منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
هذا منتدى ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  الأحداثالأحداث  المنشوراتالمنشورات  اليوميةاليومية  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 كيف تعود عزة المسلمين إليهم؟

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49698
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: كيف تعود عزة المسلمين إليهم؟   الأحد 11 فبراير 2018, 2:04 pm

[ كيف تعود عزة المسلمين إليهم؟ (1)]
الشيخ محمد بن عبد الله الغنيمات

إن آخر هذه الأمة لا يصلح إلا بما صلح به أولها، والنصرة من الله تعالى، لا يستحقها المسلمون إلا إذا نصروا الله بإقامة دينه الذي أوجبه عليهم، والدعوة إليه بالجد والنصح والبذل للنفوس والأموال في سبيل ذلك، إذا كنا نريد العزة والقوة فلنغير ما بأنفسنا من الوهن وكراهية الموت، ولنقبل على الله صادقين. إن أحوال أكثرنا لا تُرضي الله ولا يرجى معها نصره، فمثلاً إذا سبرنا حال طالب العلم الذي يؤمل أن يكون أفضل الناس، فإذا هو يمضي في دراسته ما يزيد على عشرين عاماً؛ ستة أعوام في الابتدائي، وستة أخرى في المتوسط والثانوي، وأربعة في الجامعي، وستة في العالي أو أكثر، ثم إذا تحصل على أعلى شهادة وجدته غير متميز عن العوام وسائر الناس لا في مشيته ولا في هيئته، ولا في سمته ونطقه، بل قد لا يتميز عنهم حتى في هيئة صلاته، وهذا هو الغالب على طلابنا، والسبب في ذلك أنهم لم يطلبوا العلم للعمل به، والتقرب إلى الله، وإنما طلبوه للدنيا، فسلبوا نوره وبركته، فإذا كان هذا حال طلبة العلم، فكيف ببقية الناس، ولهذا أصبنا بالاختلاف وتنافر القلوب، وأصبحنا غثاءً كغثاء السيل.


قال ابن مسعود: "لو أن أهل العلم صانوا علمهم ووضعوه عند أهله، لسادوا به أهل زمانهم، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا به من دنياهم فهانوا على أهلها" سمعت نبيكم صل الله عليه وسلم يقول: "من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله هم آخرته، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها وقع"[1]. وكان السلف كما قال أبو قلابة: "إذا أحدث الله لك علماً فأحدث له عبادة"، وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم كان أحدهم لا يتجاوز عشر آيات حتى يتعلم ما دلت عليه ويعمل بهن، فتعلموا العمل كما يتعلمون العلم.

وقال عبد الله بن عباس: "لو أن حملة العلم أخذوه بحقه وما ينبغي، لأحبهم الله وملائكته والصالحون، ولهابهم الناس، ولكن طلبوا به الدنيا، فأبغضهم الله، وهانوا على الناس"[2].

قال الشعبي: "كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به، وكنا نستعين على طلبه بالصوم"[3]، وقال الإمام مالك: "إن حقًا على من طلب الحديث أن يكون له وقار وسكينة وخشية، وأن يكون متبعاً لآثار من مضى قبله". وعلى كلٍ الواجب على طالب العلم وغيره تقوى الله تعالى وحفظ حدوده وحقوقه، وأوامره ونواهيه، كما وصى النبي صل الله عليه وسلم ابن عباس بقوله: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك"؛ فيحفظ حدوده فلا يتجاوزها، ويحفظ أوامره فيمتثلها، ونواهيه فيجتنبها، وبذلك يستحق وعد الله تعالى في مثل قوله تعالى: ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [ق: 32 - 35]، فسر الحفيظ في هذه الآية بالحافظ لحدود الله، وبالحافظ لذنوبه ليتوب منها، ولا منافاة بينهما.

وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعاً: "الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى"، وحفظ الرأس وما وعى يلزم منه حفظ السمع والبصر واللسان، من سماع المحرمات والنظر إليها فلا يستمع إلى ما فتن به أكثر الناس اليوم من الأغاني، ومزامير الشيطان فإنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وتنبت في القلب النفاق وحب الباطل، وكراهية الحق وأهله، ولا تجتمع الأغاني في قلب مع كلام الله تعالى لأنهما متضادان، فكلام الله فيه الهدى والنور، وحياة القلوب، والأغاني تميت القلب نهائياً وتجعله منكوساً، فيصبح الحق عنده باطلاً مكروهاً، والباطل مرداً له محبوباً.

ولا ينظر إلى ما حرم الله، أو ما هو داع إلى مواقعة الحرام، كالنظر إلى النساء المحرمات عليه، ونحو ذلك مما يدعو النظر إليه إلى ما هو أعظم من الفواحش، وكالصور الخليعة التي قصد بها هتك أخلاق الشباب المسلم، وإيقاعهم في حبائل الشيطان بإثارة غرائزهم، وكوامن شهواتهم، أو النظر إلى الداعيات إلى الدعارة والفجور اللاتي يعرضن أنفسهن في التلفاز، عاريات، أو شبه عاريات، وأقل ما يقال في ذلك أن المرء يجب عليه أن يعرض عنه بنفسه، ومن يستطيع حمايته من هذا الوباء الفتاك الذي يقضي على أخلاق المجتمعات[4].
ولمَّا كان مبدأ الفساد من قبل النظر المحرم؛ أمرَ الله – تعالى – المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، وأخبرهم أنه تعالى عليم بأعمالهم، مطلع عليها ليستحيوا منه تعالى.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد "والنظرة سهم من سهام إبليس"، والنظر يتولد عنه الأفكار الرديئة، ثم لا تزال تلك الأفكار الرديئة بصاحبها حتى تكون إرادات وعزائم، فيسعى بذلك إلى عمل الخنا والفجور حتى يقع فيه، ثم يصبح أسيراً للشيطان وشهواته، فيهلك مع الهالكين.

ومما يجب حفظه اللسان، فيجب أن يحفظ عن قول الزور، والسباب والشتم، والنميمة والغيبة، وقول الباطل، وكل ما لا فائدة فيه، فإن ذلك عمل اللسان، وهو محفوظ عليه مسجل، قال تعالى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 17، 18]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ [الانفطار: 10، 11].

وقد كثر وقوع غالب الناس في الغيبة والنميمة، حتى فشت في طلبة العلم، مع ظهور الأدلة على تحريمها، وعظم الوعيد عليهما كما في صحيح مسلم أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة نمام"، وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات:12]، يعني أن اغتياب الإنسان لأخيه كأنه يأكل لحمه بعد موته، وهذا في غاية الشناعة والقبح، فكيف يقدم العاقل على ذلك.

وقد فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم الغيبة بأوضح ما يكون فقال: "الغيبة ذكرك أخاك بما يكره" وذلك في حالة غيبته، قالوا: أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته"، أما النميمة فهي نقل الحديث إلى الغير على وجه الإفساد، وعلى كل فخطر اللسان عظيم، وهو أولى الأعضاء بالحفظ والمراقبة، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد ليتكلم الكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في نار جهنم"، وفيهما أن أبا هريرة سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن العبد ليتكلم بالكلمة، ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق"، وفيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت"، فخطر اللسان عظيم، فمن كان تعز عليه نفسه فلا يطلق لسانه بكل ما يخطر له، فإنه بذلك يورده المعاطب وانظر إلى ما جاء في صحيح مسلم أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله تعالى: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، قد غفرت له، وأحبطت عملك" وجاء أن هذا القائل كان عابداً مجتهداً، فأحبط عمله بكلمة واحدة، ربما قالها غيرة على محارم الله، وغضباً لله تعالى ومع ذلك ذهبت تلك الكلمة بدنياه وآخرته، كما قال أبو هريرة رضي الله عنه.

فعلى المؤمن أن يكون حذراً خائفاً، حافظاً للسانه وسائر جوارحه من الوقوع بما يسخط الله عز وجل، وإذا تكلم يكون كلامه فيما ينفع من ذكر الله تعالى، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وفي صحيح البخاري أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه؛ أضمن له الجنة"، وما بين اللحيين يتناول ما يتكلم به وما يأكله، فمن حفظ منطقه من الكلام السيئ، وحفظ مطعمه من الحرام فقد حفظ ما بين لحييه، وحفظ الفرج يترتب على حفظ البصر والسمع عن الحرام، وكذلك حفظ القلب من الأفكار الرديئة، بأن يطردها بخوف الله ومراقبته، وبذلك يحفظ فرجه، أما إذا أطلق نظره، ولم يمتثل قول الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ [النور:30]، وأطلق سمعه إلى سماع الأغاني فإنها تدعوه إلى الفجور.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: "سئل رسول الله صل الله عليه وسلم، ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: الأجوفان، الفم والفرج"[5]، قال الترمذي حسن صحيح.
كذلك مما يجب على العبد أن يحفظه بطنه، فلا يدخل فيه محرماً من المآكل والمشارب فإن الجسد الذي يتغذى بالسحت فإن النار أولى به.

وأكل الحرام وشربه يحول بين العبد وربه، فلا يستجيب دعاءه، ولا يقبل عمله، كما في الحديث المشهور، عن النبي صل الله عليه وسلم: "حينما ذكر الرجل الذي يطيل السفر، يرفع يديه يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، فأنى يستجاب له" يعني بعيد جداً أن يستجاب له، وكثير من الناس واقع في هذا الأمر العظيم، ولاسيما المتعاملين مع البنوك، وقد عظم الله جرم الربا، حتى جعل آكله محارباً لله ورسوله، وتوعد عليه بأشد الوعيد والعقاب، ونفى الإيمان عمن لا يجتنبه، وكذا المشارب المحرمة من الخمور بأنواعها، وكل مسكر فهو خمر، سواء شرب أو أكل، أو غير ذلك.

وقد فتن بهذه المحرمات خلائق من الشباب وغيرهم لا يحصيهم إلا الله تعالى، فعلى العبد المؤمن أن يتقي الله، ويراقبه، ويعلم أن حياته هذه منقضية عن قرب فيجتهد في تحصيل ما يرفع درجته عند ربه، ويبتعد عن كل ما هو سبب للبعد عن الله تعالى؛ فإن الأمر قريب جداً والله المستعان.

فالمؤمن ينبغي له أن يعرف الشر ومرتبته في دينه، كما ينبغي أن يعرف الخير ومرتبته أيضاً، ويفرق بين أحكام الأمور الواقعة، التي عملها الناس، وبين التي يراد إيقاعها ليقدم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً، ويدرأ أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ومن لم يعرف أحكام الله في عباده أصبحت أقواله وأعماله بجهل، ومن عَبَدَ الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، وبذلك أفسد الدين وغيرت السنن، بل وعبد غير الله، فلا بد أن يقترن العلم بالعمل، وأن يكون أصل العمل وأساسه محبة ما يحبه الله ورسوله، وبغض ما يبغضه الله ورسوله.

[1] ابن عبد البر في جامع بيان العلم ج1 ص 187.

[2] المصدر السابق ص88.

[3] المصدر السابق ج2 ص11.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 49698
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 72
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: كيف تعود عزة المسلمين إليهم؟   الأحد 11 فبراير 2018, 2:05 pm

[ كيف تعود عزة المسلمين إليهم؟ (2) ]
الشيخ محمد بن عبد الله الغنيمات
لقد جعل الله في قلوب بني آدم محبة وإرادة لمِا يتألهونه ويعبدونه، وذلك هو قوام قلوبهم وصلاح نفوسهم،كما جعل فيهم محبة وإرادة لما يطعمونه وينكحونه، وبذلك تصلح حياتهم ويدوم شملهم، وحاجتهم إلى التأله أعظم من حاجتهم إلى الغذاء فإن الغذاء إذا فُقد يفسد الجسم، وإذا فُقد التأله تفسد النفس، ولن يصلح ابن آدم إلا تألهه لله وحده، وعبادته وحده لا شريك له، وهذا هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها كما في الحديث المتفق عليه:«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه»، وفي صحيح مسلم عن النبي صل الله عليه وسلم فيما يخبر به عن الله تعالى أنه قال:«إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنـزل به سلطاناً»[1].

وليس معنى قوله – صل الله عليه وسلم - «كل مولود يولد على الفطرة» أنه حين ولدته أمه يكون عارفاً بالله موحداً له عاقلاً لذلك، كما يتوهمه بعض الناس، وإنما معناه أن فطرته تقتضي أن يعرف الله ويوحده ويعبده وحده ويتجه إليه دون ما سواه، فإذا حصل له العلم بذلك وجدت معرفته لربه وحبه له على قدر العلم الذي حصل له، إذا لم تغير فطرته، ويلقن ما يحرفه عن ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ [النحل:78]، فتبين أن المقصود بأنه ولد على الفطرة: الاستعداد لقبول الحق ومحبته، وإلا فكل أحد يعلم أن الطفل ليس عنده معرفة بتوحيد الله تعالى ودينه. وعلى كل يجب على العبد أن يكون عبداً لله لا لغيره، ويجب أن يستعين على ذلك بثلاثة رسل: قائد، وسائق، وحاد يبعث كوامن الرغبة في نفسه.

فالقائد هي المحبة لله والتعلق به، وهي مقصودة لذاتها لأنها تلازم العبد في الدنيا والآخرة، والسائق الخوف من عقاب الله وعذابه في الدنيا والآخرة والمقصود منه الزجر والمنع من الخروج عن طريق الله الذي نصبه لعباده يسيرون عليه إليه، وهو مراد لغيره؛ فلذلك يزول إذا دخل العبد الجنة. وأما الحادي فهو الرجاء ينشط النفس ويبعثها على الجد، فهذا الأصل يجب أن يعمل العبد به وأن لا يخرج عنه، فإذا ترسمه كان ممن قال الله فيهم: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يونس: 62-63]، ويستعين على ذلك بكثرة ذكر الله، كما أمر جل وعلا بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الأحزاب: 41، 42]، ويستعين كذلك بالنظر إلى نعم الله عليه وآلائه، كما أمر الله تعالى بذلك بقوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف:69]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل:53]، فالعبد إذا خلي ونفسه لم يستطع جلب نفع ولا دفع ضر، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل:18]، وقال: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان:20]، فلا بد من النظر إلى ذلك وتذكره فهو تعالى الذي سخر للإنسان كل ما في السماء والأرض، وفي وقتنا هذا ازدادت نعم الله علينا الظاهرة بما جد من الصناعات والآلات التي أراحت الناس من عناء الكد، ومكابدة الأسفار، وتعب الحرث ومشقة الأعمال.

وأما النعم الباطنة وأعظمها الإيمان بالله وما يتبعه فقد كان في صدر هذه الأمة أعظم وأعم، ومن حصل له الإيمان بالله تعالى ورسوله، فذلك أعظم النعم على الإطلاق، فعليه أن يغتبط بذلك وينميه، ويعمل على استقراره في قلبه واستدامته، والرغبة إلى الله بتثبيته عليه إلى يوم يلقاه.

والمقصود أن كثرة ذكر الله تعالى وتسبيحه، ومطالعة نعمه تجلب له محبة الله تعالى، وكذلك النظر في وعيد الله والتفكر في القبر وعذابه، والعرض على رب العالمين وحسابه، يبعث على الخوف والانـزجار عن معاصي الله تعالى، كما أن النظر في سعة رحمة الله وكرمه وواسع حلمه يبعث على الرجاء، فعلى المؤمن ألا يكون مغلوباً على أمره، بل يسعى إلى ما يسعده بالطرق الصحيحة المشروعة، وعليه أن يكون نبيهاًَ على حذر من الوقوع في الفتن، فتن الشبهات والشهوات وهذه هي التي أردت أكثر الناس اليوم، وقد قال رسول الله صل الله عليه وسلم: «أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم، ومضلات الفتن»[2].

وفي الصحيحين أنه صل الله عليه وسلم قال:«حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره» وفي رواية البخاري: «حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره»[3] وهذا أبلغ وأشد فإذا كانت الجنة محجوبة بالمكاره، فلا يمكن دخولها إلا بعد ما يتجاوز العبد هذه المكاره ويذوق مرارتها ويعاني مشقتها، وكذلك النار الطريق إليها تدعو إلى سلوكه شهوات الغي، ومشتبهات الهوى والنفوس البهيمية، وهو سهل السلوك، مزين المورد، ولهذا أكثر بني آدم سائر عليه، كما أخبر الله بذلك ورسوله، وكما هو الواقع المشهود، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [سبأ:20]، وفي حديث بعث النار، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وواحد إلى الجنة. يعني أنه لا يدخل الجنة من بني آدم إلا من كل ألف واحد فقط.

ومع ذلك فإن العبد إذا انقاد لطاعة ربه، ورضي به معبوداً، وقصده بالحب والذل، صارت عبادته غذاء روحه، وقوام حياته، وغلب جانب الروح الإيماني، على جانب الجسم الشهواني، وهذا هو المقصود من الإنسان؛ أن يغلب جانب الروح، فلا يذوق طعم الإيمان وحلاوته إلا بذلك، وإنما يأخذ من حظوظ الجسم ما يكون فيه قوته، وقوته على أعمال العبادة والطاعة، وبذلك يدرك العبد الحياة الحقيقية والسعادة في الدنيا قبل الآخرة، حياة الإيمان بالله والطمأنينة به قال تعالى: ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾ [الأنعام:122]، وهذه حياة الإيمان، ونور الهداية، والعلم بالله تعالى وهي حياة السعداء يجدون لها لذة لا تقاربها ملذات الدنيا، كما كان يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره:«إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة»، والله تعالى يحب أن يعبد بالحب والذل والخضوع له، وقد أمر بذلك وأوجبه على عباده، ووعدهم عليه السعادة والنعيم المقيم، فيجب على العبد أن يحب ما يحبه الله تعالى، وأن ينقاد لأمره قابلاً مستسلماً راضياً، وأن يحب ما فيه سعادته وحصوله على النعيم، ثم يترقى من هذا إلى أن تكون عبادة الله تعالى قرة عينه، وغذاء روحه، فتسهل عليه الآلام والأوصاب التي تصيبه في ذلك كما حصل لحارس رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع، لما باتوا قام اثنان من الصحابة يحرسان؛ أنصاري ومهاجري، فقام الأنصاري يصلي، ونام المهاجري، فجاء رجل من الكفار فرأى شخصه، فرماه بسهم فأصابه، فانتزعه من جسمه واستمر في صلاته، ثم رماه بآخر فانتزعه من جسمه واستمر في صلاته، ثم رماه بثالث، عند ذلك ركع وسجد وسلم ثم أيقظ صاحبه، فلامه صاحبه، على عدم إعلامه أول ما رماه، فقال: إني كنت أقرأ في سورة كرهت أن أقطعها، فلما تابع علي الرمي أعلمتك، وايم الله لولا خوفي أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها. فلم يمنعه ما أصابه من الجراح والألم عن متابعة القراءة؛ لأن ما لديه من حلاوة مناجاة الله، وتلاوة كلامه ينسيه الألم، ولذلك كان عيشهم طيباً وحياتهم سعيدة مع ما هم فيه من الفقر وقلة ذات اليد، كما في الصحيحين عن أبي موسى قال: خرجنا مع رسول الله صل الله عليه وسلم في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه، فنقبت أقدمنا، ونقبت قدماي وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا، وحدث أبو موسى بهذا ثم كره ذاك؛ قال: ما كنت أصنع بأن أذكره، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه[4].

[1] مسلم ج4 ص 2197 – 2198.

[2] رواه أحمد بسند صحيح جـ4 ص420.

[3] انظر مسلم جـ4 ص1274 وفتح الباري جـ8 ص120.

[4] البخاري جـ5 ص145.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
كيف تعود عزة المسلمين إليهم؟
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: موسوعة البحوث والدراسات :: بحوث دينيه-
انتقل الى: