولاة الأمور.


الشبهة السادسة:

استدلال البعض على عدم جواز وجود الإمامة فى غير قريش "بحديث" لا يزال هذا الأمر فى قريش ما بقى منهم إثنان" (1).

وبحديث "الناس تبع لقريش فى هذا الشأن" (2).

الرد على هذه الشبهة:
أولًا:

فى حال الاختيار إذا صلح لولاية الأمر رجلان أحدهما من قريش والآخر من غير قريش فإن القرش يقدم على غيره للأحاديث السابقة وهذ محل الإجماع .

ثانياً: 

فى حال ترك القرش الاستقامة على الدين لا أفضلية له لمجرد أنه قرش ، وهذا يدل عليه ما جاء عن معاوية(رضى الله عنه) قال: سمعت رسول الله(صل الله عليه وسلم) يقول: "إن هذا الأمر فى قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله فى النار على وجهة ما أقاموا الدين "(3).

ثالثًا: 

يؤكد هذا أنه فى حال تغلب رجل مسلم على المسلمين فإن تجب له البيعة والسمع والطاعة.

عن أنس (رضى الله عنه) قال: "قال رسول الله(صل الله عليه وسلم) :"اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى كأن رأسه زبيبة "(4) وهذامحل إجماع . والله تعالى أعلم.
ــــــــــــــــــ
(1)"رواه البخارى "حديث (7140) و"مسلم" حديث(1820)
(2)"رواه البخارى"حديث(3496) و"مسلم"حديث(1818)
(3)"رواه البخارى" حديث(7139)
(4)"رواه البخارى"حديث(7142)


الشبهة السابعة:

وهى من أقوى الشبهات التى يستند عليه الثوار والحزبيون وهى قولهم : 

أن الحسين وابن الزبير قد خرجا على ولى الأمر فى زمانهما.

الجواب على هذه الشبهة:

أقول: أما خروج الحسين بن علي رضي الله عنه وأرضاه ، فقد قال ابن كثير -رحمه الله-: (ولما أخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية، كان الحسين ممن امتنع من مبايعته هو وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس، ثم مات ابن أبي بكر وهو مصمم على ذلك، فلما مات معاوية سنة ستين وبويع ليزيد.

بايع ابن عمر وابن عباس، وصمم على المخالفة الحسين وابن الزبير، وخرجا من المدينة فارين إلى مكة فأقاما بها)، (وقد كان عبد الله بن عمر بن الخطاب وجماعات أهل بيت النبوة ممن لم ينقض العهد، ولا بايع أحداً بعد بيعته ليزيد، كما قال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن علية، حدثني صخر بن جويرية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال: (أما بعد، فإنا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول: (إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان) (1).

وإن من أعظم الغدر -إلا أن يكون الإشراك بالله -أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله ثم ينكث بيعته، فلا يخلعن أحد منكم يزيد، ولا يشرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون الفيصل بيني وبينه. 

وقد رواه مسلم والترمذي، من حديث صخر بن جويرية، وقال الترمذي: حسن صحيح. 

وقد رواه أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف المدائني، عن صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره مثله) (2).
ــــــــــــــــــــــ
(1) ( البداية والنهاية11 / 477)
(2) ( السابق 11 / 652).

ثم كثر ورود الكتب على الحسين رضي الله عنه من بلاد العراق يدعونه إليهم، وذلك حين بلغهم موت معاوية وولاية يزيد، ومصير الحسين إلى مكة فرارا من بيعة يزيد ، فلما قدم العراق وخذلوه (وبعث عبيد الله بن زياد لحربه عمر بن سعد، فقال: يا عمر ! اختر مني إحدى ثلاث، إما أن تتركني أرجع؛ أو فسيرني إلى يزيد؛ فأضع يدي في يده ؛ فإن أبيت فسيرني إلى الترك؛ فأجاهد حتى أموت) (1).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في: (فإنه -رضي الله عنه- لم يفرق الجماعة، ولم يقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى: بلده؛ أو إلى الثغر؛ أو إلى يزيد، داخلا في الجماعة، معرضا عن تفريق الأمة).

فتبين من هذا أمران، أحدهما مخالفة ابن عباس وابن عمر وغيرهما للحسين -رضي الله عنهم أجمعين-، والثاني: رجوع الحسين -رضي الله عنه- آخر الأمر.

وأما خروج عبدالله بن الزبير -رضي الله عنه- وأرضاه ، فقد تقدم أن ابن الزبير امتنع من بيعة يزيد بن معاوية هو والحسين -رضي الله عنهما-، ولم يوافق على هذا، وبعد وفاة معاوية بن يزيد عن غير عهد بويع لابن الزبير في غالب الأقطار، قال الذهبي رحمه الله في: (وبويع بالخلافة عند موت يزيد سنة أربع وستين، وحكم على ، الحجاز، واليمن، ومصر، والعراق، وخراسان، وبعض الشام ، ولم يستوسق له الأمر، ومن ثم لم يعده بعض العلماء في أمراء المؤمنين، وعد دولته زمن فرقة ؛ فإن مروان غلب على الشام ثم مصر، وقام عند مصرعه ابنه عبدالملك بن مروان، وحارب ابن الزبير، وقتل ابن الزبير رحمه الله، فاستقل بالخلافة عبد الملك وآله، واستوسق لهم الأمر) (2).
ــــــــــــــــ
(1) (منهاج السنة 4 / 353)
(2) ( السير 3 / 364)


وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: "فإن يزيد بويع بعد موت أبيه معاوية، وصار متوليا على أهل الشام ومصر والعراق وخراسان، وغير ذلك من بلاد المسلمين ، والحسين رضي الله عنه استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين ، وهي أول سنة ملك يزيد ، والحسين استشهد قبل أن يتولى على شيء من البلاد ، ثم إن ابن الزبير لما جرى بينه وبين يزيد ما جرى من الفتنة ، واتبعه من اتبعه من أهل مكة والحجاز وغيرهما، وكان إظهاره طلب الأمر لنفسه بعد موت يزيد، فإنه حينئذ تسمى بأمير المؤمنين وبايعه عامة أهل الأمصار إلا أهل الشام؛ ولهذا إنما تعد ولايته من بعد موت يزيد، وأما في حياة يزيد فإنه امتنع عن مبايعته أولا، ثم بذل المبايعة له ، فلم يرض يزيد إلا بأن يأتيه أسيرا ؛ فجرت بينهما فتنة ، وأرسل إليه يزيد من حاصره بمكة، فمات يزيد وهو محصور، فلما مات يزيد، بايع ابن الزبير طائفة من أهل الشام والعراق وغيرهم. 

وتولى بعد يزيد ابنه معاوية بن يزيد ، ولم تطل أيامه، بل أقام أربعين يوما أونحوها، وكان فيه صلاح وزهد ولم يستخلف أحدا؛ فتأمر بعده مروان بن الحكم على الشام ولم تطل أيامه، ثم تأمر بعده ابنه عبد الملك، وسار إلى مصعب بن الزبير نائب أخيه على العراق فقتله، حتى ملك العراق، وأرسل الحجاج إلى ابن الزبير فحاصره وقاتله؛ حتى قتل ابن الزبير، واستوثق الأمر لعبد الملك ثم لأولاده من بعده) (1).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

على قول عبدالله بن دينار: شهدت ابن عمر حين اجتمع الناس على عبدالملك بن مروان: (والمراد بالاجتماع: اجتماع الكلمة، وكانت قبل ذلك مفرقة ، وكان في الأرض قبل ذلك اثنان كل منهما يدعى له بالخلافة، وهما عبد الملك بن مروان وعبد الله بن الزبير، فأما بن الزبير فكان أقام بمكة، وعاذ بالبيت بعد موت معاوية، وامتنع من المبايعة ليزيد بن معاوية؛ فجهز إليه يزيد الجيوش مرة بعد أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) (منهاج السنة 4/308). 


فمات يزيد وجيوشه محاصرون ابن الزبير، ولم يكن ابن الزبير ادعى الخلافة حتى مات يزيد في ربيع الأول سنة أربع وستين؛ فبايعه الناس بالخلافة بالحجاز، وبايع أهل الآفاق لمعاوية بن يزيد بن معاوية، فلم يعش إلا نحو أربعين يوما ومات، فبايع معظم الآفاق لعبد الله بن الزبير، وانتظم له ملك الحجاز واليمن ومصر والعراق والمشرق كله وجميع بلاد الشام حتى دمشق، ولم يتخلف عن بيعته إلا جميع بني أمية ومن يهوى هواهم، وكانوا بفلسطين؛ فاجتمعوا على مروان بن الحكم؛ فبايعوه بالخلافة، وخرج بمن أطاعه إلى جهة دمشق، والضحاك بن قيس قد بايع فيها لابن الزبير، فاقتتلوا بمرج راهط؛ فقتل الضحاك، وذلك في ذي الحجة منها، وغلب مروان على الشام.

ثم لما انتظم له ملك الشام كله توجه إلى مصر؛ فحاصر بها عبد الرحمن بن جحدر عامل بن الزبير حتى غلب عليها في ربيع الآخر سنة خمس وستين، ثم مات في سنته، فكانت مدة ملكه ستة أشهر وعهد إلى ابنه عبد الملك بن مروان فقام مقامه، وكمل له ملك الشام ومصر والمغرب، ولابن الزبير ملك الحجاز والعراق والمشرق، إلا أن المختار بن أبي عبيد غلب على الكوفة، وكان يدعو إلى المهدي من أهل البيت ، فأقام على ذلك نحو السنتين.

ثم سار إليه مصعب بن الزبير أمير البصرة لأخيه فحاصره حتى قتل في شهر رمضان سنة سبع وستين ، وانتظم أمر العراق كله لابن الزبير فدام ذلك إلى سنة إحدى وسبعين ،فسار عبد الملك إلى مصعب فقاتله حتى قتله في جمادى الآخرة منها ، وملك العراق كله ولم يبق مع ابن الزبير إلا الحجاز واليمن فقط ، فجهز إليه عبد الملك الحجاج فحاصره في سنة اثنتين وسبعين إلى أن قتل عبد الله بن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان عبد الله بن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، كما كان امتنع أن يبايع لعلي أو معاوية، ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي، واجتمع عليه الناس، وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه، ثم امتنع من المبايعة لأحد حال الاختلاف إلى أن قتل ابن الزبير، وانتظم الملك كله لعبد الملك فبايع له حينئذ) (1).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) (الفتح (13 / 194).


وقال ابن قدامة رحمه الله في:

(ولو خرج رجل على الإمام فقهره ، وغلب الناس بسيفه؛ حتى أقروا له، وأذعنوا بطاعته، وتابعوه ، صار إماما يحرم قتاله، والخروج عليه؛ فإن عبد الملك بن مروان خرج على ابن الزبير فقتله، واستولى على البلاد وأهلها؛ حتى بايعوه طوعا وكرها ؛ فصار إماما يحرم الخروج عليه).

فابن الزبير رضي الله عنه إما أن تكون الخلافة له والمنازع مروان ثم عبدالملك ، وإما أن تكون هناك دولة لابن الزبير ودولة لمروان ، وإما أن تكون الخلافة لمروان ثم لعبدالملك.

فعلى الأمرين الأولين لادليل فيهما، وعلى الثالث يقال: إن ابن الزبير رضي الله عنه لم يوافق على ذلك؛ فروى مسلم عن أبي نوفل قال: رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، فجعلت قريش تمر عليه والناس؛ حتى مر عليه عبد الله بن عمر؛ فوقف عليه؛ فقال: (السلام عليك أبا خبيب! السلام عليك أبا خبيب! السلام عليك أبا خبيب! أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا! أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا! أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا!).

وأما قضيته مع يزيد بن معاوية فقد تقدم الجواب عنها في قضية الحسين بن علي رضي الله عنهم أجمعين.

هذا ما يسره الله إيراده هنا، والسنة أولى بالاتباع. أسأل الله للجميع حسن القصد والاتباع.

تنبيه: 

بعض من يصف أمير المؤمنين وكاتب الوحي لرسول الله صل الله عليه وسلم: معاوية -رضي الله عنه ورحمه وجزاه عن الإسلام خيراً- بالمستبد أو بأول من أسس للاستبداد والتوريث في الخلافة، يستدل بفعل ابن الزبير والحسين رضي الله عنهم أجمعين، والكل صحابة!! 

وصدق الله: (فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

وحظوظ النفس وشهواتها إذا أخرجت في قالب الانتصار للدين هلك الإنسان وأهلك غيره، والله المستعان. والحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــ
(1) (المغني 10 / 49).


الشبهة الثامنة:

هل نترك المجال للعلمانيين؟

الجواب على هذه الشبهة:

الديمقراطية نظام أرضي، يعني حكم الشعب للشعب، وهو بذلك مخالف للإسلام، فالحكم لله العلي الكبير، ولا يجوز أن يُعطى حق التشريع لأحدٍ من البشر كائناً من كان.

وقد جاء في "موسوعة الأديان والمذاهب المعاصرة" (2 / 1066 ، 1067): "ولا شك في أن النظم الديمقراطية أحد صور الشرك الحديثة، في الطاعة، والانقياد، أو في التشريع، حيث تُلغى سيادة الخالق سبحانه وتعالى، وحقه في التشريع المطلق، وتجعلها من حقوق المخلوقين، والله تعالى يقول: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) يوسف: 40.

ويقول تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) الأنعام: 57.

من علم حال النظام الديمقراطي وحكمه ثم رشح نفسه أو رشح غيره مقرّاً لهذا النظام، عاملاً به، فهو على خطر عظيم، إذ النظام الديمقراطي منافٍ للإسلام كما سبق.

وأما من رشح نفسه أو رشح غيره في ظل هذا النظام، حتى يدخل ذلك المجلس وينكر على أهله، ويقيم الحجة عليهم، ويقلل من الشر والفساد بقدر ما يستطيع، وحتى لا يخلو الجو لأهل الفساد والإلحاد يعيثون في الأرض فساداً، ويفسدون دنيا الناس ودينهم، فهذا محل اجتهاد، حسب المصلحة المتوقعة من ذلك. 

وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء:

"هل يجوز التصويت في الانتخابات والترشيح لها؟ مع العلم أن بلادنا تحكم بغير ما أنزل الله؟ 

فأجابوا:

"لا يجوز للمسلم أن يرشح نفسه رجاء أن ينتظم في سلك حكومة تحكم بغير ما أنزل الله، وتعمل بغير شريعة الإسلام ، فلا يجوز لمسلم أن ينتخبه أو غيره ممن يعملون في هذه الحكومة إلا إذا كان من رشح نفسه من المسلمين ومن ينتخبون يرجون بالدخول في ذلك أن يصلوا بذلك إلى تحويل الحكم إلى العمل بشريعة الإسلام، واتخذوا ذلك وسيلة إلى التغلب على نظام الحكم ، على ألا يعمل من رشح نفسه بعد تمام الدخول إلا في مناصب لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية".

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الرزاق عفيفي، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ عبد الله بن قعود".
انتهى من"فتاوى اللجنة الدائمة" (23 / 406، 407).

لذلك نقول لمن يبرون لأنفسهم الخروج على ولاة الأمر بدعوة أنهم لا يريدون أن يتركوا المجال لغير الأسلامين كما يزعمون فلذلك يسبقون العلمانيين إلى الميادين بالثورات والمظاهرات وإنشاء الأحزاب ودخول البرلمانات إلى آخر هذه المخالفات فإذا بينت لهم الحكم فى هذه المسائل اعترضوا عليك بقولهم أن نترك المجال لعلمانيين حتى صاروا لعبة فى أيدى العلمانيين وما من بلد من البلاد الأسلامية سلكت هذه المسالك البدعية بل والشركية إلا وترتب على ذلك من الفساد الأمنى والإقتصادى والسياسي والدعوى والفكرى والله به عليم. 

لذلك نقول لهؤلاء الثوار والمتحمسين لتطبيق الشريعة والباحثين عن التمكين عليكم بطريقة السلف الصالح فأنها أسلم وأحكم، و اعلموا أن ما عند الله لا ينال بطاعته كما جاء فى الحديث والله المستعان وعليه التكلان. 

هذا وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.

كتبه
أبو عبدالله
محمود بن على سرور
عفا الله عنا وعنه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
الخروج على الحاكم أحكامه وضوابطه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: الدين والحياة-
انتقل الى: