منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 من أسس السياسة الشرعية: مراعاة العرف

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48538
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: من أسس السياسة الشرعية: مراعاة العرف    الثلاثاء 17 أكتوبر 2017, 7:38 pm

من أسس السياسة الشرعية: مراعاة العرف 


د. سعد بن مطر العتيبي


قاعدة : مراعاة العرف .

والمراد به العرف الصحيح ، وهو : ما تعارفه أكثر الناس ( وهذا قيد يخرج العادات الخاصة ) من قول أو فعل اعتبره الشرع ؛ أو أرسله ، مما شأنه التَّغَيُّر والتَّبَدّل .

وهذا القيد يخرج العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها ، كالأمر بإزالة النجاسات ، وستر العورات ؛ لأنَّها من جملة الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع بخصوصها ، فلا تبديل لها ، ولو اختلفت فيها آراء المكلفين ، كما لو تعارف الناس على كشف العورات ، كما يقول الشاطبي ، أو الاختلاء المحرم أو غيره .

ومجال إعمال العرف ما يلي :

1) الحالات التي أحال الشارع فيها على العمل بالعرف .

ومن أمثلته : إحالة الشارع إلى العرف في مقادير الإنفاق ، كما سيأتي في إثبات حجية العرف إن شاء الله تعالى .

2) تفسير النصوص التي وردت في الشريعة مطلقة ، مما لا ضابط له فيها ولا في اللغة .

ومن أمثلته : تحديد ما يكون حرزاً في السرقة ؛ وما يكون به إحياء الموات .

قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله : " كل اسم ليس له حدٌّ في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف " .

وقال السيوطي : " قال الفقهاء : كلّ ما ورد به الشرع مطلقاً ، ولا ضابط له فيه ، ولا في اللغة ، يرجع فيه إلى العرف " .

3) الأعراف التي تكون أسباباً لأحكام شرعية تترتب عليها ، أو بعبارة أخرى : 

التي هي مناط لأحكام شرعيَّة ، مما لم تأمر به الشريعة على نحو معين ، ولم تنه عنه ، وتُلحظ فيه المصلحة تبعاً لذلك . وهذه لها صور ، منها :

- الأعراف التي تكشـف عن مرادات المكفين فيما يصدر منهم من أقوال وتصرفات ؛ ويدخل فيها صيغ العقود والفسوخ ، من بيوع و إجارات وإقرارات وأيمان ووصايا وشروط في عقود ، ومعاهدات ومواثيق دولية ، وغيرها .

- الأعراف التي تكشف عن العلل والحكم التي تترتّب عليها الأحكام الشرعية ، أو انتهائها . وسيأتي بيان لها إن شاء الله تعالى في مجالات السياسة الشرعية .

- الأعراف التي تكشف عن الصفات الشرعية ، أو صفات المحال التي تتعلق بها الأحكام ، كالكشف عن مالية المعقود عليه ، وما يعتبر عيباً في المبيع ، وما يتحقق به خيار الرؤية ؛ والكشف عما تتحقق به صفة الضرورة أو الحاجة ؛ والكشف عما أجمله الشارع من الجرائم الموجبة للتعزير كألفاظ الشتم من غيرها ، وما يقع به التعزير الرادع ، وغير ذلك .

هذا مجملٌ لمجالاتِ إعمالِ العرف شرعاً .

و ضابطه : " كل فعل رُتِّب عليه الحكم ، ولا ضابط له في الشرع ولا في اللغة ؛ كإحياء الموات ، والحرز في السرقة ، والأكل من بيت الصديق ، وما يعد قبضاً ، وإيداعاً ، وإعطاء ، وهدية ، وغصباً ، والمعروف في المعاشرة ، وانتفاع المستأجر بما جرت به العادة ، وأمثال هذه كثيرة لا تنحصر " .

شروط اعتبار العرف :

نص العلماء على شروط لا بد منها في اعتبار العرف طريقا صحيحا للاستدلال ، وهي :

1) أن لا يخالف نصاً أو قاعدة شرعية .

2) أن يكون موجوداً عند إنشاء التصرف .

3) أن يكون مطرداً ، أي : مستمراً في جميع حوادثه ؛ أو غالباً، أي : في أكثرها ؛ والمراد : اطِّراد أو غلبة العوائد المتجددة في كل زمان وفي كل مكان .

4) أن لا يُصَرِّح المتعاقدان بخلافه إن كان ثمّ عقد .

حجية الأخذ بالعرف واعتباره .

استُدِلَّ لحجية العرف بأدلة كثيرة ، يكفي منها في إثبات اعتباره : 

إحالة الآيات والأحاديث الأحكام المطلقة إليه لتحديدها به ، من مثل :

1) قول الله عز وجل : {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } [ البقرة233] ؛ إذ أرجع الله سبحانه وتعالى تقدير نفقة المرضع إلى العرف غنىً وفقراً .

2) وقول النبي صل الله عليه وآله وسلم لهند بنت عتبة رضي الله عنها: (( خُذِي مَا يَكْفِيكِ َوَولَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ )) رواه الشيخان؛ حيث أحال في نفقة الزوج والولد إلى العرف .

ثم هو معتبر في الجملة في جميع المذاهب ؛ وهو معنى قول العلماء : إنَّ العادة محكمة .

فالعرف قاعدة تطبيقيّة مهمّة، يرجع إليها في تطبيق كثير من الأحكام العملية؛ فهو في واقع الأمر ليس دليلاً؛ بل الدليل مستنده الذي أحال إليه؛ فالعلماء عند اعتبارهم الأعراف وملاحظتها عند تطبيق الأحكام، يستندون إلى أصل شرعي ودليل معتبر؛ يؤكد ذلك أهم شروط اعتبار العرف، وهو: أن لا يخالف نصاً شرعياً.


ما يشترط فيمن يفتي باتباع العرف الحادث :

لا يسوغ الإفتاء على مقتضى العرف الحادث لكلّ أحد ؛ فقد نصَّ العلماء على شروط لابد من توفّرها ، في من يتصدَّى لذلك ، أهمها ما يلي :

1- أن يكون ممن له رأي ونظر صحيح ، ومعرفة بقواعد الشرع ، وأن يكون على علم بمدارك الفتاوى وشروطها واختلاف أحوالها ؛ وذلك حتى يُمَيِّز بين العرف الذي يجوز بناءُ الأحكام عليه وبين غيره ؛ فإنَّ المتقدمين شرطوا في المفتي : 

الاجتهاد؛ وهذا مفقود في زماننا، فلا أقلَّ من أن يُشترط فيه معرفة المسائل بشروطها وقيودها التي كثيراً ما يُسقطونها ولا يصرِّحون بها اعتماداً على فهم المتفقه كما يقول ابن عابدين.

وقد عزى القرافي غلط كثير من الفقهاء المفتين ، إلى فقدان هذا الشرط منهم ؛ حيث قال: "فهذه قاعدة لابدَّ من ملاحظتها [يعني تغير الأحكام بتغير الأعراف]؛ وبالإحاطة بها يظهر لك غلط كثير من الفقهاء المفتين؛ فإنَّهم يُجرون المسطورات في كتب أئمتهم على أهل الأمصار في سائر الأعصار، وذلك خلاف الإجماع، وهم عصاة، آثمون عند الله تعالى، غير معذورين بالجهل؛ لدخولهم في الفتوى وليسوا أهلاً لها، ولا عالمين بمدارك الفتاوى وشروطها واختلاف أحوالها".

2- أن يكون عارفاً بوقائع أهل الزمان ، مدركاً أحوال أهله . 

فلابد له من معرفة عرف زمانه ، وأحوال أهله ، والتخرّج في ذلك على أستاذ ماهر ؛ يقول ابن عابدين مبينا ذلك : " لو أنَّ الرجل حفظ جميع كتب أصحابنا لابد أن يتّلمذ للفتوى حتى يهتدى إليه ؛ لأنَّ كثيراً من المسائل يجاب عنه على عادات أهل الزمان فيما لا يخالف الشريعة . 

والتحقيق أنَّ المفتي لابد له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس " .

و هذه القاعدة من القواعد التي زادت أهميتها في هذا العصر ؛ حيث تَعَدُّدُ الأقاليم الإسلامية ، و تناثر الجاليات المسلمة في غيرها ؛ مما ينبغي معه تقييد الفتاوى بأعراف المستفتين زماناً ومكاناً وحالاً ؛ فقد تصل – مع انتشار وسائل الاتصال الحديثة - فتوى أهل بلد غير مقيدة به ، إلى غيره ممن لا تشملهم الفتوى ؛ فيُظنّ شمولها ؛ فيقع بذلك على من لا تشملهم الفتوى حرج ، أو توسع غير مشروع في حقهم ، كما قد يقع بذلك استغلال وتوظيف للفتاوى ، أو سُبَّة بها على أهل الإسلام ، من أهل الباطل المتربصين ، والله أعلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48538
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: من أسس السياسة الشرعية: مراعاة العرف    الثلاثاء 17 أكتوبر 2017, 7:39 pm

من حيث الموضوعات

د. سعد بن مطر العتيبي


بعد أن انتهى الحديث عن محور مدلول السياسة الشرعية ، ثم محور أسسها ( وهو محور اكتفيت فيه بما أراه أهم من غيره ) - يبدأ الحديث الآن عن المحور الثالث، وهو: مجالات السياسة الشرعية وتطبيقاتها، وهو الجانب التطبيقي في الموضوع:

وسيكون – إن شاء الله تعالى - في مقالات :

المقالة الأولى : مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة من حيث الموضوعات (1)

لا يكاد يخرج عن مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة ، من حيث موضوعاتها فرع من فروع القانون المعاصر ، وأوجز بيان مجال السياسة الشرعية من حيث الموضوعات فيما يلي :

المجال الأول :

الولاية العامّة وما يتفرع عنها من شؤون الحكم ، وإدارته ، وإجراءات تطبيقه ، وآليات تنفيذه ، ومن مصطلحاتها العصرية عند أهل الإسلام : ( نظام الحكم في الإسلام ) ، و ( النظام الإداري الإسلامي ) وهو فن مستقل عن سابقه .

وهو يشمل موضوعات ما يعرف في القانون المعاصر بـ ( القانون الدستوري ) وما يعرف بـ(القانون الإداري) - وهو مستقل عن سابقه في الحقيقة والتصنيف القانوني الوضعي - ؛ إضافة إلى ما يعرف بعلم السياسية وعلم الإدارة .

المجال الثاني :

الشؤون المالية في الدولة ، وما يشرع لولي الأمر سلوكه في إدارة بيت المال ، موارده ومصارفه ، وما يتعلق بذلك من إجراءات تنظيم بيت المال ، وطرائق جباية الأموال إليه وصرفها منه وآليات تنفيذ أحكامها ، ونحو ذلك ، ومن مصطلحاتها العصرية عند أهل الإسلام : ( النظام المالي في الإسلام ) .

وهو يشمل موضوعات ما يعرف في القانون المعاصر بـ ( القانون المالي ) .

المجال الثالث :

الشؤون المالية العامّة، من حيث تنظيم التداول، والاستثمار، وقيم النقود وسبل رفعها والمحافظة عليها، وما تقتضيه المصلحة الشرعية من تقييد الحاكم لبعض التعاملات المالية، وما يُسْتَحْدث في ذلك من نظم مشروعة نافعة؛ ومن مصطلحاتها العصرية عند أهل الإسلام: (السياسة الاقتصادية في الإسلام)، و(المعاملات المالية العاصرة).

وهو يشمل موضوعات ما يعرف في القانون المعاصر بـ ( القانون التجاري ) .

المجال الرابع :

الشؤون القضائية ، وما يتعلق بها من تنظيمات ، وطرائق إثبات ، ونحوها ؛ ومن مصطلحاتها العصرية : ( السياسة القضائية في الإسلام ) و ( علم القضاء ) وفروعها .

وهو يشمل موضوعات ما يعرف في القانون المعاصر بـ ( قانون المرافعات ) وما يعرف بقوانين الإجراءات .

المجال الخامس :

الشؤون الجنائية والجزائية ، من حيث تنظيم إجراءات تنفيذ ما يثبت من أحكام مقدَّرة شرعاً أو تقدير جزاءات شرعية ملائمة لما يرتكب من جرائم تقتضي التعزير شرعاً ؛ ومن مصطلحاتها العصرية : ( النظام الجنائي في الإسلام ) ، و ( التشريع الجنائي الإسلامي ) .

وهو يشمل موضوعات ما يعرف في القانون المعاصر بـ ( القانون الجنائي ) .

المجال السادس :

الشؤون المتعلقة بالسِّيَر ( العلائق الدولية ) - من شؤون الأمن ، والسلم ، والحرب ؛ ومن مصطلحاتها العصرية : ( النظام الدولي في الإسلام ) ، و ( العلاقات الدولية في الإسلام ) ، ونحوها .

وهو يشمل موضوعات ما يعرف في القانون المعاصر بـ ( القانون الدولي العام) ، و ( القانون الدولي الخاص ) .

وهناك موضوعات أخرى وتفاصيل، هي عند التأمُّل داخلة في بعض هذه الموضوعات، وإن أُفردت عند البحث ؛ من مثل ما يُعرف بـ ( الأحوال الشخصية ) ؛ إذ إنَّ ما يستند إلى السِّيَاسة الشَّرعيَّة منها راجع إلى الشؤون القضائية أو الشؤون الجنائية والجزائية ، أو مشترَك بينها . 

وكذلك ما يعرف بـ( النظام الإداري ) ؛ فإنَّه داخل في شؤون الحكم ، والشؤون المالية بفروعها . 

ولكني أردت تقريب الصورة للقاريء الكريم فذكرت بعضها فيما هو الأقرب إليه .
----------------------------
(1) ينظر على سبيل المثال : السياسة الشرعية والفقه الإسلامي ، للشيخ عبد الرحمن تاج : 7-8 ؛ ونظام الحكم في الإسلام ، للشيخ عبد العال عطوه : 13-14 ؛ والمدخل إلى السياسة الشرعية ، له : 33 وما بعدها ؛ و محتوى : مصنفة النظم الإسلامية الدستورية والدولية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية ، لد. مصفطى كمال وصفي ، حيث وصف جلَّ هذه الموضوعات .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 48538
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: من أسس السياسة الشرعية: مراعاة العرف    الثلاثاء 17 أكتوبر 2017, 7:41 pm

من حيث المسائل والأحكام

د. سعد بن مطر العتيبي

المقالة الثانية :

مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة من حيث المسائل والأحكام

مجالات السِّيَاسة الشَّرعيَّة من حيث مسائلها لا تخرج في إطارها العام عن الجوانب العملية التي تقبل التَّغَيّر لبنائها على مناط متغيِّر يتغيَّر الحكم الشرعي لمسألته تبعاً لتغيِّر المناط 

وعليه، فلا يدخل في مجالات إعمال السياسة الشرعية ما يُعرف بالثوابت في ذاتها، التي منها ما يتعلق بالمكلفين من الأحكام العقدية، كالإيمان بالله ووحدانيته والإيمان بالرسل صلوات الله وسلامه عليهم وتصديقهم، والإيمان بالكتب والملائكة، والإيمان باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرِّه، وتحريم الشرك، وتحريم موالاة الكفَّار؛ فهذه وأمثالها ثوابت في الدِّين لا يمكن أن تتغير، وكذا " الأحكام الشرعية التي تتضمن قواعد هذا الدِّين وأسسه، والأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، والأحكام التي تحث على الأخلاق والفضائل، بل وجميع الأحكام الشرعية العملية التي لم تُبن على العرف أو المصلحة أو التي لم تُناط بعلة أو التي لم تصحبها ضرورة ؛ فإنَّها ثابتة ولا يصح جعلها محلّ نظر وتغيير " (2) .

و الجوانب العملية في الشرعيات ليست على إطلاقها ، بل هي من الأمور المتشعِّبة المتشابكة التي تتطلب استقراءً لمسائلها ليصدق ضبطها ضبطا دقيقا يقرِّب فقه السياسة الشرعية فيها لطالب العالم تقريباً يعينه في تطبيقها ؛ وإنما هذه خطوط عريضة في بيان مجالات السياسة الشرعية من حيث المسائل والأحكام ، مع شيءٍ من ضبط هذه المجالات ؛ فيُقال :

المسائل الفقهية من حيث دخولها تحت السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ، وعدمه ، تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : 

ما لا يختص به أولو الأمـر ، وليس داخلاً في تدبيرهم بالولاية .

ومجال هذا القسم : الأحكام التي أنيطت وربطت بأسبابٍ متى وُجِدَت وُجِدَت هذه الأحكام ، دون تعلق بالولاية ، فهذا القسم ليس مختصّاً بأولي الأمر ؛ إذ إنَّه يتبع سببه الشرعي (3) ، فمتى وُجِدَ السبب وُجِدَ الحكم ، كإقام الصلاة ، وإيتاء ما يجب في الأموال من زكاة . 

ويتجلَّى هذا الأصل في عامَّة المسائل التي توصف بالثوابت كالعبادات ، وأصول الأخلاق والآداب الشرعيَّة وما في معناها .

وهذا القسم ليس داخلا في السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ، التي هي من تدبير أولي الأمر وتصرفاتهم المنوطة بالمصلحة الشرعية .

تنبيه:

لا يدخل في هذا القسم ما يتعلق بإطلاق ولي الأمر الشرعي ( قاضيا شرعيا أو مفتياً خبيرا ) وصفاً عقدياً يترتب عليه أحكام عملية للموصوف به في ذاته أو في علاقته بغيره أو علاقة غيره به ، فقد يوجد فيها جوانب عملية تتطلب حكماً شرعياً سياسياً ، ومنها ما يعرف اليوم بأسس التعايش السلمي في المجتمعات وكذلك ما يناقضه ، ولعله يتضح بالمثال في حينه إن شاء الله تعالى ، وإنما أشرت إليه هنا لأهمية استحضاره .

القسم الثاني : 

ما كان موكولاً إلى تدبيـر أولي الأمـر .

ويتجلَّى هذا القسم في المسائل التي تتوفر فيها الأسباب والأوصاف التالية ، أو بعضها (4) :

1) أن تكون هذه المسائل مما يحتاج إلى نظر وتحرير، وبَذْل جُهدٍ من عالم بصير، حَكمٍ عَدْلٍ، في تحقيق أسبابها، ومقدار مسبَّباتها؛ كالتعزيرات ؛ فإنَّها تفتقر إلى تحرير في مقدار الجناية وحال المجني عليه، حتى تقع المؤاخذةُ على وفق ذلك من غير حيف؛ وهكذا جميع ما وُكِلَ تقديره إلى اجتهاد الأئمة والحكَّام، ومن في حكمهم.

2) أن تكون مما يفضي تفويضه لجميع الناس إلى الفتن و الشحناء ، والقتل والقتال ، وفساد النفس والمال ؛ كإقامة الحدود ، فمع " أنَّها منضبطة في أنفسها ، لا تفتقر إلى تحرير مقاديرها ، غير أنَّها لو فُوِّضت لجميع الناس ، فبادر العامة لجلد الزناة ، وقطع العُداة بالسرقة وغيرها ، اشتدَّت الحَمِيَّات ، وثارت الأَنَفَات ، وغَضِبَ ذوو المُروءات ، فانتشرت الفِتَنُ ، وعَظُمت الإحَنُ ؛ فحسم الشرعُ هذه المادَّة وفَوَّض هذه الأُمورَ لولاةِ الأمور ، فأذعن الناس لهم ، وأجابوا طوعاً وكرهاً ، واندفعت تلك المفاسدُ العظيمة " (5) ، وجباية الجزية ، وأخذ الخراج من أرض العنوة وغيرها (6) .

3) أن تكون مما قَوِيَ الخلاف فيه مع تعارض حقوق الله تعالى وحقوق الخلق ؛ أو تقاربت فيه المدارك ، وكان النِّزاع فيه في أمر دنيوي ؛ كالأملاك و الرهون والعقود وغيرها ؛ فهذا مِمَّا يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ الحَاكِم - و إنشاء حكم من هذا القبيل ليس لكل من ولي ولاية ؛ قال العلامة القرافي : " لا خلاف بين العلماء أنَّ ذلك ليس لكلّ أحد ، بل إنَّما يكون ذلك لمن حصل له سبب خاص ، وهو ولاية خاصَّة ، ليس كل الولاية تفيد ذلك " ؛ ثم سرد رتب الولايات وبيَّن أحكامها ، وأنَّ من رتب الولايات التي يدخل فيها هذا النوع من الأحكام : الإمامة الكبرى ، وولاية القضاء - (7). 

فإذا حكم فيها حُكماً مما يقبله ذلك المحلُّ تعين فيه ؛ فلم يُنقض ، ولزم الإذعان إليه (Cool؛ لمصلحة الحكم ؛ " لأنَّ الأحكام لو نُقِضت بالاجتهاد لَمَا استقرَّ حكم ؛ لأنَّ القضاة لو نقضوا الحكم بالاجتهاد لأدَّى ذلك إلى أن ينقض كلُّ حاكم حكمَ من قبله ، ويفضي ذلك إلى تضرُّر المحكوم لـه ، والمحكوم عليه ؛ لأنَّه يُنْزَعُ الحق من أحدهما ، ويُعطى الآخر ، ثم يُنزع من الآخر و يُعطاه غريمه ، ويتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية لـه ، ولا يخفى ما فيه من الفساد " (9) ؛ سواء كان ذلك بتغير اجتهاده أو بحكم حاكم آخر ؛ كما يلزم من ذلك اضطراب الأحكام و عدم وثوق الناس بحكم الحاكم ؛ فتفوت المصلحة التي نُصب الحاكم لأجلها ، ولا تُفصل الخصومات (10) .

4) أن تكون مما يُشرع نقضه من تصرفات الولاة والحكَّام ، وهي المسائل التي صدرت عن حكم قضائيٍ مخالفٍ لما يوجِبُ نقضَه ، من نصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ (11)؛ أو التي لم تصدر عن حكم قضائيٍ ، ويسوغ لغيرهم من الولاة والحكام النظر فيها ونقضها أو تغييرها ؛ للمصلحة الشرعية ، لا لمجرد التشهي والغرض.

ومن أمثلة ذلك (12) :

- تولية النوَّاب في الأحكام ، و تأمير الأمراء على الجيوش والسرايا وغير ذلك من الولايات .

- و الصرف من بيت المال وتقدير مقاديره في كل عطاء ، في الأرزاق للقضاة والعلماء وأئمة الصلاة ، وفي أجور موظفي الدولة عموماً .

- وتقدير الخراج على الأرضين ، و ما يؤخذ من التجار الأجانب غير المسلمين .

- واتخاذ الأحمية (13)، من الأراضي المشتركة بين عامة المسلمين .

- وعقد الصلح بين المسلمين والكفار .

فهذا كلُّه ؛ لمنْ تصرَّف به ولغيرِ مَنْ تَصَرف به أو قرَّره أو عقْده من الولاة أن يعيد النظر في السبب المقتضي لذلك هل يقتضيه فيبقيه ، أو لا فغيره أو ينقضه ويبطله . 

وهذا كله مقيد بقاعدة : (تصرف الولاة على الرعية منوط بالمصلحة ) ؛ " فإنَّ كـل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية ، لا يحلّ له أن يتصرف ، إلا بجلـب مصلحة أو درء مفسدة " (14). 

فهذه الأسباب تكاد تكون ضوابط ، لما هو موكولٌ إلى تدبير الحكام و ولاة الأمور ؛ بل ذكر القرافي أنَّ ما اشتمل على أحد الأسباب الثلاثة الأولى ، أو اثنين منها ، صار مفتقراً للحاكم إجماعاً ؛ فإذا لم يوجد شيءٌ منها تَبِعَ حُكْمُ المسألة سَبَبَهُ الشرعي كالقسم الأول ، حَكَمَ به حاكم أو لا (15) .

والمسائل الفقهية المندرجة تحت هذا القسم – الذي وُكِل تنفيذه إلى أولي الأمر - أنواع ، يأتي بيانها في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى .

والمسائل الفقهية المندرجة تحت هذا القسم - أعني الذي وكل تنفيذه إلى أولي الأمر ، ولا يفتات عليهم فيه غيرهم - 

أنواع :

النـوع الأول :

مسائل شرعت أحكامها ثابتة لازمة ، لا تتغير عن حالة واحدة ؛ فلا تختلف أحكامها باختلاف الأزمنة ولا الأمكنة ، ولا اجتهاد الأئمة .

وهذا النوع ليس داخلا في السياسة الشرعية بمدلولها الخاص ( المتغير ) ؛ إذْ ليس أمام أولي الأمر في هذا النوع سوى الحكم به كما ورد ، واجتهاد أولي الأمر فيه يقتصر على صحة التطبيق ، الذي هو النظر والاجتهاد في معرفة وجود العلة في آحاد الصور و الوقائع ، المعروف بـ( تحقيـق المناط ) (16) .

ويتجلَّى هذا النوع فيما ليس معلَّلاً من الأحكام من العادات والمقدَّرَات ( وما يدخله تدبير أُولي الأمر منها ، فعلى سبيل التبع والتضمُّن ) (17) ؛ ومنه مقادير الزكاة ، وتعيُّن الحدود المقدرة على الجرائم كما هي ، ونحو ذلك ، ويدخل فيه كثير من الأحكام التي يتعين القضاء بها عند ثبوت أسبابها .

النـوع الثاني : 

أحكام جزئية ، شرعت أو استنبطت لمسائل يتغير مناط الحكم فيها بحسب اقتضاء المصلحة ، زمانا ومكانا وحالا ؛ سواء كان هذا المناط عُرفاً أو علَّة مُتَغيِّرَة ، أو نحو ذلك ؛ وتتجلَّى مسائل هذا النوع في الأحكام المعلَّلة أو التي تقبل التعليل (18) .

ومسائل هذا النوع مندرجة تحت السياسة الشرعية ؛ وهي على أضـرب :

الضـرب الأول : 

مسائل ثبتت أحكامُها بنصٍّ أو إجماع أو قياس أو استدلال معتبر ؛ لكن من شأنها ألا تبقى على حال ؛ ومن ثم يتغير الحكمُ فيها ، تبعا لتغير مناطه من حال إلى حال ، لا تغيراً في أصل الحكم ؛ بحيث يرى المجتهد أن الحكم تغيَّر في تلك المسائل تبعاً لذلك ؛ فيحكم بحكم يستلزمه هذا التغيُّر ؛ فالحكم الثاني هنا يُسمَّى سياسة شرعية (19) .

وهذا الضرب له صور ، تتعدد بتعدد أسباب تغير الحكم المعتبرة.

ومنها :

- تغيَر العرف الذي جاء التشريع موافقاً له:

ومنه : 

إخراج زكاة الفطر في كل بلد من قوت أهلُها ؛ و لا يلزم إخراجها من قوت أهل المدينة النبوية تقيّداً بما ورد ، من تكليف النبي صل الله عليه وآله وسلم أهلَ المدينة بإخراجها من : التمر والشعير والأقط والزبيب (20) ؛ " لأنَّ هذا كان قوت أهل المدينة ، ولو كان هذا ليس قوتهم بل كانوا يقتاتون غيره ، لم يُكَلِّفهم أن يُخرجوا مما لا يقتاتونه ؛ كما لم يأمر الله عز وجل بذلك في الكفَّارات …" (21) .

وقد تقدم ذكر الكلام في حرمة الفتوى على من لم يعرف حال المستفتي وعرف مجتمعه .

- زوال المصلحة التي جاء الحكم معلَّلاً بها . 

ومنه : 

إذن النبي صل الله عليه وآله وسلم للناس في ادَّخَارِ لحوم الأضاحي فوق ثلاث ، بعد نهيهم عن ذلك وأمرهم بالتصدق بما بقي ؛ فإنَّه لما كان العام الذي يليه ، ( قالوا : يا رسولَ الله نفْعَلُ كما فعَلْنا العَامَ الْمَاضِي ؟ ) ، قَالَ : (( كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا )) (22) ، وفي رواية : (( إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا )) (23) ؛ حيث بين أنَّ الحكم الأول قد تغيَّر من المنع إلى الإذن ؛ بزوال علَّة النهي (24) .

- تغير الحال التي قُيِّد الحكم بها . 

ومنه : 

الإذن بقتال الكفَّار في العهد المدني ، دون العهد المكي على اختلاف أحواله ، وهكذا الأحكام التي جاء تشريعها على مراحل اقتضاها اختلافُ الأحوال ، لا وجودُ ناسخ ومنسوخ بينها ، فهي من هذا القبيل .

وهو أخطر مجالات السياسة الشرعية فيما ورد فيه أكثر من حكمٍ بدليل نصي جزئي.

فنحن نرى العلماء الربانيين الذين يشهد لهم من يعرفهم من الأمة بالصدق والإخلاص والديانة وسعة الأفق الفقهي والتجربة في ميدان العمل الدعوي، المطلعين على أحوال الأمة - نجدهم يفتون بمشروعية الجهاد بالسنان في مكان وزمان ويمنعونه في آخر موجهين الخيار المناسب من خيارات جهاد القلم والبيان ، ونحن أيضاً نرى العلماء الربانيين يحكمون على قاتلِ كافر بأن له أحكام الشهيد ، وعلى قاتل كافر آخر بأنه عمله يُعدّ من الأعمال التي تجرِّمها الشريعة الإسلامية ويفتون الأمة بدعم المجاهدين والمرابطين في مكان ويحرمون دعم آخرين ويجرِّمون التعاون معهم بأي وسيلة !

وإذا قرأنا كليات الأحكام الإسلامية في هذه المسألة قراءة متكاملة كما هي في أذهان الفقهاء الكبار من السابقين واللاحقين ، فإنا سنجد تسبيبا كافيا في فهم ما قد يظنه بعض الناس تناقضا منهم . 

وذلك أنَّ أحكام الإسلام التطبيقية تتصف بخصائص عظيمة منها: الواقعية الشرعية.

ولعلّ من المناسب إيراد تطبيق تقعيدي وصفي، يمكن تنزيله على كثير من قضايا الواقع التي تندرج تحته في كل بلد من البلاد الإسلامية وغيرها، وذلك في قضية يعد الخطأ في فهمها من أخطر قضايا العصر على أهل الإسلام (25)، وعرض ذلك بلغة عصرية تُقرٍِّب المراد، ولا سيما أنّ بعض مسائل هذا الضرب صارت مثار جدلٍ بين فئات جافية التي تلوي أعناق النصوص جهلاً أو تهرباً، أو لا تقيم لها وزنا وتتستر خلف دعوى تجديد الخطاب الديني في تحريفها أو سوء فهم أصحابها على أحسن حال؛ وأخرى غالية تجاوزت المشروع بتطبيق النصوص على غير مواردها فأخذت بعضها وأولت الآخر أو ادعت نسخه، وكلا الفئتين -بغض النظر عن النوايا- قد عانت منها الأمة بعدا عن منهاج ربها، فجلبت الأولى إلى نفسها وإلى الأمة شقاء البعد عن الله، وعانت الأخيرة من الشقاء الفقهي وجلبته إلى الأمة، وقد قال الله عز وجل لنبيه محمد صل الله عليه وسلم: (طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى).

وهذا هو موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى تحت عنوان:

تطبيق السياسة الشرعية على أصل علاقة الدولة الإسلامية بغيرها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
من أسس السياسة الشرعية: مراعاة العرف
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: الدين والحياة-
انتقل الى: