منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

  مضر بدران

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: مضر بدران    الخميس 26 فبراير 2015, 10:38 pm

رئيس الوزراء مضر بدران "سياسي يتذكر" هو الاكثر عودة للموقع

رؤيا نيوز - محمد خير الرواشدة - يكشف رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران عن جانب مهم من مذكراته
السياسية، حيث تستضيفه الزميلة"الغد" في زاويتها، "سياسي يتذكر" اعتبارا من اليوم.
وبدران الشخصية السياسية، التي غابت طوعا عن المشهد السياسي، على مدار الـ25 عاما الماضية، احتل لقب أكثر رؤساء الحكومات عودة للموقع، في عهد الراحل الملك الحسين رحمه الله، وبعدد أيام بلغت 3043 يوما، موزعة على تشكيل أربع حكومات. ويزهد بدران في الحديث مع الإعلام، ويقتصر ظهوره على بعض النشاطات الرسمية.
وتسعى "الغد"، عبر زاويتها "سياسي يتذكر"، لتوثيق الرواية الشفوية لتاريخ الأردن السياسي، حيث يلقي مدير المخابرات الأسبق بدران، في هذه السلسلة الضوء على جانب مهم من هذا التاريخ.
وينتمي بدران إلى مدرسة البيروقراطية الرسمية؛ وعلى الرغم من تصنيفه على هذا اللون من العمل الرسمي، إلا أن  وزراء ونوابا، عملوا معه، وصفوه، بأنه صاحب ذهنية منفتحة على التعامل مع كل المستجدات.
وبدران، الذي شغل رئاسة الحكومة في سنوات وصفت بـ"بالغة الصعوبة"، يؤكد بأنه طوّع سنوات خدمته في الوظيفة الرسمية، التي استمرت من العام -1956 1991 لخدمة العرش والوطن، تاركا الحكم على أدائه للصادقين وللتاريخ.
لا يذكر الرئيس الأسبق بدران أحدا بسوء، وتحدث بدبلوماسية مفرطة، ويعلق في سلسلة مذكراته على الأحداث وليس الأشخاص.
وفي روايته لسيرته الذاتية وتجربته السياسية، ثمة عناصر تشويق توزعت على نشأته في محافظتي جرش والكرك، قبل السفر لدمشق ودراسته الجامعية، إلى جانب مواقف أبو عماد مع الراحل الحسين، التي يمكن وصفها بالعميقة والحادة.
وبدأ بدران حياته المهنية بعد إنهائه لدراسة الحقوق في جامعة دمشق، مشاورا عدليا في القوات المسلحة الجيش العربي، لينتقل بعدها للعمل مع محمد رسول الكيلاني، في مكتب المباحث العامة، وبعدها لدائرة التحقيقات السياسية، قبل أن يبدأ مع أبو رسول في تأسيس دائرة المخابرات العامة، ومعهم نخبة من الضباط الأكفاء وهم: أحمد عبيدات وطارق علاء الدين وهاني طبارة وأديب طهبوب.
تسلم بدران إدارة المخابرات العامة، بعد الكيلاني، ولم يمكث طويلا حتى استدعاه الراحل إلى الديوان الملكي، أمينا عاما، ثم مستشارا للأمن القومي، ثم مؤسسا لإدارة شؤون الضفة الغربية.
اختاره الراحل الحسين وزيرا للتربية والتعليم، في حكومة زيد الرفاعي الأولى، ثم أتى به رئيسا للديوان الملكي، قبل أن يشكل حكومته الأولى في العام 1976 وحتى العام 1979 في سنوات وصفت بالمعقدة.
استقال بدران وجاء بعده رئيس الوزراء الأسبق المرحوم عبد الحميد شرف، الذي توفاه الله وهو على رأس حكومته، وتولى مهمة الحكومة الانتقالية الدكتور قاسم الريماوي، حتى عاد بدران رئيسا للحكومة، ليستمر حتى العام 1984.
غادر بدران الحكومة، وفي خاطره اعتزال العمل السياسي، وظل يردد في قلبه، مبدأه بالزهد في هذا المجال، من العمل، وبعد أحداث العام 1989، استدعاه الراحل الحسين رئيسا للديوان، بمهمة مساندة رئيس الوزراء الأمير زيد بن شاكر في إجراء انتخابات العام 1989 لمجلس النواب الحادي عشر.
مباشرة، كلفه الراحل الحسين بتشكيل الحكومة ليواجه أقوى المجالس النيابية معارضة، وسعى بدران للتهرب من الأمر، لكن الحسين أصر على تكليفه، و"صدع" لأمر الراحل، وقبل بالمسؤولية وقدم أداء ملفتا ما يزال يذكره السياسيون حتى يومنا هذا.
تفاصيل كثيرة يكشف عنها بدران لأول مرة، وهو يؤكد بأنه ما كان ليقبل بالظهور للإعلام، لولا استشعاره بالمسؤولية التاريخية، التي تحتم عليه ذكر الكثير من المواقف، التي تنصف تاريخ المملكة والملك الراحل الحسين.
وكان بدران قد بدأ بسرد مذكراته السياسية أولا بأول، منذ العام 2011، لكنه قرر مؤخرا الكشف عنها ضمن نطاقين؛ الأول النشر في صحيفة "الغد"، حيث يمكن التوثق أكثر من بعض التواريخ، قبل أن يُحضّر لكتاب مذكراته الذي سيحمل تفاصيل إضافية عن حياته السياسية.
وسيكون بدران ضيفا على "الغد" في نحو 30 حلقة تنشر يوميا، وهي حلقات تمثل قصصها محطات غاية في الإثارة والتشويق.
واذا كان خصوم بدران وصفوه بالرجل اليميني المحافظ، فإن حلفاءه السياسيين، وصفوه بالديمقراطي السياسي، والصارم في تنفيذ الإجراءات، والمتشدد الاقتصادي.
ويرد هو على كل هذه الأوصاف، بأنه صاحب اجتهاد، ولا يعرف أن يكون جزئيا في العمل، فهو يعرف كيف يغرق في التفاصيل، لكن من دون أن يؤثر ذلك على ديناميكية حركته.
الحلقة الأولى اليوم يتحدث فيها بدران عن نشأته ودراسته الابتدائية في جرش والثانوية في الكرك، قبل السفر لدمشق ودراسة الحقوق في جامعتها، وهناك تفاصيل كثيرة سيتحدث فيها، عن النكبة ودمشق، وما بينهما من حياة سياسية.
وفيما يلي نص الحلقة:
* البدايات؛ من أين جاء جدك إلى الأردن، ومن أين جاء والدك، وسكن عمان؟
-جدي ووالدي شهدا فترة الحكم العثماني. والدي أنهى دراسته من الأزهر الشريف؛ وكان يسكن في القاهرة مع جدي وشقيقيه؛ الشيخ إبراهيم بدران، وهو أزهري، والصيدلاني
عبد الحليم بدران، الذي أقام لاحقا في السلط، واستقر فيها وظل عمله هناك أيضا.
والدي، بعد أن أنهى دراسته في الأزهر، ذهب إلى اسطنبول ليتخصص في القضاء زمن العثمانيين، وبعد أن أنهى من اسطنبول، جاء إلى مدينة حمص، حيث بدأ من هناك مشوار العمل القضائي، في حين كان خال والدي أيضا قاضيا في حمص، وبطبيعة الحال، القضاة في ذلك الزمن كانوا يحكمون في القضاء المدني والشرعي، وذلك في مطلع القرن الماضي، وبحدود ذاكرتي المنقولة عن والدي، يمكن أن يكون التاريخ في حدود العام 1913.
وهناك بدأ والدي عمله مأمورا للأجرة، وخاله القاضي الشرعي كان اسمه الشيخ مطيع الدرويش أحمد وأصله من مدينة جنين.
بعد حمص، انتقل والدي قاضيا رسميا لمنطقة تبوك (الحجاز)، في وقت كان فيه الحكم العثماني بنهاياته، وبعد تأسيس إمارة شرقي الأردن، جاء إلى الأردن وصار قاضيا في الإمارة، وتنقل بين مدن السلط واربد وعجلون، ثم جرش التي استقر فيها بعد أن خدم أيضا في إربد العام 1931؛ فأذكر بأن اخي أسامة رحمه الله من مواليد جرش، لكن اختي ربيعة كانت قد ولدت قبله ونحن نقيم في إربد.
بعد إربد أقام والدي طويلا في جرش، وقد كانت أمي أيضا من مواليد جرش أصلا. ولما أراد والدي أن يستقر هناك، بعد تعيينه قاضيا شرعيا عليها، قرر أن يسكن ويعيش بالقرب من سكن أخوالي، وتملك أرضا جوارهم وكان يزرعها، وبقي هناك حتى العام 1947.
*إذا، أنت من مواليد جرش؟
-ولدت في جرش العام 1934، وقد درست فيها حتى الصف السابع الابتدائي.
والدي لم يكن يرغب في الانتقال منها، خصوصا وأن أسرتنا بدأت تألف المكان وأهله، وصرنا نشعر بأننا أكثر استقرارا في جرش، لكن وبعد أن جاء قرار إداري بنقل والدي لمحافظة الكرك، ضمن السياسة التي كانت تعتمدها الدولة، في ذلك الوقت، بتوزيع الأطباء والمعلمين والقضاة، الذين كان عددهم قليلا على المحافظات، رحلنا إلى محافظة الكرك، ودرست فيها حتى أنهيت مرحلة الثانوية العامة، وهناك أخذت شهادة الثانوية (المترك).
ومن الكرك، بدأت رحلة الدراسة الجامعية باتجاه دمشق، حيث كنت بعد إنهاء دراستي الثانوية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الذهاب إلى دمشق، التي كانت جامعاتها تقبل المترك الأردني، وإما الذهاب إلى القاهرة التي تفرض جامعاتها على الطلبة دراسة سنة إضافية بعد شهادة المترك الأردني، وتعتبر تلك السنة بمثابة سنة "التوجيهي"؛ لذلك لم أرغب بالذهاب إلى القاهرة وفضلت الدراسة في دمشق، حتى لا أزيد عدد سنوات دراستي الجامعية سنة إضافية، في القاهرة، وتلك كلف مالية كانت سترهق أسرتي، التي كانت مرهقة أصلا من هذه التكاليف، فقد كان أخي أسامة، وأنا وأخي عدنان ندرس في الخارج، كما كانت شقيقتي أيضا تدرس في دار المعلمات في فلسطين.
*كم عدد أفراد أسرتك، وما هو ترتيبك بين أشقائك وشقيقاتك؟
-نحن ثلاثة أشقاء وأربع شقيقات، وترتيبي الثالث بينهم، تكبرني شقيقتي ربيعة وشقيقي الدكتور أسامة.
*وهل كان الطريق إلى الجامعة في دمشق مفروشا بالورود؟
-عندما غادرت من الكرك إلى دمشق، كانت نيتي دراسة الطب، وقد كان طلبة الطب يدخلون في سنة جامعية، يدرسون فيها العلوم، ومن بعدها يتوزع الطلبة إلى كليات الطب أو الصيدلة أو يبقون طلبة في كلية العلوم، وقد وصفت هذه السنة الجامعية بالصعوبة البالغة، والدراسة المكثفة، وكانت تسمى بالرموز الفرنسية، بصف (البيه سيه بيه)، وفعلا فهي كانت تُفرز مستويات الطلبة على أسس دقيقة، ووفق معايير صارمة، ولذلك حظيت سمعة خريجي جامعة دمشق من كليات الطب والصيدلة والعلوم بسمعة واسعة وثقة عالية.
بالمناسبة، كدت أقبل في هذا الصف، لكن الظروف غيرت كل الاتجاهات في اللحظات الأخيرة.
*وكيف حصل ذلك؟
- قبل أن أغادر الكرك متوجها إلى دمشق، حمّلني والدي رسالة لرئيس الوزراء السوري، واستغربت الأمر كثيرا، فأنا لم أكن مستعدا لحمل رسالة لرئيس الوزراء الأردني؛ فكيف لي أن أقدمها لرئيس وزراء في بلد ليست بلدي.
كانت الرسالة موجهة لرئيس الوزراء السوري، في ذلك الوقت، وهو حسن الحكيم؛ في العام 1951، وكان مضمون الرسالة توصية لقبولي بكلية الطب في جامعة دمشق.
وقد سألت والدي عن معرفته برئيس الوزراء السوري، وأجابني بأنهما عاشا وعملا سوية أثناء إقامة والدي في حمص.
لقد كان أمر الرسالة بالنسبة لي صعبا، ولم أكن أنوي أن أذهب بها لمكان إقامة رئيس الوزراء السوري في السرايا.
في ثاني يوم من وصولي لدمشق، تشجعت لأن أحمل الرسالة وأذهب بها إلى السرايا، وبظني أنه مهما حصل فلن أخسر شيئا.
كان موقع السرايا على نهر بردى، بالقرب من ساحة المرجة، وهو عبارة عن مبنى عريق وضخم، وفعلا دخلت إلى مدير مكتب رئيس الوزراء، وطلبت مقابلة الحكيم، وحاول مدير المكتب أن يساعدني؛ إلا أنني طلبت منه أن أقابل رئيس الوزراء لأمر شخصي.
كان الرئيس الحكيم وقتها يعقد اجتماعا مع العلماء في سورية، وسألني مدير المكتب إن كنت أرغب بالدخول للمكتب أثناء الاجتماع، فوافقت.
لما دخلت كان اجتماع الحكيم مع العلماء ضمن حلقتين، الحلقة الأولى ضيقة وتحتوي على عدد قليل من المقاعد للجالسين، والحلقة الثانية هي الأوسع، وتضم عددا أكبر من الحضور، وطلب مني مدير المكتب أن اجلس في الحلقة الثانية.
انتهى الاجتماع وودع الحكيم ضيوفه حتى باب مكتبه، وبقيت جالسا حتى عاد الحكيم وسألني عن حاجتي، عرضت عليه الرسالة التي حملني إياها والدي.
قرأها ومباشرة نظر إلي مستغربا؛ وسأل: أنت ابن الشيخ محمد؟! وقام وعانقني بشدة، وشعرت بعدها بأن كل مخاوفي قد تبددت، خاصة وأن الرجل أحسن لقائي، وسألني أين نزلت في دمشق، وأجبته بأني أقيم بفندق، الى ان أعرف أين سأستقر، في دراستي الجامعية، فقال: أنت ضيفي وأصر علي أن آتي بحقائبي لمنزله، وشعرت بخجل كبير، ولكني استطعت أن أتهرب منه بقولي إن لي أقارب في دمشق ينتظرونني، وبالكاد أيضا تهربت من إصراره على تناول الغداء في بيته.
بعد ذلك كتب رئيس الوزراء الحكيم رسالة لرئيس جامعة دمشق، تضمنت توصيته المباشرة، وعند وداعه لي؛ أكد ضرورة أن أعود وأخبره بما سيحدث معي.
*ومن هناك هل قبلت في كلية الطب؟
-لا؛ ولذلك اتصال بما سبق، ذهبت إلى الجامعة وسلمت رسالة الحكيم لرئيس الجامعة، وخرج مدير التسجيل مباركا بأني قُبلت في الجامعة.
وغادرت الجامعة، ولدى وصولي الباب، شاهدت مظاهرة في الشارع، وبدأت تتحرك المظاهرة ومشيت معها لأعرف ماذا تريد، وعلى ماذا يعترض المشاركون فيها، توقفت المسيرة عند السرايا، وبدأ المشاركون يهتفون "يسقط يسقط حسن الحكيم" فذهلت، وفورا قطعت الشارع للناحية المقابلة، وذهلت من الأمر، فكيف لي أن أشارك بمسيرة تطالب بإسقاط رجل، ساعدني قبل قليل، وهو صديق والدي بذات الوقت.
بعد أن وصلت المسيرة، والتي كانت تضم أعدادا كبيرة من المواطنين؛ لمبنى السرايا، خرج الحكيم، وتوقف أمام المظاهرة، وقال: بأنه سيذهب الآن إلى القصر الجمهوري ليتقدم باستقالته، وبالفعل هذا ما حصل، أمام كل ذلك وقفت مندهشا، وكل عقلي لا يفكر إلا بالمقعد الجامعي، الذي قد لا أحصل عليه بعد مغادرة الحكيم موقعه.
في اليوم التالي، ذهبت إلى الجامعة مباشرة، حتى أطمئن على نتيجتي في القبول بكلية الطب، وهناك قال لي مدير التسجيل بأن مقعد الطب لم يعد موجودا؛ فسألته لماذا؟ وأجاب: بأن حسن الحكيم غادر!!، كما أن هناك طالبا أحق مني بمقعد كلية الطب.
حاولت أن أحاور مدير التسجيل، وشرحت له بأن هذا القرار قد يؤخرني عاما دراسيا كاملا، لأن التسجيل في جامعة القاهرة عادة ما يغلق قبل جامعات دمشق، عندها أشار علي أن أسجل في كليات أخرى، واقترح علي التسجيل في كلية الحقوق، رفضت فورا بذريعة أني لا أحب الحقوق.
وعاد مدير التسجيل محاولا إقناعي بأن له أصدقاء من الأردن، درسوا الحقوق وصاروا وزراء، وذكر منهم؛ عبد الحليم النمر وشفيق ارشيدات، وقال: وأنت عليك دراسة الحقوق لتصبح وزيرا في بلدك، جادلته بالقول: كيف أصبح محاميا وأنا ألثغ بالراء؟!، فرد علي، بأن في كلية الحقوق وفي أول أيام الدراسة ستدرسك شخصية مهمة، وهو عدنان القوتلي، وهو ألمع محام في دمشق بالقضاء المدني، وهو يلثغ بستة حروف وليس بحرف واحد!.
طبعا استسلمت وقبلت، لأن المغامرة بأمر بحجم القبول الجامعي كان يعني لي التأخر عاما دراسيا كاملا، وبالفعل اكتشفت بأن مدير التسجيل قد بالغ في قوله، بأن القوتلي يلثغ بستة حروف، لكنه قطعا لا يلثغ بأقل من أربعة حروف!!، وقد عانيت في أول المحاضرات من الفهم والاستيعاب من الاستاذ القوتلي.
*وهل كنت فعلا تلثغ بحرف الراء؟
-نعم وبقيت ألثغ بهذا الحرف حتى بداية دراستي الجامعية، وبقيت في كل ليلة أغادر مكتبة الجامعة الساعة الثانية عشرة فجرا، وتستغرق مني رحلة العودة إلى البيت نحو ساعة ونصف سيرا على الأقدام، وبقيت أدرب نفسي على النطق السليم بحرف الراء طوال فترة العودة حتى نجحت بالأمر.
وبالعودة لمقعد الطب، الذي ذهب لصالح طالب غيري، فقد عرفت بأن الطالب هو أردني أيضا، لا بل وأعرفه أيضا؛ فقد درسنا سوية في جرش واسمه عبد الله الإمام، وكان طالبا مجدا وذكيا وقد ساعدنا في دراسة الحساب في المدرسة، لكنه لم يلتحق بدراسته الجامعية بسبب وفاته، رحمه الله، وقد توفي بعد أن حجز لنفسه مقعد الطب، وكنت أنا الطالب الاحتياط بعده، لكني لم أعرف عن خبر وفاته إلا بعد نحو أسبوعين، وكانت السنة الدراسية الجامعية قد بدأت.
بعدها آمنت بأن الانسان مسير وليس مخيرا، فقد حصل كل ذلك لأدرس الحقوق، وليس أي تخصص آخر.
*وكيف بدأت مشوار دراستك الجامعية، وهل اقتنعت بدراسة الحقوق، أم أن موقفك من دراستها بقي يلازمك حتى تخرجت؟
-دعني أقول لك: بأن الدراسة في ذلك الزمن كانت تأخذ مسارين مهمين، الأول والأهم تربوي بامتياز، يصقل صفات الطالب ويدفعه للنضوج أسرع، لا بل تصبح ومن حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقك واعيا بطريقة مهمة، والشق الثاني كان أكاديميا تعليميا، فقد كان العلم له احترامه ومكانته، والمعلم كمهنة كانت عميدة المهن وصانعة الأجيال.
في جامعة دمشق وفي ذلك الزمن كانوا يصفونها بمصنع الرجال، ودرّسنا أساتذة كبار، وأسماؤهم ما تزال لامعة على لوحة الشرف الأكاديمي.
ففي كلية الحقوق كان يدرسنا معروف الدواليبي، وهو كان رئيسا للوزراء في نفس الوقت، وكان يأتي بموعد المحاضرة، ويعطينا نصابه التدريسي كاملا، دون تأخير أو استعجال أو تعطيل، وكان هو بنفسه يشرف على الامتحانات الخاصة بتخصصه، وكان هو من يوزع العلامات في ذات الوقت، لقد كان رجلا ذا هيبة واحترام.
ولم يكن باقي الاساتذة أقل هيبة أو علما من الدواليبي، فقد درسنا على أيدي اساتذة جامعيين، وكانوا وزراء عاملين، او وزراء سابقين وصاروا لاحقين أيضا.
في المحاضرات كانت المدرجات تمتلئ، فالطلبة جادون في البحث عن العلم، ويستشعرون صعوبة الحصول على المقعد الجامعي، الذي كان عزيزا في ذلك الوقت، وكانت كلف التعليم الجامعي على بساطتها، غير متوفرة لكثير من الطلبة، نتيجة ظروف أسرهم، وبطبيعة الحال هذا حال الجميع في ذلك الوقت.
فقد كان طلبة أردنيون قد جاءوا معي من الكرك، أو عرفتهم خلال نشأتي في جرش يطلبون مني إذا ما نادى المدرسون بأسماء الطلبة، من خلال "كشف التفقد"، أن أجيب عنهم بـ"نعم"، وذلك ليس بسبب تهربهم من الدراسة، بل لأن ظروفهم لا تسمح لهم بالبقاء مطولا في دمشق بسبب الظروف الاقتصادية، وكانوا يعودون إلى أسرهم بعد بدء الفصل الجامعي، ثم يعودون عند عقد الامتحانات، دون أن يؤثر ذلك على تحصيلهم العلمي، لأنهم جادون في الدراسة حتى وإن تغيبوا عن الجامعة.
ومع ذلك كانت أعداد الطلبة في كلية الحقوق كبيرة جدا، وعند عقد امتحانات الكلية، تمتلئ مدرجات كل الكليات بأعداد الطلبة القادمين للامتحان، وكانت الكلية في مسعى منها للحد من عقدة الأعداد، تقوم بالفرز المبكر بين الطلبة على أسس علمية بحتة.
فلما كنا نتقدم لأول امتحان في الكلية في مساق الحقوق المدنية، كان الامتحان يبدأ بسؤال واحد، وكنا نرى كيف أن أعدادا من الطلبة بعد قراءة السؤال، يحملون أوراقهم ويخرجون من قاعات الامتحان، كإعلان منهم بأنهم غادروا كلية الحقوق، للبحث عن مجال علمي آخر يستطيعون الاستمرار فيه.
وكان المشهد يتكرر مع السؤال الثاني، حيث يخرج مع كل سؤال أعداد كبيرة من الطلبة، فيخرج مثلا 300 طالب في الجولة الأولى، ويلحقهم النصف في الجولة الثانية، وإذ بكلية الحقوق استقرت على أكثر من 100 طالب وطالبة فقط.
وكانت الأسئلة تعتبر "الفلتر" الذي يصنف الطلبة، بين مُجد ومجتهد، ويتجاوز كل الصعوبات، وطالب لم يستطع هضم دراسة الحقوق في جامعة دمشق.
لذلك كانت امتحانات القبول في الكلية العسكرية، تعقد بعد انتهاء امتحانات كلية الحقوق، ليتسنى للطلبة، الذين أخفقوا في الحقوق، إكمال دراستهم بالكلية العسكرية إن رغبوا، وكان من مزايا الكلية العسكرية للطلبة السوريين هي أن طلبتها يرتدون الزي العسكري، ولما يزوروننا في جامعة دمشق، كنت أشعر وغيري من الطلبة بمشاعر الغبطة أمام لباسهم العسكري الجميل وهندامهم الأنيق.
*في رحلتك من الكرك إلى دمشق، وأزمة قبولك الجامعي، والأحداث الشخصية بين كل ذلك؛ كانت الساحة تستعر بأحداث جسام، وكانت الحرب بدأت مع الإسرائيليين، وذيول النكبة كانت تحاصر الجميع؟
-صحيح؛ لقد كانت النكبة تعبئ المشاعر بطريقة سلبية في المناطق التي شهدت استقبال افواج اللاجئين الفلسطينيين أولا، وفي المناطق التي كانت الأحزاب السياسية فاعلة فيها.
في الكرك مثلا، وقبل النكبة بعام، أي في العام 1947، كان هناك حضور بسيط لحزب البعث وحزب الإخوان المسلمين، وكانت لهما مكاتب سياسية، في حين أن جل نشاطاتهم اجتماعية تستقطب من خلالها الشباب، في ذلك الوقت لم يكن عندي أنا شخصيا أي ميول سياسية تقربني من أي طرف منهما.
لكن في سورية، فقد كان حزب البعث قويا، وكان الإخوان المسلمون لهم نوابهم في المجلس التشريعي، كما كان هناك القوميون السوريون ولهم حزبهم القوي، وكان لكل هؤلاء نشاطاتهم السياسية الكثيرة، وكان من السهل على أي شاب أن يتفاعل مع هذا المشهد، وأن يأخذ طرفا من أطراف المعادلة السياسية الفاعلة وينحاز له.
في ذلك الوقت كانت سورية تحت الحكم العسكري، أديب الشيشكلي كان حاكما عسكريا، ولا شك بأن الحكم العسكري كان مكروها من الأحزاب السياسية، ولذلك سعى الشيشكلي لتأسيس حزب لنظامه، ومن هناك انضم إلى حزبه عدد كبير من طلبة الجامعة، وكان الطلبة المنتمون لحزبه يواجهون بمعارضة زملاء لهم من قوى حزبية مناهضة للحكم العسكري.
المظاهرات كانت تخرج من جامعة دمشق، وقطعا الطلبة هم وقود المعارك السياسية الطاحنة بين الأحزاب، وكانوا يقاتلون أمام انتماءاتهم الحزبية، ويواجهون كل الأخطار.
أنا شاركت في المظاهرات، وقدت بعضها، وتم إلقاء القبض عليّ في إحدى المرات، وكان أغلب المعتقلين من أنصار اليساريين، ونجحت من الإفلات وهربت بعدها إلى الكرك، وعدت إلى الجامعة بعد أن تأكدت من عودة الهدوء وإطلاق سراح المعتقلين.


عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الخميس 08 ديسمبر 2016, 1:43 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الخميس 26 فبراير 2015, 10:46 pm

الحلقة الأولى من "سياسي يتذكر"
مضر بدران.. تخرجت من الكرك وهربت إليها خشية الاعتقال












محمد خير الرواشدة

عمان- يكشف رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران عن جانب مهم من مذكراته السياسية، حيث تستضيفه "الغد" في زاويتها، "سياسي يتذكر" اعتبارا من اليوم. 
وبدران الشخصية السياسية، التي غابت طوعا عن المشهد السياسي، على مدار الـ25 عاما الماضية، احتل لقب أكثر رؤساء الحكومات عودة للموقع، في عهد الراحل الملك الحسين رحمه الله، وبعدد أيام بلغت 3043 يوما، موزعة على تشكيل أربع حكومات. ويزهد بدران في الحديث مع الإعلام، ويقتصر ظهوره على بعض النشاطات الرسمية.
وتسعى "الغد"، عبر زاويتها "سياسي يتذكر"، لتوثيق الرواية الشفوية لتاريخ الأردن السياسي، حيث يلقي مدير المخابرات الأسبق بدران، في هذه السلسلة الضوء على جانب مهم من هذا التاريخ.
وينتمي بدران إلى مدرسة البيروقراطية الرسمية؛ وعلى الرغم من تصنيفه على هذا اللون من العمل الرسمي، إلا أن  وزراء ونوابا، عملوا معه، وصفوه، بأنه صاحب ذهنية منفتحة على التعامل مع كل المستجدات.
وبدران، الذي شغل رئاسة الحكومة في سنوات وصفت بـ"بالغة الصعوبة"، يؤكد بأنه طوّع سنوات خدمته في الوظيفة الرسمية، التي استمرت من العام -1956 1991 لخدمة العرش والوطن، تاركا الحكم على أدائه للصادقين وللتاريخ.
لا يذكر الرئيس الأسبق بدران أحدا بسوء، وتحدث بدبلوماسية مفرطة، ويعلق في سلسلة مذكراته على الأحداث وليس الأشخاص.
وفي روايته لسيرته الذاتية وتجربته السياسية، ثمة عناصر تشويق توزعت على نشأته في محافظتي جرش والكرك، قبل السفر لدمشق ودراسته الجامعية، إلى جانب مواقف أبو عماد مع الراحل الحسين، التي يمكن وصفها بالعميقة والحادة.
وبدأ بدران حياته المهنية بعد إنهائه لدراسة الحقوق في جامعة دمشق، مشاورا عدليا في القوات المسلحة الجيش العربي، لينتقل بعدها للعمل مع محمد رسول الكيلاني، في مكتب المباحث العامة، وبعدها لدائرة التحقيقات السياسية، قبل أن يبدأ مع أبو رسول في تأسيس دائرة المخابرات العامة، ومعهم نخبة من الضباط الأكفاء وهم: أحمد عبيدات وطارق علاء الدين وهاني طبارة وأديب طهبوب.
تسلم بدران إدارة المخابرات العامة، بعد الكيلاني، ولم يمكث طويلا حتى استدعاه الراحل إلى الديوان الملكي، أمينا عاما، ثم مستشارا للأمن القومي، ثم مؤسسا لإدارة شؤون الضفة الغربية.
اختاره الراحل الحسين وزيرا للتربية والتعليم، في حكومة زيد الرفاعي الأولى، ثم أتى به رئيسا للديوان الملكي، قبل أن يشكل حكومته الأولى في العام 1976 وحتى العام 1979 في سنوات وصفت بالمعقدة.
استقال بدران وجاء بعده رئيس الوزراء الأسبق المرحوم عبد الحميد شرف، الذي توفاه الله وهو على رأس حكومته، وتولى مهمة الحكومة الانتقالية الدكتور قاسم الريماوي، حتى عاد بدران رئيسا للحكومة، ليستمر حتى العام 1984.
غادر بدران الحكومة، وفي خاطره اعتزال العمل السياسي، وظل يردد في قلبه، مبدأه بالزهد في هذا المجال، من العمل، وبعد أحداث العام 1989، استدعاه الراحل الحسين رئيسا للديوان، بمهمة مساندة رئيس الوزراء الأمير زيد بن شاكر في إجراء انتخابات العام 1989 لمجلس النواب الحادي عشر.
مباشرة، كلفه الراحل الحسين بتشكيل الحكومة ليواجه أقوى المجالس النيابية معارضة، وسعى بدران للتهرب من الأمر، لكن الحسين أصر على تكليفه، و"صدع" لأمر الراحل، وقبل بالمسؤولية وقدم أداء ملفتا ما يزال يذكره السياسيون حتى يومنا هذا.
تفاصيل كثيرة يكشف عنها بدران لأول مرة، وهو يؤكد بأنه ما كان ليقبل بالظهور للإعلام، لولا استشعاره بالمسؤولية التاريخية، التي تحتم عليه ذكر الكثير من المواقف، التي تنصف تاريخ المملكة والملك الراحل الحسين.
وكان بدران قد بدأ بسرد مذكراته السياسية أولا بأول، منذ العام 2011، لكنه قرر مؤخرا الكشف عنها ضمن نطاقين؛ الأول النشر في صحيفة "الغد"، حيث يمكن التوثق أكثر من بعض التواريخ، قبل أن يُحضّر لكتاب مذكراته الذي سيحمل تفاصيل إضافية عن حياته السياسية.
وسيكون بدران ضيفا على "الغد" في نحو 30 حلقة تنشر يوميا، وهي حلقات تمثل قصصها محطات غاية في الإثارة والتشويق.
واذا كان خصوم بدران وصفوه بالرجل اليميني المحافظ، فإن حلفاءه السياسيين، وصفوه بالديمقراطي السياسي، والصارم في تنفيذ الإجراءات، والمتشدد الاقتصادي.
ويرد هو على كل هذه الأوصاف، بأنه صاحب اجتهاد، ولا يعرف أن يكون جزئيا في العمل، فهو يعرف كيف يغرق في التفاصيل، لكن من دون أن يؤثر ذلك على ديناميكية حركته.
الحلقة الأولى اليوم يتحدث فيها بدران عن نشأته ودراسته الابتدائية في جرش والثانوية في الكرك، قبل السفر لدمشق ودراسة الحقوق في جامعتها، وهناك تفاصيل كثيرة سيتحدث فيها، عن النكبة ودمشق، وما بينهما من حياة سياسية.
وفيما يلي نص الحلقة:
* البدايات؛ من أين جاء جدك إلى الأردن، ومن أين جاء والدك، وسكن عمان؟
-جدي ووالدي شهدا فترة الحكم العثماني. والدي أنهى دراسته من الأزهر الشريف؛ وكان يسكن في القاهرة مع جدي وشقيقيه؛ الشيخ إبراهيم بدران، وهو أزهري، والصيدلاني 
عبد الحليم بدران، الذي أقام لاحقا في السلط، واستقر فيها وظل عمله هناك أيضا.
والدي، بعد أن أنهى دراسته في الأزهر، ذهب إلى اسطنبول ليتخصص في القضاء زمن العثمانيين، وبعد أن أنهى من اسطنبول، جاء إلى مدينة حمص، حيث بدأ من هناك مشوار العمل القضائي، في حين كان خال والدي أيضا قاضيا في حمص، وبطبيعة الحال، القضاة في ذلك الزمن كانوا يحكمون في القضاء المدني والشرعي، وذلك في مطلع القرن الماضي، وبحدود ذاكرتي المنقولة عن والدي، يمكن أن يكون التاريخ في حدود العام 1913.
وهناك بدأ والدي عمله مأمورا للأجرة، وخاله القاضي الشرعي كان اسمه الشيخ مطيع الدرويش أحمد وأصله من مدينة جنين.
بعد حمص، انتقل والدي قاضيا رسميا لمنطقة تبوك (الحجاز)، في وقت كان فيه الحكم العثماني بنهاياته، وبعد تأسيس إمارة شرقي الأردن، جاء إلى الأردن وصار قاضيا في الإمارة، وتنقل بين مدن السلط واربد وعجلون، ثم جرش التي استقر فيها بعد أن خدم أيضا في إربد العام 1931؛ فأذكر بأن اخي أسامة رحمه الله من مواليد جرش، لكن اختي ربيعة كانت قد ولدت قبله ونحن نقيم في إربد.
بعد إربد أقام والدي طويلا في جرش، وقد كانت أمي أيضا من مواليد جرش أصلا. ولما أراد والدي أن يستقر هناك، بعد تعيينه قاضيا شرعيا عليها، قرر أن يسكن ويعيش بالقرب من سكن أخوالي، وتملك أرضا جوارهم وكان يزرعها، وبقي هناك حتى العام 1947.
*إذا، أنت من مواليد جرش؟
-ولدت في جرش العام 1934، وقد درست فيها حتى الصف السابع الابتدائي.
والدي لم يكن يرغب في الانتقال منها، خصوصا وأن أسرتنا بدأت تألف المكان وأهله، وصرنا نشعر بأننا أكثر استقرارا في جرش، لكن وبعد أن جاء قرار إداري بنقل والدي لمحافظة الكرك، ضمن السياسة التي كانت تعتمدها الدولة، في ذلك الوقت، بتوزيع الأطباء والمعلمين والقضاة، الذين كان عددهم قليلا على المحافظات، رحلنا إلى محافظة الكرك، ودرست فيها حتى أنهيت مرحلة الثانوية العامة، وهناك أخذت شهادة الثانوية (المترك).
ومن الكرك، بدأت رحلة الدراسة الجامعية باتجاه دمشق، حيث كنت بعد إنهاء دراستي الثانوية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الذهاب إلى دمشق، التي كانت جامعاتها تقبل المترك الأردني، وإما الذهاب إلى القاهرة التي تفرض جامعاتها على الطلبة دراسة سنة إضافية بعد شهادة المترك الأردني، وتعتبر تلك السنة بمثابة سنة "التوجيهي"؛ لذلك لم أرغب بالذهاب إلى القاهرة وفضلت الدراسة في دمشق، حتى لا أزيد عدد سنوات دراستي الجامعية سنة إضافية، في القاهرة، وتلك كلف مالية كانت سترهق أسرتي، التي كانت مرهقة أصلا من هذه التكاليف، فقد كان أخي أسامة، وأنا وأخي عدنان ندرس في الخارج، كما كانت شقيقتي أيضا تدرس في دار المعلمات في فلسطين.
*كم عدد أفراد أسرتك، وما هو ترتيبك بين أشقائك وشقيقاتك؟
-نحن ثلاثة أشقاء وأربع شقيقات، وترتيبي الثالث بينهم، تكبرني شقيقتي ربيعة وشقيقي الدكتور أسامة.
 *وهل كان الطريق إلى الجامعة في دمشق مفروشا بالورود؟
-عندما غادرت من الكرك إلى دمشق، كانت نيتي دراسة الطب، وقد كان طلبة الطب يدخلون في سنة جامعية، يدرسون فيها العلوم، ومن بعدها يتوزع الطلبة إلى كليات الطب أو الصيدلة أو يبقون طلبة في كلية العلوم، وقد وصفت هذه السنة الجامعية بالصعوبة البالغة، والدراسة المكثفة، وكانت تسمى بالرموز الفرنسية، بصف (البيه سيه بيه)، وفعلا فهي كانت تُفرز مستويات الطلبة على أسس دقيقة، ووفق معايير صارمة، ولذلك حظيت سمعة خريجي جامعة دمشق من كليات الطب والصيدلة والعلوم بسمعة واسعة وثقة عالية.
بالمناسبة، كدت أقبل في هذا الصف، لكن الظروف غيرت كل الاتجاهات في اللحظات الأخيرة.
 *وكيف حصل ذلك؟
- قبل أن أغادر الكرك متوجها إلى دمشق، حمّلني والدي رسالة لرئيس الوزراء السوري، واستغربت الأمر كثيرا، فأنا لم أكن مستعدا لحمل رسالة لرئيس الوزراء الأردني؛ فكيف لي أن أقدمها لرئيس وزراء في بلد ليست بلدي.
كانت الرسالة موجهة لرئيس الوزراء السوري، في ذلك الوقت، وهو حسن الحكيم؛ في العام 1951، وكان مضمون الرسالة توصية لقبولي بكلية الطب في جامعة دمشق.
وقد سألت والدي عن معرفته برئيس الوزراء السوري، وأجابني بأنهما عاشا وعملا سوية أثناء إقامة والدي في حمص.
لقد كان أمر الرسالة بالنسبة لي صعبا، ولم أكن أنوي أن أذهب بها لمكان إقامة رئيس الوزراء السوري في السرايا.
في ثاني يوم من وصولي لدمشق، تشجعت لأن أحمل الرسالة وأذهب بها إلى السرايا، وبظني أنه مهما حصل فلن أخسر شيئا.
كان موقع السرايا على نهر بردى، بالقرب من ساحة المرجة، وهو عبارة عن مبنى عريق وضخم، وفعلا دخلت إلى مدير مكتب رئيس الوزراء، وطلبت مقابلة الحكيم، وحاول مدير المكتب أن يساعدني؛ إلا أنني طلبت منه أن أقابل رئيس الوزراء لأمر شخصي.
كان الرئيس الحكيم وقتها يعقد اجتماعا مع العلماء في سورية، وسألني مدير المكتب إن كنت أرغب بالدخول للمكتب أثناء الاجتماع، فوافقت.
لما دخلت كان اجتماع الحكيم مع العلماء ضمن حلقتين، الحلقة الأولى ضيقة وتحتوي على عدد قليل من المقاعد للجالسين، والحلقة الثانية هي الأوسع، وتضم عددا أكبر من الحضور، وطلب مني مدير المكتب أن اجلس في الحلقة الثانية.
انتهى الاجتماع وودع الحكيم ضيوفه حتى باب مكتبه، وبقيت جالسا حتى عاد الحكيم وسألني عن حاجتي، عرضت عليه الرسالة التي حملني إياها والدي.
قرأها ومباشرة نظر إلي مستغربا؛ وسأل: أنت ابن الشيخ محمد؟! وقام وعانقني بشدة، وشعرت بعدها بأن كل مخاوفي قد تبددت، خاصة وأن الرجل أحسن لقائي، وسألني أين نزلت في دمشق، وأجبته بأني أقيم بفندق، الى ان أعرف أين سأستقر، في دراستي الجامعية، فقال: أنت ضيفي وأصر علي أن آتي بحقائبي لمنزله، وشعرت بخجل كبير، ولكني استطعت أن أتهرب منه بقولي إن لي أقارب في دمشق ينتظرونني، وبالكاد أيضا تهربت من إصراره على تناول الغداء في بيته.
بعد ذلك كتب رئيس الوزراء الحكيم رسالة لرئيس جامعة دمشق، تضمنت توصيته المباشرة، وعند وداعه لي؛ أكد ضرورة أن أعود وأخبره بما سيحدث معي.
*ومن هناك هل قبلت في كلية الطب؟
-لا؛ ولذلك اتصال بما سبق، ذهبت إلى الجامعة وسلمت رسالة الحكيم لرئيس الجامعة، وخرج مدير التسجيل مباركا بأني قُبلت في الجامعة.
وغادرت الجامعة، ولدى وصولي الباب، شاهدت مظاهرة في الشارع، وبدأت تتحرك المظاهرة ومشيت معها لأعرف ماذا تريد، وعلى ماذا يعترض المشاركون فيها، توقفت المسيرة عند السرايا، وبدأ المشاركون يهتفون "يسقط يسقط حسن الحكيم" فذهلت، وفورا قطعت الشارع للناحية المقابلة، وذهلت من الأمر، فكيف لي أن أشارك بمسيرة تطالب بإسقاط رجل، ساعدني قبل قليل، وهو صديق والدي بذات الوقت.
بعد أن وصلت المسيرة، والتي كانت تضم أعدادا كبيرة من المواطنين؛ لمبنى السرايا، خرج الحكيم، وتوقف أمام المظاهرة، وقال: بأنه سيذهب الآن إلى القصر الجمهوري ليتقدم باستقالته، وبالفعل هذا ما حصل، أمام كل ذلك وقفت مندهشا، وكل عقلي لا يفكر إلا بالمقعد الجامعي، الذي قد لا أحصل عليه بعد مغادرة الحكيم موقعه.
في اليوم التالي، ذهبت إلى الجامعة مباشرة، حتى أطمئن على نتيجتي في القبول بكلية الطب، وهناك قال لي مدير التسجيل بأن مقعد الطب لم يعد موجودا؛ فسألته لماذا؟ وأجاب: بأن حسن الحكيم غادر!!، كما أن هناك طالبا أحق مني بمقعد كلية الطب.
حاولت أن أحاور مدير التسجيل، وشرحت له بأن هذا القرار قد يؤخرني عاما دراسيا كاملا، لأن التسجيل في جامعة القاهرة عادة ما يغلق قبل جامعات دمشق، عندها أشار علي أن أسجل في كليات أخرى، واقترح علي التسجيل في كلية الحقوق، رفضت فورا بذريعة أني لا أحب الحقوق.
وعاد مدير التسجيل محاولا إقناعي بأن له أصدقاء من الأردن، درسوا الحقوق وصاروا وزراء، وذكر منهم؛ عبد الحليم النمر وشفيق ارشيدات، وقال: وأنت عليك دراسة الحقوق لتصبح وزيرا في بلدك، جادلته بالقول: كيف أصبح محاميا وأنا ألثغ بالراء؟!، فرد علي، بأن في كلية الحقوق وفي أول أيام الدراسة ستدرسك شخصية مهمة، وهو عدنان القوتلي، وهو ألمع محام في دمشق بالقضاء المدني، وهو يلثغ بستة حروف وليس بحرف واحد!.
طبعا استسلمت وقبلت، لأن المغامرة بأمر بحجم القبول الجامعي كان يعني لي التأخر عاما دراسيا كاملا، وبالفعل اكتشفت بأن مدير التسجيل قد بالغ في قوله، بأن القوتلي يلثغ بستة حروف، لكنه قطعا لا يلثغ بأقل من أربعة حروف!!، وقد عانيت في أول المحاضرات من الفهم والاستيعاب من الاستاذ القوتلي.
*وهل كنت فعلا تلثغ بحرف الراء؟
-نعم وبقيت ألثغ بهذا الحرف حتى بداية دراستي الجامعية، وبقيت في كل ليلة أغادر مكتبة الجامعة الساعة الثانية عشرة فجرا، وتستغرق مني رحلة العودة إلى البيت نحو ساعة ونصف سيرا على الأقدام، وبقيت أدرب نفسي على النطق السليم بحرف الراء طوال فترة العودة حتى نجحت بالأمر.
وبالعودة لمقعد الطب، الذي ذهب لصالح طالب غيري، فقد عرفت بأن الطالب هو أردني أيضا، لا بل وأعرفه أيضا؛ فقد درسنا سوية في جرش واسمه عبد الله الإمام، وكان طالبا مجدا وذكيا وقد ساعدنا في دراسة الحساب في المدرسة، لكنه لم يلتحق بدراسته الجامعية بسبب وفاته، رحمه الله، وقد توفي بعد أن حجز لنفسه مقعد الطب، وكنت أنا الطالب الاحتياط بعده، لكني لم أعرف عن خبر وفاته إلا بعد نحو أسبوعين، وكانت السنة الدراسية الجامعية قد بدأت.
بعدها آمنت بأن الانسان مسير وليس مخيرا، فقد حصل كل ذلك لأدرس الحقوق، وليس أي تخصص آخر.
 *وكيف بدأت مشوار دراستك الجامعية، وهل اقتنعت بدراسة الحقوق، أم أن موقفك من دراستها بقي يلازمك حتى تخرجت؟
-دعني أقول لك: بأن الدراسة في ذلك الزمن كانت تأخذ مسارين مهمين، الأول والأهم تربوي بامتياز، يصقل صفات الطالب ويدفعه للنضوج أسرع، لا بل تصبح ومن حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقك واعيا بطريقة مهمة، والشق الثاني كان أكاديميا تعليميا، فقد كان العلم له احترامه ومكانته، والمعلم كمهنة كانت عميدة المهن وصانعة الأجيال.
في جامعة دمشق وفي ذلك الزمن كانوا يصفونها بمصنع الرجال، ودرّسنا أساتذة كبار، وأسماؤهم ما تزال لامعة على لوحة الشرف الأكاديمي.
ففي كلية الحقوق كان يدرسنا معروف الدواليبي، وهو كان رئيسا للوزراء في نفس الوقت، وكان يأتي بموعد المحاضرة، ويعطينا نصابه التدريسي كاملا، دون تأخير أو استعجال أو تعطيل، وكان هو بنفسه يشرف على الامتحانات الخاصة بتخصصه، وكان هو من يوزع العلامات في ذات الوقت، لقد كان رجلا ذا هيبة واحترام.
ولم يكن باقي الاساتذة أقل هيبة أو علما من الدواليبي، فقد درسنا على أيدي اساتذة جامعيين، وكانوا وزراء عاملين، او وزراء سابقين وصاروا لاحقين أيضا.
في المحاضرات كانت المدرجات تمتلئ، فالطلبة جادون في البحث عن العلم، ويستشعرون صعوبة الحصول على المقعد الجامعي، الذي كان عزيزا في ذلك الوقت، وكانت كلف التعليم الجامعي على بساطتها، غير متوفرة لكثير من الطلبة، نتيجة ظروف أسرهم، وبطبيعة الحال هذا حال الجميع في ذلك الوقت.
فقد كان طلبة أردنيون قد جاءوا معي من الكرك، أو عرفتهم خلال نشأتي في جرش يطلبون مني إذا ما نادى المدرسون بأسماء الطلبة، من خلال "كشف التفقد"، أن أجيب عنهم بـ"نعم"، وذلك ليس بسبب تهربهم من الدراسة، بل لأن ظروفهم لا تسمح لهم بالبقاء مطولا في دمشق بسبب الظروف الاقتصادية، وكانوا يعودون إلى أسرهم بعد بدء الفصل الجامعي، ثم يعودون عند عقد الامتحانات، دون أن يؤثر ذلك على تحصيلهم العلمي، لأنهم جادون في الدراسة حتى وإن تغيبوا عن الجامعة.
ومع ذلك كانت أعداد الطلبة في كلية الحقوق كبيرة جدا، وعند عقد امتحانات الكلية، تمتلئ مدرجات كل الكليات بأعداد الطلبة القادمين للامتحان، وكانت الكلية في مسعى منها للحد من عقدة الأعداد، تقوم بالفرز المبكر بين الطلبة على أسس علمية بحتة.
فلما كنا نتقدم لأول امتحان في الكلية في مساق الحقوق المدنية، كان الامتحان يبدأ بسؤال واحد، وكنا نرى كيف أن أعدادا من الطلبة بعد قراءة السؤال، يحملون أوراقهم ويخرجون من قاعات الامتحان، كإعلان منهم بأنهم غادروا كلية الحقوق، للبحث عن مجال علمي آخر يستطيعون الاستمرار فيه.
وكان المشهد يتكرر مع السؤال الثاني، حيث يخرج مع كل سؤال أعداد كبيرة من الطلبة، فيخرج مثلا 300 طالب في الجولة الأولى، ويلحقهم النصف في الجولة الثانية، وإذ بكلية الحقوق استقرت على أكثر من 100 طالب وطالبة فقط.
وكانت الأسئلة تعتبر "الفلتر" الذي يصنف الطلبة، بين مُجد ومجتهد، ويتجاوز كل الصعوبات، وطالب لم يستطع هضم دراسة الحقوق في جامعة دمشق.
لذلك كانت امتحانات القبول في الكلية العسكرية، تعقد بعد انتهاء امتحانات كلية الحقوق، ليتسنى للطلبة، الذين أخفقوا في الحقوق، إكمال دراستهم بالكلية العسكرية إن رغبوا، وكان من مزايا الكلية العسكرية للطلبة السوريين هي أن طلبتها يرتدون الزي العسكري، ولما يزوروننا في جامعة دمشق، كنت أشعر وغيري من الطلبة بمشاعر الغبطة أمام لباسهم العسكري الجميل وهندامهم الأنيق.
 *في رحلتك من الكرك إلى دمشق، وأزمة قبولك الجامعي، والأحداث الشخصية بين كل ذلك؛ كانت الساحة تستعر بأحداث جسام، وكانت الحرب بدأت مع الإسرائيليين، وذيول النكبة كانت تحاصر الجميع؟
-صحيح؛ لقد كانت النكبة تعبئ المشاعر بطريقة سلبية في المناطق التي شهدت استقبال افواج اللاجئين الفلسطينيين أولا، وفي المناطق التي كانت الأحزاب السياسية فاعلة فيها.
في الكرك مثلا، وقبل النكبة بعام، أي في العام 1947، كان هناك حضور بسيط لحزب البعث وحزب الإخوان المسلمين، وكانت لهما مكاتب سياسية، في حين أن جل نشاطاتهم اجتماعية تستقطب من خلالها الشباب، في ذلك الوقت لم يكن عندي أنا شخصيا أي ميول سياسية تقربني من أي طرف منهما.
لكن في سورية، فقد كان حزب البعث قويا، وكان الإخوان المسلمون لهم نوابهم في المجلس التشريعي، كما كان هناك القوميون السوريون ولهم حزبهم القوي، وكان لكل هؤلاء نشاطاتهم السياسية الكثيرة، وكان من السهل على أي شاب أن يتفاعل مع هذا المشهد، وأن يأخذ طرفا من أطراف المعادلة السياسية الفاعلة وينحاز له.
في ذلك الوقت كانت سورية تحت الحكم العسكري، أديب الشيشكلي كان حاكما عسكريا، ولا شك بأن الحكم العسكري كان مكروها من الأحزاب السياسية، ولذلك سعى الشيشكلي لتأسيس حزب لنظامه، ومن هناك انضم إلى حزبه عدد كبير من طلبة الجامعة، وكان الطلبة المنتمون لحزبه يواجهون بمعارضة زملاء لهم من قوى حزبية مناهضة للحكم العسكري.
المظاهرات كانت تخرج من جامعة دمشق، وقطعا الطلبة هم وقود المعارك السياسية الطاحنة بين الأحزاب، وكانوا يقاتلون أمام انتماءاتهم الحزبية، ويواجهون كل الأخطار.
أنا شاركت في المظاهرات، وقدت بعضها، وتم إلقاء القبض عليّ في إحدى المرات، وكان أغلب المعتقلين من أنصار اليساريين، ونجحت من الإفلات وهربت بعدها إلى الكرك، وعدت إلى الجامعة بعد أن تأكدت من عودة الهدوء وإطلاق سراح المعتقلين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الخميس 26 فبراير 2015, 10:51 pm

الحلقة الثانية من "سياسي يتذكر"

مضر بدران: كرة القدم أنقذت زملاء من الاعتقال في سورية




مضر بدران (يسار) وإلى جانبه المحامي راتب الوزني خلال فترة الدراسة بدمشق-(من المصدر)

محمد خير الرواشدة 
عمان- يستكمل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، حديثه اليوم، عن أيام دراسته في جامعة دمشق، ويلخص في هذه الحلقة جزءا مهما من تجربته السياسية، خلال سنوات دراسته الجامعية.
ويوضح بدران في الحلقة الثانية، من مذكراته السياسية، والتي تنشرها "الغد" ضمن حلقات زاويتها "سياسي يتذكر"، دور الجامعة في صقل شخصيته وتجربته.
وكان بدران بدأ الحديث أمس عن نشأته ودراسته الابتدائية في جرش والثانوية في الكرك، قبل السفر لدمشق ودراسة الحقوق في جامعتها، ضمن تفاصيل كثيرة سيتحدث فيها، عن النكبة ودمشق، وما بينهما من حياة سياسية.
ويصف بدران اليوم الحركة الطلابية الشبابية في جامعة دمشق، ودورها في الإطاحة بحكومة أديب الشيشكلي، إبان فترة الحكم العسكري في سورية.
ويخوض في شرح بعض مغامراته السياسية في الجامعة، خصوصا وأنه الناشط في صفوف الطلبة السوريين، والباحث عن تفريغ طاقاته بالعمل العام انذاك.
ويغوص بدران في شرح اندماجه بالمجتمع السوري، وانخراطه خلال أسبوع من جمع التبرعات لصالح تسليح الجيش السوري، ومشاركته في تنظيم أكبر وقفة شعبية في ساحة المرجة في دمشق.
كما يؤكد قدرة طلبة الجامعة في دمشق على جمع تبرعات شعبية من مؤسسات وأفراد، وتقديمها للجيش السوري، بعد لقاء بدران وعدد من زملائه بالرئيس السوري شكري القوتلي. ويشير بدران في حلقة اليوم إلى الأسباب التي دفعته للتأخر عاما دراسيا كاملا في دمشق، حيث أخره المرض عن اللحاق بالامتحانات الجامعية للسنة الأخيرة، وهو ما يعني إعادة السنة الدراسية حسب نظام السنوات الذي يدرس في الجامعات السورية.
كما يشير في السياق ذاته لتعرضه للمرض وهو طفل صغير، في الصف الثاني الابتدائي، وإعادته لنفس الصف، بعد إصابته بذات الرئة استمر لنحو 6 أشهر، ما استدعى من والده رحمه الله، أن ينتقل به من جرش إلى منزل عمه في السلط، وهو الصيدلاني المعروف، وبعدها اضطر والده إلى أخذه للقدس، بحثا عن علاج المرض، الذي أصابه واستعصى على الدواء شفاءه.
وفيما يلي نص الحلقة:
*انتهينا في الحلقة الماضية عند اشتباكك مع الحياة السياسية في جامعة دمشق، ألم تخش على نفسك وقتها من النشاط السياسي خلال فترة صعبة، كان فيها الاعتقال بدمشق أمرا سهلا، وقد يذهب بك الأمر لتضحي بمستقبلك العلمي، خصوصا وأنك كنت طالبا أردنيا، والنشاط السياسي قد يذهب بك إلى السجن لتدخلك في شؤون لا تخصك كطالب أردني تدرس في سورية؟
-لقد نصحني طلاب أردنيون بعدم المشاركة في النشاطات السياسية، وحذروني من إمكانية فصلي من الجامعة، وطردي من سورية في أحسن الأحوال، هذا إذا ما لم يتم سجني وإصدار حكم بحقي.
هؤلاء الطلبة أنفسهم عندما عدت من الكرك إلى دمشق، وجدتهم مسجونين، إثر مشاركتهم في احدى المظاهرات، التي نظمها حزب البعث السوري، ولك أن تتخيل هؤلاء هم من نصحوني، وهم من سبقوني إلى السجن!، وهذا كان أمرا طبيعيا؛ فقد كانت الأجواء السياسية في تلك الأيام تجبرك على التحرك عاطفيا وسياسيا، كما تجبرك على الانحياز لطرف سياسي دون الآخر.
بعد أن علمت بأمر اعتقالهم، اقترحت أن نشكل وفدا طلابيا ونقوم بزيارة مدير الشرطة ونضعه بصورة الأمر، وأن هؤلاء الطلبة مهددون بمستقبلهم الجامعي، إذا ما استمر حبسهم، فمنهم طلبة من كلية الطب، وفي آخر سنة، من دراستهم، وقد طال أمد حبسهم لأكثر من 22 يوما.
حينها كان مدير الشرطة في زمن الشيشكلي معروفا بغلظته الشديدة وقسوته، وهو رجل عسكري شديد، يحمل رتبة عقيد، وأذكر أنه من دار الحسيني.
فعلا، شكلنا وفدا من 15 طالبا، وذهبنا لمكتب العقيد الحسيني، وكنت من بدأ الحديث إليه، وشرحت له بأن هؤلاء طلبة، ويجب التعامل معهم بحدود عمرهم الدراسي المصيري، وتمنيت عليه أن يتم التعامل معهم ضمن حدود مسؤوليتهم كطلبة مشاركين في مظاهرة سياسية، وليس أبعد، وأنهم قد يكونون أخطأوا في حماسهم الشبابي، لكن يجب الرأفة بوضعهم الدراسي.
بعد ذلك داهمني بسؤال، واستغربت جدا من رده! فقال: هل تلعبون كرة القدم؟ فأجبته: كنا نلعبها.
فقال: شكلوا فريقا لتلعبوا مع فريق الشرطة، ومن يغلب يأخذ ما يريده.
فرفضت وقلت له: إذا غلبنا فريق الشرطة، فمن المؤكد بأنك ستضعنا مع زملائنا في السجن، وإن فزتم علينا فلن تقبلوا طلبنا بخروج زملائنا من السجن، وفي كلتا الحالتين فنحن سنخسر.
وإذا أردت أن نلعب المباراة؛ فسأقبل على أساس شرط وحيد، وهو إذا فزتم علينا أخرجوهم من السجن، وإذ بمدير الشرطة يضحك، وعندها شعرت بالفرج، ذهب العقيد الحسيني في حالة من التفكير، ثم اتبع ذلك بالقول: تعالوا غدا صباحا وخذوهم معكم.
وفعلا ذهبنا في اليوم التالي، وخرجوا من السجن، ومن شدة ما تعرضوا له من "البهدلة" كدنا لا نعرفهم، فقد تم ايقافهم بالسجن لمدة زادت على 25 يوما، والمهم كانت العبرة من اخراجهم أن نكون أكثر حذرا من خلال مشاركاتنا السياسية في الجامعة.
*وأين استقر بكم الموقف السياسي، عند أي حزب وعند أي موقف، ثم ألا تعتقد بأن أزمة الحكم في سورية، أبعدتكم واشغلتكم عن تداعيات ما بعد النكبة؟
-لم نكن بعيدين عن أزمة النكبة وتفاعلاتها، فقد كانت أحداث النكبة هي ما تشحن عواطفنا ومشاعرنا وتدفعنا للاصطفاف السياسي مع الحزب الأكثر تعبيرا عن مدى نكبتنا، وكنا نلجأ للنشاط الحزبي في دمشق، لنعبر عن موقفنا من هذا العدو، الذي يتربص بنا جميعا، وليس بالفلسطينيين وحسب، لكن نشاطنا السياسي في ذلك الوقت ركز على مناهضة الحكم العسكري في سورية وليس على أي شيء آخر.
بعد سقوط أديب الشيشكلي بسبب المظاهرات، التي انطلقت من جامعة دمشق، ونالت مدا شعبيا هائلا، وعلى أثرها؛ وبالزخم الذي نُفذت به المظاهرات، تحرك الجيش من حلب.
وقد أطيح بالشيشكلي بعد أن اندلعت مظاهرة من قلب جامعة دمشق، وشاركت فيها بفاعلية ونشاط، وخلالها دخلت الشرطة العسكرية الجامعة لفض المظاهرة بالقوة، وكان رئيس الجامعة في ذلك الوقت هو مؤسس حركة القوميين العرب قسطنطين زريق،  وبعد أن دخلت الشرطة العسكرية، بدأ إطلاق الرصاص بصورة عشوائية، وكان إطلاقا غزيرا للنار، وهناك وقعت إصابات واستشهد طلبة.
في ذلك الوقت وبعد سقوط جرحى من الطلبة، هربت إلى نادي الجامعة، الذي كان يجلس فيه عادة الطلبة غير المشاركين بالمظاهرات.
بعد أن دخلت النادي، دخلت فورا إلى الحمام واغتسلت جيدا، وأخفيت كل مظاهر المعركة البادية على وجهي وعلى ملابسي، فقد كانت الشرطة بدأت فعلا بالسيطرة على المظاهرة، وبدأ إخراج الطلبة من الجامعة على شكل "طابور"، ومن كان يقع تحت شبهة الشك بالمشاركة في المظاهرة كان يُعتقل.
كنا نمر في "الطابور" بين صفين من العسكر، ومن كان يشتبه بمشاركته في المظاهرة كان يُلقن درسا قاسيا قبل حجزه، بالنسبة لي كنت حافظا لأشكال الأشخاص الذين ضربتهم بالحجارة، فمنهم عسكريون بلباس مدني، واحد منهم ضربته بحجر، وبدأ دمه يسيل بغزارة على الأرض، ولدى مروري من الصف بين العسكر، رأيت ذات الرجل الذي ضربته، معصوب الرأس، وشعرت بأن أمري سينكشف لا محالة.
بالصدفة انتبهت لأحد الطلبة، يفصلني عنه عدد قليل من الزملاء، وكان يرتدي بدلة نفس لون بدلتي (بني)، وهو تقريبا من نفس حجمي، وهناك شبه بيني وبينه، انتبهت على نفسي وإذ بشال اضعه حول رقبتي، اعتقدت بأنه سيميزني، فخلعته فورا.
وما هي إلا ثوان قليلة، وإذ بالرجل العسكري، الذي يرتدي زيا مدنيا، ينادي بأن هذا الطالب الذي ضربه، فقلت في سري: انكشف أمري!!، وإذ بطالب آخر هو من القوا القبض عليه، وقد طرحوه أرضا، وبدأوا بضربه بطريقة وحشية، وهو طالب سوري من بيت الاتاسي، عندها أكملت مسيرتي، من دون أن التفت لكي لا ينكشف أمري، وبظني بأن الزميل ولكونه سوريا قد يجد من يؤازره، خصوصا وأنه من بيت الاتاسي، وهي عائلة عريقة ومعروفة على مستوى دمشق والشام.
لقد كانت تلك المظاهرة مرعبة، وقد قتل فيها اربعة طلبة، وجرح المئات، وتعطلت الجامعة 10 أيام، وكان حدثا كبيرا في سورية وأشغل أهلها كثيرا.
ولكي تقتنع بأن هدفنا كان في حينها إسقاط الحكم العسكري فقط، وليس أي شيء آخر، فقد علمت بعد أن انتهت تلك المظاهرة الفاصلة بعمر حكم رئاسة الشيشكلي لسورية من جامعة دمشق، بأن من نفذها اليساريون، وأننا كلنا انخرطنا في المظاهرة بنشاط وفاعلية تحت شعار اسقاط الحكم العسكري، بصرف النظر عن الجهة التي نظمتها.
*الغريب انك تتحدث عن نشاطك السياسي في دمشق، وكأنك مواطن سوري، وليس طالبا غريبا قادما من الأردن؟
-لقد اندمجت بالمجتمع السوري، وكان مجتمعا حيويا بالمقارنة مع البيئات التي عشت فيها كل عمري في جرش والكرك، وكان للأجواء الحيوية هناك ما ألهب مشاعر شاب يافع يبحث عن كل ما هو جديد وكل ما هو مختلف، ولي في تلك المرحلة محطات كنت استطيع أن اتوقف عندها بدهشة، لكني اقتحمتها وحاولت أن أبحث عن نفسي من خلالها.
ولك أن تتخيل أن مختار الحارة التي عشت فيها، أعطاني بطاقة انتخابية، ظنا منه بأني مواطن سوري يعيش في حارته؛ وفعلا ذهبت وانتخبت سعيد الغزي ومحمد المبارك، لأني اندمجت فعلا بالمجتمع السوري، وصرت "أحكي شامي مثلهم".
في احدى المرات، دخلت لامتحان شفوي، لأحد المساقات الدراسية الجامعية، وهو مساق القانون الدستوري، واكتشف الاستاذ بأني غير سوري، عندما اخطأت بكلمة واحدة فقط، وهي لما استخدمت كلمة الحكومة، بدلا من الدولة، في شرحي لأحد البنود الدستورية، فقد كان لهذا التداخل ما يُسمح به عندنا في الأردن، لكن في سورية الدولة شيء، والحكومة شيء آخر، فأجابني هل هي حكومة أم دولة؟ فقلت دولة، فرد علي بأن هذه الحكومة (عرصه).
بعدها سألني إن كنت سوريا أم لا، فأجبته بأني أردني، فرحب بي بحرارة.
*وهل استكملت نشاطك السياسي في دمشق، من منطلق اندماجك بالمجتمع السوري؟
-بالفعل لقد بدأت أتفاعل أكثر مع الأحداث في سورية، وأذكر جيدا كيف استشهد شقيق زميلي في كلية الحقوق، وهو شاب تعرفنا عليه قبل انتقاله من كلية الحقوق إلى الكلية العسكرية، وفي احد التدريبات استشهد شقيق زميلي ذلك، على الحدود السورية مع بحيرة طبريا، وعندها عادت مشاعرنا للتفاعل أكثر، وبدأنا بتنظيم أسبوع التسلح، وهو أسبوع بدأنا فيه بجمع التبرعات وإرسالها للجيش السوري لشراء السلاح لمواجهة الإسرائيليين.
لقد كنت عضوا في اللجنة المركزية في الجامعة، وكنت حزت هذا الموقع على اعتبار أني طالب سوري، ولم ينتبه أحد أو يدقق بأني أردني.
لقد عملت في هذا الاسبوع بجهد كبير، من دون كلل أو ملل، وللآن افتخر بالانجاز الذي حققته في ذلك الأسبوع، لاني كنت جزءا منه.
بدأنا كمجموعة طلابية صغيرة لم تتجاوز العشرة طلاب، وذهبنا لمقابلة رئيس الجمهورية شكري القوتلي، الذي جاء بعد أديب الشيشكلي، وإذ به بعد أن اقترحنا المشاركة بأسبوع التسلح، قام من مكتبه، وخطب فينا خطبة، فرحنا بها وزادت من حماسنا.
بعدها بدأت العمل، والطلبة الذين معي، استغربوا الطريقة التي عملت بها، فلم أهدأ على مدى فترة عمل اللجنة في جمع التبرعات.
وأذكر ان من قيم التبرعات التي جمعناها ما قدمته الشركة الخماسية، التي سميت بهذا الاسم لأن ملكيتها تعود لخمسة شركاء، وتبرعت بـ5000 ليرة سورية، كما كان البنك العربي فتح لنفسه فرعا جديدا في دمشق، وتبرع بـ50 ألف ليرة سورية، وكانت الليرة السورية بعافيتها في ذلك الوقت.
ولما عرفنا بأمر التبرع الزهيد، الذي تقدمت به الشركة الخماسية، كان معي في مكتب جامعي خصص لنا؛ اثنان من الزملاء، وكانا أصغر مني بصف جامعي، وإذ بمظاهرة تمر من أمام نافذة المكتب، وسأل أحدهما ماذا تريد هذه المظاهرة؟، فأجبته من مقعدي تريد اسقاط الشركة الخماسية، وهتف من عنده، وإذ بنحو 200 متظاهر، يرددون الهتاف، نزلنا من المكتب وقدنا المظاهرة، وسرنا فيها، وبعد دقائق، وصل أولنا لمكان اسمه تكية السلطان سليم، وكان آخر شخص في المسيرة يقف على باب الجامعة، الطلبة بحماسهم هتفوا بقسوة ضد الشركة الخماسية، على تبرعها الهزيل، لم تكن المظاهرة لتتوقف حتى وصلنا مدير الشرطة شاكرا، وقال لقد دفعت الشركة الخماسية تبرعا بقيمة 50 ألف ليرة سورية، وبالفعل استجابت الشركة لمطالب المظاهرة ولم تتأخر، خوفا من تزايد شعارات المظاهرات ضدها.
لقد كنا نخلق الأحداث، ولم نكن نقصر بحق شيء، كنا طلبة جادين، وكنا ناشطين سياسيين جادين أيضا، وغرفنا من التجربة والخبرة تلك؛ صفات صقلت شخصياتنا.
ونحن نجمع التبرعات، لم تكن هناك أجهزة إعلام، تساندنا سوى الإذاعة السورية، وهي وسيلة الإعلام الوحيدة والمتاحة، وكنا نريد أن نعبئ الجماهير لكي نزيد قيمة التبرعات، وندعم الجيش بثمن السلاح فعلا.
كانت أهم الساحات في دمشق ساحة المرجة، وخططنا لإقامة مهرجان شعبي فيها، واستأذنا استاذنا الجامعي الدكتور مصطفى البارودي، الذي كان خطيبا مفوها، وهو من الخطباء الذين لم اسمع بحياتي لأحد بذات أسلوبه في الخطابة وقدرته وبلاغته، فهو نهر متدفق من الجمل التي تهيج المشاعر والعواطف، فطلبنا منه أن يخطب في المهرجان الشعبي تحت عنوان جمع التبرعات، وجئنا بالإذاعة السورية، وبدأ البارودي بالخطبة ولم ينته بعد؛ وإذ بساحة المرجة لا يوجد فيها شبر فارغ، وكانت الناس ملأت الشوارع، كنا في غرفة مغلقة للإذاعة، مطلة على الساحة، وكانت خطبة البارودي تنقل عبر الأثير، رأيت من بعيد رجلا كبيرا بالسن يحمل كيسا، ناديت أن ينتبه إليه أحد، خشية عليه من الزحام فيسقط أرضا، لم يفهم علي أحد، فركضت بسرعة نحوه، وسألني أين يجمعون المال، فقلت أنا عضو في اللجنة، فترك معي كيسا من النقود، وقال إن هذا المبلغ هو كل ما يملكه، وتركني من دون أن يأخذ وصلا له، وقيمة التبرع، وعندما فتحنا الكيس لنحصي عدد التبرعات التي جمعناها، وإذ بالمال الذي تركه الرجل، يبلغ 600 ليرة ذهب، تركها الرجل وغادر من دون حتى أن نعرف اسمه.
بقيت التبرعات معي، وكنت أمشي بالشوارع حاملا كيسا كبيرا من الورق، كنت أضع فيه كل التبرعات، التي أجمعها بجهد فردي، وهذه التبرعات لم تكن بجهدي الشخصي، بمقدار ما كان لحادثة استشهاد زميلنا من الكلية العسكرية في طبريا، ما ألهب مشاعر الناس.
كنت أمشي حتى منتصف الليل، وانا أجمع التبرعات، في ليلة من الليالي وصلت لمنزل ابن خالتي، فلما شاهد ما أحمله، قال ما هذا؟ قلت أموال التبرعات، فاستغرب: ألا تخاف أن تُسرق منك هذه الأموال؟، فقلت من يجرؤ على سرقة أموال الجيش!.
لقد جمعت تبرعات من المنازل، وكنت أندهش كيف أن النساء عندما يسمعن عن لجان جمع التبرعات، كن يخلعن أساورهن ويضعنها بالصندوق، حتى أن بعض النساء اللاتي كن يجدن صعوبة، في خلع اساورهن، يلجأن لقطع اساورهن ويضعنها في الأكياس.
*ومتى أنهيت دراستك الجامعية، وهل من أسباب تأخرك بالدراسة عاما كاملا هو نشاطك السياسي؟
-لا؛ لقد أنهيت دراستي في الجامعة العام 1956، فقد تأخرت عاما دراسيا كاملا، بسبب المرض، الذي أخرني عن اللحاق بالامتحانات الجامعية للسنة الأخيرة، وكما تعلم فقد كان النظام التعليمي للجامعات في دمشق هو نظام السنوات، وليس الفصول.
لقد مرضت مرتين في حياتي، وكادتا أن توديا بها، مرضت وأنا طفل صغير، في الصف الثاني الابتدائي، وكان مرضا قاسيا، وحملني والدي رحمه الله من جرش إلى منزل عمي في السلط، وهو كان صيدلانيا معروفا، وبعدها اضطر والدي إلى أخذي للقدس، بحثا عن علاج المرض، الذي أصابني واستعصى على الدواء شفاءه، حيث مكثت مريضا لـ6 أشهر بمرض يسمى بذات الرئة، وهو مرض أخرني عن دراسة الصف الثاني فأعدته.
أما وأنا طالب جامعي، في السنة الأخيرة، وعند موعد الامتحانات، بدأ بطني يؤلمني بشدة، وشعرت بمغص يأكل أحشائي، ومباشرة حملني أصدقاء لي لمنزل طبيب يسكن بالقرب من سكننا، وشخص حالتي الطبية على أنها مرض الزائدة الدودية، وقال بأنه يجب إجراء العملية واستئصالها، وطلب مني مراجعته في المستشفى صباح اليوم التالي، لاتخاذ الاجراءات اللازمة.
عدت إلى المنزل مع ابن خالتي، ولكن حالتي زادت سوءا فذهب ابن خالتي فجاء بطبيب أستاذ يُدرس في كلية الطب في جامعة دمشق، ولدى فحصه لي في المنزل قال: فورا يدخل المستشفى، لإجراء العملية قبل أن تنفجر الزائدة الدودية.
حاولت أن أجادله وأخفف من سرعة طلبه في إجراء العملية، لكنه قال بحدة: اسمع أنا أستاذ وطبيب في كلية الطب، وأنت طالب وعليك الاستماع لي وليس مجادلتي.
مباشرة أخذوني للمستشفى ودخلت غرفة العمليات، وقد وصفت العملية بأنها عملية خطيرة، فقد كانت الزائدة الدودية قبل أن تنفجر قد تسببت في التهابات شديدة في جسمي، وبعد العملية دخلت في مرحلة علاج طويلة بسبب الالتهابات، وأعطيت عددا وفيرا من إبر المضادات الحيوية، ما زلت أشعر بمكانها حتى اليوم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الخميس 26 فبراير 2015, 10:54 pm

الحلقة الثالثة من "سياسي يتذكر"

بدران: وفاة شيوعي دفع حكومة الرفاعي لإلغاء الأحكام العرفية



  • النقيب مضر بدران وعدد من زملائه ضباط القوات المسلحة في الخمسينيات


  • محمد خير الرواشدة
    عمان- تواصل "الغد"، النبش في ذكريات رئيس الوزراء الأسبق، وعميد البيرقراطية الرسمية مضر بدران، وذلك من خلال رصد تأملاته السياسية في مرحلة الشباب بين الكرك ودمشق.
    ويبدأ بدران اليوم، في الحلقة الثالثة من زاوية "سياسي يتذكر"، الحديث عن مرحلة دخوله إلى الأمن العام، برتبة ملازم أول، وانتقاله للعمل في الجيش العربي، مشاورا عدليا، بعد ضم الأمن العام مع القوات المسلحة، واول اشتباك له مع رئيس هيئة الأركان، في حينه، صادق الشرع.
    وكان بدران تحدث في الحلقة الثانية امس عن اندماجه بالحركة الطلابية الشبابية في جامعة دمشق، ودورها في الإطاحة بحكومة أديب الشيشكلي، إبان فترة الحكم العسكري في سورية.
    كما بين جانبا من مغامراته السياسية في الجامعة، بعد اندماجه بالمجتمع السوري، وانخراطه خلال أسبوع من جمع التبرعات لصالح تسليح الجيش السوري، ومشاركته في تنظيم أكبر وقفة شعبية في ساحة المرجة في دمشق، بعد لقاء بدران وعدد من زملائه بالرئيس السوري شكري القوتلي.
    واليوم يصف بدران زيارته الأولى للقدس، مع وفد الكشافة المدرسية، في العام 1949، ومشاعر الطلبة التي اختلطت في تلك اللحظات، بعد النكبة الفلسطينية.
    الزيارة جاءت بعد أن تأثر سكان محافظة الكرك، بالحرب مع إسرائيل، والاعتداء على مخفر غور الصافي، وتشييع جثامين الشهداء.
    كما يذكر الرئيس بدران، في حلقة اليوم، جانبا من الحياة السياسية قبل سفره إلى دمشق، وبعد عودته منها، وكيف أن مجلس النواب تغير جذريا، من مجلس، مورس في انتخاباته التزوير المكشوف، ومجلس العام 1956 الذي انتخب وفق أكثر المعايير نزاهة.
    وبدران، الذي تابع جلسات ذلك المجلس من شرفة النظارة، كان التحق في عمله ضابطا برتبة ملازم أول في الأمن العام، قبل أن يتم دمج الأمن العام مع القوات المسلحة، والتحاقه بعمله مشاورا عدليا. وتحدث حول كيف أفرج عن موقوفين سياسيين، مخالفا توجيهات رئيس هيئة الأركان.
    وفيما يلي نص الحلقة الثالثة
    * نغادر اليوم حديثنا عن سنوات دراستك الجامعية، وننهي بنشاطاتك خلال فترة تداعيات النكبة الفلسطينية، فأنت خرجت على تداعياتها من الكرك، وانخرطت بنشاطك السياسي في دمشق، أين حصة "النكبة" من نشاطك السياسي؟
    -بدأت أخبار النكبة وتداعياتها تصلنا، وأنا أدرس الثانوية العامة في الكرك، وكان عمري 14 عاما، قسم من الحرب وقع في غور الصافي من جانبنا، وكنا نستقبل الشهداء في الكرك، بحكم القرب الجغرافي للحدث، والأخبار تصلنا تباعا عن الأحداث.
    فقد اعتدى الإسرائيليون على مخفر غور الصافي، وقتلوا من كان فيه من ضباط وأفراد، واستقبلنا الخبر بحزن شديد وأسى بالغ، وصدمة وفجيعة.
    كطلبة في المرحلة الثانوية، اندمجنا بأحداث النكبة، وكان التعليم بذاته، يعبئنا ضد العدو المحتل؛ وأذكر بأن أول فريق كشافة مدرسية وصل إلى القدس، بعد حرب 1948، كان وفدا من كشافة الكرك، فأستاذنا في الكشافة كان معلما نشيطا جدا، وهو من بيت العطار، أما مُلهمنا في التعبئة، فقد كان المعلم فضل الدلقموني، الذي مارس دورا تعبويا مهما مع الطلبة بعد حرب الـ48.
    وذهبنا إلى القدس في العام 1949، وكان قائد منطقة القدس، هو المقدم عبدالله التل رحمه الله، وألقى علينا محاضرات مهمة، ثم أخذنا إلى أسوار القدس، وكان إطلاق النار بين الجيش العربي وبين الإسرائيليين فاعلا، ورأينا مقابر الشهداء وعرفنا أعدادهم حتى يوم زيارتنا للقدس، الزيارة كانت غاية بالأهمية بالنسبة لطلبة مثلنا.
    لم نكن بعيدين عن أجواء فلسطين، فقد تأثرنا على استشهاد عبد القادر الحسيني، كما تأثرنا على شهدائنا من الجيش العربي، كما كان ابن عم والدي عثمان بدران قادما من نابلس، ومعه فريق من المتطوعين، خاضوا حربا شرسة ضد العدو على أرض الـ1948.
    وقد وثق عبدالله التل رحمه الله القائد العسكري للقدس في مذكراته كيف أن "عثمان بدران خاض معركته وهو صائم".
    من هناك انغمسنا بكل خبر قادم من الحرب مع العدو، ومواجهة أهلنا للمحتل، بدأ يتوسع على حساب أرض عربية، لها عند الأردنيين خصوصية ورمزية.
    بعد حرب الـ48 بدأ يأتي لمدارسنا معلمون من فلسطين، وبالفعل كانوا معلمين أكفاء، ولم يمارسوا خلال الحصص المدرسية أي دور سياسي أو تعبوي تجاه القضية الفلسطينية، تاركين الأمر لنظرائهم من المعلمين الأردنيين.
    وانشغل هؤلاء المعلمون القادمون من فلسطين بتحسين مستوانا الدراسي بشكل واضح، وشعرنا بالفرق الكبير بعد وجودهم في مدارسنا، لقد كانوا معلمين تخرجوا من الجامعات المصرية، بينما المعلمون الذين كانوا في مدارسنا مستواهم التعليمي في الأغلب لم يتجاوز مرحلة المترك، وتفوقهم في بعض مجالات العلوم المختلفة، وهو سبب تعيينهم بوزارة التربية والتعليم كمعلمين.
    لقد مارس المعلمون الفلسطينيون دورا مهما في تحسين مستوانا التعليمي، وبلغ الأمر بيننا أن 14 طالبا، من أصل 16، في الصف الثانوي، يتنافسون على المرتبة الأولى، واثنين فقط كانا يتنافسان على ان لا يكون أحدهم في المرتبة الأخيرة.
    وفعلا نجحنا جميعا في المترك، طبعا كان العلم في تلك المرحلة عزيزا، فقد كان الطلبة الـ16 في مدرسة الكرك، هم من مختلف مناطق الجنوب، أي أنهم ليسوا من محافظة الكرك وحدها، فكل مناطق الجنوب تقدم فقط 12 طالبا للمترك، لأن هناك طلبة ليسوا من محافظات الجنوب، وهم، أنا من جرش، وابن قاضي البداية في المحافظة وهو من إربد، واثنان آخران ليسا من الجنوب، وبذلك تكون حصة الجنوب كاملا، من الذين درسوا المترك في العام الذي تقدمت به أنا؛ هم فقط 12 طالبا.

    *تتحدث دائما عن البدايات من خلال مزجك بين ظرفك السياسي وظرفك الدراسي؛ فأين تبلورت شخصيتك السياسية، في الكرك أم في دمشق؟
    -بالنسبة لي، لا أنكر بأني نضجت كثيرا خلال دراستي الجامعية، فقد تشربت كل معاني القومية العربية، وطبقت أفكارها على الأرض، وعايشت تلك التطبيقات وانغمست بها، هذا ليس غريبا فالحياة السياسية في الكرك كانت غائبة، فنحن كطلبة في المرحلة الثانوية لم نكن نملك أي هوامش تجربة سياسية، بينما في المرحلة الجامعية نحن تعرضنا لاختبار صعب وخطير ومهم في الوقت نفسه.
    عندما بدأنا بتشكيل ملاحظاتنا السياسية في جامعة دمشق، بعد اغتيال عدنان المالكي، واتهام القوميين السوريين بقتله، حيث حاول الشيوعيون الترويج لذلك، بغية تصفية القوميين السوريين، وبعدها بدأت معركة "السكاكين" داخل الجامعة، كنا نلاحظ أيضا أن حركة القوميين العرب لم تكن ظاهرة وبشكل واضح، وأن القوميين السوريين كانت أكثر فاعلية وحراكا، بينما استحوذ البعث على حصة من القوميين أيضا، ولك أن تتخيل حجم قدرتنا على فهم واستيعاب كل ذلك، بينما في الكرك كانت الأمور أبسط من ذلك، فأنا انتخبت العام 1951 المرشح لمجلس النواب عن محافظة الكرك أحمد الطراونة، رحمه الله 8 مرات في ذات يوم الاقتراع، وانتخبت هزاع المجالي أيضا رحمه الله.
    ستسألني كيف؟ وأجيبك بأني كل مرة دخلت، كانوا يغيرون من شكل لباسي، حتى لا أنكشف أمام اللجنة، كما كنت أدخل باسم جديد وانتخب.
     وإمعانا في القصة؛ كان سمير الرفاعي رئيسا للحكومة، ومعه فلاح المدادحة، وزيرا للداخلية، ومرشحا في نفس الوقت، إذ كان الدستور يسمح، وكان المتصرف عبد الرحيم الخطيب، بينما كان في لجنة الفرز والدي القاضي الشرعي الشيخ محمد بدران رحمه الله، وعبد الكريم الحديدي رئيس محكمة البداية في الكرك.
    كان واضحا بأن لدى المتصرف الخطيب تعليمات بضرورة التضييق على وزير الداخلية المدادحة، والضغط باتجاه عدم نجاحه، مقابل دعم أحمد الطراونة وهزاع المجالي، وهذه تعليمات أصدرها سمير الرفاعي، فالمدادحة كان من قائمة الشيخ علي المعايطة المعارض لحكومة الرفاعي، عرف المدادحة بالمؤامرة، وحاول الاتصال برئيس الوزراء الرفاعي، من مكتب المتصرف الخطيب، وتخيل أن الخطيب منع المدادحة من استخدام الهاتف، وكان هذا أمام هزاع والطراونة، والمتصرف يجب أن يأتمر بأمر وزيره، لكنه رفض، فالتعليمات جاءت من قبل من هو أعلى من المدادحة رتبة في الدولة.
    عند بدء عمليات الفرز اكتشف والدي كيف أن أوراق الاقتراع عندما يتم ترتيبها يقرأ كل عضو لجنة أسماء المرشحين الذين يدعمهم، فصرخ والدي، ولم يعجبه الأمر، لكن القرار ليس بيده في ذلك الوقت.
    وغادر المدادحة فجر ليلة الفرز، وكان يمشي باتجاه منزله وهو "يهيجن" وكنا نمشي خلفه ونردد من ورائه ما يقول.
    لذلك، لم يكن عندنا أحزاب ولا حياة سياسية، ولا مرشحون حزبيون، فإسماعيل البلبيسي استأجر طائرة، وحملها بالمنشورات، التي تدعم أحمد الطراونة وهزاع المجالي، وقالت العشائر بعدها بأن الحكومة تريد هؤلاء المرشحين، فمن المؤكد بأن لا أحد يملك طائرة غيرها.
    ذلك مجلس تركته قبل السفر والدراسة في دمشق، ولكن للانصاف الصورة تغيرت تماما مع مجلس النواب، الذي انتخب العام 1956، وهو مجلس يكاد يكون الأقوى من بين المجالس النيابية التي مرت على المملكة.
    وكما تعرف، فقد كانت هناك ثورة ثقافية ومعرفية ومدنية وحضارية في الضفة الغربية، وقد كانت الانتخابات بعد إعلان وحدة الضفتين، كما جاءت الانتخابات بعد طرد كلوب باشا والانجليز من الأردن، وولد مجلس نيابي، انتخب وفق أشد معايير النزاهة والشفافية، وكان مجلسا قويا، من اعضائه عبدالله الريماوي ويعقوب زيادين وفيه من أعضاء الحزب الوطني الذي كان يترأسه سليمان النابلسي، حيث فاز بعضوية المجلس شفيق ارشيدات وصالح المعشر، كما نجح من قلقيلية شخص من حزب التحرير، وأذكر المقطع الثاني من اسمه الشيخ الناعوري.
    ولقد حاولت الالتزام بحضور جلسات هذا المجلس من منطلق المتابعة، وقد حضرت الجلسة في اليوم، الذي قرر فيه المجلس التصويت على إلغاء المعاهدة البريطانية الأردنية، وخطب الشيخ الناعوري من حزب التحرير، رافضا إلغاء المعاهدة، واعتبر الغاءها انسياقا وراء أميركا، ليكونوا بدل الانجليز في تبعيتنا لهم، وطلبنا من المكان الذي يجلس فيه المتابعون في مجلس النواب القديم في جبل عمان، بأن "يسكت"، وهددناه، فجلس دون أن يكمل خطبته، وأظنه بعد ذلك صوت لصالح إلغائها.
    واحتراما للافرازات الحزبية داخل مجلس النواب الـ1956، فقد جاء الملك الراحل الحسين رحمه الله بسليمان النابلسي رئيسا للوزراء، وهو أمين عام الحزب الوطني لكنه لم ينجح في الانتخابات عن مقعد عمان، وقد كان اختيار الحسين احتراما منه للتوافق النيابي، واحتراما للتجربة الديمقراطية، واحتراما لتأثير الحزب وأعضائه في مجلس النواب.
    لقد كنت أنتظر لحظة انعقاد جلسات ذلك المجلس بشوق وشغف؛ فقد كانوا نوابا يملؤون مقاعدهم ويمثلون مواقف شعبية بمنتهى الصلابة والمواجهة والقوة.

    *أين كنت وأنت تتابع جلسات مجلس النواب، كنت خريجا من كلية الحقوق، أم كنت قد التحقت بالعمل؟
    -دخلت الخدمة في الأمن العام، في أواخر العام 1956، وبدايات العام 1957، ودخلت الخدمة عندما كان سليمان النابلسي رئيسا للوزراء، وعبد الحليم النمر وزيرا للداخلية.
    ولما كنت في ميدان التدريب برتبة ملازم أول، وهي المدة التدريبية التي تستغرق 3 أشهر، ويخوضها كل منتسب جديد للجيش أو الأمن العام، فقد أعلنت الأحكام العرفية، وتم ضم الأمن العام إلى الجيش، عندها كان بهجت طبارة مديرا للأمن العام، ومساعده عبد الحليم الساكت، فأحيل طبارة إلى التقاعد، قبل ضم الأمن مع الجيش، وجاء محمد باشا المعايطة مكانه، ثم صار حابس باشا المجالي، قائدا للقوات المسلحة، وبقي عبد الحليم الساكت مساعدا له، وأعلن ضم الأمن والجيش وأعلنت الأحكام العرفية.
    لكن ألغيت الأحكام العرفية في حكومة سمير الرفاعي، مطلع ستينيات القرن الماضي، بعد وفاة أحد كوادر الحزب الشيوعي، وهو في التحقيق، وكان شركسيا يسكن في جبل التاج؛ لا أتذكر اسمه.
    ففي دائرة المباحث العامة، قسم خاص لمكافحة الشيوعية، ويرأسه خبير أميركي؛ طبعا هو أميركي بالجنسية، لكن أصله ليس أميركيا، وأظنه من أوروبا الشرقية، وحظي بنفوذ واسع وقتها.
    وأذكر على سبيل الذكر، بأن هذا الخبير حاول أن يستجوبني مرة، فرفضت.
    فعلى ما أذكر، بأن جارا لي من بيت الناصر، وكان شيوعيا، صادفته وأنا أسير في وسط البلد بعمان، فتصافحنا وتوقفنا قليلا وتحدثنا.
    لم أكن أعرف بأن جاري هذا مراقب من دائرة المباحث العامة، وبعد أيام من هذا الحدث، وإذ بالخبير الأجنبي، يبعث لي ويريد أن يستجوبني بطريقة ودية، ومن دون أن يبعث بكتاب للجيش يطلبني به رسميا.
    عندها، لما سألت عنه، وأخبروني بأنه أجنبي، ويقوم بهذا العمل منذ مدة، فاستغربت وانفجرت غيظا؛ وقلت: كيف لواحد أجنبي يستجوب ضابطا أردنيا يحمل رتبته العسكرية بإرادة ملكية، وحلفت بأغلظ الأيمان، بأني إن رأيته وجها لوجه، لأضربه، لو كلفني الأمر إنهاء خدمتي من الجيش.
    اعتقد بأنهم أخبروه بالأمر، ومن بعدها لم يعاود الاتصال بي، وعندما ذهبنا لمكتب التحقيقات السياسية، الذي كان تحت إشراف محمد رسول الكيلاني، ولدى فتحه لـ"إضبارتي" مازحني بالقول "يا شيوعي"، فقلت له قصتي مع الخبير الأجنبي وتهديدي له بالضرب!.
    *وما هي طبيعة مهمتك في الجيش العربي، أكنت ميدانيا أم إداريا؟
    -في تلك الأيام  وبصفتي حقوقيا، كنت مشاورا عدليا، وقد دخلت الجيش بعد ضم الأمن العام له، وبعد حبس رئيس قسم المشاور العدلي عبد الله الصعوب، بتهمة مشاركته لعلي ابو نوار بالانقلاب العسكري، وكان هاني الدحلة، الذي تزاملت معه بكلية الحقوق في دمشق، دخل الجيش وحمل رتبة ملازم أول، وكان مشاورا عدليا، لكنه أقيل من عمله مع الأحداث، كان هذا في نهاية العام 1957 وبدايات العام 1958، ولم يبق في قسم المشاور العدلي، سوى أسامة السخن، طبعا كانت قيادة الجيش تحت ضغط التحقيق بالمؤامرة، التي قادها علي أبو نوار، ومن سانده فيها، وكانت لجان التحقيق، ترأسها قيادات الجيش البارزة، منهم الزعيم عزت حسن، ومحمد توفيق الروسان، وكانت المتابعة والاشراف لحابس باشا المجالي قائد الجيش.
    نحن كضباط صغار، موزعين على أقسام القيادة المختلفة، كنا ندير الأمور بالإنابة عن حابس المجالي، وكنت أنا مثلا، أوقع عنه في مجال عملي كمشاور عدلي، وكانت صيغ التوقيعات تأتي على غرار "عن الفريق حابس المجالي، قائد القوات المسلحة، الملازم الأول مضر بدران"، طبعا كان في وقتها فريقا قبل أن يترفع إلى مشير.
    ومن أعمال المشاور العدلي في القوات المسلحة، إعداد مذكرات التوقيف وإصدارها، ومذكرات الإفراج عن الموقوفين أيضا، وكنا نقوم بذلك بناء على طلب لجان التحقيق.
    في قسم المشاور العدلي، كنت مساعدا للمشاور العدلي، وكان رئيسي بالعمل حسب الأقدمية أسامة السخن، ولما أراد السخن أن يأخذ إجازته للزواج، ولم يكن مضى على وجودي في القسم سوى أربعة أشهر، فقد نسبني لأكون رئيسا للقسم بالوكالة، فسألته وماذا يعمل رئيس القسم؟ فأجابني عن جملة من الأمور، وذكر منها تفتيش السجون العسكرية، واستغربت لأنه طيلة فترة وجودي معه، لم يقم بأي زيارة تفتيشية على تلك السجون.
    مباشرة، في أول أيام عملي رئيسا لقسم المشاور العدلي بالوكالة، قمت بزيارة للسجن العسكري، وكان مديره عباس نصار، وقمت بتفتيش السجن، ووجدت ضابطا مكسورة يده، فسألته كيف كسرت يدك؟ فقال خلال التحقيق، فصرخت كيف يتم التعامل مع ضابط عسكري بهذه الطريقة!، سألت عباس نصار عن الأمر، قال: ليس من صلاحياته الإجابة، إنما كل صلاحياته تبدأ وتنتهي بتسليم الموقوف واستلامه.
    ومع استكمال جولة التفتيش تلك، تفاجأت بأن هناك سجناء انتهت مدة توقيفهم، ومايزالون موقوفين، وبعد حصر هؤلاء قمت بالإفراج عن نحو 70 معتقلا وموقوفا.
    بعدها غادرت باتجاه منزلي، مكثت قليلا ثم ذهبت إلى السينما، ثم عدت إلى البيت، وإذا به "قايم قاعد" يبحثون عني، فسألت لماذا، قالوا: مدير الشرطة العسكرية كامل عبد القادر يريدك، اتصلت بالقيادة، فسألت ما المطلوب مني فقالوا: صادق الشرع رئيس هيئة الأركان يريدك، لكنه غادر الآن، وعليك مقابلته صباحا.
    في اليوم التالي طلبني صادق الشرع، ودار حوار بيني وبينه، ومن دون أن أشعر بأي ارتباك أو خوف أو مسؤولية.
    فقال: هل أفرجت عن 70 موقوفا، ومنهم من تم توقيفه على خلفية قضايا عسكرية؟ فقلت: نعم. قال: هل سألت آمرك؟ فقلت: ليس لي آمر فأنا آمر نفسي. قال وهو مصدوم: هل صلاحياتك الافراج عن الموقوفين؟ فقلت: نعم، وبموجب الأحكام الصادرة من المحكمة العسكرية. قال: وهل عندك صلاحيات التوقيف؟ فقلت: نعم. قال: ألا ترجع لحابس باشا؟ فقلت: لا؛ فحابس باشا يعلم بصلاحياتي وأنا أمارسها باسمه.
    فقال: "نيالك على هالصلاحيات"؛ وكل هذه الصلاحيات ولا يوجد هاتف في منزلك؟ فقلت: طلبت منهم تمديد خط هاتف، ولم يجيبوا على طلبي.
    وإذ به يطلب سلاح اللاسلكي، ويطلب تمديد خط هاتف، لمكان إقامتي عند اسرتي. فقال لي: لقد أعدت من أفرجت عنهم. فقلت: أعرفهم، وهم أنهوا مدة محاكماتهم منذ 60 يوما، أي أنهم تجاوزوا مدة توقيفهم كل هذه المدة، ولذلك أنا الآن سأوقع بالمصادقة على قرار المحكمة العسكرية بالإفراج عنهم لأنهم تجاوزوا المدة.
    وأذكر بأنه جادلني بالإفراج عن أحد المحكومين بقضية للمخدرات، وقلت له المحكمة العسكرية، هي من حكمت بمدة أربعة أشهر، وهو بقي في السجن خمسة أشهر، وهذا مخالف للقانون.
    لقد كانت غرفة مكتبي في القيادة مليئة بالخزائن، من ثلاث واجهات، وكانت تلك الخزائن متروسة بملفات الأحكام العسكرية على الموقوفين، ولم تكن تحتاج هذه الملفات لأكثر من مصادقة المشاور العدلي، على أحكام المحكمة العسكرية بحق السجناء والموقوفين.
    كنت مساعدا للمشاور العدلي، وطلبت أن آخذ في كل يوم معي إلى البيت عددا من هذه الملفات، لأدرسها وأصادق على الأحكام، التي جاءت فيها، فأجابوني بأن الأمن العسكري يمنع إخراج الوثائق من القيادة العامة.
    فسألتهم عن طريقة للإسراع بدراسة ملفات القضايا، فقيل لي بأنه من الممكن أن يسمح لي الأمن العسكري بالعودة للعمل مساء.
    وفعلا طلبت سيارة عسكرية، لنقلي وأصدرت التصاريح اللازمة لدخولي القيادة بعد انتهاء العمل الرسمي، حيث كنت أغادر للمنزل لتناول طعام الغداء، وأعود للعمل بعد الرابعة في القيادة وأبقى في مكتبي حتى الساعة الـ11 ليلا، وطبعا الأمن العسكري ظل يفتش كل ليلة علي، وأنا في المكتب، مستغربين كيف لعاقل أن يعود للعمل بعد انتهاء ساعاته.
    وبقيت على ذات البرنامج، حتى "نظفت" الخزائن تماما من الملفات، وكم كان من بين تلك الملفات قضايا فيها ظلم وقع على أصحابها، وكم أن تأخير موظف صغير في المصادقة على أحكام المحاكم العسكرية، قد تسبب في ظلم لموقوفين، أنهوا مدة التوقيف، وتم نسيانهم في السجون.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الخميس 26 فبراير 2015, 10:56 pm

الحلقة الرابعة من سياسي يتذكر

بدران يتحدث عن أول أيام تأسيس دائرة المخابرات العامة

مضر بدران ومؤسس المخابرات العامة ومديرها الاسبق محمد رسول الكيلاني وعدد من ضباطها نهاية الستينيات


*بعد تأسيس المخابرات العامة دققنا في فترة رئاسة وصفي التل 70 ألف "إضبارة"... وحرقها رئيس الوزراء بيديه 
*اتبعنا في التحقيق أساليب تتسم بالحرفية العالية والمهنية.. ولم نعتمد الضرب لانه يوصلك لغير الحقيقة
*المباحث العامة أسست وحضّرت لقيام "المخابرات العامة" وكان معنا فريق من الضباط أصحاب الكفاءة
*كسبت قضية امام المحامي المشهور حنا ندة ففكرت بترك الجيش وفتح مكتب محاماة قبل ان اختط طريقي الوظيفي
 *تسلمت موقع مساعد المدير للشؤون الخارجية عند تأسيس المخابرات العامة وصرت مديرها العام 1968  
 
 
محمد خير الرواشدة
عمان- يبدأ رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران اليوم، الحديث عن أول أيام تأسيس دائرة المخابرات العامة، من خلال مكتب التحقيقات السياسية، ودائرة المباحث العامة.
ويستكمل بدران في حلقة اليوم، من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، مشواره المهني، وانتقاله من عمله في القوات المسلحة كمشاور عدلي، إلى قصر العدل كمحامي دفاع عن قضايا القوات المسلحة، قبل أن يبدأ العمل في مكتب التحقيقات السياسية.
ويؤكد بدران ان مكتب التحقيقات السياسية، الذي تطور عمله إلى دائرة المباحث العامة، هو ما أسس من هناك لدائرة المخابرات وصياغة قانونها.
وكان بدران قد تحدث في حلقة أمس، من "سياسي يتذكر"، عن مرحلة دخوله إلى الأمن العام، برتبة ملازم أول، وانتقاله للعمل في الجيش العربي، مشاورا عدليا، بعد ضم الأمن العام مع القوات المسلحة، وأول اشتباك له مع رئيس هيئة الأركان (حينها) صادق الشرع.
كما وصف بدران زيارته الأولى للقدس مع وفد الكشافة المدرسية، في العام 1949، ومشاعر الطلبة التي اختلطت في تلك اللحظات، بعد النكبة الفلسطينية، خصوصا أن الزيارة جاءت بعد أن تأثر سكان محافظة الكرك بالحرب مع إسرائيل، والاعتداء على مخفر غور الصافي، وتشييع جثامين الشهداء.
ويكشف بدران اليوم، بأنه فكر في أن يستقيل من الجيش، ويعمل محاميا، بعد أن اكتسب خبرة قانونية مهمة، في عمله بقصر العدل، محاميا لقضايا القوات المسلحة، وذلك بعد أن استأذن رئيس هيئة الأركان، بان يقوم بالدفاع والترافع عن الجيش العربي، في قضاياه، بحيث يكون المحامي أحد ضباط الجيش. 
بدران فكر جديا بفتح مكتب خاص للمحاماة، بعد أن عرضت عليه شراكات مع محامين مشهورين في مكاتبهم، بعد نجاحه في العمل محاميا في قصر العدل.
ويؤكد بأن ذلك جاء بعد أن كسب قضية مهمة، أمام خصمه المحامي المشهور وقتها حنا نده.
ويعيد التأكيد اليوم، على أن دائرة المباحث العامة أسست المخابرات العامة، وهي من أعدت قانون الدائرة، حيث بدأ يشعر بأن هذا المكتب سيكون له الدور الأهم في التحقيق بمجموعة المؤامرات، التي كانت المملكة تتعرض لها.
ويكشف عن أبرز ملامح عمل دائرة المباحث العامة، في التحقيق مع شخصيات سياسية وعسكرية، خططت لتنفيذ محاولات انقلاب عسكري، واغتيال الملك الحسين بن طلال، رحمه الله.
ويستكمل حديثه اليوم عن تأسيس دائرة المخابرات العامة، بعد أن قام فريق المحققين بتدقيق الملفات، وحرقها بعد استدعاء رئيس الوزراء الشهيد وصفي التل، ليقوم بحرقها بنفسه.
ويشير بدران إلى أنه تسلم موقع مساعد المدير للشؤون الخارجية، مع تأسيس المخابرات العامة، التي كانت تشمل ملفات مراكز الحدود والمطارات والأجانب المقيمين في المملكة، فيما كان مساعد المدير للشؤون الداخلية أديب طهبوب، وكان الاثنان برتبة مقدم.
كما يشير إلى تسلمه إدارة جهاز المخابرات العامة العام 1968، حيث كان يحمل رتبة زعيم (عميد).
وفي سياق متصل، يؤكد مدير المخابرات الاسبق، بأن أسلوب التحقيق المتبع وقتها في الدائرة، كان اسلوبا مهنيا فنيا، ويشير هذا الأسلوب، حسب بدران، إلى أن الضرب لا يستخدم للوصول إلى الحقيقة، فهو يوصلك كمحقق إلى غير الحقيقة، وكانت هذه النظرية ثابتة ومن أساسيات العمل.
ويؤكد، على هذا الصعيد، بأن دائرة المخابرات كانت تحقق مع شخصيات سياسية، لها احترامها العلمي والسياسي والاجتماعي، وهو ما يجعل فكرة الإساءة لشخصيات لها احترامها الاجتماعي، امرا مستبعدا.
ويوضح بأن السنوات الأولى لتأسيس الجهاز، أخذت وقتا، في تطوير عمل دائرة المخابرات، من حيث قدرتنا على زراعة وخلق مصادر المعلومات في الدول، التي يهمنا أمرها، ونخشى على انفسنا منها، مثل سورية ومصر ولبنان في ذلك الوقت.

وفيما يلي نص الحلقة الرابعة:
*كنا بدأنا الحديث عن أولى مهامك في الجيش العربي، وكنت مشاورا عدليا، هل بقيت في هذه المهمة، حتى انتقلت إلى مكتب التحقيقات السياسية؟
-لا؛ في العام 1962 استأذنت من رئيس هيئة الأركان، لأذهب محاميا عن قضايا القوات المسلحة في قصر العدل، وذلك بدلا عن النائب العام، واقترحت أن يدافع الجيش العربي عن قضاياه ويكون المحامي عنه أحد ضباط الجيش، فوافق، فقد كانت كل القضايا الكبيرة في الأردن هي قضايا للقوات المسلحة، لأن الجيش كان هو المعني بكل شؤون البلد، حتى التنموية منها.
فوافق رئيس هيئة الأركان وتم تعديل القانون ليسمح للنائب العام بانتداب أحد الضباط الحقوقيين للدفاع والمرافعة عن القضايا المدنية التي تخص القوات المسلحة.
وفعلا انتدبت إلى قصر العدل، وتم تخصيص مكتب لي، وكنت أذهب لعملي هناك باللباس العسكري، وكنت أحمل وقتها رتبة رئيس، أي ما تعادل رتبة النقيب في هذه الأيام، وأخذت معي من القوات المسلحة كادرا للمكتب، كان يشتمل على طابع ومراسل عسكري، وبدأت بالعمل فعلا.
وأذكر بأن وزير العدلية في تلك الأيام، اسمه حنا خلف وكان من رام الله، وفي أول زيارة له لقصر العدل، بعد أن تم تخصيص مكتب لي، زارني من دون أي ترتيب مسبق، وفوجئ بتنظيم الملفات وترتيب العمل، فذهب إلى رئيس قصر العدل، وكان رئيس محكمة الاستئناف حسن الكايد، وطلب منه أن يتبع ذات اسلوب التنظيم في مكتبي الصغير، وصار في كل زيارة له إلى قصر العدل يأتي ويشرب القهوة عندي، ثم يذهب لمتابعة عمله، طبعا أثار ذلك الموقف حساسية مَن في قصر العدل ضدي، لكني لم أعط الموضوع أي وزن أو اهتمام.
وهناك اكتسبت خبرة قانونية مهمة، لأني وضعت حدا لكل الوقت المهدور في جلسات القضايا الكبيرة، التي كانت تعاني من مشكلة التأجيل والتباطؤ في إصدار الأحكام، وبالفعل لم أخسر أيا من تلك القضايا، التي دافعت فيها عن موقف القوات المسلحة القانوني.
في تلك التجربة تبادر إلى ذهني أن أزيد من خبرتي كمحام، ثم فكرت أن أقدم استقالتي من الجيش، وأفتح مكتبا خاصا وأعمل في المحاماة، وقد عُرضت عليّ وأنا في عملي شراكات مع محامين مشهورين في مكاتبهم، لكني رفضت.
وفعلا، كان هذا بعد أن ترافعت عن قضية مهمة، وكان خصمي فيها المحامي المشهور وقتها حنا نده، وقد استغللت ورقة في القضية، لم ينتبه لها أحد غيري، وعندما أبرزتها في الجلسة أصدرت هيئة المحكمة حكما لصالحي فورا.
وما كانت الفكرة لتختمر في عقلي، بعد عام من انتدابي، حتى صدرت أوامر ملكية بانتقالي إلى مكتب التحقيقات السياسية.
وهناك دخلت في مجال عمل مختلف وجديد.

*وهل مكتب التحقيقات السياسية هو من أسس دائرة المخابرات العامة؟
-لا؛ من أسس المخابرات العامة هي دائرة المباحث العامة، وهي من أعدت قانون الدائرة، صحيح أننا كنا كمجموعة ضباط، متواجدين في المواقع الثلاثة، وكان المسؤول عنا محمد رسول الكيلاني، لكن لكل موقع اختصاصاته.
فقد كنا مع الكيلاني، أنا وهاني طبارة وأديب طهبوب وأحمد عبيدات وطارق علاء الدين.
ومن هناك، بدأنا نشعر بأن هذا المكتب سيكون له الدور الأهم في التحقيق بمجموعة المؤامرات، التي كنا نتعرض لها في الأردن، فقد كان النظام هدفا للاغتيال في أكثر من حادثة وموقف.
وكان أغلب عملنا الذي نقوم به هو التحقيق مع شخصيات سياسية وعسكرية، خططت لتنفيذ محاولات انقلاب عسكري واغتيال الملك الحسين رحمه الله.
كان رئيس فريق التحقيق دائما هو محمد رسول الكيلاني، وقليلا جدا ما كنت أحضر التحقيقات.
في تلك المرحلة، عادة ما يختار ابو رسول (الكيلاني) أديب طهبوب وأحمد عبيدات لمرافقته في التحقيق مع تلك الشخصيات، وأحيانا كان يأخذ معه جميع فريق المكتب، أما مكان التحقيق فهو السجون، التي يوقف بها المتهمون على خلفية التهم الموجهة لهم.
كان التحقيق في تلك القضايا عادة ما يكون ليليا، وليس في ساعات النهار، ولا أذكر بأننا عملنا على ملفات كثيرة، فبالكاد عملنا على اربع قضايا مهمة فقط.
لم نمكث طويلا في عملنا في مكتب التحقيقات السياسية، فبعد عام تقريبا، انتقلنا لدائرة المباحث العامة، التي أسست فعلا، وحضّرت لتأسيس دائرة المخابرات العامة، وكان معنا ذات الفريق من الضباط أصحاب الكفاءة العالية الذين أسميتهم لك.
وفي عام 1965 أنشئت دائرة المخابرات العامة بقانون، وقبل حرب العام 1967 ذهبت أنا وثلاثة ضباط إلى لندن، وكنا في دورة مخابرات، وهم الزملاء هاني طبارة ورجائي الدجاني وطارق علاءالدين.
في تلك الأيام، وبعد تأسيس دائرة المخابرات العامة، كان رئيس الوزراء وصفي التل، وكانت دائرة المباحث العامة، تعج بالملفات، المليئة بالتقارير التي عادة ما كان يكتبها (المخبر صادق)، واستطعنا بمدة زمنية تدقيق تلك الملفات، وتنظيف نحو 70 ألف (إضبارة)، من تلك الملفات، ودعونا وصفي رحمه الله لحرقها، وكان حدثا مهما في ذلك الوقت.
من هناك بدأ العمل المتعب، فقد كانت جهودنا موزعة على نوعين من العمل، الأول التأسيس لدائرة المخابرات وجهازها الأمني، والثاني كان مشقة العمل اليومي ومتابعة أبرز القضايا الخطرة على أمن البلاد واستقرار النظام السياسي.
مع تأسيس المخابرات العامة، تسلمت موقع مساعد المدير للشؤون الخارجية، التي كانت تشمل ملفات مراكز الحدود والمطارات والأجانب المقيمين في المملكة، وكان مساعد المدير للشؤون الداخلية أديب طهبوب، وكنا برتبة مقدم.
وعندما تسلمت العام 1968 منصب مدير المخابرات، كنت أحمل رتبة زعيم (عميد).
قبل ذلك كانت القضايا التي نتعامل معها كلها تتعلق بأمن الملك، والمؤامرات الكبرى، التي تتعرض لها المملكة، وكان موسم عملنا دائما ما يكون في الأعياد، عندما تنشط محاولات اغتيال الراحل الحسين، خلال صلاة العيد، أو عند مصافحته للناس.
طبعا كنا نعرف بأن بعض تلك المحاولات ليس جادا، لكننا لا نستطيع أن نترك الأمر دون التحقق، والتأكد من تلك المحاولات، لأن العمل لا يحتمل أي فتور أو تسيب.
في احدى السنوات، وكنا قبل عيد الفطر بيوم أو اثنين، بدأنا التحقيق مع شخص كان يخطط لمحاولة اغتيال الملك، بقنبلة يدوية، وبدأنا التحقيق معه بالليل، واستمر التحقيق حتى أذان الفجر، فتوقفنا عن التدخين وشرب القهوة، لأن اليوم التالي كان آخر أيام شهر رمضان، واستمر التحقيق معه حتى عصر اليوم التالي. 
وبعد القبض على كل الأشخاص المتعاونين معه، وجئنا بهم لدائرة المخابرات العامة، معصوبي الأعين، تعرفت على احدهم، وابلغت ابو رسول بالأمر، فالرجل استاذي في مدرسة جرش، وكان اسمه فؤاد الحمارنة، وهو ينتمي للحزب الشيوعي، وكان استاذا حيويا مع الطلاب، وكان قريبا منا جميعا، وفعلا تعلقنا به لتواضعه وسعة علمه.
طلب مني ابو رسول ان احقق معه، وأخذته فورا وهدأت من روعه، واستكملت التحقيق معه، وطلبت منه أن يغادر إلى منزله، لأن التحقيق لم يأت بأي دليل يدينه أو يجرمه.بعد أن استمر التحقيق لساعات ما قبل فجر أول أيام العيد، اعترف الرجل، صاحب القنبلة، بأنها قنبلة كان يستخدمها لغايات ثقل كفة الميزان، كوزن لا أكثر، وأنه اعترف فقط ليأخذ بعض المال كمكافأة.

*هل كنتم في دائرة المخابرات العامة تتبعون اسلوب التعذيب في التحقيقات الأمنية؟
-بالنسبة لي، لا أذكر بأننا استخدمنا مثل هذا الأسلوب في التحقيقات الخاصة بنا.
لأن الأسلوب الذي كنا نتبعه هو اسلوب مهني فني، وكان يؤكد اسلوبنا بأن الضرب لا يستخدم للوصول إلى الحقيقة، فهو يوصلك كمحقق إلى غير الحقيقة، وكانت هذه النظرية ثابتة عندنا في أساسيات عملنا.
اساليب التعذيب، التي كنا نسمع عنها، ونحن في مكتب التحقيقات السياسية أو المباحث العامة، كانت كلها تتمثل في طلبات غريبة مثل (اقطعوا عنه الصابون أو اقطعوا الكهرباء) لا اكثر.
فكنا لا نضرب لكي لا نصل إلى حقيقة مضللة، لأن التعذيب والضرب قد يأتيان لك باعتراف غير المذنب بذنب لا اتصال له به، وبالنسبة لنا كان هذا يعني بأن المشتبه بهم يسرحون بالخارج، ويخططون لمؤامراتهم التخريبية بينما نحن نحقق مع الشخص الخطأ.
لكن لكي أكون دقيقا، فقد يكون هناك ضباط، من رتب أقل من رتبنا، استخدموا اسلوب الضرب مع متهمين، لكن ذلك كان بالنسبة لنا ممنوعا تماما.
وقلت لك، بأن وفاة أحد الشيوعيين تحت التعذيب، عندما كنا في دائرة المباحث العامة، هو حدث اضطر رئيس الوزراء في وقتها سمير الرفاعي لرفع الأحكام العرفية، بسبب تلك الحادثة.
كما أننا في دائرة المباحث العامة أو دائرة المخابرات العامة كنا نحقق مع شخصيات سياسية لها احترامها العلمي والسياسي والاجتماعي، وما كنا نقبل على انفسنا أن نتبع مثل هذا الأسلوب، مع شخصيات لها احترامها الاجتماعي.
ثم إنك قد تضرب سارقا مثلا، والدليل المادي على سرقته موجود لديك، وأنت تريد بعد ضبطه متلبسا أن يعترف بجريمته، لكن، قل لي كيف تريد أن تعذب سجين رأي، ليعترف برأيه الذي نعرفه نحن عنه أصلا!!.
التطوير في عمل دائرة المخابرات العامة كان له أشكال مختلفة ومهمة، أبرزها كان قدرتنا على زراعة وخلق مصادر المعلومات في الدول، التي يهمنا أمرها، ونخشى على انفسنا منها، مثل سورية ومصر ولبنان في ذلك الوقت.
كما أننا بدأنا ننظم عمل تدفق المعلومات من المصادر، وكشفنا كيف كان بعض السفراء يتعرضون لعمليات ابتزاز من قبل البعض، عندما كانت تأتيهم المعلومات عن محاولات اغتيال مفترضة، ويدفعون مقابل تلك المعلومات.
ونبهنا الجميع إلى أن أي معلومات لها اتصال بأمن الملك والمملكة، يجب أن تكون من خلالنا وليس من خلال الديوان الملكي.
ولهذه الخبرة قصة سأرويها لك، عندما نتحدث عن ليث شبيلات وتهمته السياسية مع يعقوب قرش في العام 1993.
وسأتحدث إليك عن قصة مهمة، وهي نتيجة لم أكن لأتوصل لها لولا خدمتي في دائرة المخابرات العامة، واكتسابي لأهم الخبرات الأمنية فيها.

*لكن ومن باب المسؤولية التاريخية في موقفك، أريد من تكرار السؤال التحقق من موقفك ومن معلوماتك، أنت تنفي أن تكون دائرة المخابرات العامة مكانا للتعذيب وسحب الاعترافات بالإكراه؟
-في ذلك الزمن، السوريون هم المشهورون بالضرب في سجون المخابرات، ولسنا أصحاب هذه النظرية، وقلت لك، لا يوجد معلومة حقيقية يمكن أن تحصل عليها من خلال إجبار المتهم على الاعتراف تحت التعذيب أو الإكراه، بل على العكس أنت تخطئ إن كنت من أصحاب هذا الأسلوب في التحري عن المعلومات والتحقيق في القضايا، لأن اعتراف غير المذنب سيجعل المذنب حرا طليقا ينفذ مخططاته في التخريب.
لكن أنا بصدق، لا أعلم إن كان هناك أحد الضباط قام بضرب شخص يحقق معه، ولو كنا نعلم بذلك لكنا أخذنا اجراءات عقابية بحق أي ضابط يخالف النظريات، التي كنا نعمل من خلالها، ودربنا عليها أجيالا من قيادات الجهاز ودائرة المخابرات العامة.
أنتم لا تعلمون كم استنزف منا تأسيس دائرة المخابرات العامة من وقت وجهد وعناء، نحن حرصنا أن نؤسس لجهاز فني ومهني، ولم نكن نريد أن نؤسس دائرة للتعذيب والسجن والإساءة للناس.
ثم إننا كنا نتعامل مع معارضة واضحة، البعثيين والشيوعيين، مواقفهم من النظام كانت معلنة، وكنا نعرف جيدا بأنهم لن يكونوا لصفنا في تلك الأيام، وهم أيضا شخصيات وطنية لها حضورها الاجتماعي، فكيف نسمح لأنفسنا أن نسيء لأشخاص واضحين، هو معارض أمامنا ومن خلفنا، وهم لا يزعمون بأنهم موالاة وأنصار النظام عندما كنا نعتقلهم، ثم يعودون لينقلبوا بعد الإفراج عنهم أو انتهاء التحقيق معهم.
لذلك أرجو أن تكون الأمور واضحة؛ نحن تعاملنا مع رجال وطنيين، لهم احترامهم ومكانتهم، نقر كما يقرون باختلافنا معهم، لكننا كنا نحترمهم، ولا نزدريهم ولا نطردهم من الوطن أو ننفيهم أو نعذبهم أو ننتقم منهم على إشهار مواقفهم.
أرجو أن يعي الجميع، بأننا أسننا دائرة مخابرات، وعملها الأساسي الحفاظ على الأمن الوطني، وليس إرهاب المواطنين.
صحيح كنا نعيش أقسى الظروف التي مرت على وطننا، وكنا نتعرض لخطر من جميع الجهات، لكننا لم نكن مؤمنين بأن ترهيب المواطنين هو الأسلوب المهني في التوصل للمعلومات، في الجهاز آمنا بأن البنية التحتية لدائرة المخابرات لن تنهض إلا عبر شبكة مصادر معلومات، وضمان تدفق المعلومات من أماكن الخطر الذي يهددنا.
وسأشرح لك موقفنا كجهاز مخابرات، وطبيعة عملنا، عندما نأتي على سيرة حافظ الأسد، وهناك  موقف قد يساعد على توضيح آلية عملنا في ذلك الوقت.
لا تتخيل بأن عقيدة دائرة المخابرات استندت يوما الى الضرب أو التعذيب، لأن عملنا كان أكثر تعقيدا من ذلك، والطرق التي اتبعناها في التحقيق لا يمكن لك أن تتخيل حجم الحرفية العالية والمهنية فيها، خصوصا في الفترات، التي تلت مرحلة التأسيس الاولى في نهاية الستينيات من القرن الماضي.
وفي ذات السياق أذكر جيدا بأنه، بعد تخطيط سرايا الدفاع السورية لاغتيالي، العام 1982، عندما كنت رئيسا للوزراء، وضبط كل من شارك في التخطيط للعملية، وسمعت عن ضرب أحد الضباط المهمين لأحد المتهمين، فناديته وطلبت منه أن لا يعيد مثل هذه الممارسات، ورد بانفعال، إنه ضرب من حاول اغتيال رئيس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية، وأعدت عليه التأكيد، بأن يلتزم اسلوبنا في التحقيق ولا يتجاوز في ذلك.
بدران في "الحلقة الخامسة" غدا
- لم يكن في المخابرات قسم للإخوان المسلمين.. واستحدث فقط بعد شكاوى حافظ الأسد ضدهم 
- لم نستخدم الإسلاميين يوما ضد أي حزب شيوعي أو بعثي أو يساري.. لكن خلافات هذه التيارات موجودة
- زرعنا مصادر معلومات لنا داخل دائرة المخابرات السورية 
- رصدنا بكاميراتنا حركة الجيش الإسرائيلي تجاه حدود الجولان وسيناء.. وحذرنا البلدين من هجوم مباغت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الخميس 26 فبراير 2015, 10:58 pm

الحلقة الخامسة من سياسي يتذكر

بدران: الأردن أبعد قيادة "الإخوان" السوريين العام 1979




  • الراحل الملك الحسين بن طلال وحديث باحدى المناسبات مع مضر بدران بحضور الامير زيد بن شاكر


  • محمد خير الرواشدة
    عمان- يواصل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، روايته لأحداث ومراحل في تاريخ الأردن السياسي، ويستكمل في حلقة اليوم من حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، روايته لمحطات في عمله مديرا للمخابرات.
    ويشرح في حلقة اليوم كيف تسلم إدارة الجهاز، بعد محمد رسول الكيلاني، عندما كانت الضفة الغربية محتلة، والمنظمات الفدائية بدأت بالعمل انطلاقا من الأردن.
    ويضيف ابو عماد، في روايته لصعوبة تلك المرحلة، بالقول: كان يزيد من حدة أوضاعنا الأمنية الصعبة، بأنه كان بيننا وبين سورية ما صنع الحداد، وكانت سيارة سورية قادمة من سورية، قد تفجرت في الرمثا، وكان ذلك قبل احتلال الجولان.
    ويكشف بدران عن تكليفه من قبل رئيس الوزراء المرحوم بهجت التلهوني بزيارة دمشق، والسعي الجاد لترطيب العلاقات مع الجانب السوري.
    ويؤكد بدران بعدها قيامه والضابطين طارق علاء الدين وهاني طبارة، بزيارة مدير المخابرات السورية، الذي عرف بالقسوة والفظاظة، العقيد عبد الكريم الجندي.
    ويروي بدران في حلقة اليوم اختباره لجدية الجندي في تحسين العلاقات مع الأردن، حيث أخفى عنه قصة جوازات السفر الأردنية، وكشف الأردن لها ولمستخدميها.
    ويؤكد مدير المخابرات الأسبق بدران، بأنه أخفى القصة على الجندي، ليعرف إن كان صادقا في تصفية الخلافات أم أنه سيظل على مراوغته.
    وبعد مدة من الزمن، لم يقم الجندي بإعادة جوازات السفر، فما كان من بدران إلا أن أرسل مدير العمليات طارق علاء الدين، بعد تحميله لرسالة، تقضي بمعرفتنا عن أمر الجوازات، ومكان احتفاظ السوريين بها.
    ويضيف بدران؛ بالفعل، غادر علاء الدين، والتقى الجندي، وسأله عن ضرورة استعادة جوازات السفر الأردنية المزورة لصالح شخصيات سورية، فنفى الأمر، وأنكر حصول ذلك، فرد عليه طارق بأن يفتح الدرج على يمينه، وسيجد جوازات السفر بمغلف ورق.
    ويبدأ بدران اليوم بتناول بعض الحيثيات، خلال عمل دائرة المخابرات ضد الإسرائيليين، وزرع المصادر، وتطوير بعض مجالات العمل الاستخباراتي، وهو ما استفاد منه السوريون، ولم يتعامل معه المصريون، فكان اعتداء الإسرائيليين سهلا على سيناء في تلك المرحلة.
    ويشرح بدران كيف أن دائرة المخابرات العامة وزعت أعمالها على أقسام وفروع، كقسم حزب البعث وقسم الشيوعيين، وقسم المنظمات والفصائل، ولم يكن هناك قسم لجماعة الإخوان المسلمين، "لأنه ليس من أهدافهم الانقلاب على النظام".
    ويوضح بدران أن قسم الإخوان المسلمين تم استحداثه في المخابرات بعد شكاوى الرئيس السوري السابق حافظ الأسد ضدهم، ويزيد بأن الأردن والجمهورية العربية السورية كانا على بعد قريب جدا من إعلان الوحدة، وبموجب اتفاقية الدفاع المشترك التزمت المملكة بالتقصي والتحري عن مخاوف الرئيس الأسد. 
    ويؤكد بدران أنه وبعد أن صارت حركة المسافرين بين الحدودين مع سورية على الهوية، وتم إلغاء العمل بجواز السفر بيننا، أخبر الاسد بأن الإخوان (السوريين) يتسللون للأردن عبر هويات مزورة، وبعد التحقق من الأمر، اكتشف الأمر، وكان الخطأ يتحمله مركز إصدار الهويات على الحدود. ويزيد بأن الحكومة الأردنية طلبت إلغاء السفر بالهويات المدنية، والعودة لجوازات السفر، فرفض الأسد، وقال: هذا حق للشعبين السوري والأردني ولن ألغيه.

    وفيما يلي نص الحلقة الخامسة:
    * كيف كنتم تنظرون لجماعة الاخوان المسلمين، هل كانوا حلفاء للنظام، وهل استخدمتموهم في المواجهة مع الشيوعيين واليساريين؟
    - لقد كنا في دائرة المخابرات، نوزع العمل لأقسام وفروع، كقسم حزب البعث وقسم الشيوعيين، وقسم المنظمات والفصائل، لم يكن عندنا قسم لجماعة الإخوان المسلمين، لأنه ليس من أهدافهم الإنقلاب على النظام.
    القسم لم يتم استحداثه إلا بعد شكاوى حافظ الأسد منهم، وقد كنا نحن والجمهورية العربية السورية على بعد قريب جدا من إعلان الوحدة. ولأن اتفاقية الدفاع المشترك وقتها كانت تجبرني على حماية الأمن السوري، فقد التزمت بالتقصي والتحري عن مخاوف الرئيس الأسد. الإخوان المسلمون كانوا نشطين في سورية، ولهم نشاط سياسي أقلق الرئيس الأسد، ولما اشتكى منهم، طلبت منه وقتا حتى أتأكد من المعلومات، التي في حوزته، لأني كنت قد نبهت إخوان الأردن فعلا، الى خطورة العبث بالأمن الداخلي السوري، وهذا مبدأ عندي في عملي السياسي، فأنا لا أتدخل بالشؤون الداخلية لدول الجوار، كما أمنعها أيضا من ممارسة ذات الأمر.
    ولما جرى توقيع الاتفاقية بيننا وبين السوريين، وصارت حركة المسافرين بين الحدودين على الهوية، وتم إلغاء العمل بجواز السفر بيننا، قال لي الاسد بأن الإخوان (السوريين) يتسللون للأردن عبر هويات مزورة، دققنا في الأمر، وإذ الهويات المزورة أمر صحيح، والخطأ يتحمله مركز إصدار الهويات على الحدود، فقلت له: إذا أنت لم تستطع امساك الإخوان المسلمين الخارجين على القانون في دمشق، فكيف سأمسكهم أنا في عمان أو الزرقاء أو العقبة مثلا!.
    فطلبت منه إلغاء السفر بالهويات المدنية، والعودة لجوازات السفر، فرفض الأسد، وقال: هذا حق للشعبين السوري والأردني ولن ألغيه.
    في العام 1979، وبعد وفاة رئيس الوزراء 
    عبد الحميد شرف، وتكليفي بتشكيل الحكومة بعده، وكانت قيادات الإخوان المسلمين السوريين في الأردن قد غادرت، قال لي الراحل الحسين بأنه أبعدهم من الأردن، وهكذا، لن تواجه أي مشكلة مع السوريين، فسألته إن كان السوريون على علم بالأمر، فقال: لا. لكن قرار الحسين، زمن حكومة شرف، استند لمعلومات مخابراتية، عن اجتماع قيادات اخوانية في منزل بالزرقاء، وتخطيطهم للعمل ضد سورية من عمان، وهو ما سآتي على شرحه لاحقا.

    *إذا، ماذا تقول عن جماعة الإخوان؟
    -نحن لم نستخدم الإسلاميين يوما ضد أي حزب شيوعي أو بعثي أو يساري، لكن قد يكون بين تلك الأحزاب، اختلافات جذرية في الأهداف والعقيدة والبرامج، وهو السبب الرئيس في تناحرهم، سواء على السلطة أو في المظاهرات في الشارع.
    الإخوان المسلمون في الأردن لم يكونوا أقوياء في الستينيات من القرن الماضي، وما قبله، ولم يكن لهم حضور لافت في مجلس النواب أو الحياة السياسية، لكن بعد احتلال الضفة الغربية العام 1967، أخذتهم قضية الجهاد، وكانت هي سبيل فرض وجودهم أمام المد الفتحاوي والقومي وقتها، لكنهم لم يملكوا يوما قيادة عسكرية في الأردن.
    وهنا، لابد من التأكيد على أن الإخوان المسلمين في الأردن، لم يكونوا عدائيين للنظام، وأنا من معرفتي السابقة بهم، لم أكن اخشى منهم على النظام، فهم ليسوا دمويين أو ارهابيين، بل يملكون قيادات وطنية.

    *بالعودة لسنوات تأسيس المخابرات، فقد استلمت إدارة المخابرات العام 1968، وكنت ثاني مدير للدائرة، بعد محمد رسول الكيلاني، وكانت حركة الفصائل الفلسطينية المسلحة نشطة في عمان، وكان هناك عدد من العمليات التي ينفذونها داخل الضفة الغربية بتنسيق معكم؟
    - فعلا؛ لما تسلمت إدارة الجهاز بعد الكيلاني، كانت الضفة الغربية محتلة، والمنظمات الفدائية بدأت بالعمل انطلاقا من أرضنا، وكان هدفي في ذلك الوقت، بأن يكون أمامنا عدو واحد، وهو اسرائيل واحتلالها لأرض كانت تحت السيادة الأردنية.
    وكان يزيد من حدة أوضاعنا الأمنية الصعبة، بأنه كان بيننا وبين سورية ما صنع الحداد، وكانت سيارة سورية قادمة من سورية، قد فجرت في الرمثا، وكان ذلك قبل احتلال الجولان.
    في تلك الأيام، ومع تسلمي إدارة المخابرات، كان رئيس الوزراء بهجت التلهوني، وطلب مني زيارة سورية ومحاولة ترطيب الأجواء.
    كان مدير المخابرات السورية رجل مشهور، اسمه العقيد عبد الكريم الجندي، ذهبت لزيارته ومعي طارق علاء الدين وهاني طبارة، قابلناه، وكان رجلا عرفت عنه القسوة والشدة، ووصف بأنه رجل دموي.
    جلسنا معه لأكثر من ساعتين، وشرحت له موقفنا السياسي والأمني، بعد احتلال اسرائيل للضفة الغربية والجولان، وأن الأردن والملك الحسين يخططان للمستقبل، وأن علينا التوقف عن المناوشات السياسية، وموجات الاستعداء بين الأردن ومصر وسورية، وعلينا أن نوحد جبهاتنا أمام عدو واحد ومشترك وهو اسرائيل، لكن وقبل أن نقوم بذلك، علينا تسوية جميع الخلافات، حتى نصل لهدفنا في مواجهة اسرائيل، وتكون "ظهورنا" محمية من بعضنا أولا.
    وبسرعة قاطعني الجندي، وقال: لكن الشريف ناصر بن جميل، ما يزال يتآمر علينا نحن السوريين، وهو مدعوم برغبة الملك الحسين.
    فأبلغته بأن هذه المسألة تم حسمها، ولن يكون هناك أي شيء من طرف الشريف ضد سورية.
    وهنا، لا بد من ذكر القصة، التي أردت فيها أن أتأكد من مصداقية مدير المخابرات السورية معي، فقد كنا نطبع جوازات السفر، في احدى المطابع التجارية، وتم تهريب نحو 150 جواز سفر للسوريين، ومباشرة رصدنا أرقام تلك الجوازات، وكنا سعداء بالأمر، حتى يسهل علينا ضبط أي سوري من عملائهم دخل الأردن بجواز سفر مزور.
    وبالفعل، ضبطنا عددا منهم، وإذ بالسوريين يستخدمون تلك الجوازات لضمان سفر بعض الشخصيات السورية، الممنوعة من السفر إلى الخارج، ويزورون لهم الجوازات السورية ويستبدلونها بجوازات سفر أردنية.
    تلك القصة أخفيتها عن الجندي، لأعرف إن كان صادقا معي، في تصفية الخلافات أم أنه سيظل يراوغ، ويتملص من الاتفاقات، التي بنيتها معه، بمنتهى الجدية والصدق.
    بعد مدة من الزمن، انتظرت خلالها أن يعيد لي جوازات السفر المتبقية عنده، لكنه لم يفعل، وكان مدير تلك العملية، من جهتنا، طارق علاء الدين، وهو ضابط ألمعي يجيد التعامل مع المصادر بذكاء وحرفية. اتصلت بالجندي، وقلت له بأن طارق علاء الدين، سيزوره حاملا رسالة مني، وقلت لطارق  بأن يكشف له عن معرفتنا بمكان جوازات السفر إن أنكر الأمر.
    بالفعل، غادر علاء الدين، والتقى الجندي، وسأله عن ضرورة استعادة جوازات السفر الأردنية المزورة لصالح شخصيات سورية، فنفى الأمر، وأنكر حصول ذلك. فرد عليه طارق بأن يفتح الدرج على يمينه، وسيجد جوازات السفر بمغلف ورق.
    بحسب ما وصف لي طارق علاء الدين، فإن الجندي صدم، وتفاجأ من الأمر، وقال: العمى يخرب بيت قلبكم، عارفين هيك قصة ومكانها، عارفين مكتبي شو فيه!.
    كان هذا اختبارا لصدق النوايا بيننا، وكان مدير تلك العملية طارق علاء الدين مبدعا في تنفيذها. كان كل قصدي من الأمر، أن نتفرغ فعلا لمواجهة اسرائيل بجبهة عربية موحدة.
    بدأنا العمل على الملف الاسرائيلي، وكان مسؤول الملف نذير رشيد، وكان معه عصام صدقي الجندي. وكان الجندي ضابطا متميزا في الاستخبارات العسكرية، في قسم العمليات، وكان ذكيا جدا، وتم نقله لدائرة المخابرات للعمل على الملف الإسرائيلي.
    لقد خرجنا من حرب العام 1967 محبطين، وانفسنا محطمة، ولم يتبق لنا بعد الحرب أي دعم معنوي لمواجهة الناس.
    بدأنا العمل من تلك اللحظة، وكان العمل شاقا، لكن كان معنا رجال مؤمنون بالواجبات المطلوبة منهم، ومن هناك بدأنا مرحلة، أقل ما يمكن وصفها بأنها مرحلة شاقة ومتعبة.
    *كيف بدأتم إذا رصد الإسرائيليين، وكيف تعاملتم مع العدو الجديد، خصوصا وأنكم محبطون، وامكانياتكم تكاد تكون معدومة؟
    -لقد زادت روح التحدي عندنا، فعدونا لنا عنده ثأر، لا بل لنا عنده أرض، ونريد استرجاعها واسترجاع كرامتنا، هذه الروح التي كنا نعمل بها.
    بدأنا في تلك الفترة، بتبديد كل الإشاعات، التي كان يطلقها العدو الإسرائيلي، وهي إشاعات كانت تزيد من حدة الحرب النفسية، التي أبدع الاسرائيليون بإدارتها.
    بدأنا بتفنيد الأوهام حول قنبلة "النابالم" وهي القنبلة التي كان الناس يظنون بأنها تحرق لدرجة ذوبان اللحم والعظم.
    ففككنا القنبلة، وإذ بمكوناتها بسيطة، وشرحنا ذلك للجميع، واستطعنا أن نأتي بواقيات ضدها تطفئ نارها متى ما لجأت للتراب.
    ثم صدمنا الإسرائيليون بأنهم كانوا يترصدون مكالمات الراحلين الملك الحسين وعبد الناصر، ويبثونها عبر أثير الإذاعة الإسرائيلية، ولقد رصدت ذلك، وسمعت هذه المكالمات فعلا، على اثير اذاعة اسرائيل. ومباشرة، جئنا بهواتف ذكية، يصعب رصدها وتتبعها، ولا يمكن تسجيل الصوت من خلالها، وكانت تكنولوجيا جديدة، استخدمناها في المنطقة العربية. بعدها، جئنا بأول جهاز حاسوب في المملكة، وكان مكانه في دائرة المخابرات العامة، واستطعنا تدريب العاملين عليه، وكانت تكنولوجيا مثلت نقلة نوعية في عملنا وتنظيم ملفاتنا.
    وبقينا نتابع كل جديد في عالم التكنولوجيا الغربية، حتى استطعنا إرسال أحد الضباط لشراء كاميرا من اليابان، وكانت كاميرا بمواصفات عالية الجودة، وتعمل عن طريق أفلام (الإنفراريد)، التي كانت ممنوعة من الشراء وقتها، وكانت كاميرا ضخمة من حيث الحجم، لكنها قدمت خدمات مهمة للجهاز، واعتقد بأنها ما تزال من مقتنيات دائرة المخابرات. كما أسسنا قسم الشؤون الاسرائيلية، والذي قام لاحقا بأعمال نوعية ساعدتنا على استنباط المعلومات وتحليلها.

    *هذه الكاميرا كان لها فضل كبير في كشف حركة الجيش الإسرائيلي على الحدود مع مصر وسورية؟
    -فعلا، كان لهذه الكاميرا فضل كبير في المعلومات الاستخباراتية، فبعد أن قمنا بتدريب أحد المصورين المحترفين عليها، وكان فعلا يعشق مهنة التصوير، لدرجة أنه عاش مع الكاميرا وظل يجوب فيها الحدود من أقصى الشمال لأقصى الجنوب.
    وكان في دائرة المخابرات فريق من الضباط المصريين، كنا نتعاون في مجال تبادل المعلومات، وسرعة إرسالها للجانب المصري.
    في أحد الأيام، جاء لنا المصور بمجموعة من الصور، التقطها لميناء إيلات، وكان الميناء فارغا تماما، ثم بعث لنا بمجموعة جديدة، وإذ بالميناء ترسو فيه بواخر كبيرة؛ وكما أذكر كان عددها ثلاثا، وصعقنا من الأمر، فكيف وصلت البواخر وخليج العقبة وخليج قناة السويس مغلقان.وبدأنا تحليل الصور، وبدأ المصور يبعث لنا بمجموعات جديدة من الصور، ووصلنا لنتيجة أن البواخر صنعت في اسرائيل، في منطقة أسدود، وتم وضعها على سكة لضمان سهولة حركتها، باتجاه ميناء إيلات.
    وبدأنا نقيس بالعمارات المبنية حول الميناء، وحجم النوافذ، وتعرفنا على أن البواخر صممت كحاملات دبابات، وأن لها مهمة محددة، وبدأنا نقرع أجراس الإنذار، إذ أن اسرائيل تدبر وتخطط لأمر ما.
    أعطينا المعلومات كاملة للفريق المصري الموجود في عمان، وبعثنا بهم إلى مصر بسرعة، وكان ذلك في العام 1968، وفوجئنا بأن إسرائيل، بعد يومين من إرسال الفريق المصري إلى مصر، دخلت سيناء واستولت على الرادار الموجود في سيناء، وعادت لميناء إيلات.
    حتى إن باخرة هنغارية، صادفت البواخر الإسرائيلية، وبعثوا لهم بإشارات التحية والسلام، فدرست الحكومة الإسرائيلية، فكرة حجز تلك الباخرة وطاقمها، حتى لا ينكشف أمر العملية الإسرائيلية، التي كانت اسرائيل تعتقد بأنها تنفذها على غفلة منا، واهتدت الحكومة الإسرائيلية لرفض الفكرة، خشية على العلاقات السياسية والدبلوماسية، وذلك قرأته فيما بعد بالصحف العبرية، التي غطت خبر الاختراق الإسرائيلي لسيناء. طبعا، اكتشفنا بأن حمل الرادار كان مهمة احدى البواخر، التي كانت تحمل طائرة عمودية، وأن وظيفة الطائرة العمودية فقط حمل الرادار بسرعة للجانب الإسرائيلي، قبل حدوث أي مواجهات، وإطلاق نار بين المصريين والإسرائيليين، ولك ان تتخيل حجم صدمتنا، فنحن نبهنا المصريين للأمر لكنهم لم يستعدوا لذلك.
    في احدى الزيارات إلى القاهرة، وكان معي نذير رشيد، وحملنا معنا مجموعة من التقارير الامنية المهمة، وعندما اجتمعنا مع المخابرات المصرية، عرضت عليهم كل المعلومات العسكرية المتوفرة عن قوة الجيش الإسرائيلي، والتشكيلات العسكرية وعدد الألوية، وقدرة الإسرائيليين على تجنيد نصف مليون مجند، وتحدثت عن تفاصيل صفقة طائرات الميراج، التي ابتاعتها اسرائيل مؤخرا، وقلت لهم بأن أرقامنا دقيقة، واكتشفت بأن ليس لديهم أي معلومات عن تلك الأمور.
    طلبت من المصريين مقابلة مدير الاستخبارات العسكرية، وتحدثت في ذات التفاصيل، وقلل من أهمية صفقة الميراج، وقال: لقد اسقطنا عددا من تلك الطائرات، وباغته بالسؤال عن مكان حطام الطائرات، إذ أني ابلغته بعدم اعتباري أن أي طائرة سقطت إذا لم تكن داخل الأرض والحدود المصرية.
    وظل يتحدث عن امتلاك اسرائيل لـ52 طائرة فقط، واستفزني بتشدقه بالمعلومات الخاطئة، وقلت له بأننا بعثنا لكم صورا واضحة عن تشكيل سلاح الجو الإسرائيلي لنجمة داوود في السماء، وبعدد طائرات 58 طائرة من طراز ميراج، وقلت إن كانت هذه الطائرات في السماء، أفلا يكون هناك غطاء جوي آخر لحمايتها، وأكدت له بأنهم يملكون 68 طائرة. فقام نذير رشيد من مقعده فورا وقال: أبشر بالهزيمة الثانية ان كانت هذه معلوماتكم.
    حتى أن المعلومات عن قدرة إسرائيل على تجنيد نصف مليون عسكري، استخدمها عبد الناصر في احدى خطاباته، وقال: إن كانت اسرائيل تستطيع تجنيد نصف مليون فالجيش المصري سيجند مليون مقاتل. لقد حاولنا توظيف كل امكانياتنا الاستخباراتية، ليس لنا وحسب، بل كانت تلك الامكانيات هديتنا أيضا لمساعدة دول الجوار، على مواجهة تحدي العدو الاسرائيلي وإضعافه.
    في احدى المرات قام المصور المحترف بجولة في مرتفعات أم قيس، وعاد إلينا بصور كثيرة، واستغربت منه، فقد كان يوما عاصفا ماطرا، والضباب تكاد لا ترى عبره شيئا أمامك، فكيف صور على بعد مئات الكيلو مترات.
    أتى بالصور، واجتمعنا بعد تكبيرها، وإذ بالصور ترصد حركة لواء كامل داخل إسرائيل، ويتجه إلى شمال هضبة الجولان، ولا أنسى بأن الصور كانت واضحة تماما، وأن علم اللواء رأيته بحجم علبة السجائر، وعرفت بأن العلم المحمول على مجنزرة قائد اللواء، يعود للواء "جولاني"، وهم أهم لواء في الجيش الإسرائيلي مستعد لخوض أي حرب، وهو لواء مشهور. فورا، بعثنا الصور للسوريين، وبعثنا لهم بتقارير، تفيد بأن هناك محاولات اسرائيلية للاشتباك معكم، وفعلا تحضروا جيدا للأمر، وقرأنا بعدها بالصحف العبرية بأن الجيش الإسرائيلي تفاجأ بقدرة الجيش السوري على الاستعداد، وأنه كان باستقبال الإسرائيليين، وأوقع في صفوفهم خسائر وأضرارا كثيرة. لقد كان تحرك الجيش الإسرائيلي باتجاه شمال الجولان، تحت غطاء الظروف الجوية الصعبة، وضعف قدرة تصويرهم أو رصد تحركاتهم، وفعلا كنا من تنبأ بالهجوم على سورية في العام 1968.
    على إثرها أنشأنا الجمعية العلمية الملكية، ودائرة المخابرات هي من أسسها ودفعت موازنتها للعام الأول. وشكلنا مجلسا للعلماء في الجمعية، وجئنا بأهم تكنولوجيا الرصد في وقتها، واشترينا ذلك من السوق الأميركية بمنتهى السرية، وجئنا بالمنظار الليلي، ووظفناه لخدمة الجيش العربي، الذي كان لا يملك هذه التكنولوجيا من قبل.
    ولتأسيس هذا الصرح قصة كنت ربطتها فورا مع ما قاله رئيس الولايات المتحدة ذات مرة، من أن الصحافة الأميركية تنشر 95 % من المعلومات الاستخباراتية الأميركية، وتعجز فقط عن نشر 5 %. مباشرة شكلت لجنة علمية، من أكاديميين كبار، وبدأنا نعمل على تحليل كل المعلومات المنشورة في الصحف الأميركية والغربية، ونحاول بناء خلية تفكير منهجية، للوصول لأقرب تحليل ممكن عن مستقبل المنطقة.
    تنويه وتوضيح
    السادة جريدة الغد
    تحية وبعد.. 
    تابعت بإهتمام، ولا زلت، حلقات "سياسي يتذكر" لدولة مضر بدران، ونظراً لأهميتها، أرجو توضيح الإضافات التالية، حتى تستكمل المعلومات لدى المهتمين من أبناء شعبنا، وتظهر بما يليق بها من دقة. 
    أولاً: أن النائب الذي ذكر المقطع الثاني من اسمه الشيخ الفاعوري، ونجح عن منطقة قلقيلية عن حزب التحرير الإسلامي، إنما هو المرحوم النائب الشيخ أحمد الداعور، الذي فاز في دورتي مجلس النواب 1954 و 1956، عن منطقة طولكرم، وليس عن قلقيلية، وقد أُعتقل، وتم فصله وطرده من عضوية مجلس النواب العام 1957 مع النواب الشيوعيين فايق وراد، ويعقوب زيادين، وعبد القادر الصالح، وهو الوحيد الذي سبق ونجح عن حزب التحرير الإسلامي، قبل أن يقرر الحزب مقاطعة الانتخابات النيابية والنقابية وغيرها، باعتبارها مظهراً من مظاهر النظام الديمقراطي الرأسمالي، غير المرغوب إسلامياً، ولا يتفق مع تعاليم الحزب وتوجهاته. 
    ثانياً: أن الشاب الشركسي الشيوعي، الذي توفي أثناء التحقيق، ولم يذكر إسمه، فهو الشهيد عبدالفتاح تلستان، الطالب في المرحلة الثانوية في مدرسة رغدان، واستشهد خلال التحقيق العام 1960، كانت النتيجة إلغاء الأحكام العرفية، في عهد حكومة سمير الرفاعي الجد، وتم طرد الخبير الأميركي، الذي كان يعمل في قسم مكافحة الشيوعية، وتحميله مسؤولية استشهاد الشاب الشيوعي التلستان.
    النائب الأسبق حمادة فراعنة

    تنويه ثان على مذكرات بدران  

    الأستاذة جمانة غنيمات المحترمة
     رئيس تحرير جريدة الغد. بعد التحية
    فيما يتعلق بمذكرات دولة مضر بدران، أرجو أن أصحح بعض ما ورد في مذكراته، والتي تنشرها جريدتكم الغراء.  أولا: ان رئيس الوزراء الذي أشرف على انتخابات العام 1951 كان دولة المرحوم توفيق أبو الهدى، وليس دولة المرحوم سميرالرفاعي. ثانيا: ان معالي المرحوم فلاح باشا المدادحة كان وزيراً للعدل، وليس وزيراً للداخلية، ودخل الانتخابات وهو يحتفظ بحقيبته، اذ كان الدستور، وكما ذكر دولة الأستاذ بدران يسمح بذلك.
    ثالثا: كان من الطبيعي ان تدعم الحكومة المرحوم المدادحة، الوزير آنذاك ومرشح الحكومة. وللتأكيد على ما أوردته آنفاً أعود الى فقرات من كتاب "مذكراتي"، بقلم "هزاع المجالي"، وبالتحديد الصفحة 25 من هذا الكتاب، حيث أشار الى التالي وأقتبس: وكانت البلاد على أبواب انتخابات نيابية، بعد شهر من استقالة وزارتنا، ومجيء وزارة توفيق أبو الهدى، فذهبت الى الكرك لأرشح نفسي في معركتها، وكان مقدراً لها سلفاً انها معركة حامية.... وقد زاملني فيها احمد الطراونة وجريس الهلسه، فكنا قائمة، وكان فلاح المدادحة على رأس القائمة المناوئة، وكان وزيرا للعدل، وكانت الحكومة تؤيده وتدعمه وتتمنى فشلي. وكان أن أساء السيد المدادحة ظنه في المتصرف- وكان المرحوم عبد الرحيم الخطيب- فاتهمه بممالاتي وطالب بنقله من الكرك، فتم له ذلك، ولكني تكلمت مع الأمير نايف، محتجاً على تصرف الحكومة مع متصرف بين يدي الانتخابات، فلم يتردد الأمير في الإيعاز الى الحكومة بإعادته فوراً الى الكرك، فأعيد إليها. كان المتصرف عازماً في بداية الأمر أن يقف منا موقفاً حيادياً صرفاً، فلما كان ما كان من ظنه فيه، جنح الى مساعدتنا كل ما وسعته المساعدة. على أنه كان من الواضح ان مساعدته لم تكن وحدها السبب في نجاحنا، وسقوط القائمة الأخرى، فالانتخابات في الكرك تعتمد على الجاه أولاً، وعلى المال ثانياً، وقد توفر هذان العنصران في قائمتنا، فنجحت في هذه الانتخابات التي شاءت الحكومة ان تزور فيها لمصلحة وزيرها، ووقف المتصرف حائلاً دون تنفيذ مشيئتها...! انتهى الاقتباس. مع كل المحبة والاحترام لدولة الأستاذ بدران. 



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الخميس 26 فبراير 2015, 11:02 pm

الحلقة السادسة من سياسي يتذكر

بدران: صمود النظام الأردني وسط فوضى الجوار كان أبرز التحديات

الامير محمد بن طلال يتوسط مضر بدران ومحمد رسول الكيلاني وعددا من الضباط



*  حكومة وصفي التل الأولى تركت بصمات تنموية وإدارية واضحة لكن حكومة التلهوني اللاحقة نسفت كل قرارات التل
* المخابرات كانت تساعد التنظيمات الفلسطينية بالتسليح لأننا كنا نؤمن بأنها لا تريد سوى قتال إسرائيل
* الرجل الثالث في المخابرات أحمد عبيدات اعتقله فدائيون في 1970 ومشهور الجازي ابلغني لاحقا بالإفراج عنه
* قبل حرب 67 صادرنا الأسلحة من المواطنين.. وبعد الحرب أعدنا توزيعها على المنظمات الفدائية لكي تشن حرب كر وفر ضد اسرائيل
* كانت علاقتي بقائد الجبهة الشعبية القيادة العامة علي بشناق جيدة وبها ثقة وبعد تسلم أحمد جبريل انقطعت العلاقة
عمان- في الحلقة السادسة من يوميات "سياسي يتذكر"، التي تنشرها الغد، يؤكد رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، بانه وأثناء عمله مديرا للمخابرات العامة نهاية ستينيات القرن الماضي، تراجع الاهتمام بالشأن الداخلي أمام أولوية رصد العدو الإسرائيلي وإضعاف جبهته.
ويؤكد بدران الذي تسلم إدارة جهاز المخابرات في 1968، بأن الأردن كان يساعد التنظيمات الفلسطينية بالتسليح لمقاتلة اسرائيل.
كما يؤكد بأن كل عمليات الجبهة الشعبية- القيادة العامة، التي كانت تعلن عنها داخل الضفة الغربية، كانت صحيحة، ولم تبالغ في تقدير أي خسائر تكبدتها إسرائيل.
ويشير إلى أن المنظمات الأخرى، كانت تنشط على الحدود مع الضفة الغربية، لكنها لم تدخل في العمق ولم تنفذ عمليات نوعية.
وكان بدران قد تحدث في حلقة أمس من "سياسي يتذكر" عن قدرة المخابرات في اختراق المخابرات السورية، وأن المخابرات العامة وزعت أعمالها على أقسام وفروع، كقسم حزب البعث وقسم الشيوعيين، وقسم المنظمات والفصائل، ولم يكن هناك قسم لجماعة الإخوان المسلمين.
ويستكمل بدران اليوم، حديثه عن التحديات الأمنية في الأردن، نهاية ستينيات القرن الماضي، ويؤكد محاولة الصاعقة السورية اقتحام مقر مديرية الشرطة في عمان، حيث دخلوا إلى عمان بأسلحتهم وسياراتهم.
ويزيد بأن حراسات دائرة المخابرات، التي كانت عبارة عن سرية، بعدد لا يتجاوز الـ100 عنصر، هي من قامت بصد الهجوم على مديرية الشرطة، وأن 25 عنصرا قاموا بصد الاقتحام واعتقال عدد من فصيل الصاعقة السورية.
لكن بدران اعتبر أن الهجوم الأخطر، كان الذي تم تنفيذه على قيادة البادية، وأراد الفدائيون عبره احتلال القيادة، وأصيب في الاعتداء عدد من ضباط الجيش والمخابرات.
ويؤكد بدران اليوم قصة خطف الرجل الثالث في الجهاز ضابط المخابرات أحمد عبيدات، حيث تم تحديد مكان اختطافه ومكان تواجده في مخيم الوحدات، ويروي بدران تفاصيل شيّقة عن رحلة الإفراج وعودته.
وعن طبيعة تلك المرحلة يقول بدران: لم نكن نملك ترف الوقت للتفكير ببناء الدولة، على أسس مدنية وحضرية، فالأهم تثبيت النظام السياسي وحفظ أمن الدولة، وكان هذا المعيار الأهم لدى القيادات العسكرية والأمنية والسياسية.
ويزيد: لا نستطيع أن نلوم النظام على ظلمه، في وقت هو يتعرض فيه للظلم أصلا، نتيجة الظروف الإقليمية الملتهبة من حولنا، فالتحدي الأهم كان تثبيت أركان النظام السياسي، وحماية أمن الوطن من كل محاولات الفوضى من حولنا.
وفيما يلي نص الحلقة
*كنا نتحدث عن طبيعة مهام جهاز المخابرات، وتوقفنا عند سؤالك، حول ما إذا انصرف عمل الدائرة في تلك المرحلة فقط الى العمل الخارجي، ولم تنتبهوا للوضع الداخلي؟
-بالنسبة لي كنت مصرا على أن عدونا إسرائيل، وجبهتنا الداخلية متحدة أمام مواجهة هذا العدو. طبعا كان للزملاء الفضل في السيطرة المعلوماتية على كل شيء يجري في الداخل، لكننا فعلا تركنا كل همومنا الداخلية، واتجهنا نحو رصد العدو وإضعاف جبهته.
طبعا الأحزاب السياسية في تلك المرحلة انخرطت هي الأخرى بالعمل المسلح مع فصائل المقاومة الفلسطينية.
وأذكر بأننا في المخابرات، ومنذ تسلم محمد رسول الكيلاني الدائرة، كانت تساعد التنظيمات على التسليح، وكنا نعرف بأن المنظمات الفلسطينية لا تريد سوى قتال إسرائيل، وكنا متأكدين من ذلك، فنحن وهم عندنا ذات الأهداف.
وهنا؛ أتذكر جيدا، بأن كل عمليات الجبهة الشعبية- القيادة العامة، التي كانت تعلن عنها داخل الضفة الغربية، كانت صحيحة، ولم تبالغ في تقدير أي خسائر تكبدتها إسرائيل.
أما المنظمات الأخرى، فكانت تنشط على الحدود مع الضفة الغربية، لكنها لم تدخل في العمق ولم تنفذ عمليات نوعية، لقد أثبت مقاتلو الجبهة الشعبية قدرة عالية في مواجهة الجيش الإسرائيلي، وكانوا، عندما تعلو مياه نهر الأردن بالشتاء، يقطعونه بالحبال، ويمرون تسللا للداخل.
كنا نتعامل بطريقة جيدة مع الجبهة الشعبية، وكنت على علاقة فيها ثقة مع رئيس القيادة العامة للجبهة الشعبية علي بشناق، قبل أن يتوفاه الله بالمرض، وبعد أن استلم أحمد جبريل، ما عدت أعرف تماما عنهم، لأن ليس لي علاقة بجبريل، الذي كان مساعدا لبشناق، لكن أستطيع التأكيد بأنه تسلم منا أسلحة بـ"التركّات" (شاحنات متوسطة)، خصوصا وأننا كنا صادرنا الأسلحة قبل حرب الـ67 ، ثم أعدنا توزيعها على المنظمات، لكي نبدأ بحرب الكر والفر مع الاسرائيليين.
*لكن الفصائل الفلسطينية المسلحة مارست أعمالا مستفزة للسلطة الأمنية، وبقيت تستعرض نفوذها في شوارع المدن الرئيسية؟
-قلت لك، إن علاقتي كانت جيدة بعلي بشناق رئيس القيادة العامة للجبهة الشعبية، أما مساعده أحمد جبريل، فلم أكن أعرفه، وبظني، جبريل كان لا يثق بالمخابرات الأردنية أصلا.
وسلوك جبريل استمر حتى بعد أن زودنا مسلحي الجبهة الشعبية بكل السلاح اللازم، من ألغام أرضية وقنابل يدوية واسلحة اتوماتيكية.
تعبت وأنا أحاول إقناع الفصائل المسلحة، بأهمية العمل داخل الضفة الغربية، وليس داخل المدن الأردنية، وهم كانوا يريدون إثبات وجودهم في عمان، خشية من انقلاب السلطات الأمنية عليهم، ويخشون من طردهم فجأة. حاولت معهم كثيرا، للتأثير واقناعهم بنزع هذه الفكرة، لكن لم أنجح.
طبعا، لم يعجبهم تحريضي لهم بضرورة العمل داخل الضفة الغربية، تحديدا حركة فتح، أما الفصيل التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، فصيل الصاعقة السورية، فلم أكن أثق به، وبقدراته أصلا.
كانت الجبهة الشعبية وحدها التي تنفذ عمليات ناجحة، وكنا نعرف جيدا بالأمر.
وفي احدى الأيام، حاولت الصاعقة السورية اقتحام مقر مديرية الشرطة في عمان، كان ذلك في العام 1968، وفعلا دخلوا إلى عمان بأسلحتهم وسياراتهم، وكنت أعرف جيدا بأن الشرطة لا تستطيع الدفاع عن نفسها أمام هذا الوضع غير الآمن.
كانت حراسات دائرة المخابرات عبارة عن سرية، بعدد لا يتجاوز الـ100 عنصر، كان أسسها أبو رسول قبلي، وأنا تسلمتها منه، وكانت لها مهمات أمنية محددة.
استعنت بهم لصد الهجوم على مديرية الشرطة، وفعلا قام 25 عنصرا بصد الاقتحام واعتقال عدد من فصيل الصاعقة السورية.
لكن الهجوم الأخطر، كان الذي تم تنفيذه على قيادة البادية، وأراد الفدائيون احتلال القيادة، وكان هناك مكتب لدائرة المخابرات العامة، مكون من ضابط منتدب، وهو الرائد في وقتها عبد الرحمن العدوان، وكاتب عسكري ومأمور مقسم لاسلكي ومراسل، وبدأت الأخبار تصلنا من خلال جهاز اللاسلكي، وكنا نتابع بالمناظير من على سطح دائرة المخابرات خيوط الدخان المنبعثة من حول الموقع.
وفجأة انقطع الاتصال لمدة تجاوزت الساعتين، وفعلا خشيت أن يكون حصل ما نكره لهم.
عندها اتصل معي الراحل الملك الحسين، وكان في مكتبه بالقيادة العامة، وعزّاني بوفاة كل من في مبنى قيادة البادية، هنا "عقلي طار"، وصرخت بصوت مرتفع: أين الجيش يا سيدي؟
عندها قررت أن أعمل دفاعات خاصة بدائرة المخابرات العامة، لاني شعرت بأني كدائرة مخابرات، سأكون مستهدفا في أي وقت.
بعد ذلك، بدأت الرسائل تعود من الجهاز اللاسلكي، وركض نحوي شباب المقسم اللاسلكي، ويقولوا عاد الاتصال، وأن الوضع مختلف تماما عما قاله الراحل الحسين، فسألناهم لماذا انقطع الاتصال؟ وأجاب أحدهم، نحن نوفر بطارية جهاز اللاسلكي، لأننا لا نستطيع شحنها بالكهرباء.
وسألت عن الوضع عندهم، فقالوا: اصيب العدوان، ومدير قيادة البادية ذياب العلاوي، وقتل اثنان.
قبل ذلك، كان شقيق ذياب علاوي ضابطا في المخابرات، وهو مذيب علاوي، ولما عرف بنبأ قتل شقيقه، جاءني على المكتب وقدم استقالته، وسألته عن السبب؟ فأجاب بأن الدائرة اليوم ليست مسؤولة عن تصرفاته وهو مدني، ويريد أن يثأر لشقيقه.
بعد الاتصال، طمأنت مذيب علاوي بأن شقيقه بخير، وعدت للراحل الحسين، وابلغته بأن المعلومات التي بحوزته ليست صحيحة، وإني سأرسل سيارة إسعاف لنقل المصابين من قيادة البادية.
كانت علاقتي جيدة بقائد العمليات في "الكفاح المسلح" الفلسطيني (اشبه بالشرطة العسكرية)، وهو ما يزال يسكن لليوم في عمان، وهو سمير الخطيب، وأبلغته بأني سأرسل سيارة الإسعاف، وعليه تأمين دخولها وخروجها، من وإلى مقر البادية، فتجاوب معي، ثم أبلغت سيارة الإسعاف بإخلاء الجرحى، وأن يأتوا لي بباقي عناصر مكتب المخابرات في البادية، وهذا ما حصل.
أذكر في احدى المرات، كنت متوجها من مكتب في المخابرات إلى بيت أهلي في اللويبدة، وكان معي سائق، وفجأة خرج أمامنا أحدهم، يحمل بندقية، ويأمر السائق بالتوقف، فتوقف السائق جراء خوفه، فصرخت بالشاب، الذي أمامي، وإذ به يهرب مسرعا، وبعدها عدت بالسائق للدائرة، وأعطيته اجازة مفتوحة، وصرت اتنقل بسيارتي الـ"بيجو" الصغيرة وحدي ومعي بندقية رشاش.
وقلت بخاطري، إن قتلوني سأموت وحدي، ولن يكون معي شخص آخر.
وفي مرة أخرى، وقبل أن أصل منزل أهلي بقليل، بدأ إطلاق النار، واشتد قبل أن أصلهم بنحو بسيط، ترجلت من السيارة ومشيت باتجاه المنزل، وإذا خلفي نحو 11 مدنيا، يتبعوني يريدون الأمان، حتى يتوقف إطلاق النار، وكان من بينهم امرأتان، ولدى دخولي المنزل، طلبوا أن يتصلوا مع ذويهم ويطمئنوهم، وفعلا هذا ما جرى.
بعد أن جلست بينهم، وهم لا يعرفون من أنا، فلم يكن معروفا شكل مدير المخابرات، إذ منعت ظهور المدير بالصور الصحفية أو التلفزيونية، ولم يكن يبدو عليّ أي مظهر من مظاهر حراسات الشخصيات المهمة، وكنت لا ارتدي سوى البنطال والقميص العاديين. وجلسوا ليناقشوا تداعيات الأوضاع الأمنية، وأجمعوا على ان الحل لن يكون إلا بتدخل الملك، وأن "الملك من يصنع الأمن"، ولك ان تتخيل بأن هذا الاجتماع كان عبارة عن عينة استطلاع للرأي ممثلة، لأن فيهم الشرق أردني والفلسطيني، والمسلم والمسيحي والشركسي، ومن كل مناطق المملكة.
*وهل كان هذا الوضع الأمني مقبولا من طرف الأجهزة الأمنية؟
-طبعا لا؛ لقد أبلغت الراحل الملك الحسين بكلام المدنيين، الذين جلسوا في منزل أهلي، حتى هدأت الأوضاع وتوقف إطلاق النار، وقلت إنهم يقولون "الملك من يصنع الأمن"، لكن في تلك الأيام، كنا في طور بناء المؤسسات الأمنية، والجيش العربي ما يزال مشتبكا على الحدود، في حالة من الطوارئ مع الإسرائيليين.
فوضعنا الداخلي كان ملتهبا، بسبب هذه الظروف. في احدى المرات اتصل بي سمير الخطيب قائد عمليات الكفاح المسلح، وأبلغني بأن رجال المخابرات قتلوا أحد الفدائيين بسيارته، عند جريدة الدستور، ونفيت ذلك تماما، لأن أمر إطلاق النار من اسلحة المخابرات، هو أمر أنا من يتخذه، وليس أحد سواي، وأن جماعتي أكدوا لي وجود إطلاق النار وبكثافة، لكنهم لا يشاركون في ذلك.
لكنه عاد ليؤكد لي بأن إطلاق النار كان من طرف المخابرات، وليس من طرف الجيش.
اتصلت بمساعد مدير الشرطة، وكان طلال الرافعي، وقلت له إن عليه أن يوقف إطلاق النار عند شارع جريدة الدستور، فقال بأنه غير قادر على ذلك، نظرا لغزارة إطلاق النار.
مباشرة، ركبت سيارتي وانطلقت من منزلي باتجاه جريدة الدستور، وقطعت مقر مديرية الشرطة، وتجاوزت مبنى المخابرات، ووصلت قرب مبنى جريدة الدستور، ووجدت أزمة سيارات، وسمعت إطلاق النار، ترجلت من سيارتي، وبدأ إطلاق النار نحوي، ركضت إلى أن دخلت مبنى الجريدة القديم، وفعلا سمعت اطلاق النار من جهة جماعة المخابرات، الذين كانوا يتواجدون في ذات الموقع، وطلبت من مقسم جريدة الدستور أن يتصلوا لي مع الدائرة، واتصلت مع قائد سرية الحراسات في المخابرات عبدالله هلال، وقلت سمعت أن إطلاق النار منا، فرد عليّ بانفعال: لقد رأيناك تدخل جريدة الدستور، ورأينا أنك كنت على بعد طلقة من الموت، وهاجمني بانفعال بالغ، وسألني إن كنت أعتبره ورجاله من الرجال أم غير ذلك.
فسألته بحزم: من أين مصدر إطلاق النار وهذا الأهم؟. طبعا قبلها أردت أن أتأكد بنفسي، فصرخت بالمتمركزين خلف ستائر ترابية ويطلقون النار، من على بعد نحو 40 مترا، وإذ بهم يرفعون رؤوسهم، ورأيت أنهم يرتدون "بوريهات" الجيش، فعرفت من يطلق النار.
وفعلا، فقد قال لي بعدها عبدالله هلال، بأن الفدائيين أطلقوا النار باتجاه أحد ضباط الشرطة في جبل الحسين وقتلوه، ولما رأى ضباط جهاز اللاسلكي، الذين يستمعون لكل مجريات الحدث في جبل الحسين، سيارة كفاح مسلح، تمر بقربهم، أطلقوا عليها النار انتقاما لزميلهم.
كان يتابع كل تلك التفاصيل سائق جمعة حماد (رئيس تحرير الدستور حينها)، الذي كان متواجدا في جريدة الدستور، وهو كان قد حماني دون أن أعلم، فقد كان يختبئ في بيت درج الصحيفة فدائيان اثنان، وكانا على وشك اطلاق النار باتجاهي عن قرب، لكنه منعهما، وقال لهما بأن هذا الرجل يساعدهم ولا يريد أن يقتلهم.
بعدها اتصل بي جمعة حماد، معاتبا على تصدري للخطر، ودخل عندي أحد الضباط الكبار في الدائرة، وقال لقد أبلغه مصدره من الفدائيين بتواجدي، وقال لي بأن ما قمت به كان سيحرج دائرة المخابرات، لو وقع أي مكروه لي.
بعد ذلك، كما قلت لك؛ حمينا المخابرات بشكل جيد، وجهزنا الدفاعات الخاصة بنا، فقد كنا نخشى على المعلومات، التي في حوزتنا، وأسماء وعناوين مصادرنا، الذين نعتمد عليهم، ولو وقعت تلك المعلومات بأيدي أشخاص سوانا، لتعرضت حياة الكثيرين للخطر.
وكنا قد هيأنا نظام حماية خاصا في حال تم احتلال المبنى، وهو نظام حرق كل مكاتب الدائرة بساعتين، وهو أمر يعود فقط لمدير المخابرات العامة، ولا أحد يعرف بالأمر سوى القائمين عليه.
كما استعنا بخبرة علي الحياري العسكرية، التي كنت أثق بها كثيرا، ونصحنا باستراتيجيات الدفاع الذاتي، وتحصين المواقع المهمة داخل دائرة المخابرات.
*وهل تم اختطاف الضابط أحمد عبيدات أيضا في تلك المرحلة؟
-نعم؛ أحمد عبيدات كان يسكن في جبل التاج، وكانت منطقة سكنه تعج بالفدائيين، سمعت بخبر اعتقاله فصعقت، فقد كان ضابطا مهما في دائرة المخابرات، وكان الرجل الثالث في الجهاز، بعد مساعد مدير المخابرات أديب طهبوب.
بعد التحريات، عرفنا بأن الجبهة الشعبية هي من قامت باختطافه، واستطعنا تحديد مكان تواجده في مخيم الوحدات، فقد كانت مصادرنا جيدة داخل الجبهة الشعبية، وهي مصادر رفيعة المستوى.
مباشرة، ذهبت لقيادة الجيش، وكان مشهور حديثة قائد الجيش، وقلت له إن الفدائيين يعتقلون أحد ضباطي، وأنه بالنسبة لي أهم من مشهور نفسه، وأنتم كجيش مسؤولون عن تأمين عودته وبالسرعة الممكنة.
عدت لمكتبي، ولم أعد احتمل، فقد انهارت اعصابي فعلا، لأن الأمر كان بالنسبة لي جريمة كبرى.
اتصلت بسرية الحراسات، وطلبت منها تجهيز 6 سيارات من الدائرة، وفي كل منها 4 عناصر مسلحة، وقلت لهم، وظيفتنا تحرير أحمد عبيدات، وسأكون في مقدمة المهمة.
وأبلغني قائد السرية، بأن ليس من اختصاصي الخروج معهم، في مثل هذه العمليات، وأن قائد العملية فقط، يجب أن يكون فيها، وليس مدير المخابرات، لم أقتنع بكلامه، وذهب ليبلغ نذير رشيد بالأمر، فجاءني مسرعا، وقال بأنه سيقود العملية لأنه عسكري أصلا، وأنا لم أخدم بالجيش كمقاتل، وأنه لا يقبل بأن يكون مدير المخابرات قائدا لعملية ميدانية، ففي الأمر إساءة لكوادر الدائرة.
تجادلت أنا ونذير رشيد، ولم أوافق على طرحه، ثم قطع حديثنا اتصال من قيادة الجيش، وكان مشهور حديثة الجازي، رحمه الله، على الهاتف، يبلغني بأنه تم إطلاق سراح عبيدات، وأنه عرف بنيتي الخروج للوحدات، وأني بفعلتي تلك، كنت سأتسبب بمعركة كبيرة، لا أحد يستطيع تقدير نتائجها الوخيمة.
*قبل أن نبتعد بالأحداث، متى التقيت الراحل الملك الحسين رحمه الله لأول مرة؟
-رأيته وأنا ملازم أول في الجيش، وكان أول لقاء يجمعني بالحسين خلال اجتماع لمدراء فروع القيادة.
كنت مساعدا للمشاور العدلي في القيادة العامة، وبعدها تسلمت كما قلت لك سابقا، مشاورا عدليا بالوكالة، في هذه الفترة تبلغت باجتماع لمدراء فروع القيادة، حيث سيترأس الاجتماع الراحل الحسين، في تلك الأيام كنت أحمل رتبة ملازم أول بنجمتين، أما مدراء الفروع فكانوا من "القبات الحمر" كما كنا نسميهم، من عميد وعقيد، فقد كانت الرتب قليلة في ذلك الزمن.
فمدير هيئة الأركان كان هو الأعلى رتبة، بعد الفريق في وقتها حابس باشا المجالي القائد العام، أما بقية رتب فروع الإدارات في القيادة فكانت عميدا أو عقيدا.
في ذلك الاجتماع كنت أنا الوحيد الذي يحمل رتبة منخفضة، ملازما أول.
حضر الملك الحسين رحمه الله، وتحدث في مواضيع كلها داخلية، وذكر خلال ذلك الاجتماع بأنه سيكلف وجوها جديدة برئاسة الحكومة، وأنه لن يعود للوجوه التقليدية، وأسهب في شرح رؤيته للمرحلة المقبلة.
بعدها بفترة قصيرة، تم تكليف وصفي التل رحمه الله، بتشكيل حكومة جديدة، وكان شابا متحمسا، ونشطا في اللقاءات العامة، وامتلك كيمياء خاصة، جعلت الناس يحبونه على عفويته وجديته في العمل، فرحمه الله، كان مبادرا وخلاقا في الأفكار والمبادرات، وجريئا في الرأي.
وبدا وصفي فعلا بترك بصمات واضحة له في الإدارة العامة، وبدأت عجلة التنمية في البلاد تدور، ويدفعها نحو الأمام.
لكن، بعد سنة وثلاثة أشهر استقال وصفي التل، وتفاجأنا بعودة بهجت التلهوني، ونسف رحمه الله، كل ما قام به التل، وألغى كل قرارات وصفي، حتى أن وصفي كان قد أحال 57 رجلا من القيادات الحكومية إلى التقاعد، فأعاد التلهوني 58.
كنا نعيش فترة سياسية وأمنية صعبة، وكان المتنفذون في الحكومة يتجبرون بالمواطنين، وكان تصنيف (إللي مش معي ضدي) هو معيار الحكم في مظلمات المواطنين.
في تلك المرحلة، كنت مشاورا عدليا للأحكام في القيادة العامة للقوات المسلحة، وكنت أعمل ليل نهار؛ كما قلت لك، حتى لا أتقاعس عن القيام بدوري ووظيفتي، وحقوق الناس عندي.
لكن هذا الدور صغير، مقارنة بالأدوار التي كان المواطنون بحاجة إليها، فهم يريدون دولة ترعى مصالحهم، بكل مجالات الحياة الحيوية، وما المشاور العدلي سوى مهمة صغيرة من سلسلة مهام، وواجبات تحتاج للقيام بها بأمانة ومسؤولية.
طبعا، علينا أن نتذكر، بأننا في ذلك الوقت، لم نكن نملك ترف الوقت للتفكير ببناء الدولة، على أسس مدنية وحضرية، فالأهم تثبيت النظام السياسي وحفظ أمن الدولة، وكان هذا المعيار الأهم لدى القيادات العسكرية والأمنية والسياسية.
ولا نستطيع أن نلوم النظام على ظلمه، في وقت هو يتعرض فيه للظلم أصلا، نتيجة الظروف الإقليمية الملتهبة من حولنا، وما صمود النظام السياسي في الأردن وسط دول الجوار، التي تعرضت لمسلسل اغتيالات وانقلابات عسكرية، إلا دلالة صمود وتحد أمام هذا الوضع المتأزم من حولنا. أضف الى كل ذلك، جوارنا الغربي، الذي تعرض للنكبة العام 1948 والنكسة بعد احتلال الضفة الغربية العام 1967.
فالتحدي الأهم كان تثبيت أركان النظام السياسي، وحماية أمن الوطن من كل محاولات الفوضى من حولنا.
تنويه
رئيسة تحرير الغد المحترمة 
الأستاذة جمانة غنيمات
أود بداية ان اشكر صحيفة الغد، وان اشكرك شخصيا على ايلاء موضوع التاريخ السياسي للمملكة من خلال المقابلات التي تجريها الصحيفة مع السياسيين الاردنيين، وفي مقدمتها الحلقات التي تنشر تباعا مع دولة مضر بدران.
لقد جاء في الحلقة الثالثة من مذكرات مضر بدران، المنشورة في جريدة الغد يوم الثلاثاء 27-11-2015 بان "وفاة شيوعي شركسي خلال التحقيق دفع حكومة سمير الرفاعي (الجد) لالغاء الاحكام العرفية مطلع الستينيات، وانه-اي دولته- لا يعرف اسم هذا الشخص، وانه كان يقطن جبل التاج. واود ان انوه ان هذا الشخص هو الاستاذ عبد الفتاح تلستان، والذي كان يدرس في مدرسة العباسية في منطقة راس العين، وكان يقطن في حي المهاجرين وليس جبل التاج. 
وتفضلوا بقبول وافر الاحترام. 
د. محي الدين توق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الخميس 26 فبراير 2015, 11:13 pm

الحلقة السابعة من سياسي يتذكر

بدران: كان الحسين يجتمع بنا في المخابرات دوريا ويستمع للرأي الآخر


مضر بدران والامير زيد بن شاكر وعدد من المسؤولين في احدى المناسبات

محمد خير الرواشدة
عمان - يستكمل رئيس الوزراء الأسبق، ومدير المخابرات الأسبق، مضر بدران، اليوم، حديث الذكريات السياسية، ويجيب عن تساؤلات تاريخية.
واليوم، في الحلقة السابعة من حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، يؤكد بدران بأنه تعرض لوشاية أثناء عمله مشاورا عدليا في القوات المسلحة (الجيش العربي).
ويشير بدران إلى أن دعوته إلى اللجوء السياسي لدمشق، كانت بهدف إلحاق السمعة السيئة بالأردن، لأن حركة اللجوء السياسي من الجيش كانت نشطة، بعد هروب قيادات من الجيش العربي، وطلبها اللجوء السياسي لسورية أو العراق أو مصر.
ويكشف بدران اليوم بأنه التقى الراحل الحسين لأول مرة ودار حوار بينهما، عندما كان يعمل في المخابرات العامة بمهمة مساعد مدير المخابرات.
ويؤكد بأن الراحل الحسين كان يزور المخابرات، ويطلب الضباط للاجتماع معه، فقد كان رحمه الله يأتي ليلا، ويستدعي بدران وأديب طهبوب وأحمد عبيدات وطارق علاء الدين وعدنان ابو عودة، للحوار، مستمعا للرأي الآخر حتى وإن اختلف معه، وكان يتناقش، ويقتنع أحيانا، ويقنع بوجهة نظره أحيانا أخرى.
ويشير بدران إلى أن تكليفه برئاسة دائرة المخابرات العامة كان بعد استدعائه إلى الديوان الملكي، لمقابلة الراحل الحسين رحمه الله، في مكتب وحضور قائد الجيش في حينها عامر الخماش العام 1968.
حيث كشف له الراحل الحسين بأن محمد رسول الكيلاني تعب، وطلب أن يقدم استقالته، وكلفه الحسين  بإدارة المخابرات، واستلامه مكان ابو رسول.
ويجدد بدران اليوم التأكيد على موقفه الداعم، لعمل المنظمات الفلسطينية المسلح، داخل الضفة الغربية، وضد عملها أو حتى تواجدها في الضفة الشرقية.
وعن رأيه في أبو عمار يوضح بدران بأنه دعا عرفات في أكثر من مناسبة، لتوجيه الفصائل للضفة الغربية، وليس لعمان، وأن ابو عمار ظل يردد بأنه لا يستطيع التحكم بالمنظمات، لأنها ميلشيات وليست جيشا، وهو ما لم يعجب بدران حينها.

وفيما يلي نص الحلقة السابعة
*كنا توقفنا عند لقائك الأول بالراحل الحسين، وقد أسهبت في شرحك عن موضوع حماية النظام أمنيا، فهل كانت مهمتك في الجيش لها طابع أمني؟
-قلت لك؛ في تلك المرحلة كنت مشاورا عدليا للأحكام، وأخذت على عاتقي أن أنصف في كل قضية أتعامل بها، وكان الأردن في تلك المرحلة يتعرض لمحاولات مستمرة للانقلاب العسكري على الملكية، وكنا مهددين في كل لحظة.
قد لا أكون مطالبا بحماية النظام من موقعي، لكن هذه مسؤوليتي الوطنية، وما تعاملي مع القضايا وإنصاف الموقوفين بالسجون إلا إحدى الوسائل التي اجتهدت بتوظيفها لخدمة النظام الملكي، وتثبيت صورته، بأنه نظام عادل لا يظلم أحدا، لكنه يحاسب المخطئ.
من موقعي تعرضت لوشاية، كان من شأنها أن تلحق سمعة سيئة بنا، عبر حديث عن هروب قيادات من الجيش العربي، وطلبها اللجوء السياسي لسورية أو العراق أو مصر.
في أحد الأيام، دخل عليّ المسؤول عني في قسم المشاور العدلي، وهو اسامة السخن، وقال بأنه قرأ اسمي مع شخصين آخرين، على مكتب حابس باشا، ومطلوب اعتقالنا الثلاثة.
فقلت له: ليش؟
فقال: ما في ليش، الحكم يصدر غيابيا.
فقلت: على الله.
فقال: الأفضل أن تلجأ لسورية، وأنا انصحك بذلك.
في تلك الأيام، كانت خطيبتي تدرس في دمشق، وكان ذلك المسؤول العسكري، الذي عرض علي اللجوء الى سورية، قد ابلغني بأن اللجوء إلى سورية سيضمن لي الإقامة في شقة مفروشة، وبراتب محترم، وهو عرض أتى به قائد الكتيبة الأولى، التي مهمتها حراسة القصر، وهي الكتيبة التي كانت تقوم مقام الحرس الملكي قبل تأسيسه.
بعدها، عدت إلى البيت وبدأت أفكر بالأمر، وهل فعلا علي اللجوء لبلد غير بلدي، وأنا لم أقم بأي شيء يستدعي ذلك، فلم أقصر في واجباتي، ولم أكن مخالفا للقانون، بأي إجراء قمت به.
في اليوم التالي، استيقظت، ووضعت في حقيبة العمل، التي أحملها معي في كل يوم، "بيجامة وعدة الحلاقة وحفاية وغيارا داخليا"، وذهبت للعمل، ومعي كل مستلزمات الاعتقال والتوقيف.
دخلت مكتبي، وإذ بالمشاور العدلي المسؤول قد فوجئ وصدم، وقال: شو صار معك؟ فقلت: ها أنا أحمل عدة المعتقل، وأنا جاهز للاعتقال والتحقيق، "واللي بده يصير يصير".
وقلت له: أنا محقق ولا أقفز عن دوري، ولا أسعى لممارسة اللعب على الحبال، فقال: أنت حر، وأنا نصحتك لأنك رجل مستقيم،  فأعدت عليه التأكيد بأني باق في مكتبي.
بعد مدة طويلة، رويت الحادثة للراحل الحسين، وقلت له قبل استقالتي من الحكومة الثانية، بأن العرض، الذي جاءني في ذلك الزمن كان مغريا، فخطيبتي في دمشق، وزواجي بها وإقامتي في شقة فارهة، وراتب يزيد على راتب المدرس الجامعي، كانت مغريات من شأنها أن تحدث منافذ لانهيار الجيش، حتى في أصغر المواقع، ومع ذلك بقيت في بلدي، وحملت حقيبتي مستعدا للتوقيف والاعتقال في سجون القيادة العامة للقوات المسلحة.
لكني تابعت بالقول للراحل الحسين، أما إذا سلمت البلد لفاسدين، فإني سأترك الأردن، وسألجأ لبلد ثان، لأني لا أحب أن أرى بلدي ينهار، لأن الفساد سيتسبب في إسقاط النظام، وقلت: ها أنا استأذنك سيدي، لأنني بعد الفساد لن استأذنك المغادرة.
قلت للحسين هذا الكلام، بعد أن استنزفت منا مكافحة الفساد في الحكومة الثانية وقتا طويلا، حتى صرنا نتابع أصغر قضايا الرشوة، ونحاسب من يقترف هذا الجرم.
وقبلت تحدي الكثيرين، بأني سأفشل في وقف الفساد، ومضيت في عملي لأكثر من ثلاث سنوات، حتى جاءني أحد الوزراء، وقال أن صديقا له، رجل أعمال زاره، وقال له بأنه في كل عام كان يدفع رشوة لمسؤولين، حتى يسرعوا في معاملاته، حتى دخل مكتب أحدهم مؤخرا، فعرض عليه مبدأ الرشوة، فقال: مادام مضر بدران على كرسيه في رئاسة الحكومة إياك أن تعيد ما قلته.
كما ذكرت الراحل الحسين بما قاله في الاجتماع الأول، الذي رأيته فيه، وقال عن الوجوه الجديدة، التي ستحل مكان الوجوه التقليدية، وقلت له بأن هذا التغيير لوصفي، بعد اقل من سنة وثلاثة أشهر لن يأتي بالاستقرار للبلاد، وأنه بتغييره المتكرر لرؤساء الحكومات لن يصنع استراتيجيات الخدمة العامة، على أسس المحاسبة والمتابعة والمكافأة أيضا.
*سأعود للحديث عن لقائك الأول بالملك الحسين، متى صار الحسين يعرفك، ومتى اشتبكت معه في الحوار الأول؟
-عندما كنت مساعدا لمدير المخابرات، كان الراحل الحسين يزورنا في مقر دائرة المخابرات العامة، وكان يطلبنا كضباط للاجتماع معه، فقد كان رحمه الله يزورنا ليلا، ويناديني أنا وأديب طهبوب وأحمد عبيدات وطارق
علاء الدين وعدنان ابوعودة، ونجلس في مكتب محمد رسول الكيلاني بحضوره.
كان رحمه الله يشجعنا على الحديث، وكنا في بداية الأمر متحفظين، خصوصا وأننا نتحدث أمام الملك، لكن وأمام إصراره علينا في معرفة وجهات نظرنا من المعلومات التي بين يدينا، صرنا أكثر تحررا في الكلام.
كان رحمه الله يحب أن يستمع للرأي الآخر حتى وإن اختلف معه، وكان يتناقش معنا، ويقتنع بما نقول أحيانا، ويقنعنا بوجهة نظره أحيانا أخرى.
وصارت علاقتنا بالحسين تقوى أكثر، فكان رحمه الله يجلس معنا حتى منتصف الليل، ونحضر العشاء، ويتناوله معنا أثناء الحوار.
وكان الحسين دقيقا، في طرح اسئلته، ويريد أن يعرف أدق الاختصاصات في الملفات، التي يحملها كل منا، وهو ما حفزنا لنوسع نطاق اهتمامنا بشؤون البلد كافة، فصرنا نبحث في كل شيء، قد يباغتنا في السؤال عنه.
وفي يوم من الأيام، استقال محمد رسول الكيلاني من دون أن يَشعر أحد منا، فطلبني الديوان الملكي للقاء جلالة الملك، ذهبت مسرعا، ودخلت على الملك رحمه الله، في مكتب كان يجلس عليه معه، قائد الجيش في حينها عامر الخماش.
وبدأ حديثه معي، بأن محمد رسول الكيلاني تعب، وطلب أن يقدم استقالته. وكلفني الحسين بإدارة المخابرات، واستلام مكان ابو رسول.
فقلت للحسين: أنا استلم مكان ابو رسول ليش؟ إن أردت سأذهب إليه وأقنعه بالبقاء.
تفاجأ الراحل الحسين والخماش، ثم تابعت بالقول: إن موقع المدير صار موقعا سياسيا، وأن ابو رسول، لا يجلس في الدائرة بالمقدار الذي يجلس فيه مع رئيس الحكومة أو الملك، ثم يا سيدي، أنت لا تعرفني لكي تكلفني بهذه المهمة.
هنا تدخل عامر باشا وقال: سيدنا بيعرفك جيدا.
كنت وقتها، ما زلت تحت هاجس أن أستقيل، وأفتح مكتبا للمحاماة، بعد خبرتي الممتعة في مجال المشاور العدلي في قصر العدل.
ثم مباشرة، قلت بيني وبين نفسي: لماذا لا أقبل المهمة، ولماذا لا استكمل مسار بناء وتأسيس دائرة المخابرات العامة، فوافقت في نهاية المطاف.
مباشرة، ولدى دخولي الدائرة مديرا، بدأت بتغيير أمور أساسية في عمل الجهاز، وهي مجالات لقيت صدى طيبا، عند الزملاء الضباط.
وقد تحدثت إليك عن بعض مجالات التطوير، التي خضنا فيها بمهمات شاقة، خصوصا وأنني تسلمت الجهاز بعد حرب العام 1967.
ولم يكن لذلك أي حساسية بين الزملاء، بل على العكس، كانوا معي خطوة بخطوة، في الانجاز، ولهم فضل كبير في وصول الجهاز لإمكاناته الفنية والحرفية في التحقيق وتقصي المعلومات وتحليلها.
ثم بدأت اهتم اهتماما خاصا بشؤون الضباط، لأنهم معرضون للخطر، ومهماتهم فيها مجازفة ليست بالسهلة، وقد حملوا أرواحهم على كفوفهم، وقلت لك بعض تلك المواقف التي تعرض فيها الضباط لخطر كبير.
كان معنا في الدائرة، ضابط أكبر منا بالعمر، لكننا سبقناه بالرتبة العسكرية، وكان المقدم حسني حسن، وهو لم يتذمر من أننا أصغر منه بالعمر، ونحن نتقدم عليه بالمسؤوليات، وكان هذا الرجل رياضيا محترفا، وكان حارس المرمى للمنتخب الوطني، وواجهنا في احدى المباريات المنتخب المصري، وكان شرسا في الدفاع عن المرمى، لدرجة أنه أفشل كل محاولات المصريين في التسديد.
وفي احد أيام الشتاء، وقد أثلجت في عمان، وإذ بحسن يقع على الأرض، وأدخلناه المستشفى، وإذ به مصاب بفشل كلوي.
مباشرة، سألت عن أقرب مستشفى لغسل الكلى، فقالوا: مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، فقلت: يذهب هناك ويتعالج، وصرنا نخصص له، رحلتين في الأسبوع، ذهابا وإيابا للمستشفى، ليغسل الكلى في بيروت.
ثم فكرت كيف لي أن أريحه من عناء السفر، ففكرت في شراء جهاز غسيل الكلى في عمان، وذلك لعلاج المشكلة بشكل جذري.
ذهبت لوزير الصحة، وكان وقتها الدكتور عبد السلام باشا المجالي، وشرحت له وضع حسني حسن، وأن علينا شراء جهاز غسل الكلى، فيستفيد منه حسني حسن، ومرضى آخرون، ويكون اكبر ابناء حسن قد تسنى له إنهاء تعليمه، والعمل، والقيام بالواجبات تجاه أسرته، فقال عبد السلام بأن الأمر مكلف، وقد لا نستطيع ذلك.
بعدها ذهبت بنفسي إلى المستشفى العسكري في ماركا، وكان الطبيب المسؤول عن الكلى هو الدكتور طارق السحيمات رحمه الله، فشرحت له وضع حسني حسن، فقال: يا ريت باستطاعتنا شراء جهاز غسل الكلى، وابلغته بأن الأولوية لحسني حسن، وفعلا هذا ما قمت به فورا، واشتريت الجهاز.
كان مدير المستشفى الدكتور داوود حنانيا، وجئنا بطبيب من لندن، ليدرب الأطباء في المستشفى العسكري على جهاز غسل الكلى، ولك أن تتخيل هذا الموقف، والأثر الذي تركه في نفوس الضباط، فقد شعروا باهتمام الدائرة بظروفهم، حتى لو تعرض أحدهم لأي مكروه.
في أحداث ايلول العام 1970، تم اصابتي في يدي خلال الأحداث، وعندما وصلت المستشفى العسكري، وجدت حسني حسن هناك، فقلت له ماذا تفعل هنا؟ فرد: أنا لا أستطيع أن أغادر فروحي هنا، وقد جاء المستشفى قبل الأحداث بيوم وبقي فيها.
هنا؛ وأمام واقع تداعيات حرب العام 1967، وما تبعها من احباطات، وتحريض المنظمات على إقلاق راحة الإسرائيليين، لم نلتفت كثيرا للساحة الداخلية، واكتفينا بالمتابعات اليومية، والاطمئنان بأن كل شيء تحت السيطرة، لكن تنامى إلى انتباهنا بأن حركة المنظمات داخل عمان، والمدن الرئيسية، تشي بأن هناك مواجهة محتملة، وبدأت نذرها تدق أجراس الخطر في العام 1969.
كما كانت لنا مصادر داخل المنظمات نفسها، تنقل لنا بعض المعلومات، التي بدأت بالفعل تسبب لنا مصادر قلق.
لكن ما كنا نحرص عليه فعلا؛ هو أن تكون الأولوية لفرع إسرائيل داخل المخابرات العامة، وتحصيل كل معلومة لها اتصال بحربنا مع العدو.
لكن، وأمام تواتر المعلومات عن الحراك داخل المنظمات، بدأت أقتنع بأن الصدام قادم لا محالة، فالمؤشرات كانت تقول وتؤكد الأمر.
كنا نسمع عن عمليات "تشليح" العسكر لبنادقهم أثناء اجازاتهم، وكيف أن من يأخذ سلاح العسكر، يخلع عن العسكري "البوريه"، فقد كان العسكري يأخذ اجازته ويحمل بندقيته استعدادا لأي خطر.
البلد لم تعد آمنة، والسبب إطلاق النار المتكرر، والقتل المستمر، وكان لا بد أن تقع الواقعة وحدث ما حدث.
*وماذا عن علاقاتك بياسر عرفات وقتها، وهل كان لأبي عمار دور في أحداث أيلول، وهنا أقصد بالدور، سلبيا كان أو إيجابيا؟
-أيام عملي في المخابرات، والطريقة التي تعاملنا فيها مع الفدائيين، هناك تفاصيل كثيرة، قد لا أكون مع طرحها الآن، لأن لا قيمة تاريخية لها، لا الآن ولا لاحقا، ولا أقول ذلك من باب التهرب من الاعتراف التاريخي، لكن فعلا لا لزوم لتلك التفاصيل.
أنا كنت مع عمل المنظمات المسلح، داخل الضفة الغربية، وضد عملها أو حتى تواجدها في الضفة الشرقية.
وكنت أتحدث لأبي عمار كثيرا، وأقول وجهوا جماعاتكم هناك، وليس هنا، فهنا لا عدو لكم، العدو في الضفة الغربية، وظل يمسك بقوله، بأنه لا يستطيع التحكم بالمنظمات، لأنها ميلشيات وليست جيشا، ولم اقتنع بكلامه، ولم يكن يعجبني أصلا هذا الطرح.
وفي مرة أخرى، قلت له إن عليه ضبط حركة السلاح الداخل إلى عمان، فنفى الأمر، وقال لا سلاح ننقله عندكم، فقلت: "لكن جنازاتكم كثرانة"، فقد كانوا ينقلون السلاح بالتوابيت، وكنا نعلم بالأمر، وحاولنا غض الطرف بذريعة تجنيد الفدائيين، قبل ذهابهم للضفة الغربية، لكن اللعبة كانت مكشوفة بالنسبة لنا.
وحذرته مرة وجها لوجه، وقلت إنكم تخططون لمواجهة مع الجيش، وهذا أمر لا حيلة لكم به، فالجيش منظم، وانتم لستم منظمين، فاعدت عليه حجته في موقع آخر في زمن متقدم، لأننا فعلا لا نريد مواجهة مع الفدائيين، والراحل الملك الحسين لم يكن ليقبل بذلك، لولا تفاقم الأمور، وتزايد الاحداث المستفزة، لكن ابا عمار رفض النصيحة.
في مرة أخرى، تعاونا في تهريب 22 فدائيا عن طريق الأغوار، ليصلوا القدس، وينفذوا عمليات ضد الإسرائيليين، فألقي القبض على 21 فدائيا منهم، وفر شخص واحد فقط، وبعد التحقيق معهم، اعترفوا جميعا بأن المخابرات الأردنية هي من سهلت لهم تلك العملية، عبر الحدود، ولك أن تتخيل حجم الضغط الذي واجهناه مقابل ذلك، فالأميركان والإنجليز كلهم بدأوا يلومون المخابرات، وكله كان يصل للراحل الحسين، وكان يتحمل تلك الضغوط من دون حتى أن يلفت نظرنا لذلك، لكننا كنا نعلم جيدا بالأمر، إن أن الاعتراف بطريقة التسلل داخل فلسطين، فيه كشف لطريقة تهريبنا للفدائيين أصلا، ما يعني ضرورة تغيير خططنا من جديد، وفعلا قلت لأبي عمار بأن هذا مرفوض، وعليكم أن تتماسكوا أمام المحقق الإسرائيلي، وقلتها من غيظي، لأني شعرت بأن العملية بهذه الطريقة، واعتراف الـ21 فدائيا، هو عمل مقصود ضدنا نحن.
لقد أدرك الفدائيون بأن الحكم العسكري هو مقدمة لأمر ما، وهذا الأمر هو تجاه الفدائيين، وليس تجاه أي مجموعات أخرى، وأذكر جيدا بأن أحد القيادات الفتحاوية، اعترف لي بعد الأحداث بوقت طويل، بأننا سبقنا الفدائيين في انتشار الجيش في عمان، فقد انتشر الجيش في عمان فجر يوم الخميس، فيما كان الفدائيون يخططون لاحتلال عمان صباح يوم السبت، وكان في ظنهم بأن الجيش حركته ستكون ثقيلة، بينما مسلحوهم حركتهم أخف من حركة الجيش ومعداته، طبعا تقديرهم خطأ، لأن الجيش كان قد أعلن مبكرا حالة الاستنفار، وهي الحالة التي يكون فيها الجيش جاهزا للحركة بشكل مباشر وسريع.
حتى على سبيل محاولات التعامل مع سحب فتيل أزمة متوقعة، سعينا لتشكيل لجنة مشتركة منا ومن المنظمات، بهدف كشف المواقع ومحاولة التعامل مع أي خطأ من قبل أي طرف، وذلك على سبيل الحلول الوقائية، كنت أنا عن الجانب الأردني، وكان ياسر 
عبد ربه عن الجانب الفلسطيني، في احدى المرات جاءنا خبر عن استحكامات للفدائيين في فندق مقابل قصر العدل، فخرجت أنا وعبد ربه للكشف على الموقع، فدخلنا ولم نجد أحدا في الفندق، وطلب عبد ربه مني أن نغادر، فقلت: لا يجب أن نصعد لسطح الفندق، فتحت الباب وإذ بالفدائيين ينامون على السطح، مع اسلحتهم.
حاولنا بكل السبل أن لا يكون هناك مواجهة ففشلنا.
في احدى المرات، طلب مني نذير رشيد دعوة كمال جنبلاط لعمان، واستغربت طلب رشيد، لكني قمت بذلك، وكان جنبلاط نائبا في البرلمان اللبناني، ولم يكن وزيرا للداخلية بعد.
لبى جنبلاط الزيارة، وتكفل رشيد بإطلاعه على كافة مواقع الاستحكامات للفدائيين، وانتشارهم في المدن، وحركتهم المرنة، أمضى جنبلاط نحو 3 أيام، وبعد أن جاء لزيارتي في المكتب أبلغني بأننا سنكون على موعد مع مواجهة الفدائيين، وتنبأ بالأمر، وقلت بأن عندي ذات الانطباع، ذهبنا بعدها لزيارة الحسين، وكان عاتبا على جنبلاط، ومن حصافة جنبلاط قال له: يا جلالة الملك، دعاني مدير مخابراتك، وقبلت الدعوة، أفلا أقبل دعوتك وأنا رجل سياسي.
فشلت كل محاولاتنا، لكننا كنا نخشى بحق أن تقع الواقعة، وأن يكون هناك تدخل خارجي، وهذا ما جعلنا نضع أيدينا على قلوبنا.
وفعلا حدث ذلك، والجيش السوري وصل إربد، وخفنا من اسرائيل، لكن الملك ضغط على الولايات المتحدة، لتبقى اسرائيل على الحياد، كانت الأمور في غاية التعقيد، والمهمة لم تكن سهلة، وكان عملنا في التقارير الأمنية يوثق حجم وأبعاد الأزمة.
أذكر أن قائد أحد الألوية، التي دخلت منطقة الوحدات، قال لي بعد انتهاء الأحداث، وكان تيسير الديري، وكان قائد لواء الأميرة عالية، بأنه لو كان قرأ تقاريري الأمنية لما دخل الوحدات، لأن جبهة من النار، فتحت فوق رأسه وعناصر كتائبه، ولا يعلم من أين تنطلق النيران، وكان هو قائد اللواء، الذي أطلق سراح رهائن الطائرات، التي اختطفت وتم تفجيرها، وكان الرهائن مروا بحراسات الفدائيين من قلب عمان، وصولا للوحدات، وقد اساءت تلك العملية لنا كثيرا أمام المجتمع الدولي، إذ بينت حجم الرخاوة الأمنية للنظام السياسي في المملكة، وهي النقطة التي بدأنا منها وبعدها بالتفكير بإنهاء الوجود المسلح للفدائيين في عمان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الخميس 26 فبراير 2015, 11:41 pm

الحلقة الثامنة من سياسي يتذكر
بدران: العلاقات الأردنية المصرية تعافت عشية حرب 67


الراحل الحسين ولقاء مع الرئيس المصري انور السادات بحضور الأمير الحسن ومضر بدران وآخرين
محمد خير الرواشدة
 عمان- يواصل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران سرد مذكراته السياسية، وما تزال "الغد" تسعى للاستزادة عبر زاويتها "سياسي يتذكر".
واليوم، يكشف مدير المخابرات الأسبق، ومستشار الأمن القومي للراحل الحسين، جانبا من علاقاته مع زعماء عرب.
ويقدم أبو عماد رأيه في الراحل ياسر عرفات ويؤكد بأنه وعلى الرغم من أنه "رجل تكتيكي، كما أنه استراتيجي"، إلا أنه "سحر ببريق السلطة، فمنذ تسلمه رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، غره السجاد الأحمر، وبدأ يريد أن يستعرض بمكانته السياسية، وظلت حركته بين غزة ورام الله مليئة بالاستعراضات والظهور".
وعن العلاقات الأردنية المصرية بين بدران بأنها كانت سيئة على مدى فترة طويلة، لكنها تعافت قبل حرب العام 1967.
ويؤكد بأنه وقبل انفصال الوحدة السورية المصرية، كانت علاقات الأردن مع المصريين ليست على ما يرام، لا بل إننا كنا مستهدفين من دولة الوحدة، ويشير إلى أن عقد الوحدة السورية المصرية تم فرطه بسبب الانقلاب العسكري الذي نفذه رئيس الحكومة السورية بعد الانفصال مأمون الكزبري، و"طبعا كان انقلابا مضحكا"، بحسب وصف بدران.
ويقدم بدران اليوم رأيه بالرئيس المصري جمال 
عبد الناصر، الذي اعتبره صادقا مع الملك الحسين بعد أن تعافت العلاقات الأردنية المصرية.
ويرى بدران بأن المؤشر على تعافي العلاقات السياسية بين الأردن وأي خصم عربي آخر، كان مدى تعاون اجهزة المخابرات بينهما.
أما عن محمد أنور السادات، فأكد مدير المخابرات الاسبق مضر بدران بأن للمخابرات الأردنية الدور الأهم في كشف مخططات السادات، منذ أول أيام حكمه، فقد كان لها مصدر مهم في القصر الجمهوري، وكان يرسل باجتماعات السادات أولا بأول.
وفيما يلي نص الحلقة الثامنة:
* بدأت الحديث في الحلقة الماضية، عن وجود الفدائيين المسلحين في عمان، هل نستطيع البدء بالحديث عن إرهاصات أيلول؟
-قلتها سابقا، وأعيد التذكير بها هنا أيضا؛ بأننا حاولنا دفع الفدائيين والفصائل المسلحة نحو الضفة الغربية، وليس عمان، وقلنا لهم العدو هناك، ونحن وظيفتنا تسهيل التسلل وتأمين السلاح بحدود قدرتنا، وكنت أقصد هنا فتح تحديدا، وفي مرة تجادل ابو عمار مع غازي عربيات، الذي كان مديرا للاستخبارات العسكرية وقتها، واتهم عربيات ابو عمار بأن فتح لا تدخل الضفة، وإنما تضرب من داخل حدودنا أهدافا اسرائيلية، وكان لهذا الأمر خطورة عسكرية بالغة علينا.
استفزت كلمات عربيات أبو عمار، وأرسل بعدها بـ18 فدائيا، جميعهم قتلوا هناك، طبعا لم يكن عربيات يريد أن يتهم أحدا أو ينتقد أحدا، لكنه تحدث بانفعال، لأنه يريد لإسرائيل أن تتألم، وأن حركة الفدائيين كانت غطاء عربيا جيدا، فنحن مهزومون بالحرب، وليس لنا قدرة سوى بدعم الفدائيين وتسهيل مهمتهم.

*وماذا تقول عن شخصية ابو عمار، وقد عرفته أنت جيدا على مدى فترة طويلة؟
-هو بلا شك رجل تكتيكي، كما أنه استراتيجي، لكن بظني بأن عرفات سحره بريق السلطة، فمنذ تسلمه رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، غره السجاد الأحمر، وبدأ يريد أن يستعرض بمكانته السياسية، وظلت حركته بين غزة ورام الله مليئة بالاستعراضات والظهور.
كان ابو عمار يزورنا دوما، وكنت دائما أخرج لاستقباله، لما كنت رئيسا للحكومة، وفي احدى المرات، طلب مني عدم الاهتمام بخروجي لاستقباله، لأنه دائم التردد لعمان، فقلت لا "أريد أن أظل أقوم بذلك حتى لا تضلك رايح جاي على عمان"، قلتها على سبيل الممازحة طبعا.
بالمناسبة، تربطني علاقة جيدة بجميع زعماء الفصائل الفلسطينية المسلحة، وباستثناء جورج حبش، الذي لم نكن نعرف بعضنا بالشكل، لكن حتى هو بادر لحمايتي، عندما علمت الجبهة الشعبية، بأني مصاب واتعالج في أحد مستشفيات بيروت خلال أحداث أيلول، وهناك قال عني للدكتور أسامة الخالدي، بأني بحمايته، لأني رجل صادق، وهذا على ذمة الخالدي.

*يُقال عن أبو عمار، بأنه ظل مراوغا في تعامله مع الأردن؟
-قد يكون تقييمي له بأنه مراوغ، خصوصا إنني لا أؤمن سوى بالصراحة والمكاشفة، في العمل، لكن كانت علاقة ابو عمار جيدة بمشهور حديثة الجازي، وحتى صديقه، لم يسلم من مغامرات ابو عمار في عمان، فمرة كنا نجتمع في مقر القيادة العامة، فدخل علينا مشهور، ومنظره كمن خرج من انفجار منذ لحظات.
وإذ به، فعلا، قد تعرضت مركبته لصاروخ (آر بي جي)، وخرج من الموت بأعجوبة، فقلت لابي عمار ماذا تفعل بصديقك؟ فقال عرفات ممازحا: لم يكن مشهور باشا المقصود، لكنه أثنى على من وجه الصاروخ، لأنه اقترب من إصابة الهدف.
كنت مع ابو عمار دائم الجدال، وظل هو يهرب من مصارحتي، فيما كنت احتاط له دائما بالمعلومات، دون أن اتركه يمارس مراوغته معي، وحتى لا أكون صيدا سهلا له.
ذات مرة، بدأ إطلاق النار في منطقة جبل التاج، وطلبت من القيادة العامة، أن لا تبعث مشاة نحو المنطقة، والاكتفاء بإرسال مجنزرة للمكان، وبدأ الفدائيون يتصلون ببعضهم، يحذرون من في جبل التاج من المواجهة، لأن هناك مجنزرات قادمة نحوهم، طبعا كانت هي مجنزرة واحدة، كنا نراقب جميع اتصالاتهم ونسجلها، وفعلا وصلت المجنزرة وإذ بمصادر إطلاق النار تبخرت، وإذ بأبو عمار يأتي إلينا، ويقول إن الجيش يستفز الفدائيين، وإن الفدائيين ردوا على اعتداء الجيش عليهم، وبالغ في وصف الحدث، وكأنه كان موجودا وسطه، فقلت له بمنتهى الهدوء: لقد سجلنا المكالمات بين الفدائيين، وكيف تم ابلاغ مصدر إطلاق النار في جبل التاج، بضرورة الهرب قبل وصول مجنزرات الجيش العربي، وإذا واصل مبالغاته فإنني سأكون مضطرا لإحضار شرائط التسجيل وإسماع كل من في القاعة.
لقد كان هامش الخطأ في تلك الأيام مكلفا؛ حتى أني أذكر في اجتماع آخر جمعني والراحل الملك الحسين وقائد الجيش الشريف ناصر بن جميل، وكنت أعرف ومطّلع على جميع التقارير الأمنية، واقترح الشريف ناصر أن يبعث بعناصر مشاة لأحد مواقع إطلاق النار، فاستأذنت من الراحل الحسين بأن أتحدث، وقلت بأني لا أمتلك الخبرة العسكرية الواسعة، لكن ومن منطلق اطلاعي على التقارير الأمنية، ومعرفتي بطبيعة المنطقة المستهدفة، فإن إرسال عناصر من المشاة فيه تهديد وخطر على حياتهم، لأن اسطح البنايات كانت مواقع لاستحكامات الفدائيين، وأن ذلك يعني سهولة استهداف أي من المشاة المارين من بين تلك البنايات.
لذلك علينا ارسال مجنزرات وليس مشاة، اعترض الشريف، وقال بأن الدبابات من الصعب أن تدخل إلى شوارع ضيقة، قلت إذاً ألغِ العملية، وهدد بالقوة، لكن لا تستخدمها، كنت مقتنعا بأن الترهيب، قد يأتي بنتيجة ويلغي فرص الاشتباك، والفدائيون كانوا يقرون بتفوق الجيش العربي عليهم، عددا وعدة وخططا وتدريبا.
والنتيجة كانت بأن الراحل الحسين انحاز لموقفي، ضد الشريف ناصر بن جميل.

*هل حاول ابو عمار التأثير على علاقة الراحل الملك الحسين بجمال عبد الناصر؟
-لقد كانت العلاقة الأردنية المصرية سيئة، على مدى فترة طويلة، لكنها تعافت قبل حرب العام 1967.
وقبل انفصال الوحدة السورية المصرية، كانت علاقاتنا مع المصريين ليست على ما يرام، لا بل إننا كنا مستهدفين من دولة الوحدة، وما إن فرط عقد الوحدة السورية المصرية بسبب الانقلاب الذي نفذه رئيس الحكومة السورية بعد الانفصال مأمون الكزبري، وطبعا كان انقلابا مضحكا، فالكزبري كنت قد رأيته في عمان أكثر من مرة، ولم أكن أجد أي مبرر لوجوده عندنا، لكن بعد الانقلاب، الذي نفذه عدد قليل من قوات البادية السورية، وكان عبر احتلال الإذاعة السورية، وإعلان البيان رقم واحد، وبعدها صار الانقلاب أمرا واقعا.
لقد كان وقتها عبد الحكيم عامر موجودا في سورية، ولم يحرك ساكنا، وحافظ الأسد استغرب الانقلاب هذا، وقالها لي ذات مرة، ونحن نتحدث عن فترة الانقلابات العسكرية في سورية.
طبعا، كانت فترات صعبة مرت على الأردن، السعودية ضد مصر، والعلاقات الأردنية والمصرية ليست جيدة، وحادثة نسف الرئاسة واستشهاد هزاع المجالي بعملية أعلن عنها المكتب الثاني في سورية، والمحاولات الانقلابية المتتابعة.
لكن قبل حرب العام 1967 بدأت العلاقات الأردنية المصرية تستعيد عافيتها، واستمرت علاقاتنا مع عبد الناصر تتطور حتى العام 1970.
وأذكر أننا ذهبنا في زيارة مع الراحل الحسين للقاهرة، ونزلنا في أحد القصور هناك، فجاءنا عبد الناصر، وأخذنا إلى الاسكندرية بالقطار، بسبب أن طقس الاسكندرية أجمل من طقس القاهرة، ونزلنا في شقة بالقرب من فندق فلسطين، وهناك اجتمعنا، وقال الحسين لعبد الناصر إن الجيش العراقي يريد أن يساعد الفدائيين على إنهاء نظامه، لكن عبد الناصر أكد للحسين بأن الجيش العراقي مهمته فقط مواجهة إسرائيل، إن تطورت أحداث الحرب، وتساءل الحسين وإن تدخل الجيش العراقي لصالح الفدائيين، فرد عبد الناصر بانفعال، بأنه سيقصف الجيش العراقي وقتها، فتفاجأ الراحل الحسين.
بعدها سألني الحسين عن مصداقية عبد الناصر فيما قال، فقلت: بأنه صادق، لأنه لم يكن ملزما بقول ما قاله.
بالنسبة لي دائما، كنت أقولها بأن المؤشر على تعافي العلاقات السياسية بين الأردن وأي خصم عربي آخر، كان مدى تعاون اجهزة المخابرات بينهما.
كنا على علاقة طيبة بضابط من المخابرات المصرية، وكان برتبة عميد، وكان قريبا جدا من عبد الناصر، وهو المكلف بالتحقيق بأسباب سهولة القصف الإسرائيلي للمطارات المصرية في حرب الـ67.
وسألته ذات مرة عن نتائج التحقيق، فقال: هناك لم نصل لشيء، لكنه كان متأكدا من وجود خيانة، وأضاف بأن المستقبل كفيل بكشف كل شيء، فقلت: وما نفع ذلك لأن المواجهة مع اسرائيل مستمرة.
كما سألته عن الرجل، الذي سيأتي بعد عبد الناصر، فنفى معرفته بالأمر، لأن عبد الناصر كان يحيرهم دائما، فلما كان يسافر، يأتي بنائبه علي صبري، على يمينه وانور السادات نائبه الثاني على يساره، فنعرف بأنه راض عن صبري، ومرات أخرى يفعل العكس، فلم تعد المخابرات المصرية تفهم على الرئيس عبد الناصر، لكن إن سألتني لقلت لك، بأني كنت أفضل علي صبري على انور السادات، وكان هذا رأيي قبل أن أعرف من صديقنا في المخابرات المصرية بأن انور السادات كان يكره الراحل الحسين كثيرا.
أبلغت الراحل الحسين بذلك، واستغرب الحسين من الأمر، وذات زيارة لم يكن السادات موجودا في الاجتماع، فاستفسر عنه الحسين، كنوع من ترطيب المواقف بينهما، وقيل إنه في مهمة خاصة وقتها.

*وهل بقيت علاقة السادات بعد استلامه رئاسة مصر، بالراحل الحسين متوترة؟
-أنا لم أكن مهتما بالعلاقة الشخصية بين السادات والحسين، بل ظل في خاطري سؤال ماذا سيفعل السادات بعد عبد الناصر، وبماذا يفكر، وفعلا كان للمخابرات الأردنية الدور الأهم في كشف مخططات السادات، منذ أول أيام حكمه، فقد كان لنا مصدر مهم في القصر الجمهوري، وكان يرسل لنا باجتماعات السادات أولا بأول.
وكنت أقرأ محاضر تلك الاجتماعات باهتمام، وكنت أقرأ مثلا، كلامه عن قوة إسرائيل غير الذاتية، التي تستمدها من الولايات المتحدة الأميركية، وأنه سيستبدل اسرائيل بمصر ويجلس في حضن أميركا، وعندما تكون مصر بقوتها، سيكون الأمر مغريا للولايات المتحدة، ويقول إن هذا الأمر يحتاج إلى وقت ولن يكون خلال يوم وليلة.
ويقول السادات: ما لمصر والاتحاد السوفياتي، فأميركا هي القوة العظمى القادمة اقتصاديا وسياسيا، وكنت أطلع الراحل على كل محاضر الاجتماعات تلك، ويقرأ ويتفاجأ، ويقول: مش معقول هذا الكلام، لكنه لما عرف مصدر معلوماتنا اقتنع، وقد كان مصدرنا هو كاتب تلك المحاضر نفسه.
في حرب العام 1973، زرت مواقع في سيناء، واطلعت على خطط الجيش المصري للمواجهة، وحضرت جنازة عبد المنعم رياض بعد استشهاده، وقد اطلعت فعلا على جانب من التحضيرات، والتي كان قد دبرها رئيس هيئة الاركان المصري حينها سعد الدين الشاذلي، وهو من درب على تنفيذ كل تلك العمليات والتحضيرات.
كانت لدينا معلومات، عن حركة الجيش الإسرائيلي، واستطعنا تقدير نقاط الضعف والقوة في المعركة المفترضة، وكان الفضل لعمق معلوماتنا، التحليل العسكري لقائد الجيش وقتها عامر خماش، وكانت له علاقات طيبة مع الجيش المصري، وفعلا أمره الراحل الحسين بزيارة القاهرة، وتقديم التحليل العسكري للمعركة وعرضه على السادات.
وفعلا، وقعت المعركة، وكان خطأ الجيش المصري بأنه طمر القناة، ولم ينشئ جسورا، وكان وصول الجيش الإسرائيلي سهلا، وكانت تقديراتنا تشير إلى أن الإسرائيليين باستطاعتهم وصول القاهرة، لكنهم لا يريدون الدخول على المدنيين، فالخروج سيكون صعبا، وفعلا هذا ما حللته الصحافة الإسرائيلية بعد المعركة.
تفاجأنا بردة فعل السادات، الذي قال بأنه مدرك لتلك المخاطر، وأهمية سد نقاط وثغرات الفراغ بين الجيشين، فرد خماش بانفعال: أنت لا تعلم نحن الذين نعلم، الدبابات تسير باتجاهك، وأنا قادم بالطائرة، لاستعجل النصيحة، وعليك معالجة نقاط الضعف، في جيشك قبل أي مواجهة، وبعدها فعلا، خرج رئيس هيئة الأركان الشاذلي، وقال بأنه نصح السادات ذات النصيحة، لكنه لم يستمع له، وفعلا فقد جادل السادات خماش وحده، ولم يستعن بخبرات القادة العسكريين من الجيش المصري، علما بأن السادات لا يملك الخبرة العسكرية الكافية.

*وماذا عن الموقف السوري في أحداث أيلول، ولماذا حاول السوريون مساندة الفدائيين من الشمال؟
-الهجوم السوري على اربد أنكره السوريون، وبعد تلك الحادثة، اكتشفت تفاصيل اتصالات بين الراحلين الحسين والأسد، عندما كان الأسد وزيرا للدفاع، وأن الحسين أبلغ الأسد بأن دخول الجيش السوري هو اعتداء، ومن حقنا الرد بالطريقة التي تحمي سيادتنا على أرضنا، رد الأسد بالقول، بأن هؤلاء فدائيون، وأجابه الحسين: وهل يملكون الدبابات؟ فأجاب الأسد بالإيجاب، ثم عاد الحسين وأبلغه بأنه سيضرب دبابات الفدائيين بطائرات سلاح الجو، وسأله مازحا، إن كانوا يملكون طائرات أيضا، وساند سلاح الجو، قوات المدفعية، التي أبلت بلاء حسنا في تلك الحادثة.
حتى أن مدير مخابرات إربد، ومحافظ إربد، اعتقلهما الجيش السوري، وأفرج عنهما السادات بعد مقابلته لمدير مخابرات إربد، الذي ما زلت أذكره حتى اليوم، وهو المقدم جميل ازمقنا.
لم أكن مؤمنا بيوم من الأيام بالخصومة بين دول الحدود مع اسرائيل، لكنهم فعلا استفزونا، في أكثر من حادثة، حتى تلك الأنباء التي وصلتنا عن حشد سوري على حدود الأردن، بسبب قطع الامدادات عن الجيش العراقي، خلال حربه مع ايران، فقد كان خط التزويد الرئيس هو ميناء العقبة.
لما سمعت عن الأمر، طلبت من الشريف زيد بن شاكر وقتها، أن يحشد على الحدود السورية، فقال لي بأنه بذلك سيسحب من الفرق على الحدود مع إسرائيل، طلبت منه أن ينقل بالسرعة الممكنة حشودا على الحدود السورية، لمدة زمنية لن تكون طويلة، وعندها اعترف ابو شاكر، بأن غطاء القوة لديه ليس كافيا، وأنه بحاجة لنحو 17 الف جندي اضافي.
وقلت للحسين وقتها، بأن هذه الخطوة نقوم بها لتفادي المواجهة مع السوريين، وليس لاستعجال المواجهة، وأقر الحسين رحمه الله بأهمية الفكرة وإمكانية تحقيق أهدافها.
ولما أصر ابو شاكر على أن غطاء القوة ليس كافيا، قلت نعلن التعبئة العامة، وعندها قال بأن ذلك سيكون صعبا، وبدأت في تحدي الحالة الحرجة التي نمر بها.
طلبت شيوخ ووجهاء ومخاتير المناطق، وطلبت منهم إعلان التعبئة العامة بهدوء، وذلك بالوصول للمنازل، التي يتواجد فيها شباب تجاوزوا الـ18 عاما، والطلب من ذويهم للالتحاق بالجيش.
وفعلا بدأت الأعداد تتزايد، وكنت تحديت ابو شاكر بأني قد استطيع تأمين 1000 مجند، وإذ بهم تجاوزوا الـ17 ألفا، الذين احتاجهم هو، حتى اتصل معي وقال توقف فلم يعد عنده بطانيات وأسرة وملابس للمجندين.
وكانت أكبر الأعداد التي التحقت بالجيش العربي، هي من مخيم الوحدات، لم يكن الأمر بسيطا في تقديرنا، فأن يأتي إليك الناس، ملبين نداء نجدة الوطن، فهو تأكيد على الثقة التي يملكها النظام الرسمي ومؤسساته.
وبدأوا يخرجون في مسيرات بالوحدات، وبعثوا ببيان لياسر عرفات، بأنهم لن يسمحوا له العبث بالأمن الأردني مجددا، خشية منهم أن ينحاز للسوريين على حساب الأردن، وأنه ان حاول دخول الأردن بنية الخراب، فإنهم سيجعلونه يسير على الجمر.
بعد انتهاء حالة الطوارئ تلك، جمع ابو شاكر المجندين، قبل أن ينصرفوا لمنازلهم، ويعودوا لأعمالهم، والتقاهم الراحل الحسين في ساحة عامة، والقى عليهم خطابا، اثنى به على وطنيتهم، تفاجأت بالمشهد، كنت أقف خلف الراحل الحسين، وكم كان المشهد عفويا وصادقا ومفرحا، وفعلا هذه الصورة لهم، ما زلت احتفظ بها، وكلما تحدث أحد بإقليمية عن أردني أو فلسطيني، دائما ما أذهب لتلك الصورة، التي جمعت كل أبناء الوطن، من مناطقه كافة، درعا وحماية له، وفعلا ما زلت احتفظ بهذه الصورة التي اعتز وافتخر بها.
وفعلا، في احدى المرات دخل أحدهم للراحل الحسين في القصر، وبدأ يتحدث عن الفلسطينيين بوصفهم شعبا آخر، فصرخ الحسين بوجهه، وقال: "شو رأيكم أنادي الفلسطينيين وأقول لهم شوفولكم ملك غيري، أو أنادي ابو عمار، يصير ملك عليهم في الأردن، شو انتو مجانين"، وكان رحمه الله، نادرا ما يسيء في كلماته، أو يجرح أحدا بها.
وتابع: "بدكم أفصلهم.. ليش؟ أنا رجعت القدس والضفة الغربية عشان أرجعهم لبلادهم؟! شو مجانين انتو!!".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 1:37 am

الحلقة التاسعة من سياسي يتذكر
بدران: تركت المخابرات قبل شهر من أحداث أيلول لإصابتي بالديسك


الراحل الحسين بن طلال في حديث مع مضر بدران وعدنان ابو عودة باحدى المناسبات
محمد خير الرواشدة

عمان -  يدخل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، اليوم بسرد تفاصيل عديدة عن العلاقة بين الاردن والمخابرات الاردنية والمخابرات الاميركية، وقصة ضابط الـ،"سي اي ايه"، في عمان خلال مرحلة الستينيات.
بدران، في حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر"، يفتح ذاكرته للحديث حول تداعيات حرب 1967 مع اسرائيل، مرورا بمعركة الكرامة العام 1968، وصولا الى ارهاصات ومقدمات احداث ايلول العام 1970.
ويكشف مدير المخابرات الاسبق، في حلقة اليوم، بعض اسرار تلك المرحلة، وذكر من بينها، ان السفير السوفياتي في عمان يومها شكا لرئيس الوزراء الاردني بهجت التلهوني، من زرع اجهزة تنصت في منزل احد موظفي السفارة، ليتبين لنا، ان من زرع هذه الاجهزة هم الاميركان.
كما استذكر ايضا قصة عميل مزدوج، كان يعمل مع المخابرات الاردنية، قبل ان تجنده المخابرات الاميركية، واعترف بذلك في التحقيق معه، حيث كلف هذا العميل من قبل السفارة الاميركية بالسفر لبرلين، للتجسس على قريب له هناك، تبين انه محمود الزعبي، الذي تسلم لاحقا رئاسة الحكومة السورية، وقد رفضنا الافراج عن المصدر، ولم يتم استكمال العملية.  
يقول بدران، ان ذلك دفعه الى مفاتحة الملك الراحل الحسين بن طلال، في ضابط المخابرات الاميركية في عمان، العمل بالضد من مصالحنا، وعدم التنسيق معنا. وينقل بدران حوارا بينه وبين الحسين في هذا السياق، حيث سأل بدران الملك الراحل: أريد أن أعرف: الأميركان معك ام ضدك؟!" فقال هؤلاء يريدون مصلحتهم وحسب، فقلت له جيد، إذا ونحن لنا مصالحنا".
وكان بدران استعرض في حلقة الامس، تطور علاقات الاردن بدول عربية كانت خصما للمملكة وناصبتها العداء السياسي في عقد الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، لافتا الى ان العلاقات الأردنية المصرية "كانت سيئة على مدى فترة طويلة، لكنها تعافت قبل حرب العام 1967".
ووصف بدران الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر "كان صادقا مع الملك الحسين"، بعد أن تعافت العلاقات الأردنية المصرية، لكنه حمل بشدة على موقف الرئيس المصري اللاحق انور السادات، الذي اكد بدران انه "كان يكره الاردن كثيرا".
 كما استعرض بدران امس، تفاصيل مثيرة، لبعض الاحداث والمحطات التاريخية، التي قادت في النهاية، الى الصدام، واتخاذ القرار في عمان، بوقف تغول المنظمات الفدائية على السلطة والسيادة الاردنية، والاضرار بمصالح الشعب الاردني.

وفيما يلي نص الحلقة التاسعة.
*قبل أن نبتعد عن تسلمك إدارة دائرة المخابرات العامة، هناك حدثان أود السؤال عنهما، الأول علاقتك بضابط الـ"سي أي إيه"، الذي كان يعمل في السفارة الأميركية وقتها، والثاني معركة الكرامة ودور المخابرات فيها؟
-أولا، العلاقة هنا لم تكن شخصية، فالعلاقة دائما ما تنشأ بين أجهزة الاستخبارات والمخابرات في العالم، وقد كان هذا الضابط يعمل مدنيا في السفارة الأميركية في عمان، وكنت أراه دائم الزيارة لأبي رسول، لما كان مديرا للمخابرات قبلي، ولما استلمت الدائرة من بعده، بدأ يأتي لزيارتي.
لكن بالنسبة لي، لم أكن أحب أن أتعامل مع هذا الرجل، وإمعانا في "تطفيشه" قلت له في احدى الزيارات، بأني أفضل أن ألتقيه خارج مكتبي، واتفقنا على اللقاء في مكتب فرعي لدائرة المخابرات في مكان آخر، خصوصا وأني أبلغته بترحيبي بالتعاون الرسمي، لكني ضد وجوده في مكاتبنا لساعات طويلة، خصوصا وأننا مشغولون بملفات كثيرة.
لقد كان في خاطري أن أرتب شؤون العمل مع هذه الجهة، ولا أريد أن أخسرها، لكني لست مطمئنا لمدى التزامها بالعمل معنا، لأنني مدرك تماما، بأن مصلحة السفارة بالدرجة الأولى هي مصلحة الولايات المتحدة وليست مصلحتنا.
عندها، ولما جاءني في أول زيارة للمكان الجديد، الذي اتفقنا عليه، أبلغته بأن لي شروطا للتعاون معه، وقلت له بأن أول الشروط، هو الالتزام بعدم تجنيد أي مصدر لـ"سي أي إيه" في الأردن، من دون علمي، لأن ذلك سيعرض، حياة مواطن أردني للخطر، وأنني لا اسمح بذلك، خصوصا إذا ما انكشف أمر ذلك المصدر.
ثم أبلغته بأني أرفض رفضا مطلقا، بأن يتم زرع ميكروفونات التجسس داخل أي منزل أردني، حتى لو كان ذلك بحجة أن موظفا في السفارة الأميركية سيسكن ذلك المنزل، لأني لا أطمئن إن غادر الموظف البيت وأخلاه، ان يسكنه بعده مواطن اردني، وأخاف أن يكون مسؤولا أردنيا هو الساكن الجديد، وأنا لا أقبل بالتنصت على أي مسؤول أردني.
ثم طلبت منه بأن أي معلومة أمنية يطلبها، فإننا سنطلب مقابلها معلومات أيضا، وفي حال أخل هو بالاتفاق، فأنا أيضا في حل من أمري.
كنت أعلم بأنه لن يلتزم بشروطي، لا بل كنت متأكدا، وفعلا في احدى المرات اتصل بي رئيس الوزراء، وكان بهجت التلهوني، فقال بأن سفير الاتحاد السوفياتي في مكتبه، ويتهمنا بأننا وضعنا أجهزة التنصت في منزل أحد موظفي السفارة.
أكدت له، وأنا على الهاتف، بأننا لسنا من وضع هذا الجهاز، وإن كان هناك من فعل ذلك، فهو شخص نعرفه، وهو ضابط الـ"سي أي إيه"، فقال السفير السوفييتي للتلهوني، بأن الجهاز تم وضعه بطريقة بدائية، فقلت للتلهوني، إذا لسنا من وضعه، لأننا نحسن طريقة عملنا ولا نتصرف بمثل هذه الطرق البدائية، وأن الأميركان وضعوه بهذه الطريقة، ليتم اتهامنا نحن فيه.
في قصة أخرى، ظل أحد ضباط العمليات، يأتيني في كل شهر، ويطلب مني أن أزيد مخصصات أحد مصادره، كرر الطلب علي مرتين، ورفضت، وفي الثالثة جاءني وطلب مني ذات الطلب، وقلت له أجل الأمر، بعدها بقليل عاد لي، ليبلغني بأن مصدرنا هذا فتح محفظة النقود، الخاصة به، ولفت انتباهه وجود أموال كثيرة فيها، فقلت له عليك باعتقاله الآن، قبل أن يبتعد.
مباشرة أحضر الضابط مصدره، وأمرت ببدء التحقيق معه، وبدأ المصدر بإلادلاء بتفاصيل مريبة، وقال بأنه يريد التوجه لألمانيا الشرقية برلين، وأن له قريبا ويريد أن يذهب إليه ليأتي ببعض الأخبار من عنده، وخلال التحقيق اعترف بأن السفارة الأميركية طلبت منه ذلك، وأنها مولت له السفر إلى برلين، فعرفنا بأنه عميل مزدوج.
طبعا، كشفت التحقيقات بأن هذا الرجل القريب في برلين هو محمود الزعبي، الذي أصبح لاحقا رئيسا للحكومة السورية، وقد كان مقيما في برلين، وأن الولايات المتحدة تريد استمالته لصالحها، والاستفادة من أي معلومات بحوزته.
وتابع المصدر اعترافاته، بأن الأميركان طلبوا منه في حال عودته لعمان، ولم يجدهم أن يذهب لبيروت، وإن لم يجدهم هناك، فعليه أن يذهب لأثينا، وأعطوه كافة العناوين اللازمة، ثم اكتشفنا بأن العقل المدبر للعملية، هو الملحق التجاري في السفارة، وليس ضابط الـ"سي أي إيه"، وهو ما زاد حيرتنا في الأمر.
فعرفنا بأن الولايات المتحدة، تريد أن تسحب مكتبها الاستخباري من عمان وبيروت، لذلك أعطوه عنوانهما في اثينا.
مباشرة، جاءني ضابط الـ"سي أي إيه"، وقال لي بأن العملية مهمة بالنسبة للولايات المتحدة، وأنهم يريدون اتمامها بسرعة، فقلت لن أقبل بتعرض مواطن أردني للخطر، وسألته ما شأن الملحق التجاري بالأمر، فأنكر تماما، ثم غادر بعد أن رفضت الافراج عن المصدر.
عرفت بأنه سيذهب للملك الحسين، هاتفت جلالته، وقلت أريد أن أقابلك، فقال إنه متواجد في مكتبه في القيادة العامة، تحركت باتجاهه، وأبلغته بتفاصيل القصة، وسألته بفجاجة: أريد أن أعرف: الأميركان معك ام ضدك؟!" فقال هؤلاء يريدون مصلحتهم وحسب، فقلت له جيد، إذا ونحن لنا مصالحنا.
وطلب مني الراحل الحسين، أن انتبه، فبعد اسبوعين سيزور واشنطن، مباشرة أفشلت العملية، وتركت المصدر في السجن، وبعد عودة الراحل الحسين قال بأنه أبلغ رئيس الولايات المتحدة نيكسون بالأمر، وأنه اعترف بأن "سي أي إيه" وراء تلك العملية.
كنت أتعامل مع هذا الضابط الاميركي بندية واضحة، وما كنت أقبل أن يعاملنا بأقل من مستوى التعاون الأمني المتعارف عليه بين أجهزة المخابرات والاستخبارات في العالم.
في احدى المرات، جاءني لطلب معلومة أمنية، طلبتها إدارة المخابرات المركزية، فقلت له أعطيك إياها بشرط، وهو أن تعطوني اسم مصدركم في قيادة حركة فتح في الكويت، فقال: لا استطيع، فاعتذرت له بأني لا استطيع أيضا التعاون معه، وقلت له: ما دمتم تحمون مصالحكم، فأنا أحمي مصالحي.
*وماذا عن دوركم في معركة الكرامة؟
-نحن كنا نعمل على جبهات متوازية، صحيح، بأن جبهة أقل سخونة من جبهة، لكننا وحدنا أهدافنا، تجاه اسرائيل وما تخطط له.
في ذلك الوقت، بدأ ظهور المسلحين في المدن الرئيسية، والشعارات التي كانوا يطلقونها نارية، مثل "السلطة.. كل السلطة للمقاومة"، في الوحدات صاروا يقومون بعمل الحكومة، أصدروا عقود زواج، وفصلوا في أحكام الطلاق، وأخذوا ضرائب من البسطات في الوحدات، هذا في الداخل، أما في الخارج، فكانت اسرائيل تضغط على أعصابنا، ونريد أن نظل متيقظين لخطرها، حتى بعد احتلال الضفة في العام 1967.
قبل احتلال الضفة كان لنا مكتب مخابرات في مدينة الخليل، طبعا بعد الاحتلال جاء الضابط الرئيسي إلى عمان، وبقيت العناصر في الخليل عالقة هناك، وكان من بين العناصر من احتفظ بجهاز لاسلكي، أخفاه في احد كروم الخليل،  فبدأ يرسل لنا بإشارات من الجهاز، فتتبعناه، وبدأ يبعث لنا بأخبار عن تحركات للجيش الاسرائيلي، باتجاه الحدود الشرقية، وكان ذات العنصر مقتصدا في استخدام الجهاز، حتى لا ينكشف أمره، ولما بدأ التحشيد في الداخل الاسرائيلي، وتوفرت عنده المعلومات، أرسلها لنا عبر الجهاز، ومن عنده عرفنا بأن هناك معركة قادمة، وعلينا ان نتحضر لها.
وبدأ الاستعداد للتعامل مع المواجهة، وكان مدير الاستخبارات العسكرية غازي عربيات وقتها، وتم تحضير كل الخطط المطلوبة، من خطط المواجهة، ومناطق الاقتحام المفترضة للجيش الإسرائيلي، تم رصد الطريق بشكل جيد، وتوزيع المدفعية، التي تمركزت في منطقتي عيرا ويرقا، وقليلا ما أخطأت مدفعيتنا أهدافها، كما علمنا عن سقوط طائرة إسرائيلية، وهي من طراز "فالكوم"، لكنها سقطت في الخليل.
طبعا توزع ضباطنا، مسلحين بمضادات الدبابات، في "دكاكين" كانت في الشونة، وما أن مرت الدبابات، حتى تم تفجير تلك الدبابات، التي تم عطبها وقتل الجنود الإسرائيليين بداخلها، وفي اليوم التالي، رأينا كل ذلك بأم أعيننا، وقد كانت من المرات النادرة التي يترك فيها الإسرائيليون رفات جنودهم وراءهم.
حاولنا أن نقول للفدائيين، بأن المعركة صعبة، وعليكم الانسحاب، لأن هذه معركة جيوش وليست معركة أفراد، وأن اسلحتكم خفيفة، لكنهم أصروا على القتال، واستشهد منهم أكثر من 100 فدائي.
 مصدرنا في الخليل تم إلقاء القبض عليه، وبقيت مصرا على إطلاق سراحه، وبقيت اسميه أسيرا، حتى تنطبق عليه شروط الاتفاقات الدولية، مثل اتفاقية جنيف، وفعلا تم الإفراج عنه، طبعا كان لمحمد رسول الكيلاني الفضل في أنه تنبه سلفا لضرورة أن يعامل ضباط وأفراد المخابرات معاملة ضباط وأفراد الجيش العربي، وتم وضع ذلك في القانون حتى تنطبق علينا وعليهم اتفاقيات الحرب الدولية.
أما إن تم أسره كجاسوس، فلن تنطبق عليه شروط الاتفاقيات الدولية تلك، كان لدى أسره برتبة عريف، وبما أن الأسير تتضاعف رتبته، بنفس مدة خدمته، فقد أفرج عنه، وهو يحمل رتبة ضابط، وبقي في المخابرات لمدة من الزمن، ثم طلب احالته على التقاعد، ليعود لمدينة الخليل. 
*بعدها بنحو عامين، كانت احداث أيلول، ولم تكن مديرا للمخابرات وقتها، فأنت استقلت قبل الأحداث بأشهر، كيف استقلت وما كانت رتبتك العسكرية؟
- صحيح؛ فقد بدأ مرض "الديسك" يتعبني فعلا، وفقدت القدرة على الحركة في بعض الأيام، نتيجة ساعات العمل الطويلة، حيث كان عملنا يستمر لأكثر من 16 ساعة يوميا.
ولما سافرت لبريطانيا للعلاج من آلام الظهر، سافرت بجواز سفر، كتبت فيه المهنة رجل أعمال، ولما رآني الطبيب، وأجرى الفحوصات اللازمة لي، سأل: أنت رجل أعمال؟ قلت نعم، فاستغرب الطبيب، وقال عليك فقط تغيير مهنتك لكي تتعالج، فالعملية قد تريحك مؤقتا، لكن ما دام عملك بهذه الساعات، فإنك لن تشفى وستعود الآلام من جديد، وأشعرني بأنه يعرف ماذا أعمل.
على إثر كلام الطبيب، عدت إلى عمان، وتركت المخابرات نتيجة اآلام الظهر، وانتقلت للعمل أمينا عاما للديوان الملكي.
وكان هذا في حزيران "يونيو" من العام 1970، وجاء بعدي نذير رشيد مديرا للمخابرات، وفعلا فقد كنت أخطط بعد المخابرات، أن أترك العمل، واتوجه لمهنة المحاماة، وافتح مكتبا خاصا، لذلك طلبت من الراحل الحسين أن يرجئ ترفيعي من رتبة عميد إلى رتبة لواء، لهذا السبب، فقد كانت كلفة لقب "باشا" باهظة، في ذلك الوقت، خصوصا في مهنة المحاماة.
ولما استدعاني رئيس الوزراء عبد المنعم الرفاعي، ليعلمني بأن الملك استدعاني، لأكون أمينا عاما للديوان الملكي، قلت له، لو طلبتم مني أن أكون وزيرا لرفضت، أما وقد استدعاني سيدنا فأنا لا أستطيع إلا أن أمتثل لأوامره في العمل في ديوانه.
وطلبت من الرفاعي بأن يمنحني رتبتي، التي طلبت من الملك الحسين إرجاء منحي إياها، فحملت الرتبة ليوم واحد، وبعدها باشرت عملي في الديوان الملكي.
في تلك الأيام، استدعاني الملك الحسين رحمه الله، وكان نذير رشيد موجودا، وقال لنا بأنه سيشكل حكومة عسكرية، ولم استحسن الأمر، وقلت له: لماذالا نأتي بشخصية مدنية تشكل حكومة مدنية، وتكون لها موجوديتها وسيطرتها على الأرض، فقال الراحل الحسين ومن تقترح، قلت جعفر الشامي، وكان شخصية قومية، ولها قدراتها العالية، فوافق الحسين.
مباشرة ذهب نذير ليقنع الشامي بتشكيل حكومة، وعاد إلينا مسرعا، وقال بأن الشامي اعتذر.
فقال الحسين، إذا شكلها ابو عماد (مضر بدران)، فقلت: لا، أنا لست جاهزا للانتقال من المخابرات للحكومة، ومن المبكر أن أخوض مثل هذه التجربة، كان رئيس الحكومة ما يزال عبد المنعم الرفاعي.
بدأت الأحداث تزداد تسارعا، وبدأ إطلاق النار يصبح أكثر غزارة، حتى أن الحسين تعرض لإطلاق النار بكثافة في الحادثة المعروفة في منطقة صويلح.
في تلك الأيام، كنا نجتمع دائما في قصر الحمر، أحمد طوقان ونذير رشيد وزيد بن شاكر وأنا، وأحمد الطراونة وعلي ابو نوار.
حاول الراحل الحسين مساعدة علي ابو نوار، ليشكل الحكومة، لكن لم ينجح الأمر، وبعد عبد المنعم الرفاعي، شكل الحكومة محمد داوود، بعدها انقطعت أنا عن حضور الاجتماعات.
فقد ذهبت في وفد ترأسه الملك الحسين إلى مصر، والتقينا عبد الناصر في الاسكندرية، وكان الوفد المصري كبيرا جدا، وأذكر منهم الآن علي صبري ومحمد حسنين هيكل.
اشتكى الحسين من صعوبة ضبط الأمور، غير أن عبد الناصر مازح الحسين بالقول: النبي أيوب من الأردن، وأنتم المشهورون بالصبر، من زمن النبي أيوب، طبعا، استمرت اجتماعاتنا بالقاهرة، وكنت أذهب كعضو في الوفد الأردني، حتى قبل الأحداث بيوم، فتصاوبت بالأحداث.

 
تنويه من الدكتور ممدوح العبادي 
أكد النائب السابق والوزير الأسبق الدكتور ممدوح العبادي، في اتصال هاتفي مع جريدة "الغد"، بأن قائد اللواء، الذي دخل مخيم الوحدات، خلال واحدة من عمليات القوات المسلحة (الجيش العربي)، هو اللواء قاسم الدويري، وليس تيسير الديري.
وأكد العبادي حرصه على تصويب كل ما من شأنه، توثيق رواية دولة الأستاذ مضر بدران في تاريخ الأردن السياسي.
ممدوح العبادي
 
تنويه من محمد علي طريخم
 الاخت جمانة المحترمة
اتابع مذكرات دولة أبو عماد (مضر بدران) المحترم. جاء في حلقة يوم الجمعة 30/1/2015، أن مسلحي دائرة المخابرات العامة، فكوا الحصار عن مقر شرطة العاصمة، وهذا غير صحيح. والذي فك الحصار هي كتيبة المدرعات الأولى الملكية، وكان قائدها المرحوم، عطا الله غاصب، وقادة السرايا هم: مرزوق فلاح العابد، والمرحوم سالم خضر أبو زيد، وغالب الشراري، وعوض سليمان الخرشة، والمرحوم غالب جميل المجالي، وكذلك تم فك الحصار عن مديرية الأمن العام، وكان بداخلها، معن باشا أبو نوار، أطال الله عمره.
وبالنسبة لحلقة يوم السبت، فان قائد اللواء، الذي دخل الى الوحدات، هو قاسم الدويري، وليس تيسير الديري.
سائق مدرعة \ محمد علي طريخم
 
تنويه من الدكتور هاشم محمد عزام
الفاضلة جمانة غنيمات المحترمة
جاء في مذكرات دولة السيد مضر بدران عن انتخابات 1956م، ووصفها، بأنها الافضل في تاريخ انتخابات الأردن، حيث ذكر العديد من الأحزاب السياسية، التي كان لها نواب في ذلك المجلس. وخلال عدة قراءات لنتائج تلك الانتخابات، فان الاخوان المسلمين، ترشح عنهم ستة مرشحين في مناطق مختلفة، كالتالي:
1. محافظة العاصمة: ترشح نائبان، ونجحا في تلك الانتخابات، وهما المراقب العام للجماعة المرحوم محمد عبد الرحمن خليفة، والثاني الشيخ عبد الباقي جمو. أما محافظة اربد ففاز فيها الأستاذ عبد القادر العمري. أما محافظة الخليل فقد فاز فيها الدكتور حافظ عبد النبي.
أما الذين لم يحالفهم الحظ فهم: الأستاذ يوسف العظم عن محافظة معان، والأستاذ ممدوح الصرايرة عن محافظة الكرك.
د. هاشم محمد عزام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 1:41 am

الحلقة العاشرة من سياسي يتذكر
بدران: أصيبت يدي في "أيلول" فسافرت لبيروت ثم لندن حتى شفيت


الراحلان الملك الحسين والرئيس المصري جمال عبدالناصر وفي الصورة مضر بدران يصافح الحسين

* انتقلت إلى بيروت للعلاج بطائرة بريطانية صغيرة.. واستغل الفرصة ضابط من المطار ليذهب ويحضر خبزا من لبنان
* رغم مغادرتي لبيروت باسم مستعار وبسرية تامة فوجئت بالصحفيين ينتظرونني ويعرفون هويتي فازداد الخطر علي
* رجائي الدجاني وهاني طبارة كادا يقتلان في بيروت بفترة أحداث أيلول وتدخَّل جنبلاط وأمّن مغادرتهما لبنان
* خلال علاجي بلندن تعرف إلى ولي العهد القطري آنذاك حمد آل ثاني وقد كسرت ساقه بتمرين عسكري في كلية سانت هيرست
 
محمد خير الرواشدة

عمان- يكشف رئيس الوزراء الأسبق ومدير المخابرات الأسبق مضر بدران، تفاصيل شائقة، عن حادثة إصابته خلال أحداث أيلول من العام 1970، وهي الإصابة التي ما تزال آثارها ظاهرة في يده اليمنى حتى اليوم.
وفي هذه الحلقة، من حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، يشير بدران إلى أنه كان يعمل أمينا عاما للديوان الملكي، ومستشارا للأمن القومي، لدى الراحل الملك الحسين، في الفترة التي أصيب فيها بعد عودته من القاهرة، حيث كان يشارك في اجتماع رسمي، يناقش تطور الأوضاع بين الأردن والفصائل الفلسطينية المسلحة.
وبعد إصابة بدران برصاصتين، وهو يجلس بالقرب من نافذة منزل والدته، في جبل اللويبدة، اضطر بعدها على الفور للانتقال إلى مستشفى فلسطين، الذي اعتذر عن عدم إمكانية علاجه، بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وخطورة إصابته.
لينتقل إلى مقر دائرة المخابرات العامة، ويمضي ليلة كاملة، قبل نقله إلى المستشفى العسكري الرئيسي في ماركا، لتصل إصابته لمستوى خطير جدا، ما دفع الدكتور داوود حنانيا إلى نصيحته، بالسفر والعلاج خارج الأردن، أو أنه سيضطر لبتر ذراعه.
وكان مضر بدران، قد كشف في حلقة أمس، عن جانب من عمل دائرة المخابرات، وتفاصيل جديدة، حول معركة الكرامة العام 1968، يكشف عنها لأول مرة.
ويعود بدران بالذاكرة، في حلقة اليوم، لبعض التفاصيل، التي كانت تدور في شوارع العاصمة عمان، والأوضاع الأمنية الصعبة خلال أحداث أيلول.
ويشير إلى أن تلك الأحداث، تم تأويلها بشكل خاطئ، مؤكدا أنها "لم تكن سوى تحت شعار واحد، وهو فرض الأمن، والحد من فوضى السلاح في الشوارع".
وعن تفاصيل إصابته، خلال تلك الأحداث، يؤكد بدران تلقيه العلاج في بيروت، حيث وصلها بجواز سفر مزور، وكاد أن ينكشف أمره.
ويلفت إلى أن كمال جنبلاط الذي كان وزيرا للداخلية في الحكومة اللبنانية حاول حمايته بكل السبل، لكن الموقف الأهم كان من قبل قائد الجبهة الشعبية جورج حبش، الذي بعث برسائل تطمين لبدران بأنه في حمايته.
وفيما يلي نص الحلقة العاشرة.
 * ما قصة إصابتك؟ على الأقل الذين سألتهم عن تاريخ حياتك، لم يأتوا بأي ذكر عن هذه الحادثة؟
-لا أعلم، لكن قبل الأحداث بيوم، سافرنا إلى القاهرة، بوفد ضم عاكف الفايز وعبدالحميد السائح وسليمان الحديدي ورئيس الأركان محمد خليل عبدالدايم، وأنا كأمين عام للديوان الملكي، وعدنا في ذات اليوم، كانت سيارتي في مطار ماركا العسكري، نزلت من الطائرة وركبت سيارتي وانطلقت باتجاه منزلي في الشميساني، إسكان الجمعية الخيرية خلف مبنى وزارة المياه حاليا، وكنت أقود سيارتي بنفسي، قبلها كنت قد بعثت بأسرتي إلى منزل أهلي في جبل اللويبدة، ولما عدت إلى المنزل، دخلت وجلست في المطبخ، أذكر أني جئت بصندوق من القاهرة، فيه فاكهة المنجا، وبدأت أقطع إحدى الحبات بدل طعام العشاء.
طبعا، عدنا في وقت متأخر، وصوت الرصاص واضح في عمان، في الطريق أذكر جيدا أنه لا وجود لأي بشر في الشوارع، وكأنه منع تجول، أو الناس كلهم نيام.
وأنا في مطبخ البيت، نظرت من شباكه، وإذ بمدفع يتحرك على عجلات وفوهة المدفع قصيرة، ويصوب تلك الفوهة باتجاه القيادة العامة في العبدلي، أذكر بأن المدفع كان لصيقا لسور منزلي.
اتصلت بالقيادة العامة، وطلبت الحديث مع أحد القيادات، فحولوني إلى معن باشا أبو نوار، فقلت له إن هنالك مدفعا بجانب بيتي، وطلبت منه أن لا يرد على طلقات المدفع حتى يبلغني، لأن أي ردة فعل للجيش، ستقصف منزلي أنا، وقد تتسبب في انهيار المنزل فوق رأسي.
فقال لا تقلق لم يصلنا أي أثر من قصف المدفع، والجيش لن يرد بالمثل الآن.
جلست في بيتي ربع ساعة، ثم قررت أن أذهب لبيت أهلي في اللويبدة، قبلها طلبني الراحل الحسين، وقال حاول أن تأتي إلى قصر الحمر، فطلبت منه إرسال مجنزرة، لأن الطريق للحمر مليء بدوريات الفدائيين، ولا أجزم بقدرتي على الوصول، فقال إذن الزم مكانك وحاول تأمين أسرتك.
ساورتني الشكوك، فالحسين رحمه الله لا يتحدث بكلام لا يقصده، اتصلت مع نذير رشيد وهو مدير المخابرات، فقال لي إن العملية ضد الفدائيين، ستبدأ مع "الضوء الأول" لفجر اليوم، وهكذا يسميه الجيش.
كنا في يوم الأربعاء، ذهبت لمنزل أهلي، وبحجة عودتي من السفر اتصلت بإخواني وأخواتي، وقلت تعالوا لنجتمع في منزل الأهل، وطلبت من أخي أسامة رحمه الله أن يأتي ومعه حقيبة إسعافات أولية من باب الاحتياط.
حاولت قبل أن يصل الجميع، أن أقنع والدتي رحمها الله، بأن نذهب للعقبة كعطلة نهاية أسبوع، فقد كنت خائفا على الأطفال، لكنها رجتني أن أذهب أنا تحديدا، أما هي فقالت لن أغادر المنزل، وأصرت علي أن أذهب وحدي، فرفضت، وقالت أنا لن ألجأ لأي مكان، أموت في بيتي خير لي.

* وهل كان هذا هاجس الأم على ولدها، وخشيتها من وقوع قدر محتوم؟
- لا أعلم، لكن هذا حوار جرى بيني وبينها، ولم يستوقفني فعلا. مع الضوء الأول بدأت الأحداث، وكان خلف منزل أهلي مدرسة التراسانطة، وكان يتمركز فيها الفدائيون، حتى أني رأيت أبو عمار في المكان، وقد كان يخرج قبل وقت الغروب بقليل، ورأيته يمشي منحنيا من رمي الرصاص، ووجدته يذهب باتجاه مكتب للسفارة المصرية.
بدأ القتال شرسا، وكنا مهددين في كل طلقة مدفع، تخرج من الكلية أو تضرب الكلية، فنحن تحت النار في كلا الحالتين.
ومع بدء القتال، اتصلت بمعن باشا أبو نوار، حتى أعرف متى سيصل الجيش لمنطقة اللويبدة، فقال اللويبدة منطقة ثانوية، وليست أساسية في معركة إخلاء الفدائيين من عمان، والجيش سيصلها في اليوم الثاني أو الثالث من بدء الأحداث، فاستغربت، وقلت له على العكس تماما، فاللويبدة منطقة أساسية مليئة بالفدائيين.
فقال سأعطيك رقم قائد السرية، وعليك الاتصال به لكي تطمئن.
مباشرة، اتصلت بقائد السرية، وعرفته بنفسي، فقال غدا "سنشرب الشاي في بيتك سيدي"، فقلت، كم عدد جنود سريتك؟، فقال 63... وهم "جدعان يا سيدي"، وبيني وبين نفسي، قلت إنها مشكلة حقيقية، لأن الوضع في جبل اللويبدة كان يعج بالفدائيين، وإن عدد السرية الذي سيقابلهم عدد قليل.

* وهل كانت إصابتك من جهة الفدائيين، أم من جهة الجيش العربي، لأن عشوائية إطلاق النار يمكن أن تكون تسببت بإصابتك من الجيش؟
- سأجيب على تساؤلك في سياق القصة الكاملة، ففي ثالث يوم من الأحداث، كنت أضع يدي على باب حديدي، يفصل بين "فرندة" البيت ومدخله، وحديد الحماية خفيف ليس من النوع الثقيل، فجأة شعرت بجسم ما اخترق يدي، لم أشعر بالرصاصة كيف دخلت وكيف خرجت، لكن بدأت الدماء تنزف، وبدأت أشعر بألم يدق كل عظام جسدي.
فسألت عن حقيبة الإسعافات، وإن كان بها حقن مسكنة، فقال شقيقي أسامة رحمه الله بأنه لم يحضرها. مباشرة اتصلت بدائرة المخابرات، وأرسلوا لي سيارة إسعاف، ركبتها وكنت أرتدي بنطال "بيجامة" وقميصا، وكان قد صار لونهما أحمر، بسبب النزيف الشديد.
ركبت سيارة الإسعاف، وقلت للسائق خذني إلى مستشفى فلسطين، ولم أنتبه إلى أن الكهرباء مقطوعة، ما يعني عدم تشغيل أجهزة التعقيم في المستشفيات.
هناك رآني ابن الدكتور محمد باشا السعدي، الذي كان طبيبا في الخدمات الطبية الملكية، وصعق من مظهري، وقال إنه لا يستطيع عمل أي شيء لي، لأن وضع المستشفى غير مؤهل لعلاج مثل إصابتي، فطلبت منه أن "يقطبها"، ووصف الإصابة بالخطيرة جدا، فطلبت منه حقيبة إسعافات، وفيها إبر مسكنة للألم، فجاء لي بها، وأنا أهم بالخروج من المستشفى لأركب أي سيارة، وأتوجه للمخابرات العامة، قال لي الطبيب إن الجيش يعتقل عددا من المدنيين خلف مبنى المستشفى، ويريد إعدامهم، فقلت خذني إليهم، فوجدت الجيش يعتقل عددا من الفدائيين، ويريد إعدامهم فعلا، انتقاما على قتل المسؤول العسكري لهم، فأمرتهم بعد أن عرفتهم على نفسي، أن يطلقوا سراحهم، وأن لا يقترفوا جريمة بحق مدني، أو شخص غير صادر بحقه حكم إعدام.
وكأن كل رحلتي لمستشفى فلسطين، كانت لإنقاذ أرواح هؤلاء، وهو أمر استغربت منه جدا، رأيت سيارة عسكرية، فطلبت من السائق أن يوصلني لدائرة المخابرات، وأنا أمشي في الطريق، صعقت من حجم التخريب والدمار في الشوارع، فدوار الداخلية اختفت معالمه تماما، وصلت المخابرات، وكان فيها ممرض مناوب، طلبته وقلت له، بعد أن تم وضع سرير لي في غرفة المدير، أن يعطيني إبرة مسكن، كلما استيقظت، فظل جالسا بجواري حتى نهار اليوم التالي.
استيقظت في اليوم التالي، وكانت الدماء ما تزال تنزف من يدي، طلبنا سيارة إسعاف، وأخذتني للمستشفى الرئيسي العسكري في ماركا.
وصلت المستشفى، وحالي كان كمن "هرب من تحت الدلف إلى تحت المزراب"، فقد كان إطلاق النار أكثر غزارة، حتى أن الدكتور داوود حنانيا لجأ إلى فحصي ونحن على الأرض، خوفا من الرصاص المتناثر في الفضاء والرماية العشوائية.
مباشرة، أبلغني الدكتور داوود بأن إصابتي بليغة، وعلاجها في عمان لا يكون إلا ببترها، بسبب توقع حدوث التهابات أو مضاعفات، وقال حاول السفر سريعا للخارج.
في الأثناء، قلت له أحتاج إلى سيارة تأخذني إلى مطار ماركا العسكري، ورأيت سيارة مدرعة على باب المستشفى تقف، فقلت هل لديك صلاحيات بإبعاد هذه المدرعة المسلحة من أمام باب المستشفى، فقال طبعا، قلت اؤمرها بالابتعاد، فعلا، ما إن ذهبت تلك المدرعة، حتى بدأ إطلاق النار، يهدأ، إلى أن توقف تماما، فقال ماذا فعلت، قلت نصحتك فقط، لأن وجود مدرعة عسكرية أمام المستشفى، سيظل سببا في استفزاز الفدائيين.
مباشرة، انتقلت لمطار ماركا العسكري، واتصلت بدائرة المخابرات العامة، وطلبت تأمين جواز سفر لي، وملابس غير تلك التي أرتديها، لأن كلها دماء.
في وقت قياسي، بعثوا لي جواز سفر دبلوماسي، بصورتي، لكن باسم مستعار، وكان سكرتيري في الدائرة، ما يزال يعمل مع نذير رشيد، فبعث لي بملابسه، التي كان يرتديها واستبدلها بلباس "الفوتيك"، طبعا كان رجلا سمينا، وكنت أنا أنحف منه بكثير.
ولما دخلت المطار، وكان مليئا بالمدنيين، وكان مدير المطار في تلك الحالة الطارئة هو ضابط مخابرات، اسمه محمد مصلح الصمادي، فذهل لما رآني بإصابتي ووضعي، مباشرة قلت له أريد السفر إلى الخارج، فرد بالقول فورا، وسأدبر الأمر، فسألته من يعمل معه، فأجاب لا أحد سواه، وجهازه ومراقبو البرج.
في تلك الأثناء، كان الملحق العسكري البريطاني، يقف في المطار، يؤمن تسفير الدبلوماسيين، وقفنا، وإذ بطائرة بريطانية تهبط بأرض المطار، فجاء الصمادي، وأبلغ الملحق العسكري البريطاني، بأني سأسافر معهم بالطائرة، فرفض، وقال إن حمولة الطائرة مكتملة، وإن مسار الرحلة قبرص ومن ثم لندن، فرد الصمادي، بأن الطائرة لن تقلع من أرض المطار، من دون المسافر مضر بدران، وبأنه سيعطي أوامره للبرج لمنعها من التحليق.
نظر الملحق العسكري، وإذ بطائرة صغيرة تقف في زاوية أرض المطار، فنادى بالركاب البريطانيين، من يستطيع قيادة تلك الطائرة، فرفع أحدهم يده، وقال إنه طيار أصلا، فعرض علينا الملحق العسكري البريطاني السفر بتلك الطائرة، إلى بيروت، وأنه سينتظر الطيار الإنجليزي ريثما يعود، ثم يسافرون هم إلى لندن، وافقنا، وكانت الطائرة صغيرة، لا تتسع إلا لأربعة ركاب، صعدت أنا وجلست في الكرسي الخلفي، وجلس الطيار ولجواره أحد ضباط المطار، وكان من بيت قنطار، فقلت له لماذا صعدت، فقال "بدي أجيب خبز من بيروت، فلا يوجد مخابز تعمل في عمان"، طرنا إلى بيروت، وأنا أفكر بالأمر، عندها تألمت أضعاف ألمي بسبب شظايا الرصاص في يدي.
مباشرة، وقبل هبوط الطائرة في مطار بيروت، اتصل الطيار بالمطار، وطلب سيارة إسعاف، وسألني عن الجهة التي أريدها، فقلت له مستشفى الجامعة الأميركية.
وفعلا قبل أن تهبط الطائرة، كانت سيارة الإسعاف بانتظاري في أرض المطار، ونقلتني فورا للمستشفى، حتى من دون إبراز أي إثبات هوية، أو طلب جواز السفر.
دخلت المستشفى، وإذ بالصحفيين معهم خبر وصولي للعلاج، وبدأت أسئلتهم لا تتوقف، وذلك بصفتي مدير مخابرات سابقا، وكنت أول أردني يخرج من عمان، خلال أحداث أيلول، شعرت بخطورة الأمر وقتها.

* لكن أليس من الخطر ذهابك لبيروت، وأنت تعلم أن فيها فدائيين من فصائل المقاومة، وكنت هدفا سهلا لهم، خصوصا وأنك مدير مخابرات سابق؟
- لذلك، ومباشرة، وقبل أن أجلس في غرفتي في المستشفى، اتصلت بصديق قديم لي، وهو الدكتور أسامة الخالدي، أستاذ في الجامعة الأميركية، ورد هو على هاتف بيته، أبلغته بوضعي فجاء بسرعة، وقلت له إن هنالك صحفيين، عرفوا بوجودي في المستشفى، وإن علي الآن مغادرته بسرعة. فعلا، أخرجني من الباب الخلفي للمستشفى، ونقلني لمستشفى ميشيل خوري الخاص، ودخلت باسم مستعار، كان على جواز سفري، باسم مظهر عايش.
بدأت رحلة العلاج من هناك، وكان وضع يدي قد ازداد سوءا، بسبب حملي لجرثومة خطيرة من مستشفى فلسطين. طبعا بدأت الفحوصات وأخذت عينات لفحص نوع الجرثومة، وكل ذلك بسبب الالتهابات المرئية في يدي.
بدأ الطبيب بتنظيف الجرح من آثار الالتهاب، وكان يحفر بالمقص، ليستخرج التقرحات الصفراء من حول الجروح، كنت أضغط على أسناني بشكل واضح، فصرخ بي؛ وقال: عليك أن تصرخ، اشتمني إذا أردت، لكن عليك بالصراخ.
طبعا، كنت أنتظر موعد (إبرة المورفين) كل ليلة بفارغ الصبر، لأني بعدها كنت أسترخي وأنام طويلا.
في تلك الفترة، زارني وزير الداخلية في الحكومة اللبنانية كمال جنبلاط، وقال إنه سيضع حراسات على باب غرفتي، فرفضت، وقلت له إننا سنلفت الانتباه إن جاء الحرس لباب الغرفة، وأن أي محاولة لقتلي لن يمنعها حارس أو اثنان، وفضلت أن لا يقوم بذلك، وأبلغته بأني موجود باسم مستعار، وشكلي غير مألوف، لكثير من الأردنيين، فكيف للبنانيين!.
وظل طاقم الممرضين يريد أن يعرف من أنا، وأبلغهم باسمي مظهر عايش، وقالوا إنك شخص مهم، لأن الزعيم جنبلاط زارك في المستشفى.
وكان مساعد جنبلاط في وزارة الداخلية صديقا لي، وهو شوكت شقير، وكان رئيس الجيش السوري في السابق، وظل يرافقني طيلة أيام بقائي في المستشفى.
أما الدكتور أسامة الخالدي، فبالكاد كان يتركني لأنام، في ليلة من الليالي، جاءني قبل أن أنام بفعل إبرة المورفين، وقال علي أن اتصل بجنبلاط، ليأتي لي بالحرس، لأنه سمع من شخصين من الجبهة الشعبية، بأنهما عرفا مكان مضر بدران، خليفة أبو رسول، وأنهما سيقتلاني، وأعاد التأكيد علي بضرورة الاتصال بجنبلاط.
مباشرة، قلت له إني قبل قليل، أخذت حقنة المنوم والمسكن، وإذا جاءا فلن أشعر بأي شيء يقومان به، وطلبت منه أن يذهب لينام، وأدركت بأنه لن ينام لأنه فعلا خائف.
ثم بالكاد، استجمعت نفسي من النعاس، وقلت اتصل بجورج حبش، وأبلغه بأني أعالج في المستشفى، فعلا عاد بعدها، وقال إن جورج حبش يعرفك جيدا، وأشاد بك كثيرا، وأبلغ الخالدي، أن يطمئن، فلن يصيبني أي مكروه، وهو من يضمن سلامتي، لكن الخالدي بقي خائفا، من إقدام أي أحد، على أي تصرف غير مسؤول.
بقيت في المستشفى حتى تم علاج الالتهابات والجروح، لكن عصب يدي ظل مقطوعا.
عاد جنبلاط، وأبلغني بأن إقامتي فور خروجي من المستشفى ستكون في "المختارة"، فسألته ما هي "المختارة"؟ فقال منزله، وإقامتي ستكون هناك طيلة فترة النقاهة، وأصر أن أقبل دعوته، فاعتذرت بذريعة أن زوجتي ستأتي وبأني استأجرت شقة في منطقة الحمرا، وبما أنني غير معروف شكلا، في تلك الفترة، فإن إقامتي ستكون آمنة، وافق جنبلاط وبعث لي بهوية أحوال مدنية لبنانية، باسم مظهر عايش، وأقمت في لبنان طيلة فترة العلاج.
ولما توفي عبدالناصر، اشتعلت جبهة من إطلاق النار في بيروت، وإذ بلبنان مليئة بالسلاح، وأنا في المستشفى، اتصل بي جنبلاط، فقال مر من بيروت رجائي الدجاني وهاني طبارة، وكانا قادمين من أوروبا، وخلال إحدى المسيرات تم التعرف عليهما، وصرخ أحدهم بأنهما مخابرات أردنية، فهرب الدجاني وطبارة، حتى احتميا في منزل إحدى السيدات، التي أمنتهما حتى ذهبت المظاهرة، التي كانت انطلقت تأبينا لعبد الناصر، فاتصلا بكمال جنبلاط الذي أمن مغادرتهما للبنان، ولما رأيتهما قلت لهما إني عرفت قصتهما في بيروت، فضحكا مستغربين، من قدرتهما على الركض السريع، في تلك اللحظات التي وصفاها بالصعبة.
عدت بعد فترة لعمان، وكنت قد اتصلت بأحد المستشفيات في لندن، لأن يدي كانت ما تزال متعطلة تماما، وبالكاد شعرت بتحسن طفيف، غادرت إلى لندن، واستكملت علاجي هناك، لأن استمراري في العمل، وبيد واحدة، كان فعلا أمرا صعبا، وهناك تفاجأ الأطباء الاختصاصيون من الإنجليز، من تقدم أطبائنا في الأردن ولبنان في علاج مثل إصابتي، وأنا في المستشفى تعرفت إلى ولي العهد القطري وقتها الشيخ حمد آل ثاني، الذي كانت قد كُسرت ساقه بعد أحد تمارينه العسكرية في كلية سانت هيرست، وإذ بمرافقه يزورني في غرفتي ويبلغني تمنيات سمو الأمير لي بالشفاء، وأنه يرغب في أن يزورني في غرفتي، لكن ظروف ساقه تمنعه من الحركة، فقلت له إن يدي بالجبص، لكني أستطيع الحركة، فذهبت لأزوره، وتعرفنا هناك إلى بعضنا.
أقمت نحو 50 يوما في لندن، حتى تأكد الأطباء بعد العملية بأن عصب يدي عاد للعمل، كما السابق.
أما عن سؤالك عن الجهة التي انطلقت منها الرصاصة، فكانت من فندق الأردن، قبالة النافذة التي كنت أجلس قربها، وكانت الرصاصة من تلك الجهة، ولو لم تصب يدي، التي كان يتكئ عليها رأسي، ووالدتي جالسة بقربي، لكانت جاءت بابني عماد، أو حتى بمن يقف خلفي بنحو مترين.
تنويه من المحامي هاني اللوباني
الأستاذة جمانة غنيمات المحترمة،
تحية واحتراما،
نتابع مذكرات دولة السيد مضر بدران، وعن حلقة يوم الاثنين، الثاني من شباط، أرجو أن أنوه إلى ما يلي: 
لقد تم الطلب من المرحوم الأستاذ شفيق ارشيدات (الأمين العام لاتحاد المحامين العرب في ذلك الوقت)، تشكيل الحكومة، وقد حضر ارشيدات إلى عمان من القاهرة، واجتمع مع الراحل الكبير الملك حسين، والراحل الكبير وصفي التل، رحمهم الله جميعا، ولم يتم ذلك الأمر.
المحامي هاني محمد اللوباني
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 1:44 am

الحلقة الحادية عشرة من سياسي يتذكر
بدران: بعد اغتيال وصفي التل طلب مني الحسين تشكيل الحكومة فاعتذرت


الراحل الحسين بن طلال والامير الحسن ومضر بدران في احدى المناسبات الرسمية

محمد خير الرواشدة 

عمان- يستذكر رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران اليوم، حادثة اغتيال الشهيد وصفي التل، في القاهرة العام 1971، واصراره، رحمه الله، على المشاركة باجتماع وزراء الدفاع العرب بالقاهرة، رغم تحذيرات المخابرات العامة له، من خطورة السفر في تلك الفترة. 
بدران، في الحلقة الحادية عشرة، من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد"، يتحدث عن العلاقة الحكومية بالضفة الغربية بعد احتلالها العام 1967، حيث يستعرض كيف تسلم، خلال حكومة وصفي التل، مكتب شؤون الارض المحتلة، قبل ان يتحول لاحقا، الى وزارة مستقلة، وكيف أنشأ المكتب نحو 160 جمعية خيرية، ومشاريع عديدة في الضفة الغربية، لدعم صمود اهلها امام الاحتلال، ومكافحة البطالة. 
ويدخل بدران في حلقة اليوم، في مرحلة تسلمه لاول مرة حقيبة وزارية، ارادها ان تكون الداخلية، فجاءت، برغبة الراحل الملك الحسين بن طلال، حقيبة التربية والتعليم، في حكومة زيد الرفاعي الاولى، وقبل ذلك يتحدث عن تأسيس حزب الاتحاد الوطني، ودوره في تنسيب اسماء اعضاء فيه للانضمام لحكومة الرفاعي. 
 ويشير بدران الى ان الحسين استحدث في العام 1971 منصب مستشار الملك للامن القومي، حيث تم تسليمه لبدران، وكان دوره التنسيق بين الاجهزة الامنية المختلفة، تحت اشراف جلالة الملك. فيما يلفت الى تفاصيل عديدة لفترة عمله في الديوان الملكي بتلك الفترة، التي حمل فيها اربعة ملفات بصورة متوازية.
ويشير مدير المخابرات الاسبق الى انه اعتذر للراحل الحسين عن تشكيل الحكومة، بعد اغتيال وصفي التل في القاهرة، لانه لم يكن واثقا أن بامكانه ملء الفراغ، الذي تركه التل في هذا المنصب، فضلا عن قلة خبرته (اي بدران) بشؤون الوزارة، حيث لم يكن قد تسلم قبلها حقيبة وزارية.
وكان بدران كشف، في حلقة أمس من "سياسي يتذكر" تفاصيل شيقة، عن حادثة إصابته خلال أحداث أيلول، من العام 1970، وهي الإصابة التي ما تزال آثارها ظاهرة في يده اليمنى حتى اليوم.
وتحدث ايضا أمس حول ارهاصات ومقدمات احداث ايلول العام 1970، وتردي الوضع الامني جراء فوضى السلاح وانتشار المنظمات المسلحة الفلسطينية داخل المدن ومنازعتها الدولة الاردنية على السلطة والسيادة.
وفيما يلي نص الحلقة الحادية عشرة.
* أين كنت يوم استشهاد وصفي التل؟
- بين استراحتي في عمان، بعد عودتي من لبنان، وانتظاري للسفر للندن لاستكمال العلاج، استشهد وصفي التل. بعد ان هرب محمد داوود، رئيس الحكومة العسكرية، الى القاهرة، جاء أحمد طوقان وشكل الحكومة لمدة شهر، ثم شكل الحكومة وصفي التل.
كان موقعي في الديوان الملكي كبير الأمناء، من دون أن أعرف ما وظيفة كبير الأمناء، وما هي اختصاصات هذا الموقع، حتى سألت ينال حكمت، الذي كان رئيسا للتشريفات، وقال: سبقك في هذا الموقع الشريف ناصر بن جميل، وحابس باشا المجالي. لكن لم يكن لهما دور في هذا العمل، فجاء لي حكمت بكتاب، منذ زمن الملك فاروق (مصر)، فعرفنا بأن كبير الأمناء، هو من يمثل حلقة الوصل بين العائلة المالكة والملك، فاستغربت جدا كيف لي أن أقوم بهذا العمل!.
جلست في مكتبي، وامتعضت من قلة العمل، ومن أن الموقع لا عمل فيه أو له. صرت أقرأ الصحف بنهم شديد، وصرت أضع المواضيع حسب الأولوية جانبا، واهتم بتحليلها. خلال أكثر من جلسة مع الراحل الحسين، سألني من أين لي بهذه المعلومات، وهل المخابرات هي من تزودني بها، فقلت لا، بل الصحف العربية والأجنبية.
فأضاف لي الراحل الحسين وظيفة فوق عملي، ككبير للأمناء، هو العمل الصحفي، وصرت فعلا، أعد التقارير الصحافية بطريقة منظمة، بحيث ان من يقرأ التقرير الصحفي، يتكون لديه ملخص شامل عن الأحداث، سواء في الأردن أو دول الجوار، وساعدني بهذه المهمة رئيس قسم الصحافة في الديوان الملكي وديع القسوس.
طبعا، استفدت من خبرة كتابة التقارير الأمنية، التي كنا نعدها في دائرة المخابرات العامة، وهي تقارير احترافية، لا مجال فيها للإطالة أو الإسهاب غير اللازمين، وهو ما وظفته في كتابة التقارير الصحافية.
في تلك الفترة أيضا، كان هناك تداخل في عمل وصلاحيات الأجهزة الأمنية، المخابرات والاستخبارات العسكرية والأمن العام، وبدأت خلافات تظهر على الساحة، وبدأت تلك الخلافات تزعج الحسين. مباشرة أصدر الراحل الحسين أمرا يلزمني فيه بالتنسيق بين قيادات تلك الأجهزة والدوائر، وذلك تحت مسمى جديد كمستشار للأمن القومي، وفعلا أرحت الراحل الحسين من تلك المهمة، لسبب بسيط، فعلاقتي برؤساء ومديري تلك الأجهزة كانت جيدة، وتربطني بهم علاقة كلها مودة واحترام. وفعلا بدأت ترتيب التقارير الأمنية، وكنت أسأل عن خلفيات بعض المعلومات، وأعيد تقديمها للحسين، بشكل، سهل مهمته بالتعامل مع التقارير.
وأيام حكومة وصفي، طلب مني الراحل الحسين، أن أرافقه بمشوار، الى ان وقفنا أمام المجلس القومي للتخطيط، الذي كان يقع على الجهة المقابلة لمبنى وزارة الخارجية القديم، طبعا كانت أول مرة أدخل هذا المبنى، لأنه لم يكن عندي أي عمل داخله من قبل.
دخلنا، وكان وصفي التل، منهمكا بالعمل، فقال له الراحل الحسين: يا ابو مصطفى، طلبت منك مكتبا للاهتمام بشؤون الضفة الغربية، فرد وصفي، أنه لم ينس الأمر، لكنه ما يزال يبحث عن الشخص المناسب للقيام بهذه المهمة، التي تحتاج لرجل مهني وحرفي في عمله.
فأجابه الملك، وأنا جالس في ذات المكتب، مضر بدران سيقوم بالمهمة، فقال وصفي رحمه الله: عين الاختيار، ولم أكن أجرؤ على هذا الطلب، لأن مضر يعمل بمعيتك. وشكره على هذا الاختيار.
كل ذلك يجري وأنا جالس، ولم يطلب أحد رأيي، فهذه المهمة الرابعة، التي يكلفني بها جلالة الملك الراحل، وأنا لم أناقش في شيء.
وكان هذا الموقع، مسؤولا عن شؤون الأرض المحتلة، والذي مُنح بموجب تعليمات الإدارة العرفية، صلاحيات الحاكم العسكري في الضفة الغربية. مباشرة قلت لأبي مصطفى، رحمه الله، هذه المهمة تحتاج لصلاحيات واسعة وموازنة مستقلة، وأحتاج إلى وقت لكل ذلك لأن الأمر يجب أن يكون قانونيا وباحتراف.
وسأحتاج لمندوبين من الوزارات، لكي أرتب الأمور بشكل مناسب، فرد وصفي رحمه الله: معك كل الصلاحيات وتصرف كما تشاء.
عندها قلت لوصفي: احتاج لصلاحيات لإدارة الأرض المحتلة، وفعلا أعدت وأقرّت تعليمات إدارة عرفية، ومجلس يرأسه رئيس الوزراء، لكن كل الاجتماعات، يحضرها جلالة الملك، ويكون جلالته بصورة كل الاجراءات. وبوجود 12 وزارة خدمية، ومباشرة، وجهت المندوبين لأخذ صلاحيات وزرائهم، في وزاراتهم بموجب الأحكام العرفية، لكي لا يتعطل العمل نهائيا. ومارست المهمة الرابعة، فيما أنا أعمل على ثلاث مهمات اخرى ايضا، سواء في مكتبي، او في الديوان الملكي.
اخترت بناية مستقلة، ومن ضمن مندوبي المؤسسات الرسمية، الذين استلموا مهمة إدارة مكتب شؤون الضفة الغربية، كان طاهر المصري، الذي جاء مندوبا عن البنك المركزي، عندما كان موظفا فيه، وكان شوكت محمود، هو أمين عام إدارة شؤون الأرض المحتلة، وأنا رئيس المكتب.
طبعا، قمنا بعمل، لم اتصور أننا سنستطيع القيام به، مع أني كتبت التعليمات على أساس من ضبط الأداء ودقة العمل. في أول اجتماعات المكتب، نزعت موافقة الحكومة على أن تكون موازنة ادارة الشؤون المحتلة 360 ألف دينار، فاعترض وزير الشؤون الاجتماعية، الذي قال بأن وزارته في الضفة الشرقية، موازنتها أقل من ذلك، فقال له الحسين رحمه الله: الضفة الشرقية ليست محتلة، وأمره وصفي التل، في ذات الاجتماع، أن يسكت.
أنشأت بهذه الموازنة، جمعيات خيرية ومصانع للصناعات الخفيفة والمتوسطة، وكان كل همي أن لا يعتمد الفلسطينيون على بضائع الإسرائيليين، وان لا يدعموا بأي شكل الاقتصاد الإسرائيلي.
طبعا، كان موظفو الضفة الغربية يتقاضون رواتبهم من الحكومة الأردنية، وقمنا بإعداد الإحصائيات للمنتجات الزراعية في الضفة، وكنت أرصد حركة الاقتصاد الزراعي في إسرائيل، واسعى للمضاربة عليهم، حتى يخسر الإسرائيليون في الزراعة على الأقل.
كانت تعليمات الإدارة العرفية لها إيجابيات، ففي احدى المرات جاءت سيارة مزودة بصناعات يدوية من الصدف، وكل موادها الأولية كانت اسرائيلية، وكانت تريد دخول الضفة الشرقية، ولما عرفت عن أمر الشاحنة، أمرت بحرقها قبل أن تصل للتاجر الذي اشتراها، وبعدها لم يعد أحد يجرؤ على ممارسة هكذا أفعال.
بعد أن تركت ادارة شؤون الأرض المحتلة بنحو عامين، رأيت وزير الزراعة الإسرائيلي يتحدث على تلفزيون إسرائيل، ويشتكي من الأردن، وكيف استطاعت التخريب على الزراعات الإسرائيلية، وكيف كان لنا أثر في التحكم بزراعات الضفة الغربية، لمستوى من الاكتفاء الذاتي، وحتى بعد أن عزف الفلسطينيون عن زراعة البطيخ، معتمدين على قدرة إسرائيل بإشباع حاجة السوق الفلسطيني من هذه السلعة، منعت دخول البطيخ للضفة الشرقية، وفعلا تذمر الفلسطينيون الذين كانوا يشترون كيلو البطيخ من رام الله بقرشين، بسبب ندرة السلعة، فتعلموا أن يزرعوه بكميات جيدة في العام، الذي تلا تلك السنة، طبعا كانت زراعة السمسم، هي السبب في تبديل محاصيل الأرض، خصوصا في أريحا والخليل.
لقد انشأت إدارة الشؤون المحتلة، جمعيات خيرية داخل الضفة الغربية، وصرنا في الديوان الملكي، وبدل أن نشتري الساعات السويسرية ونهديها لضيوفنا، نقوم بشراء المنتجات اليدوية والمطرزات من تلك الجمعيات، كهدايا قيمة، خصوصا وأنها تحمل قيمة تراثية مهمة. وبلغ عدد هذه الجمعيات في الضفة 160 جمعية، وكان الهدف من التوسع بدعم وتأسيس تلك الجمعيات، هو أن نكافح البطالة في الضفة الغربية، وأن لا يحتاجوا العمل في اسرائيل.
بعد نجاح إدارة الشؤون المحتلة، تحولت إلى وزارة، وكان أول من تسلمها طاهر المصري، كما استلمها أيضا شوكت محمود، في حكومة احمد عبيدات، ومروان دودين في حكومة زيد الرفاعي الأخيرة.

*وهل استشهد وصفي التل، وأنت تقوم بإدارة شؤون الأرض المحتلة؟
- يوم اغتيال وصفي التل، رحمه الله، اتصل معي أحمد طوقان رحمه الله، وقال سآتي لأخذك معي للديوان الملكي، فاستغربت وسألته عن الأمر، فقال: لقد اغتالوا وصفي التل.
دخلنا الديوان، وإذ به، مليء بشيوخ العشائر، وكبار المسؤولين في الدولة.
وكان ولي العهد وقتها، الأمير حسن، يقف يصافح الناس، وقفت متفرجا، ونظرت فإذا بالغرفة التي أمام مكتب الملك الحسين، وهي قاعة اجتماعات، فارغة، تسللت إليها وجلست وحدي، وبدأت أفكر بالخطوات الواجب اتخاذها، بعد هذا الحدث الكبير، بعد أن سألت نفسي ماذا علينا أن نفعل.
كتبت على ورقة صغيرة، الخطوات التالية، تكليف أحمد اللوزي برئاسة الحكومة، وهو الوزير الأقدم في حكومة التل، والمغادرة في صباح اليوم التالي إلى القاهرة، واستكمال حضور مؤتمر وزراء الدفاع العرب، ومرافقة الجثمان إلى عمان، وترتيب كل شؤون جنازة وصفي بشكل لائق، يحترم هذا الرجل الوطني، وقبلها تفريغ الديوان الملكي من الضيوف، وتكليف الشيوخ ووجهاء المناطق والمخاتير بمسؤولية حفظ الأمن في مناطقهم، ومنع أي ردود فعل خارجة على القانون.
فتح الأمير الحسن علي الباب فجأة، فسألني: ماذا تفعل؟ فقلت: أفكر بماذا نفعل، فالكل يبكي ولا أحد يريد التفكير بخطوات الدولة، بعد اغتيال رئيس وزرائها!.
بعدها بنصف ساعة تقريبا، طلبني الملك الحسين، رحمه الله، وقال: هل فكرت ماذا سنفعل؟ فأجبت: نعم.
استحسن الراحل الحسين الخطوات، التي فكرت بها، ومباشرة قال لي: قم وشكل الحكومة الآن.
فقلت: أنا لم أكن وزيرا، في يوم من الأيام، فكيف أصير رئيسا للحكومة! وكيف لي أن آتي بعد وصفي التل، الذي كان "طافف" على الكرسي، فأنا لا أغطي يد الكرسي، الذي يجلس عليه وصفي! واستأذنت الملك الحسين، أن يصبر علي، وسيستفيد مني أكثر إن صبر علي، ويتركني حتى أكمل درسي.
قاطعنا الأمير الحسن، وقال: ها أنا صغير بالعمر، وولي للعهد، فأجبته مباشرة، ان منصب رئيس الوزراء قضية معقدة وكبيرة.
فسألني الراحل الحسين، عن الشخص المناسب، فأجبته بأن أحمد اللوزي جاهز، للقيام بهذه المهمة فورا، فرد الملك بالقول: هذا كلام سليم. وفعلا هذا ما حدث، بعد اغتيال وصفي، رحمه الله.

*لماذا يتحدث الساسة الأردنيون عن وصفي وسيرته باقتضاب؟
-قد لا يكون كلامك دقيقا. لكن بالنسبة لي أنا، فعلاقتي بوصفي التل كانت جيدة، لكن ليس بيني وبينه أي اختلاط، خارج نطاق العمل، لكني عرفت بأن رأيه بي طيب، عندما كلفني الراحل الحسين، وأنا في مكتب وصفي التل بإدارة شؤون الأرض المحتلة، ثم منحني في العمل صلاحيات واسعة وثقة مطلقة.
ولي تجربة أخرى مع وصفي، عندما اشتبكنا بالجدل طويلا، حول تأسيس حزب، يدعم النظام الملكي، فاقترح وصفي تأسيس حزبين، وأنا اقترحت تأسيس ثلاثة أحزاب، وتجادلنا طويلا، ثم اقتنع وصفي بكلامي، عندما قلت له: الحزبان، واحد لك، وواحد لبهجت التلهوني، فأين حزب الملك الحسين، من هذين الحزبين؟.
سألت نذير رشيد: لماذا تركتم وصفي التل يغادر إلى القاهرة، ما دامت الأوضاع الأمنية خطرة؟ فقال نذير بأنه تعب وهو يحاول إقناع وصفي، بأنه ملاحق من الفصائل الفلسطينية المسلحة، ومطلوب رأسه، لكن وصفي أصر على الذهاب، وقال لنذير رشيد: أنا رايح على مصر، وهي "دولة تحترم حالها"، ولن تسمح بتعريض حياة رئيس وزراء الأردن للخطر، لكن بقي سؤال ضعف حراسة وصفي، بلا إجابة، وهو في فندق الشيراتون بالقاهرة.

*قبل ان نبتعد أكثر؛ ما هو الحزب الذي أسسته لدعم النظام الملكي؟
-لقد أسسنا حزب الاتحاد الوطني، وأثبتنا فعلا موجودية عالية، وأذكر أننا جمعنا 30 ألف داعم ومؤازر، لبيان الحزب في استاد المدينة الرياضية، وكان أمين عام الحزب جمعة حماد.
ولما شكل زيد الرفاعي حكومته، أدخلت من الحزب على الحكومة أسماء جديدة، ووجوها جديدة، أذكر منها، محمد عضوب الزبن، وطاهر المصري ورجائي المعشر ووليد عصفور، واستغرب الرفاعي أعمار بعضهم، التي كانت في حدود الثلاثين عاما، فسألت عن عمر الرفاعي نفسه، وإذ به 39 عاما، فقلت لابي سمير: إذا لا تعترض.
كما كان هناك مقعد مسيحي في مجلس النواب شاغرا، بسبب الوفاة، فترشح عنه عدد من الشخصيات، وتهافتوا على ملئه، ولما ترشح فؤاد قاقيش، من الحزب، عن ذات المقعد، انسحب الجميع، ونجح قاقيش بالتزكية. لكن من ضيع الحزب وأهدافه كان مصطفى دودين.

*وهل كنت ترشح أسماء الوزراء، وتستبعد نفسك، فأنت دخلت الحكومة وزيرا لأول مرة في حكومة زيد الرفاعي الأولى، وقد يستغرب الجميع، بأنك كنت وزيرا للتربية والتعليم؟
- قبل ذلك، لا أذكر تماما إن كان تكليف الرفاعي بتشكيل الحكومة، كان بعد رئاسته للديوان الملكي، أذكر بأن أحمد طوقان كان رئيسا للديوان، وأنا مستشار الحسين الأمني، وزيد الرفاعي مستشاره السياسي.
المهم، أذكر جيدا، بأني بقيت كبيرا للأمناء، ومستشارا للأمن الوطني، ومديرا لدائرة شؤون الأرض المحتلة حتى العام 1973، ولما تم تكليف زيد الرفاعي بالحكومة، كنت أجلس أنا وهو والراحل الحسين في المكتب، وكما قلت لك بأني رشحت أسماء ثلاثة وزراء للرفاعي، وكانوا محمد عضوب الزبن ورجائي المعشر وطاهر المصري، الذين دخلوا حكومة الرفاعي ضمن فترات زمنية متباعدة، عبر تعديلات وزارية، لكن المصري كان أولهم، وهم الذين عرفتهم من خلال موقعي، كعضو لجنة مركزية في حزب الاتحاد الوطني، وكانوا يمثلون تيار الشباب الصاعد، وكانوا بحق يقدمون أفكارا ورؤى نوعية في تلك الأيام.
كان الرفاعي يبحث عن وزراء، يمثلون البادية الشمالية والوسطى والجنوبية، وفي حين كان عاكف الفايز، رئيسا لمجلس النواب، فإنه احتار في اختيار بديل له، حتى تمت تزكية أحد ضباط الجيش المتقاعدين، وتذكرت امكانياته العلمية المتواضعة، وعندما سئلت عن رأيي بالشخص المناسب، وجدتها فرصة، واقترحت محمد عضوب الزبن.
وأذكر بأني تجادلت والراحل الحسين، حول اختيار الزبن، لأن الحسين سألني، إن كنت أعرف الشيخ عضوب الزبن جيدا، فأجبته بأنه رجل معروف، وله صيته الطيب بين الناس، فقد كان قاضيا عشائريا، له احترامه الواسع، وأن لديه ولدا درس الطب في القاهرة، وهو شاب ألمعي وذكي وكفؤ.
فقال الحسين، إذا أنت لا تعرف الشيخ عضوب، لأنه ليس لديه أبناء درسوا الطب. المهم ناكفت الحسين بالأمر، واستدعينا شقيق محمد عضوب الزبن، الذي كان يعمل في تشريفات مستشارية العشائر، وهو برنس الزبن، وسألناه عن أشقائه، فذكر لنا الدكتور محمد، الذي كان قد تخرج حديثا من كلية الطب وعاد لعمان.
لاحقا، تناقشنا حول رجائي المعشر في حكومة الرفاعي الثالثة، وتم اختياره بعد أن تجاوزنا مسألة عمره الصغير نسبيا، أمام مسؤولية وزارة الاقتصاد، ولما رشحت المصري، لحكومة الرفاعي الأولى، انفرجت أسارير الراحل الحسين، عندما رشحته لوزارة شؤون الأرض المحتلة، وقال الملك بأنها "ضربة معلم".
بعدها، دخل الملك الحسين لمكتبه، وبقيت أنا والرفاعي، فقال: وأنت نسيت حصتك من الوزارة، فقلت لا لم أنس، وأعرف ماذا اخترتم لي، فاستغرب الرفاعي، وقال: ماذا اخترنا، قلت: وزارة الداخلية، فابتسم الرفاعي وقال: لا، أنت وزير تربية وتعليم، عندها تفاجأت، وقلت: كيف لي بهذه المهمة، أنا أرفض وزارتين، وزارة الداخلية ووزارة التربية والتعليم، إن أردت، ولكي لا يساء فهمي، فأنا أفضل وزارة الشؤون الاجتماعية، على التربية والتعليم، فرد على الرفاعي، هذا قرار الملك الحسين، اذهب وأقنعه بتغيير رأيه.
مباشرة، ذهبت لمكتب الحسين، وقبل أن أفتح الباب للدخول، فكرت في الأمر، وقلت لماذا لا أقبل هذه المهمة الجديدة، فقد سبقني غيري لهذه الوزارة، ولم يكونوا متخصصين بالتربية والتعليم، ولن أكون أقل كفاءة منهم، وعدت للرفاعي، فسألني إن أقنعني الملك، فقلت: لم أدخل إليه أصلا، وأنا اقتنعت من تلقاء نفسي.
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 1:48 am

الحلقة الثانية عشرة من سياسي يتذكر
بدران: اعتذرت عن تشكيل الحكومة العام 1971 لإيماني بمبدأ التدرج بالصعود

محمد خير الرواشدة
عمان- يواصل رئيس الوزراء الأسبق ومدير المخابرات العامة الأسبق مضر بدران رواية سلسلة ذكرياته السياسية حول مواقف ومواقع كان موجودا فيها.
اليوم، يستكمل بدران، ضيف حلقات زاوية "سياسي يتذكر" مع "الغد"، حديثه عن أول حقيبة وزارية تسلمها في حكومة زيد الرفاعي الأولى، وكانت وزارة التربية والتعليم.
وهناك تعرف على رجلي التربية والتعليم البارزين حكمت الساكت وعبد خلف داودية، وهما شخصيتان تربويتان تحظيان باحترام وتقدير واسعين.
وفي غمرة بحث بدران عن تطوير وزارة التربية والتعليم، اشتبك مع المعادلة الأصلية في نجاح عمل الوزارة، وهي التركيز على المعلم والمنهاج والبناء المدرسي، والطالب الذي يعد محور البناء في كل تلك العملية.
 ويقول: استطعت أن أكتشف أن المشاكل الإدارية في وزارة التربية لا نهاية لها، وأن أهم أطراف المعادلة التعليمية في الأردن، هي الطالب والمعلم المؤهل والكتاب والمنهاج، والمبنى المناسب، وأن محور العملية التعليمية هو الطالب، الذي تمثل زراعته بكل القيم التربوية والعلوم المعرفية أهم أنواع البناء.
ويكشف وزير التربية والتعليم الأسبق اليوم قصته مع رئيس الحكومة زيد الرفاعي بعد الطلب لأول مرة "علاوة المعلمين" وكيف تم تحصيلها بقرار مجلس وزراء.
كما استطاع تحصيل أول إسكان معلمين، خلال زيارة قام بها مع الراحل الحسين، لافتتاح إسكان لموظفي الحكومة، فطلب من الملك تخصيصه للمعلمين فوافق فورا، وكان أول إسكان للمعلمين.
وأعاد بدران فكرة بند استملاكات أراضي الدولة، بعد أن صار الاستملاك في مناطق عمان صعبا، وأنه لا يوجد في الموازنة بند لشراء الأراضي، حيث تم تخصيص بند في موازنة ذلك العام، لأول مرة، للاستملاكات الحكومية وبموازنة 6 ملايين دينار.
وفي مسألة كتب المناهج في وزارة التربية والتعليم، يتحدث بدران اليوم عن أنها أزمة ليست بسيطة، خصوصا وأن الاقتراب من هذه القضية، بمثابة نبش لـ"عش دبابير"، لأسباب تتعلق بذهنية التغيير الصعبة، ومن جهة أخرى وجود معلمين حزبيين، سواء من جماعة الإخوان المسلمين، أو من حزب البعث أو الأحزاب اليسارية.
وكان بدران في حلقة أمس تحدث عن علاقته بالشهيد وصفي التل، وأثار بعض الأسئلة عن ضعف حراسات الشهيد في فندق الشيراتون بالقاهرة.
كما تحدث عن جانب من المهام التي أوكلها إليه الراحل الحسين في فترة مطلع السبعينيات، في وقت انخرط فيه بدران في تأسيس حزب الاتحاد الوطني، الذي رشح منه وزراء لحكومة زيد الرفاعي الأولى.
في وقت شرح فيه بدران كيف دخل حكومة زيد الرفاعي الأولى وزيرا للتربية والتعليم، حيث لم يتخيل  أن يقبل بهذه الحقيبة.
وفيما يلي نص الحلقة الثانية عشرة:
* في الحلقة الماضية توقفنا عند دخولك وزارة التربية والتعليم، وقد يكون غريبا بعض الشيء، قبولك الوزارة ورفضك لرئاسة الحكومة بعد اغتيال وصفي التل؟
-لا؛ ليس غريبا، ذكرت لك أن الراحل الحسين، عندما طلب مني أن أشكل الحكومة بعد اغتيال وصفي التل في القاهرة، رفضت لأسباب موضوعية، منها أنني "لن أغطي على طرف الكرسي" الذي كان يجلس عليه وصفي، وقلتها للحسين رحمه الله "وصفي كان جالسا على الكرسي وطافف"، وطلبت من الراحل الحسين أن يصبر علي حتى أكمل درسي، وحتى تنضج تجربتي، كما أني كنت أذكر جيدا أن وصفي التل كان يهيئ اللوزي لخلافته أصلا، وأذكر أنه رشح اللوزي للراحل الحسين قبل استشهاده بفترة ليست بالقصيرة.
كما أني لم أتعود على تقديم نفسي لمواقع، ما زلت لا أعرف الكثير عن تفاصيلها، فقد أبدو اليوم بثوب الزاهد في كل موقع عرضه علي الراحل الحسين، لكني كنت متأكدا، بأني لن أقبل القيام بعمل أعرف بأنه أكبر من قدراتي أو إمكانياتي، لذلك كنت مؤمنا بمبدأ التدرج في الصعود على سلم درجات العمل الرسمي.

* إذن قبلت بحقيبة وزارة التربية والتعليم، وهناك ماذا فعلت؟
- ذهبت للوزارة، ومباشرة بعد الانتهاء من مراسم التبريكات والتهاني، كنت أخشى من طبيعة الهم الإداري والبروتوكولي، لأن أجندة الوزير عادة، ما تكون مليئة بمثل هذه الاستحقاقات والمواعيد.
كنت قد سمعت عن شخصين في وزارة التربية والتعليم، وكان لهما سمعة طيبة حتى وأنا أعمل في دائرة المخابرات العامة.
فوكيل الوزارة حكمت الساكت كان معروفا عنه بأنه رجل لا يستسلم لـ"العوج"، وكان مقاتلا شرسا عن الحق والعدالة، والثاني هو عبد خلف داودية، وكنت أعرفه لما كان مدير مخابرات عمان، يستعين به لفض المسيرات والمظاهرات وحل مطالبها، فقد كان رجلا له حضوره وهيبته وكلمته بين الناس، فقد كان مديرا لتربية عمان، والناس كانت تقدر له كفاءته في العمل وعدالته بالفصل بين الناس والموظفين، لذلك لم تستعن به المخابرات يوما لحل مشكلة إلا ونجح بها، وهنا استعانت به المخابرات لحضوره الاجتماعي، وليس لأنه يعمل لديها، وكان يتجاوب من منطلق تقديره للمصلحة العامة، كما أنه كان موضوعيا في كلامه ومواقفه.
جلست على كرسي الوزارة، وطلبت نصيحة حكمت الساكت، فجاء لي بكل التعليمات والأنظمة التي تحكم عمل الوزارة، ثم أعطاني الكتب التي تستند لها الوزارة في كتابة المناهج المدرسية، وفعلا أخذتها وعكفت على قراءتها الأيام الأولى لي في العمل، وكنت لا أنام حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وأنهض للحاق بعملي في الوزارة قبل وصول الموظفين.
استطعت من خلال قراءتي أن أكتشف أن المشاكل الإدارية في وزارة التربية لا نهاية لها، وأن أهم أطراف المعادلة التعليمية في الأردن، هي الطالب والمعلم المؤهل والكتاب والمنهاج، والمبنى المناسب، وأن محور العملية التعليمية هو الطالب، الذي تمثل زراعته بكل القيم التربوية والعلوم المعرفية أهم أنواع البناء.
بدأت بالعمل على مشاكل المعلمين، والتي كانت تتمثل بالرواتب القليلة، أمام جهدهم الذي يبذلونه، وأنه وبسبب هذه المشكلة فهم يلجأون للإعارة خارج الأردن، من أجل تحسين ظروف معيشتهم.
وللأمانة، فقد قال لي حكمت الساكت إن كل ما تم إنجازه من تعليمات وأنظمة وأسس في وزارة التربية، وهذه الدقة في التعامل مع كل المشاكل والمتطلبات الإدارية، يعود الفضل بها لوكيل الوزارة الأسبق نوري شفيق، وهي إنجازاته التي بنت الوزارة عليها، كل ما يتخصص بطبيعة عملها.
ذهبت مباشرة إلى زيد الرفاعي، وطلبت منه أن يسمح لي بالعلاوة للمعلمين، لكني وجدت مقاومة مرعبة، وتساءل الرفاعي لماذا التمييز لصالح المعلمين بالعلاوة، فشرحت له أهمية التمييز لصالح هذه المهنة تحديدا، قال: اذهب لمجلس الوزراء وإن وجدت دعما فأنا معك، لكن لن أعدك بشيء، حتى أرى اتجاه الوزراء جميعهم.
طبعا لم يقبل الوزراء بتخصيص علاوة التعليم، فباغتهم بعرض مهم، وقلت: ستكون الأولوية لكل موظف عام، يعمل في الوزارات، ويملك القدرة والكفاءة في التعليم لأن ينتقل لوزارة التربية، وينال علاوة المعلم، فوافق المجلس على الفكرة، خصوصا وأننا كنا نقوم بتعيين عدد كبير من المعلمين في كل عام، وصارت الأولوية للراغبين بالانتقال من وظائفهم الرسمية، قبل فتح باب التعيينات.
طبعا لم يتم نقل أي أحد، ولم يستفد أحد من الموظفين الحكوميين من هذه الفرصة، والمهم أني حصلت على العلاوة.
وذات مرة كنا مع الراحل الحسين، وكان هناك إسكان لموظفي الحكومة، يريدون بناءه في منطقة مرج الحمام، فطلبت من الملك تخصيصه للمعلمين فوافق فورا، وكسبت هذا المنجز المهم في وقتها، وكان أول إسكان للمعلمين.
ثم بدأنا بمعركة الاستملاكات، لغايات بناء المدارس، واكتشفنا أن الأمر صار صعبا في ذلك الزمن، خصوصا داخل عمان، أما في القرى والمحافظات، فقد كانت البلديات تتبرع بالأراضي لوزارة التربية على أساس بنائها، واستفادة الطلبة الذين يسكنون تلك المناطق من خدمة التعليم، وطلبت من الوزارة شراء أراض بسعرها الحالي قبل أن ترتفع في الأيام القادمة.
وبعد أن وجدنا أن الاستملاك في مناطق عمان صار صعبا، وأنه لا يوجد في الموازنة بند لشراء الأراضي، خصصنا في موازنة ذلك العام لأول مرة بندا للاستملاكات الحكومية وبموازنة 6 ملايين دينار.
كان وزير المالية ذوقان الهنداوي، رحمه الله، وكان وزيرا للتربية والتعليم على مراحل، فاتصل بي غاضبا، وقال: "انت شو اللي عملته.. انت مستهلك الـ6 ملايين دينار وحدك، ما ضل عندي للوزارات الثانية ولا قرش للاستملاك؟".
أجبته بهدوء: "هو أنا ماخذ القرارات من وراء ظهرك، ما انت من وقع عليها في مجلس الوزراء"، قال: لم انتبه، فقلت: وما ذنبي!.
كنت أعرف جيدا كيف يعمل الوزراء، فهم يبدأون بالاستملاكات، وتنفيذ المشاريع عليها بعد شهر حزيران من كل عام، لذلك أنا كنت أخطط لآخذ كل موازنة استملاكات الأراضي الحكومية، الـ6 ملايين، ولم أبق منها قرشا واحدا حتى شهر حزيران.
قلت لذوقان رحمه الله، أرجوك لا تعطل القرار الآن، فأنا أسهل مهمتك، لما تعود وزيرا للتربية والتعليم.

* لكن بقيت مشكلة المدارس، وحتى تفاقمت الأمور، حيث اكتشفت وجود مدارس لا تتوفر بها دورات المياه؟
-نعم؛ هذا ما اكتشفناه لاحقا، فلدى زيارتي لمدارس عمان، وصلت مدرسة العبدلية وإذ بالطلبة يلعبون حول حفر امتصاصية، فامتعضت من المشهد، دخلت إلى الصفوف وإذ بالمقعد الأول يقع تحت لوح الدرس مباشرة.
عدت لزيد الرفاعي، وطلبت منه أن يقوم بجولات ميدانية على المدارس، وأنه بهذا الشكل يترك انطباعا عنه بأنه رئيس حكومة ميداني، فوافق، وكنت خططت سلفا أن آخذه لمدرسة العبدلية، ليرى الصورة بعينه، فانزعج حقا، وقال هل هذا يحدث عندنا في المملكة، فطلبت منه قطعة أرض لبناء مدرسة ضخمة، فقال: ابحث عن الأرض المناسبة، وأنا سأطلبها لك.
فقلت أعطني الحديقة، التي في نهاية نزول اللويبدة باتجاه جبل عمان، فقال هي حديقة، فقلت: ننشئ بناء مدرسيا والحديقة نتركها للطلاب كساحات مدرسية، اتصل الرفاعي بأمين العاصمة وقتها محمد طوقان، فرفض الأخير، وإذ بالرفاعي يرد غاضبا بأن هذا أمر، ولا مجال للتأخير بتنفيذه.
فعلا، أخذت الحديقة، وبنيت عليها مجمعا مدرسيا مكونا من ثلاث مدارس، وبطريقة هندسية معتبرة، تسهل وصول الطلبة لها من اللويبدة ووسط البلد وجبل عمان. اسميت تلك المدارس باسم سمير الرفاعي، لأن زيد الرفاعي صاحب الفضل بتخصيص قطعة الأرض، كما أن سمير الرفاعي رئيس وزراء أردني، له أهميته وليس شخصية لا يعرفها أحد.
ثم نفذت زيارات ميدانية لمدارس المحافظات والقرى، واكتشفت أنه في منطقة ريمون مثلا في جرش، مدارس لا يوجد فيها دورات مياه، فصعقت، سألت: في مدارس الذكور، أين تقضون حاجاتكم؟ فقالوا: "بالخلا"، ثم سألت مدارس الإناث، فقالت الطالبات "بين الأشجار"، وسألت فورا وماذا عن المعلمات؟ فاحمرت وجوههن، فقلت هذه كارثة فعلا. خصوصا وأن المعلمات قادمات من خارج المحافظة، وفي الأمر خطورة اجتماعية.
طلبت بعدها، إعداد إحصائية بعدد المدارس التي لا تتوفر فيها دورات مياه في المملكة، وإذ بها نحو 200 مدرسة أو أكثر بقليل، وقررت بناء دورات مياه في تلك المدارس خلال العام نفسه، على أبعد تقدير، كما قررت أن لا ينشأ بناء مدرسي قبل بناء دورات المياه.
ثم خضنا في مسألة تدفئة المدارس، التي يتم بناؤها حديثا، واعترض حكمت الساكت على الأمر، بذريعة أن إدامة الإنفاق على التدفئة المدرسية سيكون أمرا مكلفا، فتجادلت معه، وقلت ماذا تخسر إن أسست لها، وتركتها من دون استخدام، أليس من المتوقع أن نصبح دولة نفطية، قلتها على سبيل الممازحة، لكن فعلا في بعض المناطق، تم تشغيل التدفئة عبر التبرعات المدرسية، لأن شتاء بعض المناطق عندنا، كان شتاء صعبا في بعض السنوات.

* وماذا عن المناهج؛ هل حاولت تطويرها أم أنك استسلمت للهموم الإدارية ودخلت في زحامها؟
- قلت لك إنني خلصت مبكرا لمحاور العملية التعليمية والتربوية، وهي الطالب والمعلم والبناء والكتاب، اجتهدت في كل شيء، بقي عندي أزمة المنهاج، وهي أزمة ليست بسيطة، خصوصا وأنك تنبش عش دبابير إن اقتربت من هذه القضية، فمن جهة ذهنية التغيير صعبة، ومن جهة كان عندنا في وزارة التربية معلمون حزبيون، سواء من جماعة الإخوان المسلمين، أو من حزب البعث أو الأحزاب اليسارية.
لكن وبصدق فقد كانت لجنة كتابة المناهج في مجلس التربية والتعليم، تضم أساتذة كبارا وعلماء أفاضل، وهم متنوعو الاهتمامات السياسية، فكان على سبيل المثال، وليس الحصر، الشيخ إبراهيم زيد الكيلاني، ومنهم أيضا الدكتور العالم في اختصاصه الاقتصادي خليل السالم.
وأذكر جيدا، عندما كنا نناقش تطوير مناهج الفرع التجاري، بعد اكتشافنا أن مادة الطباعة لم تأت للطلاب بالمنفعة المطلوبة، نتيجة ضعف نصاب الحصص المدرسية خلال الأسبوع، وفعلا فقد سألت عددا من الطلبة في الصفوف، عن عدد الكلمات التي يطبعونها في الدقيقة، فكانت الأرقام ضعيفة، ولدى مناقشة الأمر في لجنة المناهج، طالبت بأن تلغى حصة واحدة من مادة الدين، التي كانت حصتين، على أن يعوض مكانها بحصة الطباعة، فاحتج الحضور، وكان أول المحتجين خليل السالم، الذي همس بأذني ورجاني أن أترك الأمر على حاله، فطلبت منه الصبر.
ومباشرة، قمت بعرض وجهة نظري، وقلت نحن أمام خيارين، إما أن يكون الطالب في الفرع التجاري، ملما بعلوم تخصصه، بما فيها الطباعة وسرعته فيها، وإما أن نكون بحاجة طلبة هذا الفرع ليكونوا علماء دين، عليكم أن تختاروا، وإن اخترتم الثانية فأنا أطالب بزيادة عدد حصص الدين لخمس في الأسبوع، على أن نغير اسم الفرع من التجاري إلى الشرعي.
ومر القرار بعدها بكل تفاهم.
في سياق حديثنا، عن المناهج أذكر كتاب علوم الفيزياء، الذي تجاوز عدد الصفحات فيه 600 صفحة، ناديت مدير دائرة الأرصاد الجوية، والذي كان عضوا في لجنة تأليف الكتاب، وقلت له أتريد أن تأخذ طلبة الأول ثانوي مباشرة لدائرة الأرصاد الجوية، خفف لهم من الكتاب لأنه أمر لا يتحمله طالب، قال: "هيك اللزوم معاليك"، فرددت عليه بانفعال: كنا طلبة في جامعة دمشق، سنة رابعة، وكان أكبر الكتب عندنا التجارة البحرية، بعدد صفحات 400 صفحة، وكان يأتينا الأستاذ في نهاية العام، فيحذف 200 منه، لماذا تترك المعلمين يشطبون من المنهاج على عاتقهم، التزم أنت بكتاب كامل، موزع على السنة الدراسية بشكل مقبول.
واستمررنا في محاولات التطوير، وحاولت أن أكون ناجحا في هذا المجال، وبحسب الظروف المتاحة، في إحدى المرات كنا في حفل تخريج دورة التأهيل التربوي، وحاضرت بنحو 100 معلم ومعلمة، ولدى سؤالي لإحدى المعلمات: ماذا تُدرس؛ أجابت الموسيقى، فقلت: ممتاز، الحضور يفكرون بأني أمزح، فسألتها إن كان عندها أي طلبات، وأني مستعد لتأمينها فورا، الحضور اعتقدوا تلك اللحظة أني أمازح المعلمة، وأني أريد أن أجعلها سببا لضحك المعلمين.
فقلت لهم جميعا، كنت في جامعة دمشق، وكان إلى جانب نادي الطلبة داخل الجامعة، غرفة للموسيقى، وكان الطلبة يدخلونها ويفرغون شحنات من طاقاتهم السلبية فيها، وكان الطلبة السوريون يتفوقون على غيرهم من الطلبة، من جنسيات أخرى، بأنهم يعرفون قراءة "النوتة" الموسيقية، وقلت لهم: كم كنت أخجل، وأنا لا أعرف شيئا عن هذا العلم والفن.
وكان في خاطري فعلا، أن ندخل منهاجا فنيا موسيقيا رسميا إلى مدارسنا، وذكرت قصتي مع ابني عماد، الذي كان له فصول من الشقاوة معي وفي مدرسته، وبأني لم أستطع ضبط شقاوته إلا من خلال أني أحضرت للبيت معلمة موسيقى، واشتريت بيانو، وتعلم العزف وإذ بشخصيته تطورت كثيرا، فالفن يهذب النفوس.
وفعلا، سعيت للأمر في مدارس المملكة، وخاطبت المعلمة، بكل جدية، بأني جاهز لتنفيذ كل طلباتها في مجال تعليم الفن والموسيقى.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 1:51 am

الحلقة الثالثة عشرة من سياسي يتذكر
بدران: لم أكن على خلاف مع الرفاعي

رئيس الوزراء الاسبق زيد الرفاعي مع مضر بدران خلال فترة حكومة الرفاعي الاولى


محمد خير الرواشدة
عمان- ينهي رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، في حلقة اليوم من "سياسي يتذكر" استذكاره لمحطات عمله وزيرا للتربية والتعليم مطلع السبعينيات، قبل ان يغادر حكومة زيد الرفاعي الأولى، بعد تعديلها، الى الديوان الملكي رئيسا له. 
وينفي بدران ان تكون مغادرته الحكومة يومها جاءت لخلاف مع رئيس الوزراء الرفاعي، وقال "لم أكن على خلاف مع الرفاعي طيلة وجودي في حكومته، لمدة عام ونصف".
مدير المخابرات العامة الاسبق، الذي بات رئيسا للديوان الملكي العام 1972، يشير الى انه انتقل للديوان، عندما كان "يعج بالمستشارين لجلالة الملك"، لكن الملك قرر بتلك الفترة مغادرة جميع مستشاريه، وبقيت انا رئيسا للديوان، والأمير رعد بن زيد وزيرا للبلاط.
ويستذكر بدران انه اصطدم عند ادارته للديوان الملكي تلك الفترة، بأن الراحل الملك الحسين لم يكن يحب أن يقيده أحد بالمواعيد والترتيبات، "فله مزاج خاص في العمل". لكنه يقول "استطعت أن اتفهم الأمر، ولم أكن أريد أن أغير له في ترتيب أوقاته".
ويلفت الى انه بدأ يفكر بتنظيم شؤون الديوان، والبحث عن الطريقة المثلى لتحسين أداء الموظفين والعاملين، و"كيف للديوان أن يكون مؤسسة للملك، تسهّل عليه شؤون الحكم، وإدارة السلطات الدستورية".
ويكشف بدران في حلقة اليوم ان المغفور له الحسين "كان يقترض من البنوك، ليقدم المساعدات لمن كان يطلبها من الديوان"، ويشير الى انه "عرف لاحقا باستحقاقات مالية لبنك بريطاني على الملك الحسين، تعثر في سدادها" لتوفير مثل هذه المساعدات.
اما في فترته المتبقية بوزارة التربية فيستذكر بدران العديد من المهام والتحديات التي واجهت الوزارة في تلك الفترة. لافتا في هذا السياق، الى انه بادر الى تقاسم راتبه كوزير تربية (180 دينارا) مع طالبات فقيرات، خصص لهن مخصصات شهرية، بقيمة اجمالية 90 دينارا، وذلك نظرا لعدم توفر مخصصات في موازنة التربية لذلك.
وكان بدران تحدث في حلقة أمس عن أول تفاصيل تسلمه لاول حقيبة وزارية، والتي كانت في حكومة زيد الرفاعي الأولى.
 واشار الى انه في غمرة بحثه عن تطوير وزارة التربية اشتبك مع المعادلة الأصلية في نجاح عمل الوزارة، وهي التركيز على المعلم والمنهاج والبناء المدرسي، والطالب الذي يعد محور البناء في كل تلك العملية.
وكشف بدران ايضا قصته مع رئيس الحكومة بعد الطلب لأول مرة "علاوة المعلمين"، وكيف تم تحصيلها بقرار من مجلس وزراء، حيث كانت انجازا مهما للمعلمين وللعملية التعليمية.
وفيما يلي نص الحلقة الثالثة عشرة.
* نستكمل اليوم، ما أسسته بوزارة التربية والتعليم؛ ألم يكن لشخصيتك الأمنية كمدير مخابرات سابق، انطباع، أو أثر على وجودك في الوزارة، ألم تكن حادا في طباعك، قاسيا في أوامرك، حازما في قراراتك، كرجل أمني له باع طويل في الخدمة المخابراتية؟
-الكثير كانوا يعتقدون ذلك، وهذا حقهم، فأنا قادم من دائرة المخابرات، التي كان انطباع المواطنين عنها بأنها دائرة "الداخل لها مفقود، والخارج منها مولود"، لكن هذا ليس صحيحا. 
 لقد قيل عني لما تسلمت وزارة التربية بأني جئت لأفصل المعلمين البعثيين واليساريين، هذا حق الناس أن يقولوا ما يشاؤون، لكن حاسبني إن مارست مثل هذه الممارسات.
صحيح أني كنت ألوح بالفصل، وأهدد البعض به، لكن لم أقدم على مثل هذه الخطوة. أذكر لدى زيارتي لإحدى المدارس في منطقة المحطة، دخلت على احد الصفوف، ووجدت معلم الدين، لحيته كثة وطويلة جدا، ويرتدي ثويا قصيرا، وقبعة بيضاء صغيرة، وينتعل حذاء له رقبة طويلة، من دون أن يربط رباطه، فذهبت لغرفة المدير واستدعيت المعلم، وقلت له ما هذا الذي ترتديه؟، فقال هذا لباس رسول الله، فقلت: اسكت فإن الرسول كان ينتخب أفضل ملابسه، عند خروجه للناس، وكان يتطيب بأحسن الطيب، وانك بمظهرك هذا تسيء للدين ولا تطبق سنة النبي، وهددته بأنه إذا جاء غدا بنفس المظهر فإني سأفصله، وأبلغت المدير بأني سأكون على مكتبي، انتظر هاتفه، لكي يؤكد لي بأن المعلم التزم بما قلته، وفعلا اتصل بي المدير، وقال بأنه جاء يرتدي بدلة وربطة عنق، وأنه بأحسن مظهر عرفه به زملاؤه.
في حكومة زيد الرفاعي الأولى أخذ منا العمل جهدا ووقتا، وفعلا كانت حكومة لها برنامج واضح في البناء المؤسسي، ولم نكن نشعر بالوقت والجهد المبذول، أمام الانجاز المتحقق.
وأذكر بأننا في احدى جلسات مجلس الوزراء، طلبت أن يعقد التلفزيون الأردني حلقات حوارية مع الوزراء، وتكون هناك اسئلة مفتوحة من ضيوف موجودين في الاستوديو، أيد الرفاعي رأيي، وقال عليك أن تكون أول من يظهر لأنك صاحب الفكرة.
فقلت له لكني فعلا لم أظهر بحياتي على شاشة التلفزيون، وأصر علي أن أكون أول الوزراء، كان مدير الحلقة في التلفزيون عصام العجلوني، وخرجت أنا وحكمت الساكت وكان بالإضافة لضيوف الاستوديو الدكتور علي عبد الرازق، اكتشفت أن حكمت يخشى كاميرا التلفزيون أكثر مني، حاولت أن اشد من عزيمته في أول الحلقة، وإذا به بعد لعثمته الأولى، يشرح عن انجازات الوزارة بطريقة أسهب فيها بصورة مرتبة وعلمية، وتحدثت معه وأكملت على حديثه، إذ لم يكن مضى على وجودي في الوزارة سوى 3 شهور، وكانت حلقات مميزة، كان لها أصداء إيجابية عند المشاهدين.
بعد الانتهاء من التسجيل طلبت من الفنيين أن ينصحونا إن كانت جيدة وتصلح للبث، فقالوا بأنهم سيبثونها كما هي، لأننا لم نخطئ في اجابة، كان أداؤنا أمام الكاميرا عفويا لدرجة كبيرة.
*من الواضح أنك اندمجت جيدا بمهمتك في وزارة التربية، ومن الواضح أكثر أنك أسهبت في اهتماماتك؟
-لا أنكر ذلك؛ كان جميلا الإنجاز، الذي قمنا به في وزارة التربية، وللأمانة فقد كان يساعدني في هذه المهمة استقامة وجدية الموظفين القدماء، وعلى رأسهم حكمت الساكت ابو أحمد.
وأذكر جيدا بأنه خلال عملي في الوزارة تعلقت به كثيرا، فبعد نحو شهرين من تسلمي حقيبة التربية، اكتشفت أن هناك قسما يعنى بالإرشاد النفسي، وأن المسؤولات عن القسم هن معلمات، جلست معهن لأفهم طبيعة العمل، الذي يقمن به، واكتشفت أن المهمة التي يقمن بها هي مهمة خطيرة جدا، فقد اكتشفت بأن وظيفتهن تخفيف الجنوح عند الطالبات ومعالجته، وصدمت عندما عرفت بأن هذا الجنوح جنوح أخلاقي.
فقد أكدن لي بأن الطالبات المراهقات هن عرضة لهذا الأمر، واستغربت أن ذلك موجود في مجتمع مثل مجتمعنا، وسألت عن أسباب الانحراف، فقلن لي أن السبب الرئيس هو الفقر، وبعدها سألت عن طريقة الحل السريعة واللازمة، فأجبن أن نخصص للطالبات الفتيات مصروفا شهريا، يقيهن تعريض أنفسهن للخطر والتفريط بسمعتهن مقابل المال.
في اليوم التالي، طلبت منهن كشفا بأعداد الطالبات، وطلبت إحصائية مالية تخصص لكل حالة منهن مصروفا، وحسب ما حددوه لي ما بين الدينارين إلى خمسة دنانير، ولما جاءني الكشف نظر إليّ حكمت الساكت، وقال: "أنا ماعندي موازنة لهذا البند"، فوجدت أن الموازنة تحتاج لـ90 دينارا، فقلت له دع عنك التفكير بالأمر، وأنا من سيؤمن هذه المال.
في آخر الشهر، ناديت حكمت الساكت وأعطيته 90 دينارا، من أجل مشروع مصروف الطالبات، فسألني عن المصدر، فقلت، لقد تقاسمت أنا والطالبات راتبي، وكان فعلا راتبي وقتها 180 دينارا كوزير، أعطيته 90 واحتفظت بالباقي لمصروفي ومصروف أسرتي.
شعرت بحكمت وقد تضايق، وطلبت منه أن لا يحرمني هذه المتعة، لأني لم أفرح بيوم من الأيام، كما فرحت بتلك الأيام، وقلت له لو زاد راتبي سأظل ممسكا بهذه القسمة.
ولما سألت بعدها بثلاثة أشهر عن وضع الطالبات، فقالوا لي بأنهن في أحسن حال، وأن وضعهن تحسن بصورة لافتة.
وعندما غادرت الوزارة، وانتقلت للعمل رئيسا للديوان الملكي، طلبت من المعلمات، أن يطلبن مني ما يحتجن لمشروعهن التربوي، لأن امكانيات الديوان بالتبرع أفضل من امكانيات وزارة التربية.
من المضحك في الوزارة، ما اعتبره بعض المدراء، بأني أغلق الباب على أم عماد، قبل خروجي من المنزل، لأنها وفي الأشهر الأولى من تسلمي الوزارة، كانت حاملا، وقد كانوا يوجهون لها دعوات للقيام بافتتاح بعض المعارض في المدارس، وبعد إلحاحهم الشديد، قلت لهم أجلوا لي كل تلك النشاطات لبعد أربعة أشهر، حتى تكون وضعت مولودها فهي حامل الآن.
وفعلا كان الانطباع بأني لا أريد لها أن تظهر أمام الناس، وكانت تلك من السمعات التي لاحقتني في تلك الأيام.
المشكلة في وزارة التربية كانت بحجم المراجعات الهائل، سواء من المعلمين، الذين كان عددهم في تلك الأيام نحو 70 ألف معلم، ومشاكل الطلبة الذي تجاوز عددهم أيامها النصف مليون طالب.
أذكر بأني في الأيام الأولى كنت استيقظ على المراجعين، وهم واقفون أمام باب بيتي، كنت أخرج عليهم، وأقول أن هذا منزل مضر بدران، فيردون علي بأنه وزير التربية، فأرد بأن الوزير في وزارته، أما هذا فهو بيت مضر، ثم أطلب منهم المغادرة وانتظاري في الوزارة، كان هؤلاء الزوار يأتوني مع الفجر.
في احدى العطل، وكان يوم جمعة، كنت خارج عمان، عدت متأخرا، واستيقظت في اليوم التالي، وكان جار لي جاء لزيارتي، وقال بأن هناك احدى المراجعات ظلت تنتظرني حتى ساعة متأخرة من يوم الجمعة، وأنه أشفق عليها، وطلب من زوجته أن تدعوها للنوم في البيت، حتى يطلع النهار، وتأتي إليّ بطلبها، فاعتذرت من جاري على هذه الجيرة، التي تسبب الإزعاج.
المهم، جاءت المواطنة وطلبت منها أن تنتظرني في الوزارة، وأن هذا البيت أنا لا استخدمه إلا للنوم في الليل، ولما وصلت الوزارة، استدعيتها وقلبي يغلي منها على ما فعلته، فقلت ماهو طلبك؟ وإذ به طلب بسيط، فقلت لها أستطيع اجابة طلبك، لكن أمام ممارستك تلك فلن أفعل لك شيئا الآن.
لقد كنت أمضي معظم وقتي في الوزارة، فكنت أبدأ نهاري بالعمل الساعة الثامنة، ثم أعود بعد الظهر للبيت، أتناول طعام الغداء، ثم أعود للوزارة من الساعة الخامسة عصرا وحتى منتصف الليل، وكان هناك موظفون يعملون معي، وتبقى الوزارة مضاءة، لأن فيها موظفين يعملون، لم يكن العمل يتوقف داخل الوزارة.
لقد قاتلنا من أجل أن تسير الأمور في سياقها الطبيعي، أذكر بأن محمود الكايد، رحمه الله، جاءني ذات مرة، وطلب مني نقل ابنته من الشونة إلى السلط، وقد كانت معلمة، واشتكى من بعد المسافة عليها، فأجبته على الفور وقبلت طلبه.
ثم عاد إلي حكمت الساكت، ويقول أني خالفت التعليمات، وسيفتح هذا الاستثناء الباب على عشرات الطلبات، فقلت له إني لا أعلم بأن الأمر كذلك، لكن لا استطيع أن أعود عن كلمة أعطيتها للكايد.
وفعلا، كان عاما دراسيا على وشك أن يبدأ، وبدأت طلبات مديرية تربية السلط تنهال وتريد أن يتم التعامل مع المعلمات في الشونة بذات الطريقة، وأذكر أن مدير تربية السلط كان ابن عمي، وهو فاروق بدران، ووضع كتاب قرار نقل، ابنة محمود الكايد، تحت بلور مكتبه، ومن يطلب منه نقل ابنته أو زوجته أو اخته، يقول اذهبوا وأتوا لي بذات الكتاب الموقع من وزير التربية.
فعلا، كان خطأ ارتكبته، لأني في احدى المرات دخلت لمكتب حكمت الساكت، وكانت أم لمعلمة من إربد، ابنتها معلمة في معان، تركب الباص لتصل معان، ثم تستأجر حمارا لتصل للمدرسة، التي تدرس فيها في احدى القرى النائية، وكانت الأم تبكي وحكمت يحاول أن يشرح لها بأن الأمر ليس بيده، وأنها ان استمرت في البكاء، فإنه سيبكي معها، فهو عاجز تماما عن مخالفة الأسس والتعليمات.
جلست وأنا استمع للحوار، ومستغرب من الأمر، وبعد أن خرجت الأم من مكتبه، دون تنفيذ طلبها، قلت لحكمت أريد لكل الفتيات الناجحات في الثانوية العامة من محافظات الطفيلة ومعان أن يذهبن ببعثات على حساب التربية والتعليم، وأريد لهن أن يملأن شواغر المعلمات في مدارس مناطقهن، وفعلا أخذنا القرار.

*كم استمررت وزيرا للتربية، ولماذا تركت الوزارة، وتم تعيينك رئيسا للديوان، هل للأمر اتصال بخلافات لك مع زيد الرفاعي؟
-لا؛ لم أكن على خلاف مع الرفاعي طيلة وجودي في حكومته، لمدة عام ونصف، بل كنا على وفاق تام، وكانت حكومة تعمل بشكل جيد، وكنا كفريق حكومي أيضا متحمسين للتجربة.
بعد عام ونصف، جرى تعديل على حكومة الرفاعي، وخرجت بموجبه، لاستلم رئاسة الديوان الملكي، وكانت هذه هي المرة الأولى التي أعمل بها في هذا المنصب، وجاء مكاني للوزارة ذوقان الهنداوي رحمه الله.
الملك طلبني رئيسا للديوان، في وقت كان فيه الديوان يعج بالمستشارين، الذين أذكر منهم بهجت التلهوني رئيسا للديوان، وعبد المنعم الرفاعي مستشارا، وأحمد الطراونة مستشارا، وبهاء طوقان، فيما كان صلاح ابو زيد مستشارا إعلاميا، ومحمد رسول الكيلاني مستشارا أمنيا.
عند تعييني رئيسا للديوان، قرر الملك مغادرة جميع المستشارين، وبقينا في الديوان الملكي أنا رئيسا، والأمير رعد بن زيد وزيرا للبلاط.
بدأت أفكر بتنظيم شؤون الديوان، وما هي الطريقة المثلى لتحسين أداء الموظفين والعاملين، وكيف للديوان أن يكون مؤسسة للملك، تسهل عليه شؤون الحكم، وإدارة السلطات الدستورية.
سألت الأمير رعد بن زيد  عن الاختصاصات، التي يحب أن يقوم بها، فطلب مني أن يكون مسؤولا عن ملف المعونات الإنسانية ومعالجات المرضى، وكان قد طلب مبلغا من المال كموازنة له لهذه المهمة، فاستغربت الرقم، وقلت بأنه لن يكفيه، وزدته له بنحو 50 %. وطلبت منه أن لا يعود ليطلب رفع الموازنة، فنحن نريد تنظيم شؤون الديوان المالية والإدارية، وهنا قصة سآتي على ذكرها لاحقا.
بدأنا العمل في الديوان الملكي، واصطدمنا بأن الراحل الحسين لا يحب أن يقيده أحد بالمواعيد والترتيبات، فله مزاج خاص في العمل، استطعت أن أتفهم الأمر، ولم أكن أريد أن أغير له في ترتيب أوقاته.
ثم وجدت ورقة، بخط يد الراحل، مكتوب عليها برنامجه اليومي من الاستيقاظ وحتى انتهاء عمله الرسمي، أدخلتها مع البريد له، وظل يتجاوزها وأنا أصر على وضعها أمامه، فسألني ماذا أريد من الورقة؟ فأجبته أريد الالتزام بها، خصوصا بأننا لا نستطيع تنظيم أي موعد للملك، مع أي ضيف من الضيوف أو حتى المراجعين.
اعتذر الملك، عن عدم قدرته على الالتزام بمواعيد يومية، فدرست حركة جلالته، وعرفت من ينال حكمت بأنه يغادر منزله مباشرة، إذا تناول إفطاره، وصرت في كل يوم أعرف متى يتناول الملك فطوره، وأرسم برنامج العمل الرسمي بناء على ذلك.
طبعا في الأصل يمثل رئيس الديوان همزة الوصل بين الملك ورئيس حكومته، لكن زيد الرفاعي لم يكن يحتاج لذلك، لأنه يلتقي الملك في بيته، وكان لهذا الأمر سلبيته، لأني لم أستطع التدخل في بعض القرارات، التي لا علم لي بها، لكن عندي وجهة نظر فيها، كقصة تعيين سفيرنا في لبنان وقتها، وقلت للملك بأنه "سيتعبنا"، وبعد فترة عاد الرفاعي يشكو منه للحسين، ويقول: بأنه يعمل ضدي، لأن للسفير موقفا معاديا للنظام السوري، وكانت علاقاتنا مع السوريين تحسنت كثيرا.
من الأشياء، التي سعيت لتنظيمها، كان أمر المساعدات المالية التي كان يقدمها الراحل بسخاء، فلم يكن يرد طلبا لأحد قدم لطلب مساعدة مالية.
وفعلا، فقد كان الراحل الحسين يقترض من البنوك، ليقدم مثل هذه المساعدات، التي كانت تذهب لأشخاص غير محتاجين، فعرفت لاحقا باستحقاقات مالية لبنك بريطاني، تعثر الحسين بسداده، كما كان بدأ الاقتراض من بنك الإسكان في عمان.
بعد ذلك، صرت أتدخل بقرارات صرف الحسين للمساعدات، وما أجد أنه غير مناسب أرفضه، فقد أحضرت معي "فرامة" ورق، لتمزيق اوامره في الصرف العشوائي.
حتى أن الأمير زيد بن شاكر، رحمه الله، جلس يتندر على ما وفرته هذه الآلة، التي أحضرتها معي، فقلت بأنها وفرت عشرات الآلاف من الدنانير، فضحك الراحل الحسين.
فعلا، فقد كانت المساعدات تأتي لأشخاص أعرفهم جيدا، بأن أوضاعهم ميسورة، فيما بالكاد نستطيع زيادة موازنة الأمير رعد، للانفاق على الأسر الفقيرة، التي تطلب المساعدات النقدية أو العلاجية.
تنويه من المحامي هاني الدحلة
قرأت في ذكريات الزميل الأستاذ/ مضر بدران- في العدد رقم 3763- تاريخ- 27/1/2015 ما يلي:
"وقد حبس رئيس قسم المشاور العدلي/ عبدالله الصعوب بتهمة مشاركته لعلي أبو نوار، بالانقلاب العسكري، وكان هاني الدحله الذي تزاملت معه بكلية الحقوق، دخل الجيش وحمل رتبة ملازم أول، وكان مشاورا عدليا- لكنه أُقيل من عمله مع الأحداث- وكان هذا في نهاية سنة 1957- وبداية العام 1958- ولم يبق في قسم المشاور العدلي سوى أسامة السخن، وكان السخن رئيسي بالعمل، حسب الأقدمية.
وأعتقد أن الزميل قد نسي بعض الوقائع، فذكرها على غير واقعها عن غير قصد.
والذي حدث أنه عندما تخرج السيد مضر بدران ذهب مع والده إلى السيدين علي مسمار وموسى الساكت، لتعيينه في القضاء النظامي فاعتذرا له لعدم وجود شواغر. وكنت في تلك الأيام، ألتقي مساء أنا ومضر، حيث نسهر ونذهب لبعض المقاهي، نشرب الشاي والقهوة مع آخرين.
فقلت له، وكنت ضابطا في الجيش مع الضباط الأحرار، وكانوا يسيطرون على معظم أموره: هل تريد الدخول في الجيش، فقال نعم. فقلت له: تعال غدا إلى القيادة، ووضعت اسمه على الباب، حيث سمح له بالدخول، وأخذته وذهبت إلى السيد عبدالله الصعوب، المشاور العدلي للجيش، وكنت أنا مساعده، وقلت له: أريد ادخال السيد مضر في الجيش معنا، فقال لي: هل هو معنا،، فقلت: نعم، قال: هل تضمن ذلك. قلت نعم. وذهب إلى قائد الجيش علي أبو نوار وعاد بقرار تعيينه.
وهكذا تم تعيين مضر بدران في الجيش، وأصبح مساعدا لي، ثم انتقل بأمر من محمد رسول الكيلاني إلى المخابرات، على غير رضا منه، ثم انسجم مع ذلك الجو وأصبح من رموزه. بالإضافة لذلك، فقد ورد في كتابي "رماد السنين"، قولي في صفحة (85)، من الكتاب المنشور سنة 1997، ولم يعترض أحد على ما ورد فيه، منذ ذلك التاريخ، إنه عندما كنا طلابا في جامعة دمشق. ومع بداية السنة الثانية/ حقوق، تعرفت على السيد بدران وكان بيننا زمالة دراسة. وكان مضر ينام عند أقرباء له في دمشق، ويحضر في الصباح إلى الكلية، حيث نلتقي في مكتبة الجامعة لدراسة بعض الحصص. وعندما يحين وقت الغداء، نتغدى، ونذهب معا إلى غرفتي للقيلولة. وعند العصر كنا نذهب لمكتبة الجامعة للدراسة أو ندرس في البيت، الذي أسكنه حتى يأتي وقت العشاء، فنذهب لتناول العشاء في أحد المطاعم، ثم يركب هو الترام، ويذهب للنوم عند أقاربه. وقد أمضينا طيلة تلك السنة وما بعدها (سنتان) على هذه الحال.
وبالطبع، كانت علاقتي مع باقي الطلبة جيدة، وعندما كان يحدث أمر يستدعي اجتماع الطلاب الأردنيين، للاتفاق على ارسال برقية احتجاج إلى الأردن، على موضوع معين، أو توقيع عريضة أو عمل حفلة، كان يحضر مندوب عن كل تجمع، وحرصا على اعطاء المستقلين كلمة مسموعة في كل مناسبة، فقد دعوت المستقلين الى عقد اجتماع، حضره الطلبة الأردنيون غير المنضمين لأحزاب البعث والشيوعي والاخوان المسلمين، وقد تشكلت كتلة الطلاب المستقلين من الطلاب: هاني الدحله، مضر بدران، تيسير نعناعه، زهير الكايد، حيدر الكايد، وجميعهم من كلية الحقوق، وبعض الطلاب من كليات اخرى، وانتخبت رئيسا للكتلة، والسيد مضر بدران نائبا للرئيس. وأسميناها الكتله العربية المتحدة.
وهكذا أصبحنا، ندعى لأي اجتماع، او مناسبة تتطلب حضور جميع الاتجاهات. وكان الكل يخطب ودنا، لأننا كنا ثاني أكبر كتلة بعد البعثيين. وكان رأينا هو الذي يرجح بنتيجة التصويت في غالب الاحيان.
المحامي هاني الدحلة

توضيح من المحرر:
لقد توجهنا بالسؤال، للسيد مضر بدران، عن دقة المعلومات الواردة، من قبل المحامي هاني الدحلة، حيث أكد بدران أنه انتسب في بداية حياته العسكرية للأمن العام، وليس للقوات المسلحة الجيش العربي.
وأكد بدران بأنه انتظم في دورة ضباط مرشحين، للأمن العام برتبة ملازم أول، بعد نشر إعلان في الصحف اليومية، وأنه تزامل في تلك الدورة مع مصطفى خريشة، من الضفة الغربية، وأديب طهبوب، ومختار جرار، وسالم مساعدة الذي لم ينتظم في الدورة معهم.
ثم وبعد إعلان الأحكام العرفية في المملكة، تم دمج الأمن العام مع القوات المسلحة، بموجب تعليمات الإدارة العرفية، وكان القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول في وقتها حابس باشا المجالي، ومساعده عبد الحليم الساكت.
وهناك وبعد ضم الأمن والجيش، التحق بدران بعمله مشاورا عدليا في القوات المسلحة، وليس كما ورد في توضيح المحامي الدحلة، بحسب تأكيد بدران.
أما عن كتلة الطلاب المستقلين، في جامعة دمشق (الكتلة العربية المتحدة)، وأن بدران كان نائبا لرئيس الكتلة، فإن بدران يؤكد عدم صحة المعلومة.
تنويه من محمد علي طريخم
السيدة رئيسة تحرير جريدة الغد
إشارة الى مذكرات دولة السيد مضر بدران، وحلقة يوم السبت 7/2/2015. اذا كان السيد بدران يريد ان يكتب سيرته الذاتية فهذا حق له، لكن أن يقول إنه كان هناك انقلاب، وان اللواء المدرع/ 40 دخل عمان من صويلح، بقيادة وكيل، فهذا غير صحيح. الوحدات الاردنية التي دخلت الى سورية هي لواء مدرع/ 40، من الفرقة المدرعة/ 3 الملكية، بقيادة المرحوم خالد هجهوج، ولواء 92 مدرع بقيادة خالد عبد النبي. وعندما عادت في بداية العام 1974، عاد لواء 92 الى غرب المفرق، ولواء 40 الى الزرقاء، وفي شهر نيسان 1974 تمردت كتيبة الدبابات الثانية الملكية، وكان قائدها حامد ابو جاموس، وكتيبة الدبابات الرابعة الملكية، وهو تمرد سمي في الجيش بـ"ثورة السكر"، وليس انقلابا عسكريا. وكان المرحوم الملك الحسين في اميركا حينها، وعاد وزار نفس الوحدات. وكان المرحوم الامير زيد بن شاكر رئيسا لهيئة الاركان، وكان القائد العام هو المرحوم حابس باشا المجالي.
ولكم جزيل الشكر. 
محمد علي طريخم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 1:53 am

الحلقة الرابعة عشرة من سياسي يتذكر
بدران: هددت وأبوعودة بالاستقالة إن لم يدخل الأردن حرب أكتوبر


الراحل الحسين ومضر بدران ووزير الدفاع والبلاط الهاشمي الاسبق عامر خماش في احدى المناسبات

محمد خير الرواشدة

عمان- يصف اليوم رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران الأحداث التي جاءت به رئيسا للوزراء بعد تقديم زيد الرفاعي استقالة حكومته، ويؤكد بأنه لم يكن يعلم بموعد استقالة الرفاعي، وكان يستعد لمغادرة عمان لزيارة اسبانيا، وأبلغ الحسين نيته بالسفر.
ولدى وصول بدران لمطار ماركا، جاءه موظف المطار، وقال له إن الملك الحسين على الهاتف، وإذ به يسأل عن مكان تواجد بدران، وأمره بالعودة للقصر، فدخله ووجد الحسين والرفاعي، وأدرك بأن الرفاعي من أبلغ الملك بسفره. 
وفي حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" يصف بدران الأيام الأخيرة لحكومة الرفاعي الاولى، وهي التي بدأ خلالها ظهور أزمات واضحة في العاصمة، تتمثل في الطوابير على شراء السلع الأساسية، مثل المحروقات وبالتحديد (الكاز) والمخابز ومحلات بيع الدجاج، ثم زادت مشاكل المياه والكهرباء والأعطال.
وعن قصة دخول لواء الأربعين إلى عمان عبر صويلح، بعد انتهاء مهمته في مساندة القوات السورية على جبهة الجولان بعيد حرب اكتوبر، يؤكد بدران أن القصة كانت فعلا انقلابا عسكريا، يقوده وكيل في الجيش، وهذا ما جاء في التحقيقات العسكرية اللاحقة، وقد قرأتها فعلا، لقد كانت الدبابات عائدة من مهمة مساندة الجيش السوري على جبهة الجولان، وكان ظني في مكانه، وقد كشفت التحقيقات ذلك، فقد تأثر هؤلاء الأفراد بالمزايا الممنوحة للحكم العسكري السوري في ذلك الوقت.
أما عن موقفه من حرب العام 1973 فيقول بدران: قد لوحت أنا، وعدنان ابو عودة، كوزيرين، في حكومة الرفاعي بتقديم استقالاتنا، إن لم نشارك بالحرب، إلى جانب مصر وسورية، وقلنا إن لم نشارك في الحرب، فلماذا نبقى (...)".
ويوضح بأنه بعد زيارة الراحل الحسين في اليوم التالي لرئاسة الوزراء، حيث قدم شرحا وافيا فيه تقدير موقف للأردن الرسمي، وقال بأنه متأكد من قدرة الجيش العربي خلال أيام الحرب على استعادة الضفة الغربية، لكنه تساءل أمامنا عن الحال بعد توقف الحرب على الجبهتين السورية والمصرية، وهل باستطاعتنا بعدها حماية الضفة الشرقية من الاحتلال.
كما اظهر الحسين عدم ثقة بالرئيس المصري انور السادات.
وفيما يلي نص الحلقة الرابعة عشرة:
* ما قصة الأمير رعد، التي قلت بأنك ستعود لها؟
-في احدى المرات وصلتني ورقة من بنك القاهرة عمان، وإذ بها كشف حساب للأمير رعد، بلغ عجزه الـ600 ألف دينار، وهو رقم ضخم في ذلك الوقت. ذهبت إليه، لأسأله عن هذه الأموال، فقال: كيف وصلت الورقة لك؟ فأجبته المهم، ماذا فعلت بهذه الأموال وكيف سنردها!.
فقال لي، بأنه وبعد تحديد الموازنة، لعمله مع الفقراء والمحتاجين والمرضى، اكتشف بأن الموازنة لا تكفيه لتقديم كل المعونات المطلوبة، وأنه اضطر لفتح حساب جاري مدين، مع البنك لكي يساعد المواطنين.
يا له من رجل رائع، فقد اقترض على حسابه، لدفع حاجات الناس، فقلت له كيف سندفع ديون البنك؟ فقال: لا عليك، متى ما أفرج العراق عن ورثتي، من أبي، الموجودة هناك، فسأعيد الأموال للبنك.
وفعلا بعد فترة بسيطة وصلته مبالغ من العراق، وسدد كل دينه.
من الطرائف، في عملي في الديوان الملكي أيضا، بأنه وفي احدى المرات، خرجت أنا وزوجتي إلى المطار، لنستقبل ابني عماد، الذي كان يدرس في الولايات المتحدة، دخلنا مطار ماركا، وإذ بالملك الحسين والملكة نور في المطار، ينتظران ضيوفا لهما، فسألني الملك عن سبب وجودي في المطار، فقلت إننا سنستقبل عماد ونذهب به إلى البيت، فوقف الراحل الحسين ينتظر عماد معنا، فنزل ركاب الدرجة الأولى من الطائرة، فسألني الملك إن كنت متأكدا من عودة عماد على هذه الرحلة، فأجبته بالتأكيد، فقال لي بأن ركاب الدرجة الأولى جميعهم نزلوا من الطائرة، فقلت له: لكن ركاب الدرجة العادية لم ينزلوا بعد.
فاستغرب الملك، وقال كيف لك أن تفعل بعماد ما فعلت، أنت تقدم تذاكر السفر للطلبة الأردنيين الذين يدرسون على نفقة الديوان الملكي، ولا تقدمها لعماد!.
فقلت له بأن الطلبة لا يركبون الدرجة الأولى أصلا، وأن عماد يسافر على نفقتي الخاصة، لأني قادر على الانفاق عليه، فيما نحن في الديوان الملكي نوفر البعثات الخارجية للطلبة المتفوقين، الذين لا يستطيعون الدراسة في الخارج، وهؤلاء جميعهم نحجز لهم ضمن الدرجة العادية بالسفر.
لقد حاولت تنظيم الكثير من الأمور في الديوان الملكي، قد يكون بعضها تفصيليا ولا مجال لذكره هنا، لكن كلها تتعلق بمحاولة تنظيم الأمور بالشكل المناسب.
لقد ادركت بأني لم أخطئ في ضبط نفقات الديوان الملكي، فقد كان لرئيس الديوان هيلمان ونفوذ واسعان، وكل البذخ في هذا الانفاق من موازنة الديوان، التي هي موازنة الدولة أصلا، فيما كان الراحل الحسين يقترض لكي ينعم الآخرون بكل هذه النفقات.
في احدى المرات، كنت في المطار، ولم يكن لي وقتها أي صفة رسمية، وكان عاكف الفايز رحمه الله، رئيسا لمجلس النواب، وكان بانتظار وفد من مجلس العموم البريطاني، فوصلته رسالة من البرج، تفيد بأن الوفد قادم على الدرجة العادية، وبالتالي سينزلون في المطار وليس في مقصورة الدرجة الخاصة، وكانت كل الترتيبات البروتوكولية أعدت عند الدرجة الخاصة، ولم يكن بمقدور المراسم تغيير كل الترتيبات في لحظة، انفعل ابو فيصل رحمه الله، وتدخلت مع البرج لكي اطوق الأمر، وطلبت من البرج أن يسمح لأعضاء مجلس العموم البريطاني النزول مع ركاب الدرجة الخاصة، وهذا فعلا ما حدث.
لقد أعجبت حقا بتصرف الوفد البرلماني البريطاني، فالمسألة لا تعتبر نقيصة بحقهم، فهم مسافرون لمهمة عمل، وليس لسياحة، ومنها أدركت، بأن طريقة التفكير التي اتبعتها سليمة.

*وهل استكملت عملك في الديوان الملكي بنفس النهج؟
-في أواخر الأيام لي في الديوان الملكي، صرت أزور زيد الرفاعي في مكتبه برئاسة الوزراء صباحا، وكنت اناقش معه في بعض القضايا، وكان الراحل الحسين أيضا يصطحبني معه في تلك الزيارات.
كانت قد بدأت تظهر في العاصمة أزمات واضحة، تتمثل في الطوابير على شراء السلع الأساسية، مثل المحروقات وبالتحديد (الكاز) والمخابز ومحلات بيع الدجاج.
ثم زادت مشاكل المياه والكهرباء والأعطال، كنت اتساءل مع الرفاعي عن السبب، وكان ينفي الأمر، ويبرر الأزمة بشكل غير مقنع.
تدخل الراحل الحسين في احدى المرات، وسأل عن الأمر، فرد الرفاعي بأن بعض المواطنين يقومون بتخزين المحروقات، فتدخلت وقلت: بأن هناك نقصا حقيقيا، وأن من يخزن المحروقات لا يخزنها بعبوات صغيرة.
في احدى المرات، كنت أنا والرفاعي نركب ذات السيارة، وخرجنا من الديوان الملكي، مررنا من أمام محطة وقود، أذكر موقعها جيدا قبل دخلة مخيم الحسين، وكان الثلج بدأ يتساقط في عمان، فنظرت إلى المحطة، وكان الازدحام فيها واضحا، والأطفال ينتفضون من البرد يحملون عبوات صغيرة يريدون تعبئتها.
وظل الرفاعي يردد روايته، بأنهم يخزنون المحروقات، فقلت له بأن مدير المصفاة يغررك بالمعلومات، لأن انتاجه قليل من الكاز، ويريد أن يزيد انتاجه من مادة البنزين، فالأخيرة تربح مع المصفاة، والكاز لا يربح، وهو يشكل ضغطا على خطوط انتاج المصفاة، والنتيجة من قلة انتاج المصفاة للكاز يتحملها المواطن.
وأنا في الديوان الملكي، كانت كثير من الأمور لا تروق لي، لكني لم أكن أنا صاحب القرار، وبالتالي لا أتدخل في أمر ليس من صميم عملي، أو على الأقل لم يطرح أمامي.
في أزمة النفط السعودي مع الولايات المتحدة (منتصف السبعينيات)، ظل وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر نشيطا، في جولاته على المنطقة، وظل يزورنا في عمان في فترات متقاربة.
وفعلا، فقد ازعجهم الملك فيصل، رحمه الله، بقراره، وكان طلبه من الأميركان واضحا بأنه يريد دخول القدس والصلاة في المسجد الاقصى، كان كيسنجر يتحايل على طلب الملك فيصل، بأنه يستطيع الضغط على الإسرائيليين، والسماح للملك فيصل بدخول القدس، من دون أن يرى أي إسرائيلي، وكان يجيبه الراحل الملك فيصل، بأن عليه أن يفهم طلبه، في أنه يريد تطهير القدس من الاحتلال الإسرائيلي.
كان يتصل بي رئيس التشريفات ينال حكمت، كلما جاء كيسنجر لزيارة عمان، ويطلبني للتواجد خلال استقباله، وكنت اسأله عن الوفد الرسمي، وكان يجيبني بأن الراحل الحسين والأمير الحسن ورئيس الوزراء زيد الرفاعي ووزير الخارجية سيكونون في استقباله، فاعتذرت عن عدم الحضور، في مرة ثانية وثالثة ورابعة، اعتذرت.
وفعلا، قلت لحكمت بأنك رئيس تشريفات مخضرم، ولا يجوز للملك أن يستقبل وزير خارجية الولايات المتحدة، فأبلغني بأنه يعرف أصول عمله، لكنه لا يستطيع رفض رغبة الملك، وأبلغته عندها، بأنه وفي كل مرة يخرج الملك لاستقبال كيسنجر فعليه أن لا يدعوني لاستقباله.
وفي احدى المرات اتصل بي حكمت ليبلغني نفس الأمر، وسألته، فقال فقط سيستقبله وزير الخارجية، فقلت له بأني سأكون حاضرا إذا، ولدى سلام كيسنجر علي عرفني، وشعرت بأنه عرف لماذا لم أكن في استقباله في المرات السابقة.

* لكن يقال، بأن انتقالك للعمل في رئاسة الديوان، بعد وزارة التربية والتعليم، كان لسبب أمني، بعدما دخل لواء 40 إلى عمان، وكان عائدا من مهمة مساندة الجيش السوري على جبهة الجولان، ومر من طريق صويلح، بالدبابات، بعد حديث عن تمرد عسكري؟
- لا؛ كنت وقتها وزيرا للتربية، ولما دخل اللواء أربعين بهذه الصورة إلى عمان، ذهبت إلى ولي العهد وقتها، الأمير حسن، وكان الراحل الحسين مسافرا في احدى الزيارات الرسمية، وقلت للأمير، بأن هذا سلوك عسكري خاطئ، وعليه أن يوقف حركته، وقال الحسن بأن فوهة الدبابات "ملفوفة (مغطاة) باكياس خيش"، وقلت، وهل هذا يعني بأن مظهرها لا يشي بأمر عسكري؟ ومنعت دخولهم لعمان بهذه الطريقة.
لدى عودة الراحل الحسين، وكان يعلم بما جرى، فاستدعاني ووبخني، من دون أن أعرف ما علاقتي بالأمر، وقال: "إن شاء الله مفكرني جايبك وزير تربية وتعليم!".
لقد كانت القصة فعلا انقلابا عسكريا، يقوده وكيل في الجيش، وهذا ما جاء في التحقيقات العسكرية اللاحقة، وقد قرأتها فعلا، لقد كانت الدبابات عائدة من مهمة مساندة الجيش السوري، على جبهة الجولان في حرب اكتوبر، وكان ظني في مكانه، وقد كشفت التحقيقات ذلك، فقد تأثر هؤلاء الأفراد بالمزايا الممنوحة للحكم العسكري السوري في ذلك الوقت.
ولما رأوا كل تلك المزايا، حدثتهم أنفسهم، بأن يكونوا حكاما في الأردن، فالسلطة أغوتهم، وطريقة الحياة للعسكر السوريين كانت غواية لهم.
ابلغني سعيد التل بالأمر، فاتصلت بنائب رئيس الوزراء، وكان صبحي أمين عمر، وكان رئيسا للوزراء بالوكالة، وطلبت منه أن يخبر لندن، حيث مكان وجود الحسين وزيد بن شاكر وزيد الرفاعي.
لم يقتنع بكلامي، وذهبت مباشرة للأمير حسن، ودخلت مكتبه من دون أي بروتوكول، وقلت له بأن عليه أن يخبر الراحل الحسين، وقال بأنه تصرف وأعاد الجنود لمعسكرهم، قلت لا بد من إبلاغ الحسين، وبأني أشك في وقتها بالنوايا لدى العسكر، ويجب أن ننتبه جيدا للأمر.
المهم اتصل الأمير الحسن بالحسين وأبلغه، وفي اليوم التالي عاد القائد العام زيد بن شاكر ورئيس الوزراء زيد الرفاعي، وبعدها عاد الملك الحسين.
وكانت تقديراتي في مكانها، واستدعاني الراحل الحسين ووبخني كما قلت لك، وأبلغته بأن حقه أن يقول كل ذلك، لكن عليه أن يعرف أيضا، بأني من قال للأمير الحسن بضرورة إبلاغ الحسين، حتى اقتنع بأني مارست دوري الأمني.

* قبل أن نغادر فترة مطلع السبعينيات وبداية هذا العقد المزدحم بالأحداث على الساحة المحلية، أين كان موقفك من حرب العام 1973؟
-إن كان بخصوص الموقف الشخصي، فقد لوحت أنا، وعدنان ابو عودة، كوزيرين، في حكومة الرفاعي بتقديم استقالتينا ، إن لم نشارك بالحرب، إلى جانب مصر وسورية، وقلنا إن لم نشارك في الحرب، فلماذا نبقى، كان لنا موقف واضح من المشاركة في الحرب، فالقدس احتلتها إسرائيل، وهي تحت السيادة الأردنية، وأي حرب يمكن أن تعيد القدس والضفة الغربية للسيادة الهاشمية هي حربنا بالضرورة، لكن في النهاية استقال كل من كامل ابو جابر ومحمد نوري شفيق، على نفس الموقف.
لما سمع الراحل الحسين بالأمر، جاء في اليوم التالي لمجلس الوزراء، وقدم شرحا وافيا فيه تقدير موقف للأردن الرسمي، وقال بأنه متأكد من قدرة الجيش العربي خلال أيام الحرب على استعادة الضفة الغربية، لكنه تساءل أمامنا عن الحال بعد توقف الحرب على الجبهتين السورية والمصرية، وهل باستطاعتنا بعدها حماية الضفة الشرقية من الاحتلال.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، كان الملك الحسين لا يثق بالسادات، وليس متأكدا من جديته في خوض الحرب، كانت معلوماتنا تؤكد رغبة السادات، وكما قلت في حلقات سابقة، بأنه يريد أن يجلس في حضن أميركا، ويستبدل نفسه بإسرائيل.
بعد إعلان موقفنا من الحرب، لم نكن ضمن دائرة الإطلاع على حيثيات ومجريات الكواليس العسكرية والأمنية، لكن في خاطري، سؤال عالق من دون أي إجابة، فلماذا توقف السادات عند ممر متلا في سيناء، ولماذا لم يتقدم على الرغم من قدرة الجيش المصري على ذلك، فهو لم يتقدم أكثر، وقد قالها لي الرئيس السوري حافظ الأسد ذات مرة، بأن السوريين لم يكن عندهم علم بتوقف السادات عند ممر متلا، وأنهم تفاجأوا من انسحاب الجيش الإسرائيلي من على الجبهة المصرية، وانتقلوا للضغط على جبهة الجولان.
وبتحليلي، فإن السادات كانت لديه تعليمات من الولايات المتحدة، بأن يتوقف بحربه عند هذا الحد، ومن دون أن يحقق أي مكاسب أخرى، ويكون بذلك قد زاد من شعبيته المهترئة، خصوصا وأنه القادم بعد الزعيم المصري الكبير جمال عبد الناصر.

*كيف صرت رئيسا للحكومة بعد زيد الرفاعي، وهل للأمر اتصال بظرف سياسي معين؟
-أنا لم أكن أعرف باستقالة زيد الرفاعي، لكني كنت أشعر بأنه يريد ترك الحكومة، خصوصا بعد أن زادت شكاوى المواطنين من كل شيء، وبدأت هذه الشكاوى تصل الديوان الملكي، والملك على علم بها.
في تلك الأيام، كنت أرغب بكل جدية أن أزور اسبانيا، وأريد من الزيارة فعلا، أن أزور الاندلس، فذهبت للراحل الحسين، قبل نحو 15 يوما من استقالة الرفاعي، ومن الموعد الذي حددته لسفري والعائلة، وأبلغت الحسين نيتي زيارة اسبانيا، فرحب بالفكرة.
ذهبت بعدها، رتبت كل أمور الحجز والتذاكر، وأخذت معي والدتي رحمها الله وشقيقتي، كما أبلغت أخي عدنان أن ينضم إلينا وعائلته، لتكون رحلة عائلية موسعة، وفعلا فرح أولادي بالفكرة، وبدأوا يخططون للزيارة.
شعرت قبل سفري بيومين، بأن الأمور حسمت باتجاه تغيير الرفاعي، وحمدت الله بأنه إن حصل التغيير سأكون خارج البلاد.
وصلت مطار ماركا، وكان اسمه مطار الأميرة عالية، وكانت هناك قاعة لكبار الضيوف جلست فيها أنا وعائلتي، وإذ بهاتف القاعة يرن، وجاءني موظف المطار، وقال لي أن الملك الحسين يطلبني على الهاتف، استغربت، فالملك لا يستيقظ باكرا، كما أنه لا يعلم بمكان تواجدي، التقطت سماعة الهاتف، وإذ به يسألني عن مكان تواجدي؟
قلت: في مطار ماركا. قال: إلى  اين؟ قلت: إلى اسبانيا. قال: هكذا من دون أن تستأذن؟ قلت: سامحني سيدي لكني استأذنتك قبل اسبوعين. فقال: لكنك لم تقل لي أمس بأنك مسافر. فقلت: إن من يأتي مودعا الملك قبل السفر، وكأنه يريد القول بأنه يطلب المال، وأنا لست من هؤلاء.
فقال: إرجع الآن. قلت: أرجوك سيدي إن أولادي فرحون بالرحلة ولا استطيع أن أعيدهم.
قال: اتركهم يسافرون، وأنا سأتصل بسفيرنا في مدريد طاهر المصري، وسيكون باستقبالهم.
فقلت: لا عليك سيدي يتدبرون أمرهم، وأنا سأعود الآن للديوان.
طبعا كنت مطمئنا، لأن معهم أخي عدنان بالرحلة، وأنا في الطريق، بدأت أفكر كيف سأتدبر أموري، وأنا وحدي وأسرتي خارج الوطن، فأنا ليس عندي أي شخص في البيت، وكلهم سافروا، حتى خادمة في المنزل لم يكن عندي.
دخلت الديوان الملكي، ووجدت الرفاعي والراحل الحسين يجلسان في المكتب، وأدركت بأن الرفاعي من أبلغ الملك بسفري، لأنه كان يعلم. مباشرة قال لي الراحل الحسين: بأن عليّ أن أشكل الحكومة فقد قدم الرفاعي استقالته.
مباشرة اعتذرت عن عدم تشكيل الحكومة، وشعرت بامتعاض الرفاعي، وتمنيت على الراحل الحسين أن يبعدني عن الأمر تماما، عندها تدخل الرفاعي، وقال: بأنه تعب فعلا ويريد أن يرتاح، بعد عمل حكومي متواصل لأكثر من 3 سنوات.
قلت عندها؛ إذا، عندي عرض، وأريد أن تفكروا به، وهو بأن الرفاعي بالشؤون الخارجية لا يبارى، لكنه في الشؤون الداخلية عكس ذلك تماما، وأني من موقعي كرئيس ديوان، ومعروض عليّ تشكيل الحكومة، أقول بأني أقبل أن أكون وزير داخلية في حكومة الرفاعي على أن يبقى رئيسا للوزراء، بشرط منحي صلاحيات الحاكم العسكري، ولكما مني أن أطفئ فوضى الشكاوى، من العقبة وحتى الطرة والشجرة، وأنا أتحمل مسؤولية عودة الأمور كما كانت وأفضل.
نظر إلي الملك الحسين، ووقف من مكتبه، ومشى باتجاهي وعانقني، وقال لم أر موقفا مثل هذا الموقف. رئيس ديوان تعرض عليه رئاسة الحكومة، ويرفض، وينزل لرتبة وزير في حكومة، فعانقني وقبل رأسي.
وقال للرفاعي: "لم يبق لك حجة يا ابو سمير". بعدها استأذن الرفاعي من الحسين، أن يجلس معي وحدنا، ومن ثم نعود للملك، فأخذني إلى منزله، وشرح لي وضعه، وأنه تعب من العمل المتواصل، وأجبرني على قبول تشكيل الحكومة من بعده، لأن الشغب ضده قد زاد، وأنه تعب فعلا، وطلب مني ان أقبل بالأمر، ولو لمرحلة قصيرة، فوافقت في نهاية المطاف، فعدنا للراحل الحسين، وطلب مني أن أشكل الحكومة، في نفس اليوم، وكان يوم خميس، والساعة 12.30 ظهرا، فاستغربت وقلت: بأن هذه أول مرة أشكل فيها حكومة، فأمهلني بعض الوقت حتى يوم السبت، فرفض.
رجوته أن يعطني مهلة ليوم آخر، غير يوم 13، لأنه رقم يتشاءم منه الحسين، فقال بالعكس أنا أتفاءل بهذا الرقم، وكان ذلك على سبيل الدعابة.
جلست أفكر بالأسماء، وظل الملك، والأمير الحسن، يذهبان قليلا، ثم يعودان من جديد، وفعلا اتعبا أعصابي بحركتهما، حتى نظرت إلى الساعة، وكانت الثانية والنصف، فقلت لهما لقد حان موعد غدائكما، اتركاني الآن وحدي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 1:56 am

الحلقة الخامسة عشرة من سياسي يتذكر
بدران: صدام حسين أنقذ موازنة الأردن في 1977


الراحلان الحسين وصدام حسين في بغداد بالثمانينيات ويظهر بالصورة مضر بدران والامير زيد بن شاكر


محمد خير الرواشدة
عمان- يبدأ رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران اليوم، الحديث عن تفاصيل تشكيل حكومته لأول مرة، وكيف أن الراحل الحسين ألزمه بتشكيلها خلال وقت قصير.
ومع الحلقة الخامسة عشرة، من حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، يقدم بدران ملخصا عن أبرز التحديات، التي كانت تواجه الأردن، وكيف أن تلك التحديات كانت ضاغطة بشكل اقتصادي كبير، وأن ذلك كان في مقدمة التهيئة لمعادلة سياسية، من شأنها موافقة الأردن على أي تسوية نهائية لحل القضية الفلسطينية.
واليوم يؤكد بدران، بدء الانقسام الأول بين رجالات الدولة، وتوزعهم على معسكرين، بين زيد الرفاعي وبدران، وأنه لم يكن يرغب في ذلك، بعد خروج الوزراء المحسوبين على حكومة الرفاعي من حكومته.
ويكشف بدران النقاب عن حديث دار بينه وبين الراحل الحسين وقتها، وأن جلالته ألزمه كرئيس حكومة بالمسؤولية الدستورية أمامه، بعد ان قال له الملك انك استبدلت وزراء محسوبين على الرفاعي، بوزراء محسوبين على الأمير الحسن؛ ولي العهد وقتها.
حيث قال الحسين لبدران، وبحضور المرحومين الأمير زيد بن شاكر وعبد الحميد شرف: فعلا لقد نحيت وزراء الرفاعي، لكنك أتيت بوزراء الأمير حسن، وتابع "أنا ما بعرف جماعة مين، وجماعة وين، أنا بعرف إنك رئيس الوزراء، وأنك المسؤول أمامي دستوريا، وليس الأمير الحسن، فأي خطأ سأسألك عنه أنت، أحاسبك أنت، فأنت المسؤول".
كما يكشف بدران اليوم أول المواقف لنائب رئيس الجمهورية العراقي، وقتها، صدام حسين، مع الأردن، ودفعه لمساعدة مالية طارئة بقيمة 30 مليون دولار، حيث كانت الحكومة عاجزة عن دفع رواتب الموظفين.
ويؤكد بأن وزير الداخلية المرحوم سليمان عرار، التقى نائب الرئيس العراقي صدام حسين بواسطة منيف الرزاز، وشرح له وضع الأردن الاقتصادي، وقال له صدام: "عيب علينا أن يكون الأردن بهذا الوضع واحنا نتأخر عن المساعدة". وسلم عرار شيكا بـ30 مليون دولار، وفعلا أنقذ بتلك الأموال موازنتنا في نهاية ذلك العام.
وفيما يلي نص الحلقة الخامسة عشرة:
*نستكمل اليوم الحديث حول تشكيلك لأول حكومة لك، في العام 1976، بعد استقالة رئيس الوزراء السابق زيد الرفاعي؟
- لقد وضعت أسماء الوزراء في الحكومة، وبقيت حقيبة وزارة الخارجية، وكنت عزمت الأمر بأن يكون عبد الحميد شرف وزيرا للخارجية، فناديته فورا، وقلت له عن نيتي بتعيينه للخارجية، رفض، وقال: سأنفعك أكثر، إذا كنت رئيسا للديوان الملكي. فسألته عن البديل؟
فقال: أنت وزير خارجية. قلت: لكن أنا لا أصلح لهذه الوزارة، على الأقل لغتي الإنجليزية قد لا تؤهلني. فقال: ليس شرطا هذا الأمر.
وفعلا فقد كنت زاهدا بوزارتي الخارجية، والتربية، ولقد تحدثت إليك بقصة الاخيرة.
في تمام الساعة الثامنة مساء، أعلن عن تشكيل الحكومة، وبعدها غادرت باتجاه المنزل، فلم أكن أنوي الإقامة بالفندق أصلا، فكيف وبعد أن صرت رئيسا للوزراء، واحتمال أن يراني الناس في الفندق.
وصلت البيت، فتحت الباب وجلست في المطبخ، وكنت فعلا لم اتناول الطعام منذ ساعة الإفطار صباحا، وضعت ما وجدته في البيت، وتناولت عشائي، وبدأت برحلة مع التفكير، وكانت ليلة طويلة، ومن أصعب ليالي العمر.
لم أشعر بالنعاس، وكلما حاولت أن أغمض عينيّ، تلمع احدى الأفكار في عقلي، وأذهب لتسجيلها، ووضع خطة عمل لانجازها.
بقيت على هذه الحال، حتى الساعة السادسة صباحا، وإذ بالورقة الصغيرة، تتسع لـ16 مشروع عمل، وأضفت لها بندا جديدا بعد نحو أسبوع.
وبقيت الورقة في جيبي، طيلة بقائي في رئاسة الحكومة لـ3 سنوات، وأذكر جيدا بأن تلك المشاريع كانت: شركة البوتاس، وتوسعة الفوسفات في الشيدية، وتمديد قناة الغور الشرقية، ومياه عمان، وإنشاء الأفران الاتوماتيكية، وتوسعة المصفاة، والبند الذي أضفته كان إنشاء صوامع الحبوب، في الجويدة، وعلى طريق إربد، وفي العقبة، وشبكة الاتصالات.
لقد بدأت الحرب في لبنان، وقد كانت بيروت مركزا للشرق الأوسط، وبدأت المكاتب تخرج منها بحثا عن دول آمنة، وسعينا للاستفادة من الاستثمارات الهاربة من لبنان، عبر كل هذه المشاريع، التي تمثل بنية تحتية ملائمة للاستثمارات.
لقد كانت هذه القضايا، تمثل هاجسا للأردنيين، خصوصا أنها كانت الأساس في شكاوى المواطنين، فأذكر بأني كنت اشتري الخبز بنفسي من مخبز الشرق، بجانب بنك القاهرة عمان وسط البلد، وكنت أسأل صاحب المخبز عن أسباب الازدحام، ويقول من زيادة الطلب، وضعف انتاجية الأفران التقليدية، وقال لي، بأنه يملك 7 أفران، ولا يستطيع أن يستوعب جميع طلبات الزبائن، وفعلا، قررت أن أعمل الأفران الاتوماتيكية لتعويض النقص الحاصل.
أذكر جيدا، أنه في احدى الدعوات على العشاء، التقيت مع حمد الفرحان، رحمه الله، وسألني عن برنامج عمل حكومتي، إن رغبت في الكشف عنه، فقلت له بأن لا شيء مخبأ عندي، فأخرجت الورقة، وقرأتها له، فقال وهل ستستطيع القيام بكل ذلك؟ واستغرب بالقول "مش معقول!"، ورجاني أن أقوم بمشروع واحد فقط، وهو شركة البوتاس، وأن أترك البقية، فقد كان مشروع البوتاس حلما لأبي مناف، أن ينشئه، فقلت له سأنشئ البوتاس وبقية النقاط الـ16.
بقيت على نفس برنامج عملي في وزارة التربية، أكون في مكتبي عند الساعة 8  صباحا، وأغادر في الثالثة عصرا، وأعود بعد الغداء للعمل، من الساعة 5 مساء حتى منتصف الليل، لقد كان ضيوفي يستغربون موعد استقبالي لهم، في الساعة العاشرة او الحادية عشرة ليلا، ويقولون لي بأنهم لو عرفوا بأن هذه مواعيدي لما طلبوا اللقاء أصلا، وأرد عليهم بأن مدير المكتب قد خيركم، ويردون بأنهم يخجلون عندما يعرفون بأني متواجد في عملي حتى هذه الساعة، وهم لا يريدون زيارتي.
أما منذ مساء يوم الخميس وحتى يوم السبت، فكنت آخذ معي حقيبة كبيرة من الملفات الشائكة والمعقدة، وأبدأ بالعمل على فكفكتها وحلها.
لقد تعبت وأنا أعمل على المشاريع، كل منها على حدة، وأذكر بأننا في مجال جر المياه لعمان وصلنا لمرحلة الضخ المستمر غير المتوقف، وهو ما منع تكرار تلوث المياه وإصابات المواطنين بالتسمم، وفعلا كنت أعمل في وزارة المياه دواما متواصلا من الساعة الثامنة صباحا وحتى الثالثة عصرا، ولك أن تتخيل حجم الاستفادة من هذا العمل.
فتحت كل المناطق، المحظورة، للحفر، وقلت إن الأجيال القادمة ستكون أمامها خيارات متعددة، في تحلية المياه وغيرها من الوسائل، وفعلا عالجنا أزمة المياه بشكل جذري حينها.
وعرفنا في ذلك الوقت، بأن السوريين حفروا 2000 بئر مياه جوفية واستخدموها، واكتشفت بعد السؤال، بأننا نملك فقط 200 بئر، وعندها رفعت شعار الأجيال القائمة، وليس الأجيال القادمة، وهي التي قد تستخدم بدائل كثيرة قد تتوفر مستقبلا.
*لكنك لم تستمر في حكومتك طويلا، حتى استقلت وأعدت تشكيلها بعد نحو 6 أشهر؟
- صحيح؛ بعد أربعة أشهر، لاحظت بأن مجلس الوزراء يشهد انقسامات في الآراء والمواقف، وانقسم المجلس بين فريقين، كنت أشعر بذلك وألاحظه، لكن لم يخطر في بالي بأن الأمر مقصود لذاته.
فقد كان أحد الوزراء يتحدث، تجد أن بقية الوزراء يعارضونه، حتى لو تحدث بكلام صحيح، وكان هذا بداية شرخ كبير، وانقسام خطير داخل مجلس الوزراء.
وكانت أسس التقسيم مبنية على أساس أن هؤلاء وزراء زيد الرفاعي، وهؤلاء وزراء يعارضون وزراء الرفاعي، المشكلة كانت أن علاقتي بكلا القسمين جيدة، وهم أصدقاء قريبون مني، حتى وزراء الرفاعي.
وفي يوم من الأيام جاءني ستة وزراء، وقالوا لي بأنهم يريدون لمهمتي أن تنجح، وأن بقاءهم في الحكومة سيهددها بالفشل، وأن هذا ليس في مصلحة البلاد في شيء، وأنهم لا يضحون لمصالحهم بل لمصلحة وطنهم.
وقالوا بأنهم سيستقيلون، حتى أتمكن من تعديل الحكومة، وإتمام برنامج عملها، وكانوا سالم المساعدة ورجائي المعشر ومحمود الحوامدة وأحمد الشوبكي ومروان الحمود وذوقان الهنداوي.
لم ترق لي الفكرة، فلماذا هذا التقسيم بين الوزراء، خصوصا إن كان الجميع يعمل عمله بدقة وبشكل صحيح.
وبعد أن أصروا قلت لهم لا تستقيلوا، أنا سأستقيل، وسأطلب من الملك الحسين أن يعيد تشكيل الحكومة، شكروني على الأمر، خصوصا أن التعديل، سيشمل 6 حقائب على الأقل، من أصل 18 حقيبة وزارية، وهذا يعني عرفا إعادة تشكيل للحكومة، وفعلا قبلوا بالأمر، وشكروني وغادروا.
طبعا، طلبت من ذوقان الهنداوي أن يكون سفيرنا في القاهرة، فوافق، واستأذنت الراحل الحسين فوافق ايضا، وبعدها عدت لذوقان فاعتذر، وقلت له ليس لك الآن أن تعتذر بعد موافقة الحسين، وامتثل للأمر.
كان قرار استقالة الوزراء تقريبا عند الساعة 12 ظهرا، مباشرة حضرت استقالة الحكومة، وكتاب التكليف السامي، والرد على الكتاب، وانتهيت من كل ذلك الساعة السادسة مساء، اتصلت بالراحل الحسين وطلبت مقابلته، وإذ به يجتمع مع الامير زيد بن شاكر في مكتبه بالقيادة العامة، كما كان حاضرا عبد الحميد شرف.
كانت تلك الأيام في فصل الشتاء، دخلت على الراحل الحسين، وعرضت عليه كل الأوراق، وقلت له بأن كل شيء جاهز، حتى التصوير التلفزيوني، وما علينا سوى الانتقال لقصر الهاشمية لأداء اليمين.
فقال الملك الحسين: لكن أنا لست جاهزا، وتابع "أنا شو شغلي؟"، فعلا "صحيت" على نفسي، وقلت بيني وبين نفسي، ما الذي فعلته!، مباشرة قلت للراحل الحسين: أرجوك لا تزدها علي، من الصبح ما ذقت الزاد، وصار لي بالقصر من "امبارح" العصر، "غلطت وامسحلي اياها هالمرة بس".
وأبلغته رحمه الله بأني الآن عرفت الأصول، وفعلا كنت مستاء من كل شيء، فالوزراء الخارجون أحبهم وأحترمهم، وأنا أمام استحقاق انسجام الفريق الحكومي، وفعلا لم يكن الأمر بالهين.
وفعلا، فقد تحدث إلي الملك الحسين مرة، عن اجتماع لوزرائي في منزل زيد الرفاعي، وفي احدى المرات، لما كان يريد زيارة الرفاعي، وكانوا خارجين من منزله، تفرقوا بسرعة لدى رؤية سيارة الحسين، حتى لا يراهم عند الرفاعي، وقلت له وقتها: إن الأمر عادي، لأنهم أصدقاء أصلا، وما كنت أريد أن نقسم رجالات الدولة بين المعسكرات.
وأذكرك، بما قلته مرة لوصفي التل، رحمه الله، لما اقترح تشكيل حزبين لخدمة ودعم النظام، فطلبت أن يكونوا ثلاثة، لأن حزبا سيكون مع وصفي، والآخر مع بهجت التلهوني، والثالث للملك الحسين، وما كنت أريد أن تعاد التجربة أو تتكرر.
نظر إلي الراحل الحسين، وكانت الساعة قد اقتربت من السابعة مساء، قال هل تريد أن تنجز مهمتك الآن، فقلت: نعم، فنظر لساعته، وقال: إذا تريد بث الخبر على نشرة الثامنة مساء، وقلت له: كل شيء عملنا حسابه.
بعدها، وقبل أن نتحرك لقصر الهاشمية، ألقى علي الحسين درسا كبيرا، وقاسيا وصعبا، فبعد أن نظر إلى قائمة الأسماء، قال: فعلا لقد نحيت وزراء الرفاعي، لكنك أتيت بوزراء الأمير حسن، وعندها صعقت. وتابع بالقول رحمه الله: "أنا ما بعرف جماعة مين، وجماعة وين، أنا بعرف إنك رئيس الوزراء، وأنك المسؤول أمامي دستوريا، وليس الأمير الحسن، فأي خطأ سأسألك عنه أنت، أحاسبك أنت، فأنت المسؤول".
بعدها أخذني التفكير قليلا، وقلت: سيدي شكرا على الدرس ولقد فهمت ما تريده.
وبعدها قال: "ياالله قوم.. ما احنا آخر من يعلم بتغيير الحكومة"، فترجيته أن لا يمزح بهذا الكلام، لأنه "يقطعني بسكين كلماته حتى لو قالها مازحا".
لقد كان الراحل الحسين يتحدث معي لأول مرة بالدستور، وقلت له، بأني سأطبق الدستور، ما دمت أنت تريد ذلك، وسعيت بكل جوارحي أن أفصل بين الأمير الحسن وعمل الوزراء، خدمة لمصالح العرش، ولا أريد أن تحدث أي إساءة للفهم بين الراحل الحسين وشقيقه الحسن ولي العهد، وفعلت كل ذلك، من دون أن يشعر الحسن، وتحملت غضبه علي في كثير من القرارات، التي رفضتها له، حتى لا تتعكر علاقة الشقيقين.
فقد كنت حريصا على أن لا تتأثر علاقة الحسين بالحسن، وكنا نسعى لصد الحسن، لكي لا يتدخل الحسين مباشرة، في إلغاء بعض قرارات الأمير، وكل ذلك فعلناه حماية لاستقرار النظام السياسي.
لقد قال لي أبو شاكر بعدها؛ إنه وعلى الرغم من علاقته المميزة بالراحل الحسين، لكنه لم يعطه بحياته درسا مهما، كالذي منحني إياه.
*في تلك المرحلة، بدأت الصعوبات تتعاظم أمام طريق حكومتك، وكلها عقبات اقتصادية نتيجة شح المساعدات العربية؟
- نعم بعدها دخلنا في مشوار عمل طويل، وفي نهاية العام بدأنا بتنفيذ زيارات لدول الخليج، وطلبنا دعما اقتصاديا، وتفاجأنا بأن كل الوعود بالهواء، ولم يصلنا من تلك الوعود، لا درهما ولا دينارا.
كنا نقوم بتلك الزيارات، سواء بمعية الراحل الحسين، أو كان يحملنا، أنا 
وعبد الحميد شرف رئيس الديوان، رسائل فيها إلى بعض زعماء دول الخليج، في السعودية والكويت وقطر والإمارات، وشبعنا وعودا عن دعمنا الاقتصادي، دون أن يتحقق أي شيء.
لقد كنت على مشارف سنة مالية جديدة، ونبتعد عن العام الجديد بشهرين تقريبا، والموازنة شبه خاوية، والمشاريع التي حلمت بتنفيذها بسرعة تحتاج لرؤوس أموال حتى يتسنى جني أرباح من تلك المشاريع لصالح الخزينة، تفاجأت بعد فترة بدخول وزير المالية على مكتبي، يطلب مني أن أدبر معه موضوع رواتب الموظفين، حيث لا يملك ما يكفي لدفع رواتب موظفي القطاع العام.
طلبت منه أن يذهب للبنك المركزي، فجاءني محافظ البنك المركزي محمد سعيد النابلسي فزعا، ويقول إننا ارتكبنا خطيئة، بطلبنا منه أن يتجاوز القانون بتحويل أموال من البنك المركزي لدفع رواتب الموظفين، فاستغربت، وقلت من أين نأتي بالرواتب إذا؟ قال هذا أمر مختلف، أما أن تعتبر البنك المركزي بنكا للاقتراض، فهذا مخالف للقانون، وأنه لا يخالف القانون.
وتحدث بانفعال رحمه الله، بأن كل ما يستطيع فعله، هو صرف مستحقات فوائد الحكومة من ودائع العملات الأجنبية، بدل نهاية العام، في أوله، أو في منتصفه، قلت له: برافو، دبرنا رواتب الشهر الحالي إذا، ذهب وجنى أرباح الحكومة من الموانئ والمصفاة والبوتاس، ومضى شهر آخر، ونحن ننتظر الفرج.
بعدها بشهر، جاءني وزير المالية، وطلب نفس الطلب فغضبت، وأدركت بأننا محاصرون سياسيا وليس اقتصاديا، وبدأت أشتم رائحة تسوية في المنطقة للصراع العربي الإسرائيلي، وهذا تحد خطير.
في تلك الأيام، في مطلع العام 1977، شارك وزير الداخلية سليمان عرار، رحمه الله، في مؤتمر وزراء الداخلية العرب في بغداد، وهناك التقى بالدكتور منيف الرزاز رحمه الله (كان عضو قيادة قومية لحزب البعث العربي الاشتراكي)، وشرح له وضع الأردن الاقتصادي، طبعا كنت قبلها، قد طلبت من مجلس الوزراء ومن دون أي جدال في الأمر، أن يتم خصم 10 % من موازنات الوزارات، لكي نستطيع دفع رواتب الموظفين، وأن هذا قرار وطني، يصب في مصلحة شعبنا وأمتنا و لا رجعة عنه.
شرح عرار للرزاز وضعنا الاقتصادي، وأننا نتعرض لضغط سياسي كبير، تجاه تسوية ما، فطلب الرزاز أن يتأخر عرار ليوم واحد، بعد انتهاء المؤتمر، فوافق.
اتصل بي سليمان عرار، وقال بأنه سيتأخر ليوم واحد، ويعود لعمان بعدها، ويظن بأن العراقيين قد يدفعون لنا بعض المال، لنتجاوز ازمتنا مؤقتا، وفعلا التقى عرار صدام حسين الذي كان نائبا للرئيس العراقي، واستفسر عن وضعنا الاقتصادي، وشرح له عرار الأمر بالتفصيل، واستاء من ذلك، على الرغم من أن علاقاتنا مع العراق كانت سيئة جدا، في حينها، وجيدة مع السوريين، وقال صدام: "عيب علينا أن يكون الأردن بهذا الوضع واحنا نتأخر عن المساعدة". وسلم عرار شيكا بـ30 مليون دولار، وفعلا أنقذ بتلك الأموال موازنتنا في نهاية ذلك العام.
*ولماذا كانت علاقتنا سيئة بالعراقيين وقتها؟
-لقد أبلغنا السوريون، بأن العراق يحشد على حدوده ضد السوريين، ومباشرة حشدنا نحن على الحدود العراقية، لصد أي عدوان عراقي على السوريين، الذين تحالفنا معهم، وكنا على وشك إعلان وحدة بيننا.
لقد سأل صدام، عن حشدنا على الحدود العراقية، وقال له عرار، بأننا نحشد لحماية السوريين من العراقيين، إن اعتدوا عليهم، فرد صدام على عرار: "براو على رئيس وزرائكم"، وأضاف بأنه يحشد على الحدود العراقية السورية، بناء على طلب السوريين، للتعاون معهم، في مواجهة أي عدوان إسرائيلي محتمل.
وهذا ما حدث، ومن هناك بدأت، تنشط علاقاتنا بالعراقيين، وكان لصدام وقفات مهمة مع الأردن، في المرحلة التي تلت ذلك أيضا.
*ولماذا يغرر السوريون بكم، بمثل هذه المعلومات، ولماذا لا يريدون للعلاقات الأردنية العراقية أن تكون جيدة؟
-الجواب سهل؛ لقد كانت لعبة سورية، وكذبوا فيها علينا، فهم لا يريدون لعلاقاتنا أن تكون طيبة مع العراق، وهم بذلك فعلا، كانوا سببا في بقاء العلاقات الأردنية العراقية سيئة لفترة طويلة.
لكن بعد ذلك شهدت العلاقات الأردنية العراقية تحسنا كبيرا، خصوصا بعد أن استلم صدام حسين رئاسة الجمهورية، وبدأ التعاون على أشده بيننا وبين العراق، خصوصا بعد مؤتمر القمة العربية في بغداد العام 1979.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 5:59 am

الحلقة السادسة عشرة من "سياسي يتذكر"
بدران: هذه قصة "الشيك" السعودي ثمن صواريخ "الهوك"




محمد خير الرواشدة
*تعرضنا أواخر السبعينيات لضغوط اقتصادية لإلزامنا بتسوية للصراع مع اسرائيل
عمان- ينقل رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران اليوم القارىء الى اجواء نهاية السبعينيات من القرن الماضي، حيث واجه الاردن في تلك الحقبة تحديات اقتصادية وتنموية ضخمة، ترافقت مع ضغوط سياسية واقتصادية عربية واميركية، انهالت على المملكة، ما كان يشي بأنها ضغوط تمهد للقبول بتسوية سياسية ما للقضية الفلسطينية. 
ويدخل بدران، في الحلقة السادسة عشرة من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد"، اليوم في تفاصيل عديدة حول عمل الحكومة بتلك المرحلة، خاصة مع تدشين مشاريع اقتصادية ضخمة او افتتاحها، بمناسبة احتفالات المملكة باليوبيل الفضي للمملكة، مستعرضا قصة نجاح الاردن، رغم كل الظروف الاقتصادية والسياسية، في انشاء مشاريع طريق المطار الدولي، وتوسعة البوتاس واقامة صوامع القمح، وميناء العقبة واقرار قانون الضمان الاجتماعي. 
وباسلوب روائي مشوق، يروي مدير المخابرات الاسبق اليوم قصة شيك سعودي للاردن بقيمة 140 مليون دولار، وكيف حول للمملكة بهدف دعم صفقة صواريخ "هوك" اميركية، الا انها ذهبت الى تمويل واستكمال مشاريع تنموية ضخمة. 
وتكشف حلقة اليوم، كما غيرها من حلقات، طبيعة العلاقات العربية في فترة السبعينيات، وحجم التداخل سلبا وايجابا في تلك العلاقات، وكيف تأثر الاردن او استفاد من ذلك التداخل والتعقيد. 
وكان بدران تحدث في حلقة الأمس عن تفاصيل تشكيل حكومته لأول مرة، وكيف أن الراحل الحسين ألزمه بتشكيلها خلال وقت قصير.
وكان بدأ أيضا بالحديث عن أبرز التحديات، التي كانت تواجه الأردن، وكيف أن تلك التحديات كانت ضاغطة بشكل اقتصادي كبير.
وتناول بدران ايضا بدء حالة الانقسام بين رجالات الدولة، وتوزعهم على معسكرين، بين زيد الرفاعي وبدران، حيث اشار الى انه لم يكن يؤيد ولا راغبا بذلك، بعد خروج الوزراء المحسوبين على حكومة الرفاعي من حكومته.
كما كشف بدران امس قصة مساعدة عراقية كبيرة للاردن نهاية السبعينيات، بلغت قيمتها 30 مليون دولار، انقذت الخزينة من العجز، ومكنتها من دفع رواتب الموظفين لذلك الشهر.
وفيما يلي نص الحلقة السادسة عشرة
* في العام 1977، احتفلت المملكة باليوبيل الفضي لتأسيسها، كيف كانت الاحتفالات والموازنة فارغة، وبماذا افتتحت العهد الذهبي للمملكة؟
- أنا في مثل تلك القضايا لا أهتم كثيرا. لكن قمت بتشكيل لجنة، وكان كل همي أن لا تأتي المناسبة، إلا وأنا محتاط، لعدد من المشاريع المهمة، التي ندشن فيها مرحلة جديدة من عمر الوطن.
وفعلا، فقد وضع الملك الحسين حجر الأساس لبعض تلك المشاريع، وافتتحنا جزءا منها، في غمرة احتفالاتنا بالمناسبة.
وكما قلت لك، فقد حاولت أن استثمر تلك المناسبة، في تدشين عدد من المشاريع الوطنية المهمة.
بدأنا عمل الحكومة بمطار الملكة علياء، وبدأنا فعلا بتحسين أدائه وكفاءته، كما وسعنا طريق المطار، واستملكت الحكومة 100 متر، بشكل عرضي على طول الطريق الواصل للمطار، وقد استفدت من فكرة اسرائيلية، كنت قرأتها في احدى اوراق الحكومة الاسرائيلية، اثناء عملي في المخابرات، وكانت تشير إلى الاستفادة من الاستملاكات، وزيادة عرض الشوارع على سبيل الاحتياط للمستقبل، فمطار اللد، عندما تصل إليه من القدس، عرض الشارع الموصل اليه يبلغ 100 متر.
طبعا، كان القرار مستهجنا، لأن القانون كان يقول باستملاك 40 مترا فقط للطرق، وهو أمر لم اتوقف عنده، نظرا للحاجة المستقبلية لطريق المطار، وأهمية أن يكون بعرض مريح.
ففعلنا طريق الخدمات على طريق المطار، وجئنا بسياج وضعناه على جانبي الطريق، حتى لا يسطو أحد على أرض الدولة، وشجرت كل تلك الطريق، حتى أمنع في المستقبل أي احتمال للاستيلاء عليها.
ثم افتتحنا مشروع البوتاس، وأقررنا قانون الضمان الاجتماعي، ومشروع ميناء العقبة.
* أريد العودة لعدم التزام الدول العربية بمساعدة الأردن، وكيف تنبأت بذلك وكيف تصرفت؟
-لما تسلمت الحكومة من أبي سمير (الرفاعي)، يومها أعطاني قائمة بالمساعدات العربية، غير المدفوعة، وهي المساعدات التي كانت آخر قمة عربية قد أقرتها للأردن.
ومنذ أول يوم لي في الحكومة، بدأت أسأل إن وصلت أي من تلك المساعدات للخزينة، وهي مساعدات من السعودية والكويت والإمارات وقطر، لكن لا جواب لدينا.
حتى شهر أيلول "سبتمبر" من العام الذي تسلمت به الحكومة، كانت الدول العربية لم تتقدم بأي من تلك المساعدات، بدأنا كما قلت لك، بزيارة لعدد من دول الخليج، مرة بمعية الحسين رحمه الله، ومرات كنت أذهب أنا ورئيس الديوان عبد الحميد شرف.
وكل نتائج زياراتنا لم تحقق أي شيء، عندها قلت للراحل الحسين، بأني أشعر بأن الضغط الاقتصادي علينا مقصود، لأمر سياسي مطلوب منا، لم يعلق الراحل الحسين على الأمر، لكن أظن بأني شغلت تفكيره بعد ذلك.
وفي احدى الزيارات إلى دولة الإمارات، واللقاء بالشيخ زايد ال نهيان، كنت أنا وعبد الحميد شرف مع الراحل الحسين، وكان الحسين يدعوني إلى الاجتماع المغلق، بينه وبين أي زعيم، عندما يبدأ الحديث عن الوضع الاقتصادي للأردن.
في تلك الزيارة، طلب الحسين أن أدخل، للاجتماع مع الشيخ زايد، وإذ بجلالته منفعل كثيرا  ويقول للشيخ زايد، رحمه الله،: "أنا الزعيم العربي الوحيد الذي كان يحضر للامارات، عندما كان مطارها على التراب".
صعقت من الأمر، وخرجت فورا من المكتب، فالحسين لا يغضب أبدا، ولا يسيء لأحد، حتى لأصغر العاملين معه رتبة. مباشرة دخلت
 لعبد الحميد شرف، وقلت: العلاقات الأردنية الإماراتية "رح تخرب"، وقلت له ما سمعت.
بعدها خرج الحسين، وذهبنا معه إلى مقر إقامته، وقال: إن الاخ الشيخ زايد قال لي: من حقك أن تغضب". وقد سأله الحسين عن سبب عدم مساعدة الإمارات للأردن، فقال بأن الضغط قادم من شخصية سعودية.
بعدها زرنا السعودية، وتحدث الراحل الحسين للأمير فهد عن الأمر، وقال معاتبا: "لا ترحمون وما تخلو رحمة الله تنزل"، فنفى الامير فهد ان يكون هناك مثل هذه الضغوط، لكننا تأكدنا فيما بعد من وجودها.
حاولت أن أظهر بمظهر من يقاوم تلك الضغوط الاقتصادية، طبعا بحيل بسيطة، فقد اتصل معي زيد بن شاكر، وكان قائدا عاما للجيش، وطلب مني فتح الطريق بين قيادة الجيش الجديدة، التي كان مقررا مكانها إلى جانب المدينة الطبية، ويريد فتح الطريق عبر الشارع الواصل من أم أذينة لشارع المدينة الطبية، وهو شارع مكة الآن، وسألته إن كان باستطاعة سلاح الهندسة القيام بفتحه، فقال يمكن ذلك، وطلبت منه التنسيق مع أمانة عمان، وفعلا هذا ما جرى.
خلال ذلك المشروع، خطر لي أن نوسع الطريق من الدوار الثامن إلى المدينة الطبية، وطلبت أن يحال العطاء على مقاول مليء ماليا، وباستطاعته أن يصبر على الحكومة، حتى تصلنا أي مساعدات.
وفعلا، هذا ما جرى، وبدأت ورشتا العمل، تحفران وتعبدان الطريق، وقد جاءني أمين عام مجلس التخطيط القومي حنا عودة، يقول بأن السفارة الأميركية تسأل عن مصادر تمويل مشاريع فتح الطرق هذه، وعندها تأكدت تماما، بأننا تحت ضغط اقتصادي، كمقدمة لأمر سياسي ما.
*وأمام شعورك بالتحدي الاقتصادي في سبيل الضغط السياسي علينا، ماذا فعلت، وكيف أكملت مسؤولياتك، والمشاريع التي كنت تحلم بها، فيما الخزينة خاوية من الأموال؟
-قلت لك بأني قدرت الأمور، وكانت تقديراتي في مكانها، فقد كان الضغط الاقتصادي هو مقدمة لضغط سياسي، وأبلغت الراحل الحسين بالأمر.
مباشرة في جلسة من جلسات مجلس الوزراء، طلبت من الوزراء، عدم السؤال عن قرار اتخذته بخصم 10 % من موازنات الوزارات، وانه لا أريد لأحد أن يناقشني في الأمر، أو أن يعترض عليه.
واعترض بعد الاجتماع، وزير الصحة، الدكتور زهير ملحس، واعتبر أن القرار هو قرار عرفي، ورد عليه أحد الوزراء، بأنه متأكد من أن القرار يأتي نتيجة لظرف استثنائي، لا يعرفه سوى رئيس الوزراء.
لما علمت بالأمر، اجتمعت بالمجلس، وأبلغتهم بأن الوضع الاقتصادي يحتاج منا لتحمل الظروف العامة، وعلينا أن نواجه ذلك بصبر وثبات، حماية لمواقفنا ومصالحنا.
بعد ذلك بأيام قليلة، وإذ بمحافظ البنك المركزي محمد سعيد النابلسي، يطلب مقابلة مستعجلة، وعند مقابلتي له أبلغني بأن هناك "شيكا" بقيمة 140 مليون دولار، وصل البنك المركزي ومصدره الديوان الملكي السعودي.
استغربت كثيرا من الأمر، وطلبت من النابلسي، أن يضع الشيك في حساب خاص، وأن لا يعلم بالأمر سوى نائبه ميشيل مارتو وأنا.
حتى أني لم أبلغ الراحل الحسين، حتى أتمم عملية صرف الشيك، على المشاريع التي أخطط لها، وكان تقديري بأن الشيك وصلنا عن طريق الخطأ، ولا أريد أن ينكشف الأمر حتى أنجح بإنفاق آخر دولار منه.
كنت من موقعي، كوزير خارجية، التقي وزير الخارجية المصري اسماعيل فهمي، ووزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام، وقيادات من منظمة التحرير الفلسطينية، ونتباحث في شأن تأخر المساعدات الخليجية لنا.
طبعا، كما قلت لك، بأني قدرت بأن الأموال، وصلت عن طريق الخطأ، فكنت أتذكر وأنا رئيس ديوان ملكي، وزيد الرفاعي رئيسا للوزراء، بأننا كنا في زيارة بمعية الراحل الحسين للسعودية، وقال لهم الحسين، بأنه يريد شراء صواريخ روسية، لأنها أرخص ثمنا، وأن الروس يقبلون بالشراء، بنظام التقسيط، فقال السعوديون، بأنهم سيشترونها لنا من الولايات المتحدة، وسيدفعون الأموال، بشكل مباشر للمالية الأميركية، وقدرت أيضا، لما وصلت الأموال عبر الشيك المذكور، بأنها هي قيمة تلك الصواريخ كدفعة، بينما كان المطلوب من السعوديين، كمساعدة للأردن 142 مليون دولار.
للتأكد من الأمر، ولضمان عدم مساءلتي بالأمر لاحقا، انتظرت طلب السفير الأميركي في عمان توم بيكرنك ليقابلني طويلا، ولما طلبها، وافقت فورا، ولما دخل علي وجلس قلت له: إن السعودية هي من ستدفع لكم قيمة صواريخ الهوك؟، فقال: نعم، فقد أرحناكم من الأمر.
هنا قلت، بقي علي أن أُذكر السعودية بالأمر، ليطمئن قلبي وارتاح. طلبت بعدها اجتماعا لنا كوزراء خارجية الأردن ومصر وسورية والمنظمة، مع دول الخليج الداعمة، السعودية والكويت والامارات وقطر.
ذهبنا للاجتماع في السعودية، وأبلغني الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، بأن الملك خالد، طلب أن أترأس الاجتماع، فرفضت لأنهم أحق بالرئاسة مني، بصفتهم الدولة المضيفة للاجتماع، لكن لما أبلغني برغبة الملك خالد التزمت، لشدة اعجابي بعروبية هذا الرجل، وصفاته الرجولية الحقيقية.
أدرت الجلسات، وكنت انقل الكلام من دولة لدولة، ومن دون أن اتحدث بشيء يخص الأردن.
مباشرة، قال وزير الخارجية السوري عبد الحليم خدام: "أنت لم تتحدث ابو عماد".
فقلت: أنا أرأس الجلسة فقط، ولا يحق لي الحديث. فقال: إذا، يذهب حقك إن بقيت صامتا.
فقلت: أنا ليس لدي سوى الشكر والتقدير للأشقاء في المملكة العربية السعودية، الذين غمروا الأردن بفضلهم، وهم ما قصروا معنا أبدا، والأردن لن ينسى جمائلهم، وبقيت أشكر لكن من دون أن أعلم أحدا، على ماذا أشكر، وطلبت من الآخرين، أن يتحدثوا ويطلبوا ما يشاؤون، ولا يتدخلوا بأمري.
كنا مدعوين على عشاء رسمي، فذهبوا وأبلغوا الأمير فهد، بما قلته خلال الاجتماع، وكانوا يعرفونني جيدا، بأن لساني طويل، ولا أقصر بطلب المساعدات، ولحوح بها، من أجل الأردن.
بعد العشاء، جاء رئيس التشريفات السعودي سيد عبد الوهاب، وطلب أن نذهب لبيته لنكمل السهرة عنده.
وافقت، والتقيت هناك محمد أبا الخيل، وزير المالية السعودي، ود.حسن فرعون المستشار السياسي للملك خالد، واستغربت الأمر. جلسنا وبدأوا الحديث معي، وبقيت على موقفي، واستمررت بالشكر للسعودية، وخدام يصرخ بي، على ماذا تشكرهم! وأقول له: ما دخلني فيك.
المهم، شعرت بأنهم وصلوا لنتيجة، بأني لا أعرف بشيء، وإني مغيب عن كل ما يخططون ويفكرون به.
*وهل أنفقت قيمة الشيك السعودي كاملة، من دون أن تبلغ السعوديين بالأمر؟
-بعد ذلك بدأت أفكر بالطريقة، التي سأنفق بها الأموال، على المشاريع، بعد أن أبلغت الراحل الحسين، وفعلا فقد قمت بتنفيذ مشاريع صوامع الحبوب في عمان وإربد والعقبة، وتوسعة طريق المطار بأربعة مسارب، ومشروع البوتاس، الذي كان متعثرا، وكان مدير الشركة علي الخصاونة، صاحب الخبرة الواسعة بهذا المجال، وطلبت منه الاستعجال، فقال بأنه لا يستطيع الاستعجال بسبب الاجراءات البيروقراطية، بينه وبين مجلس الإدارة، وقال بأنه لا يستطيع الاستعجال، إلا أن جمع موقعي المدير العام ورئيس مجلس الإدارة لشركة البوتاس.
فقلت له، لكن أنا ضد الجمع بين الموقعين، فقال بأن موقفي سليم إن كانت الشركة عاملة، أما ما دامت تحت التأسيس، فعلي أن أسهل مهمته بتنفيذ طلبه، على أن يعود الفصل بين الموقعين بعد بدء العمل بالمشروع.
وافقت، وإذ بالانجاز تطور بطريقة مذهلة، خصوصا وأننا وفرنا الأموال اللازمة للإنفاق على مراحل المشروع المختلفة.
طلبت الشركاء العرب لاجتماع، وكان ممثل الليبيين يعارض بعض مراحل المشروع، فقلت له عليك، أن لا تعترض، لأن دولتك لم تدفع حصتها في المشروع، وبأني جاهز لأشتري حصة بلاده، وأي دولة عربية تتأخر في دفع المستحقات، فأنا جاهز لأشتري حصتها، فاستغرب الجميع، من أين لي بالمال لأقوم بذلك.
في مشروع الصوامع، كان وزير الزراعة والتموين صلاح جمعة، وكان رجائي المعشر وزيرا للاقتصاد، ولما مرض جمعة، في روما خلال اجتماعات الفاو، جاء المعشر وزيرا بالوكالة.
في أحد الأيام دخل المعشر على مكتبي، وبدت عليه ملامح القلق والتوتر، فسألته ما الأمر؟، فقال بأن مخزون القمح في المملكة لا يكفي سوى لمدة أسبوع، وإنه قلق من الأمر، وأن باخرة القمح في طريقها لميناء العقبة، وتصل بعد أسبوع، فسألته ماذا لو جنحت الباخرة في البحر؟ فقال ستكون كارثة.
عندها، وهو في مكتبي، اتصلت برئيس الوزراء السوري عبد الرحمن الخليفاوي، وقلت له بأني أريد قمحا من سورية في أسرع وقت، فعلا في اليوم التالي، بدأت قوافل من القمح السوري تصل إلى الرمثا، عندها صرت مطمئنا.
ولا أعرف لماذا حدث معي ذلك، لكن بعد أسبوع جاءني المعشر وأخبرني بأن الباخرة فعلا جنحت في البحر كما توقعت، في ميناء ليماسول القبرصي، عندها حمدت الله بأن العلاقات مع سورية كانت على ما يرام، وهذا سر احتفاظي بعلاقات جيدة مع دول الجوار، ولذلك سعيت دوما لعلاقات مستقرة وجيدة مع سورية والعراق ومصر، والخليج، وتعمدت أن لا أكون سببا في تأزيم العلاقات أو توترها، لكن شريطة أن لا يكون ذلك على حساب شرط من شروط السيادة الوطنية الأردنية على أرضها وقرارها.
وصلت الباخرة بعد نحو 15 يوما من دخول المعشر علي قلقا، عندها اقتنعت بأن أمر الصوامع لا بد من حسمه بالسرعة الممكنة.
وسألت بعدها رئيس المجلس القومي للتخطيط حنا عودة عن مشروع الصوامع، وقال بأنه بصدد وضع دراسات الجدوى الاقتصادية، وان هناك خبيرا أميركيا يقيم في المملكة للقيام بمهمة دراسة الجدوى، لبناء صوامع في مدينة العقبة، وسألته عن الوقت الذي سيستغرقه ذلك فقال نحو 22 شهرا، واستهجنت المدة، كما استهجنت إنها فقط لدراسة صوامع العقبة، وقلت بإذن الله، سأكون بنيت الصوامع، وهو ما يزال يجري دراساته.
دعوت أصحاب المطاحن الكبيرة، وحاولت حثهم لتبني مشروع الصوامع، لكنهم قالوا بأن هذه ليست من وظيفتهم، فهم يشترون من الحكومة الحبوب، وليسوا هم من يستوردونها.
كانت سورية سبقتنا في بناء الصوامع، فذهبت إلى رئيس وزرائها الخليفاوي، وطلبت منه أن يكلف من بنى لهم صوامعهم ببناء صوامع عندنا، فقال بأن هذا قرار للرئيس الأسد، وليس له أن يتخذه.
ولما قابلت الأسد طلبت منه الأمر، فقال إن كان لكم، فهذا أمر مقبول، ويذهب فورا لمباشرة العمل، لكن سبب قرار منعه لمصمم الصوامع السورية بالسفر، كان بسبب قرار سابق للخليفاوي بخروج المصمم إلى الجزائر، وهي بلد الأصل للخليفاوي.
وبعدها، طلبت تصاميم صوامع طرطوس لاستنساخها في العقبة، ودمشق لاستنساخها في عمان، ودرعا لاستنساخها في اربد، وذلك توفيرا للوقت، ما دامت الطبوغرافيا متشابهة بين تلك المدن.
فعلا، بعد مدة من الزمن، أنشأنا الصوامع الثلاث بقدرة تخزينية بلغت 300 ألف طن من الحبوب، كما أنشأنا مطحنتين، وبكلفة إجمالية، بلغت نحو 16 مليون دينار، بما في ذلك ثمن التصاميم وإشراف يعقوبيان في ذلك الوقت.
وكانت أوامري واضحة، بأن أي عمل انشائي، يتوقف إن كان على حساب السرعة في بناء الصوامع، حتى لو كان ذلك المشروع قصرا ملكيا، وذلك بسبب أزمة الاسمنت، التي كنا عانينا منها في تلك المرحلة.
في تلك الأيام ذهبنا في زيارة مع الراحل الحسين إلى الرياض، وكان رحمه الله يقود الطائرة، وشعرت بأنه يحوم في سماء الرياض، فأخبروني بأن الملك خالد سيتأخر قليلا قبل وصوله المطار، لاستقبال الحسين، فما كان من الحسين إلا المماطلة في الهبوط، وفعلا رأينا موكب الملك خالد، باتجاه المطار يسير بسرعة فائقة.
ولدى وصولنا أرض المطار، واستقبال الملك خالد للملك حسين، فاعتذر عن تأخره، وانتظار الحسين له في الجو، لأنه كان يفتتح صوامع الغلال بالرياض، والتي تستوعب 30 ألف طن من الحبوب، ونصحنا بعملها لأنها تقي من الأزمات.
نظرت للحسين، لكي لا يعلمهم بما قمنا به، لأن ذلك من الأموال التي لا يعرف السعوديون بأنها وصلتنا، وأنفقناها على مشاريع أضخم من مشاريعهم.
بعد نحو أربعة أشهر، وإذ بالسفير الأميركي في عمان توم بيكرنك، يطلب لقائي بصفة مستعجلة، وقال بأن المالية الأميركية تسأل عن الشيك بقيمة 140 مليون دولار، والذي وصل البنك المركزي، وسألني بأن عدم تسليمه لهم، سيسيء للعلاقات الأردنية مع الولايات المتحدة ومع السعودية، لأن الشيك هو دفعة من حساب صواريخ "الهوك" الأميركية.
فقلت له بمنتهى البرود، بأني سألته، وأكد لي بأن أقساط تلك الصواريخ ستدفعها السعودية بشكل مباشر للأميركيين، ثم أبلغته بأن حصتي من المساعدات السعودية، هي 142 مليونا، وقد وصلني شيك بـ140 مليونا، وهو ما يفسر بأنها مساعدات مباشرة للموازنة الأردنية، وهو بمثابة التزام سعودي بالوعود، التي يقطعونها لنا في كل زيارة، وفعلا وقد شكرتهم على المساعدة في اجتماع لوزراء الخارجية في الرياض.
ثم سألته: ألم تبلغكم مصادركم في البنك المركزي عن وصول الشيك، ولماذا لم تطلبوه عندها، فقال بأنه سألهم، وأكدوا له بأنه لا وجود لشيك بهذا الرقم، فتأكدت عندها بأني كنت على حق في وضع الأموال في حساب خاص، ومن دون علم موظفي البنك المركزي، وكنا أنا ومحافظ البنك النابلسي ونائبه ميشيل مارتو فقط من يعرف بالأمر.
ثم عرفت بأن الملك خالد كان سعيدا بحيلتي، وقال لمسؤوليه، كنتم تسخرون منه، وإذ به هو من سخر منكم.
وفي زيارة أخرى لاحقة للسعودية، اشتكى مني الأمير فهد للملك الحسين، وعندما دخل الحسين في اجتماع خاص، طلبت منه أن يذكر الملك فهد، بأن هناك 2 مليون دولار بقيت من المساعدات السعودية لم تصل بعد.
فعلا، لقد أجبرني الأمير فهد، على الإقامة في فندق بعمان لمدة ثلاثة أيام متواصلة، مكثت فيها بغرفتي، لم أخرج أبدا، فقد قال لي ونحن نغادر الرياض، متجهين إلى مسقط، بأنه سيتصل بي حيث أكون، ليبعث لي شيكا بمساعدات سعودية للأردن، ولم أخرج من غرفتي وانا انتظر هاتفه، ولم يتصل، لكني أخذت حقي منه لاحقا.
تنويه ثان من المحامي هاني الدحلة
السادة جريدة الغد الغراء...
تحية  واحتراماً وبعد،
ارجو نشر هذا الرد على ما ورد في ذكريات السيد مضر بدران، عملاً بحق الرد:
اشارة لما ورد في عدد جريدتكم، يوم 6/2/2015، من تعليق السيد مضر بدران حول التنويه الذي تم نشره في ذلك العدد.
فانني ابدي أن السيد بدران، مع السادة أديب طهبوب ومختار جرار وكمال البورنو (من غزة)، كانوا قد رشحوا حسب ما قيل حينها، من رئيس الديوان الملكي، لدخول الجيش كحقوقيين، وعندما جرت الموافقة على دخول السيد مضر بدران للجيش - حسب ما ذكرت سابقا- فان قائد الجيش حينها اضاف الآخرين ودخلوا الجيش معاً.
اما بالنسبة للكتلة، التي شكلت من الطلبة الأردنيين، برئاستي، فإن ذلك منشور في كتابي "رماد السنين" - صفحة 85، سنة 1997 ، وهناك نسخة منه عند السيد مضر بدران، فلماذا تأخر في بيان ذلك سبع عشرة سنة؟
 لذلك فالمعلومة التي قلتها، معلومة صحيحة، ومن يقول غير ذلك، فهو قد نسي أو تناسى.

المحامي هاني الدحلة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:01 am

الحلقة السابعة عشرة من "سياسي يتذكر"
بدران: لم أكن ضد القطاع الخاص لكن "العام" كان الأقدر والأجرأ

  

الامير الحسن بن طلال ومضر بدران في مناسبة تعود لعقد السبعينيات

محمد خير الرواشدة 
عمان - تفاصيل مثيرة ومشوقة، وتوثيقية، يسردها رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران لـ"الغد"، في حلقة اليوم من "سياسي يتذكر"، تكشف طبيعة العمل الحكومي، ومطبخ صناعة القرار الاقتصادي والسياسي والاداري في الدولة الاردنية خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي. 
يستعرض بدران، في الحلقة السابعة عشرة اليوم، قصة مشاريع تنموية ضخمة، طورت من البنية التحتية للمملكة، في وقت سعت فيه لاستقطاب الاستثمارات العربية، الهاربة من لبنان بعد اندلاع الحرب الاهلية فيها العام 1976. 
ويظهر من التوثيق التاريخي لبدران، مع قصة مشاريع كبرى أقيمت في السبعينيات، إيمان الرجل بأهمية القطاع العام، وضرورة تقدمه لأخذ المبادرة لإنشائها وإدارتها، خاصة في ظل تجنب او تهرب القطاع الخاص في تلك الفترة التاريخية، من اقتحام ميدان هذه المشاريع الكبرى، كما في قصة صوامع القمح، وحتى انشاء فنادق فخمة تغطي النقص الحاصل في البلد.
ويقول بدران "لقد اتهمت بأني اشتراكي، وقالوا عني بعثيا، واسعى لاحتكار كل شيء للقطاع العام، لكن العبرة في النتائج، فأنا لا أعرف العمل بالشعارات، وكل ما اعرفه هو البحث عن المصلحة العامة، والسعي لتحقيقها، بعيدا عن شعارات الشراكة بين القطاعين، والتي تبقى على أرض الواقع شعارات إن لم نقم فعلا بتطبيقها".
وفي سياق اخر، اقر مدير المخابرات الاسبق، بانه لم يستطع تحييد الهاجس الأمني في أي عمل قام به، لكنه يقول "لا أجد أن طبيعة هاجسي الأمني، أثرت على عملي السياسي، بل على العكس تماما، كانت ميزة لي بالعمل، أو على الأقل هذا ما شعرت به".
وكان بدران نقل في حلقة أمس القارئ الى اجواء نهاية السبعينيات من القرن الماضي، حيث واجه الاردن في تلك الحقبة تحديات اقتصادية وتنموية ضخمة، ترافقت مع ضغوط سياسية واقتصادية عربية واميركية، انهالت على المملكة، ما كان يشي بانها ضغوط تمهد للقبول بتسوية سياسية ما للقضية الفلسطينية. 
كما دخل في تفاصيل عديدة حول عمل الحكومة بتلك المرحلة، خاصة مع تدشين مشاريع اقتصادية ضخمة او افتتاحها، بمناسبة احتفالات المملكة باليوبيل الفضي للمملكة، مستعرضا قصة نجاح الاردن، رغم كل الظروف الاقتصادية والسياسية، في انشاء مشاريع طريق المطار الدولي، وتوسعة البوتاس واقامة صوامع القمح، وميناء العقبة واقرار قانون الضمان الاجتماعي. 
وفيما يلي نص الحلقة السابعة عشرة
* في بداية عملك كرئيس حكومة، ألم تتأثر بمعادلة الأمني والسياسي، فطغت شخصية على الأخرى، أم أنك التزمت بالمسار السياسي في مهمتك الجديدة؟
-أنا لا أستطيع تحييد هاجسي الأمني عن أي عمل أقوم به، ولا أجد أن طبيعة هاجسي الأمني، أثرت على عملي السياسي، بل على العكس تماما، كانت ميزة لي بالعمل، أو على الأقل هذا ما شعرت به.
في وضعنا الأردني، ثمة ارتباط وثيق بين السياسة والأمن، ولا يمكن الفصل بينهما، أو فض الاشتباك الحاصل، كما أضيف لهذه المعادلة من طرفين، طرفا ثالثا، لا يقل أهمية وهو الاقتصاد.
فتكريس حالة الأمن، وبسمعة إقليمية معتبرة، سيأتي لك بالاستثمار من كل حدب وصوب، وذلك سينعكس إيجابا على المستويات المعيشية للمواطن.
لكن ليس فقط الأمن، الذي سيأتي لك بمعادلة اقتصادية مؤثرة، فعليك بعد الأمن، أن تصنع بقية العوامل المساندة لحالة اقتصادية متطورة في النمو والازدهار.
فالبنية التحتية هي ضرورة استراتيجية في بناء اقتصاد متقدم، وهذا ما كنت افكر به حقا، ففي بداية عهدي برئاسة الحكومة، كانت الحرب في لبنان قد بدأت، وبيروت كمركز تجاري، بدأت تتراجع عند المستثمرين العرب، فكرت أن استفيد من تلك الحالة، وان تكون عمان وجهة للمستثمرين.
ليس سعيا مني للاستفادة من وضع الجوار، لكن هذه فرصة وسعيت لاقتناصها، وبقيت ممسكا بموقف سياسي، يدعو لحل الازمة اللبنانية، بالسرعة الممكنة، لقناعتي بأن الميزة الأمنية قد تذهب أدراج الرياح في حالة تطورت اضطرابات دول الجوار.

*وأنت تتحدث عن الاستثمار، هناك من اتهمك بأنك كنت عدوا للقطاع الخاص، واتهمت بأنك اشتراكي في التفكير؟
-أنا لا أقول قطاعا خاصا أو قطاعا عاما، أنا أقول مصلحة الوطن، لذلك من يخدم المصلحة العامة، أنا معه، وبصفّه، وسيلقى مني كل الدعم.
قلت لك، في بدايات حكومتي الأولى، عندما وقعنا في مشكلة القمح، اجتمعت فعلا مع أصحاب المطاحن من القطاع الخاص، وحاولت أن أحفزهم لبناء الصوامع وتخزين بضائعهم من القمح والطحين، لكنهم رفضوا ذلك، لأن في الأمر تجميدا لرؤوس أموالهم، ومعهم حق في الأمر.
وبعد رفضهم قمت، كحكومة، ببناء صوامع الحبوب، وهي بالأساس واحدة من أهم مقومات الأمن الغذائي، كما قمت بشراء الثلاجات الضخمة لضمان تخزين اللحوم المجمدة والمبردة بكميات آمنة.
حتى أن العراقيين سخروا مني في ذات المرات، لأني رفضت ما قدمه الوفد الاسترالي الذي عرض علينا شراء ذبائح، وزنها 14 كيلو غراما، وتمسكت بأن يكون الوزن 12 كيلو غراما كما كنا نأتي به من رومانيا، وقال لي العراقيون: نحن نشتري بوزن 30 كيلو غراما، ولا يهمنا، لكنك تدلل الشعب الأردني.
كنت أقوم بذلك، ليس لأني ضد القطاع الخاص، بل لأني مؤمن تماما بأن القطاع الخاص تنقصه الخبرة والشجاعة، حتى يخوض في المجالات الجديدة في ذلك الوقت.
أذكر جيدا بأننا كنا نعاني كثيرا في قضية وجود فندق واحد في عمان، هو فندق الأردن، وكان لدينا فندق فيلادلفيا وسط البلد، لكنه فندق بسيط وتصنيفه نجمتان.
كم تضايقت عندما عرفت بأن الوفود الرسمية، التي تأتي لعمان، كانت تضطرنا الى ان نلجأ للطلب من نزلاء فندق الأردن المغادرة حتى تقيم الوفود الرسمية، ولك أن تتخيل كم أن الأمر مؤسف، أن تطرد نزلاء، مقيمين في الفندق تحت ذريعة تأمين إقامة الوفود الرسمية، ولك أن تتخيل السمعة السياحية التي حظينا بها جراء مثل هذا الفعل.
وكم تكررت الحالة، لأننا في أول سنة من سنوات وجودي رئيسا للحكومة، كان في كل شهر يزورنا رئيس دولة، وتكررت الحالة المؤسفة تلك في فندق الأردن.
عندها بدأت بالتفكير في بناء فندق جديد، وفعلا قمنا ببناء فندق عمرة، وكانت العقبات أمام بنائه واضحة، وهي اساسا كيف للحكومة أن تديره، وكيف أن الفندق يحتاج لعمل يومي وشراء مستلزمات المطبخ يوميا، على سبيل المثال، وهذا يحتاج للجان عطاءات واستلام عروض، واختيار الأقل سعرا، وهي اليات عمل حكومية لن تنجح في عمل الفنادق، وبحثنا عن طريقة حتى وجدنا الحل الآمن.
وبعد أن انتهى بناء الفندق، جعلناه بأربع نجوم، ليكون سعره منافسا لفندق الأردن، الـ5 نجوم، ونجحنا في ذلك، وحفزنا سوق السياحة، وباعت الحكومة فندق عمرة، بعد أن بدأ عدد من المستثمرين ببناء فنادق في عمان، وانسحبت كحكومة من سوق السياحة وتركته للقطاع الخاص، بعد أن حفزت الحركة ودفعتها للأمام.
لكن في تلك المرحلة، كان هناك انطباع سائد لدى الناس، بأن أي مشروع تتملك الحكومة حصة منه، هو مشروع سينجح، وتجد أنهم دخلوا شركاء بشراء الأسهم فيه، مثل مصفاة البترول والاسمنت والكهرباء.
لقد كان هناك ارتياح لفكرة الشراكة مع الحكومة، لأننا ضبطنا الفساد وحاولنا السيطرة عليه، بينما كان القطاع الخاص يعاني من تلك الأزمة.
لقد اتهمت بأني اشتراكي، وقالوا عني بعثيا، واسعى لاحتكار كل شيء للقطاع العام، لكن العبرة في النتائج، فأنا لا أعرف العمل بالشعارات، وكل ما اعرفه هو البحث عن المصلحة العامة والسعي لتحقيقها، بعيدا عن شعارات الشراكة بين القطاعين، والتي تبقى على أرض الواقع شعارات إن لم نقم فعلا بتطبيقها.
حتى فكرة المخابز الآلية، فعلا سعيت لأقنع مخابز القطاع الخاص بجدوى الفكرة لكن وجدت فتورا في الإقبال، وأذكر مرة بأني وقفت عند مخابز الشرق في وسط البلد، وترجلت من سيارتي، وذهبت لشراء 2 كيلو خبز، ووجدت صاحب المخبز الذي عرفني، وقلت له لماذا لا تفكر بالأفران الآلية، فقال بأن طريقته التقليدية تفي بالغرض، على الرغم من امتلاكه لـ7 مخابز، تنتج 7 آلاف طن قمح يوميا ويشتريها الناس.
فإذا كان أكبر المخابز، لا يفكر بالأفران الآلية، فكيف لبقية المخابز أن تفكر بالأمر! عندها أيضا تدخلت وجئت بأول فرن آلي لعمان، ومن بعدها تشجعت المخابز، وتطور انتاجها وكفاءتها.

*أعود للسؤال: كيف استكملت مشاريع البنى التحتية، وما هو مقدار نجاحك فيها؟
-بداية، مشاريع البنية التحتية لم تستكمل في مرحلة واحدة، بل أخذت وقتا من الزمن، وتعاقب على تنفيذها عدد من الحكومات، صحيح أنني بدأت بجزء كبير منها، وقلت لك بأن تلك هي خطتي.
ظل الأمير الحسن، في تلك المرحلة، يرفع شعارا، وهو الهجرة العكسية من المدن إلى القرى، وكنت أفكر بهذه الهجرة، وأجد أنها لن تتحقق، ما دامت القرى فقيرة بمستوى الخدمات صحيا وتعليميا، وحتى في الكهرباء والماء والطرق.
من هناك بدأت برحلة العمل المضني والشاق، لتوفير الخدمات في مناطق المملكة كافة، فبدأت الاتصال بمحمد علي بدير، وكان رئيس مجلس إدارة شركة الكهرباء، وطلبت منه إنارة كل قرى المملكة، فقال أنت تريد الإفلاس للشركة، فقلت له بأن القانون يحتم عليه إنارة كل قرى المملكة من الشمال إلى الجنوب.
فطلب مني حتى ينجح في وضع المولدات، التي كانت تصل كلفة الواحد منها نحو 70 ألف دينار، أن نضع فلس الريف على كل فاتورة كهرباء، حسبتها جيدا، ووجدت بأنها كلفة لن يتذمر منها المواطن، ومن دفعها كضريبة، وفعلا اتخذنا القرار، ولم يشعر أحد بالعبء جراء هذه الضريبة، وفعلا التزم بدير بتوصيل الكهرباء لكافة القرى في المملكة.
حتى بدأ العمل فعلا، ولم تتأخر شركة الكهرباء عن الالتزام، حتى أني في يوم واحد افتتحت أكثر من 15 محولا، لـ15 قرية في الجنوب.
حتى أن وزير الصحة زهير ملحس، في احدى زياراته للجنوب، وكان عائدا إلى عمان، كان ينظر من نافذة المركبة، ويقول للسائق، الذي معه، متى سنصبح مثل إسرائيل، فإنارتهم يراها من الطريق، التي يمشي عليها، فقال له السائق، إن هذه قرى أردنية، ولتأكيد ذلك سيمر من عندها، لكن، لأنه يراها من بعيد، فانه يعتقد بأنها عند اسرائيل.
بعد مشروع الكهرباء، بدأنا بالمراكز الطبية في كل قرية، وتوزيع الأطباء عليها، وبعدها فورا بدأنا بالمدارس، والزمنا وزارة التربية بتطبيق القانون وأن عليها أن تذهب للمواطن، وليس على المواطن أن يلحقها.
بعدها، أمنا موازنة شق الطرق وتعبيدها، والتزمت وزارة الأشغال بإنجاز المهمة في مدة لم تتجاوز الـ4 سنوات.
بعد تأمين كل تلك الخدمات فعلا، لم يعد هناك قيمة حقيقية للهجرة للمدن الرئيسية، التي كانت تعاني من التلوث والضغط السكاني، والمشاكل المدنية على عموميتها.
وفعلا، بعد فترة زار الأمير الحسن الطفيلة، ووجد هناك عددا من العسكريين المتقاعدين، قد بنوا منازلهم، وأقاموا فيها، واستفادوا من الأراضي التي يملكونها، فزرعوها، ونزل الحسن عندهم، وسألهم عن إقامتهم في قراهم، فأجابوه بأن الخدمات، هي التي ساعدتهم على الإقامة في قراهم الأصلية، والابتعاد عن التلوث في المدينة والازدحام وكل سلبيات المدن.
وبقي أن ننجز مشروع البوتاس، الذي قلت لك عنه كثيرا، فقد كنت اتذكر وأنا شاب في عمر الـ15 عاما، انني زرت عمي المقيم في السلط، وهو صيدلاني، وروى لي كيف أن كلوب باشا، أمر بنهب أثاث ومعدات شركة البوتاس حتى لا يقام المشروع، لأن البوتاس كنز مهم ولا يريد للأردن أن يستفيد منه.
لما تسلمت الحكومة، كانت شركة البوتاس بصدد انشاء السدود واختبار جاهزيتها، وفعلا استطعنا انجاز المشروع، وافتتحه الراحل الحسين، كونه مشروعا يعتبر من مشاريع الصناعات الثقيلة والتكنولوجة المعقده.
ثم بدأت التفكير بإنجاز مطار عمان، بشكل يليق بمملكتنا، وكنت وأنا في الديوان الملكي سمعت عن قصة ازعجتني كثيرا، وهي أن الشيخ زايد، وأمير قطر، كانا في زيارة لعمان، ولما نزلا سلم الطائرة، اتفقا على بناء مطار يليق بالملك الحسين، وفعلا ارسلا 15 مليون دينار لبناء المطار، ولكنهما بعد فترة، سألا عن الأموال، اين انفقت، ولماذا لم يبن المطار!، فانزعجت كثيرا عند رواية تلك القصة.
ولدى استلامي رئاسة الحكومة، اتصلت بمحافظ البنك المركزي، وسالته عن الـ15 مليونا التي بعث بها الشيخ زايد والشيخ خليفة، فقال بأنه استخدمها لسد العجز، وقلت له سأعيد لك العجز، وفعلا بدأت بإجراءات بناء المطار.
واكتشفت بأن المقاول، كان قد وقع عقدا، ربط فيه الحكومة، فيما يتعلق بالمطار وتوسعته، وكان أول شرط من شروط ذلك العقد "أن يتم التفاوض على التوسعة بنية حسنة"، واستغربت الأمر، وقلت من وضع هذا الشرط، بنيته أن لا تكون نيته حسنة.
واكتشفنا أنا وعلي سحيمات وزير المواصلات، بأن المقاول يتلاعب بتقدير الأسعار، وسألنا عن سعر احدى متطلبات مرحلة المشروع، وإذا بها من بلد المصدر، بقيمة نصف مليون ويضاف لها 10 % نسبة كعمولة للمقاول، ونظرنا لحسابات المقاول، وتقديره لكلفتها علينا، وإذ بها مليون دينار.
عندها قلت يحال على المقاول توسعة المطار، شريطة أن لا تتجاوز، كلف المشروع 23 مليون دينار، وهو مبلغ ضخم وقتها. جاءني المقاول مع محاميه للتفاوض، وبذريعة أن شرطي هذا لا يوجد فيه حسن للنوايا، فكشفت له الأوراق، فالتزم.
ومن شدة إيماني بالمشروع، فقد عملنا أنا وسحيمات، ليل نهار، لاتمام المشروع، وحددنا يوم افتتاح التوسعة، فجاء مدير سلطة الطيران المدني صالح باشا الكردي، يعترض على تنبؤاتنا، فأسكته، وقلت له أني أعرف ما أقوم به، ولشدة استقامة هذا الرجل، ومصداقيته، فقد قدم استقالته احتجاجا منه على أن العمل لن ينجز بالموعد، الذي حددناه للملك الحسين كيوم افتتاح.
لكني أصررت على انجاز المشروع بوقته، ونجحنا في اختبار الوقت والدقة في العمل.
لقد اكتشفت بأن معضلة المشاريع الحكومية، وتلاعب المقاولين في انجازها بالموعد المحدد، هي غياب العقاب لهم، على تأخرهم في تسليم المشاريع.
لقد زرت مرة من المرات المملكة العربية السعودية، وناقشت مع وزير التخطيط هناك، حول سرعتهم في بناء المشاريع الحكومية، وقال أن سر نجاحهم هو التزام المقاولين بالعمل، ما داموا ملتزمين بالأموال، وتسهيل الإجراءات البيروقراطية.
وفعلا اكتشفت وأنا ابني فندق عمره، بأن المقاولين لا يتم معاقبتهم على المماطلة، والتسويف في تسليم مراحل المشروع.
وهنا أروي قصة الفندق من باب الطرفة، فقد علمت بتأخير المقاول عن تسليم الفندق في الوقت المتفق عليه، فذهبت وجلست في المشروع، في مكتب المشرف المهندس هاني حقي، وكان المقاول صديقا لي، اسمه شفيق زوايده، سألت حقي عن الاجراءات في حال تأخر المشروع، قال الغرامة على المقاول، لكن بذلك سيفلس، جاءني بعد أن سألت حقي، زوايدة إلى المكتب وسألني إن كنت فعلا أنوي تغريمه؟ فقلت له نعم، فقال بأني سأترك الحكومة قبل أن يأتي موعد تسليم الفندق، فقلت له: استعجل خيرا لك، فسأعود للحكومة، وأنت لم تنه عملك بعد، فاستهزأ من الأمر.
فعلا، خرجت من الحكومة العام 1979، وعدت لها بعد عام في 1980 وأول شيء فعلته اتصلت بزوايدة، وعرفت أنه لم ينه العمل، ووعدت بأن اعاقبه.
فعلا لقد ساعد نظام المحاسبة والعقاب على إنجاز العمل بالمشاريع بالسرعة الممكنة.

*وهل صحيح بأنك حبست أحد مدراء المياه، وألقى حرسك الشخصي القبض عليه، خلال احدى زياراتك لمحافظة إربد؟
- في احدى المرات، دخلت مكتبي في رئاسة الوزراء، وكان مدير مكتبي هيثم القسوس، وأبلغني أن احدى المواطنات، اتصلت من اربد، وتقول أن أبلغ رئيس الوزراء، بأنها تجاوبت مع دعوى أحد مسؤولي المياه، في منطقتها، بان تشرب "البيبسي" عندما تعطش، لكنها لا تعرف كيف ستستخدمه في الحمام.
كنت أسير باتجاه المكتب، مباشرة، استدرت إلى هيثم، وطلبت منه إلغاء كل مواعيدي، والتحضير للذهاب إلى إربد فورا، وإبلاغ المحافظ بأن يأتي لي بالمجلس عند وصولي.
كانت المرأة قد هددت بأن نساء إربد، سيخرجن في مظاهرات، ضد الحكومة، بسبب أزمة انقطاع المياه.
مباشرة، وصلت المحافظة، وبدأت أبحث مع المجلس المحلي عن أسباب المشكلة، ويؤكدون بأن ضخ المياه على أحسن حال، لكن ثمة مشاكل أخرى لا يعرفونها. صعدت أنا على الخزان الرئيسي، وسمعت صوت المياه تنزل فيه،  وكان الصوت قويا، طلبت أن يفتحوا لي غطاء البئر، فوجدت أن المياه تنزل بشكل خيط رفيع، ولأن البئر عميق وفارغ، فإن الصوت يبدو وكأنها تتدفق بقوة.
سألت عن مشكلة المضخات، وإذ بها تتعطل، وقالوا سنذهب بها للتصليح، وكنت قد سألت عن مسؤول المياه، وإذ به إنجليزي، فطلبت مغادرته فورا لعمله، وطلبت من الراحل الحسين أن لا يتدخل. مباشرة سألت عن مكان بيع المضخات الكهربائية، وإذ بتاجر واحد، يحتكر بيع المضخات، فيما أن مساعد المدير الإنجليزي، وكان موظفا أردنيا، يتقاضى سمسرته من هذا التاجر، وقد أكد هذه المعلومات أحد الموظفين.
مباشرة، أمرت حرسي الشخصي، باعتقاله، وتسليمه لمدير السجن المركزي هاشم قاموق، تمهيدا لعرضه على المحكمة ومحاكمته.
اتصلت بمدير المخابرات طارق
علاء الدين، وطلبت منه أن يأتي بالتاجر، ويحتجزه في سجن المخابرات، حتى نعرف ما قصة السمسرة، التي يتقاضاها موظف رسمي.
كان العيد على الأبواب، ذهبنا للإجازة وعدنا بعدها، وأول ما سألت عنه، كانت اعترافات التاجر، فاتصلت بطارق علاء الدين، وسألته عن الشخص المحتجز، فقال لي انه أخذ إفادته وأطلق سراحه، فغضبت، وقلت له: ألم أقل لك أريد أن يعترف، فقال لي طارق، بأن الرجل اعترف من أول سؤال، وهو ما ثبت التهمة على مساعد مدير سلطة المياه، في حينها، وتم زجه بالحبس.
تنويه من عبد الرزاق البطاينة
السيدة الفاضلة جمانة غنيمات المحترمة/رئيس تحرير جريدة الغد الغراء
تحية واحتراماً وبعد:-
أتابع كالعديد من الاردنيين بشغف، مذكرات رئيس وزراء، ترك بصمات مميزة في تاريخ الأردن، هو دولة السيد مضر بدران.
يبدو ان دولة أبو عماد، يعتمد على مذكراته في سرد بعض الوقائع، التي لم يسجلها في حين وقوعها، ومنها قوله في الحلقة السابعة عشرة من مذكراته:
أقتبس: (في مشروع الصوامع كان وزير الزراعة وزير التموين صلاح جمعة، وكان رجائي المعشر وزيراً للاقتصاد، ولما مرض جمعة في روما، خلال اجتماعات الفاو، جاء المعشر وزيراً بالوكالة. في احد الايام دخل على مكتبي، وبدت عليه ملامح القلق والتوتر، فسألته ما الأمر فقال بأن مخزون القمح في المملكة، لا يكفي سوى لمدة اسبوع، وانه قلق من الامر، وان باخرة القمح في طريقها لميناء العقبة، وتصل بعد اسبوع، فسألته ماذا لو جنحت الباخرة في البحر، فقال ستكون كارثة. عندها اتصلت، وهو في مكتبي، برئيس الوزراء السوري، وقلت له، بأني اريد قمحاً من سورية في اسرع وقت، فعلاً في اليوم التالي، بدأت قوافل القمح السوري تصل الى الرمثا، وعندها صرت مطمئناً) انتهى الاقتباس.
كنت في تلك الفترة مديراً للتجارة في وزارة التموين، وفي يوم، وكنا بانتظار وصول باخرة القمح، ابلغنا وكيل الباخرة بأنها جنحت، عندها دعانا وزير التموين حينذاك، معالي السيد مروان القاسم الى اجتماع. ولدى جلوسنا سأل الوزير مدير المستودعات، وكان في حينها السيد أحمد سلامة الكلوب، عن كميات القمح لدينا، فعلم الوزير ان كمية القمح الموجودة تكفي لاسبوع واحد فقط، عندها ثار الوزير غاضباً، وطلب الي ان اذهب الى سورية حالاً، وقد طلب الى المرحوم عبد الرحمن المحادين، وكان مديراً للادارة ان يجهز الاوراق لسفري (تسهيل مهمة) بسيارتي، وقد نقل الوزير الخبر الى دولة رئيس الوزراء السيد مضر بدران مباشرة.
وفعلاً غادرت الى دمشق، وقابلت وزير التموين السوري، ونقلت له صورة الوضع لدينا، فقال لي ان السيد رئيس الوزراء (ويقصد رئيس الوزراء السوري) قد طلب اليه شحن كمية من القمح الى الاردن، في صباح اليوم التالي. وطلب الوزير الي ان امضي تلك الليلة في دمشق، وفي صبيحة اليوم التالي، ذهبت استأذن الوزير بالعودة الى الاردن، فأبلغني ان الشاحنات التي تحمل القمح والتي انطلقت من درعا ستسبقني بالدخول الى الاراضي الاردنية، اما الشاحنات التي انطلقت من حلب ستصل في اليوم التالي، وطلب الي ان نقل تحياته الى (أبو ليث)، ويقصد الوزير مروان القاسم. وفعلاً وانا في طريق عودتي الى الاردن، شاهدت العديد من شاحنات القمح تقف بحرم دائرة الجمارك الاردنية.

عبد الرزاق البطاينة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:04 am

الحلقة الثامنة عشرة من "سياسي يتذكر"
بدران: الحسين والجيش ضغطا لإتمام الوحدة مع سورية بمواجهة اسرائيل



الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد خلال لقاء مع مضر بدران في دمشق نهاية السبعينيات

محمد خير الرواشدة
عمان- تركز حلقة اليوم من "سياسي يتذكر" مع رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، على بعض تشابكات وكواليس العلاقات العربية العربية، والعربية الأردنية، في عقد السبعينيات ومطلع الثمانينيات، حيث شهدت تلك الفترة احداثا سياسية جساما، بدأت بزيارة الرئيس المصري انور السادات لاسرائيل وتوقيع "كامب ديفيد"، وبروز المقاطعة العربية لمصر السادات، مرورا بالثورة الايرانية ووصولا الى الحرب العراقية الايرانية. 
يستذكر بدران في الحلقة الثامنة عشرة اليوم، بعض تفاصيل قمة بغداد العام 1978، التي اقرت تقديم مساعدات عربية كبيرة للاردن، باعتباره من دول الطوق والمواجهة مع اسرائيل، وذلك بعد خروج مصر من دائرة الصراع مع اسرائيل بتوقيع اتفاقية سلام.
ويذكر ان الرئيس العراقي الراحل صدام حسين (وكان نائبا للرئيس حينها) هو من تحدث باسم الاردن، بناء على طلب من بدران، لتقديم الدعم الاقتصادي للمملكة، خاصة في ظل "برود" العلاقة الاردنية الخليجية تلك الفترة.
كما يستعرض بدران اليوم تفاصيل وتطور مباحثات الوحدة الاردنية السورية نهاية السبعينيات، والتي لم تنجح بالمحصلة في الوصول الى دولة الوحدة، لاصرار السوريين على انتخاب رئيس دولة الوحدة من قبل الشعبين السوري والاردني. ويؤكد بدران انه شخصيا لم يكن مستعجلا على الاسراع في مفاوضات الوحدة مع سورية، على حساب مضمونها، لكن الملك الحسين، رحمه الله، وقيادة الجيش العربي، كانا يدفعان للاستعجال بقيام الوحدة، لتصليب الجبهة الاردنية والعربية امام اسرائيل. 
 ويتطرق بدران الى بعض تفاصيل علاقته بالراحل الكبير الحسين بن طلال، ويقول في هذا السياق "لقد تحملني الحسين كثيرا لانه علم جيدا انني لا املك اجندات شخصية". لافتا الى ان الحسين استجاب لنصيحة بدران والغى لقاء له مع حسني مبارك، كان مقررا في مسقط، بعد قرار القمة العربية بمقاطعة السادات ومصر اثر زيارته لاسرائيل. حيث نبه بدران الملك الى ان اللقاء سيجلب على الاردن غضبا عربيا، ويهدد بوقف المساعدات الاقتصادية التي اقرتها قمة بغداد للمملكة.
وكان بدران، قد كشف في حلقة أمس، تفاصيل مثيرة ومشيقة، وتوثيقية، حول طبيعة العمل الحكومي، ومطبخ صناعة القرار الاقتصادي والسياسي والاداري في الدولة الاردنية خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي. 
كما تناول ايضا قصة مشاريع تنموية ضخمة، طورت من البنية التحتية للمملكة، في وقت سعت فيه لاستقطاب الاستثمارات العربية، الهاربة من لبنان بعد اندلاع الحرب الاهلية فيها العام 1976.

وفيما يلي نص الحلقة الثامنة عشرة
* قصة استكمال مشاريع البنى التحتية في السبعينيات، التي توقفنا عندها في الحلقة السابقة، كان لها اتصال بقمة بغداد، ولقاؤك لأول مرة مع الرئيس العراقي صدام حسين، الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية العراقية، وهناك بدأت علاقتك بصدام خلال قمة بغداد العام 1978؟
- صحيح؛ هناك التقيت اول مرة بالرئيس صدام وجها لوجه، كانت العلاقة، كما ذكرت لك، بدأها سليمان عرار، عندما شارك في اجتماع وزراء الداخلية العرب في بغداد، وقدم صدام لنا دعما ماليا فوريا، لإنقاذ الموازنة التي لم يكن فيها رواتب للموظفين.
في القمة العربية في بغداد العام 1978، ولما بدأ الاجتماع، دخل القادة إلى اجتماع مغلق، بقيت أنا وياسر عرفات ولم ندخل، لكني بدأت أخشى على الراحل الحسين، فهو لا يحب أن يتحدث بأي أمر اقتصادي، والقمة مخصصة لدعم الأردن وسورية ومنظمة التحرير ومصر، فجأة وجدت أحد الموظفين التابعين لمراسم أحد الوفود، فقلت: غريب لماذا لا يتركونا ندخل، فقال تستطيع الدخول، دخلت مباشرة، وسحبت كرسي، لا يجلس عليه أحد، الى جانب الملك الحسين، استغرب الراحل، وسألني مباشرة، إن كان هناك أي مشكلة، قلت له: لا، فقط أنا قادم لمؤازرتك بالمطالب الاقتصادية للأردن.
بدأ النقاش المالي، وتوزيع حصص المساعدات على الدول العربية. مباشرة ذهبت لرئيس الوفد العراقي، وكان نائب الرئيس العراقي صدام، فيما الرئيس أحمد حسن البكر، هو رئيس القمة العربية، ويوزع أدوار الحديث بين الدول المشاركة.
مباشرة، مشيت باتجاه صدام، وتحدثت إليه بكل صراحة، بأني أنا رئيس وزراء المملكة الأردنية الهاشمية، وأطلب منه الحديث باسم الأردن في الجانب الاقتصادي، لأن الملك الحسين لن يتحدث بشيء، حتى لو جاء دوره، فهو يخجل جدا، من طلب المساعدة، بطريقة مباشرة في الاجتماع.
وقلت لصدام، أنت أدرى العرب بوضع الأردن، ونعرف بأنك لن  تظلمنا، فضحك صدام حسين، ووافق من دون أي تفكير، وفعلا، هو من زاد حصة الأردن، من المساعدات العربية.
عدت لمكاني بجانب الملك الحسين، وبدأ رئيس الوفد الليبي، وكان قائد الجيش، يتحدث، وبدأ يطلب رفع مبالغ المساعدات، فقلت له من بعيد أن "يسكت"، فليبيا توعد، ولا تفي بدفع المساعدات، وأننا بالأردن لم يصلنا أي دولار من تلك المساعدات.
وفي قمة عمان، عام 1980، ولما بدأ اجتماع الزعماء العرب، وجه صدام حسين كلامه للقادة العرب، وقال: الأردن لم يصلها أي من المساعدات العربية، التي قررت في قمة بغداد، وعلى القادة العرب أن يقولوا بأنهم لا يريدون الدفع للأردن، وأنا من سيدفع عنهم، فنحن قادة ويجب أن نلتزم بما نوعد شعوبنا به.
وفعلا، ما إن انتهت الجلسة، حتى دفعت دول الخليج 900 مليون دولار للأردن، وفعلا ايضا تخلفت ليبيا عن دفع حصتها.
وكانت كل تلك المساعدات، هي قيمة تنفيذ مشاريع البنى التحتية في البلاد.  
*مع استمرارك بالقرب من الراحل الحسين كرئيس وزراء، هل تطورت علاقتك بالراحل، أم حافظت على خطك المهني في العلاقات السياسية؟
-لقد تحملني الراحل الحسين كثيرا، لكنه رحمه الله كان يعلم جيدا بأن لا أجندات شخصية لي في العمل، فأنا كل ما يهمني أن تجري الأمور وفق المنطق السليم، وأكره أن ننجز عملنا بنظام القطعة، بل عندي جدول عمل شامل ولا أحب أن يكون عملي ناقصا.
لذلك كان الحسين يغضب مني في مرات كثيرة، لكنه سرعان ما يعرف بأني تصرفت وفق حساب دقيق للأمور، فأنا لست ارتجاليا في اتخاذ القرارات، وكل خطوة عندي تخضع لتفكير طويل ودقيق.
في احدى المرات، بعد نحو 3 سنوات على مؤتمر بغداد، الذي تقرر فيه قطع العلاقات العربية مع مصر، ومنح الأردن مساعدات اقتصادية، أبلغني رئيس الديوان وقتها أحمد اللوزي رحمه الله، وأنا جالس في قصر الندوة، أنتظر الراحل الحسين، بأن الملك قرر زيارة سلطنة عمان، وسيلتقي هناك بالرئيس المصري حسني مبارك، بحضور السلطان قابوس.
لدى سماعي اللوزي، تجمدت في مكاني، وقلت له: هل أمرك الملك أن لا تبلغني؟ فقال: لا، قلت إذا كيف تقررون مثل هذا الأمر، وتعتبرون إبلاغي تحصيل حاصل!، فأنا ضد الزيارة وسأطلب من الملك إلغاءها، فقال اللوزي: لكن تم الاتفاق وتحديد موعد الزيارة.
مباشرة تحدثت مع الراحل الحسين، وقلت له بأن لقاءه مع مبارك في عُمان، يعني مخالفة قرارات قمة عربية، وهذا سيكلفنا في الأردن كثيرا.
وتابعت بأن القرار السياسي في القمة، كان قطع العلاقات مع المصريين، فيما القرارات الاقتصادية كانت بتوجيه المساعدات العربية للاقتصاد الأردني، وإذا خالفنا القرار السياسي، فمن حق الدول العربية مخالفة القرار الاقتصادي للقمة، وقطع المساعدات.
وفعلا ألغى الملك الحسين الزيارة، بعد أن استمع إلى حجتي، وهذا هو الحسين رحمه الله، يقدّر المصلحة الوطنية العليا جيدا، ولا يخالف متطلباتها حتى لو على حساب أكثر الأمور التي يحبها، لكن عليك وأنت تعمل بمعية الحسين، أن تعرف كيف تقنعه إن كانت عندك وجهة نظر مخالفة لوجهة نظره.
الراحل الحسين تحمل نزقي وغضبي في بعض الأمور، لكن أظنه، كان مرتاحا لكثير من القرارات، التي خدمنا فيها المصلحة الوطنية، فهل تعتقد مثلا ان إنجاز مشاريع البنى التحتية خلال مدة وجيزة، كان أمرا سهلا! أو أنه أمر لا يصب في خانة المصلحة الوطنية العليا! هل تعتقد بأن مكافحة الفساد لا تخدم مصالحنا؟ هل ترى بأن تطوير عمل الجهاز الإداري لم يخدمنا؟ هل تظن بأن الاستقرار الاقتصادي والسياسي والاجتماعي كان وليد الصدفة والحظ؟
كلها أمور كان يدرك الراحل الحسين أهميتها، وكان يدعم من يريد فعلا أن يخدم المصلحة العامة ومصلحة المواطن ومصلحة تراب هذا البلد ونظامه السياسي.
دائما كان حلمي أن استغني عن المساعدات العربية والأميركية، وطالما كنت أسعى لتحقيق هذا الحلم عبر اقتصاد وطني محصن ومستقل، لكن الظروف الإقليمية لم تمكنا في الأردن من بلوغ هذا الحلم، وتحقيق هذا الهدف، لقد استنزفت منا القضية الفلسطينية وغياب فرص حلها العادل أن نكون مملكة مستقلة اقتصاديا ومتحررة من انتظار المساعدات العربية والغربية التي دائما ما تكون مرتبطة بالأجندات السياسية للدول المانحة والمساعدة.
*لكنك أشرت لي ذات مرة، بأنه وفي احدى السنوات، أقرت الحكومة قانون موازنة خاليا من المساعدات الأميركية؟
-صحيح؛ ولذلك قصة استطيع أن أذكرها بإيجاز، ففي احدى السنوات، نهاية عقد السبعينيات، زارني السفير الأميركي في عمان توم بيكرنك، وقال لي بأن الحكومة الأميركية تأسف لعدم تقديم مساعداتها السنوية للأردن في هذا العام، وطبعا كان الهدف هو الضغط الأميركي على الأردن، لتلحق هي الأخرى بمصر والسادات، وندخل بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، ونذهب لكامب ديفيد.
مباشرة سألت بيكرنك، وهو يجلس في مكتبي: هل  أنت متأكد؟ قال نعم، أعدت السؤال عليه، وأعاد نفس الإجابة، وقفت في مكتبي، وذهبت إليه وصافحته، وقلت له: شكرا لك ولحكومة بلادك، لقد حققتم لي حلما لطالما كان يراودني وهو أن أصمم موازنة بلدي خالية من بند المساعدات الأميركية.
استغرب من ردة فعلي، وقال لي: كنت أظنك ستطردني من مكتبك، فقلت له بالعكس أنا أشكركم على هذه الهدية.
وتستطيع فعلا العودة لموازنة واحدة، من تلك السنوات في نهاية السبيعنيات، للتأكد من أنها خالية من بند المساعدات الأميركية.
*وهل بدأت باستكمال مشروع الوحدة الأردنية السورية، في تلك الفترة أيضا، حيث كانت حكومة سابقك، الرفاعي قد أوشكت على الانتهاء منها؟
-لقد سبق أن أنجزت حكومة زيد الرفاعي من قبلي المحادثات مع السوريين، لتوثيق عرى التعاون بيننا، واجتمعت اللجان المشتركة، واستمرت اللقاءات والاجتماعات حتى أيام حكومتي، وكنا نقترب في كل يوم من إعلان الوحدة بيننا وبين السوريين، وكان رئيس الوزراء السوري محمود الأيوبي رحمه الله، يريد للجان أن تسرع في عملها، وكان مدعوما من جبهة البعثيين والناصريين لاتمام تلك المهمة، لكني حذرت من الاستعجال في الأمر من غير أن يكون قائما على أسس صلبة وواضحة، فلا نريد أن نكرر احباطاتنا بعد فشل الوحدة المصرية السورية، لذلك طالبت العمل بشكل دقيق ومؤسسي على مسارات الوحدة ومستقبلها.
ثم بدأت الضغوط عليّ تأتي من الملك الراحل، وقيادة الجيش، لاستعجال قرار الوحدة، وسألت عن السبب، وقالوا الخشية من إسرائيل، وسألت الحسين من رئيس دولة الوحدة؟ وقال: إنه يقبل أن يكون نائبا للأسد، على أن تنجح الوحدة. وبالمناسبة هذه شهادة حق أقولها وتضحية من ملك حقيقي.
وفعلا، استكملت اللجان عملها، حتى وقفنا أمام قرار لجنة يفيد بأن انتخاب رئيس دولة الوحدة يجري من قبل الشعب السوري والشعب الأردني، ورفض ذلك عبد الحميد شرف، لأن في ذلك خللا في القوة التصويتية، بين الشعبين، فالفرق بيننا والسوريين من حيث السكان في ذلك الوقت يتجاوز الـ15 مليون نسمة.
تحفظنا على القرار، وذهبنا لدمشق والتقينا بحافظ الأسد، وعاتبنا على تأخير عمل اللجان، وشرحنا له عقدة اجراء الانتخابات بهذا الشرط، وأبلغته بأن الشعب الأردني لن ينسى لي هذه الخطيئة، إن ارتكبت في عهد حكومتي، خصوصا وأن نتيجة مثل هذه الانتخابات ستكون محسومة سلفا.
قال الأسد: هذا حقك، وقال للوفد السوري لقد أخطأتم بهذا القرار، وقال ضعوا في توصيات اللجان، بأن مثل هذه المواضيع تترك للقيادة العليا، من الملك الحسين وحافظ الأسد، وهما من يبتان في الأمر.
وفعلا عدنا للعمل بطريقة متدرجة، وأنشأنا شركات مشتركة، ومناطق حرة مشتركة، وعينا مديرين من سورية والأردن لكل تلك المؤسسات.
واستكملنا الأمر بالمناهج التعليمية، وحتى التعرفة الجمركية، التي انطوت على صعوبات بالغة في التطبيق، نتيجة فرق سعر صرف العملتين، والكلف الأولية للأسواق في البلدين.
*وهل راق أمر الوحدة الأردنية السورية على أنقاض انهيار الوحدة السورية المصرية، لدول الخليج العربي؟
-كما قلت لك، قمت في بدايات حكومتي، بمعية الراحل الحسين بزيارات مؤلمة لدول الخليج، حيث قمنا بجولة.
بدأنا من المملكة العربية السعودية، وقابلنا هناك ولي العهد السعودي الأمير وقتها فهد بن عبد العزيز رحمه الله، وبدأ الراحل الحسين حديثه في الاجتماع، بأن الأردن يريد أن يسأل إن كان يمشي في الاتجاه الصحيح، خصوصا وأن الراحل الحسين اشتكى من أنه محتار للغاية في اتجاهات المنطقة، وكل ما يريده هو المؤازرة حتى تعود القدس والضفة الغربية، وتعود الحقوق الفلسطينية، وأن الولايات المتحدة الأميركية تراوغ في مواقفها، وما تزال تكذب فيما تقوله للأردن.
وطلب الحسين من السعوديين فقط، دعمه معنويا، إن كان يمشي في الاتجاه الصحيح، وعلى الرغم من الضائقة المالية الصعبة، التي كنا نمر بها، فقد أكد لهم بأنه لا يطلب منهم دعما اقتصاديا، كنت جالسا معه في الاجتماع، وفعلا تحدث الحسين بأسلوبه المعتاد الساحر والمؤثر، ولم ينطق السعوديون بأي كلمة، تدعم مواقف الراحل الحسين، ودهشت من الأمر، فقد "انتخى" الحسين بهم، ولم يجيبوه بكلمة واحدة.
ثم غادرنا وانطلقنا إلى الكويت، وتكرر المشهد نفسه، ولم يتحدث الكويتيون بشيء، بعدها انطلقنا لقطر، وأعاد الحسين قوله للأمير خليفة آل ثاني، وإذ به يقول للراحل الحسين: أنا معك ونحن اخوان، ولن نتخلى عنك مهما حصل، وإن مواقف الحسين على حق، ويجب دعمه من أجل الثبات عليها، وفعلا قدرت ذلك له كثيرا، خصوصا وأنني كنت مخنوقا مما جرى في السعودية والكويت.
في ذلك الاجتماع، دخل رئيس التشريفات الأميرية، وقال بأن الرئيس العراقي يطلب الأمير على الهاتف، وانتقل الأمير لغرفة مجاورة، وأنهى الاتصال، ثم عاد إلينا وقال إن الرئيس أحمد حسن البكر، يطلب الموافقة على عقد قمة عربية في بغداد، من أجل دعم القضية الفلسطينية، وبدء المقاطعة العربية لمصر، بعد زيارة السادات إلى القدس، ونقل الجامعة العربية من القاهرة إلى تونس.
في داخلي انفرجت أساريري، ولما وصلنا مكان الإقامة في الدوحة، طرت فرحا، وسألني عبد الحميد شرف عن سبب فرحتي؟ فقلت له بأن دعم الأردن سيأتي من بوابة مؤتمر القمة، فدول الخليج لا تخرج عن رغبة العراق.
خلال المؤتمر، أذكر بأن الكويتيين اقترحوا ارسال وفد عربي إلى السادات وثنيه عن مخططه في زيارة القدس، وهي تحت الاحتلال الإسرائيلي والصلاة في المسجد الأقصى، وطُلب مني أن أكون رئيسا للوفد العربي المتوجه إلى القاهرة، لأني رئيس وزراء ووزير خارجية، ورفضت طبعا، ولما سألوني عن السبب، قلت بأن الخليج من يدفع له المال، ولهم دالة عليه، كما أبلغتهم بقناعتي بأن السادات لن يقابل الوفد العربي.
وفعلا ذهب الوفد، ولم يقابله السادات، لأنه يريد إغراق سفنه، وتذكرت ما كان يصلنا ونحن في المخابرات، عن اجتماعات السادات، وما كان يقوله عن حضن أميركا، ورغبته في استبدال اسرائيل بمصر في الجلوس فيه.
*لكن الوحدة لم تحدث، وانتهى المشروع في عهد حكومتك تلك؟
-نعم؛ فقد كان السبب بأن لا اتفاق على من يرأس دولة الوحدة، وبقيت أرفض أنا وعبد الحميد شرف فكرة انتخاب الرئيس من قبل الشعبين الأردني والسوري، لأن في ذلك ظلما كبيرا لنا، لأن تعدادنا كان نحو 3 ملايين، والسوريون يزيدون على 15 مليونا، فالنتيجة محسومة، وقلتها لحافظ الأسد، بأن الأردنيين سيعتبروني خائنا إذا وافقت، وبقيت أصر على الملك الحسين حتى يرفض الفكرة لأنهم ماطلوا بالموافقة على فكرتنا، بأن تكون الرئاسة بالتناوب وليس بالانتخاب.
في احدى زيارات عبد الحليم خدام لعمان، وكان وزير خارجية، صرح في المطار بأن سورية الطبيعية تضم لبنان والأردن، وكان عند السوريين مطامح بأن يسيطروا على الأردن كما سيطروا على لبنان.
مباشرة، لم استطع السكوت على تصريحات خدام المستفزة، ولما دخلنا إلى غرفة الاجتماعات، قلت له يا ابو جمال، سورية الطبيعية كانت ملكية هاشمية، وكنتم تحتفلون بهذه الذكرى بالإجازة الرسمية، عندما كنت طالبا في دمشق، وتحتفلون بذكرى الملك فيصل وأيام حكمه لسورية. فهل توافقون على عودة الملكية لسورية الطبيعية؟ وهل تقبلون بالملك الحسين ملكا عليها، لأنه وريث الملك فيصل؟.
لقد كان السفير السوري في عمان، وأذكر اسمه الأخير، أنه من بيت الصباغ، يثرثر بالقول دائما، عن احتواء سورية للأردن كما احتوت سورية لبنان، وكنت أقول لمن ينقل لي هذا الكلام بضرورة أن يتركوه يتحدث، لنعرف كيف يفكر السوريون بالوحدة، فقد كان هذا السفير سكرتيرا يعمل عند خدام، وعينه سفيرا لدينا، وهو ينطق بما يقوله خدام، ولذلك فهو قدم لي خدمة مجانية لم أطلبها من أحد.
كان هذا الشرط هو الحد الفاصل بيني وبين السوريين في الأمر، وكانت حكومة زيد الرفاعي قد غضت الطرف عن الأمر، والملك الحسين لم يكن بصورة كل الحكاية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:06 am

الحلقة التاسعة عشرة من "سياسي يتذكر"
بدران: زيارة السادات للقدس والكنيست كانت يوما أسود وكسرت ظهر الأمة


الراحلان الملك الحسين والرئيس المصري انور السادات في احدى اللقاءات بالسبعينيات

محمد خير الرواشدة 

عمان - يكشف رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، في حلقة اليوم، تفاصيل شيقة عن سلسلة من اللقاءات التاريخية، التي جرت في نهاية سبعينيات القرن الماضي، بين الراحل الملك الحسين والراحل الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات، والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد، والتي كان بدران شاهدا عليها. مستعرضا جهود الوساطة الأردنية لتقريب وجهات النظر بين القاهرة ودمشق.
ويؤكد بدران، في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، بأن السادات أخفى عن الملك الحسين وعن حافظ الأسد نيته القيام بالزيارة الشهيرة للقدس، لكن انفعال السادات في لقاءين منفصلين كشف نواياه مبكرا.
ويذكر بدران بأن الراحل الحسين خلال زيارته للقاهرة ولقائه بالسادات، وهو اللقاء الذي كان فيه الأخير متوترا جدا، نادى الحسين بدران وعبد الحميد شرف، إلى خارج الغرف في قصر عابدين، وجلسوا في الحديقة، وقال لهم: بأنه يشعر بأن انفعال السادات، وراءه أمر خطير، ومن المستحيل إلا أن يكون وراءه خطب جلل، وأنه يخطط ويدبر لأمر ما.
ويؤكد بدران بأنهم بعد مغادرتهم للقاهرة توجهوا فورا إلى دمشق، للقاء حافظ الأسد، عند الساعة 11 ليلا، وهناك تم أخذ موافقة الأسد على دعوته للسادات للقاء في دمشق.
ويصف بدران اللقاء، وفق ما نقل له سوريون، بأنه كان لقاء ساخنا، بين الأسد والسادات، وكان اللقاء بداية لقطع العلاقات المصرية السورية، قبل زيارة السادات للقدس وخطابه في الكنيست الإسرائيلي.
ويكشف بدران اليوم، لأول مرة، موقفا حادا جرى بينه وبين الراحل الحسين، على خلفية برقية أراد الحسين أن يرسلها للسادات، وجهود بدران في إحباط تلك الرسالة، التي كانت بضغط أميركي على الحسين.
وعن اتفاقية كامب ديفيد، أكد بدران بأن الحسين رفضها، وكان غاضبا مما قام به السادات، وأكد بأن السادات غرر به، وقال له بأنه، إذا لم يأخذ بكامب ديفيد، ما يريده، فلن يوقع على اتفاقية السلام مع اسرائيل.
وعن الضغوط الأميركية التي مورست على الأردن خلال مفاوضات كامب ديفيد، يؤكد بدران بأن الحسين كشف له رسالة وجهها الرئيس الأميركي جيمي كارتر، وجاء فيها: "أن هناك خطورة عليك من ذهابك إلى كامب ديفيد، لكن أريدك أن تعلم، بأن الخطورة ستكون أكبر في حال عدم ذهابك"، لكن الحسين لم يضعف تجاه التهديدات الأميركية تلك.
وكان بدران قد تحدث في حلقة أمس عن جانب من تفاصيل لقائه الأول بنائب الرئيس العراقي وقتها صدام حسين خلال قمة بغداد، كما تحدث عن تحمل الحسين لبعض انفعالات بدران خلال عمله، كما كشف السبب الحقيقي وراء إحباط مشروع دولة الوحدة بين الأردن وسورية.
وفيما يلي نص الحلقة التاسعة عشرة:
 * سبق لك أن كنت مع الراحل الحسين في زيارات للرئيس المصري انور السادات، وسعيتم من خلالها للتأثير عليه والوساطة لعدم خروج مصر عن الصف العربي، خصوصا بعد ما ألمح السادات لزيارته المرتقبة للقدس نهاية السبعينيات؟
- صحيح؛ قبل ذلك، ونحن في ذروة التنسيق المشترك مع السوريين، ذهبنا في احدى المرات في زيارة إلى القاهرة، حتى نحاول ترطيب الأجواء بين المصريين والسوريين.
وصلنا واجتمعنا مع السادات في قصر عابدين، كان باديا على السادات علامات الانفعال الشديد، ولم يكن طبيعيا على الإطلاق، وهاجم السوريين هجوما قاسيا، ولم يأت على ذكر الأسد، لكنه كان غاضبا جدا، من وزير الخارجية السوري، وقتها، عبد الحليم خدام.
تأخر وزير الخارجية المصري عن الاجتماع، ولما دخل اسماعيل فهمي، زاد انفعال السادات، واستمر في نقده القاسي للسوريين.
كان معنا عبد الحميد شرف، رحمه الله، وفي كل مرة يحاول ترطيب الأجواء، يقاطعه السادات، ويعود لنوبة الهجوم على سورية.
فعلا، من شدة انفعال السادات، كنت أشعر كيف أن الغطاء على الطاولة يهتز، عند قدمي، نتيجة اهتزاز قدمي السادات على الأرض.
وما إن توقف السادات قليلا عن الحديث، حتى باغته بالحديث، لكي يتوقف قليلا، فقلت له: أنت والأسد أبطال حرب تشرين، ولم يقولوا بأن الحسين بطلها، انتم الحلفاء في الحرب، ونحن لا نريد الحديث بينكما، وكل ما نستطيع فعله هو تقديم النصيحة.
وطلبت من السادات، أن نعقد اجتماعا بمصر، يرأسه السادات ويحضره الأسد، وندعم المصالحة، بحضور الراحل الحسين وخادم الحرمين الشريفين.
رفض السادات الأمر، فعاودت الاقتراح بأن ينعقد الاجتماع على مستوى وزراء الخارجية، فقال ليس في مصر، وقلت له نعقده في العقبة، فنحن بحاجة إلى تضامن عربي، فالأردن لا يمكنه الوقوف وحده على الجبهة الإسرائيلية، من غير تضامن عربي يدعم موقفنا.
لم يمانع السادات، ووجدتها فرصة لمحاولة الضغط عليه للقاء الأسد، فتابعت بالقول: لكن الأصح أن تواجها بعضكما كبطلين، فسكت السادات لبرهة، وقال إن دعاني فسأذهب لدمشق.

*وفعلا، هذا اللقاء، الذي جرى بين السوريين والمصريين، قبل أن يتفرد السادات بخطوة التفاوض المباشر مع إسرائيل، وهي الخطة التي رفضها السوريون؟
-بعد اللقاء مع السادات مباشرة، استعددنا بعد العشاء لمغادرة القاهرة، والتوجه لعمان، نادانا الراحل الحسين، أنا وشرف، خارج غرفنا في قصر عابدين، الى الحديقة، حتى لا يتم التنصت على ما سيقوله، وقال بأنه يشعر بأن انفعال السادات، وراءه أمر خطير، ومن المستحيل إلا أن يكون وراءه خطب جلل، بعد هذا الانفعال البادي عليه، وأنه يخطط ويدبر لأمر ما.
ركبنا الطائرة، واستأذنت الحسين أن نتوجه فورا إلى دمشق، بدل عمان، وقال بأن الوقت قد تأخر، فقلت له سننسق مع سفيرنا هناك.
فعلا، توجهنا إلى دمشق، والتقينا حافظ الأسد، وكانت الساعة 11 ليلا، وقلنا له ما حصل معنا في القاهرة، وأن السادات يقبل دعوة الأسد له إلى دمشق، فوافق، وفعلا قام بتوجيه دعوة له.
ثم سألت عبد الحليم خدام، عن سبب سخط السادات عليه، فقال: قد أبلغته بأن قرار حزب البعث من اسرائيل واضح، ولن يكون هناك سلام معها، وهو ما أغضب السادات من خدام.
أنا اتحدث إليك، وكانت التسريبات تشير إلى أن السادات يقترب من موعد صلاة العيد في المسجد الأقصى، بعد زيارته للقدس في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1977.
فعلا حصل اللقاء، وقد كان لقاء ساخنا، بين الأسد والسادات، وكان اللقاء بداية لقطع العلاقات المصرية السورية، قبل زيارة السادات للقدس وخطابه في الكنيست الإسرائيلي.
ذهبت قبل ذلك العيد الأسود، بيوم إلى العقبة، واصطحبت أبنائي وزوجتي معي، في صباح ذلك اليوم، رأيت السادات على التلفزيون وقد فعلها، فضاقت الدنيا بوجهي، ولم استطع أن أغادر من أمام شاشة التلفاز.
طلبني الملك الحسين، الذي كان يقيم في العقبة أيضا في ذلك العيد، فذهبت إليه، وقال بأنه سيبعث ببرقية إلى السادات، فنظرت إليه باستغراب، وقلت ماذا تريد منها، فأجاب أنه يريد الإشادة بشجاعة السادات.
فقلت: وهل في الخيانة شجاعة؟، وأصر الحسين بأنه يريد أن يبعثها، فقلت له بأن القرار ليس له وحده، وأن هناك قيادة موحدة بينه وبين الأسد، وأنه بهذه الخطوة سيضر علاقاتنا مع السوريين، وهم شركاؤنا بالجبهة ضد اسرائيل.
وفعلا، فقد كانت الإذاعة السورية، بدأت بحربها الإعلامية على السادات ومصر، وبدأوا بوصفه بالخائن، فكيف لنا أن نكون على النقيض من ذلك، ونقول بأنه شجاع!.
مباشرة، قال لي الحسين أن أذهب إلى حافظ الأسد، وقال: لكن لا تأتي على موضوع البرقية بصيغة الاستئذان، فقلت له فهمت الرسالة، وسأنفذ الأمر.
مباشرة، توجهت بطائرة خاصة إلى دمشق، نزلت في عمان، وقابلت عدنان أبوعودة، وكان كل من عبد الحميد شرف والشريف زيد بن شاكر في لندن، في عطلة العيد، وسألته عن رأيه وإذ به في حالة انفعال من خطوة السادات، وقدم تحليلا موضوعيا للخطوة.
أبلغته بأني مغادر إلى دمشق، وفعلا اكملت طريقي، واستقبلني رئيس الوزراء السوري عبد الرحمن خليفان، وذهبنا للأسد، وبدأنا نتحدث عن الخطوة المصرية الأحادية، وعاتبته على ما تقوم به الإذاعة السورية، وطلبت منه أن تتوقف عن استحضار نموذج أحمد سعيد ما قبل حرب العام 1967، وأن على الحملات الإعلامية أن تحترم عقول شعبينا، وتتوقف عن وصلات الشتم والردح.
وهنا تحدث الأسد، بأنه لم يستمع لنصيحة وزير خارجيته عبد الحليم خدام، بالقيام باعتقال السادات خلال زيارته الأخيرة لسورية، منعا لقيامه من تلك الخطوة، وعرفت وقتها بأن السوريين، كانوا يخططون للأمر، لدى سماعهم عن تسريبات زيارة السادات للقدس والأقصى.
مباشرة سأل الأسد عن الملك الحسين، وقلت له بأنه مستاء جدا مما فعله السادات، ويريد أن يبعث ببرقية له.
قاطعني الأسد، وقال هذا سبب زيارتك، وأنت تريد أن تعرف مني موقفي من البرقية، وأنا سأقول لك بصراحة، إن بعثتم برقية للسادات، فسأعتبر بأن الأمر موقف منكم في دعمه، وبناء عليه نقطع العلاقات بيننا.
انتهى الاجتماع قرابة الساعة 11.30 ليلا، فقال لي الأسد: نام في دمشق، وغدا تغادر إلى عمان، فقلت: عليّ التوجه إلى العقبة، فتأكد من مهمتي بذكائه، وقال بأنه طيار ومن الصعب قيادة الطائرة، وهبوطها في العقبة، فحولها جبال صعبة.
وصلت الطائرة إلى عمان، وفعلا لم يستجب الطيار لطلبي الذهاب مباشرة إلى العقبة، لأن في الأمر خطورة كبيرة.
طلبت عدنان ابو عودة، وسألته عن مكانه، فقال بأنه مع حسن ابراهيم، يعملان على ترجمة برقية الملك الحسين للسادات، فأمرته بالتوقف، وأن لا يفعل بها شيئا، وإن سأله الحسين فعليه أن يقول رئيس الوزراء، هو من أوقف العمل بها أو إرسالها.
وسألت ابو عودة، هل في الأمر هذا مصلحة للمملكة والنظام، فقال: قطعا لا، فقلت إذا عليك التوقف عن العمل.
اتصلت بالراحل الحسين، وأبلغته بأني وصلت عمان، وأن الطيار لا يستطيع الوصول بالطائرة إلى العقبة ليلا، فقام واتصل بالمطار، وجاءوا بطائرة اسبانية، وطيار سمّاه الحسين، لنقلي ليلا إلى العقبة.
وصلت العقبة الساعة الواحدة فجرا، وقابلت الحسين، وأبلغته بموقف الأسد الحاسم من مسألة التعامل مع السادات، ولم يبلغني هو طبعا، بما كلف به ابو عودة، وأنا طبعا لم ابلغه بأني أوقفت العمل بالبرقية.
وقال لي الحسين، رحمه الله، إن الحرس الآن قد ذهبوا للنوم، وأعطاني مفتاح سيارته، وقال أوصل نفسك إلى الفندق، في اليوم التالي، اتصلت بعدنان ابو عودة وحسن ابراهيم، وطلبت منهما الحضور إلى العقبة، في مهمة مساندتي بإقناع الحسين بعدم إرسال البرقية، طلبت من القصور الملكية، أن يؤمنوا سيارة لاستقبال ابو عودة وابراهيم من مطار العقبة.
طبعا، كنت قد اتصلت قبلها بأبي عودة وسألته إن كان اتصل به الحسين ليتابع البرقية، فقال انه اتصل به، وأبلغه بأن العمل ما يزال متواصلا على ترجمتها.
اتصل معي الحسين، وقال: من أمر بقدوم ابو عودة وابراهيم؟ فقلت: أنا، فقال: لكن أنا لا اريدهما، فقلت: لكن أنا أريدهما، فهم وزراء معي.
وصلا العقبة، وقلت لهما عليكما مساعدتي في الأمر، وعلينا أن نقنع الحسين بعدم إرسال البرقية.
طلبنا لقاء الراحل الحسين، فسمح لنا بالحضور، بعد أن حاول كثيرا التهرب من اللقاء، طبعا قلت له ما كان مفاجئا، وسألته إن كنا نعمل تحت إمرة أميركا، لأن مقسم الاتصالات في كل مرة أطلب فيها الراحل الحسين، كانوا يقولون لي بأن توم بيكرنك على الخط مع الحسين.
دخلنا عليه، وإذ به يفتح عليّ جبهة من اللوم، ويقول: تعال اقعد محلي، وصير ملك.
رجوته أن لا يقول ذلك، وأنه من السهل علي أن أقدم استقالتي وأغادر لبيتي، وأقسمت له بأني لن استقيل، وأني لن أسمح بإرسال البرقية.
وقلت له: أجلس مكان جلالة الملك؟! لماذا؟! فنحن فقط نخدم بقاءك في مكانك.
نظرت إلى حسن ابراهيم، وإذ به واقف مكانه، على الباب متجمدا، من شدة الجدال، الذي دار بيني وبين الحسين، خلال تلك الدقائق، جلسنا مع الراحل الحسين، أنا وابو عودة وابراهيم، ونجح أبوعودة كثيرا في وصف مشاعر الناس، خلال صباح العيد الأسود، وكيف أن له أقرباء من نابلس، اتصلوا به مصدومين من السادات وما قام به.
طلبت من الحسين أن يتوقف عن العمل، وقد كانت الامبراطورة (الايرانية) فرح في ضيافة الملكة علياء، وضيافته في العقبة، وقلت له أن يأخذهما في جولة في البحر.
مضت تلك الأيام بصعوبة بالغة، عدنا إلى عمان، وعاد زيد بن شاكر وعبد الحميد شرف من لندن، وعاتبتهما على أنهما تركانا وحيدين في مواجهة الحسين، وقالوا: لقد أحسنت فعلا، وأنهما ما كانا ليلوما أحدا سواي إن ذهبت البرقية.
وقالا بانهما التقيا مسؤولين إنجليز، وكان موقفهم منسجما مع موقف الأردن ضد السادات، وأن غير ذلك، كان سيضر بمصالح الملك والمملكة.
بعدها بأيام كنا جالسين بهدوء، وكان الراحل الحسين معنا، فقال لي الحسين: شكرا على موقفك.

*ألم تستشرفوا اتفاق كامب ديفيد، خصوصا وأنك كنت مطلا جيدا على مواقف السادات في الغرف المغلقة؟ وما كان موقفك عند توقيعها؟ وما هو موقف الملك؟
-كنت أنا ضدها، والراحل الحسين رفضها، وكان غاضبا مما قام به السادات.
السادات غرر بالراحل الحسين، وقال له بأنه، إذا لم يأخذ بكامب ديفيد، ما يريده، فلن يوقع على اتفاقية السلام مع اسرائيل، بالنسبة لي، لم أكن مقتنعا بكلام السادات، وكنت متأكدا بأنه سيضعف أمام الضغوط الأميركية.
في احدى المرات، زارنا وزير الخارجية المصري محمد ابراهيم كامل، وكان على علاقة طيبة بابراهيم عز الدين، الذي كان سفيرنا في ألمانيا، وابراهيم سفير مصر هناك أيضا، ودعانا عبد الحميد شرف رحمه الله لمنزله، وكان شرف رئيسا للديوان، وأنا رئيس للحكومة، وامتدح عز الدين الوزير كامل، وقال بأنه رجل قومي عروبي، وبدأ وزير الخارجية المصري يسألنا عن الظرف العام، وامكانية التوصل لاتفاق سلام مع اسرائيل، اجبته بما أملك من قناعات، وأن اسرائيل لن تتنازل عن أي مكتسب، حصلت عليه بطريقة مخالفة للقانون الدولي.
وقال كامل بأنه أبلغ الرئيس السادات بذات الأمر، لكني أكدت له بأن المصريين سيتعرضون لضغوط أميركية، لتوقيع كامب ديفيد، فأكد لي بأنه سيستقيل عندها، وفعلا استقال وكتب في كتابه، بعد استقالته، بأن مضر بدران كان قد تنبأ بتوقيع مصر للاتفاقية.
لقد سعت الولايات المتحدة للضغط علينا أيضا، وقد قرأ لي الراحل الحسين رسالة وجهها له الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر بخط يده، وجاء فيها: "أن هناك خطورة عليك من ذهابك إلى كامب ديفيد، لكن أريدك أن تعلم، بأن الخطورة ستكون أكبر في حال عدم ذهابك".
وأبلغت الراحل الحسين بأن الجميع إلى صفه، والشعب لن يقبل الاستسلام، وليّ ذراع ملكه، وما دام الشعب إلى جانبك، يدعمك كصخرة، فلا تضعف.
وأبلغته بأن كل ما عليه فعله، إن زاد الضغط الدولي عليه، بأن يقيل رئيس حكومته الذي يرفض الاستسلام مع اسرائيل، وأن أي خطر سيتسبب به وجودي فقط عليه، أن يقول لي: روح.
فرفض الراحل الحسين، وقلت له دعنا نتحدث بالعلم، هذا العرش، أنت ورثته، وعليك أن تورّثه، ولا تضعف أمام كارتر، لأنه سيخسر في الانتخابات، وسيغادر هو، وستبقى أنت، فكل المؤشرات تؤكد أن لا ولاية جديدة له.
وفعلا، في احدى السنوات، توفي بابا الفاتيكان، ولم تمض سوى أشهر حتى توفي أيضا من جاء بعده، وكان الأمير رعد بن زيد، ممثلا للملك في الجنازة، والتقى هناك والدة جيمي كارتر، التي أبلغت سلامها للملك الحسين، وطالبته بأن يدعم ابنها في الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة، وأن يقبل الذهاب إلى كامب ديفيد.
أذكر في تلك الأيام، بأن السادات اتصل بالراحل الحسين، وأبلغه بأن المحادثات فشلت، وكان لهما موعد مع الملك المغربي الحسن الثاني في الرباط، وفعلا توجه الراحل الحسين في زيارة إلى اسبانيا، لزيارة الملك خوان كارلوس، وأعلن عن توقيع اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية، وكان الملك في طريقه إلى الرباط، قادما من اسبانيا، حاولت الاتصال مرارا مع الملك فلم أنجح، وبعثت ببرقية له في الطائرة، بأن عليه أن يلغي رحلته إلى المغرب، بسبب توقيع الاتفاقية، وان اجتماع الحسين بالسادات، مع ملك المغرب في الرباط، سيكون بمثابة مباركة أردنية للمصريين.
اتصلت مع سفيرنا في المغرب، وكان هاني طبارة، وأبلغته بأن يصعد للطائرة عند هبوطها إلى أرض المطار، قبل أن يسبقه أحد، وأن يبلغ الراحل الحسين برسالتي، بضرورة العودة فورا إلى عمان.
بعد وقت قصير، عاودت الاتصال بطبارة، وأبلغني بأن الراحل الحسين اعتذر عن اكمال الزيارة، وهو في السماء، وأن طائرته لم تحط في مطار الرباط، وأنه في طريق عودته لعمان.
بعدها، بعث لي الحسين برقية جاء فيها: "لم أتمم زيارتي للرباط، لأني تفاجأت بتوقيع السادات على اتفاقية السلام في كامب ديفيد، واعقد مجلس الوزراء عند وصولي لعمان".
كان الوزراء متوترين جدا، ويخشون من ذهابنا وراء مصر لتوقيع الاتفاقية، وكان بعضهم يفكر في الاستقالة.
لكن، بعد وصول الملك، ظهر كم كان غاضبا من فعلة السادات، بسبب خروجه عن الإجماع العربي، وانفراده بالسلام، بشكل أضعف الجبهة العربية وحقوق العرب.
لقد قالها لي (وزير الخارجية الاميركية الاسبق) جيمس بيكر، في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، عندما اقترحت عليه أن يذهب العرب جميعا، في وفد واحد، لمفاوضات السلام مع اسرائيل، قال: "قضيتك سهلة.. لكن قضية الفلسطينيين معقدة جدا".
وأضاف: لكن لن يوقع أحد على اتفاق نهائي للسلام، حتى تصل كل القطارات لنفس المحطة، وبغير ذلك لن يكون هناك حل سلمي.
كنت فعلا، قد سألت عن جيمس بيكر، ووصفوه لي بأنه رجل جاد، في عمله، وصادق في تصريحاته، وبعد توقيع اتفاق اوسلو، وما شكله من صدمة شخصية لي، كنت استمع
 لـ "بي بي سي"، وإذ ببيكر بصوته يقول: "لقد ارتكبوا خطأ كبيرا بالتوقيع المنفرد، ولن يكون هناك حل سلمي في المستقبل".
لقد كسر السادات ظهر الأمة العربية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:09 am

الحلقة العشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: موقفنا بدعم العراق ضد إيران حوّل سورية لمصدر قلق أمني للأردن

الراحل الحسين والامير الحسن ومضر بدران خلال احدى المناسبات
محمد خير الرواشدة
عمان– تواصل زاوية "سياسي يتذكر" مع "الغد"، النبش في تفاصيل ذكريات رئيس الوزراء الأسبق، ومدير المخابرات الأسبق مضر بدران. واليوم يستكمل ابو عماد، استذكار مواقفه من مفاصل مهمة في تاريخ الأردن.
ويكشف بدران، في حلقة اليوم، عن رأيه في الثورة الإيرانية، وموقفه من شاه إيران محمد رضا بهلوي، وقال: "كنت اعتبره شخصا جبانا، وقلتها للراحل الحسين".
كما يكشف بدران بأن زيارة الراحل الحسين إلى طهران، قبل الثورة، أحبطت جهود الوساطة، التي قام بها وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأسبق المرحوم كامل الشريف، بتكليف من بدران، لترتيب لقاء يجمع الحسين بمرشد الثورة الإيرانية اية الله الخميني في باريس.
ويؤكد بدران أن الحسين لما عاد من طهران، شعر بخيبة أمل من الشاه، الذي وصفه لحظة وصوله، بأنه رجل جبان، لأنه رفض اقتراح الحسين الذهاب معه إلى قم، ولقاء القيادات الشيعية فيها، حيث يحظى الحسين باحترام شديد هناك بصفته من آل البيت.
وعن اللحظات الحزينة، بسبب وفاة الملكة علياء بحادثة الطائرة، يكشف بدران اليوم بأن الملكة رحمها الله وقبل مغادرتها إلى محافظة الطفيلة، بعثت للحسين بورقة، أثناء اجتماع رسمي مع أمين عام الأمم المتحدة كورت فالدهايم، تخبره فيها بنيتها المغادرة، فرد الراحل عليها بأن الأجواء غير ملائمة، لتحليق طائرة الهوليكبتر.
وفي حادثة فريدة، يؤكد بدران، ان الراحل الحسين فكر بتغيير ولاية العهد، من الأمير الحسن، إلى ولده من الملكة علياء، الأمير علي ابن الحسين نهاية السبعينيات، حيث كان لبدران وجهة نظر، قدمها للحسين.
 وكان بدران تحدث في حلقة أمس عن جوانب مهمة من سلسلة اللقاءات التاريخية التي جرت في نهاية سبعينيات القرن الماضي بين الحسين والراحلين الرئيس المصري أنور السادات، والرئيس السوري حافظ الأسد، والتي كان بدران شاهدا عليها، مستعرضا جهود الوساطة الأردنية لتقريب وجهات النظر بين القاهرة ودمشق، كما تحدث عن جملة الضغوط الأميركية على الأردن لدفعه لتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل إلى جانب مصر.
وفيما يلي نص الحلقة العشرين.
* هل كان لك رأي في الموقف الأردني من الثورة الإيرانية، وهي الثورة التي وقعت وأنت رئيس للحكومة عام 1979، وكانت هناك علاقة تربط الراحل الحسين بشاه ايران؟
- أنا كان لي رأي، لم أغيره في شاه إيران محمد رضا بهلوي، حيث كنت اعتبره شخصا جبانا، وقلتها للراحل الحسين، كان انطباعي عنه مدعوما بموقف قاله لي ذات مرة رئيس الوزراء الإيطالي (برتيني)، الذي زار عمان، حيث قال لي إن الشاه، الذي هرب قبل الثورة بنحو عامين، نتيجة اضطرابات في طهران، وهرب إلى إيطاليا، هو جبان، وقد شعر (برتيني)، وقد كان حينها موظف مراسم في الخارجية الايطالية، بحزن شديد على الشاه، وفي احدى المرات ذهب (برتيني) للكازينو فوجد فيه الشاه، ومباشرة غيّر من وجهة نظره به.
لما بدأت الاضطرابات في طهران تشتد، العام 1978، قدرت، بأنها قد تكون حاسمة في حكم الشاه. في احدى المرات، وكان يتحدث وزير الأوقاف كامل الشريف، بأنه على علاقة طيبة مع وزير خارجية الخميني المقيم في باريس.
مباشرة طلبت منه، أن يذهب لزيارته في باريس، وأن يحاول ترتيب موعد لمقابلة الراحل الحسين بالخميني، وكنت أريد أن نوثق علاقاتنا بالنظام الإيراني الجديد، ويكون لنا مدخل للتعامل معهم.
غادر الشريف إلى باريس، وبالصدفة، عرفت بأن الحسين يريد زيارة طهران، ويلتقي الشاه، ذهبت مسرعا إلى الحسين، وأبلغته بأننا يجب أن نقوي علاقتنا بالنظام الإيراني الجديد، وليس النظام الإيراني المخلوع، وأننا فتحنا قناة اتصال مع الخميني.
الحسين، رحمه الله، أصر على زيارته لطهران، وطبعا فشلت جهود الوساطة، التي قام بها الشريف، والغيت فرصة اللقاء، والسبب بأن الخميني، كان لا يريد أن يكون لقاؤه بالملك الحسين، بعد زيارته لطهران، تبدو وكأنها وساطة بين الشاه والخميني، وتبرد نار الاحتجاجات التي كانت تعم شوارع طهران.
لما عاد الراحل الحسين من طهران، ولدى استقبالي له بالمطار، وقبل أن يسلم علي قال لي: بأن الشاه فعلا كما قلت عنه، رجل جبان، وسألته لماذا؟ فقال رفض الشاه اقتراح الحسين الذهاب معه إلى قم، ولقاء القيادات الشيعية فيها، فهناك الملك يحظى باحترام شديد، كونه من آل البيت، لكن الشاه خاف من الذهاب مع الحسين.

 * بالعودة للإغراق في الشأن المحلي، كانت لك محطة مهمة، في مكافحة الفساد، وحولت أكثر من 40 موظفا للمحاكمة بتهمة الرشوة، وذلك قبل أن تستقيل من حكومتك الأولى في العام 1979؟
-نعم، كان وزير المالية محمد الدباس، وكان مدير عام الضريبة عبد الله النسور (رئيس الوزراء الحالي)، كما كان مدير المخابرات أحمد عبيدات، وهم جميعا، أصحاب الفضل في تلك اللحظة، التي أعدنا من خلالها، اعتبار النزاهة والشفافية للجهاز الإداري الرسمي، وعرف من خلال ذلك الموقف أهمية نظافة البيروقراطية الرسمية، التي أردنا لها أن تكون مؤشرا على عدالة ومساواة واستقامة الجهاز الرسمي، وفعلا حولنا قرابة الـ 40 من موظفي الضريبة للمحكمة بتهمة الرشوة، ولم أكن أقبل بأقل من ذلك الحكم بعد الكشف عن ذلك.
فالفساد آفة الحكومات، ومتى توغل في الجهاز الإداري الحكومي، تكون النهاية قد اقتربت، فإذا غابت جهود مكافحة الفساد، فاعلم بأنك كمسؤول تشارك بالفساد، حتى لو لم يدخل جيبك قرش واحد.
لقد كان هدفنا منذ اليوم الأول لي في العمل الحكومي، أن نبتعد عن هذه الشبهات، وأنه يجب أن يكون الجهاز الإداري الحكومي نقيا من مثل هذه التهم، لأنها تهمة لا تفقد المواطن الثقة بالدولة وحسب، لكنها تجعل المواطن أيضا فاسدا، لا يعترف بقانون ولا يعترف بمسؤول يطبق القانون.
وذكرت لك، كيف أن أحد الوزراء دخل عليّ مفتخرا، بأن صديقا له من رجال الأعمال، وعندما عرض على موظف الرشوة، حتى يعجل له في إجراءات معاملته، قال: ما دام مضر بدران على كرسيه، أتمنى أن لا تعيد مثل هذا القول، في مكتب الوزارة، ولقد استكمل كل من عبد الحميد شرف وأحمد عبيدات في حكومتيهما هذا الجهد، وقد استطعنا في تلك الفترة استعادة الثقة بالجهاز الإداري الحكومي والرسمي، لا أقول بأننا قضينا على الظاهرة، ولكن أقول بأننا كافحناها بجدية حقيقية.
*في العام 1977 توفيت الملكة علياء، ماذا عن تفاصيل الذاكرة السياسية حول هذا الحدث؟
-قبل مغادرة الملكة علياء رحمها الله إلى محافظة الطفيلة، وهي الزيارة الأخيرة التي قامت بها قبل وفاتها، بعثت الملكة للراحل الحسين بورقة، أثناء اجتماعنا على الغداء مع أمين عام الأمم المتحدة كورت فالدهايم، وكانت الورقة لتخبر الراحل الحسين بنيتها المغادرة إلى الطفيلة بالطائرة، فرد الراحل عليها بأن الأجواء غير ملائمة، لتحليق طائرة الهوليكبتر، لكن الملكة رحمها الله أصرت على الذهاب، وكان معها الطيار الخاص لجلالة الملك بدر ظاظا، ووزير الصحة محمد البشير، ومرافقها العسكري، رحمهم الله جميعا.
بعد انتهاء الاجتماع، ومغادرتنا، اتصل الراحل الحسين معي، وأبلغني بأن الاتصال مع الطائرة التي تحمل الملكة علياء قد انقطع، ورجح سقوط الطائرة، لكنه أبقى على أمل ضعيف بأن تكون المشكلة أقل من ذلك، وكان الراحل الحسين يضع جهاز الاتصال الخاص مع الطائرة في غرفة نومه.
وصل الخبر الصاعق، بأن الطائرة سقطت، وأن جميع من على متنها توفاهم الله، وهذا ما أبلغني إياه عبد الحميد شرف، الذي كان رئيسا للديوان.
ركب الراحل الحسين طائرته، وكان معه حميدي الفايز، وبعد أن نزل حميدي ورأى هول الكارثة، منع الراحل الحسين من النزول من الطائرة، فالمشهد كان صعبا ومؤلما، على كل من رآه.
اعتكف الراحل الحسين طويلا في بيته، وبقي جالسا لمدة في غرفة نومه، لا يعمل سوى الصلاة، وقراءة القرآن، وكان لا أحد يجرؤ على الدخول على غرفة نومه.
وفي ذات مرة، سألت عنه، فقالوا لي بأنه جالس في غرفة النوم وحده، مباشرة دخلت إلى هناك، طرقت الباب، وأذن لي بالدخول، وسألته بحزم: ما بدنا نشتغل لقد توقف العمل تماما؟!، وهذه بلدك يا سيدي، وانت المسؤول عنها، وما حدا بقدر يشتغل شغلك.
وفعلا، بعدها استعاد الراحل الحسين همته ونشاطه، وسلم بأمر ربه، وحاول أن يخفف كثيرا من آثار حزنه واعتكافه.

*هل صحيح أن الراحل الحسين كان ينوي تسمية ابنه (الامير علي بن الحسين)، من الملكة علياء، وليا للعهد عند ولادته؟
-نعم؛ والأمير الحسن اعتقد بأني وراء الموضوع، لكن هذا ليس صحيحا. لما كنت رئيسا للوزراء، وعبد الحميد رئيسا للديوان، قال الراحل الحسين، بأنه ينوي تغيير ولاية العهد، من شقيقه الأصغر الأمير الحسن، لابنه من الملكة علياء، رحمها الله، الأمير علي.
فوجئت من طرح الراحل، وقلت له: نعم! ثم قدمت وجهة نظري للحسين في الموضوع، وقلت "هذا الكلام يؤثر علينا كثيرا، ويبعث بشحنة قلق أمني في البلاد".
وقلت ايضا "نحن لسنا بصدد التفكير بتغيير ولاية العهد، ولا هي من الأولويات الوطنية اليوم، الأمير علي ما يزال طفلا، والأمير الحسن، اكتسب الخبرة، وقد نكون بحاجته اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ثم أنك من ربيت الأمير الحسن، وهو كواحد من أبنائك، فأرجوك يا سيدي أرجئ فكرة تغيير ولاية العهد، حتى وقت آخر، لا نريد أن نبدو مهزوزين أمام المحيط الساخن من حولنا".
طبعا، تدخل عبد الحميد شرف، الذي أيقظني بمداخلته، وقال للحسين رحمه الله: إن ابو عماد لا يقصد الإساءة، إنما يقول ذلك من باب حرصه على النظام واستقرار البلاد، وهو محب لوطنه ومليكه.
فصحوت على نفسي، بأني بالغت في انفعالي أمام الراحل الحسين.
*كيف كلفك الراحل الحسين برئاسة الوزراء، بعد وفاة الشريف عبد الحميد شرف، وبعد استقالة رئيس وزراء المرحلة الانتقالية قاسم الريماوي؟
-لقد تألمت كثيرا على وفاة عبد الحميد، فهو رجل معدنه نادر، ورجل حقيقي، ومن أهم صفاته، رحمه الله، الاستقامة والنزاهة والإخلاص في العمل، بالنسبة لي كنت أرتاح جدا خلال تعاملي مع هذا الرجل، لما كنت رئيسا للحكومة قبله، وهو كان رئيسا للديوان الملكي، وكنت أشعر بانني مع عبدالحميد أعمل وأنا مطمئن، وكنا نتنافس على خدمة البلد، ولم نكن نتنافس على الإطاحة بأحد.
لم أكن أعلم بأن عبد الحميد رحمه الله كان يعاني من مرض القلب، ولو كنت أعرف بذلك، لما رشحته للراحل الحسين، لأن يكون رئيسا للحكومة، لأن العمل الحكومي لمن يريد أن يكون جادا هو متعب ومرهق، ومؤذ، وعبد الحميد كان مثالا للرجل العام المجتهد والجاد.
وشرف أخلص بصورة منقطعة النظير، وكان حيويا ونشيطا لدرجة ملفتة، كنت بعد تشكيله الحكومة بمدة، قد قررت أن أسافر مع عائلتي إلى الولايات المتحدة، وأريد أن أمضي إجازة طويلة هناك، فقد تعبت جدا من المدة الطويلة في العمل رئيسا للوزراء، بين عامي 1976 وحتى 1979.
بعد مضي 5 أشهر توفي عبد الحميد، واتصل معي الراحل الحسين، وأنا في أميركا، وعزاني بوفاة شرف، صدمت، فقلت له بأني سأعود لعمان، لأكون في جنازته، حاول الحسين منعي فرفضت.
تركت أبنائي في واشنطن، وأبلغت السفارة هناك، بأن يرتبوا لهم بعض أمور الحجز والإقامة، وعدت إلى عمان، واقمت مدة العزاء كاملة، وبعدها عدت لأميركا، وأنا أغادر قال لي أحمد اللوزي، رحمه الله، وكان رئيسا للديوان، بأن علي أن لا أتأخر في العودة إلى عمان، لم أتوقف طويلا عند ما قاله اللوزي وغادرت.
وشعرت بذنب ثقيل، فأنا من رشح عبد الحميد شرف للمسؤولية، والمسؤولية هي من قتلته. بقيت لفترة وأنا غير مصدق حقيقة وفاته.
بعد أن مكثت في أميركا نحو شهرين، عدت إلى عمان، ولم أخبر أحدا عن عودتي، حتى مطلع الأسبوع الجديد، اتصل معي وزير البلاط عامر خماش، وجاء لزيارتي في البيت.
وما أن عرف الناس بأني عدت لعمان، حتى امتلأ البيت بالمهنئين، وإذ بإشاعة عودتي للحكومة، تسري بين الناس، وأنا آخر من يعلم.
وكانت زيارة خماش لي بهدف أن يعرف إن كنت سأوافق على العودة للحكومة، فقد أبلغت الراحل الحسين، لما تركت الحكومة العام 1979، بأني لن أقبل العودة مجددا، بعد الذي عرفته من التعب وواجهته من الصعاب.
ولما كلفني الحسين بتشكيل الحكومة تحت ضغطه علي، قال لي أن الناس صاروا يُقتلون بالشوارع، ويريدني أن أضع حدا أمنيا، لأي تجاوزات أمنية استخباراتية، فقد اغتيل في عمان اللاجئ السياسي السوري عبد الوهاب البكري وقتها، وامتثلت لأوامره، ولما رأيت عبد الحليم خدام، بعد تشكيل الحكومة، وكنا في احدى الاجتماعات الرسمية، قلت له بأن عليهم أن يتوقفوا عن أي خطط تستهدف الأمن الأردني، ولو كنت رئيسا للحكومة، وقت اغتيال البكري، لسلمت فعلا القاتل، الذي نفذ عملية الاغتيال في عمان، وكان سوري الجنسية، جثة هامدة.
وفعلا، قبلت بتشكيل الحكومة، إكراما لذكرى عبد الحميد شرف، وليس لسبب آخر.
وكان من الأسباب الأخرى، التي جعلت الراحل الحسين يعيدني للحكومة، هو استضافة عمان لمؤتمر القمة العربية العام 1980.

* ومباشرة، كان أول ملف من ملفاتك، التي أبلغك الراحل الحسين بها، هو إبعاد قيادات الاخوان المسلمين السوريين من عمان، وهي خطوة قام بها الحسين مع المرحوم عبد الحميد شرف، وكنت لا تعلم بها بسبب وجودك خارج الحكومة؟
-لقد سألني الراحل الحسين، إن كنت على علم بالأمر، وقلت له بأن شرف لم يسبق وأن أتى على ذكر الأمر، فقال بأنه ساعد الاخوان المسلمين، الذين لجأوا إلى الأردن، على السفر لدول عربية أخرى، والسبب بأنه لا يريد أي سبب لتوتير العلاقات الأردنية مع سورية، وفعلا فقد كان حافظ الاسد كثير الشكوى منهم.
وأذكر بأن إخوانا مسلمين من سورية لجأوا إلى الأردن، وأذكر بأن الرئيس حافظ الأسد قال للراحل الحسين، خلال جنازة جوزيف بروز تيتو، في العام 1980، عن مشكلة إخوان سورية المقيمين في الأردن.
وقد كلفني الملك، وأحمد عبيدات الذي أصبح وزيرا للداخلية في حكومتي، في شهر آب "اغسطس" 1980، أن نزور دمشق، ونتحدث للأسد عن المعلومات التي في حوزتنا.
قابلت الرئيس السوري الأسد، ليبلغني بأن الاخوان المسلمين في الأردن يتآمرون عليه، وانهم يجتمعون في منطقة الرصيفة، وحدد لي لون باب مكان الاجتماع، ووصفه بأنه "باب زينكو مدهون بلون أخضر".
كان احمد عبيدات، لم يمض على خروجه من المخابرات فترة بسيطة، فهو انتقل من العمل مديرا لدائرة المخابرات إلى الحكومة وزيرا للداخلية، وبعد أن سألته، أكد لي بأن معلومات الأسد ليست صحيحة، وأن المنطقة التي يتحدث عنها، فيها نحو 280 باب "زينكو جميعها مدهونة بلون أخضر".  لكنه بدأ فعلا بتجميع المعلومات عن الأمر، واستطاع أن يحدد طبيعة المشكلة.
مباشرة، طلبت لقاء الأسد، وغادر معي عبيدات، وطلبت من ابو ثامر (عبيدات) أن يتحدث بكل ما لديه من معلومات أمام الأسد، وهي تعليمات الراحل الحسين له، وأن يتعامل أمام الرئيس السوري كما يتعامل أمام الملك الحسين، فلا يوجد عندنا ما نخفيه عن السوريين، من معلومات، خصوصا وأنهم يتهموننا بالتآمر.
وأبلغت الأسد، قبل أن يبدأ عبيدات بالحديث، بأننا نتبع اسلوبا مهنيا فنيا في التحقيق، وتدقيق المعلومات، ولا نتبع اسلوب الضرب والتعذيب، وكيف لي أن أعاقب سكان منازل منطقة عدد أبوابها 280 بابا، وأزعج كل من في تلك المنازل، مقابل معلومات للمخابرات السورية، غير دقيقة، وأننا حققنا في الأمر، لكن ليس على طريقتهم، فأسلوب الإكراه والإرهاب سيضلل معلوماتنا، ولن يأتي لنا بالحقيقة، التي نبحث عنها، وبأننا لن نغير طريقتنا تحت أي ظرف.
تحدث عبيدات بكل وضوح، وعُرف عن عبيدات قدرته على شرح المعلومات الأمنية، التي يملكها، وعرضها بمنتهى المهنية، وشرح له الموقف، وقدم كل ما بحوزته من معلومات.
بعدها قلت للأسد: إن الإخوان المسلمين ليسوا هدفا عندنا، وسألت الأسد، بأنك تتعاون مع الحزب الشيوعي السوري، وهو حزب يشارك بالحكومة، ويدعم النظام السوري، فهل اشتكينا بيوم من الأيام من أن الشيوعيين يتآمرون علينا، ويريدون اسقاط النظام الأردني؟
وتابعت: "كما انت متحالف مع الشيوعيين، نحن متحالفون مع الإخوان المسلمين، وهم لا يشكلون أي خطر على النظام الأردني، وهم مع النظام وليسوا ضده".
وتابعت ايضا "نحن يا فخامة الرئيس، بيننا اتفاقية دفاع مشترك، وأمنكم اليوم من أمننا، ونحن لا نغير اتفاقاتنا، لأن عدونا مشترك، وهي اسرائيل، ولا نريد أن نكون مصدر قلق لبعضنا، ويجب أن نتفرغ لمواجهة عدونا الواحد".
وأبلغته بأننا، وقبل أن يشتكي الرئيس من الإخوان المسلمين، اتينا بقياداتهم، وحذرناهم من اللعب بالأمن السوري، من عندنا، فنحن لا نقبل ذلك.
وأذكرك بموقفي من العراق، عندما ضللنا السوريون، وقالوا بأن العراقيين يحشدون على حدودهم، فحشدنا نحن على حدود العراق لحماية سورية، منعا للعبث بالأمن السوري من خلالنا، ومن خلال حدودنا، أوقفناها ومنعناها عن القيام بمثل هذه الأعمال، كما ذكرت لك سابقا.

*الغريب، انه وفي أعقاب الحديث عن إعلان الوحدة الأردنية السورية، انقلبت الأمور تماما، وصارت سورية، مصدر قلق أمني للأردن، بداية ما السبب؟
-السبب كان موقفنا المعلن من دعم العراق في الحرب العراقية الإيرانية، وموقف السوريين المعلن من دعم إيران، ولذلك حشد السوريون على الحدود الأردنية، في محاولة لقطع الطريق على إمداد العراق، عن طريق ميناء العقبة. خاصة قطع امدادات الجيش العراقي من ميناء العقبة خلال الحرب مع ايران.
وكنت تحدثت لك كيف واجهنا مثل هذا الحشد على الحدود السورية، وكيف جندنا اكثر من 17 الف عسكري في تلك الفترة، لنخفف الضغط عن الحدود السورية، وقد افاد ذلك كثيرا.
تنويه من مها ومهند الخطيب
السادة جريدة الغد. 
عملاً بحق الرد، على ما نُشر في صحيفتكم يوم السبت ٢٠١٥/٢/١٤ وضمن الحلقة الواحدة والعشرين، من "سياسي يتذكر"، نرجو نشر ردنا هذا على ما ذكره السيد مضر بدران في تلك الحلقة وفي نفس الصفحة: 
 بالفعل، قام المغفور له الملك حسين بزيارة لدار المسنين في الشونة الجنوبية، والتي أشار إليها السيد بدران في حديثه لصحيفة الغد. لكن دولة الباشا، فاته أن يذكر، أو ربما لم يعلم، أن الملك حسين، رحمه الله، زار الدار، بناء على معلومات بعث بها محافظ البلقاء آنذاك، محمد الخطيب، للديوان الملكي، حول الأوضاع المزرية التي يعيشها المقيمون في الدار، وأن الخطيب كان قد خاطب الجهة المعنية مباشرة، بالوقوف على أوضاع دور المسنين، وهي وزارة التنمية الاجتماعية، يشرح لها تلك الاوضاع، وطالباً منها المساعدة في تحسين اوضاع تلك الدار في الشونة الجنوبية. غير أن الرد جاء من الوزارة بأنها لا تملك المخصصات المطلوبة لتحسين أوضاع تلك المنشأة.
قبل أيام من زيارة الملك، علم المسؤولون في وزارة التنمية الاجتماعية بأن الملك ينوي القيام بزيارة لدار المسنين. وعلى الفور، وبناء على تعليمات من الوزارة، هرع عدد من موظفي الوزارة للقيام بأعمال "تنظيف" سريعة حتى تظهر المنشأة أمام جلالة الملك بصورة مخالفة للواقع. وبحسب البرنامج المعدّ سلفاً من الوزارة، كان من المفترض أن يقوم الملك بتفقد بعض أجنحة الدار "النظيفة"، حرصاً على إظهارها بأفضل شكل ممكن، تجنباً لإثارة غضب الملك. غير أن المحافظ محمد الخطيب غيّر مسار الزيارة، وأصرّ على أن يرى الملك المكان على حقيقته، فاصطحبه إلى بعض المرافق التي كانت لا تزال في حالة مزرية، ولم تكن ضمن جدول الزيارة.
استشاط الملك حسين غضباً مما رآه، ووجه توبيخاً حاداً لمضر بدران شخصياً.
حينها اقترب بدران من المحافظ الخطيب، وقال له: اصمت، من طلب منك أن تُخبر الملك عن هذه الأمور؟؟ هذا مش شغلك!
اللافت أنه خلال هذه الدقائق، من الهرج والمرج، انتبهت جلالة الملكة نور إلى وجود مشكلة ما، فسألت المحافظ محمد الخطيب عمّا يجري فأجابها: رئيس الوزراء مضر بدران يريدني أن أكذب على الملك، وألا أطلعه على حقيقة الأوضاع كما هي في دار المسنين. صُدمت الملكة نور، وطلبت من المحافظ الاهتمام شخصياً بالمسألة.
كنا نتمنى لو كان الوالد، رحمه الله، على قيد الحياة، ليروي هذه القصة، ويرد بنفسه على ادعاءات السيد بدران. ولكن غيابه اضطرنا للقيام بذلك، خاصة وأننا كنا على اطلاع على تفاصيل هذه القضية، بحكم أن الوالدة كانت في حينها ناشطة في "جمعية الأسرة البيضاء" التي تُعنى بشؤون كبار السن، وهي الجهة التي أثارت موضوع دار المسنين أصلاً.
لم يكن الوالد، رحمه الله، يخفي علينا سوء العلاقة بينه وبين مضر بدران. فالسيد بدران، حين تولى رئاسة الحكومة، قام على الفور بنقل محمد الخطيب من منصبه كمدير عام للإذاعة الأردنية، وعينه محافظاً في الكرك، ثم محافظاً في معان، التي كانت حينها أبعد محافظة عن العاصمة عمّان. وقد ذكر العديد من المطلعين على تفاصيل الأمور حينها بأن السيد بدران ردد في أكثر من مرة، أنه لو كان هناك محافظة أبعد من معان، لنقل الخطيب إليها. كان الهدف من وجهة نظر بدران، هو "نفي" الخطيب بشكل أو بآخر.
كما لا يخفى على الكثير من المسؤولين، ممن عاصروا السيد بدران، نزعته لقمع من كان يخالفه الرأي، أو ينتقد أسلوبه في إدارة شؤون الدولة. وهذا ربما يعود لخلفيته الاستخباراتية، الرافضة لأي آراء مغايرة. كما كان في كثير من الأحيان يخاطب المسؤولين بازدراء، وبنبرة فوقية، أقرب إلى نبرة أستاذ مدرسة، من خمسينيات القرن الماضي. وقد ذكر لنا الوالد أنه خاطب الحكام الإداريين، في أحد الاجتماعات، بالقول: "أنا بحبس...أنا بكسّر روس"، وهو الأسلوب، الذي لم يقبل به الوالد، وقد عبّر عن اعتراضه على ذلك، في عدة مناسبات، أمام رئيس الوزراء نفسه، وعلى مسمع من الحضور.
كنا نتوقع من دولة الباشا، لو كان يقصد بالفعل أن يروي تفاصيل تلك الحقبة، كما جرت، وليس كما يتخيّل مجرياتها، أن يقول ما له وما عليه، وأن يكون موضوعياً ودقيقاً في نقل الأحداث، لا أن ينقلها بالشكل، الذي يحسن من صورته ويخدم سجلّه، في مجال العمل العام.

 مها ومهند / ابنا المرحوم محمد الخطيب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:19 am

الحلقة الواحدة والعشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: رفعت الأسد وراء مخطط اغتيالي في مطلع الثمانينيات


مضر بدران وحرمه وعدد من كبار المسؤولين مطلع الثمانينيات في انتظار وصول ضيف اجنبي بمطار عمان
محمد خير الرواشدة
عمان -  يكشف رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، في حلقة اليوم، من حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، بعض تفاصيل محاولة اغتياله في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بعد عودته لرئاسة الحكومة.
ويؤكد بدران بأن محاولة الاغتيال تزامنت مع فترة سوء العلاقات الأردنية السورية، لكنه يؤكد أيضا بأن العملية كانت مكشوفة لدائرة المخابرات العامة، التي كان يديرها مدير المخابرات الأسبق طارق علاء الدين بنفسه، ومساعده رجائي الدجاني.
ويضيف بدران أنه استنتج لاحقا، بأن تلك العملية كانت لا تستهدفه سياسيا، بل تستهدف حافظ الأسد، بهدف تعكير صفو علاقاته مع دول الجوار، وإضعاف جبهته الداخلية تمهيدا للانقلاب الذي كان يخطط له رفعت الأسد، شقيق الرئيس الاسد.
ويكشف بدران اليوم النقاب عن قصة إهدائه لمركبتين من قبل الراحل الحسين، حيث أهداه الحسين سيارة مصفحة بعد فشل محاولة الاغتيال، وهي السيارة التي أتى بها رحمه الله بنفسه، من كراجه الخاص، فيما كان أهداه أول سيارة بعد خروجه من المخابرات نهاية الستينيات.
ويؤكد بدران بأنه ما زال يحتفظ بالمركبتين ويستخدمهما في المناسبات الرسمية.
وعن تشكيل المجلس الوطني الاستشاري، كبديل لمجلس النواب الغائب بسبب ظروف احتلال الضفة الغربية، أكد بدران بأن الحسين كان ينظر للمدى البعيد، وكان يريد للشخصيات السياسية، أن تشارك في مسؤولية القرار السياسي، ولو من منطلق النصيحة والاستشارة.
ويصف بدران ذلك المجلس بأنه كان مجلسا قويا، بشهادة السياسيين في تلك المرحلة، وبأن أنزه انتخابات لم تكن لتأتي بهؤلاء جميعا، أعضاء في مجلس النواب.
 كما يروي بدران قصة شراء فندق ليكون بديلا لدار المسنين في الشونة الجنوبية، وذلك بعد زيارة الراحل الحسين والملكة نور، لدار للمسنين في الشونة، وهي الزيارة التي جاءت بعد تسلمه الحكومة بأيام قليلة، واستدعي لمرافقة الحسين بالزيارة.
وكان بدران تحدث في حلقة أمس عن جوانب مهمة من لحظات الثورة الإيرانية، كما تحدث عن اللحظات الفاصلة قبل وفاة الملكة علياء رحمها الله، كما كشف عن تفكير الحسين بتغيير ولاية العهد من أخيه الحسن إلى ولده من الملكة علياء الأمير علي بعد ولادته العام 1975، وكيف أن بدران كان له رأي مخالف للراحل الحسين.

وفيما يلي نص الحلقة الواحدة والعشرين.
* في حكومتك التي شكلتها بعد وفاة الشريف عبد الحميد شرف واستقالة قاسم الريماوي الذي تسلم رئاسة الحكومة 60 يوما، أبقيت على سابقة في تاريخ الحكومات الأردنية، وهي بقاء المرأة في موقع وزير؟
-هي سابقة، يُسجل الفضل فيها لعبدالحميد شرف، وهي فكرة استلهمها من رغبة الملك الحسين رحمه الله في أن تكون المرأة وزيرة في الحكومات، وهو شكل حضاري كان له أثره الطيب على سمعة المملكة في الداخل والخارج.
لما شكلت الحكومة، بعد وفاة عبدالحميد شرف الذي توفي وهو في منصبه، واستقالة الريماوي، قدمت قائمتي للراحل الحسين وكان لا يوجد فيها امرأة.
وسألني الملك، عن سبب عدم إبقائي لإنعام المفتي في الحكومة، فقلت له بأني أنوي أن آتي بناصر الدين الأسد وزيرا، حتى يتم منحه لقب معالي، وهو الذي كان يشغل موقع رئيس مؤسسة آل البيت، وهو مركز له رونقه، وكنا نحتار في أدبيات مخاطبته، وقلت للراحل الحسين، إنني أنوي بعد مدة من الزمن إجراء تعديل وزاري، يخرج بمقتضاه الأسد، وآتي بليلى شرف، زوجة عبد الحميد وزيرة في الحكومة، وهي مدة تكون ليلى قد خف فيها حزنها على زوجها الفقيد.
مباشرة، قال لي الحسين رحمه الله: أنت لا تريد أن تدخل نساء معك في الحكومة، وتابع بأن عليّ الإبقاء على إنعام المفتي.
طبعا، وافقت ولم أخالف الأوامر، وبعد تشكيل الحكومة بنحو أسبوعين، جاءتني المفتي وسألتني عن سبب عدم رغبتي أن تكون وزيرة معي في الحكومة، خصوصا وأن زملاء لها أبلغوها بالأمر.
بصراحة، كنت احترم كثيرا انعام المفتي، كما كان لي علاقة زمالة وصداقة مع زوجها الذي كنا نعمل معا في قيادة القوات المسلحة في بدايات عملي مشاورا عدليا.
لما جاءت وسألتني، قلت لها بأني عادة لا أُسأل مثل هذه الأسئلة، ولا أحب أن أجيب عنها، لكن ما دمت قد سألتِ، فعليك تحمل الإجابة.
وقلت لها: بأني سألت عنها زملاء لها في حكومة شرف، وقالوا بأنك "تتحدثين كثيرا وتعملين قليلا"، وهذا عكس طبعي تماما، وفعلا هذا كان جواب زملاء لها، وهذا سبب عدم رغبتي أن تكون وزيرة في الحكومة، وأبلغت الراحل الحسين عن رأيي هذا، لكنه ألزمني بأن تكون وزيرة معي في الحكومة.
*وماذا عن قصة دار المسنين التي قمت ببنائها في أقل من 24 ساعة؟
-هي قصة حقيقية، لكننا لم نبن تلك الدار، بل لها قصة مختلفة قليلا.
في احدى المرات، زار الملك الحسين والملكة نور، دارا للمسنين في الشونة الجنوبية، كان لم يمض على وجودي في الحكومة سوى يومين أو ثلاثة، واستدعيت لمرافقة الملك الحسين بالزيارة.
كنت أعلم قليلا عن وضع دار المسنين تلك، وكنت أعتزم زيارتها فعلا، لكن سبقني الراحل الحسين للأمر.
وصلنا مكان دار المسنين، وإذا بالوضع مأساوي، لدرجة لا تصدق، وأن المسنين الطاعنين في السن يقيمون في العراء، بوضع بائس للغاية، ملابسهم متسخة، وأدويتهم ملقاة في الشارع، لا طعام ولا ماء، ولا أي شكل من أشكال احترام أعمارهم.
نظر الملك للواقع، وشعرت بنوبة انفعال، سيبدأ بها الحسين، وكنت أعرف من ضغطه على أسنانه حجم توتره.
جاء محافظ السلط محمد الخطيب، ليشرح أسباب ذلك، فوقف في مواجهة الحسين ليبرر، ومباشرة طلبت منه أن يصمت، وأن يذهب بعيدا، ووعدت الملك، بأني سأتدخل لتصويب الأوضاع فورا وبسرعة، وقال لي الحسين أريدها منك أنت، وليس من أحد آخر، وأبلغته بأنه في تمام الساعة العاشرة، في اليوم التالي، يستطيع أن يزور دار المسنين، ويجد تحولا كاملا في أوضاعهم.
غادرت إلى مكتبي بعدها، ومن شدة الأوضاع الكارثية التي رأيت فيها المسنين، لم أعد أفكر بشيء سواهم، مباشرة اتصلت بفندق، يقع بين منطقة مرج الحمام وناعور، وطلبت صاحبه، وقلت له بأني أريد شراء الفندق، وقال بأنه موافق، واتفقنا على السعر على الهاتف، وقلت له منذ هذه اللحظة، صار الفندق ملكا للحكومة، وسأحاسبه إن نقص من الفندق "كاسة" شاي، اتصلت بوزير المالية، وكان سالم مساعدة، وطلبت منه تأمين المبلغ لصاحب الفندق.
وكنت قد طلبت من صاحب الفندق، أن يبقي على العاملين فيه، كل في موقعه، وهم من هذه اللحظة صاروا موظفين حكوميين، وأمرت بنقل المسنين الى الفندق في المساء.
وطلبت من وزير التنمية الاجتماعية انعام المفتي أن تشرف فقط على نقل المسنين من الموقع القديم إلى الموقع الجديد، ولم أطلب منها أي شيء آخر.
وصل المسنون لغرفهم الجديدة والمؤثثة بأثاث فندقي معقول جدا، وأقاموا هناك.
في اليوم التالي، ذهب الراحل الحسين إلى دار المسنين، ولم أرافقه، بسبب انشغالي بمهامي الجديدة، في رئاسة الحكومة، لكني عرفت لاحقا، بأنه كان مرتاحا للإجراءات، ولتكريم المسنين بمكان لائق ومحترم.
*ماذا عن محاولة اغتيالك في مطلع الثمانينيات، وهل كان وراءها فعلا النظام السوري؟
-هي امتداد لسوء العلاقات الأردنية السورية، وكانت العملية مكشوفة لدائرة المخابرات العامة، وكان يدير العملية مدير المخابرات طارق علاء الدين بنفسه ومساعده رجائي الدجاني، لم أكن خائفا من فكرة الاغتيال، لكن بقيت أفكر لماذا يريد حافظ الأسد اغتيال رئيس وزراء الأردن، وما مصلحته في الأمر، خصوصا وأن الخلافات بيننا في تلك المرحلة، لم تكن تستدعي اتخاذ موقف متطرف لهذه الدرجة، وبما يمثله من تطور سلبي على مستقبل العلاقات بين البلدين.
وبدأت التحقيقات، تفيد بوجود مقدم من سرايا الدفاع، التي تعمل تحت قيادة رفعت الأسد، شقيق الرئيس حافظ، وكان من سينفذ العملية هو عقيد في هذه الوحدة العسكرية.
قلت لك، بأني لم أشك للحظة بالقدر، فمتى سيكون أجلي، فلا مفر من القضاء، ولكن أيضا كنت مطمئنا بأن أجهزتنا الأمنية متيقظة لمثل تلك العمليات، وأستطيع القول أيضا بأن طارق علاء الدين، هو ضابط ألمعي، لا يترك مجالا في التفاصيل إلا ويحتاط لها جيدا.
كنت ما زلت أسكن في شقتي في اسكان الجمعيات الخيرية في منطقة الشميساني، وكنت في كثير من الأحيان أقود سيارتي الحكومية بنفسي، وكان سهلا عليهم تنفيذ العملية.
وتم إلقاء القبض على فريق عملية الاغتيال، في إحدى الشقق في منطقة صويلح، وانتهى الأمر بذلك.
وبقيت أبحث عن سبب اغتيال الأسد لي، وبعدها قرأت في كتاب أعده ونشره كاتب فرنسي بأن الخلافات التي كانت بين حافظ الأسد ورفعت الأسد وصلت لمستوى تنفيذ رفعت انقلابا على أخيه حافظ، وتم كشف تلك المحاولة، ومحاسبة رفعت ونفيه خارج سورية.
وعندها، أدركت بأن العملية كانت لا تستهدفني أنا سياسيا، بل تستهدف حافظ الأسد، ولتعكير صفو علاقاته مع دول الجوار، وإضعاف جبهته الداخلية تمهيدا للانقلاب ونجاحه.
وكانت عناصر سرايا الدفاع فعلا هي من تقوم بهذه العملية، وهي تحت إمرة وقيادة رفعت الأسد.
بعد تلك العملية، أهداني الراحل الحسين، سيارة مرسيدس 500 مصفحة، فقد كانت سيارة الحكومة المصفحة، التي أستخدمها، بالكاد تمشي، بسبب وزنها الثقيل، وكانت من نوع (كاديلاك)، وقال الحسين بأن هذه السيارة الجديدة أفضل للحركة والتنقل.
لقد أتى بها رحمه الله بنفسه، من كراجه الخاص، وكنت أنا وأحمد عبيدات، وهي سيارة قال عنها الحسين، بأنها هديته لي، وما زلت أحتفظ بها، ولا أخرج لمناسبة رسمية إلا بها، وكانت ثاني سيارة يهديني إياها الراحل الحسين رحمه الله، بعد أول سيارة امتلكتها في حياتي، والتي كانت سيارة 280 S، والتي ما زلت أحتفظ بها أيضا، واحتفظ بالسيارتين في كراجي الخاص وما تزالان تعملان بكامل كفاءتهما.
* لكن أنت حدثتني عن السيارة الأولى التي امتلكتها والتي أيضا أهداك إياها الراحل الحسين؟
-كان هذا في نهايات العام 1969 وبدايات العام 1970، فلما تقاعدت من دائرة المخابرات، وانتقلت للعمل أمينا عاما للديوان الملكي، لم أكن أملك سيارة خاصة، وعندما كنت مشاورا عدليا لشؤون التحقيقات، كان معي سيارة عسكرية للجيش، ولما انتقلت للمخابرات كانت معي سيارة العمل.
لما تركت المخابرات، سلمت سيارتي للدائرة، وقال لي نذير رشيد أن أستخدم سيارته، كمدير مخابرات ورفضت، لأنه لم تعد لي أية علاقة، أو ارتباط بدائرة المخابرات.
ولما دخلت الديوان الملكي، والتقيت برئيسه زيد الرفاعي، قلت له بأني أريد سيارة من سيارات الديوان، لتبقى معي، فقال بأن هذا الأمر ليس معمولا به في الديوان، وأن سيارة الرفاعي نفسه، التي يتنقل بها هي سيارته الخاصة.
التزمت بالأمر، واقتنعت بأن هذا أمر جيد، لما فيه من ترشيد للنفقات، سألت مدير كراج الملك الحسين، وكان إنجليزيا، ويعمل أيضا في شركة مرسيدس، سألته عن أسعار المركبات ونصحني بعدة فئات من نوع مرسيدس، لكن كلها كانت غالية الثمن، وأنا وقتها، لا أملك نقودا للشراء بهذا السعر.
وقلت له أن أنسب السيارات لحالتي المادية، هي سيارة مرسيدس 280S، وأريد شراءها على نظام التقسيط.
فعلا، استلمت السيارة، ولما جئت أدفع ثمن قسطها الأول، أبلغني مدير الكراج، بأن الراحل الحسين، اشتراها لي، وقرر أن تكون هديته الخاصة لي.
*في حكومتك الثانية، قمت بتشكيل المجلس الوطني الاستشاري للمرة الأولى، وكانت مغامرة أن تستبدل غياب الحياة البرلمانية بمجلس استشاري، لم يكن أقل معارضة من أي برلمان انتخب بطريقة حرة ونزيهة؟
-لما طلب الراحل الحسين تشكيل مثل هذا المجلس، كان ينظر للمدى البعيد، رحمه الله، وكان يريد للشخصيات السياسية، أن تشارك في مسؤولية القرار السياسي، ولو من منطلق النصيحة والاستشارة.
أذكر بأني وعبد الحميد شرف رحمه الله توجهنا إلى الراحل الحسين في قصر الحمر، وعرضنا قائمة أولية من الأسماء، وكان من بين تلك الأسماء قاسم الريماوي، الذي رشحه شرف، لامكانياته العالية في الأداء.
قرأ جلالة الملك الأسماء، ولما وصل لاسم قاسم الريماوي، قال: لماذا ليس عبدالله الريماوي، استغرب عبد الحميد شرف، وقال للحسين: حرام يا سيدي هيك.. بتهلك ابو عماد (بدران).
فقلت: فهمت الرسالة. وطلبت من الراحل الحسين القائمة، واستأذنت للذهاب، وإعادة كتابة الأسماء، واقترحت أسماء من خيرة رجال المعارضة الوطنية، وأذكر منهم، جعفر الشامي وأمين شقير وعبدالله الريماوي، وشخصيات من الحزب الشيوعي ويساريين.
لقد كان مجلسا قويا، بشهادة السياسيين في تلك المرحلة، وبأن أنزه انتخابات لم تكن لتأتي بهؤلاء جميعا، أعضاء في مجلس النواب.
بالنسبة لي، كنت أعرف عبدالله الريماوي منذ زمن حكومة سليمان النابلسي، وكان لي في الرجل رأي لا أغيره، بأنه خُلق ليكون نائبا معارضا، مقنعا ذا أداء رفيع.
فهو رجل محترف برلمانيا، يجيد التكتيك النيابي، وله صولاته وجولاته، وكان أول رئيس لذلك المجلس أحمد اللوزي، رحمه الله، ومن بعده جاء احمد الطراونة.
في إحدى المرات زارني الريماوي في المكتب، واتهمني بالتكتيك مع أحمد الطراونة، وقال بأننا نسهر في كل ليلة، لننقض على المجلس الوطني الاستشاري.
استغربت التهمة، وقلت له: أنا منذ زمن لم أر الطراونة، وبالنسبة لي لا يوجد عندي أمر مغلق أو مخبأ، فكل أموري مفتوحة للجميع.
طلب مني أن نعدل القانون، ليعرض ديوان المحاسبة تقريره على المجلس الوطني الاستشاري، أسوة بمجلس النواب المجمد.
وقلت: لا مانع لدي.
بعد أن عدلنا القانون، جاء الريماوي، وخطب في المجلس الوطني الاستشاري، وقال بأنه انتزع من الحكومة هذا التعديل على القانون، الذي يعطي للمجلس الوطني الاستشاري سلطة الرقابة المالية على الحكومة.
فقاطعته بالقول: لكن هذا جرى بالاتفاق مع الحكومة، فقال هذا باللغة البرلمانية يعني انتزاعا، وليس توافقا.
لقد التزمت أمام المجلس الوطني الاستشاري، ولم اتجاوزه في أي قرار، وكان عندي التزام أدبي، لو طلبت مني أكثرية المجلس الاستقالة، لالتزمت بذلك دون أدنى تفكير، فقد رفع المجلس العبء عن الحكومة، التي كانت تواجه كل شائعات الصالونات السياسية المشاكسة وتلك المشاغبة، والتي يستحيل الرد عليها بطرق واضحة ومباشرة.
فجاء المجلس الوطني الاستشاري ليعلن للناس المبررات الحكومية، في قراراتها وقوانينها، فكان المجلس يحمل عنا هذا العبء، وكنا نمثل أمامه كسلطة أدبية علينا.
وأذكر في إحدى المرات، بأني خاطبت أمين شقير، ونحن في ردهات المجلس، بأن غياب عبدالله الريماوي، بسبب تلقيه العلاج في الخارج أضعف المجلس، وأن هذا الأمر بات يزعجني، فكلما اشتدت المعارضة على الحكومة، كنا نجتهد في تقديم حجتنا، حتى نتمكن من إقناع المعارضة في المجلس الوطني الاستشاري، وهو ما كان يتم نقله للرأي العام، وبهذا كنت ألجم كلام الصالونات السياسية.
وكما تعرف، فقد جاء المجلس لأن مجلس النواب محلول، وكان قد حل منذ زمن حكومة زيد الرفاعي الأولى، وبما أن نصف أعضاء مجلس النواب، 30 نائبا، من الضفة الغربية، وأن هناك استحالة في اجراء الانتخابات داخل الضفة الغربية، عندها لاحظت بأن مجلس النواب السابق، بدأ يفقد نصابه بسبب وفاة عدد من الأعضاء.
ومن الضفة الغربية توفي نحو 9 نواب، مباشرة ذهبت للراحل الحسين، وطلبت منه أن أعيد مجلس النواب، وأن أقوم بتعديل الدستور، حتى نستطيع انتخاب كامل أعضاء أي مجلس جديد في الضفة الشرقية، مع إجراء انتخابات تكميلية، يصوت فيها النواب أنفسهم، لملء الشواغر في المقاعد.
وافق الراحل الحسين، وبدأت أوجه دعوات فردية للنواب الأحياء من الضفة الغربية، ولم أبلغ أحدا عن نيتي بإعادة مجلس النواب، وتعديل الدستور من خلاله، فقد خشيت أن تمنع إسرائيل النواب من الضفة الغربية الوصول لعمان.
ولما اكتمل الأعضاء الأحياء من الضفتين، أعلنت عودة المجلس، وأعلنت تعديل الدستور، طبعا واجهت شغبا من نواب الضفة الشرقية، فغالب ابو جابر، رحمه الله، قال لي إن هذا التفاف، والمطلوب العبث بالمجالس النيابية، وحل المجلس بعد تعديل الدستور.
فقلت له بأني سأستقيل بعد أن أنجز هذه المهمة، فقال بأن ذلك يؤكد اتهامه لي بحل البرلمان قبل الاستقالة، فطلبت من أحمد الطراونة، أن يقنعه بأني صادق ولا أوارب، وبأن مجلس النواب العائد يستطيع أن يطرح الثقة بحكومتي إذا رغب.
وكان ذلك في نهايات العام 1984، وجاء من بعدي أحمد عبيدات، وقدم بيانه الحكومي أمام نفس المجلس.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:22 am

الحلقة الثانية والعشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: هذه قصة الأردن مع تفجير الروس للطائرة الكورية العام 1983


الراحلون الحسين وياسر عرفات ومعمر القذافي وبرفقتهم مضر بدران في المفرق العام 1978
محمد خير الرواشدة 

عمان– تستمر زاوية "سياسي يتذكر" مع "الغد"، البحث عن أجوبة لأسئلة مرحلة سياسية مهمة في تاريخ الأردن الحديث.
حيث توقفت الزاوية، في الحلقات الأخيرة الماضية، عند مواقف صعبة جرت بين الراحل الحسين والرئيس المصري الأسبق أنور السادات والرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.
وكشف ضيف "الغد"، رئيس الوزراء الأسبق ومدير المخابرات الأسبق مضر بدران، جوانب مهمة عن العلاقات الأردنية العربية في تلك المرحلة، كما ذكر بدران تفاصيل لقائه الأول بالرئيس العراقي السابق صدام حسين.
واليوم يبدأ بدران الحديث، في الحلقة الثانية والعشرين، حول موقف سياسي صعب، جرى بينه وبين الراحل الحسين، وكيف أن بدران اضطر إلى أن يخفي عن الحسين، ما يفكر به، خلال جلسة تصويت مجلس الأمن على قرار يدين روسيا لقصفها طائرة مدنية عبرت أجواءها.
ويتحدث بدران عن تفاصيل مشوقة خلال هذا الحدث، وكيف أنه بتنفيذه للمهمة بمكتومية عالية، استطاع أن يحقق ما كان يفكر به، وهو ما جعل الحسين يبعث له ببرقية شكر وثناء على جهوده.
ويكشف رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران اليوم النقاب عن قراره بمنع دخول وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر للأردن، بسبب ما كتبه في مذكراته، من تمجيد بحافظ الأسد، ونقد أساء فيه للملك الحسين.
واليوم يتحدث بدران عن تفاصيل مشوقة عن رئاسته للوفد الأردني، خلال مفاوضات مبادرة ريغان، في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، وكيف أنه استطاع أن يحظى بثقة ياسر عرفات أولا، ويكسب الرهان من وزير الخارجية الأميركية جورج شولتز، الذي تحداه إن وافق عرفات على تمثيل الأردن للمنظمة في المفاوضات.
وفيما يلي نص الحلقة الثانية والعشرين
*كنت قد رويت لي مرة موقفا سياسيا صعبا، عشته خلال احدى زيارات الراحل الحسين للصين، وبالمناسبة قد يكون ذكرها الآن شيقا، وفيه درس سياسي في غاية الأهمية؟
-هي رواية شيقة، قد تكون كذلك، أما عن أهميتها للساسة، فهذا تقييم أتركه للآخرين، في احدى المرات توجه الراحل الحسين إلى الصين، وكنت رئيسا للحكومة.
في العام 1983 فجر الروس (الاتحاد السوفياتي) طائرة ركاب كورية، قادمة من أميركا بعد أن دخلت مجال جزيرة سخالين الروسية.
وكنا أعضاء في مجلس الأمن، ومجلس الأمن يريد أن يصدر إدانة لروسيا، وكانت أجواء الحرب الباردة تسيطر على المنطقة، وتعادلت الأصوات بـ7 أصوات مع ادانة روسيا، و7 أصوات ضد الإدانة، وبقي صوتنا نحن المرجح.
وأنا من موقعي، في تلك اللحظة، أخرت قرار الأردن في التصويت، كان الملك يتجه إلى بكين، وبعث لي برقية بضرورة التصويت لصالح الإدانة، وكان رحمه الله يريد أن يتوجه بعد الصين إلى كوريا الجنوبية صاحبة الطائرة المنكوبة.
لم اتعامل مع برقية الحسين، اتصل معي من الطائرة، فأجبت مرة على الاتصال، وبعدها أبلغت مقسم الاتصالات بأن الحسين، إن عاود الاتصال، فعليهم أن يبلغوه بأني في جولة ميدانية ولا يمكنهم إيصالي به.
تذرعت بحاجتي لقرار من المجلس الوطني الاستشاري، جاءني الأمير الحسن، وكان وليا للعهد، ونائبا للملك أثناء سفره، وقال بأن الحسين غاضب من عدم ردي على الهاتف، وأنه يطلب مني سرعة التصويت لصالح الإدانة، فأبلغت الأمير الحسن بأن هذا عملي كرئيس حكومة، وعليه أن يترك لي الأمر، وأن لا يتدخل، وإذا عاود الحسين الاتصال فعليه أن يحمّلني أنا المسؤولية، وأن لا علاقة له بالأمر.
في تلك اللحظات، بدأ الراحل الحسين يمطرني ببرقيات "بهدلة" وكلام قاس بحقي، وظل يواسيني الأمير الحسن، بأنه المقصود من كلام الملك الحسين، الجارح في البرقية، وكنت أقول له بأنه لا علاقة له بالأمر، وعليه أن لا يتصرف بشيء حتى أتخذ القرار المناسب.
في تلك الأثناء، ظلت اجتماعات مجلس الأمن تتأجل، حتى يقرر الأردن موقفه من التصويت، وكنت على اتصال مع المندوب الدائم للمملكة في الأمم المتحدة عبد الله صلاح، وظل يناشدني بسرعة اتخاذ القرار، لأن الأميركان يضغطون عليه بالطلب، وبقيت متمسكا بتأجيل الاجتماع حتى اللحظة المناسبة.
الملك في الصين غاضب، وبحسب رواية من كانوا يرافقونه، فانه كان غاضبا مني بشكل شخصي كثيرا، وحاولت ليلى شرف أن تقول بحقي كلاما طيبا، وأنه لا بد أن يكون لدي أسبابي، فأنا رجل حريص وملتزم بأداء واجباتي، لكن الحسين كان يقول لها "وهو شو الي بعرفه وإحنا ما بنعرفه"!.
وبقيت أرجئ قرار الأردن في التصويت، حتى حصلت على هدفي، وكنت اعتبره هدفا مهما ولا يمكن أن أترك حقي من دون أن أحصل عليه.

*لكن هدفك كان سياسيا وليس اقتصاديا؟
-طبعا؛ سياسي بامتياز، فقد كان ارئيل شارون وزير الدفاع في الحكومة الإسرائيلية، وقد هاجم الأردن بطريقة مستفزة، وقال: "يا فلسطينيين وطنكم الأردن"، وأنه "يستطيع إرجاع الحسين لوطنه السعودية" لاحظ يقول السعودية وليس الحجاز.
كلماته تلك أشعلت النار في بدني، فكيف لواحد أرعن، مثل هذا المجنون، أن يتحدث عن الحسين بهذه الصورة.
اتصلت بالسفير الأميركي في عمان وقتها، وأبلغته بضرورة أن يرد الأميركيون على هذا الاعتداء، فنحن دولة معترف بها، وأن شارون يجب أن يُرد عليه وبسرعة، وعليكم أن تقولوا له أن "يخرس" فأنتم من يدعم إسرائيل.
فقال لي السفير، بمنتهى البرود، دعه يقول ما يريد، ولا تلتفتوا لتصريحاته، وأنا كل ما طلبته فقط إصدار بيان من الجانب الأميركي، يؤكد الاعتراف بالأردن، كمملكة ذات سيادة ومكانة.
هنا؛ انزعجت أكثر، واستدركت بأن أميركا تهتم فقط بمصالحها، ولا تلتفت لشيء آخر،  وبدأت أفكر بالطريقة المناسبة لرد الإساءة بطريقة أقسى وأحصل من خلالها على حقي.
جاءت حادثة الطائرة الكورية، وتطورت الأحداث، حتى وصلت الأمور لتصويت مجلس الأمن، وجاء الحظ ليساعدني أكثر، بأن يكون صوت الأردن هو الصوت المرجح في التصويت، على إدانة موسكو، لكن سوء الحظ، كان بأن كل تلك التطورات حصلت والراحل الحسين في الطائرة، متجها إلى بكين، ولا أستطيع أن أطلعه بما أفكر به، ولو أطلعته على فكرتي ببرقية أو اتصال هاتفي، كنت أخشى أن يتسرب الأمر وتنكشف خطتي.
فلما بلغت الأمور ذروتها، وبدأ الأميركان لا يعرفون ماذا يفعلون معنا، واحتاروا بكل شيء، فلم نطلب أي شيء، وبقينا محتفظين بالصمت طيلة تلك الأيام.
عندها جاءني السفير الأميركي ديك فييتس مسرعا، وقال: أنت ماذا تريد؟، فأنا متأكد من أنك تريد شيئا معينا، وأنا أقول لك، بأني مستعد لتنفيذ كل مطالبك، حتى ينجح التصويت بإدانة موسكو.
فقلت له طبعا أريد شيئا، وهو شيء لم تعره أي انتباه لما قلته لك، واليوم كل ما لدي هو بيان يحتفظ به وزير الخارجية مروان القاسم، وأريد أن يخرج باسم البيت الأبيض، وليس من وزارة الخارجية كما طلبت سابقا، ولا أريد تعديل أي حرف على هذا البيان، وأنتظر لحظة الإعلان عن البيان، إن تم تعديل البيان، فسأصوت لصالح الروس، وكان البيان فيه رد قاس على الحكومة الإسرائيلية، وتصريحات المعتوه شارون، التي تعرض فيها بسوء للراحل الحسين.
فورا، نهض من على الكرسي، وقال: أمهلني ساعة من الوقت، وسيصدر البيان، وبعد أن صدر البيان كما اتفقنا، قلت لعبد الله صلاح أن يصوت، ولما عاد مرة أخرى وقابلته، قال لي صلاح: كم شعر بقيمة الأردن في تلك الأيام، وكم أن العالم بأسره ينتظر منا موقفا من القضية، وكيف أن اعضاء مجلس الأمن يراقبون ماذا سنقول ونفعل.
بعدها، وعندما أبلغت الراحل الحسين بسبب تأخري بالتصويت، وعدم رغبتي في إرسال المبررات ببرقية تتسرب للإميركيين، واني حاولت الاحتفاظ بسرية ما أقوم به لضمان نجاح المهمة، شكرني وبعث لي برقية من ثلاث صفحات، واعتذر فيها عن ما وصفني به في البرقيات السابقة.

*هل صحيح بأنك وضعت وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر على القائمة السوداء ومنعته من دخول الأردن؟
-نعم صحيح؛ لكن بعد أن كان خارج عمله، في نهاية العام 1980، وكنا ننتظر استلام الرئيس الأميركي الجديد رونالد ريغان رسميا سلطاته الرئاسية، فقد جاءني في احدى المرات وزير الخارجية مروان القاسم، وقال لي بأن كيسنجر كتب في مذكراته، تمجيدا لحافظ الأسد، ونقدا أساء فيه للملك الحسين، استغربت كثيرا، فهل هذا جزاء الحسين الذي كان يخرج شخصيا لاستقباله بالمطار، لما كان يزور الأردن!.
سألت القاسم، هل يجوز وضعه على القائمة السوداء، ومنعه من دخول الأردن في أي زيارة؟ فقال نعم، وأصدرت الأوامر بذلك، ولم نبلغ الراحل الحسين.
في احدى زيارات كيسنجر للأردن، كان قادما من جنيف، طلب تأشيرة سفر إلى الأردن، وفوجئ بأنه على القائمة السوداء، وممنوع سفره لعمان، اتصل مع الراحل الحسين محتجا، على القرار، اتصل بي الملك، وقال هل هذا القرار صحيح؟ وسأل باستهجان، فقلت صحيح ولن تعود عنه الحكومة، أصر الملك الحسين على طلبه، برفع الحظر، وقلت له يستطيع ذلك لكن عندما أكون خارج الحكومة وليس رئيسا لها.
قال لي زيد بن شاكر، الذي كان بجوار الحسين لحظة اتصاله معي من العقبة، بأنه كان غاضبا جدا من ردة فعلي، وأنه كاد أن ينفجر من الغضب.
قلت للراحل الحسين إن كيسنجر أساء للأردن وملكها الحسين، ولن أسمح له بدخول الأردن.
انتهى الحوار عند هذا الحد، وبعد مدة من الزمن، بعث نائب الرئيس الأميركي، وكان جورج بوش الأب، رسالة خطية للراحل الحسين، يبلغه فيها بشكر الرئيس الأميركي رونالد ريغان للأردن على عدم إدخال وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، الذي كان يعتزم زيارة الأردن لإحباط مساعي مبادرة ريغان للسلام، والتي كان قد أعلن عنها في حملته الانتخابية.

*من المواقف الصعبة التي تعاملت معها في فترة حكومتك الثانية، كان الحشد العسكري السوري على الحدود مع الأردن، وقمت بتعبئة عامة، وكان لك الدور في انهاء الحشد من دون أي تفاعلات؟
-كانت العلاقة مع السوريين بدأت بالتوتر، نتيجة المواقف المتناقضة بيننا وبين السوريين خلال الحرب العراقية الإيرانية.
وقد علمنا بشأن الحشد السوري من خلال الاستخبارات العسكرية، التي وصلتها معلومات دقيقة عن الأمر، وكان الهدف هو نية السوريين بدخول الأردن عسكريا، لقطع خط الإمداد الواصل للعراق عن طريق ميناء العقبة.
وطبعا، الأمر بالنسبة لنا لم يكن بسيطا، فنحن لا نريد الحرب مع السوريين، ولا نريد للعلاقات أن تتوتر أصلا.
طلبت من الشريف زيد بن شاكر، وقتها، القائد العام للقوات المسلحة، بأن يحشد على الحدود السورية، فقال إن لديه غطاء قوة مكشوفا، وإنه لا يستطيع تفريغ الجبهة الغربية مع إسرائيل.
واقترحت التعبئة العامة، لكن من دون إعلان، وبدأنا من خلال المخاتير وشيوخ ووجهاء العشائر بإخبار الأسر التي عندها شباب في عمر التجنيد.
وفعلا بدأ الشباب يتوافدون من دون أي تردد، وكانت النسبة الأعلى من مخيم الوحدات، الذي ضبطنا خروج رسالة منه، وموجهة لياسر عرفات، يبلغونه فيها بأن أي تدخل منه لصالح سورية على حساب الأردن او رغبة بالتخريب فإنهم سيحرقون الأرض من تحت أقدامه.

*في تلك الفترة اشتبكت مبكرا مع مبادرة أميركية في حل القضية الفلسطينية، وذهبت إلى واشنطن وفاوضت باسم الفلسطينيين خلال اجتماعات مبادرة ريغان هناك؟
-أستطيع القول لك، بأن آخر الأيام لي في الحكومة الثانية، استطعت نيل ثقة ياسر عرفات، وذلك لأنه اكتشف أخيرا بأني لا أراوغ، وأنا صادق في مواقفي، وأن ما أريده فعلا هو إحراز تقدم بملف الحل للقضية الفلسطينية.
بالنسبة لي، هذه توجيهات الملك الحسين لي، ونفذت توجيهات جلالته وفق ثقته بي، صحيح أنني لم أكن مؤمنا بكل حديث المفاوضات والسلام، لكن الملك وجهني وأنا التزمت.
وتعاملت مع الأمر بطريقتي، فأنا لا أكذب ولا أجامل ولا أراوغ، ذهبت لواشنطن بعد أن جرى اتفاق بيني وبين ابو عمار على الأمر، والاتفاق كان أن موافقة الجانب الفلسطيني ستكون في حال أن اجتماعات واشنطن ستعيد لهم الحقوق من الاحتلال الاسرائيلي.
لقد استنزف مني ذلك جهدا ووقتا، وكل ذلك استغرق وقتا طويلا، حتى أني تأخرت عن اللحاق بالراحل الحسين في الزيارة المفترضة للولايات المتحدة، ولم أغادر عمان إلا بعد أن أخذت موافقة أبو عمار المبدئية.

*لكن مفاوضات واشنطن بدأت تحت عنوان مبادرة ريغان للتوصل لاتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟
-صحيح؛ بدأت تلك المفاوضات نتيجة لمبادرة طرحها الرئيس رونالد ريغان في ولايته الأولى، طبعا أميركا قالت انها لا تريد الاجتماع مع منظمة التحرير الفلسطينية، لأن اسرائيل ترفض الاعتراف بها، كما أن الفلسطينيين لا يعترفون بإسرائيل لأنها دولة احتلال.
وكان الاقتراح بأن تذهب الأردن للاجتماعات، وتأخذ معها مواطنين من الضفة الغربية، لكنهم ليسوا بارزين كأعضاء في المنظمة.
المفاوضات جرت على جلستين، الأولى ذهبنا وسمعنا ما يقدمه الأميركيون، وعرفنا جوهر مبادرة ريغان، ثم عدنا لعمان، وبدأت برحلة مع أبو عمار، أحاول أن أقنعه بأن يمثل الأردن الفلسطينيين، والولايات المتحدة تمثل الإسرائيليين، حتى يتسنى لنا "أكل العنب وليس مقاتلة الناطور"، وكان عرفات يصر، على أنه يريد أن يذهب هو، فقلت له لو ذهبت أنت، فأنا عندها لا داعي لذهابي، لكن المشكلة هي في ذهابك، وقبول اميركا واعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية.
بقيت مع ابو عمار حتى اقنعته بجدوى المحاولة، كما قلت لك سابقا، واقتنع أخيرا وذهبنا لواشنطن في الجلسة الثانية، بعد نحو 3 أشهر، للبحث عن صيغ عملية لإنهاء احتلال الضفة الغربية والقدس.
ترأست أنا الوفد الأردني، وكان معي مروان القاسم وعدنان ابوعودة وسفيرنا في واشنطن عبد الهادي المجالي، وكان معنا أيضا شخصيات من المنظمة، أذكر منهم خالد الحسن رحمه الله (ابو السعيد).
وترأس الوفد الأميركي وزير الخارجية جورج شولتز، كانت مفاوضات طويلة وشاقة ومضنية، وخضتها حتى النفس الأخير.
ما أفسد كل تلك المفاوضات هو تعبير الأميركيين عن رغبتهم في منح الفلسطينيين حكما ذاتيا، وكانت ذريعتهم، ان ذلك يأتي حتى يتمكن الفلسطينيون من حكم أنفسهم خلال تلك المرحلة الانتقالية كما قالوا عنها.
بالنسبة لي رفضت، وقلت بأن الفلسطينيين قادرون على حكم أنفسهم، فمنهم وزراء في الحكومات الأردنية، أثبتوا كفاءة وجدارة عالية.
لكن، ولكي لا أكون قد قطعت الطريق، طلبت أن تكون هذه المرحلة منصوصا عليها زمنيا لمدة عام في الاتفاق الذي نتباحث بصدده.
ورفضت إطالة أمد الحكم الذاتي، ما يعيد تجربة مصطفى دودين في روابط القرى، وهي نظام أحدث ارباكا في إدارة الضفة الغربية، وأوقفناه بالقوة، واتهمنا دودين بالتعامل مع العدو بناء على إصراره على العمل بها.
كان هدف الأردن البحث عن مخرج لانسحاب الإسرائيليين من الضفة الغربية والقدس، لكني أيضا مقتنع بأن الإسرائيليين يريدون تطبيق شعار مناحيم بيغن خلال ترشحه في الانتخابات. عندما كنت في المخابرات ورصدت الانتخابات الإسرائيلية، فقد أرسلت عددا من ضباط المخابرات العتاة في التحليل، وقدموا لنا تقارير تفصيلية عن مجريات الانتخابات تلك، وكان شعار بيغن: "بقاء الفلسطينيين على أرض اسرائيلية في الضفة الغربية"، وهي الدعاية الانتخابية التي رصدناها جيدا، وعرفنا بأن الناخبين كانوا من أغلبية الضباط، الذين يحملون رتبة رائد فما دون، وهو ما أقلقنا في تلك المرحلة، لأن مستقبل هؤلاء متى ما تسلموا المسؤولية خلال ارتقائهم بالرتب العسكرية، هو تطبيق مثل هذه الشعارات المتطرفة".
المهم، أبلغت الأميركيين بأن علي الذهاب لمنظمة التحرير الفلسطينية، لأخذ رأيها في الأمر، فامتعضوا كثيرا، فقلت إذا علينا أن نأتي بهم إلى هنا، وهم ليسوا بعيدين. غدا سيكون معنا خالد الحسن الموجود في ذات الفندق في الطابق الثالث، حيث كانت المفاوضات في الطابق الرابع، كما أنهم (الاميركيون) لا يستطيعون فرض علي أعضاء الوفد الأردني، فقالوا لكنه ليس أردنيا، قلت غدا أصدر له جواز سفر أردنيا.
كان معنا في الجانب الأميركي، بعد أن غادر شولتز، فيليب حبيب مندوبا عنه، فقال لي: إن جئت بخالد الحسن فإني لن أرى فيليب في الاجتماع، سألته لماذا؟ فأجاب لأنه سيكون "مكحوشا" من عمله.
وكان بالنسبة لي، الذهاب لواشنطن والتفاوض باسم الفلسطينيين، تحديا بيني وبين وزير خارجية ريغان جورج شولتز، الذي راهن على قطع يده في اللقاء الأول، إن وافق ابو عمار، على أن يفاوض الأردن باسمه وباسم منظمة التحرير الفلسطينية، ولما عقدت الاجتماعات في الجولة الثانية، بعد نحو 3 أشهر، قلت له بأنه مطلوب منه الاعتراف بأنه خسر ما راهن عليه، وفعلا اعترف بأنه تفاجأ من الأمر.
لكن اللافت في تلك الاجتماعات، كان لما افتتح الراحل الحسين والرئيس ريغان المحادثات في الجلسة الأولى، كيف أن ريغان قرأ بيانا جميلا، عن ظهر قلب، في افتتاح المحادثات، وبعدها بقي صامتا طوال الجلسة الافتتاحية.
ولما سألني الحسين، قلت له بأنه ممثل بارع، يحفظ الأدوار عن ظهر قلب، تفاجأ الحسين لكنه أقر لي بصحة ما قلته بعدها.

 
تنويه من الدكتور عبد الحميد الصباغ
عطفا على ما جاء في الحلقة العشرين، من "سياسي يتذكر"، أود توضيح ما جاء على لسان دولة السيد مضر بدران.
إن "ساندرو بيرتيني"، لم يتقلد منصب رئيس الوزراء في إيطاليا، وعندما زار المملكة، في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، كان رئيسا للجمهورية.
وأمضى الرئيس المعروف حياته السياسية نائبا عن الحزب الاشتراكي، ثم انتخب رئيسا لمجلس النواب الإيطالي، وانتخب بعد ذلك في منتصف سبعينيات القرن الماضي، رئيسا للجمهورية، بعد استقالة "جيوفاني ليوني".
والرجل الذي يقصده دولة السيد مضر بدران، هو في اعتقادي "جوليو اندريوتي"، وهو رئيس الوزراء الإيطالي المخضرم، والذي تحدث عن شاه إيران محمد رضا البهلوي، في كتابه "رأيتهم عن قرب"، بالمعنى الذي تحدث عنه السيد بدران، وكما قرأت الكتاب في النص الأصلي في اللغة الإيطالية.
الدكتور عبد الحميد الصباغ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:26 am

الحلقة الثالثة والعشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: لم نتنازل في "مبادرة ريغان"عن حق واحد للفلسطينيين



محمد خير الرواشدة
عمان – يكشف رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران في حديثه اليوم عن موقف الأردن الرسمي خلال مفاوضات مبادرة ريغان للسلام مطلع الثمانينيات، وهو الموقف الذي أعلنه بدران، حتى لا يغمز أحد من قناة الموقف الأردني في أي مفاوضات، جرت باسم الفلسطينيين.
ويؤكد بدران، في حلقة اليوم من زاوية "سياسي يتذكر" مع "الغد"، بأنه رفض المبادرة الأميركية، بمنح الحكم الذاتي للفلسطينيين، وإنه أصر على منح الجانب الفلسطيني حقوقا كاملة في الضفة والقدس.
ويقول: "لاحظ بأني أفاوض باسم الفلسطينيين، وأمام ذلك فأنا قطعا يجب أن أكون متشددا، حتى لا أتهم كأردن، أو الملك الحسين، وحكومته، بالخيانة، كما أنني لست مقتنعا بهذه العروض السياسية، غير القابلة للحياة، أما بعد أن تفاوض الفلسطينيون لوحدهم وباسمهم، فهذا شأن آخر، يمكن تقييمه من زاوية أخرى في حديث قادم".
ويعيد بدران الفضل في موقف الأردن المتشدد من مسألة الحكم الذاتي، إلى رئيس بلدية الخليل، وهو واحد من أبرز وجوه الضفة الغربية فهد القواسمي، والذي اغتيل في عمان العام 1985، "حيث بعث له برسالة ما زال بدران يحتفظ بها، يشتكي فيها مر الشكوى، من روابط القرى، التي أربكت الفلسطينيين داخل الضفة، وقسمتهم، وأن الإسرائيليين يمكن أن يستثمروها بشكل الأمر الواقع، وبالتالي تضييع حقوق شعب بأكمله.
ويؤرخ بدران في حلقة اليوم للحظة الأولى التي أفرزت اتفاق عمان بين الأردن الرسمي، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي اعتبرها بدران بـ"مفاوضات مهمة جدا" للأردن، كما يؤكد موقفه منها بالقول: "حضرت أغلب اجتماعاتها وكنت أريد أن تنجح مهمتنا في المفاوضات مع منظمة التحرير، وكان يمثلها ياسر عرفات وفاروق القدومي، كان هدفنا هو بدء العمل السياسي لحل قضية فلسطين، فالولايات المتحدة واسرائيل، لا تعترفان بالمنظمة، والمنظمة لا تعترف بالحل السياسي للاحتلال".
وعن رأيه بشخص الرئيس الذي سيخلفه في الحكومة، مدير المخابرات الأسبق ووزير الداخلية في حكومة بدران، رئيس الوزراء أحمد عبيدات، يؤكد بدران بأنه حاول أن يبتعد عن طرح اسمه أمام الراحل الحسين، ويؤكد بأنه قدم صفات للشخص المطلوب، وقال: "أنا سأعطيك صفات، وأنت من تقرر صاحبها، والصفات هي: شخص تعرفه جيدا، وشخص له خبرة في العمل العام، وشخص مستقيم. فقال الحسين: هذه صفات أحمد عبيدات، فقلت: أنت من قلت الاسم وليس أنا".

 وفيما يلي نص الحلقة الثالثة والعشرين..
* في الحلقة الماضية توقفنا عند تمثيلك للفلسطينيين في مباحثات واشنطن، حول مبادرة ريغان للسلام، وقد سمعت منك سابقا عن عرض أميركي قدموه لك يتضمن الحكم الذاتي للفلسطينيين، ورفضك كمفاوض باسمهم ذلك العرض، لكن ما أود السؤال عنه اليوم بأن ما رفضته أنت في واشنطن، قبله الفلسطينيون في أوسلو؟ لكن بعد نحو عشر سنوات؟
- قد يكون لكل زمان ظرفه، ولاحظ بأني كما قلت لك فأنا أفاوض باسم الفلسطينيين، وأمام ذلك فأنا قطعا يجب أن أكون متشددا، حتى لا أتهم كأردن أو ملك الحسين وحكومته بالخيانة، كما أنني لست مقتنعا بهذه العروض السياسية غير القابلة للحياة، أما بعد أن تفاوض الفلسطينيون لوحدهم وباسمهم، فهذا شأن آخر، يمكن تقييمه من زاوية أخرى في حديث قادم.
لقد قال لي خالد الحسن ونحن في واشنطن: وافق على الحكم الذاتي في تلك الاجتماعات، وشولتز كان يريد ذلك.
ولما أبلغت أبو السعيد، بما قدمه الأميركيون من اقتراحات، طلب مني أن أوافق، فقلت له اذهب، وأتى لي بموافقة خطية ممهورة بتوقيع ياسر عرفات حتى أوافق، ومن غير ذلك لا حكما ذاتيا، إلا إن كان محدد المدة، بسقف زمني مدته لا تتجاوز العام، وبضمانة أميركية والتزام إسرائيلي.
كان هذا الموقف الأردني خلال مفاوضات مبادرة ريغان، وهذا أسجله للتاريخ، فنحن لم نتنازل عن حق واحد للفلسطينيين، في تلك المفاوضات، ولم نقبل بأي حل وسط على حساب الحق الفلسطيني.
وكما تعلم، لم نكن من وقع أوسلو، بل منظمة التحرير الفلسطينية، وهو ما جاء بالسلطة الوطنية الفلسطينية.
* قلت لي أيضا وذات مرة، بأن رفضك لفكرة مصطفى دودين بروابط القرى، كان له ارتباط بفكرة الحكم الذاتي للفلسطينيين، وهو ما رفضته في مبادرة وزير الخارجية الأميركي شولتز؟
-نعم صحيح، والفضل في تنبّهي لتلك القضية، كان رئيس بلدية الخليل، وهو واحد من أبرز وجوه الضفة الغربية فهد القواسمي، والذي اغتيل في عمان العام 1985، فقد بعث لي برسالة ما زلت أحتفظ بها، وكان يشتكي مر الشكوى، من روابط القرى، التي أربكت الفلسطينيين داخل الضفة، وقسمتهم، وأن الإسرائيليين يمكن أن يستثمروها بشكل الأمر الواقع، وبالتالي تضييع حقوق شعب بأكمله.
فتلك الروابط، وصل بها الأمر، لاستخراج أذونات لمن يريد أن يخرج من الضفة الغربية إلى عمان.
وبالفعل، هو من حرضني على محاربة روابط القرى، ومن كان وراءها، حتى أني أصدرت من خلال محكمة أمن الدولة، حكما غيابيا على مصطفى دودين.
في واشنطن، وأمام طرح شولتز لفكرة الحكم الذاتي، ربطت فورا بين الأمر والرسالة التي بعث بها القواسمي، لذلك كنت متشددا في الرفض، ولم أقبل به إلا إذا كان مرتهنا بجدول زمني، لا تتجاوز مدته السنة، ومن بعدها يكون حكما فلسطينيا كاملا في الضفة الغربية، وليس حكما ذاتيا فقط.
في احدى المرات، قلتها للراحل الحسين، أنا لا أقبل بالحكم الذاتي، لأني أستطيع أن أطبق الحكم الذاتي في الضفة الغربية، ولا يجوز أن تأتي أميركا لتعتبر ذلك نقطة لصالحنا في التفاوض وتحاول إغواءنا بها.
* في تلك الأيام كانت قد بدأت مفاوضات اتفاق عمان مع منظمة التحرير، كيف جرت المفاوضات، مع من وصفته في بداية حديثنا الأول، ابو عمار، بالمراوغ، وكانت نتيجة لطروحات مبادرة ريغان للسلام؟
-كانت تلك المفاوضات مهمة جدا لنا، كنت أدير تلك المفاوضات، وحضرت أغلب اجتماعاتها وكنت أريد أن تنجح مهمتنا في المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية، وكان يمثلها ياسر عرفات وفاروق القدومي، كان هدفنا هو بدء العمل السياسي لحل قضية فلسطين، فالولايات المتحدة واسرائيل، لا تعترفان بالمنظمة، والمنظمة لا تعترف بالحل السياسي للاحتلال.
صحيح أن هذا الموقف، أنا معه، وقد لا أكون بعيدا عن التفكير به، لكن أنت عندما تكون في موقع سياسي، عليك التعامل مع القضايا من منظور مختلف، فالمصالح الوطنية والقومية قد تتنافر كثيرا مع قناعاتك المبدأية، وأنا ما كنت أقتنع أصلا بأن إسرائيل تريد سلاما مع الفلسطينيين، كما أنني لا أقتنع بأنها ستعيد حقا واحدا للفلسطينيين.
المهم؛ في إحدى المرات، اتصل معي هاني الحسن من الخارج، وقال بأن ابو عمار والقدومي سيأتيان إلى عمان للبدء بالمفاوضات، وسألت الحسن إن كان سيأتي معهما فأجاب بنعم.
وصل وفد أبو عمار إلى عمان، ونظرت وإذ بهاني الحسن ليس موجودا، وسألت ابو عمار عن سبب غياب الحسن، فأجاب بأنه انشغل، ولن يستطيع الحضور، عرفت بعدها بأن الاتفاق لن تجري أموره على ما يرام.
فقد كان بيني وبين هاني الحسن اتفاق أدبي يقضي بأن لا يكذب أحدنا على الآخر، وفي حالة تحفظ أحدنا عن الإجابة حول أمر ما، فنلتزم الصمت، على أن لا يضلل أي منا الآخر بالمعلومات الخطأ.
ولقد صاغ الراحل الحسين وياسر عرفات الاتفاق المبدئي، في اجتماع مغلق، في مكتبه الخاص، ولم يحضر أحد منا أو من الجانب الفلسطيني، ولما انتهى الاجتماع سألني الراحل الحسين، عن سبب عدم مساعدتي لعرفات بمنحه جوازات السفر التي يطلبها؟ فقلت وهل اجتمعت لبحث مشكلة جوازات السفر، إنه يضيع الوقت يا سيدي، دير بالك من هذا الأسلوب!.
في إحدى المرات، وكان الحسين، رحمه الله، وضع الصيغة الأولية للاتفاق، الذي انتهت الاجتماعات حوله، زمن حكومة أحمد عبيدات، وكنا في اجتماع في الديوان الملكي أنا وزيد بن شاكر وطارق علاء الدين، وعدنان أبوعودة، خرجنا بعد أن أنهينا الاجتماع، وكان هناك في مساء نفس اليوم، دعوة رسمية وجهتها للوفد الفلسطيني على العشاء في المدينة الرياضية.
ونحن واقفون، قال ابو عودة بأنه سيذهب لأبي عمار ليوقع الورقة بسرعة، ويعود ليكون العشاء في ختام الاتفاق، الذي توج بنتائج إيجابية، فقلت لابو عودة بأن عرفات لن يوقع، لكنه كان مصرا.
تدخل طارق علاء الدين، وقال بأنه متأكد من أن عرفات سيوقع الاتفاق، وبقيت مصرا على أنه لن يوقع، ورد علي، بأن لديه معلومات تؤكد توقيع عرفات، وقبوله بالصيغة الموجودة.
وطلب علاء الدين أن أراهنه على الأمر، فقلت له بأني لا أحب أن أخسره شيئا، لكن إن نجحت تقديراتي، فعليه أن يعطيني عشرين دينارا جديدة، لكي "أبروزها" عندي في البيت.
وصلنا العشاء، وعاد أبو عودة من عند عرفات، وسألته ماذا جرى، فقال لم يوقع عرفات، إن الأخير يريد أن يرجئ التوقيع حتى يعود من الكويت، ويطلب دعم أعضاء حركة فتح الموجودين هناك على صيغة الاتفاق.
بعد ذلك، بنحو يومين أو ثلاثة، ذهبت للديوان الملكي، وبينما أنا جالس هناك، استدعاني الملك الحسين إلى مكتبه، فدخلت عليه، وكان يمشي في مكتبه وعلامات الانزعاج تبدو واضحة، فسألته إن كان هناك أي خطب أو مكروه؟، فقال كيف عرفت بأن عرفات لن يوقع على اتفاق عمان؟
فقلت: سامح الله أبو شاكر الذي أبلغك.
فقال بانفعال: كيف؟ كلنا كنا متأكدين من التوقيع، وإنت راهنت طارق على عدم التوقيع!، أنت بتفهم واحنا بنفهمش!.
فقلت: الأمر أبسط من ذلك، أنت متحمس جدا للاتفاق، وهذا حقك، لكن المؤشر الوحيد الذي استندت إليه في موقفي، كان غياب هاني الحسن عن الاجتماعات، وهو شخصية بيني وبينها اتفاق أدبي، يقضي بأن لا يكذب أحدنا على الآخر، ولما عرفت بأنه لن يحضر الاجتماعات، غرفت بأن عرفات "ما بدو يحلب صافي" بشأن الاتفاق، وبأن لديه "نية مبيتة" للرفض، وما كنت أريد أن أجزم بالأمر، وأنا معك، لأني شعرت كم أنت متحمس للموضوع.
المفاوضات لم تنجح في نهاية الأمر، وقدمنا من جهتنا تنازلات، وقدمت المنظمة أيضا تنازلات، وبعد جدال طويل مع ابو عمار، قال بأنه سيذهب للكويت وسيلتقي قيادات من حركة فتح لأخذ موافقتهم ودعمهم في الأمر، لكنه ذهب ولم يعد، وكان هذا كما قلت لك في زمن حكومة أحمد عبيدات أي بعد نحو عامين من المفاوضات التي بدأتها أنا.
*اليوم نستطيع أن نسأل عن علاقتك بحكومة أحمد عبيدات، وهل كنت قريبا منها أم بقيت ممسكا بزهدك في العمل السياسي؟
- بداية، أنا لما سألني الراحل الحسين عن أنسب شخص لتشكيل الحكومة بعدي، تحفظت على الإجابة، وكل شريط ذكرياتي عن عبد الحميد شرف، دار بين عيني في لحظة، وقلت للراحل الحسين لن أعيد الكرة، ولن أرشح أحدا لهذا الموقع، فيكفيني شعوري بالذنب تجاه عبد الحميد شرف.
ولما أعاد الراحل الحسين السؤال، قلت له أنا سأعطيك صفات، وأنت من تقرر صاحبها، والصفات هي: شخص تعرفه جيدا، وشخص له خبرة في العمل العام، وشخص مستقيم.
قال الحسين: هذه صفات أحمد عبيدات، فقلت: أنت من قلت الاسم وليس أنا، ولا أنكر بأني انحزت لاختيار ابو ثامر، لكن كنت لا أريد أن اقترح اسمه للراحل الحسين لعلمي بأن أبو ثامر عانى من آلام في أسفل معدته، خلال عمله في المخابرات، وكان يسافر للعلاج بالخارج وقتها.
لا شك بأن خيار عبيدات كان خيارا ذكيا، وفعلا هو رجل مستقيم ونزيه وصاحب برنامج، والأهم بأنه يستطيع تنفيذ هذا البرنامج.
لكن ابو ثامر، كان على خلاف واضح مع القصر، ولم يستطع التأثير كثيرا بشخص الراحل الحسين، ويكسبه لصفه، وكان يفعل ما يعتقد بأنه صواب، ويترك الشغب من حوله ليؤثر على الراحل الحسين.
وجهود أبو ثامر في مكافحة الفساد قاومتها قوى الشد العكسي، وأعرف كما يعرف الجميع بأن كسارات قوى الشد العكسي، أعاقت جيدا جهود عبيدات في العمل العام.
أما سياسيا، فعبيدات اختلف مع الراحل الحسين بشكل واضح في ملفين أساسيين، الأول: ملف العلاقة مع منظمة التحرير الفلسطينية وأبو عمار، وكانت علاقة عبيدات مع أبو عمار مشحونة منذ السبعينيات، ولا أزال أذكر جيدا، ولن أقول ما قاله عبيدات لأبو عمار في أحد الاجتماعات.
والملف الثاني، كان عودة العلاقات الأردنية المصرية، وكانت الزيارة الفاصلة في استقالة أحمد عبيدات من الحكومة، هي آخر زيارة له مع الراحل الحسين إلى إسبانيا، ولا أدري ما حدث هناك، لكن قيل لي بعدها، بأنه كان هناك تباين واضح بين موقف الحسين من العودة عن قرار مقاطعة مصر عربيا، وأن عبيدات نفى تلك المعلومات خلال زيارته لرئيس الوزراء الإسباني، التي نقلها للملك خوان كارلوس، الذي سأل الحسين عن صحة ما قاله رئيس وزرائه، على أي حال، بعد تلك الزيارة مباشرة، استقال أبو ثامر.
وفي إحدى المرات، سألني سليمان عرار عن حكومة عبيدات، ورأيي بها وتقييمي لأدائها، فقلت إن خلفكم شخص أحسن من عبيدات، فتكونون قد نجحتم، وإن جاء شخص بمواصفات أقل من مواصفات عبيدات فأنتم فشلتم.
*ما أود استذكاره قبل أن نغادر الحديث السريع عن حكومة أحمد عبيدات، أنك سلمت حكومته، التي جاءت بعد حكومتك، مشروع قانون موازنة خالية من العجز؟
- صحيح، وقد قال وزير المالية في حكومة عبيدات، حنا عودة، أمام البرلمان بأن هذا أول مشروع قانون موازنة ليس فيه عجز، بل إن هناك فائضا في موازنة الدولة، وقالها تحت قبة البرلمان، بأن هذه الموازنة كانت آخر ما قمت به في حكومتي الثانية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:29 am

الحلقة الرابعة والعشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: تنبأت مبكرا بانهيار الدينار واندلاع المظاهرات


مضر بدران وزيد الرفاعي في احدى المناسبات

محمد خير الرواشدة
عمان- يبدأ رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران اليوم، وضمن سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، مع "الغد"، بتقليب ذكرياته السياسية، خلال فترة صعبة، مرت على المملكة، خلال الاعوام 1988–1990.
ويستذكر بدران، في حلقة اليوم، مواقف تاريخية، جرت بينه وبين رئيس الوزراء الأسبق زيد الرفاعي، والقائد العام للقوات المسلحة الأمير زيد بن شاكر، وهي المواقف التي جاءت بعد تنبؤ بدران بأزمة انهيار سعر الدينار.
ويقدم بدران في حلقة اليوم ذكرياته، التي لا يستعين بها بالوثائق، ويكتفي بالقول عن جوانب من لقاءاته مع الرفاعي وابن شاكر، بانها مواقف ما كان ليتخذها لولا استشعاره بالخطر.
ويشير بدران الى انه ظل مصرا على ابتعاده عن الواجهة، والتزامه بمقعده في مجلس الأعيان، لكن زيادة الديون التجارية للعراقيين، ومن دون كفالة بنك أجنبي، كانت السبب، برأيه، في أزمة سقوط الدينار، وتداعيات ذلك على الاحتجاجات في الشارع.
ويعود بدران اليوم بذاكرته للحظة تنبئه باستقالة حكومة الرفاعي، وتكليف زيد بن شاكر بتشكيل الحكومة، كما يتذكر أنه في تلك اللحظات استدعاه الراحل الحسين، لموقع رئيس الديوان الملكي، بطريقة وصفها بـ"الغريبة" تاركا شرحها للحلقة القادمة.
وكان رئيس الوزراء بدران قد كشف في حلقة أمس النقاب عن موقف الأردن الرسمي خلال مفاوضات مبادرة ريغان للسلام، وهو الموقف الذي أعلنه، حتى لا يغمز أحد من قناة الموقف الأردني في أي مفاوضات جرت باسم الفلسطينيين.
وأكد بأنه رفض المبادرة الأميركية في منح الحكم الذاتي للفلسطينيين، وانه أصر على منح الجانب الفلسطيني حقوقا كاملة في الضفة والقدس.
كما أرخ بدران في حلقة أمس للحظة الأولى التي أفرزت اتفاق عمان بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي اعتبرها بدران بـ"مفاوضات مهمة جدا" للأردن.
وفيما يلي نص الحلقة الرابعة والعشرين:
* في العام 1988 اشتعلت ما تعرف بـ"هبة نيسان"، حيث انطلقت المظاهرات بداية من معان، والجنوب، ووصلت للسلط وإربد، كيف بدأت الأزمة، سياسية أم اقتصادية؟
-دعني من الحدث نفسه، ودعني اذكر لك، ما تنبأت به في تلك الأزمة، التي هددت النظام السياسي، والبنى الاجتماعية، بعد إفلاس الدولة.
كان زيد الرفاعي رئيسا للحكومة، وأحمد اللوزي رئيسا لمجلس الأعيان، وأنا كنت عضوا في المجلس.
عرفت بأن مديونية العراق لنا، التي كنا نقدمها لهم مقابل تغطية بعض مستورداتهم من البضائع والصناعات الأردنية، من خلال البنك المركزي، بلغت 400 مليون دينار أردني.
كانت العراق في نهاية كل عام، تقوم بدفع ما عليها من استحقاقات، لكن البنك المركزي كان يغطي فواتير التجار والصناعيين الأردنيين من حسابه، ثم يسدد العراق ما عليه من أموال في نهاية كل سنة مالية.
لما عرفت بأن المبلغ وصل لـ400 مليون، ومن دون كفالة بنك أجنبي ذهلت، فقد كان علينا زمن حكومتي، وكل تلك التسهيلات، ما لم يتعد الـ70 مليونا، وإن زادت عن هذا الرقم فإننا نطالب بكفالة بنك أجنبي، حتى أن هذا الشرط أزعج الرئيس العراقي السابق صدام حسين الذي اشتكاني للراحل الحسين.
وفعلا، كنت مع الحسين في زيارة لبغداد، وبعد لقائه بصدام حسين استدعاني الحسين، وقال: هل هو قرار حكومتنا، فقلت: نعم، فقال: لا أصدق، وقلت له: إذا انهز العراق أنا أغرق، لكن العراق لا يحدث له شيء، لأنه قوي وأنا ضعيف، لذلك طلبت كفالة البنك الأجنبي، ورجوت الحسين أن يترك الأمور الاقتصادية لي، لأنه لا يحب التعامل معها.
لما اجتمعنا، فيما بعد، بالرئيس صدام حسين عاتبني كثيرا، وجادلته بالقول: إننا في الأردن دقيقون بالأمور المالية، لأن أي خطأ، سينزلنا تحت الأرض، وخاصة بعد أحداث بنك البترا.
قلت: هل تقبل أن يعاملك البنك المركزي الأردني كما يعامل الحكومة الأردنية؟
قال: طبعا.
قلت: إن الميزة الوحيدة التي يعطيني إياها البنك المركزي، هي أن أرباحي من تداول العملات الأجنبية المقرر استلامي لها في نهاية السنة المالية، يقوم البنك بمنحي جزءا كبيرا منها في بداية السنة المالية، بعد حساب دقيق لتلك الأرباح، وأنا كحكومة أردنية إن احتجت لتسهيلات مالية فالبنك المركزي الأردني لا يقدمها لي، بينما قدم هذه الميزة لك.
قال: ومن هي الجهة التي يرجع لها البنك في اتخاذ القرار؟
قلت: إن محافظ البنك المركزي مرتبط برئيس الوزراء، لكن مرجعيته في عمله، قانونه الخاص الذي ينظم عمله.
إذ سعيت بهذا القرار لحماية موجودات البنك المركزي من العملة الأجنبية، وأغضبت العراق الذي كانت تربطني به علاقة متميزة، في سبيل أن لا أشكل أي تهديد على مقدرات البنك المركزي.
*لكن حكومة الرفاعي تجاوزت سقف الدين العراقي، من 70 مليونا بكفالة بنك أجنبي، إلى 400 مليون من دون كفالات بنكية؟
-هذا ما تفاجأت به، فموجودات البنك المركزي من العملة الأجنبية، كانت 900 مليون فقط، إن ذهب منها للعراق 400 مليون، فهذا يعني بأني على وشك الإفلاس، خصوصا إن تأخر العراق عن دفع التزاماته.
مباشرة، بعد تدقيق المعلومات التي وصلت إلي، قدمت استجوابا للحكومة، عبر رئيس مجلس الأعيان أحمد اللوزي، ابلغ اللوزي الرفاعي باستجوابي الخطي، وقدر الرفاعي أن الإعلان عن الأمر سيضر حكومته، فطلب ان نعقد اجتماعا في مكتب اللوزي، وقال اللوزي بأنه لن يرفع الاستجواب في الجلسة، وأصررت على الاستجواب، وإن رفضه خطيا، فإني سأقدمه شفويا.
بعدها عاد اللوزي، وقال بأن الرفاعي يريد حل الموضوع في مكتبه، وأصر اللوزي وضغط علي من أجل الموافقة.
قبلت وقدمت شرطا واحدا، بأن يحضر شاهدان، الأول من طرفي، وسميته، وهو خليل السالم وهو رجل اقتصادي وخبير مالي وتسلم البنك المركزي بعد أن أسسه، وهو محسوب إن أردت الكلام في التقسيمات، على وزراء الرفاعي، وليس عليّ، والشاهد الثاني ينتخبه الرفاعي وهو حر في تسميته.
اتفقنا على اليوم والساعة، ودخلت مكتب اللوزي، وسألت عن خليل السالم، فقال اللوزي بأنه نسي أن يخبره، وصرت تحت الأمر الواقع، وسنتحدث سوية من غير الشهود الذين طلبتهم.
وبدأنا الحديث وقلت للرفاعي بأن هذا خطأ اقتصادي، قد يكون له نتائج وخيمة على الاقتصاد الأردني، وشرحت له كل أسباب تشددي مع العراقيين في الأمر، تحصينا لاقتصادنا.
فأجاب الرفاعي بأن "صوفته حمرة" عند العراقيين، ويريد أن يحسن العلاقات الأردنية العراقية، بينما هم أصدقائي، ويمكن أن يتحملوا مني مثل هذه القرارات.
أصررت على كلامي، بأن ما يقوم به الرفاعي خطأ كبير، ووعد قبل إنهاء الجلسة أن يخفض الرقم خلال أربعة أشهر إلى 200 مليون، لكني لم اقتنع بذلك.
خرجت من مكتب اللوزي، وكنت فعلا منزعجا من الأمر، وفي تقديراتي، بأننا على اعتاب مشكلة حقيقية، اتصلت بأبي شاكر، وكان قائدا عاما للقوات المسلحة، وذهبت إليه.
ومن التواريخ القليلة، التي ما زلت أحفظها، كان ذلك التاريخ، في شهر شباط "فبراير" من العام 1988، وشرحت لأبي شاكر كل ما جرى، وشرحت له، بأنه لا يوجد قيمة مضافة من استيراد زيت النخيل من ماليزيا، ونقله من ميناء العقبة إلى العراق، ودفع ثمن تلك المواد من خزينتنا، فلسنا مستفيدين من هذه السياسة الاقتصادية، الخاوية من الفائدة، لتجارنا وصناعاتنا وزراعاتنا.
وحذرته بأن الأمور الاقتصادية، على هذا المنوال، ستكون كارثية، ولن يستطيع الرفاعي مقاومة إلحاح العراقيين، وعلى الملك الحسين أن يتدخل.
ضحك ابو شاكر، وقال إن الملك الحسين، لن يتدخل، ولن يخفض على العراقيين سقف ديونهم.
فقلت بغضب: "والله العظيم يا ابو شاكر، في شباط القادم، إلا الدولار يصير بنصف دينار أردني".
قال: "يا ابو عماد من وين جبتها هالمعادلة، يعني لأنه علاقتك سيئة مع الرفاعي هيك بتحكي".
ضحكت وقلت: "يا ابو شاكر أنت بتعرفني منيح، وموقفي من هالقضية مهني ووطني وليس شخصيا". وبدأت استعد للخروج من مكتبه.
ابو شاكر كان جالسا أمامي تماما، وإذ به يرجع ظهره إلى الكرسي، ويشد ذراعيه للأعلى ويقول: والله تعبت من الشغل، وبدي أخلص من هالضغط كله.
قلت مباشرة: "بطلت أروح، ورحمة أبوك، إلا تحكي شوفي عندك".
قال: "ما في إشي، من وين جبتها إنه في إشي؟"
قلت: "ما أنت امبراطور في الجيش، من شو تعبان، والله لتقول إلي عندك".
قال: "بيننا.. سيدنا عرض علي رئاسة الديوان الملكي".
قلت: "ما بتروح للديوان الآن، ويجب أن تبقى لشباط القادم، موعد انخفاض الدينار، الذي سيؤدي إلى مظاهرات تهددنا جميعا بالخطر، وسأذهب الآن للملك وأقول له ذلك".
قال: "مشان الله بلاش، قد يعتقد الحسين بأني من طلبت منك ذلك، وأنا سأقول له بطريقتي عن الموضوع وبأسلوب مختلف".
خرجت من مكتب أبو شاكر باتجاه مكتبي، والموضوع يطبق على كل تفكيري، وما إن وصلت البيت، فدخلت إلى مكتبي وجلست وحدي، وصرت أعيد تقدير الأمور، وكيف لي أن أقسم وأتاكد على أمر مستقبلي، أعدت كل حساباتي، فوجدت بأني قد أكون على حق، وللإمعان أكثر في القضية، اتصلت مع البنك، وسألت عن حسابي الذي اقترضته من بنك القاهرة عمان، وكان ما يزال الدين علي بقيمة 80 ألف دينار، فطلبت من المدير تحويل المبلغ من الدينار إلى الدولار والجنيه الاسترليني، وهل يسمحون بذلك، فقال "من دون أي تأخير".
فعلا، تم تحويل المبلغ، الذي اقترضته من البنك، إلى تلك العملتين، واشتريت الدولار بـ36 قرشا، والجنيه الاسترليني بـ50 قرشا، واحتفظت بالفواتير، وأظنها ما تزال لليوم في مكتبي، في العام الجديد، وبتقدير أخطأت فيه بشهر واحد، بدأ الدينار الأردني بالهبوط في آذار "مارس" وبسرعة، ومع انهيار الدينار، بعت الدولار، الذي اشتريته بـ36 قرشا، بـ89 قرشا، والجنيه الاسترليني بعته بـ1.30 قرش، بعد ان اشتريته بـ50 قرشا.
وكانت نتيجة هذا التقدير، بأني أغلقت كل ديوني للبنك، وزاد لي مبلغ إضافي، قمت به ببناء منزل ابني عماد بالخلف من منزلي.
في شهر نيسان "ابريل" وقعت الواقعة، وأفلسنا فعلا، وبعد أن استملت من زيد بن شاكر رئاسة الحكومة، التي تسلمها هو من الرفاعي، سألت البنك المركزي عن موجوداته من العملة الأجنبية، وقالوا لي، لا يوجد سوى 150 مليون دولار، من أصل 200 مليون، جاء بها ابو شاكر من المملكة العربية السعودية، كمساعدة طارئة بعد الإفلاس.
لقد قلتها للراحل الحسين، بأن تخفيض النقد، يعني سرقة الحكومة من جيب المواطن قيمة التخفيض، وللحيلولة دون ذلك، فعلى الحكومة، عندما تلجأ لتخفيض النقد، أن تعوض القيمة زيادات على رواتب المواطنين.
سمعت فيما بعد بأن مروان القاسم أيضا كان قد نصح الحسين، بأننا نسير باتجاه الإفلاس وسقوط الدينار، لكن الراحل الحسين لم يتوقف عند رأيه.
فقد حصل ذات الأمر، عندما كنت مديرا للمخابرات، وكان خليل السالم محافظا للبنك المركزي، وكانوا أقنعوا الراحل الحسين، بتخفيض الدينار، بذريعة تشجيع الصناعة والتصدير إلى بريطانيا، فأوقفت القرار بعد أن شرحت خطورة الأمر للحسين.
وعاتبني السالم بعدها بمدة، وقال لي: إن كان يحق له التدخل بالأمور العسكرية؟
فقلت: لا.
فقال: إذا كيف لك أن تتدخل بالاقتصاد؟
فقلت: لأني افهم بالاقتصاد، لكنك لا تفهم بالأمور الأمنية والعسكرية!.

* وبدأت الأحداث في نيسان من العام 1989 وكنت خارج السلطة، ولكن صديقك زيد بن شاكر، كان قائدا عاما للقوات المسلحة، ماذا فعلت، وهل بقيت متفرجا؟
-فعلا، كان كل همي من بقاء ابو شاكر في المسؤولية، أن أنصح من خلال صديق أعرفه، فأنا لا أعرف من كان سيأتي بعد أبو شاكر، وإن كان سيعرف، من أنا، أو لماذا أتدخل في أمر يتعلق بحجم استقرار النظام والأمن الوطني.
لما بدأت الأحداث، كنت جالسا في البيت، وبدأت التداعيات تتطور، صحيح أن السبب الأساسي في المظاهرات كان العامل الاقتصادي، لكن سرعان ما تطورت الأحداث والتداعيات لتشمل المطالبات وقف العمل بالأحكام العرفية، والمطالبة بالحريات العامة وتحقيق إصلاحات عامة، وعودة مجالس النواب وإقرار قوانين الإصلاح السياسي.
لقد أسميتها ثورة، وقلت لزيد بن شاكر، بأن انهيار الدينار، سيسبب ثورة بعد عام من تقديمي النصيحة له.
ولما بدأت أحداث معان، بدأت أتابع عن كثب ما يجري، وفعلا تنبأت بكل التطورات واتصلت بالأمير الحسن وقتها، ونصحته باستعراض القوة الأمنية، لكن حذرته من استخدامها، وحذرت كثيرا من قمع المتظاهرين أو إسالة الدماء.
وبقيت على اتصال بالأمير الحسن أولا بأول، وقلت له بأن الأحداث ستنتقل في اليوم التالي إلى الكرك، وخفف هو من تقديراتي الأمنية، وحاول أن يطمئنني، وحاولت أن أقنعه بخطورة الأوضاع، وضرورة إبلاغ الملك الحسين، الذي كان في زيارة للندن، ومعه رئيس الوزراء زيد الرفاعي، وضرورة عودتهما بسرعة.
في اليوم التالي، بدأت الأحداث تصل إلى الكرك، وتطورت الأمور كثيرا، وبقي الأمير الحسن مصرا على موقفه، بأن كل الأمور تحت السيطرة، وقلت له بأن اليوم التالي، ستبدأ الأحداث في السلط، وعندها عليه أن لا يسألني متى سيكون دور عمان، لأن الأمور ستتطور ككرة الثلج.
اجتمع الحسن كنائب للملك، وولي العهد مع مجلس الأعيان، وقدم شرحا للأحداث، وكان يوم خميس، وقال بأن الشيخ فيصل الجازي لا يرد على الهاتف، بعد أن عرف بأن الأمير الحسن يريده، اقشعر بدني، فكيف ذلك؟ الأمير الحسن يتصل بشيخ الحويطات فيصل الجازي رحمه الله، ولم يرد على الهاتف. عندها سألت سليمان عرار، عن مكان وجوده، فقال بأنه في معان، فطلبت منه أن ينتقل فورا إلى الحسينية، ويعرف لماذا لا يرد الجازي على اتصالات الحسن، ذهب عرار واستفسر من الجازي، وقال بأن هناك من استجار به من سائقي سيارات القمح، وأجارهم ، وقام أبناء منطقة الحسينية بحرق الشاحنات، وهو ما أزعج الجازي لانتهاك أحد أهم أعراف القبائل، في الاعتداء على المستجير.
لما بدأت الأحداث تصل إلى السلط، اتصل معي الحسن وسألني عن مصدر معلوماتي، وعندها امتعضت، واعتبرت بأن الأمير الحسن أخطأ في توجيه كلماته تلك لي.
مع تطور الأحداث عاد الراحل الحسين إلى البلاد، وكانت عودته وحدها كفيلة بتهدئة النفوس، فللحسين سحره على شعبه، فعلا بدأت الأمور تهدأ، ولدى زيارة صدام حسين لعمان في اليوم التالي، بدأ الجميع يراقب ما الذي سيجري، ومع نزول صدام حسين من الطائرة، غاب رئيس الوزراء زيد الرفاعي عن الاستقبال الرسمي، فعرفت بأن الحسين أقال الحكومة، وكنا، أنا وعبد الرؤوف الروابدة وسعيد التل، نجلس في منزلي أمام شاشة التلفزيون، ونتابع أخبار الثامنة، ونراقب مراسم استقبال الحسين للرئيس العراقي، عندها كان الروابدة يرجح الإبقاء على الحكومة بعد الأحداث، معللا الأمر بأن الحسين لا يحب التغيير تحت الضغط الشعبي.
فسألته إن كان الرفاعي يقف في استقبال صدام؟، فقال: لا، فقلت أظن بأن الحسين أقال الحكومة، وسيبدأ بعملية التغيير.
بعدها دعا جلالة الملك، أعضاء مجلس الأعيان لطعام الغداء، وللتشاور حول تداعيات أحداث نيسان العام 1989، نظرت في القاعة وإذ بالصحفيين يجلسون في الصفوف الأخيرة في القاعة، تحدث الحسين، ولما انهى كلامه رفعت يدي للتعقيب، غمزني الأمير زيد بن شاكر، وقال لي الحسين بأنه سيستمع إلى رأيي على طاولة الغداء.
وأنا ذاهب لمكان الغداء، قال لي ابو شاكر: "كيف بدك تعقب على كلام الحسين، والصحفيون يجلسون في القاعة"؟، فقلت له إن من جاء بهم لحضور اللقاء، يريد أن ينشر تفاصيل اللقاء، فالراحل الحسين يجيد تقدير كل الأمور، فأبلغني ابو شاكر، بأن الصحفيين تمت دعوتهم عن طريق الخطأ، وأن كلامي كان قد يوتر كل الأجواء، فالحسين وابن شاكر يعرفان بأني ساخط على كل السياسات التي أوصلتنا لأحداث نيسان.
ولما جلسنا على طاولة الحسين، وبدأت الحديث، طلبت من الحسين أن يعرف شعبه وماذا يريدون، ولكي يتمكن من ذلك، فعليه أن يجري بسرعة انتخابات حرة ونزيهة، حتى نعرف ماذا يريد الشعب.
وقلت له وصفا، صار الحسين يستخدمه كثيرا بعدها، بأن عليه "أن يفتح الطنجرة ويرى ما في داخلها" وهذا لن يأتي إلا عبر صناديق الانتخابات.
وقلت له قصة الشيخ فيصل الجازي الذي زاره وفد صحفي أميركي، وسألوه عن أحوال المملكة، وقال لهم نحن رجال النظام، ونحن فزعة للحكم، وبعدها سألوا أحد أبناء الشيخ فيصل عن مطالبه، فطالب بالحريات العامة، وإجراء الانتخابات، وعودة الحياة الديمقراطية، فعاد الوفد للشيخ فيصل، يبلغه بمطالب ابنه، فقال: "والله بطلنا نعرف أولادنا شو بدهم!".
وفعلا كان الحل برأيي إجراء الانتخابات بنزاهة، ومواجهة خيارات الشعب مهما كانت، ولكن ضمن إطار قانوني، يسهل الحوار بين أجهزة الدولة وممثلي الشعب.
عندها علق الرفاعي على كلامي، بأن النتائج ستأتي بالمعارضة، فقلت له لو استمع بعض وزرائه لكلام المعارضة في موضوع الموازنة العامة، لما وصلنا لهذه الحال، من عدم الثقة والفوضى.
فعلا، استقالت حكومة الرفاعي وتم تكليف زيد بن شاكر بتشكيل الحكومة، واستدعاني الملك الحسين رئيسا للديوان الملكي بطريقة غريبة.
توضيح لبدران في "سياسي يتذكر"
ورد في أحد عناوين الحلقة الرابعة والعشرين من "سياسي يتذكر" مع رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، التي تنشر في "الغد" قوله: "استجوبت وأنا في الأعيان العام 88، حكومة الرفاعي حول نذر أزمة انهيار الدينار للتحذير منها".
والأصح، أن العين بدران حينها، قدم مشروع استجواب للحكومة الى رئيس مجلس الأعيان المرحوم أحمد اللوزي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:32 am

الحلقة الخامسة والعشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: مجلس نواب "مش ابن عيشة".. كان تقييم كبار المسؤولين


الراحلان الحسين بن طلال والعاهل السعودي الملك خالد بن عبد العزيز في أحد اللقاءات

محمد خير الرواشدة
عمان- يستكمل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران حديثه اليوم، ويشرح الطريقة، التي استدعاه بها الراحل الحسين لموقع رئيس الديوان نهاية الثمانينيات.
وفي حلقة اليوم، من حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، يصف بدران الآلية التي بدأ فيها العمل، مع رئيس الوزراء، وقتها، الأمير زيد بن شاكر، على التحضير لانتخابات مجلس النواب الحادي عشر، العام 1989.
ويسهب بدران اليوم، في شرح "مميزات" أبو شاكر، في رئاسة الحكومة، فصحيح أنه لم يسبق له العمل رئيسا للحكومة، لكن بدران يؤكد بأنه "رجل مناسب، لأن المرحلة (كانت) تحتاج لرجل، لم يسبق له الخدمة، ولم يكوّن المواطن عنه أي انطباع سلبي"، وظلت شخصية أبو شاكر كقائد للجيش شخصية عسكرية محبوبة.
ويتحدث بدران عن دفاعه عن نتائج انتخابات مجلس النواب العام 1989، التي انتقدها من حضر اجتماعا، في مجلس الوزراء، حيث أكد المنتقدون يومها صعوبة التعامل مع المجلس الجديد، خصوصا وأن المجلس أغلبيته معارضة، جاءت بالانتخاب، وقالوا: بأن المجلس "مش ابن عيشه".
وقال بدران "لقد كشفنا ما في "بطن الطنجرة"، وعرفّنا شعبنا ما الذي يريده، لقد كانت اليافطات، تغطي رؤوسنا في الشوارع (خلال الانتخابات)، وتحجب عنا نور الشمس، وكلها كانت تطالب بمكافحة الفساد، وهذا ما يريده شعبنا. والمجلس وليد قرار ديمقراطي، ويجب أن يبقى، وهنا أنهى الحسين النقاش".
واليوم، يبدأ بدران الحديث عن تكليفه بتشكيل حكومته الأخيرة، العام 1989، والظروف التي قبل فيها تكليف الراحل الحسين، ويدخل في تفاصيل المواقف النيابية من حكومته، وتقييمه لصعوبة المهمة.
وكان بدران قد تحدث في الحلقة السابقة، عن مواقف تاريخية، جرت بينه وبين رئيس الوزراء الأسبق زيد الرفاعي، والقائد العام للقوات المسلحة الأمير زيد بن شاكر، وهي المواقف التي جاءت بعد تنبؤ بدران بأزمة سقوط الدينار.
كما استذكر بدران أمس، لحظة تنبئه باستقالة حكومة الرفاعي، وتكليف زيد بن شاكر بتشكيل الحكومة، كما يتذكر أنه في تلك اللحظات استدعاه الراحل الحسين لموقع رئيس الديوان الملكي، بطريقة وصفها بـ"الغريبة"، وهو ما سيشرحه اليوم.
وفيما يلي نص الحلقة الخامسة والعشرين:
* قلت إن الحسين، رحمه الله، استدعاك لرئاسة الديوان العام 1989 بطريقة غريبة، ما هي هذه الطريقة؟ 
- وأنا خارج المسؤولية، لا أحب أن أتدخل في التفاصيل، لكن إن وقع أي خطب جلل، أقاوم هذا التحدي، ولا أترك أحدا من كبار المسؤولين، إلا وأبلغه بمخاوفي، وأنصحه بتقدير الأمور جيدا.
لقد هدأت الأمور في البلاد (بعد مظاهرات هبة نيسان)، ولم يعد هناك ما يخيف، خصوصا أن الراحل الحسين عقد العزم فعلا على اعادة الحياة الديمقراطية، وإلغاء الأحكام العرفية.
لقد أسميت ما جرى في نيسان 1989 بالثورة، لأن الأمور كانت تنذر بذلك، ولولا خوفي من تلك الحالة، لما بادرت بالاتصال مع أحد.
لقد جاءني عبد اللطيف مرعي، وهو من أنسبائي، وكان يعمل في مجال استيراد الخشب، وقال لي بأنه كان يوزع الخشب على تجار التجزئة، ولا يطالب بدفع شيء من قيمة الخشب تحت الحساب، حتى يستوفوا أموالهم من المشاريع، التي يعملون فيها، ومع الأحداث جاءني، وقال لي قصة مرعبة، وهي أن أحد التجار، الذين يتعامل معهم، جاءه وسأله عن الأحداث، وقال "لو بدأت الأحداث في عمان، فأول شيء سيقوم به ذلك التاجر، هو حرق مستودعات عبداللطيف مرعي"، فاستغرب مرعي من الأمر، وسأله: لماذا تفعل بي ذلك، وأنا اتعامل معك بأريحية؟، فرد الرجل بالقول: لماذا تملك أنت هذه المستودعات وأنا لا أملك مثلها!.
لقد أذهلتني هذه القصة، وقد حركتني بكل الاتجاهات.
وبعد أن استدعاني الراحل الحسين، من بعد أن كلف زيد بن شاكر برئاسة الحكومة، ذهبت إلى الديوان الملكي، ودخلت على الحسين في مكتبه، وقال: اريدك رئيسا للديوان، وهم بالخروج بعدها، فقلت له: لو سمحت سيدي أن تجلس فليس بهذه الصورة تتم الأمور.
وقلت له بأني لم أتغير، وأنه من تغير، فقال الحسين: صحيح، وقلت لذلك، قد لا أكون ممن يستطيعون خدمة الملك، في هذه المرحلة، فقال بأنه يحتاجني ويريدني إلى جواره، فقلت لكن المهمة صعبة، وتحتاج من الجميع التضحية، وأول من سيضحي هم أسرته، الذين لا يعلمون شيئا عن الأحداث في البلاد.
فقال الحسين: افعل ما تراه مناسبا.
بدأ زيد بن شاكر، رئيس الوزراء، التحضير للانتخابات، وبدأنا نعمل كخلية نحل، فالوقت يداهمنا، واستحقاقات الحدث لا تتطلب أي تأخير، وكنت مع ابو شاكر خطوة بخطوة، وطلب الراحل الحسين من أبوشاكر بأن يضعني بصورة الانتخابات أولا بأول، فأبو شاكر لم يسبق له العمل الحكومي، لكنه رجل مناسب، لأن المرحلة تحتاج لرجل لم يسبق له الخدمة ولم يكوّن المواطن عنه أي انطباع سلبي، وظلت شخصية أبو شاكر كقائد للجيش شخصية عسكرية محبوبة. تعاونا في كل شيء، ولم يكن هناك أي منغّص من أي نوع، فقد توافقنا على الأدوار، وجرت الانتخابات نهاية العام 1989.
وفعلا كانت انتخابات حرة ونزيهة، ولم تتدخل أجهزة الدولة، بأي شكل من أشكال التزوير، وبقينا متيقظين لسلامة الإجراءات بالدقة والحرفية اللازمتين، وكشفنا عن الصناديق وعرفنا ما الذي يريده الشعب.

*من داخل مركز القرار، هل كان هناك ارتياح لنتائج انتخابات مجلس النواب الحادي عشر العام 1989؟
- أمضينا أنا وزيد بن شاكر طول ليلة الانتخابات في مكتبه برئاسة الوزراء، وظلت تأتينا النتائج أولا بأول.
في الصباح أبلغنا بأن الراحل الحسين سيزور رئاسة الوزراء، وسيلتقي بنا هناك، كنا ما نزال على وضعنا، لم ننم ولم نغادر المكتب.
وسأل الحسين عن تقييم النتائج، وكان يجلس على الطاولة الأمير الحسن وزيد الرفاعي وزيد بن شاكر وأنا.
وبدأ الجميع ينتقد نتائج الانتخابات، ويقول كيف لنا، أن نواجه مجلسا أغلبيته معارضة، جاءت بالانتخاب، وقالوا: بأن المجلس "مش ابن عيشه".
أنا بقيت صامتا، لكن أريد أن أنفجر، لدى سماعي لهذه الآراء، وإذ بالملك الحسين يريد أن أقدم رأيي في النتائج، وقلت بيني وبين نفسي: "جاء الفرج"، فلو بقيت صامتا لمت غيظا.
وبدأت أرد على كل ما جاء من تقييمات، ووجهت كلامي للحسين، وقلت: لقد كشفنا ما في "بطن الطنجرة"، وعَرفّنا شعبنا ما الذي يريده، لقد كانت اليافطات تغطي رؤوسنا في الشوارع وتحجب عنا نور الشمس، وكلها كانت تطالب بمكافحة الفساد، وهذا ما يريده شعبنا.
والمجلس وليد قرار ديمقراطي، ويجب أن يبقى، وهنا أنهى الحسين النقاش.

*وكيف شكلت حكومتك في وجه مجلس نيابي، جاء بشهية مفتوحة للمعارضة، بعد طول مدة الأحكام العرفية؟
-تلك قصة قد تستغرب منها؛ لقد أنهينا الانتخابات، وتوقعت تماما مخرجات صنايق الاقتراع، ولم أتفاجأ بالأمر، فردة الفعل الشعبية، خلال الانتخابات كانت ستأتي، بنسب عالية من مشاركة الناخبين، من أصحاب المزاج الغاضب، خصوصا بعد انقطاع طويل عن ممارسة هذا الحق السياسي، في زمن الأحكام العرفية.
كما أن النواب قادمون على ظهور قواعد انتخابية، تواقة للتغيير، ومادام التغيير المطلوب  يستهدف رجال الحكم، وانت عليك أن تتصالح مع الفكرة، فعليك اذا أن تقبل التعامل مع هذه الفئة الجديدة من النواب، الذين لن يقبلوا بالحلول الوسط في السياسات، كما عليك أن تحضر درسك جيدا، كرئيس حكومة، فالنواب سلطة عليك، تشريعية ورقابية.
لما بدأ الكلام عن تطبيق العرف السياسي، القاضي بتكليف رئيس حكومة جديد، يواجه مجلس النواب الجديد، كنت مطمئنا لفكرة أن يعاد تكليف زيد بن شاكر، فهو من أجرى انتخابات حرة ونزيهة، هذا سيشفع له أمام مجلس النواب، خصوصا وأن أبو شاكر رجل دمث ومهذب، وليس له تاريخ سياسي، يحاسب عليه، وقد تكون صفاته الدبلوماسية تلك، من المؤهلات اللازمة لمواجهة برلمان شديد المعارضة، كما أنه قائد عسكري له كاريزميته.
وفي أحد الأيام من تلك الفترة، طلب مني الراحل الحسين تشكيل الحكومة، فقلت له: كيف ذلك، خصوصا وأن زيد بن شاكر يجب أن يكمل مهمته؟
فقال لي الحسين بأنه يريد بن شاكر رئيسا للديوان، وأكدت على الحسين بأن مهمة أبو شاكر في الحكومة لها مقومات النجاح، فيما أنا سأكون على مرمى المعارضة النيابية، التي ستخرج لي أخطاء حكومات توفيق أبوالهدى وتحاسبني عليها.
راوغت كثيرا مع الحسين، وأغضبه رفضي، وقال بأني من ورطه بمجلس النواب، وعليّ أنا أن أواجه.
قلت له، أقبل بتشكيلها بشرط واحد، وهو إن وافق الإسلاميون على الدخول في حكومتي، فقال امضِ بمشاوراتك، فقلت وإن رفضوا، فإني سأعتذر عن التكليف وتشكيل الحكومة.
طبعا، أظن بأن الراحل الحسين أرادني في تشكيل الحكومة تلك، لأنه كان على علم بموافقة الإسلاميين على اختياري كرئيس، فقد قالها الحسين مرة، لمحمد عبد الرحمن خليفة (المراقب العام للاخوان المسلمين) عن اختيار مضر بدران لتشكيل الحكومة، فقال له: "خير ما تعمل".
وبدأت من هناك رحلة التفكير في الأمر، فلماذا العودة مجددا للعمل الحكومي، الذي أرهقني كثيرا، وأنا كنت قد قررت اعتزال العمل السياسي الحكومي، وهيأت نفسي للإقامة في منزلي، واعتبرت مهمة رئاسة الديوان خلال العام 1989 هي مهمة وطنية، قبلتها بدافع حرصي على النظام السياسي، وعلى وطني، وخدمة العرش الذي أمضيت عمري في خدمته.
وبدأت مشاوراتي مع كتلة الاخوان المسلمين في مجلس النواب، وكانت مفاوضاتي معهم سهلة، فهناك تاريخ بيني وبينهم من الثقة، ولا أجد ما يبرر معارضتهم لي أو لحكومتي، كما أني كنت أعرف كيف أقوى قياداتهم في العمل الحكومي، وكان التعاون معهم سهلا، فاسحق الفرحان وعبد اللطيف عربيات أعرفهما من العمل الحكومي وليس السياسي الحزبي.
لكن ما أخر مناقشاتي معهم، بأني كنت أريد أن أدخل وزراء منهم الحكومة مع تشكيلها الأول، فظلوا يذهبون لقيادتهم، ويعودون في ماراثون مفاوضات، أخذ وقتلا طويلا.
في نهاية المطاف، زارني المراقب العام خليفة، وأبلغني موافقة الجماعة على منح الثقة لحكومتي، لكن من دون دخولهم كوزراء معي.
فقلت له، بأن قرارهم هذا سيعني إبلاغي للراحل الحسين اعتذاري عن تشكيل الحكومة، وفشلي في المفاوضات معهم، فرد علي، وأبلغني بقصته مع الحسين.
قال خليفة: لكننا سنمنحك الثقة، فقلت أنا أريد المعارضة في حكومتي، وليس على مقاعد الرقابة علي.
كان الملك تلك الأثناء، يتابع عن كثب كل ما يدور معي، وظل يتصل معي، يريد أن يطلع على التطورات.
بعد أن أبلغني محمد عبد الرحمن خليفة موقف الإخوان بعدم الدخول معي بالحكومة، طلبت الحسين وقلت أريد موعدا في اليوم التالي، لأطلعه على التفاصيل الجديدة.
الحسين من الذكاء لأن يعرف ماذا أنوي فعله، وعرف بنيتي الاعتذار عن قبول المهمة.
فجأة رن جرس المنزل، وأبلغوني بأن الملك الحسين، في غرفة الضيوف، ينتظرني، استغربت، خرجت بسرعة، فقد خفت من أن هناك شيئا خطيرا جاء بالحسين.
لم نجلس، وبقينا واقفين، وقال لي الحسين بأنه يريد مني القبول بتشكيل الحكومة بدون أعذار، وأن أوافق على مواجهة مجلس النواب مهما كان الأمر، وأن هذه رغبته، وطلب مني، أن لا أخالف أوامره.
جلست فجأة، فقلت ماذا سأقول للحسين؟ هل أرفض طلبه وهو الذي شرفني في بيتي بهذه الزيارة، وطلب هذا الطلب في منزلي؟
سكت، وقلت للحسين: "أنا بأمرك، ولن أناقشك الآن في شيء"، وقلتها في بيان الحكومة أمام مجلس النواب: "لما طلب مني الملك الحسين تشكيل الحكومة صدعت لأمره"، وكنت أعني قولها.
وقبلت التحدي، الذي ألزمني به الحسين، وتحملت من أجل ذلك ما تحملته من كلام وانتقادات، فقد قيل خلال مناقشة أعضاء المجلس لبيان الحكومة، ما لم يقله أحد، وصمدت في وجه كل تلك الانتقادات.
وكان همي الوحيد، أن ينجح المجلس بمهمته، ولم يكن لي في ذلك سوى أن أحضر جيدا درسي الحكومي، فالخطأ كان أمام أعضاء ذلك المجلس مصيبة، فأنت تتحدث عن 22 نائبا إسلاميا، ونحو 16 نائبا يساريا وقوميا، والبقية نواب الكتلة الوطنية، لكن الثقل كله بيد المعارضة، وأي خطأ أمام هذه المعارضة، يسهل الإطاحة بك، وهذا لا يعني أن نواب الكتلة الوطنية، كانوا أقل براعة ومعارضة من المعارضة النيابية، ففيهم نواب متمرسون بالعمل السياسي، وليس سهلا الاستحواذ على مواقفهم، من دون أن تقنعهم، خصوصا أنهم قادمون أصلا من المناطق والمحافظات، التي كانت سببا أساسيا من أسباب التحول الديمقراطي الكبير.

 *كيف شكلت آخر حكومة لك العام 1989، وكيف قاومت المعارضة النيابية، وكيف اقنعت جماعة الإخوان المسلمين بالمشاركة في حكومتك بعد إجراء تعديل عليها، وهي المرة الوحيدة التي منحوا فيها الثقة لحكومة وشاركوا فيها؟
-لم يكن الأمر سهلا هذه المرة، فوجود مجلس نواب حر ونزيه، يفرض عليك الرقابة في كل شاردة وواردة، ولا يجعلك تتحرك بسهولة في خياراتك، من أسماء الوزراء.
كنت عاقدا العزم على أن يكون معي نواب في الحكومة، يمثلون الاتجاهات السياسية الثلاثة، وكان جل همي أن لا ينفرد الإسلاميون بمقاعد المعارضة، وقطعا إذا أردت الإسلاميين معك، فإنك تكون قد خسرت القوميين واليساريين.
فالفرق الأيديولوجي بينهما، كان يقضي بوجود أحد معك، أما كلاهما.. فهذا أمر مستحيل. وكانت حساباتي دقيقة، فالرقم النيابي، الذي أحتاجه معي في العمل الحكومي، يقضي مني أن أناور على نصف أعضاء مجلس النواب، زائد واحد، وهذا يعني أن تكون المعادلة واضحة: 22 نائبا إسلاميا، وأستطيع إقناع نواب الكتلة الوطنية، الذين كان عددهم نحو 32 نائبا، وبالتالي أحظى بدعم النواب لي، سواء بالثقة في الحكومة، أو حتى في سائر التشريعات والأعمال التي تحتاجها الحكومة.
عرفت بمنح الإسلاميين لي الثقة، وسعيت للتفاوض بشكل جاد مع نواب الكتلة الوطنية، ولم أدع نائبا، إلا شاورته، وكان ماراثونا طويل النقاشات، حتى وقفت على تشكيل حكومة برلمانية، أو يمكن اعتبارها كذلك.
بالنسبة لي، كنت أفضل العمل مع الإسلاميين، الذين عملوا في الحكومة، لأنهم يستطيعون أن يضيفوا للعمل الحكومي من جهة، وتستطيع أن تستثمرهم عند جماعتهم في القدرة على الإقناع، لأن المشاركة في السلطة تختلف جذريا عن معارضتها، فأنت، عندما تكون مسؤولا حكوميا، تعرف فلسفة القرارات، وتستطيع بناء المقاربات حولها، باختصار ستكون ناضجا في معارضتك.
واعتقد أن ما زاد بريق عبد اللطيف عربيات مثلا في صفوف الحركة الإسلامية، من جهة، وفي صفوف رجالات الراحل الحسين من الجهة الأخرى، هو خدمته الحكومية في وزارة التربية، واعتلاؤه كرسي رئاسة مجلس النواب لثلاث دورات نيابية في مجلس النواب الحادي عشر.
 * كان لك موقف بعد نيل الثقة النيابية مع العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز والأمراء في وقتها، الأمير عبد الله ابن عبد العزيز ولي العهد، ووزير الخارجية سعود الفيصل؟
-صحيح؛ كان موقفا غريبا نوعا ما، ولم أكن أعرف بأن الأشقاء في السعودية، يتابعون عن كثب، ما يجري في أروقة السياسة المحلية عندنا.
كنا في زيارة مع الراحل الحسين إلى الرياض، وإذ بالملك فهد يسألني، عن الطاقة والجلد لديّ حتى تحملت كل هذا النقد النيابي في البرلمان، وأنه تفاجأ من قدرتي على الصمود أمام المعارضة النيابية، التي ما تركت وصفا إلا ووصفتني به، وقال الأمير عبدالله بأنه والملك فهد والأمير سعود بن فيصل أمضوا ليلة كاملة، وهم يتابعون شريط تسجيل مناقشات النواب لبيان حكومتي.
فقلت للملك فهد: "ببساطة أنتم السبب في كل ما جرى ويجري.. وأن الديمقراطية في الأردن سببها تأخر المساعدات الخليجية وشحّها". وقلت انهم بفعلتهم تلك تركوا الاقتصاد الأردني في تراجع حتى بدأت ثورة حقيقية، هددت النظام الملكي في الأردن، وبأنهم يعرفون أكثر من غيرهم قيمة أن يكون الأردن آمنا مستقرا.
وطلبت من الملك فهد، رحمه الله، أن ينادي الأمير عبد الله، لكي يسأله حول كم مرة طلبت منه العون والمساعدة الطارئة، لأن وضعنا في "الويل".
واليوم، كان عليكم أن تتوقعوا ذلك، لأنكم بصورة أوضاعنا الاقتصادية، ولم يكن أمامنا سوى حل وحيد، وهو الديمقراطية، حتى نتشارك جميعا في الأردن بتحمل المسؤولية.
وإذا أردتم حل مجلس النواب، فالأمر بسيط وسهل، ويمكن أن تعود الأمور لما كانت عليه، لكن مقابل حل اقتصادي جذري لمشكلتنا.
وسأل الملك فهد عن الحل الجذري، وكم يكلف، فقلت: يكلفني كمملكة أردنية 5 مليارات دولار، ويكلفك كمملكة عربية سعودية 8 مليارات.
سأل؛ كيف؟ قلت: إن سددت أنا مديونية الأردن، فسأستفيد من خصم على السداد المبكر للقروض، وإن ذهبت أنت لتدفع مديونيتنا، فسيأخذونها منك 8 مليارات كاملة.
للحظة، ساد الهدوء القاعة التي كنا نجلس فيها، وإذ بالملك فهد يكسر الصمت بالقول: ويُحل مجلس النواب؟ قلت: بلا تأخير، قال ستبدأ اللجان بالعمل على الأمر، وسأدفع لكم مديونيتكم.
مباشرة، وبعد انتهاء اللقاء، عدنا بمعية الراحل الحسين إلى عمان، ومباشرة طلبت لقاء نواب كتلة الإخوان المسلمين في منزلي، وأبلغتهم بالموقف السعودي من دفع المديونية، مقابل حل مجلس النواب، وكان يجلس في غرفة الضيوف، في بيتي، كل من عبداللطيف عربيات واسحق الفرحان والدكتور علي الحوامدة والدكتور يوسف العظم، رحم الله العظم، الذي قال بعد أن سمع ما قلته: سأذهب للجفر مشيا على الأقدام، لأبلغ الناس نجاحنا في حل مشكلة الأردن الاقتصادية.
في اليوم التالي، التقيت رئيس كتلة اليساريين والقوميين عيسى مدانات، ولما أبلغته بالأمر، قال بعدها يمكنك حل مجلس النواب فورا، ومن دون تأخير.
لقد قدر نواب المعارضة كلفة حل مجلس النواب، بـ8 مليارات، واعتبروه ثمنا يكافئ حل مجلسهم، لأن في تلك المعادلة ثمة مصلحة وطنية أهم من كل الاعتبارات الأخرى.
وفعلا، كان الأمر بالنسبة لنا نافذة لحل مشكلتنا الاقتصادية، بشكل جذري، لم يمض على كلام الملك فهد أشهر، حتى باغتنا الرئيس العراقي السابق صدام حسين باحتلال الكويت، وبدأنا نعيش نذر كارثة جديدة تمر على الأمة العربية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:35 am

الحلقة السادسة والعشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: طارق عزيز كان الوحيد المعارض لاجتياح الكويت

الرئيس العراقي الراحل صدام حسين ومضر بدران في أحد اللقاءات


- "لن أفاجأ إن دخل العراق الكويت".. جملة سربها الكباريتي من اجتماعي بالنواب للإعلام فاتهمت بمعرفتي بالحرب مسبقا
- أوامر الحسين لي كانت بإدخال الإسلاميين في حكومتي بالتعديل "حتى لو أخذوا حقيبة التربية"
- لم أمارس التحشيد ضد الرفاعي في محاكمته النيابية.. بل هو نجا من المحاكمة بصوت وزير في حكومتي
- صدام حسين كان حساسا وينفعل بشدة إذا ما تعلق الأمر بالكرامة والشهامة
محمد خير الرواشدة
عمان- ينبش رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران لـ"الغد" اليوم، في احداث مرحلة، هي الاخطر في مراحل الاردن الحديث، حيث كان فيها على رأس الحكومة، وفاعلا في مطبخ صناع القرار، ويملك حول مفاصلها معلومات وتفاصيل، يتحدث عنها لاول مرة.
فبدران اليوم يتحدث بإسهاب حول ارهاصات ومقدمات حرب الخليج الثانية، او حرب اجتياح العراق للكويت العام 1990، قبل ان ترتد الامور وتشن الولايات المتحدة وتحالف دولي وعربي حربا شاملة على العراق، لاخراجه من الكويت.
ويفصّل بدران، في الحلقة السادسة والعشرين من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد"، في العديد من اللقاءات السياسية المهمة عشية اندلاع ازمة الكويت، بينها لقاءات مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وامير الكويت الراحل جابر الاحمد الصباح، وغيرهما من قيادات وحكومات، فيما يخصص جزءا مهما من ذكرياته لتداعيات تلك الازمة ومقدماتها على الوضع الداخلي، وكيف اديرت الازمة رسميا من قبل الحكومة. 
ويرفض بدران اتهام الاردن بانه كان يعرف بنيّة العراق باجتياح الكويت، لكنه يؤكد ان "كل المؤشرات" لدينا كانت واضحة بان الازمة تتجه لتصعيد عسكري عراقي. 
ويستذكر بدران كيف ان جملة قالها في اجتماع مغلق وسري مع مجلس النواب عشية دخول العراق للكويت، يوم 2 آب "اغسطس" 1990، وسربها الوزير (حينها) عبد الكريم الكباريتي لإذاعة "بي بي سي"، قد اعتبرت مؤشرا لدى البعض بان الاردن كان يعرف بنية العراق اجتياح الكويت. واشار الى انه كان قال في الاجتماع المغلق مع النواب "بأنني لن اتفاجأ إذا قام العراق باحتلال الكويت"، وذلك بعد عودة الملك الحسين وبدران من زيارة لبغداد، حاول الاردن خلالها ثني العراق عن الانجرار وراء التصعيد، والبحث عن حل سياسي للأزمة مع الكويت.
كذلك، يتناول بدران في حلقة اليوم، قصة حكومته مع قضية المحاكمة النيابية لرئيس الوزراء الاسبق زيد الرفاعي، رافضا اتهامه او حكومته بالتعبئة ضد الرفاعي. كما يتحدث عن ادخاله الاسلاميين في حكومته الاخيرة عبر تعديلها، وكان مدير المخابرات الاسبق استكمل في حلقة الامس قصة تعيينه من قبل الملك الحسين في موقع رئيس الديوان الملكي نهاية الثمانينيات. وتناول ايضا العودة لاجراء الانتخابات النيابية في العام 1989، وكيف جاءت بعدد كبير من النواب المعارضين، الى درجة وصف المجلس من قبل مسؤولين كبار يومها بان المجلس "مش ابن عيشه".
 وفيما يلي نص الحلقة السادسة والعشرين
*هنا، وقبل أن ندخل في مرحلة جديدة، من مراحل رئاستك الأخيرة للحكومة، لماذا كنت منفعلا لحظة التصويت على الثقة بحكومتك؟
- فعلا كنت متوترا، والأمر لم يكن سهلا، فهناك عوامل كثيرة متداخلة، وما نخشاه هو فشل التجربة النيابية، وليس الحكومية، فالراحل الحسين لما زارني في رئاسة الوزراء، في احدى المرات خلال مناقشات النواب، سألني: "كيف مستحمل انت؟ أحل المجلس؟"، طبعا، كنا على بعد قريب من تداول مثل هذا الرأي، وخشيت فعلا من فشل التجربة، لأني كنت مقتنعا تماما بأن الديمقراطية خيارنا الاستراتيجي في تلك المرحلة.
انتهت المناقشات النيابية، التي لم تترك نقدا إلا ووجهته لي، وكان كلاما قاسيا وفيه من الافتراءات والمبالغات الشيء الكثير.
بقيت صامتا، لكني أغلي من الداخل، أريد أن أرد على كل من هاجمني، لكن بالمعلومات الدقيقة، وليس بشيء آخر.
كنت أنتظر لحظة وصولي للمنصة، فقد قلت للراحل الحسين، لما زارني في الرئاسة، وتحدث عن حل مجلس النواب، "قلت لي السبق في الدور الأخير"، وكنت واثقا من قدرتي على الرد المؤثر في مجلس النواب.
ومضيت في الرد على مناقشات النواب، ولم أترك شاردة ولا واردة إلا ورددت عليها ردا بليغا مقنعا، جاء رئيس مجلس النواب سليمان عرار، وقال بعد أن أنهيت: "نرفع الجلسة"، ضربت على الطاولة، وقلت لا تأجيل للجلسة، والتصويت الآن.
عرار كان يريد من رفع الجلسة، أن نذهب في جولة أخيرة من "الكولسات" لضمان الثقة، وأنا، بعد أن ألقيت الخطاب، تأكدت من قدرتي على نيل الثقة، ولا أريد أن تكون "الكولسات" ضدي وليست معي.
فقد علمت عن اجتماعات في منزل أحد رؤساء الحكومات السابقين، وقادها أحد النواب المخضرمين في ذلك المجلس، وذلك بهدف حجب الثقة عني، وهو ما ترك انطباعا لدى بعض النواب، بأن ذلك ما يريده الملك الحسين، وكاد أن يؤثر على الحكومة وحصتها من الثقة النيابية.
لقد كان الحسين منفعلا جدا، في تلك الأيام، التي عشناها، وكان يخاف جدا من أن يحجب النواب الثقة عن حكومتي، وبعد أن تمكنت من نيلها، زارني الحسين ومعه الملكة نور، في البيت، وعدت مسرعا من منزل أمي في جبل اللويبدة، حيث زرتها بعد نيل الثقة مباشرة، واتصل معي الراحل، وقال بأنه سيأتي لزيارتي.
* بدأ مجلس النواب الحادي عشر بمحاكمة خصمك السياسي زيد الرفاعي؛ هل مارست أي دور تعبوي؟
-زيد الرفاعي ليس خصمي، وهذا كلام تتداوله الصالونات السياسية، وبالنسبة لي لا اعترف بهذا الكلام، وبالنسبة له، لا أعرف جوهر موقفه من هذا الكلام. وأكرر بأنني اختلف معه فقط في أسلوب العمل العام، وهذا حقي وحقه.
اسمعني جيدا، كل ما أريد قوله، بأني لم أكن أناكف زيد الرفاعي، فأنا لست من هواة التصيد، وكل ملاحظاتي النقدية، على أي قرار حكومي، سواء أكان في زمن الرفاعي أو غيره، من رؤساء الحكومات، كنت أقوله أمامهم، وليس في ظهورهم.
هذا إن جاءت الفرصة، وخدمني الموقف، لكن عندما أكون خارج العمل الحكومي، من يطلب رأيي أقدمه، ومن لم يطلبه، فأنا لست من الذين يمارسون الشغب، لأنهم خارج السلطة.
وأستطيع أن أؤكد لك وللقراء، بأنني لم أمارس أي دور تعبوي ضد الرفاعي، خلال محاكمته النيابية، وكل ما قمت به هو أنني ذهبت للحسين، وطلبت منه أن لا يتدخل في الأمر، لكي نحافظ على مجلس النواب قويا، وفعلا فالحسين لم يكن راضيا بالمطلق عن الأمر.
وإمعانا في التأكيد على أني لم اتدخل قط ضد الرفاعي في المحاكمة، هو بأن أحد وزرائي، وكان نائبا، يحق له التصويت في محاكمة الرفاعي، إدانة أو براءة، وهو محمد عضوب الزبن، طلب مني التصويت لصالح الرفاعي، وقال بأن الأمير زيد بن شاكر زاره مع الرفاعي في المنزل، وطلب منه أن يصوت لصالح تبرئة الرفاعي، وبأنه يخجل أن يرد طلبا للأمير الذي جاءه لبيته.
فقلت له بأني لن أتدخل في الأمر، والقرار يعود للنواب، وعلى الحكومة أن لا تتدخل في قضية بين يدي النواب، فذلك من شأنه إضعاف المجلس، وفشل تجربته في كسب تأييد وثقة الرأي العام.
وفعلا، التزمت بالأمر بشكل كامل، ولم أمارس أي دور سلبي أو إيجابي في القضية، ولك أن تتأكد بأن الصوت المرجح في تبرئة الرفاعي كان صوت الزبن لصالحه.
*وكيف استطعت إدخال نواب الإخوان المسلمين معك في التعديل الوزاري، الذي أجريته في الأول من كانون الثاني (يناير) من العام 1991، وهل كان دخولهم معك في الحكومة، لسبب يتعلق بعلمك باقتراب موعد العمل العسكري ضد العراق، في السادس من ذات الشهر؟
-لأختصر عليك كل استفساراتك المتعلقة بما اذا كنا نعلم بموعد ضرب العراق أم لا؛ فأنا لم أكن أعرف، لكن المؤشرات كانت تقول ذلك.
أما عن إدخال النواب الإسلاميين في الحكومة، فقد كانت أوامر الحسين، بإدخالهم، واليوم أتذكر جيدا بأن الملك كان يريد ويرغب بذلك، واستطعت أن أفهم، عندما قال لي: "يا أبو عماد إذا بدهم التربية والتعليم أعطيهم إياها"، عندها عرفت بأنه يريد ذلك لأمر ما.
كان موقفي متشنجا، تجاه اختياراتهم للحقائب الوزارية، ورفضت أن اعطيهم وزارة التربية، وقلت لهم خذوا وزارة الإعلام، ولما عادوا لي، قالوا أنت تريد توريطنا، فقلت "صحيح وأنا لا أغش في تعاملي مع أحد".
وخضت معهم في مفاوضات لمدة ثلاثة أيام، وكل يوم يعودون لي بأسماء، وأقول: "أنا أطلب منكم حقائب، أما الأسماء فهذا قراري وليس قراركم".
*بدأت أحداث وتداعيات احتلال العراق للكويت، وكنت من الذين انحازوا تماما للموقف العراقي، واتهمت بأنك بالغت في انحيازك، واتهمت بانك محسوب على نظام صدام حسين؟
-بالنسبة لجزئية الاتهام، فأنا لم التفت لها بحياتي، ومن كان يعتقد ذلك، فعليه أن يسأل أيضا، كيف كنت محسوبا على نظام حافظ الأسد؟! وأمضي من الوقت مع حافظ الأسد أكثر من الوقت الذي أمضيه مع صدام حسين.
وكل ما يمكنني أن أقوله، في هذا المقام، هو أن همي الوحيد كان، وما يزال؛ ضمان علاقات أردنية جيدة مع دول الجوار، ولطالما كان همي أن تكون علاقتنا مع سورية والعراق تحديدا، أكثر من جيدة، لأننا بلد فقير الموارد، ويحتاج إغاثة الجار، في أي وقت. هذا من الناحية الاجتماعية الاقتصادية، أما من الناحية السياسية والأمنية، فأنا كنت رئيسا للحكومة، في ايام لم تكن فيها اتفاقية السلام موجودة. وكنت في حالة حرب مع اسرائيل، وحالة طوارئ على الجبهة معها، وجبهتي مفتوحة على عدم الاستقرار والتوتر المستمرين.
ولذلك، فقد انقذتني العلاقات الجيدة مع دمشق وبغداد في تجاوز الكثير من العقبات، في طريق عملي الحكومي، وهو ما خرجت به في حصيلة عمل حكومي، دام لنحو 8 سنوات ونصف.
فعلا، اتهمنا بأننا كنا نعرف عن احتلال العراق للكويت، لكن قطعا لم نكن نعلم بذلك. صحيح بأن المؤشرات كانت واضحة لنا، وفكرنا، بصوت عال، في الأمر، مع الراحل الحسين، وحاولنا أن نحذر صدام حسين من أي تهور على هذه الجبهة، لكن لم يكن لدينا اي علم بنية صدام اجتياح الكويت، أو موعد ذلك الحدث، الذي غير ملامح منطقتنا.
وذهب فينا الظن إلى أن ما يقوم به صدام مجرد مناورات سياسية، عطفا على دعوة عبدالكريم قاسم سابقا، بأن الكويت أرض عراقية، وهدد باسترجاعها، وقامت جامعة الدول العربية وقتها (مطلع الستينيات) بإرسال قوات عسكرية للكويت.
لكن الذي جرى بأن صدام احتل الكويت، بعد إصرار الأخيرة على ممارسات سلبية، أضرت بالاقتصاد العراقي، بعد التلاعب بأسعار النفط، وهو ما أثر على الاقتصاد العراقي المنهك بعد خروجه من الحرب العراقية الإيرانية، التي خاضها العراق بالإنابة عن الخليج العربي كاملا.
*كيف بدأت إرهاصات احتلال الكويت؟  وكيف وصلتم لساعة الصفر، خصوصا أنكم عدتم من زيارة بغداد والكويت قبل يومين من الاحتلال؟
-البداية كانت واضحة، فالعراق أبدى تذمره من الكويت، وشكا تأثيرها على اقتصاده. في 2 أيار (مايو) من العام 1990 انعقدت القمة العربية في بغداد، وهناك، وفي اجتماع مغلق مع القادة، خاطب صدام كلا من الإمارات والكويت، بأن عليهما وقف التلاعب بأسعار النفط، وهو ما يضر بالمصالح الاقتصادية العراقية.
كان الاجتماع متوترا فعلا، وكانت قمة، تتحدث صراحة عن الخلافات العراقية الكويتية.
وتحدث لي العراقيون في احدى الزيارات الرسمية لبغداد، عن أن الكويتيين حفروا على حدودهم مع العراق، وسحبوا نفطا خاما من حوض مشترك مع العراقيين على الحدود (حقل الرميلة)، وذلك خلال انشغال العراق بحربها مع إيران. استغربت كثيرا، وقدرت بأن ذلك سيأتي بأزمة كبيرة بين البلدين.
لا تسألني عن زياراتنا لبغداد، فهي زيارات كثيرة في تلك المرحلة، وفيها معلومات كثيرة، لكن لا أستطيع التذكر جيدا الآن، كيف تم ترتيب تلك الزيارات، لكن سأقدم هنا كل ما له اتصال بالتسلسل الزمني للحدث.
نحن كنا قريبين من العراقيين، وكانت مساعينا واضحة، لا نريد تورط العراق بهذه الأزمة، ولا نريد أن نصبح أمام احتلال دولة عربية لدولة عربية.
تعبنا ونحن نحاول اقناع العراقيين بأهمية أن لا تصل الأمور بينهم وبين الكويتيين للعمل العسكري، وأنه لا بد أن تظل قناة الاتصال السياسية فاعلة.
لكن صدام حسين، الذي عرفته جيدا، وكنت أعي بأن لديه نقاطا حساسة، لا يساوم عليها، فأنا درست شخصية صدام، وأمعنت النظر طويلا في تحليلها، وبقيت أول 3 أشهر لمعرفتي به، أجلس في الاجتماعات صامتا، فقط أريد أن أحلل شخصيته، فهو رجل يتعامل بانفعال شديد، إذا ما تعلق الأمر بالكرامة أو النخوة أو الشهامة.
خلال زيارتنا الأخيرة لبغداد، قبل احتلالها للكويت، كان صدام قد أرسل رئيس وزرائه سعدون حمادي للكويت، حيث انتظر الاخير ليومين لمقابلة امير الكويت، وهذا ما زاد الطين بله، وبقيت الأمور تتطور.
حاولنا رأب الصدع بين الأشقاء، لكن محاولاتنا جاءت بعد أن تطورت الأمور كثيرا.
عقد قبل يوم  واحد من الاحتلال، اجتماع بين ولي العهد الكويتي سعد العبدالله الصباح، ونائب الرئيس العراقي عزت ابراهيم الدوري (في السعودية)، وكانت تعليمات صدام للدوري واضحة، بإنه اذا وافقت الكويت على المطالب العراقية "خير وزين"، وإن لم توافق "ارجع فورا".
يومها تأخرت عن اجتماع الراحل الحسين بالرئيس العراقي صدام حسين، وكان في عمان رئيس الوزراء المصري عاطف صدقي، في زيارة رسمية، غادر صدقي للقاهرة، وغادرت أنا إلى بغداد، ووصلت الساعة العاشرة ليلا، وكان العشاء الرسمي قد انتهى، وجلست مع الراحل الحسين، الذي أبلغني عن توتر الوضع بين صدام والكويت.
قلت بأني سأرى صدام، وأحذره من التهور والاستعجال، وقبل مغادرتنا لبغداد باتجاه الكويت، وكنت أحاول إقناعه، قال صدام لي: "أنت تقبل أن يقعد رئيس وزراء العراق يومين في الكويت ينتظر مقابلة الأمير؟!"، وأقسم بعدها: (والله لأخلي الرمل ينثر بعيونهم).
قلت: إن الكويتيين يعتمدون على أميركا، وستتدخل لصالحهم.
قال: وأنا معتمد على الله.
قلت لطه ياسين رمضان، وأنا في السيارة، باتجاه المطار، بأنني لم أر صدام غاضبا لهذه الدرجة من قبل، وقلت عليكم إقناعه بعدم التهور، فهذا سيضر بمصالحنا جميعا.
في زيارة ثانية، رد علي صدام، وقال: "بدك ابو نادية (طه ياسين رمضان) يهدّي علي، أنا من يهدّي عليه، خلال اجتماعات مجلس قيادة الثورة". وبالفعل الوحيد الذي كان ضد حرب صدام على الكويت طارق عزيز.
بعد عودتنا من بغداد، وزيارتنا للكويت، التي بقينا فيها بالمطار، حيث التقى الحسين بالشيخ جابر الأحمد الصباح، وبدت لي الأمور الى مزيد من التوتر، وأن هناك نية عند صدام لدخول الكويت. طلبت بعدها مجلس النواب، للاجتماع في جلسة سرية، وقلت في تلك الجلسة، بأنني لن اتفاجأ إذا قام العراق باحتلال الكويت.
كانت تلك الجلسة مساء يوم الأربعاء، وفي صباح اليوم التالي، الخميس 2 آب (أغسطس) من العام 1990، دخل صدام الكويت، واستولى عليها كاملة، في غضون أربعة أيام.
ومع ذلك الصباح، سمعت على إذاعة (بي بي سي)، بأن رئيس وزراء الأردن قال عشية ليلة الاجتياح العراقي للكويت، بأنه لن يكون متفاجئا إن دخلت العراق الكويت.
صدمت، وقلت بأن الخبر صحيح، لكن من الذي سربه؟! اجتمعت بمجلس الوزراء، وسألت عن تسريب الخبر، وقال عبد الكريم الكباريتي بأنه من سرب الخبر للصحفي سلامة نعمات من (بي بي سي)، وأبلغته بأنه (هلكني)  بتسريبته تلك، وسنظهر وكأننا على علم بالأمر، وهو ما سيحرج موقفنا العربي والدولي.
كان كل همي من ذلك الاجتماع، بأن يستشعر النواب خطورة الوضع، وأن يبدأوا بالتحضير لحالة متوقعة، أهمها أن العالم، لن يسكت على صدام اذا دخل الكويت، وعندها سنتضرر من أي انقطاع للنفط العراقي، وهو ما سيجعلنا محاصرين أكثر من العراق، وتبعات ذلك ستكون صعبة علينا جميعا، فالنفط غذاء الأردن، وهذه المعادلة ببساطة. كنت بحاجة لدعم شعبي لمواجهة هذا التحدي الخطير والصعب، وكنت أريد أن يساندني مجلس النواب بهذه المهمة أمام الشعب.
لكن من اتهمني بالانحياز للعراق، فعليه أن يراجع أولا، موقف القوى السياسية والحزبية، التي توحدت أمام رفض العدوان الأجنبي على العراق، وما كنت انوي عليه في تلك الفترة تحديدا، كان استعادة الثقة الشعبية بالمؤسسة الرسمية، فنحن خسرنا كثيرا خلال أحداث هبة نيسان، وتداعياتها، وكان من الخطر أن يحصل أي خلاف جذري بين النظام والشارع من جديد.
قدرنا الموقف، وعملنا ضمن أولويات واضحة، الجبهة الوطنية الداخلية أولا، ثم محاكاة رغبة الشعب في دعم العراق، وقد استفاد نظامنا السياسي كثيرا من الأمر.
تنويه ثان من الدكتور عمر مشهور حديثة الجازي
الأستاذة جمانة غنيمات رئيسة تحرير صحيفة الغد الغراء
للأسف، مرة أخرى، تجد أسرة المرحوم الفريق الركن مشهور حديثة الجازي، نفسها، مضطرة للتنويه، عما ورد في حديث دولة الأستاذ مضر بدران، ضمن سلسلة "سياسي يتذكر" على صفحات صحيفتكم الغراء، خاصة فيما ورد في الحلقات السابعة والثامنة والتاسعة المنشورة أيام السبت والأحد والإثنين بتواريخ 30 كانون الأول و 1شباط و 2 شباط 2015 على التوالي، حيث أغفل ضيفكم الكريم، في الحلقة السابعة، دور الوالد رحمه الله، في الإفراج عن الرهائن الأجانب، الذين كانوا على متن الطائرات، التي خطفتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، هذه الجهود التي لم تنكرها قيادات الجبهة الشعبية، وعلى رأسها السيد بسام أبو شريف، الذي أدلى بشهادته مؤخراً في هذا الصدد، في مقابلة له في قناة الميادين، وأكدتها المناضلة المعروفة ليلى خالد.
وبالعودة إلى أوراق والدنا، نجد أنه قد عرّض حياته للخطر، حيث قام بالتفاوض مع الخاطفين وصعد إلى الطائرات الثلاث المختطفة الملغمة، دون حرسه الشخصي، للاطمئنان على الرهائن، وبعد مفاوضات مضنية تمكن من الإفراج عن الرهائن الأجانب كلهم، وهذا ما أكده المناضل الراحل حمدي مطر، في مذكراته، والتي أشاد فيها بحكمة الوالد، وحنكته في التعامل مع قضية الخاطفين، كما أكدها أرشيف الصحافة العالمية التي في حوزتي. 
أما في الحلقة الثامنة، فيسرد دولة بدران روايته عن محاولة استهداف رحمة الوالد، عن طريق اغتياله، وذلك للدلالة على مراوغة المرحوم ياسر عرفات –حسب زعم ضيفكم– حيث يقول دولة الأستاذ بدران بأن الوالد لم يسلم من مغامرات أبو عمار في عمّان، رغم صداقته له. ويزيد أيضاً بأن المرحوم ياسر عرفات أثنى على من وجه الصاروخ باتجاه الوالد، رغم تأكيده بأن الوالد لم يكن مقصوداً بمحاولة الاغتيال هذه.
وبالعودة إلى أوراق الوالد وحديثه مع أسرته، نجد أنه وفي مساء 13/6/1970 كان من المقرر أن يتم الاجتماع بين الحكومة الأردنية والمقاومة الفلسطينية، بحضور اللجنة العربية، التي كان يرأسها السيد الباهي الادغم، رئيس وزراء تونس، آنذاك وناب عنه السيد عبد العزيز بوتفليقة الرئيس الجزائري الحالي، وكان الوالد من أعضاء الوفد الأردني، ورغم ما تعرض له من قصف لسيارته، إلا أنه شارك بالاجتماع، بعد ان سلمه الله من الحادث، الذي أدى إلى احتراق سيارته بالكامل، فقد وردته أنباء عن تحركات لسرية المدرعات الأردنية، المسند إليها حماية الإذاعة والتلفزيون، وكانت في طريقها عبر القويسمة – عين غزال، فقام بإيقافها، قبل مدخل الطريق وقرب المحجر، لتجنيب الطرفين الاشتباك، كما كانت عادته دوماً، ولكن هذه المرة، كاد أن يخسر حياته، فقد تعرض له أحد الفدائيين من جبهة التحرير العربية، ورماه بقذيفة أصابت تنك البنزين في سيارته، مما أدى إلى حرق السيارة بالكامل، وإصابة عمنا ومرافق الوالد، وبحمد الله لم يصب بأذى، حيث تمكن من الخروج رغم وابل النيران من الأسلحة الخفيفة، التي تلت إصابة القذيفة للسيارة بأعجوبة، وعندما عرف رجال فتح، بأن المستهدف هو والدنا، قاموا بإسعاف عمنا والمرافق، ولم ينتج عن هذا الحادث إصابات تذكر. 
وتذكر الوالدة، أطال الله في عمرها، بأن فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، اتصل بها هاتفياً، يطمئنها على صحة الوالد ونجاته من محاولة الاغتيال، وأن لا تلتفت لما يذاع عبر الأثير بهذا الخصوص. وقد أكد الوالد لنا بأن أبو عمار أحضر له الفدائي الذي حاول اغتيال الوالد إلى القيادة، وذلك ليقوم الوالد بالقصاص منه، وقال للوالد: "ان لم تقتله أنت أنا سأقوم بإطلاق الرصاص عليه"، وقد ردّ عليه الوالد برفضه ذلك، حيث أنه كان يعمل ليل نهار لحجب الدماء وليس لاراقتها، عندها استدعى الوالد الفدائي المعني، وقال له: "لا أريد أن أعرف اسمك، ولا أراك أبداً"، وأمر بتأمينه إلى الحدود العراقية خوفاً على حياته من أعمامي الذين كانوا يتوعدونه.
هذه الرواية، برأينا، تدحض ما ذكره ضيفكم الكريم، بأن المرحوم ياسر عرفات قد أثنى على الفدائي، وذلك لاقترابه من إصابة الهدف، وهو في هذه الحالة والدي رحمه الله، لا أدري ما قصد ضيفكم الكريم، من إيراد هذه الحادثة، ومحاولة الغمز، من خلال الإشارة إلى علاقة الصداقة التي ربطت الوالد بعرفات، فهو يغرق في تفاصيل علاقات الآخرين، ويوجز في الأمور التي تتعلق به، خصوصاً عدم تفسيره لحماية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين له، أثناء علاجه في بيروت، وهو الذي كان في صدام معها في الأردن.
أما فيما ورد على لسان ضيفكم، في الحلقة التاسعة، في معرض روايته لمعركة الكرامة الخالدة، فإن أكثر ما صدمنا في هذه الرواية، عدم ذكره لأي دور لوالدنا، والذي عرفته ساحات الوغى، لا الصحف والإعلام، فقد كان والدنا قائداً للفرقة الاولى، التي كان لها شرف صد العدوان الصهيوني الغاشم على الأردن الغالي، ولست بصدد سرد ما جرى في هذه الملحمة، فالتاريخ كفيل بذلك، ويكفينا فخراً اقتران اسم الوالد بهذه الموقعة الخالدة.
رحم الله شهداء الكرامة، وصناعها، وكل مِن مَن استنشق رحيق الكرامة، وتوضأ من ندى فجرها.
مع خالص الاحترام
د. عمر مشهور حديثة الجازي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:37 am

الحلقة السابعة والعشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: الأردن سعى جاهدا لسحب فتيل الأزمة العراقية الكويتية



سلطان عمان قابوس في إحدى زياراته للأردن في التسعينيات

-وصلتنا معلومات فلسطينية عشية الحرب على العراق بتخطيط إسرائيل لاحتلال الأردن
-لتجنب التدخل الأجنبي ضد العراق عرضنا وضع نصف جيشنا في السعودية
-الحسين قال بحزن عشية حرب الخليج "الأميركان طلعوا من الباب ورح يرجعوا من الشباك .. وما رح يطلعوا أبدا"
-صدام لم يكن ينوي اجتياح الكويت واجتهاد قائد كتيبة عراقي أدى الى الكارثة
-الأردن سعى جاهدا لسحب فتيل الأزمة العراقية الكويتية وتجنب الحل العسكري لكن قمة القاهرة أفشلت الوساطة
محمد خير الرواشدة
عمان- يستكمل اليوم رئيس الوزراء مضر بدران، روايته لمطلع الأزمة العراقية الكويتية، وينقل ما سمعه من الكويتيين في مطار الكويت، قبل عودته والراحل الحسين إلى عمان.
وهناك يؤكد بدران اعتراف الكويتيين بصحة ما يقوله العراقيون، عن الحوض النفطي المشترك بين البلدين، وسحب النفط الموجود فيه، لكنه أكد أيضا ان الكويت كانت مستعدة للتفاهم على الأمر، وأنهم مستعدون لتعويض العراق.
ويكشف بدران في حلقة اليوم من حلقات "سياسي يتذكر" مع "الغد" أن الراحل الحسين استطاع انتزاع موافقة من صدام حسين، على الانسحاب من الكويت، والضغط عليه لحضور اجتماع، اقترح أن يحضره العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز، والملك المغربي الحسن الثاني، والملك الحسين.
ويؤكد بدران بأن صدام أبلغ الراحل الحسين، بأنه سينسحب من الكويت بعد الاجتماع، هذا "إن حصل الاجتماع".
كما يتحدث اليوم عن تفاصيل دقيقة تتعلق باللحظات الأخيرة لحراك الملك الحسين، قبل أن يتطور الموقف العربي في مواجهة صدام حسين، وبداية تطورات الأحداث الأصعب.
ويكشف بدران اليوم، عن برقية عاجلة من قيادة منظمة التحرير بعث بها السفير الفلسطيني في عمان الطيب عبد الرحيم عشية الحرب على العراق العام 1991، وتتحدث عن أنباء نقلها مقربون من رئيس الحكومة الإسرائيلي اسحق رابين، تفيد بأن خطة لإسرائيل ستكون جاهزة للتنفيذ بالتزامن مع بدء غارات التحالف الدولي على العراق، بأن تجتاح اسرائيل الأردن وتحتلها.
وبعيدا عن تهويل الأمر، إلا أن بدران يقول: أخذنا في الاعتبار كل الاحتمالات، بما فيها أن تكون مثل هذه التسريبات هي من تداعيات الحرب النفسية، أو حتى أن تكون تلك التهديدات حقيقية.
وكان بدران تحدث في الحلقة السابقة عن بدايات عمله في حكومته الأخيرة، وتفاصيل علاقته برئيس الوزراء الأسبق زيد الرفاعي، واشتباكه مع مجلس النواب الحادي عشر، ودخول نواب جماعة الإخوان المسلمين في حكومته.

وفيما يلي نص الحلقة السابعة والعشرين.
* نبقى في أزمة دخول العراق للكويت العام 1990. قبل الاحتلال العراقي للكويت، وعندما كنتم في مطار الكويت، ماذا سمعتم من الكويتيين؟
-الكويت كانت متمسكة برأيها، والعراقيون متشددون بموقفهم، أنا لم أحضر اجتماع الراحل الحسين بأمير الكويت، لكن بقيت أنا ووزير الخارجية الكويتي وقتها، الشيخ صباح الأحمد الصباح، واقفين بانتظار انتهاء اجتماع الملك والأمير. هناك سألت الصباح، عن صحة ما يقوله العراقيون، عن الحوض النفطي المشترك بين البلدين، وسحب الكويت النفط الموجود فيه، وأجابني بأنه صحيح، وأنهم على استعداد للتفاهم على الأمر، وأنهم أنتجوا من البئر 1700 برميل يوميا، وأن صدام يقول أن انتاجهم تجاوز الـ2000 برميل نفط وأكثر، وإنهم مستعدون لتعويض العراق.
صعقت لأن المعلومات صحيحة، وقلت للشيخ الصباح: "انت تفوت على بيت الأسد تاخذ اكله!!"، تأكدت بأن صدام لن يتركها هكذا، لأن الموقف كله حدث وصدام مشتبك عسكريا على الجبهة الإيرانية.
وهناك، قلت للشيخ الصباح: صدام سيتدخل عسكريا، فابتسم، وقال: "الأمريكان بطلعوه".
ونحن عائدين من الكويت لعمان، أبلغت الراحل الحسين بالحوار الذي دار في المطار، وأذكر حركته جيدا، ضرب على جبينه، وقال: "الأمريكان طلعوا من الباب ورح يرجعوا من الشباك، وإن عادوا للمنطقة ما رح يطلعوا أبدا".
وهناك، فكرت طويلا بكلام الحسين، رحمه الله، كان يملك حسا استشرافيا عاليا، أثق به كثيرا، واستند إليه في كل تحليلاتي.
بعد أن احتل العراق الكويت، وبقينا نعمل على جبهة الضغط على صدام للانسحاب، ولم نهدأ، ونحن نحاول الضغط عليه، تجنبا لأي عمل عسكري ضده، تقوده أميركا وحلفاؤها.
وفي احدى المرات، انتقدت عدنان أبو عودة، الذي استخدم في حديث مع صدام حسين، مصطلحا انجليزيا، ترجمته هي: (مصيدة المغفلين)، وكان يشرح بأن الولايات المتحدة تستخدم معه (اي صدام) ذات الأسلوب. وأردت من نقد ابو عودة أن لا يغضب صدام، فينقطع حبل وساطتنا. وكان ابو عودة يقول لصدام: انسحابك من الكويت نصر في المعركة، سيسجل لك، وبقاؤك هزيمة، ستسجل للأمة العربية.
وفي واحد من تلك الاجتماعات، استطعت أن أحرج صدام حسين، وأضغط عليه، بفكرة الانسحاب، قلت له: "أنت لم تكن تنوي أن تجتاح الكويت". تفاجأ، ونظر إلي بحدة، وتابعت بالقول: "أنا أعرفك جيدا فخامة الرئيس، أنت لا تحلف بالله كذبا"، وكان طارق عزيز هو من أبلغني بهذه الصفة لصدام، وذكرته بأنه قال لي: "والله لأنثر الرمل بعيونه"، وهذا يعني وقوفك على الحدود مع الكويت، وليس دخولها وضربها من هناك، تفاجأ صدام أكثر، وبدت عليه ملامح الامتعاض.
وقلت له ان معنى نثر الرمل مع الكويت، هو ضربها عسكريا من الحدود العراقية الكويتية، وليس دخول الكويت، "فمدفعيتك يصل قصفها لمسافة 60 كم، وهي المسافة التي تفصلك عن جارك الكويتي".
لم يعجبه كلامي، لكنه اعترف بأن كلامي صحيح، وقال: إن قائد الكتيبة الذي ذهب إلى الحدود العراقية الكويتية، أبلغه بأنه لا وجود لقوات كويتية على الحدود، وانه سأل صدام: "هل أكمل الطريق نحو العاصمة"، فأجابه: "نعم"، وهذا ما جرى.
واستغربت أن من جملة الأسباب، التي أدت إلى تلك الكارثة، كان اجتهاد قائد كتيبة عراقي، بطريقة غير صحيحة، عندما عاد لصدام لأخذ رأيه، والأصل أن لا يعود له، ويكتفي بتنفيذ الأوامر الموجودة عنده.
*أين وصلت جهود الوساطة الأردنية في تلك الفترة، هل استطعتم تغيير موقف صدام؟
- فعلا؛ لقد انتزع الراحل الحسين، موافقة من صدام حسين، على الانسحاب من الكويت، وبضغط من الحسين وافق صدام على حضور اجتماع، اقترحنا أن يحضره العاهل السعودي الملك فهد بن عبد العزيز، والملك المغربي الحسن الثاني، والملك الحسين.
وقال صدام، بأنه سينسحب من الكويت بعد الاجتماع، هذا إن حصل الاجتماع.
جاءني في تلك الأيام، السفير الأميركي في عمان، روجر هاريسون، وسألني عن جدية المساعي الأردنية، لترتيب لقاء يجمع صدام حسين مع الملك فهد بن عبد العزيز، واجبته بأن اللقاء سيعقد. فقال لكن الملك فهد لن يحضر، وأكدت له بأن اللقاء سينعقد، وتحداني بأن اللقاء لن يكون بوجود الملك فهد.
وفعلا، فشلت المبادرة. وقال لي هاريسون، وهو ما اتذكره حتى اليوم، بأن القوات الأميركية وصلت حفر الباطن (في السعودية)، وعندها فقط، علمنا بالأمر، فقبلها لم يكن لدينا أي فكرة عن التحرك الأميركي العسكري.
وبعدها، تحدث أحد أقرباء عدنان ابو عودة، ويقيم في حفر الباطن بالسعودية، بأنه يرى في الشوارع جنودا أميركيين.
*لكن، نريد تفاصيل أكثر، عن مبادرة الملك الحسين، التي رمت بطوق نجاة لصدام والخليج من مغبة الحرب؟
-ارجع لمحضر جلسات مجلس الوزراء،  في العام 1990، فلقد دون عبد الرؤوف الروابدة، كل الملاحظات الأساسية، لاجتماعات مجلس الوزراء المصغر والموسع، ولقاءاتنا مع الراحل الملك الحسين، ولقاءاتنا مع مجلس النواب في الجلسات السرية، وسيكون هناك دقة في ذكر التسلسل الزمني للأحداث.
أذكر هنا، لقاء مغلقا وسريا عقدناه مع مجلس النواب، وكان في نهاية شهر كانون الأول (ديسمبر) من العام 90، وذكّرت النواب فيه، بلقائهم المغلق مع الراحل الحسين في مطلع الأزمة.
لقد كان اللقاء فيه أهم ما في تلك اللحظة، من معلومات، وهو اللقاء الذي أعلن فيه الراحل الحسين، بأنه أخذ وعدا من الرئيس المصري حسني مبارك، والملك السعودي فهد بن عبد العزيز، بقبول وساطته، للضغط على صدام للانسحاب من الكويت، بعد دخول العراق لها في الثاني من آب (أغسطس) 90، مقابل عقد قمة مصغرة في جدة. حيث طار الملك الحسين إلى بغداد في اليوم التالي، لإتمام الاتفاق.
وكان الاتفاق على عقد اجتماع قمة مصغر، إذا ما أخذت القيادة العراقية قرارا بالانسحاب السريع المحدد من الكويت.
القضية عند هذا الحد كان في طريقها الى الحل الكامل. والراحل الحسين أخذ موافقة العراقيين على الاجتماع في جدة، وقد طلب صدام حسين الرجوع لقيادة الحزب، لأخذ قرار الانسحاب من الكويت، وكان ذلك في تمام الساعة الرابعة عصرا، وقال صدام بأن عزت إبراهيم سيتصل للإبلاغ بخبر الانسحاب.
فهمنا، بأن العراقيين مرنين بالتفاوض، على مبدأ الانسحاب، وصلنا مطار ماركا في الساعة 5.15 مساء، وقد أدلى الراحل الحسين بتصريحات لشبكة الـCNN، وبعد أن صدرت التصريحات عادت مصر والسعودية، عن موافقتهما لحضور القمة المصغرة والموسعة، وقال صدام للحسين: "إذا صدر قرار مجلس الجامعة بإدانة العراق، ترى يا أبوعبدالله كل واحد بأرضه".
وكان الاتفاق مع حسني مبارك على تأجيل اجتماع مجلس الجامعة، لتنجح الوساطة.
في تمام الساعة 11 ليلا، صدر قرار مجلس الجامعة العربية، وقد كنا أبلغنا وزير خارجيتنا، مروان القاسم، بأن على اجتماع الجامعة، أن يستمع لخبر مهم عند الساعة العاشرة ليلا، يتضمن موافقة مجلس قيادة الثورة العراقية على الانسحاب من الكويت، وحضور القمة المصغرة في جدة.
 بعد صدور قرار مجلس الجامعة، عرفنا بأن الأمور أكبر من تحركاتنا الدبلوماسية.
عندها أرسل سفيرنا في القاهرة، مشروع قرار مجلس جامعة الدول العربية، الذي سيبحث في قمة القاهرة، يوم الخامس من آب (أغسطس).
* وماذا عن موقف الأردن من قمة القاهرة؟ 
-قمة القاهرة انعقدت بعد احتلال الكويت بأسبوع، وكانت قمة، عبارة عن "مهزلة"، لأن المصريين قبل القمة، كانوا قد أعلنوا موقفهم بارسال قواتهم إلى حفر الباطن، وبالتالي موقفهم كان محسوما في الأزمة، ولم يعد هناك أي مبرر للقمة.
لم تأخذ القمة القرارات بالإجماع العربي، بل كان قرارها قرار مجموعة عربية.
قبل قمة القاهرة، التي عقدت في 5 آب (اغسطس) من العام 1990، وسبقها اجتماع لوزراء الخارجية، بهدف تأمين الغطاء للعمل الأجنبي، وكل ما استطعنا فعله في ذلك الاجتماع، هو تعطيل انعقاده من يوم الخميس الثاني من آب (أغسطس) إلى يوم الجمعة فقط.
كان مروان القاسم يحضر اجتماعات وزراء الخارجية العرب قبل القمة، وبعث للراحل الحسين بأن موقف القمة، يذهب باتجاه "شجب وإدانة" اجتياح العراق للكويت، بشكل يحاكي قرار مجلس الأمن.
كنا في قصر الندوة صباحا، أنا وزيد بن شاكر وعدنان ابو عودة، ولدى سماع الملك الحسين، بالقرار غضب كثيرا، وقال: "الله أكبر، شو تركوا للوساطة".
وقال لنا، بأن نبلغ القاسم، بأن قرار الأردن التحفظ على القرار العربي. أنا لم أفهم ماذا تعني تلك الكلمتين: "الشجب والإدانة"، وليس بواردي تفسير الكلمة، لأني كنت على اطلاع جيد على المواقف العربية من العراق.
الحسين شرح لنا، بأن ذلك يعني باللغة الدبلوماسية، نهاية المطاف، والتهيئة للتدخل العسكري، لأن الكلمة هي أقسى ما يمكن استخدامه دبلوماسيا، تجاه أي تدخل عسكري بين بلدين.
بالنسبة للأردن، كنا ما نزال فاعلين على خط الوساطة مع صدام، لدفعه للخروج من الكويت، لكن الموقف العربي عقد الأمور أمامنا.
وكان موقفنا في قمة القاهرة هو مع تشكيل لجنة عربية مصغرة، تقدم تقريرها خلال مدة محدودة، وأردنا من القرار أن نستفيد من الوقت، لصالح جهود الوساطة، كما أردنا من التقرير أن يسند الموقف العراقي، ويبين جوهر الخلاف بين العراق والكويت.
وفعلا، قالها صدام، بأن القمة لو نددت بالاحتلال العراقي للكويت، فإنه سيذهب بخياراته للأخير، فلقد اعتبر أن قرار القمة انحياز لطرف عربي على حساب طرف آخر، وأن القادة العرب لم ينتصروا له، عندما ضايقته الكويت والامارات بأسعار النفط.
*زرتم الولايات المتحدة في تلك الفترة، والتقيتم بوش الأب، ماذا سمعتم، وأنتم من قمتم بجهد سياسي ودبلوماسي كبير في تلك الأيام؟
-لقد زرنا أميركا اقتحاما، وقال بوش للحسين: لن أسمح للعراق وصدام ولا لأي أحد آخر، أن يتحكم بالنفط، لأنه مستقبل الأجيال في الولايات المتحدة والغرب، وصدام يريد الاستحواذ على 20 % من احتياطي النفط في العالم، وهذا بالنسبة لنا أمن قومي، ولن نسمح لصدام بانتهاكه.
طبعا؛ لم نكن نهدأ، والراحل الحسين أدار محركات الدبلوماسية الأردنية، في كل الاتجاهات. رحمه الله كان يعرف جيدا ما هو المستقبل الذي ينتظره العرب بعد تداعيات تلك الأزمة.
زيارة واشنطن في ذلك الوقت، كانت من الزيارات المهمة، التي أذكرها جيدا، كما ارتبطت تلك الزيارة، بجدل إعلامي طويل، حيث أجل الراحل الحسين موعده مع الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، لارتباطاته مسبقا، فبدل أن ينعقد اللقاء يوم الأربعاء، تأجل  إلى يوم الخميس، وقد فسر ذلك الموقف وقتها، بأنه موقف مسبق من الراحل الحسين، ضد الولايات المتحدة.
بعد عودتنا من الزيارة، أبلغت النواب والأعيان، بأن بوش ابلغ الحسين بأنه اعتقد ان الزيارة ستركز على الجانب الاقتصادي، فرد عليه الحسين بأن الاقتصاد آخر ما يبحث به، وركز الحسين في حديثه على الشأن السياسي.
وهناك حذّر الراحل الحسين من خطوة بيان مجلس الأمن بـ"التنديد" بالاجتياح العراقي للكويت، وأن القرار يعني بالنسبة للأردن، إلغاء الالتزام العراقي بالانسحاب.
الحسين شرح في تلك الزيارة، حيثيات الأزمة بين العراق والكويت، وأن فرص الحل العربي قد تؤجل الحرب في المنطقة، وأشار الحسين بأن حماية السعودية من أي تهديد عراقي، تكون بوضع قوات عربية على الحدود العراقية السعودية، وجدد الحسين مطالبه بوقف حملات التصعيد ضد العراق، وحذر من أن العراق سيبادر لرد الفعل على كل فعل أميركي.
كنا مطمئنين لمواقف عدد من الدول العربية معنا، ليبيا وتونس والجزائر والمغرب ومورتانيا (ومنظمة التحرير الفلسطينية)، كلنا كنا نبحث عن موقف عربي موحد، مقابل التصعيد العربي الآخر، والتضليل الذي يمارسه البعض، بأن التدخل الأجنبي سينقذ الأوضاع، بينما كان رأينا بأن التدخل الأجنبي سيفجر المنطقة.
ما إن بدأنا بالحلقة العربية، وتأثيراتنا ودعمها لنا، بدأنا نستميل مواقف أوروبية معتدلة، فرنسا وايطاليا مثلا، فيما الاتحاد السوفياتي والصين والهند تدعم خياراتنا بطبيعة الحال.
*لماذا جاء اقتراحكم بوجود قوات عربية على الحدود السعوية العراقية، ما الحكمة من ذلك؟
-نحن نعلم علم اليقين بأن صدام حسين لن يضرب جيشا عربيا، لكنه سيدمر أي جيش أجنبي، وسيشتبك معه.
عرضنا على السعودية، أن يكون نصف جيشنا العربي تحت تصرفهم، بالإضافة الى ان الجيشين المصري والجزائري، يكونان بتصرف السعوديين.
*وهل كانت هناك تخوفات رسمية على الأمن الأردني، خصوصا وأننا صُورنا كداعمين للعراق في حربها واحتلالها للكويت؟
-بالنسبة لنا، كنا ندرس كل الاحتمالات، بما فيها استهداف المملكة، تباحثت مع طارق عزيز حول الأمر، وتوافق معنا على فكرة التحوط والحذر، وأخذ الجيش العراقي بالاعتبار أي احتمال لاستهداف الأردن، وتحديدا من قبل إسرائيل.
في تلك الأيام، بعث لنا السفير الفلسطيني في عمان الطيب عبد الرحيم ببرقية وصلته عاجلة من قيادة منظمة التحرير، وتتحدث عن أنباء نقلها مقربون من رئيس الحكومة الإسرائيلي اسحق رابين، تفيد بأن خطة إسرائيل ستكون بالتزامن مع بدء غارات التحالف الدولي على العراق، بأن تجتاح اسرائيل الأردن وتحتلها.
طبعا، أخذنا في الاعتبار كل الاحتمالات، بما فيها أن تكون مثل هذه التسريبات هي من تداعيات الحرب النفسية، أو حتى أن تكون تلك التهديدات حقيقية.
*وهل كان كل ذلك فقط لدعوة الاردن للحل العربي العربي لتأمين انسحاب العراق من الكويت؟
-لم يكن هذا التصور الخليجي، فالتصور الخليجي استند إلى أن الاجتياح ناتج عن تنسيق أردني عراقي يمني فلسطيني.
وأن الملك الحسين يعرف بالاجتياح، ويريد أن يستعيد الحجاز، بدعم من صدام، ويأخذ حصته من الغنيمة الكويتية، التي قدروها هم بـ20 مليار دولار، أما اليمن فيأخذ عسير ونجران وخميس مشيط، ويأخذ 20 مليارا كالأردن.
فيما قدروا هم أن حصة العراق هي المنطقة الشرقية للجزيرة، فيما الفلسطينيون ينالون فرصا لتحسين أوضاعهم السياسية والاقتصادية في الكويت.
ومن الإشاعات التي أطلقت وصدقتها أنظمة خليجية، هي أن هناك 100 ألف جندي عراقي متواجدين في اليمن، تدعمهم 50-150 طائرة عراقية، لاحتلال أجزاء من المملكة العربية السعودية.
وأمام كل تلك الاشاعات والمعلومات الخاطئة، أخذ الخليج موقفه من وقف المساعدات للأردن.
حتى أننا حاولنا شرح موقفنا للبحرين، ولم يتفهموا ذلك، وقالوا لنا إن الخلاف الجوهري بيننا وبينهم، هو إما أن ندين العدوان أو لا ندين، عُمان كانت أكثر تفهما، لكن بوش نقل للراحل الحسين انطباع دول الخليج، وقال له بشكل واضح وصريح: "الصداقات تجرب في الأزمات".
وقالها الملك في احدى اجتماعاته بمجلس الوزراء، نهاية العام 1990، بأنه اكتشف مؤخرا بأن هناك حملة مركزة تجاه قيادات في الخليج العربي، والمملكة العربية السعودية، مستمرة منذ ما لا يقل عن سنتين، سعت لان تعطي انطباعا لهم بأن هناك تآمرا يستهدف الخليج والسعودية، وأن هذا الانطباع يؤكد وجود اهداف مرسومة عند العراق والأردن واليمن، وهو ما فسره الراحل الحسين على أنه السبب وراء معاناتنا خلال الفترة الماضية، وكيف كانت الوعود بالمساعدات لا تنفذ.
وقالها الحسين: "حتى أن المصريين، العضو في مجلس التعاون العربي (مع الاردن والعراق واليمن)، الذين عملنا المستحيل لاعادتهم لامتهم العربية، ونعيد أمنهم لهم لمجابهة الخصوم، وقعوا بالفخ والمصيدة".
وقال قبل الأحداث بأن النفط سيكون الهدف، والجهة التي تسيطر عليه ستتحكم في العالم.
وقال عن تحركه إلى الولايات المتحدة، وحصوله على ضمانات مطمئنة، وهي أن وجود القوات الاميركية هو وجود دفاعي وليس هجوميا، وأنه كان مطمئنا لأهداف العراق بالتحرك، وحذر الراحل بأن أي عمل ضد العراق لن يكون نزهة.
رحم الله الحسين، كان ينظر للعراق بأنها أمل جديد، وظاهرة عربية جديدة، وكان حريصا على الخروج من المحنة قويا صلبا معافى. ويومها اشتكى الراحل من ضبابية المشهد، واعتبر أن تلك الأيام أصعب من الأيام التي عاشتها المملكة في الخمسينيات والستينيات.
وكان مبعث شعور الملك بالاحباط، هو أن العراق حمى الأمة لـ8 سنوات، في معركة صعبة (مع ايران)، وأننا وقفنا إلى جانبه، وانتهت المعركة.
وأذكر تلك الساعة، كأني أعيشها الآن، سأل الراحل: "لو لا سمح الله صار على العراق شيء، ماذا يعني؟" وأجاب "أين الجهات العربية التي تتحرك لملء الفراغ إن وقع! المنطقة مكشوفة على الأطماع والنوايا، كنا نتحدث عن المياه في قمة بغداد الأخيرة، كنا نتحدث عن الأمن القومي، مصر وقضية النيل، المياه العراقية والسورية مع تركيا"، وسأل "لو وقع على العراق أي شيء، وتفجرت كل المشاعر، فهل تبقى السعودية والكويت على ما هي عليه؟" وتحدث عن خياراتنا المتأرجحة بين المراحل، إما احتمالات المفاجأة والضربة، أو أن الأمور تتحسن.
لكن الملك كان يريد فعلا الربط بين انسحاب العراق من الكويت، وانسحاب اسرائيل من الضفة الغربية والقدس، حتى مع الرفض الأميركي والبريطاني لذلك، حيث كان يجد في الأمر فرجا لحل القضية الفلسطينية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:44 am

الحلقة الثامنة والعشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: الأسد تعهد بالتدخل لصالح الأردن ضد اسرائيل عشية حرب العراق

محمد خير الرواشدة
عمان- يبقى رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران في حلقة اليوم، من "سياسي يتذكر"، في فترة الازمة العراقية الكويتية، وارهاصات الحرب على العراق، التي حشدت لها الولايات المتحدة حلفا دوليا وعربيا واسعا.
ويتناول بدران اليوم الحركة الدبلوماسية الواسعة التي قادها الراحل الحسين بن طلال، لمنع الوصول الى خيار الحرب على العراق، وحل الازمة سلميا، بما يضمن انسحاب العراق من الكويت، ومنع التدخل العسكري. الا ان بدران يؤكد ان الولايات المتحدة كانت مصرة على الحرب والتدخل العسكري، باعتبارها "حربا على النفط" اساسا، وضرب القوة العسكرية للعراق، وهو ما كانت تدفع اليه بقوة اسرائيل.
كما يستذكر بدران ان بريطانيا ورئيسة وزرائها مارغريت ثاتشر، كانتا الاكثر اندفاعا للخيار العسكري ضد العراق في تلك الازمة، ولم تخف ثاتشر ان هدفها من الحرب هو ليس اعادة العائلة المالكة للكويت، بل الاطاحة بصدام حسين. 
ويشير بدران الى تقدم العراق إبان الأزمة بعرضه ومبادرته لحل ازمات المنطقة بصورة متوازية، بما فيها القضية الفلسطينية واحتلال اسرائيل لأراض عربية، فيما يستذكر ايضا ازمة تدفق مئات آلاف الوافدين الاجانب والعرب من العراق والكويت الى الاردن في طريقهم الى بلدانهم بعد اجتياح الكويت، وكيف تعامل الاردن مع هذه الازمة بنجاح.
وكان بدران استكمل في الحلقة السابقة روايته لمطلع الأزمة العراقية الكويتية، ونقل ما سمعه من الكويتيين في مطار الكويت، قبل عودته والراحل الحسين إلى عمان.
 وكشف بدران ايضا أن الراحل الحسين استطاع انتزاع موافقة من صدام حسين، على الانسحاب من الكويت، والضغط عليه لحضور اجتماع، اقترح أن يحضره العاهل السعودي الملك فهد بن عبدالعزيز، والملك المغربي الحسن الثاني، والملك الحسين.
ويؤكد بدران بأن صدام أبلغ الراحل الحسين، بأنه سينسحب من الكويت بعد الاجتماع، هذا "إن حصل الاجتماع".
وكشف ايضا تلقي الاردن برقية عاجلة من قيادة منظمة التحرير تلك الفترة تحدثت عن أنباء نقلها مقربون من رئيس الحكومة الإسرائيلي اسحق رابين، تفيد بأن خطة إسرائيل ستكون جاهزة للتنفيذ بالتزامن مع بدء غارات التحالف الدولي على العراق، بأن تجتاح اسرائيل الأردن وتحتلها.
وفيما يلي نص الحلقة الثامنة والعشرين
* وصلنا في الحلقة السابقة الى قضية طرح العراق خلال ازمة الكويت ربطا بين حل الازمة بحل ازمة الاحتلال الاسرائيلي؟ 
- ليس سرا ذلك، وتستطيع العودة لتفاصيل مبادرة العراق، في 12 آب (أغسطس) من العام 90، حيث وضع القضايا العربية في سلة واحدة، ودعا إلى عقد مؤتمر دولي لحل القضايا العربية، على أساس مقياس واحد، وليس مقاييس المصالح والمؤامرات. وقد دعم الراحل الحسين صدام في ذلك، وقد نأتي على ذلك لاحقا.

*وخلال الحركة الدبلوماسية للراحل الحسين، وأنتم ترافقونه في جولاته بين الدول، ماذا كنتم تسمعون؟
- أذكر بأننا قمنا بزيارة لشمال إفريقيا وأوروبا، وعدنا بانطباعات كثيرة، منها بأن ليبيا موقفها "مخلخل"، ويقولون بأن التدخل العراقي بالكويت هو سبب التدخل الأجنبي في المنطقة.
الجزائر لم تحدد نقاط الحل، إلا أنهم كانوا ضد قرار قمة القاهرة في التدخل الأجنبي.
موريتانيا قالت لنا ان التدخل الأجنبي من المحرمات، وقد خرج الأهالي لاستقبالنا، وكان كل خشيتهم على العراق والأمة العربية.
المغرب شعرنا بأنهم تفهموا الظروف، التي شرحها الراحل الحسين، وكسبنا نقطة معهم لصالحنا، وبهذا كسبنا أن الدول تلك، إلى جانبنا، مع السودان واليمن.
بعد انتقالنا إلى  أوروبا، وصلنا اسبانيا، وأوضح رئيس حكومتها وجوب الانسحاب من الكويت، وأنهم ملتزمون بقرار المجموعة الأوروبية، وكانوا يؤيدون مقاطعة العراق، على الحرب ضدها، لكنهم قالوا لنا بأن بعض العرب يريدون ذلك (اي الحرب).
بالنسبة لبريطانيا، فكانت تريد الحرب، واسقاط صدام حسين، وموقفهم متشدد ومتطرف جدا، وهناك اكتشفنا، بأن مشكلة رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت ثاتشر ليست في عودة أمراء الكويت، الذين قالت عنهم "ليسوا محبوبين" في منطقتهم، بل واقترح البريطانيون ان يجرى استفتاء حول شرعية الحكم في الكويت، وان كل ما تريده ثاتشر هو اسقاط نظام صدام حسين.
الموقف البريطاني كان غاية في التطرف، ويبحث عن اسقاط نظام صدام، وعقلية ثاتشر عقلية "فكتورية" كاملة، كأنها خارجة من استعمار الهند للتو.
بالنسبة للفرنسيين، فقد أبلغنا الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، بأنه متألم من موقف العراقيين، ومنزعج من صدام، لكنه ما يزال يعمل على تفعيل مبدأ الحل السلمي السياسي، وليس العسكري.
أما ألمانيا، فكانت ضد استخدام القوة، وغمزوا هناك لنا، بأن ثاتشر هي من تدفع جورج بوش الأب، لهذا الموقف ضد العراق.
أما إيطاليا، فقد اخذت موقفا بين موقفي فرنسا وبريطانيا، لكنها أيدت الانسحاب من الكويت والحل السلمي.
طبعا، في تلك الجولة، فشلت زيارتنا لموسكو، بسبب تضارب المواعيد، وبعدها ذهبنا إلى بغداد، لوضعهم بصورة كل التطورات.
قابلت طارق عزيز، وكان كلامه لا يوحي بالتفاؤل، لكنه ليس القائد، لذلك بقيت متفائلا قليلا.
في احد الاجتماعات هناك، تحدث قائد عسكري رفيع، وكان اسمه خلدون سلطان، وهو فريق في الجيش العراقي، عن مشاركة السعودية بقرار الحرب ضد العراق، فقاطعناه، وقلنا له، بأن ثاتشر أبلغتنا بأن القوات الأميركية كانت في منتصف الطريق للسعودية، قبل أخذ موافقة السعودية، واعترفت لنا، بأن صدام كان يسبقهم في تفكيره العسكري.
كما قلنا للعراقيين، في تلك الزيارة، بأن هناك أفكارا يمكن دعمها إن أبدت العراق المزيد من المرونة، فمن الممكن الانسحاب الأميركي من المنطقة والخليج، وان يكون ذلك متزامنا مع خروج العراق من الكويت، وهذا يدور اليوم في أروقة مجلس الأمن.
كما أكدنا لهم، بأن بوش من قال، بأن الحكومة الكويتية ليست مشكلته الرئيسية، وانما الأهم عنده هو انسحاب العراق من الكويت.
ونقلنا لهم بأن وزير الخارجية الأميركي، يتحدث عن حلف لأمن الخليج، وأن مبدأ الحلف يوسع الفرز بين الدول العربية في حال إعلانه.
لكن ما أود قوله هنا، هو حجة الراحل الحسين عليهم جميعا، عندما قال في تلك الجولة، وبغضب: إن القضية الفلسطينية صار لها 23 عاما، ومع ذلك لم تتحرك الأساطيل، كما في حالة الكويت، فالقدس مقدسة عند الأديان الثلاثة، وإسرائيل أعلنت ضم القدس ولم تحشدوا. وقال "افترضوا ان إسرائيل احتلت الأردن، فهل ستحشدون ضدها؟!" وطالبهم بوضوح خلال تلك الجولة، بأن يكون المقياس في التعامل مع قضايا الدول هو مقياس واحد.
لكن الصدمة كانت رفضهم لمثل هذا الموقف، وأن بعضهم قال بأن القضية ليست قضية الكويت، أو آل الصباح، إنما نفط الخليج.

* بعد تلك الجولة، وزيارتكم للعراق، لشرح الموقف لهم، ماذا سمعتم من العراقيين؟
- فقط أريد أن أكمل لك جوهر موقف الراحل الحسين، الذي نقله للغرب، وبعدها سأقول لك ماذا وجدت العراقيين عليه.
الحسين قال للألمان في تلك الزيارة، بأن المنطقة، التي تعيش، وتحتها بركة من النفط، يجب ان لا تحرقوها، لأن صدام لا يريد الاستحواذ على النفط في المنطقة، لكنه يستطيع إحراق سفنه، وإحراق كل نفط المنطقة.
الحسين حذر بحسم، من أن هذه هي المرة الأولى، منذ بزوغ فجر الإسلام، التي ستدخل فيها قوات أجنبية، إلى الأراضي المقدسة، وأن الكارثة الأكبر هي في وجود 4 % من الاميركان اليهود في هذه القوات، وأن العرب والمسلمين لو سمعوا بذلك، فستتغير المواقف.
وشدد الراحل أن موقف الشارع العربي والإسلامي لا يحتاج إلى دليل على هذا الأمر. اما لماذا يعبر الشعب الأردني عن موقفه علنا، ولا تستطيع بقية شعوب دول المنطقة التعبير مثله، فالفرق هو وجود الديمقراطية في الأردن، أما بقية دول المنطقة فشعوبها مكبوتة.
والآن، أقول لك ماذا وجدنا في العراق، ففي تلك الزيارة، كان لقاء الراحل الحسين مع الرئيس صدام صريحا جدا. وكاشف الزعيمان بعضهما، بكل ما يجول في خاطرهما، والنتيجة التي وجدنا صدام ممسكا بها، هي ما طرحه في اجتماع سابق في 12 آب (أغسطس) من العام 1990، وهو الذي تضمن مبادرة العراق في ربط انسحاب العراق من الكويت بحل القضية الفلسطينية، وأن لا عودة عن هذا القرار، فالمرونة ستفسر على أنها تراجع، وصدام قال: "لا تراجع عن هذا الموقف، والكويت محافظة عراقية، وانتهى الأمر".
في تلك الزيارة، ومن رؤيتك للعراقيين، كانت معنوياتك تنتشي، فهم يضعون أدق الحسابات العسكرية، في قراراتهم، وكانوا يتكلمون بقلب رجل واحد، "ذاهبين للحرب لو دمرت نصف بغداد"، وتحدثوا عن خطط عسكرية لإخلاء نصف بغداد، إن تعرضت العاصمة العراقية لضرب بالسلاح الذري.
القيادة العسكرية أبلغتنا، ونحن في تلك الزيارة، بأن قضية فلسطين معلقة، منذ العام 1948، وقرارات مجلس الأمن تملأ نصف غرفة بالورق، والشعب الفلسطيني يقاسي والأمة العربية في مذلة ووهن شديدين، وأن هناك عربا يكدسون المليارات، وآن أوان تصحيح المسار.
في تلك الزيارة، استمعنا من القيادة العسكرية العراقية، الى انه تم تجنيد 1.5 مليون عسكري نظامي، و5 ملايين مواطن للجيش الشعبي، وأن هذا العدد مرشح ليصل  إلى 10 ملايين، وأن العلاقة مع إيران في تحسن.
وقالوا لنا بأن طارق عزيز سيذهب غدا إلى موسكو، ليبلغ الرئيس ميخائيل غورباتشوف بكل هذه التفاصيل.
على الجهة المقابلة، كان وزير الخارجية مروان القاسم، ينفذ جولة دبلوماسية على دول الخليج، وكم كانت تلك الزيارة ثقيلة عليهم، وصعبة علينا. كانت الزيارة بهدف تجديد التوضيحات حول الموقف الأردني. قطر لم تجب على رسالتنا فلم نزرها. عمان، كان السلطان قابوس قد أظهر بعض الإيجابية، خصوصا وأنه لم يتجاوب مع كل مطالب الأميركيين. الإمارات كانت في حالة غضب، ويقولون لنا: "هيك الملك حسين يعمل فينا! واحنا إللي ساعدناه"، وقالوا لنا: "الشيخ زايد ينام ملء الجفون بسبب الوجود العسكري الأميركي"، وكذلك البحرين.
كانت قلوبهم معبأة ضدنا، ويعتبرون أن موقف الراحل الحسين بكفة، وموقف العالم كله بكفة.
كان ذلك يعني بالنسبة لنا في الأردن، قطع المساعدات العربية، وهو ما أبلغناه لمجلس النواب، وأننا بوضع اقتصادي صعب، حيث طلبنا من ليبيا دفع المساعدات، فسألونا عما إذا كان صدام حسين أعطانا من أموال البنك المركزي الكويتي، فأبلغناهم بأن أميركا قالت لنا: بأن صدام حسين لم يستطع فتح خزنة البنك المركزي الكويتي، وفك شيفرة الكمبيوتر الخاص بها.
لذلك طلبنا من الليبيين، دفع المساعدات الخاصة بهم، خصوصا وأنهم "ملأوا" الدنيا كلاما، فقاطعناهم، وقلنا للقذافي: "يا بتدفع.. يا إما بحياتك لا تدفع". وقلنا له "يا الآن الدفع..  وإلا 100 مليار، بعد وقت طويل، لن تنفع".
فالمساعدات انقطعت عن الأردن، وليبيا وحدها من تستطيع المساعدة، فنحن نعيش حصارا اقتصاديا مباشرا، "هز" القذافي رأسه؛ من دون أن يتكلم ولا كلمة.

*لكن، ثمة من اتهم العراق حينها بأنه يتاجر بالقضية الفلسطينية، خصوصا وأن العملية السياسية لا يمكن قراءتها بهذه العفوية؟
- قد يكون من حقك القول بذلك، أنت أو أي أحد آخر. لكن للأمانة التاريخية، أقول: لما زارنا طارق عزيز في نهاية أيلول (ستمبر) من العام 90، قال ما نصه: إن خطة ميتران نبتة جيدة، وإن العراق ما زال متمسكا بمبادرته، المتضمنة أخذ جميع قرارات مجلس الأمن، ومعاملتها بنفس الطريقة، وعقد مؤتمر لجميع القضايا؛ الكويت وفلسطين ولبنان، فالقضية الفلسطينية هي القضية المركزية، حتى خلال الحرب العراقية الإيرانية، وإن القصد من معركة الكويت إزالة الفوارق، وعدم معاملة الانتفاضة بإذلال، وعدم ترك القضية الفلسطينية بين أمين عام جامعة الدول العربية عصمت عبد المجيد ومبعوث أميركا للسلام دينس روس.
طارق عزيز أبلغنا بأن الرئيس الفرنسي ميتران ثمّن هذا الطرح، والاتحاد السوفياتي كان قد طرح وصفا مماثلا، وأنه دعا ان يتجه الحل العربي بهذا الاتجاه، وأن نتحرك معهم، وإن أراد العالم الحرب فليتفضلوا، وستكون، حسب ما نخطط له في العراق، حربا طويلة، وسنترك المنطقة بلا نفط يحمونه، وإذا كان سعر برميل النفط اليوم 40 دولارا، فسيصل إلى 100 دولار عند قيام الحرب.

* في تلك الأيام، أي قبل إعلان مشاركة سورية في قوات حفر الباطن، كيف كانت العلاقة معهم؟
- بعد احتلال العراق للكويت، زرت دمشق، وكنا متفاهمين على تقدير الموقف، وطبيعة الأزمة التي نعيش فيها. ولم يكن الموقف السوري من احتلال الكويت "غلطا"، وصدام قالها لي أيضا، إنه لا يستغرب هذا الموقف من أي دولة.
لكن القضية المشتركة بيننا وبين السوريين، كانت إسرائيل، فإن سقطت جبهتنا مع إسرائيل، تسقط الجبهة السورية، والعكس صحيح، وكذلك هي المصلحة القومية، للتعامل على هذا المستوى.
ولذلك، بقيت حريصا على أن نظل والسوريين قريبين من بعضنا، لكن لا بد من استعادة ذكر أزمة الخلاف الحزبي، بين العراق وسورية، وهي التي دفعت بالسوريين إلى خصومة العراق في حربه مع ايران.
وقبل قصف بغداد بأيام، زرت دمشق، وقابلت الرئيس حافظ الأسد، لمدة 6 ساعات متصلة، وقلت له بأن الحرب الدائرة، ليس لنا علاقة بها، وأن العلاقة السورية العراقية، كانت جيدة عندما وصلنا للحال الذي وصلناه.
وقلت له بأن قوة العراق لكل العرب، وليست لصدام وحده، وسألت الأسد، كيف سيوفق السوريون بين وجود جيشهم في حفر الباطن، وجيشهم، إذا ما حدث لنا أي شيء، من جهة الإسرائيليين؟!.
ليجيبني الرئيس السوري، بأن أي هجوم على الأردن، هو هجوم على سورية، وأن جيشه سيتدخل فورا، ولن يترك الأردن وحده في مواجهة إسرائيل.
حاولت في ذلك الاجتماع الطويل، أن أدعو الأسد لمصالحة صدام، لكن الأسد قال لي: بأن الراحل الحسين "أغلق الباب علي، وعلى صدام، في الجفر لمدة 14 ساعة، من التفاوض على أساس المصالحة، لكن فشل ذلك الاجتماع، بسبب غرور صدام، وغروره هو ما سيقتله".
لكن السبب الجوهري لزيارتي تلك، وهو ما كشفه الأسد، كان الطلب المباشر من حافظ الأسد الموافقة على تأمين الأردن بالنفط، في حال قطع النفط العراقي عن الأردن. ومباشرة أصدر الأسد أوامره لرئيس الوزراء السوري محمود الزعبي، بتأمين احتياجات الأردن من النفط، متى ما طلبت الحكومة ذلك.
وبعد خروجي من عند الأسد، قال لي الزعبي، بأن ما طلبته من صلاحياته، وما كان من داع لتدخل الرئيس الأسد بالأمر، فقلت له هكذا أضمن تنفيذ طلبي.
فعلا، في احد الأيام، التي طلبت فيها النفط من سورية، منع وزير المواصلات السوري دخول الصهاريج المحملة بالنفط من العاصمة السورية دمشق إلى الحدود السورية الأردنية، فاتصل معه الزعبي وأبلغه بأن الرئيس الأسد هو الذي أمر بذلك، وليس اي أحد آخر.

*بعد أن بدأت أزمة الوافدين من الكويت والعراق إلى الأردن كيف تعاملتم معها؟
-هي بدأت في شهر آب (أغسطس) من العام 90، ولم نلحظ تلك المشكلة في البداية، بعدها بنحو أسبوع من ذات الشهر، بدأت الأعداد تزداد بشكل كبير، وفي نهاية نفس الشهر، اعترفنا بأن الأزمة صارت أكبر من طاقة الأردن.
المساعدات التي حصلنا عليها لمواجهة هذه المشكلة، كانت كما أذكرها جيدا، 10 سفن، وطائرتين من السعودية، وواحدة من النرويج. وكنا نواجه في عمان مشكلة توزيع نحو 30 ألف وافد، على المساجد والبيوت.
في تلك الفترة، زرنا الرويشد، وقررنا فتح مخيم الشعلان، بنحو 15 كم داخل الأردن، ثم فتحنا المخيم، ووصل عدد الوافدين في أحد الأيام إلى 105 آلاف شخص، وأنشأنا مخيم الرحمة، بين مخيمي الشعلان والرويشد.
أما إجمالي المساعدات الطارئة، التي وصلتنا، فكانت 250 ألف دولار، من الولايات المتحدة، و300 ألف دولار من الاتحاد الأوروبي، و5 آلاف كتبرع شخصي من موسى ابو الراغب وآخرين.
وكانت أزمة حقيقية، لكن تداركنا ما يمكن تداركه، وكانت أزمة من الممكن أن تتسبب في تعثر اقتصادنا، المتعثر بطبيعة الحال. ولم يكن التعامل معها بالأمر الهين، فأنت لا تتحدث عن كميات المؤن الواجب توفيرها لهذه الأعداد، والتي كنا نحسبها بمنتهى الدقة، لأن ذلك كان على حساب تأمين أبناء شعبنا بالحاجات الأساسية، كما أننا كنا نخشى من الأوبئة الصحية، وتداعيات أي عدوى قد تنتقل من أي وافد آسيوي أو من أي جنسية.
وأذكر بأن ممثل الأونروا في عمان، الذي أنهى فترة عمله وكان يستعد للمغادرة، أصر على طلب مقابلتي ووداعي، استغربت إصراره، ووافقت أخيرا، ولما جاءني قال بأن ما قامت به الحكومة الأردنية بتأمين مخيمات الوافدين، وسرعة مغادرتهم لبلادهم، وتأمينهم بالغذاء والماء والدواء، على طول الحدود الأردنية العراقية الصحراوية، كان عملا عجزت عنه الولايات المتحدة، بكل قدرتها، وضرب مثالا على ذلك، في أزمة أكراد العراق، وتأمين نقلهم وتأمين مخيماتهم.
فالأردن تعامل مع 360 ألف وافد، دخلوا الأردن في ذلك الوقت، وبوقت قصير، لكن أحسنا التعامل مع الأزمة، ولم يشعر بها أحد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:48 am

الحلقة التاسعة والعشرون من "سياسي يتذكر"
بدران: حذرت في حرب بغداد بالرد على أي هجوم إسرائيلي


الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي ومضر بدران خلال فترة الازمة العراقية الكويتية

محمد خير الرواشدة 
عمان - يمعن رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران اليوم في إلقاء المزيد من الضوء، على أخطر المراحل التي مرت على الوطن العربي والمنطقة مطلع تسعينيات القرن الماضي، ألا وهي أزمة احتلال العراق للكويت، واندلاع حرب الخليج الثانية، وما خلفته من تداعيات وتغييرات عميقة في المشهد السياسي والجيوسياسي للمنطقة. 
بدران، الذي كان يترأس الحكومة خلال فترة الأزمة المذكورة، يواصل سرد تفاصيل عديدة للتحركات السياسية والدبلوماسية التي واكبت تلك الأزمة، وجهود الأردن واتصالاته، لسحب فتيل الأزمة، وحلها سلميا بعيدا عن الخيار العسكري. 
يبرز اليوم، في ثنايا الحلقة التاسعة والعشرين من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد"، التهديد الإسرائيلي التاريخي للأردن، وكيف تجدد ذلك التهديد إبّان اندلاع أزمة الخليج، حيث تواترت المعلومات والتحليلات حول احتمال تدخل إسرائيل بالحرب وإقدامها على مهاجمة الأردن، ويؤكد بدران في حديثه أنه "حذر عشية الحرب على بغداد بالرد على أي هجوم إسرائيلي، ومن على قاعدة "عليّ وعلى أعدائي". 
 ويستعرض بدران تقييمه لتحركات عربية ودولية، وفي القلب منها أردنية، لسحب فتيل الأزمة، ومنع وقوع الحرب ضد العراق، وحرق المنطقة كلها، لكنه يخلص إلى أن الولايات المتحدة "أفشلت" فرص الحل العربي للأزمة، وأصرت على إنهاء قوة العراق العسكرية والاقتصادية.
وكان بدران تناول في حلقة الأمس بدايات الأزمة العراقية الكويتية، وإرهاصات الحرب على العراق، التي حشدت لها الولايات المتحدة حلفا دوليا وعربيا واسعا.
كما تناول بدران اليوم الحركة الدبلوماسية الواسعة التي قادها الراحل الحسين بن طلال، لمنع الوصول إلى خيار الحرب على العراق، وحل الأزمة سلميا، بما يضمن انسحاب العراق من الكويت، ومنع التدخل العسكري.  
وفيما يلي نص الحلقة التاسعة والعشرين:
* الحدث المباشر، الذي يمكن التوقف عنده بعد مواجهة أزمة الوافدين من الخليج مطلع التسعينيات، كان الاعتداء الوحشي على الفلسطينيين في الحرم القدسي، وهو التحدي الذي كاد أن يعيد خلط أوراق اللعبة السياسية والعسكرية، ما هو موقفك من المسيرات التي خرجت لتندد بالإجرام الإسرائيلي؟
- في جلسة مجلس الوزراء، ناقشنا تداعيات الأمر بالسرعة المطلوبة، وكانت تقديرات اجتماع وزراء الخارجية العرب، وللأسف، تشير إلى أن الاعتداء خدمة لصدام حسين، الذي سيربط قضية الكويت مجددا بالقضية الفلسطينية.
كان قرار مجلس الوزراء توجيه وزير الخارجية للتنسيق في مجلس الأمن مع المجموعتين العربية والإسلامية.
لكن نُذر الأزمة كانت تشير إلى أن النوايا السيئة قادمة من إسرائيل، وأنها تريد من الحادثة استدراج العراق لحرب مبكرة، فهي لا تريد الاكتفاء بمقاطعة العراق دوليا، بل تريد حربا معها، ويخوضها الأميركان عنها بالإنابة.
وبدأنا نحسب درجات الحركة الاستفزازية باتجاه بغداد، فالحادثة كبيرة، والشهداء الفلسطينيون بلغ عددهم 30 شهيدا وأكثر من 200 جريح.
الإعلام العراقي بدأ يروج لبيان، سيقرأه صدام حسين ظهر ثاني أيام الحادثة، في التاسع من تشرين الأول (اكتوبر) من العام 90، واستسلمت هناك، لفكرة أن أعرف تطورات الموقف، بعد ما سيقوله الرئيس العراقي.
كل همي كان أن لا يستدرج صدام لمواجهة، فالأردن سيكون الضحية في تلك المواجهة، خصوصا وأن حدودنا مع إسرائيل أقرب من حدودنا مع العراق، والخط الفاصل هو نحن.
مباشرة أجريت المقارنة، بين هذه الحرب المتوقعة، وحرب اكتوبر العام 1973، في تلك الحرب التزويد في السلاح للجانب العربي قائم، فيما ايضا الوضع العربي في مطلع التسعين كان في أسوأ حال.
زاد من تعقيد المشهد، بأن وصلتنا معلومات؛ لكنها غير موثقة، تفيد بأن الحل العسكري قادم، خلال 72 ساعة، ولكن في مثل تلك المعلومات المتضاربة، لا يمكنك إلا أن تقدر الأسوأ، وهو أن المعلومات صحيحة.
كل ما اتخذناه على المستوى السياسي والدبلوماسي، هو كتابة البيان، الذي جاء فيه إدانة الاعتداء الوحشي، والمجزرة في القدس، والإيعاز لمندوبنا التنسيق مع المجموعتين العربية والإسلامية، وأن على مجلس الأمن والدول الكبرى، مسؤولية أساسية في حماية المدنيين من الاحتلال العسكري، وأن الشهداء دافعوا بدمائهم عن مسرى الرسول، وثالث الحرمين الشريفين، وأن حماية الأماكن المقدسة بحاجة إلى حماية مستمرة من قبل أشراف الأمة.
في تلك اللحظات، لك أن تتخيل الحصار الأمني والسياسي الذي نعيشه، نخشى إسرائيل، ونخاف على العراق. وبدأ الشارع يغلي غضبا على أرواح الشهداء، ومطلوب من الحكومة، أن تنسق بين التحديات وتتعامل معها بدقة وحذر.
المسيرات بدأت تخرج، وهنا بدأنا نخشى من الانفلات الأمني، ونسقنا أمنيا مع النقابات وجماعة الإخوان المسلمين، وكل ذلك ليس لجما لمشاركتهم بالمسيرات، بل خوفا من خطورة الوضع، بدأنا بتحديد مسار المسيرات، وتحديد نقاط الانضباط، وطلبنا من التيار الديمقراطي، الذي بدأ يلمع نجمه، أن يقيم مهرجانه في المدينة الرياضية، تحوطا لأي أزمة.
فالخوف كان من المندسين، لك أن تتخيل حجم التعبئة الشعبية، فقد ألقى أحد المدرسين في قرية داميا، خطبة بطلابه، وتحدث فيها عن الجهاد، وإذ بثلاثة من هؤلاء الطلبة، يتسللون إلى الضفة الغربية، قاصدين الجهاد.
موقفي كان معلنا وقتها، وقلت "أنا مع حرية التعبير والرأي، وأريد للشارع أن ينفس احتقانه"، لكن كنا نخاف فعلا من العملاء المندسين، الذين كانوا يخططون لإثارة الفتن خلال تلك المسيرات، لكن وبفضل وعي حراكات الشارع، وممثليه من الأحزاب والنقابات، وممارسة الإسلاميين لدور واع وحريص، استطعنا تجاوز الأزمة تماما، والعودة للبحث عن حلول آمنة لأزمتنا في الإقليم.

* أمام كل ذلك، هل كانت حملة التعبئة لصالح الجيش الشعبي سهلة؟
- بالنسبة لي، وعن سابق تجربة، أنا مقتنع بجدية شعبنا في الدفاع عن أمن بلاده، ولي تجربة قلتها لك سابقا، عندما حشد السوريون على حدودنا.
الشعب في تلك الأزمة، سواء الحرب الدولية على العراق، أو أي تهديد إسرائيلي لأمننا، لا يحتاج إلى تعبئة، فقط عليك أن تطلب أن ينتظم الناس في خنادق الوطن وستجدهم.
لقد بلغ تعداد الجيش الشعبي، في ذلك الوقت، 235 ألفا، فيما ضم الجيش النظامي 94 ألفا، و 53 ألفا أنهوا الخدمة (قوات احتياط)، و88 ألفا كانوا في احتياطي خدمة العلم.
وكان كل النقاش يدور عن تسليح هذه الأعداد، وكان لدينا قدرة لتسليح ربع مليون مواطن، بأنواع من السلاح مثل "م1" و "م14 و"g3" وكلاشنكوف.
كما جاءنا نواب، قالوا بأن هناك مواطنين يريدون شراء السلاح، وتسليمه لمخازن الجيش، واستعادته عند الحرب، لأن الكثير من الناس كانوا مقتنعين بالهجوم الإسرائيلي على الأردن، ولذلك كانت المطالب بأن يكون الأردن غابة سلاح.
المهم، كان بالنسبة لي، أن يكون الجيش الشعبي منظما، وليس منفلتا، واستفدنا من اليوغسلاف كخبراء في تنظيم مثل هذا الجيش، لكن الملك الراحل، كان لا يفضل أن يكون السلاح في البيوت، خوفا على الأمن الاجتماعي، وكانت مهام الجيش الشعبي ضبط الناس معنويا، قبل تدريبهم على السلاح.

* بالعودة للحراك الدبلوماسي والسياسي الذي رافق الأزمة العراقية الكويتية؛ أين وصلت الأزمة وكيف كان تقديركم للموقف؟
- أذكر بأنني ذهبت لبغداد، حاملا رسالة من الراحل الحسين إلى صدام، قبل الحرب بنحو شهرين، واجتمعت بصدام لنحو ساعتين ونصف، كان سبب الرسالة المستجدات بحركة الممثل الشخصي لرئيس الاتحاد السوفييتي غورباتشوف، والاتصالات حول التوجه الفرنسي الداعي للحل السياسي للأزمة.
وكالعادة، أعاد صدام حسين تأكيد موقفه الثابت، وأن الانسحاب من الكويت غير وارد، وأن قرار الأمم المتحدة 662 يطبق إذا تم تطبيق باقي قرارات الأمم المتحدة، وعلى رأسها قرار 242 (انسحاب اسرائيل من الاراضي العربية المحتلة)، ولن يكون هناك أي انسحاب، إلا إذا تمت الدعوة لحل دولي لجميع قضايا المنطقة، وأن تعاقب كل دولة، لا تنصاع لقرارات الأمم المتحدة، كما يعاقب العراق حاليا.
في تلك الزيارة، شعرت بأن العراق ذاهب لخيار الحرب، وقال لي فيها صدام: "فلتحدث الحرب.. ولا تنازل"، وأن العراق "لن يبدأ الحرب، لكن إن بدأوا هم بالحرب فالجاهزية عالية، ويخطئ من يظن بأن الحرب ستكون سريعة".
ناقشت في تلك الزيارة كلام الأمير سلطان بن عبد العزيز، عن قضية استبدال الحدود مع العراق، وأن السعودية نفت صدور مثل هذا الكلام، لكنه كلام صحيح، وورقة سيبرزها السعوديون حسب تطورات الموقف.
وناقشنا الموقف السوري، وعما إذا كان يشبه الموقف العراقي، فهم لهم وجود عسكري في لبنان، لكن السوريين محصنون بقرار للحكومة اللبنانية، يطلب منها الوجود العسكري في لبنان.
وضعت صدام بصورة الموقف العماني، الذي أبلغنا به وزير خارجيتهم، فهم يبحثون عن أي طريق لمنع الحرب.
الراحل الحسين والسلطان قابوس سيجتمعان، والملك الحسين سيذهب للمغرب، للقاء الملك الحسن، لكن اتصالا جرى بين الملك المغربي والملك فهد بن عبد العزيز، لتلافي أي حرب في المنطقة، فعاد الضغط الأميركي ليشنج المواقف، والمطالبة مجددا بالانسحاب غير المشروط من الكويت.
العمانيون كانوا صادقين في البحث عن مخرج للأزمة، وقالوا لنا في عمان ومسقط ذات الكلام، وهو أن الحرب أو الانسحاب غير المشروط ، ليسا الخيارين الوحيدين، وإنما وسيلة من وسائل الضغط، وتفاقم هذا الضغط، بوصول 100 ألف عسكري أجنبي جديد للسعودية.

* أشرت في بداية الحديث عن الأزمة العراقية باحتلال الكويت، لاجتماع سري لك مع مجلس النواب، قبيل قصف بغداد بفترة زمنية قصيرة، وكان ذلك الاجتماع قبل تعديلك الأخير على حكومتك الرابعة، في الأول من كانون الثاني (يناير) من العام 90؟
- الاجتماع كان استمرارا لسلسلة اجتماعات، وقد لخصنا في ذلك الاجتماع، أبرز تطورات الموقف الدولي ضد العراق، وكيف أننا نخشى على قوة العراق الواعدة. تحدثنا عن محاولاتنا المتكررة لتجنيب العراق العدوان الأجنبي.
وقلنا للنواب اننا كلما بلغنا العراقيين خوفنا عليهم، كانوا يحتجون، ونذكرهم بأننا نعتمد عليهم وعلى سورية، فيرد صدام علينا، بأن العالم مع أميركا، وأنه مع الله، لذلك هو مطمئن للنصر والصمود.
وظل صدام متمسكا بموقفه، من أن الجندي العراقي، سيقبل الانسحاب من الكويت فقط إذا انسحبت إسرائيل من القدس والأراضي المحتلة.
وطبعا، كانت تلك فرصة لإسرائيل لتدمير العراق بسلاح أميركا، ولو انتهى سلاح الأميركان، فقد كان الاسرائيليون سيدخلون الحرب ضد العراق مباشرة، وهذا ما كنا نخشاه.
لكن الخلاصة، التي اقتنعت بها مبكرا، بعد فشل مبادرات الراحل الحسين، ومبادرة الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، هي أن أميركا كانت تبلغ سفيرنا لديها، وأبلغني سفيرهم عندنا، بأن المبادرات لن تمر، فنحن (أي الأميركان وجيشهم) صرنا على الأرض.
وهو ما أفشل فرص الحل العربي العربي، الذي كان يدفع باتجاه الحل السلمي، وتقدم خيار الحل الأجنبي، الذي كان يريد حربا لإنهاء قوة صدام.
* أجريت تعديلا وزاريا في الأول من كانون الثاني (يناير) من العام 91، وشارك فيه نواب الحركة الإسلامية في مجلس النواب، وبدأت طبول الحرب تقرع، ما تقديركم لأبعاد الحرب؟
- كما قلت لك وبعد ماراثون من المفاوضات مع الإسلاميين دخلوا الحكومة، وكانت تلك توجيهات الراحل الحسين، وأنا التزمت بها.
في تلك الفترة بدأنا نرصد تداعيات الموقف الدولي من العراق، وإن كانت الحرب قريبة أم بعيدة، وأخذنا احتياطاتنا، كان هناك بعض التفاؤل لكن قطعا هذا لا يكفي.
في أول اجتماع لمجلس الوزراء بعد التعديل، وضعنا الأوراق على الطاولة، كان التطور الأهم فوز رئيس الوزراء البريطاني جون ميجر بالانتخابات، خلفا لمارغريت ثاتشر، التي كانت متشددة جدا من موقفها ضد صدام، وميجر يختلف جذريا عن ثاتشر.
كان همنا أن نحتاط معيشيا لأي طارئ عسكري، ولا نريد للمواطن أن يتأثر بنقص أي من السلع الأساسية.
فحضرنا مخزوننا من السلع الاساسية، وكان همي النفط وأن الحرب ستقطع عنا النفط العراقي، استعنت بالباخرة في ميناء العقبة، وخزنا فيها النفط الذي يكفينا لمدة 18 يوما، وهي المدة التي تكفينا حتى نجد مصدرا بديلا عن النفط العراقي.
وكذلك تعاملنا مع كل السلع الأساسية، التي يجب أن تكون متوفرة، ونكون مستعدين، لمراقبة التجار حتى نتجاوز أقل المشاكل، مثل الاحتكار أو التلاعب بالأسعار.

*ما أود السؤال عنه عن الموقف العسكري والسياسي الأردني، أين كنتم في ذلك الوقت؟
-عسكريا إرهاصات الحرب واضحة، وكل ما نسعى له هو الخيار السلمي في ربع الساعة الأخير، ولا نريد أن نفقد الأمل.
زار بوش أوروبا، وكنا نخطط للقاء، يجمع الراحل الحسين مع بوش في باريس، وفعلا اتصل الحسين مع البيت الأبيض، لكن ألغي اللقاء من طرف الأميركيين.
الحسين كان يريد أن يطرح على بوش فكرة اللقاء مع صدام حسين، وبعد أن فشلت مساعينا، حاولنا أن ندعو للقاء مواز يجمع وزير الخارجية الاميركي جيمس بيكر، مع نظيره العراقي طارق عزيز، وأن هذا اللقاء قد يفضي إن كان إيجابيا للقاء بوش بصدام.
مع تطور الأحداث، شعرنا بأن لقاء بيكر عزيز، لن يكون أكثر من لقاء لإبراء الذمة، لأن أميركا صارت بموقفها أكثر تطرفا، وجنوحا نحو الحرب.
كان اللقاء بين بيكر وعزيز، مقدرا له أن يجري في 3 من كانون الثاني (يناير)، تمهيدا للقاء قد يحدث بين بوش وصدام في 12 من نفس الشهر.
وكان لدينا انطباع أكيد، بأن اللقاء لو جرى، لتراجعت حدة التصريحات السياسية عن الحرب، فلدى الجانب العراقي استعداد للحديث عن الخيار السلمي.
بالمحصلة، اللقاءان لم ينعقدا، واستبدلا بلقاء في التاسع من كانون الثاني (يناير) بين عزيز وبيكر، وكل ما جلسنا نرصده هو أن نتائج اللقاء ستكون دلالة جيدة، في استقراء مستقبل الأزمة.

*ومخاوفكم من إسرائيل أين وصلت؟
-كنا نعبئ ضد أي خطر قادم من إسرائيل، وكنا نعلم بأن الروح القتالية عالية، لمواجهة أي خطر قادم من إسرائيل.
كنا نستعرض بالتعزيزات على الحدود، لكن ما كان يطمئننا حقا، هو وصول معلومات من مصادر موثوقة، تفيد بأن حركة الجيش الإسرائيلي عادية، وأنها وضعت صواريخ مضادة للطائرات على جبال الضفة الغربية، وهو إجراء دفاعي وليس هجوميا.
وقلنا بأن أي هجوم إسرائيلي على العقبة، يستهدف مخزوننا الغذائي، سنرد عليه بضرب إيلات، ونعلم بأن مستودعات النفط لديهم في ايلات، وقلت في مجلس الوزراء، بأن أي هجوم علينا، سنرد "وعلي وعلى أعدائي"، وقلنا بأن سرية "مورتر" قد تدمر ميناء إيلات ومستودعاتها.

*بدأت دقات الساعة تشير للحظات قصف بغداد، كيف استعددتم خلال الساعات الأخيرة؟
- فعلا الأحداث تتسارع، وكان الراحل الحسين عائدا للتو من زيارته إلى بريطانيا والمانيا ولوكسمبورغ، وظل يؤكد- رحمه الله- على موقف الأردن من الخيار السلمي، وضرورة التعامل بذات الاهتمام مع قضايا الشرق الأوسط، وان ذلك سيكون له قيمته في الحل السياسي للأزمة العراقية مع الكويت.
الحسين قال للغرب، بأن العرب خاضوا حروب الأعوام 1948، و56 و67، و73، و82، ومن دون أن يتدخل العالم في القضية الفلسطينية بطرح حلول جدية.
الراحل الحسين كان يريد مدخلا لتكرار دعوته لحل القضية الفلسطينية، وكان لا يريد أن يتغير عنوان الأولويات، في تلك المرحلة.
كان ذلك في 13 من كانون الثاني (يناير) من العام 1991، استثمرنا قليلا بإيجابية موقف أمين عام الأمم المتحدة خافيير بيريز ديكويار، الذي كان له مواقف متعاونة تجاه الحل السياسي والسلمي، وثبت ذلك خلال زياراته لبغداد في تلك المرحلة.
التطور الخطير، كان موافقة الكونغرس الأميركي، على إعطاء جورج بوش صلاحية إعلان الحرب، وهو ما أكد حسم الخيار العسكري ضد العراق، وقد هدد بتلك الصلاحيات باستعمال القوة، وكان يوم 15 من نفس الشهر اليوم الفاصل بين الحرب والسلم.
كنا مجتمعين في مجلس النواب، وكانت الساعة تشير إلى موعد الجلسة الثانية لديكويار مع صدام، بعد أن انتهت الجلسة الأولى من دون أي نتائج، تدعو إلى التفاؤل، وكل ما كنا نحتاجه من العراقيين، أن تأخذ القيادة العراقية موقفا آخر يفوت الفرصة على أي عمل عسكري تخطط له الولايات المتحدة.
وتلك الفرصة كانت تعني لنا السماح للاتحاد السوفييتي، ككتلة شرقية، بالعودة لمناوراته المناوئة للكتلة الغربية، فقد استعاد السوفييت بعض قواهم، في تلك اللحظات، لكنهم ليسوا كما السابق، وكل ما كنا نتطلع إليه الاستفادة من تناقض الموقفين الغربي والروسي تجاه العراق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:54 am

الحلقة الحلقة الثلاثون من "سياسي يتذكر"
بدران: هذه قصة زيارتي السرية لبغداد بعد قصفها


الراحلان الحسين والشيخ زايد ال نهيان رئيس دولة الامارات الاسبق خلال زيارة للاخير لعمان

محمد خير الرواشدة
عمان- "لم أرَ الراحل الحسين حزينا، كما رأيته في تلك اللحظات"، بهذه الكلمات وصف رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران، يوم قصف بغداد من قبل قوات التحالف الدولي، في كانون الاول "يناير" 1991، حيث اجتمع الملك الحسين، رحمه الله، بكبار المسؤولين يومها، متحدثا عن جهود الاردن لعدم الوصول الى هذا اليوم.
بدران، يكشف في حلقة اليوم من "سياسي يتذكر" مع "الغد" قصة وتفاصيل رحلته السرية الى بغداد، ثاني ايام القصف الاميركي والدولي لعاصمة الرشيد، وكيف التقى هناك بنائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان ووزير الخارجية طارق عزيز، ليفتح الاردن بعدها خط تموين بالغذاء والدواء للعراق تحت القصف، بل وحتى امداد البلد النفطي ببعض المشتقات النفطية بعد تكرير نفطه الخام في الاردن.
ويستعرض بدران ايضا استعدادات الاردن عشية الحرب على العراق، وكيف تم التحضير والاستعداد لكل الاحتمالات، مشيرا الى ان هاجس مهاجمة اسرائيل للاردن، في حالة ضربها بصواريخ العراق، بقيت قائمة، وكيف كانت الخشية الاساسية لدى الحكومة من ضرب سلاح الجو الاسرائيلي لمصفاة البترول الاردنية.
وكان بدران تحدث في حلقة أمس عن تفاصيل اوسع حول اخطر المراحل التي مرت على الوطن العربي والمنطقة مطلع تسعينيات القرن الماضي، الا وهي ازمة احتلال العراق للكويت، واندلاع حرب الخليج الثانية، وما خلفته من تداعيات وتغييرات عميقة في المشهد السياسي والجيوسياسي للمنطقة. 
وتناول ايضا بالتفصيل التحركات السياسية والدبلوماسية، التي واكبت تلك الازمة، وجهود الاردن واتصالاته، لسحب فتيل الازمة، وحلها سلميا بعيدا عن الخيار العسكري. 
وفيما يلي نص الحلقة الثلاثين  
 * نبقى في اجواء الازمة العراقية الكويتية، وعشية الضربة العسكرية لبغداد، كنت تجتمع مع مجلس النواب في لحظات حرجة، وهل كان موقف النواب، ثابتا حيال الموقف الرسمي في تلك اللحظة؟
-كانت جلسة ساخنة، واختلفت فيها مع بعض النواب، وانفعلت، وسامحوني على انفعالي، خصوصا أنني اوضحت لهم الحقائق، وأغلقت باب المزاودات، وقلت لهم: "كلنا وطنيون"، ولا أحد يستطيع أن يصادر هذه الصفة من الآخر.
أجبت على بعض الاستفسارات المستفزة، والقصد، كان حتى لا يزاود أحد على موقف حكومي أخذناه في ظل ظروف غاية في الصعوبة والتعقيد.
وشرحت لهم بأننا ومن خلال تحركات الملك الحسين، والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، غير متفائلين، وقد هدفت تلك التحركات لعقد لقاء بين صدام والملك فهد، وأن الفرصة فاتت على مثل هذه المحاولات، وحتى أن البريطانيين الذين أبدوا مرونة في بعض مواقفهم، ودعوا للحل العربي العربي، لم يعد ينفع التغيير الطفيف في موقفهم، خلال الأشهر الأخيرة للأزمة.
بدأ النواب يطالبون باستعدادات لمواجهة الحرب، وإذ بمطالبهم خيالية، لا نقوى عليها بتلك المرحلة، فوضع الموازنة صعب، والوضع الاقتصادي يعاني من وقف المساعدات العربية والأجنبية، وهذا يجعل مطالبهم غير منطقية.
وقلتها في تلك الجلسة: "لقد أوقفت الشحدة من دول الخليج"، بسبب الظروف تلك، وطالبتهم بتحمل الظروف، والتمسك بالموقف الوطني من الأزمة.
وعن مطالبهم بمناقشة الخطط العسكرية، صدمت أكثر، فكيف أسمح بذلك!، لأن الخطط العسكرية لا تناقش في مجلس النواب، ولا يتم الاستعراض بها على التلفزيونات، فنكرر أزمة نكسة حرب الـ67، وشرحت لهم خطنا الإعلامي الذي نعمل به على جبهات متوازية، وأبلغتهم بأن العراق لا يستعرض بقواته العسكرية، على التلفزيونات، وأنك تذهب لبغداد لا تجد أي مظهر عسكري، فلماذا أقوم أنا بهذا الدور!.
وأكدت لهم بأننا نقف إلى جانب العراق لمواقفه معنا منذ العام 1978، وهم ما قصروا يوما في تجاوبهم معنا اقتصاديا، ومن طالب من النواب، بأن يبدأ الراحل الحسين، بجولات لعواصم عربية، قلت له: نحن قيل لنا "لا تأتوا" وتحملنا كل ذلك بحثا عن المصلحة العربية.
عاد النواب ليطالبوا بتسليح المواطنين، وأبلغتهم بأننا أقررنا موازنة العام، وبعجز بلغ 300 مليون دولار، ولا طاقة لنا بتأمين نواقص القوات المسلحة، وطلبنا من دول صديقة دعمنا بالسلاح، لسد بعض احتياجاتنا العسكرية.
وعن تأمين المواطنين بالأقنعة لمواجهة أي ضربة كيماوية، كنت صريحا، وقلت "لا طاقة لنا بالأمر"، لكن على الجميع أن يعرف أننا وفي قمة تشاؤمنا لا نتوقع أن يكون الأردن ميدان قتال، لكننا محتاطون جيدا بكل الاجراءات الوقائية الممكنة. وعن تأمين متطلبات الحياة اليومية، كنا قد اشترينا مضخات متنقلة، واشترينا مولدات لتشغيل الأفران إن انقطعت الكهرباء، ووزعنا المواد التموينية على المحافظات بحجم عدد السكان.

* في تلك اللحظات أيضا، كان أبرز تحرك عربي هو زيارة ياسر عرفات الأخيرة، لبغداد قبل قصفها، ماذا كان الهدف منها، وأين الأردن الرسمي في تلك اللحظة عشية ضرب بغداد؟
- طرحت مبادرة من قبل مجلس النواب اليمني، وكانت متأخرة، وغادر عرفات بغداد، وأبدى خلال لقاء إذاعي له، مع الإذاعة الأردنية، تفاؤلا بموقف صدام. لكن عاد ليطرح خيارا آخر، بأن يأتي السيناريو المقترح من مجلس النواب اليمني، بمباركة من مجلس الأمن، فيمررها عرفات لصدام، ويوافق عليها الأخير، لكن الوقت كان أسرع من كل ذلك، وقد غادر عرفات إلى بغداد، قبل القصف، ولم يعد بعدها إلى عمان.
أما عن سؤالك، وأين كنا؛ فقد كنا نفكر بمنتهى الجدية والحذر، باستقبال نحو 750 ألف وافد، سيصلون الحدود الأردنية من العراق، وكيف سنتعامل مع متطلبات مرورهم ومغادرتهم من الأردن، وكيف سنؤمن إقامتهم حتى نستطيع تأمين سفرهم.
وقالت وزارة الخارجية بأننا قد نتعامل مع عودة 100 ألف أردني وفلسطيني من الخليج، وهؤلاء مواطنون ومقيمون، وليسوا عابري طريق.
وكان من أصعب التحديات في تلك اللحظات، التي نشتبك فيها مع الهم السياسي وفشله، والخيار العسكري وتداعياته للازمة العراقية، هو ارتفاع استهلاك المواطنين من المواد الأساسية، مثل الأرز والسكر والطحين والزيت، الى الضعف، وكيف سنواجه مثل هذا الاستهلاك، فالناس تخاف من الحرب، ويزيدون مؤونتهم، ونحن نعد بحسابات التموين، بأدق تفاصيلها خوفا من تطورات الحرب وأيامها، وأعلنا وقف المسيرات والتظاهرات، حتى لا يكون الخطر أكبر، وقلنا وعملنا بشعار "تضافر الجهود، وليس تظاهر الوجود".

*بدأت الحرب؛ وقصف التحالف الدولي بغداد، وجاء ما تخافون منه، هل من تقييم للحظات الاولى من المعركة، تود أن تضعنا في صورته؟
- نعم كان يوم السابع عشر من كانون الثاني (يناير) من العام 1991 يوما حزينا، ومؤلما، وطويلا وصعبا.
مباشرة اجتمع الراحل الحسين مع لجنتي الطوارئ في مجلس الأمة ومجلس الوزراء، لم أر الحسين حزينا، كما رأيته في تلك اللحظات، وتحدث بحديث بالغ الأهمية، وكان صلبا في موقفه، وشعرت في تلك اللحظات، وكأنه يرثي الوحدة العربية والتضامن العربي والعمل المشترك.
وتحدث وسط الحضور، وقال: القضية في نظري ليست قضية إنسان (صدام حسين)، هم على خلاف معه، إنما قضية شعب قدم لنا جميعا، وفي كل المواقف الصعبة، وهو شعب شكل ظاهرة جديدة في عالمنا العربي، من حيث قدراته العسكرية والبشرية والمادية، وجنوحه لتوظيفها لمصلحة الإنسان العربي في الوطن العربي الكبير.
وتابع الحسين قوله: العراق خرج قويا بعد حربه مع إيران، وأوضح، رحمه الله، مساعيه في تطويق تداعيات الأزمة، وأنه أخذ التزاما من العراقيين بالانسحاب من الكويت، وعقد قمة عربية مصغرة في الرياض، ولكن موقف البعض على صعيد الجامعة، والقيادات كان مخالفا، لما اتفقنا عليه، ووقع ما خشيناه.
وزاد الحسين أوصدت الأبواب على الصعيد العربي واستمرت المشاورات حتى قبل أربعة أيام.
الراحل الحسين كشف لنا جميعا، عن جهود قام بها رئيس الديوان الملكي الشريف (الأمير) زيد بن شاكر، حيث زار الرياض في محاولة أخيرة للحل، وكان على أساس الحوار العراقي السعودي المباشر.
وأطلعنا جميعا، بأن السعوديين قالوا لابن شاكر، أن يذهب للعراق، ويطالبهم بالانسحاب الفوري، وإذا رفض العراقيون التصريح بذلك، أن يصرح هو بموقفهم، وقال الحسين بأن هذه الخطوة، كان يريد منها السعوديون إعطاء الضوء الأخضر للعملية التي بدأت.
وقدم الراحل الحسين، وصفا عسكريا للموقف، وهو أن الهجوم الهائل من الطائرات، المدعومة بكل امكانات وتجهيزات الحرب الالكترونية، وتشويش أنظمة الاتصالات، ستكون متلاحقة، وحتى، إن توقفوا عن عمليات القصف مؤقتا، فإنهم سيباشرونها من جديد، بعد دراسة النتائج للضربة الأولى.
وقال: نبهنا اخواننا في العراق، أن هذا ما سيحدث، وكانوا مطمئنين، من قدرتهم على استيعاب الضربة الأولى.
كان اللقاء صعبا، لكن الحسين، رحمه الله، شحننا بمعنويات عالية، وتحدث بخلق هاشمي رفيع، عن القيم والمبادئ العروبية، وظل متفائلا بأن تخرج الأمة من تلك الأزمة حرة منتصرة.
كما كشف الحسين عن حراكه السياسي الأخير، والرسالة التي وصلته من ميخائيل غورباتشوف، وتفيد بمحاولة الاخير طلب تأجيل الضربة يوما أو يومين، للاتصال ببغداد للانسحاب، ولكن الضربة الجوية سبقت محاولة روسيا الأخيرة.
كما قال بأن غورباتشوف وجه نداء لمساندته بمهمة سحب العراق من الكويت، وأنه أبلغه بأن العراق لن تنسحب وهي تحت القصف.
وتابع: "لم يتركونا نشتغل على الصعيد العربي، وما عالجوا القضية على الصعيد الدولي، ودفعوا الحالة لما هي عليه الآن".
سأل الحسين عن جاهزية الأمور، ووضعناه بصورة أدق التفاصيل، وأننا جاهزون للتعامل مع الجيش الشعبي، وتوزيعه، وتوزيع السلاح عليه، وخططنا لكي لا يأخذ الأمر وقتا طويلا، وأن الاستدعاء لا يحتاج لوقت طويل، فالتنظيم الهيكلي معد سلفا، والسرايا موزعة ومعروف أماكن تواجدها.
وكنا طلبنا سد النقص في سلاح الأفراد، من روسيا وليبيا، وطرحنا فكرة ترخيص السلاح للمواطنين، القادرين على الشراء، فموازنتنا العسكرية لا تحتمل أي زيادة، فهي بلغت 220 مليون دينار.
قيّمنا في ذلك الاجتماع الخطر من إسرائيل، وقيمنا قدرتها المالية في تزويد جيشها وسلاح جوها، لكن الحسين قلل من أهمية إمكانات إسرائيل، لأن امكاناتها بالمساعدات الأميركية، وليس بقدراتها الذاتية.
شرحنا للحسين أزمة الطحين في البلاد، وأننا واجهناها ببيع الطحين للمطاحن والمخابز فقط، والسيطرة على الكميات المتوفرة، وأن تذهب للمواطنين بشكل مباشر، وهو ما ساعدنا على مراقبة الأسواق.
كما قدمنا تقديرا لمعالجتنا لأزمة الوافدين المتوقعة، فالتقديرات كانت تشير، إلى أن 200 ألف وافد سيتوجهون لتركيا، و200 ألف إلى إيران، و100 ألف لسورية، و750 ألفا إلى الأردن، وهو ما سيجعلنا أمام تحد خطير في مواجهة هذا العدد الضخم.
أبلغنا الراحل الحسين ببدء الاعتراف بسقوط طائرات أميركية في سماء العراق، وقلت له بأن العراقيين قالوا بأنهم يحسبون 18000 طن من القنابل والصواريخ ستسقط عليهم، وتقديراتهم بأن ذلك سيكون بتنفيذ 2500 طلعة جوية.

* في اليوم الثاني من أيام ضرب العراق؛ أطلقت بغداد صواريخها باتجاه إسرائيل، هل بدأ الخطر الإسرائيلي في تلك اللحظة؟
-بدأ الهجوم العراقي على إسرائيل، الساعة الثانية صباحا، في اليوم الثاني لقصف بغداد، كما قلت، قصفت بغداد تل أبيب بـ8 صواريخ، انفجر منها سبعة.
قطعا، التوقعات تقول بأن أي رد إسرائيلي سيستخدم الأجواء الأردنية، وعندها سيقع المحظور، لأننا لن نسمح بذلك، وتعليماتنا تؤكد أن ضرب العقبة سيقابله ضرب لإيلات.
الخوف بالنسبة لنا كان استهداف مصفاة البترول، والتي تعني لنا الحياة أو الموت، فجاء الاقتراح بإطفاء وحدات التكرير، وتفريغها، لتقليل أي خطر إن وقع الأسوأ، واقترحنا تخزين المحروقات بمحطات الوقود.
بالنسبة لأي اختراق إسرائيلي لمجالنا الجوي، كانت التعليمات تفيد بضرب أي محاولة، وأبلغنا الأميركيين بذلك، وعلمنا بأن الإسرائيليين سيتحركون من السعودية، وباختراق للمجال الجوي الأردني، قصير جدا، وقد سمعت أبراج المراقبة عندنا انباء تحرك طائرات اسرائيلية شرقا عبر السعودية.
وكما كانت تقديراتنا تشير إلى أن أي اشتباك جوي لا يعني قصف المصفاة، لأن قصفها يعني حربا شاملة، لذلك أوقفنا وحدات انتاج المصفاة الثلاث لمدة أسبوع.
أذكر في ذلك اليوم، اتصال كل من رئيس وزراء كندا ووزير خارجيتها مع الملك الحسين، وعبرا عن أسفهما لسقوط احد صواريخهم على الحدود العراقية الأردنية، وأبلغهما الراحل بأننا لن نسمح باستعمال أجوائنا، في أي اعتداء على العراق.

* في المذكرات السياسية لرئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، قال عن زيارة سرية لك لبغداد، وهي تتعرض للقصف، وكنت زرتها وحدك، متى كانت هذه الزيارة؟ في الأيام الأولى للحرب؟
-الزيارة كانت في اليوم الثاني للحرب على العراق، وزرتها وهي تحت القصف، ولم يكن أحد يعلم بالأمر.
لقد رتبت الأمر، وقد انزعج من الفكرة كل من الملك الحسين وزيد بن شاكر، لأن في الأمر مخاطرة أمنية عالية، اضافة الى كلفة الأمر السياسية في حال كشف الأمر.
حتى أني جهزت مركبتين للمغادرة، وجهزتهما بالوقود اللازم، كما وضعت وقودا إضافيا، حيث عبأت جالونات بنزين ووضعتها في صناديق المركبتين، واحتطت بمؤونة الرحلة، من مواد غذائية، وأذكر بأني طلبت إعداد الساندويشات والمياه من منزل الأمير زيد بن شاكر، لكي لا تعلم أسرتي بنيتي الذهاب لبغداد خلال القصف، ذهبنا ونحن لا نعلم شيئا عن الطريق، ولا نعلم بطبيعة ظروفها، ولا نعلم عن المدة الزمنية التي ستستغرقها الرحلة.
انطلقت صوب العراق ولم أخبر أحدا من أسرتي، وكان شقيق زوجتي ضمن الكتيبة، على مفرزة الحدود الأردنية العراقية، واستغرب مروري، وأبلغ زوجتي بالأمر، فلما عدت وعرفت وبخته على فعلته.
بدأنا نسير على الطريق، وبالكاد لا ترى أحدا على الطريق، والمشكلة كانت بسهولة استهداف المركبتين، لأنهما تسيران بسرعة ويمكن رصدهما.
كان الهدف من خروج المركبتين، هو إن تعطلت احداهما، تبقى الأخرى تعمل، وسرنا على الطريق الدولي بالسيارات المصفحة، على سرعة 200 كم بالساعة، وكانت مجازفة خطيرة، لأن أي مشكلة على الطريق، قد يصعب تفاديها، بوزن السيارة المصفحة، وهي على سرعتها، لأنها تحتاج مسافة طويلة لكي تخفف من سرعتها وتتوقف، لم تغفُ عيناي لحظة على الطريق، فكان هدفي حفظ الطريق، بشكل جيد، حتى أضمن العودة متجنبا كل الأخطار.
وكانت مغامرة خطيرة، فقد كنا نرى الطائرات الحربية من بعيد، تتجه نحو سماء بغداد، وتقصف وتعود لقواعدها، وكان كل همي أن أعبئ السائقين بالمعنويات المرتفعة، وأن لا يخافا من أي خطر حولنا.
كنا نمر على دوريات الجيش العراقي، وكانوا يطلبون منا الخبز، وكنت استغرب من الأمر، فكيف لم يحسب الجيش العراقي حساب جنوده بالطعام اللازم، خلال ما يتعرضون له من حرب.
بقينا نسير بسرعة عالية، حتى وصلنا بغداد، ونزلت عند سفارتنا، وإذ بها مغلقة، سألت عن الموظفين في السفارة، فأبلغني الحارس بأنهم خرجوا للغداء، واتصل بهم ليعودوا، وسألتهم كيف تغلقون السفارة؟ فقالوا: بأنهم لم يتبلغوا بزيارتي لبغداد، كما أنهم إن لم يخرجوا للغداء، في تلك الساعة، فستغلق المطاعم والمحال، ويمكثون في عملهم من دون طعام، وأبلغوني بأن لا طعام لديهم سوى البرغل، فالخبز والطحين مقطوعان في بغداد.
طلبت منهم أن يتصلوا بطارق عزيز، وطه ياسين رمضان، ويبلغوهما بأني موجود في بغداد وأريد رؤيتهما.
تركت المركبتين، وجاءني "بك أب" عراقي، نقلني لمقر رمضان وعزيز، واستغربت من كل هذه الاجراءات الضعيفة لمواجهة حرب دولية، لا يعرف العراقيون أمدها.
فقد كان طارق عزيز مقطوعا من الوقود، وسألته: إذا كيف سأعود لعمان بهذه الحالة، فالمركبتان انهتا مخزونهما من الوقود!.
واستغربت كيف لهم أن يدخلوا حربهم تلك، من دون أي احتياط غذائي، أو في المحروقات أو الكهرباء، وقلت: أنا في الأردن، ولست هدفا في الحرب، كنت أنهيت الاستعدادات كلها، قبل أن تبدأ الغارات الجوية. نصحت بتأمين كل الاحتياطات اللوجستية في الحرب، ونصحت برسم خطة شاملة، لتأمين بغداد، بكل مستلزماتها من الغذاء والدواء والمحروقات.
وفعلا، فقد كسرت الحصار على بغداد بعدة طرق، وضمنت، أن يستمر تمويني لهم بكل متطلبات الحياة الأساسية، من غذاء ودواء، حتى أني كررت لهم مرات كثيرة، نفطا خاما في مصفاة البترول عندنا، وأعدت إرساله لهم.
لقد كانت مجازفة خطيرة، لكنّ للعراق دينا في رقابنا، وكنت أريد أن أسد بعضه، ومجازفتي كانت، ليس لهذا السبب فقط، بل لأن المواطن العراقي مواطن عربي مسلم، ويجب أن اقف لجانبه، انسانيا بالدرجة الأولى.
عدت بعدها إلى عمان، وكانت عودتي في ساعات الليل، وكانت الطريق موحشة، وكل ما طلبته من السائق أن يمشي في منتصف الطريق، وان لا يرفع قدمه عن "دعسة" البنزين، ولا أن يخاف، فقد حفظت الطريق جيدا، وقد رصدت مواقع تخبئة قواعد الصواريخ المضادة للطائرات تحت الجسور، وكان همي أن نتجاوزها بسرعة، لأنها كانت هدفا سهلا للطائرات الحربية.
وصلنا عمان، واستكملت مابدأت به في بغداد، ونجحت مهمتنا في إسناد العراق بالغذاء والدواء والمحروقات المكررة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:56 am

الحلقة الواحدة والثلاثون من "سياسي يتذكر"
بدران: الحسين نبه أن هدف تدمير العراق هو بقاء إسرائيل


بدران والى جانبه رئيس مجلس النواب المرحوم سليمان عرار خلال لقاء حكومي في معان عام 1990
محمد خير الرواشدة
عمان- يضع رئيس الوزراء الاسبق مضر بدران القارئ اليوم في صورة الاوضاع الداخلية، التي رافقت الحرب على العراق مطلع العام 1991، كاشفا مزيدا من اسرار تلك المرحلة، التي كان فيها رئيسا للوزراء، بأدق المراحل وأصعبها.
في الحلقة الواحدة والثلاثين من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد"، يستعرض بدران بعض التحركات السياسية والدبلوماسية، التي تواصلت رغم بدء قصف بغداد يوم 17 كانون الأول (يناير) من ذلك العام، مشيرا الى ان الضغوط الاميركية على الاردن والتلويح بوقف المساعدات، استمرت بعد اندلاع الحرب، لكن الملك الحسين تمسك بمواقف الاردن، برفض الحل العسكري وضرورة الحل العربي للازمة.
وينقل بدران عن الحسين، خلال احدى اللقاءات ابان الحرب، بان الهدف الوحيد من ضرب وتدمير العراق هو بقاء إسرائيل القوة الوحيدة بالمنطقة، كاشفا ان وزير الخارجية العراقي طارق عزيز زار الاردن سرا بعد ايام من بدء القصف الجوي، وانه نقل صورة سوداوية لآثار القصف والتدمير، والذي قال انه "لم يبق شيء في العراق الا وطاله القصف والتدمير".
ويذكر بدران اليوم ان العراقيين ابلغوه خلال الزيارة السرية لبغداد، ان تعجيل العراق بقصف اسرائيل بالصواريخ، ثاني ايام القصف، "لم يكن مخططا"، لكنهم عجلوا بضرب اسرائيل، للرد على مزاعم الولايات المتحدة من ان الوجبة الاولى من القصف الجوي للعراق قد دمرت جميع منصات الصواريخ العراقية. 
 ويفرد بدران حيزا مهما للحديث عن اجراءات الحكومة خلال فترة الحرب، للتعامل مع الظرف الطارئ على المملكة، وتوقف النفط العراقي، حيث يشير الى تقنين استخدام المحروقات، واللجوء الى نظام الفردي والزوجي للسيارات الخاصة، وغيرها من اجراءات. مشيرا في هذا السياق الى ان الحكومة درست خلال الحرب توزيع "كوبونات" ارز وسكر وحليبب على المواطنين، لخفض حجم الاستهلاك والتقنين.
وكان بدران وصف في حلقة أمس لحظات بدء القصف الجوي على بغداد، حيث قال انه لم ير الراحل الحسين حزينا، كما رآه في تلك اللحظات. 
وكشف بدران ايضا قصة وتفاصيل رحلته السرية الى بغداد، ثاني ايام القصف الاميركي والدولي لعاصمة الرشيد.

وفيما يلي نص الحلقة الواحدة والثلاثين
* قبل ان تعود من بغداد في زيارتك السرية بعد بدء القصف في كانون الثاني (يناير) 1991، ماذا سمعت من العراقيين وتقديراتهم عن الحرب، وماذا طلبوا من الأردن؟
- التقيت مع طه ياسين رمضان لمدة أربع ساعات، وبحثت معه كل الأمور المشتركة، وأبلغني بأن أمورهم جيدة، وما حصل أقل من توقعاتهم، أمورهم العسكرية كانت منظمة جدا، وانتقدت أمورهم التنظيمية الإدارية.
فالمحلات كانت مغلقة، ولم أجد سيارة شرطة في الشارع، لا ماء ولا كهرباء، ولا أفران، ولا محطة وقود، سوى محطة واحدة تعمل بطريقة يدوية، لأن الكهرباء مقطوعة عن بغداد.
لكن وعلى الرغم من ذلك، كانت الناس عادية، والانضباطية تامة، فعند حدوث القصف، تذهب الناس للملاجئ، ويبقى الجيش الشعبي للحراسات المدنية.
قيل لي بأن جزءا من سكان بغداد غادروا باتجاه الشمال، والى الحدود الإيرانية.
وأبلغني رمضان بأن الضربات العسكرية، من قوى التحالف، لم تصب 80 % من الأهداف، وأكد لي قدرة العراق على اثبات سقوط 160 طائرة، من طائرات التحالف، وأن طياري تلك الطائرات، إما أحياء، أو في الأكفان.
وأنا موجود في بغداد وقعت غارتان، والمقاومات منعت الطيران من الاقتراب، والعراقيون كانوا يجرّون قوى التحالف لمعركة أرضية.
وقيل لي بأن ضرب اسرائيل، لم يكن مخططا له في تلك اللحظة، ولكن بسبب كذب أميركا، بإعلانها تدمير منصات الصواريخ العراقية، فعل العراق ما فعل، وقال لي رمضان، بأن أرقام المنصات مأخوذة من الاتحاد السوفياتي، وأن العراق بنى غيرها، لأنه توقع سرقة الارقام من الروس، وتسريبها للولايات المتحدة.

*ولم تقدموا أي جهد عسكري لدعم العراق، في تصديه لقوات التحالف الدولي؟
- إن كنت تقصد مساعدة عسكرية مباشرة، فهذا لم يحدث، لكن للتاريخ، أقولها، بأن العراقيين طلبوا مساعدتنا على تدريب ضباط عراقيين، على توجيه وإطلاق صواريخ "هوك"، كانوا قد نقلوها إلى العراق من الكويت خلال احتلالها، ونظرا لطول المدة اللازمة لتدريب ضباط على التعامل مع هذه الصواريخ، فقد طلب العراقيون منا مباشرة إرسال ضباط أردنيين اليهم.
انا لم اكن مطلعا على تفاصيل هذه القضية، لكن تم إخراج عدد من الضباط من الخدمة، على أن يتعاقدوا مع الجيش العراقي، بشكل شخصي ومباشر، فوافق العراق، ونقلت إلينا تقارير أمنية لاحقة، أفادت بأن هؤلاء الضباط المتقاعدين من الجيش العربي والملتحقين بالجيش العراقي استطاعوا أن يسقطوا بالصواريخ عددا من الطائرات الحربية، وفعلا تم أسر عدد من جنود قوات التحالف الدولي ضد العراق، وأذكر من جنسياتهم واحدا أميركيا وآخر سعوديا.
أنا أقول ذلك، وأنا أعلم علم اليقين مدى الخطر، الذي كان يواجهنا، بعد أن قلنا علنا بأن أي طائرة إسرائيلية تمر بأجوائنا سنضربها، ورد الإسرائيليون بالتهديد، بأنهم سيقصفون ويدمرون سلاح جونا، لكن كنت قد عشت ليلة كاملة في غرفة العمليات بسلاح الجو، واطلعت على الروح القتالية عند طيارينا، لدرجة استعدادهم لتنفيذ طلعات جوية انتحارية ضد العدو.

* كيف أدارت الحكومة الشأن الداخلي خلال أيام الحرب؟
- لعلك اطلعت على جانب من محاضر جلسات مجلس الوزراء في تلك الأيام، ولعلك لاحظت بأننا كنا تفصيليين لأدق درجة، لم نغفل التفكير بأي شاردة أو واردة، لأن الخطأ كان يعني الكارثة، الغذاء والكهرباء والماء، والمحروقات، وكل ما يلزم تأمينه، والجيش الشعبي وإدارته وتسليحه، كما نعيش فعلا أجواء خلية أزمة وطنية، والجهود تضافرت من كل المؤسسات، والراحل الحسين بقي ممسكا بدفة القيادة السياسية، ومؤسساته الدستورية، كانت بمثابة الجهاز التنفيذي، الذي يربط بين رؤية القائد، وطموحات شعبه.
ومن هناك بدأنا بالتعامل مع تداعيات الحرب، وماذا ينتظرنا خلال أيامها.
بدأ السوريون بهجوم إعلامي علينا، وقد كان ذلك متوقعا، فبعض أعضاء مجلسي النواب والأعيان، كانوا ينتقدون سورية في الإعلام، وتوقعنا أن يكون الرد علينا بالإعلام أيضا.
وسعى وزير الإعلام ابراهيم عز الدين لاحتواء الأزمة مع السوريين، وفعلا استطاع نتيجة خبرته الدبلوماسية العالية، بالعودة الينا بخبر وقف الحملة الإعلامية السورية ضد الأردن.
وأخذنا قرارا في مجلس الوزراء بوقف تصريحات السفراء، الذين قد لا تكون لديهم الخبرة الكافية في التصريحات السياسية، خلال أحداث الحرب، وقلنا أن نؤجل أي تصريح، من قبل سفاراتنا، منعا لمضاعفة مشاعر العداء العربي ضدنا.
في تلك اللحظات أيضا، بدأ توزيع السلاح على الجيش الشعبي، وكنا حذرين في ذلك، فموضوع السلاح في يد المواطنين له إيجابياته في الحرب، لكن له سلبياته في السلم.
لقد ساعدنا السوريون بتزويدنا بالنفط، وأوفى حافظ الأسد بوعده، وبدأت اللجان تعمل وتشرف على نقل صهاريج النفط من سورية.
وكان ذلك بعد أن أخذنا سلسلة إجراءات للتعامل مع انقطاع النفط، إطفاء إنارة الشوارع، توقيف 50 % من سيارات الحكومة، تطبيق نظام المركبات الفردي والزوجي، على المركبات الخصوصية، وبدأنا التفكير بموضوع توزيع "الكوبونات" على المواطنين، لنخفض حجم استهلاك السلع الأساسية، من أرز وسكر وحليب، كما قمنا بتخفيض كميات البنزين الموزعة على سيارات السلك الدبلوماسي، حتى يشعروا بأننا في أزمة وينقلوا ذلك لدولهم.
اما السفير الأميركي روجر هاريسون فواصل ضغطه علينا بشكل مستمر، حتى أبلغته صراحة، بأننا لن نغير موقفنا، جراء أي ضغط أميركي، وأننا مع الحل السلمي، والحل العربي لأزمة العراق والكويت، وموقفنا الشعبي ينسجم مع موقفنا الرسمي، وأبلغت مجلس الوزراء بأن الأميركيين سيستخدمون ورقة المساعدات للضغط علينا في كل مرة، وعندها بدأنا نهيئ أنفسنا، على تقديرات تشير إلى أن عمر الأزمة سيطول.

*وما هي الظروف التي عملت بها خلال أيام الحرب على العراق وقصف بغداد؟
- لقد كان الخطأ في التقدير يعني الكارثة على مستوانا، لأننا باختصار، لا نستطيع أن ننعزل عن العالم والجوار، فروحنا معلقة بالمواد الأساسية، التي نستوردها كلها من الخارج، والنفط والقمح والسكر والأرز، كلها حاجات أساسية لا يمكن التقصير بتأمينها للمواطن، بل أن يكون مخزونك من هذه السلع وافيا.
كان مجلس الوزراء المصغر، ينعقد كل يوم، من الساعة الثامنة صباحا وحتى الساعة العاشرة وأكثر، وكان المجلس يضم كلا من نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية، ووزراء المالية والإعلام والأشغال والطاقة والصناعة والتموين.
كنا نبحث في تلك الاجتماعات، في أدق تفاصيل إدارة الدولة، وتأمين كل ما يسهّل حياة المواطن، ولجأنا لابتداع أفكار كثيرة، فقط في سبيل أن لا يشعر المواطن بأجواء الحرب، وسيطرتها على اقتصادنا المحاصر.
في تلك الأيام، كنا نتابع أدق التقارير، ونتعامل مع القرارات بتأن ودقة، لا مجال للارتجال في أي موقف وقرار، فالإدارة العامة في ظروف الحرب تلك، كانت بمثابة صمّام الامان اجتماعيا واقتصاديا.

*وماذا عن الراحل الملك الحسين، وأين وصل بتحركاته الداخلية والخارجية؟
- كثف الراحل اتصالاته مع دول العالم، ولم يهدأ خلال تلك الأيام، وكان دائم التواصل مع القيادات الرسمية المدنية والأمنية، وحافظ على لقاءاته بمجالس الطوارئ.
في نهاية شهر كانون الثاني (يناير) زارنا الراحل الحسين في مجلس الوزراء، واجتمع بنا، وكالعادة، قدم رؤيته التي ساعدتنا كثيرا في التعامل مع المرحلة. من جملة ما أتذكره في ذلك اللقاء، بأنه نبهني إلى أن الحرب تريد هدفا واحدا وهو بقاء إسرائيل هي القوة الوحيدة في المنطقة.
وقال لنا هناك من العرب، من راهن على أن الحرب لن تتجاوز الساعات، وأن بعض العرب صرح بذلك، وقال، رحمه الله: "خسارة نسميهم عربا".
وأضاف بأن أصل القصة هي حماية السعودية من خطر مزعوم، وأن الكويت كانت المصيدة والفخ، الذي استدرج إليه صدام، وكان ذلك بعد دراسة أميركية، رصدت احتمالات ردود الأفعال العراقية على الاستفزازات.
ورفع الراحل معنوياتنا بقوله: صمود العراق أمام هذا الهجوم الكبير هو نصر بحد ذاته.
كما أكد توقعاته باستمرار ضرب العراق، لمدة طويلة، لإضعاف قوته لحدود الصفر.
ومن هناك، بدأ الراحل يرصد حركات إيجابية في الشارع العربي، السوري والسعودي والمصري، باعتبار أن الحرب على العراق هي حرب ضد بلد عربي مسلم، وهو ما سيحرك الشعوب النائمة.

*لكن بقيت التطورات الداخلية تتفاعل، ونذكر منها أزمة تظاهرات الرمثا، وتعامل الحكومة معها، خصوصا بعد ضرب  صهاريج نفط لعدد من ابناء الرمثا خلال قصف بغداد؟
- تلك أزمة فعلا، وكانت تنذر بالخطر، ولولا تعاون نائبي المنطقة، محمد الدردور وسليم الزعبي، لكانت التطورات أخذت شكلا أكبر.
بدأنا بأخذ افادات الجرحى والمصابين، الناجين في تلك الحادثة، وبدأ أهالي الرمثا احتجاجاتهم، من خلال قطع الطريق على كل الشاحنات القادمة من سورية.
لا أذكر تفاصيل تلك الأيام، لكن كان موقف نواب المنطقة له تأثيره، وأوضح النائب الدردور خلال جلسة تحولت إلى سرية مع مجلس النواب، وقال إن الاحتجاجات تطورت، وإن تعامل الأمن مع المتظاهرين كان قاسيا، خصوصا أن اعتقال المتظاهرين زاد من غضب الشارع.
وأكد بأن الهدف من التظاهر كان التضامن مع متضرري الحادثة، وليس لأن شاحنات أهالي الرمثا قد تعطلت، وهو ما كان قد غمز به أحد النواب، وألهب تلك الجلسة.
قدم الدردور ملخصا لتلك الأحداث، والمفاوضات التي جرت بينه وبين الحكومة ومدير الأمن العام. تم تطويق الأزمة، وبأقل الأضرار، وكان الفضل فعلا لنواب المنطقة، الذين عملوا على تهدئة الشارع، كما تعاونوا مع الموقف الرسمي الذي كان يشغله كثيرا منع حصول أي بلبلة في الشارع.

*لم يحدث اي اختراق سياسي، يخفف من وطأة الأزمة العراقية والحرب عليها؟
- لقد زارنا رئيس الوزراء العراقي سعدون حمادي منتصف شباط (فبراير)، حاول أن يزورنا برا فلم يستطع، فالقصف على بغداد اشتد، فجاء جوا عن طريق طهران، وجاء بعد أن حمل رسالة جوابية، للرئيس الإيراني، تفيد بالقبول العراقي لإعلان نية الانسحاب من الكويت، مقابل انسحاب القوات الأجنبية من الجزيرة العربية، وذلك كان عنوان المبادرة الإيرانية، والعراقيون قبلوا بها، لكن اشترطوا عدم الإعلان عنها حتى تتضح الأمور والمواقف أكثر.
بعد تلك الزيارة بأيام، ولأول مرة، كان يصدر عن العراق تصريحات تفيد بقبول مبدأ الانسحاب من الكويت، السوفيات وإيران والصين إلى جانب العراق، وهذا صار سببا لنكون أكثر اطمئنانا، وهم يؤيدون وبشدة مبدأ الانسحاب مقابل وقف ضرب بغداد.
العراق حتى تلك اللحظات، بقي يناور بموقفه، ويريد مقايضة انسحابه من الكويت، مقابل تنفيذ متطلبات الشرعية الدولية في القضية الفلسطينية، ويقول العراقيون: "نحن نخفف من مطالبنا بعودة فلسطين كاملة، لأن منظمة التحرير الفلسطينية قبلت بقرار 242".
ومن هناك أيضا صار الموقف الفرنسي أكثر تقدما، في مقاومة الموقف الأميركي بالحرب على العراق.
في اللقاء، أكد سعدون حمادي أن قصف قوى التحالف يركز على المراكز المدنية والبنى التحتية، والهدف إضعاف العراق، لكنه أكد أن المعنويات عالية في مواجهة الحدث، والجبهة متماسكة، وخسائرها أقل بكثير مما يعلنه العدو، وأن التقديرات العراقية تشير إلى ان الوضع ما يزال محتملا، خصوصا أن معدل القصف انخفض كثيرا عما بدأ به.
وأعلن حمادي لنا، بأن الجيش العراقي وقيادته الموحدة، يريدون حربا برية ومعركة مواجهة، وهناك سيكون الألم الحقيقي للأميركيين، وعندها سيتحرك الرأي العام الاميركي عند وصول أولى الجثث لجنوده.
فأبلغته بأن كل المؤشرات والمعلومات المتوفرة تشير لقرب الحرب البرية.

*المعركة البرية حصلت في نهاية شباط (فبراير) من العام 1991، وهل حصل ما كان يريده العراقيون؟
- في الرابع والعشرين من شباط (فبراير) وفي تمام الساعة الخامسة صباحا، أعلن بوش بدء الحرب البرية. وهذا تطور جديد، وعلى الأردن أن يتعامل معه بمنتهى الجدية.
من عندنا أولا؛ أصدرنا البيان الحكومي، بمناسبة بدء الحرب البرية، والعراقيون أبلغونا بأنهم إذا تعرضوا لأي ضرب مدمر، فسيضربون اسرائيل بالكيماوي، لكنهم لن يكونوا البادئين.
المعلومات أفادت بأن الأميركان يتقدمون باتجاه الجهراء الكويتية، والخطة تؤكد تطويق مدينة الكويت، وعزلها عن الامداد.
ظهر امامنا تلك الفترة تحد أمني داخلي، هو تنفيذ عمليات فردية، ضد اسرائيل، عبر التسلل إلى الضفة الغربية، ضمن تلك الاجواء، والخشية كانت من ان تكون مثل تلك العمليات ذريعة لاسرائيل لجرنا لمعركة، ولذلك حاولنا أن لا نُجرّ لحرب مع اي طرف، خصوصا وأن ظهيرنا العراق مشغول بحربه، وصرنا نعيش بشك كبير، بأننا معرضون للخطر الكبير فعلا، فنحن الآن وحدنا، ولا نحلم بأكثر من بيان شجب، ولذا يجب تلافي الاحتكاك.
الأخبار السيئة نقلها لنا طارق عزيز في زيارة سرية لعمان، وكانت تلك الانباء نقطة التحول الكبير في الموقف العسكري ضد العراق، وقال لنا إنه لم يبق شيء في العراق لم يضرب، القصر الجمهوري مسحوه خمس مرات، وكذلك قصر المؤتمرات، المصافي ضربت مرات عدة، ولم يعد هناك أي مجال لاصلاحها، تم تدمير كل مصنع، والجسور في الجنوب، وبقيت ثلاثة جسور خفيفة في بغداد.

*وبقيتم  تحت ضغط أميركي يريد من المملكة تغيير موقفها من الحرب، والانضمام للتحالف الدولي لقصف بغداد؟
- فعلا، لقد قالها القائم بالأعمال الأميركي لنا: "أعلنوا موقفكم ضد العراق... وبعدها افعلوا ما تشاؤون".
وقد كان الراحل الحسين في حيرة شديدة، في تلك المرحلة، فهو محاصر من جميع الأطراف، قوى سياسية وشعبية ونيابية تضغط باتجاه دعم العراق في الحرب، وقوى دولية صاحبة قرار تضغط باتجاه أن يكون الموقف الرسمي الأردني ضد العراق.
لكن كيف تقوم بذلك، وأنت تحت ضغط شعبي، يغلي، ويريد أن ننتصر في الأردن الرسمي للعراق، كنا خرجنا للتو من أزمة انعدام الثقة الشعبية بالنظام السياسي (هبة نيسان)، وانتهزنا الفرصة، ليعود الانسجام، وتعود الثقة بين طرفي المعادلة الوطنية الأساسية.
لقد أخذت على عاتقي هذا الدور، وأعرف بكل محاذيره على المدى الطويل، لكني، رئيس وزراء، ويمكن تحميلي مسؤولية خطأ الموقف الأردني الرسمي، وإقالتي من الحكومة، وبعدها يأتي من يعدل تلك المواقف.
صحيح، بأنني مع أي دولة عربية ضد أميركا، لكني أيضا أعرف أين مصالح وطني، وهي وحدها، التي قد تجبرني على تغيير مواقفي، لأن الوطن أكبر مني، وأهم من مواقفي مهما كانت.
لقد كانت السياسات الدولية تلعب بأعصابنا في تلك المرحلة، وخشينا من إسرائيل، أن تحتلنا لحصار العراق، وقد كان هذا هاجسا أمنيا خطيرا، فإسرائيل تريد رأس صدام حسين.
وقد أبلغنا الرئيس حافظ الأسد، بأنه لا يتوقع أي هجوم إسرائيلي على المملكة، ليس حبا في الأردن، ولكن لأن ذلك سيزيد من المناصرة الشعبية العالمية ضد حصار بغداد.
كما خشينا من الحشد الأميركي، بنحو 4 أو 5 آلاف جندي أميركي، وعلمنا بأنه فقط لتأمين حماية السعودية من العراقيين، وأننا لسنا مستهدفين من هذا الحشد.
واتفقنا في مجلس الوزراء أن نخاطب الأمم المتحدة، ونستفيد بصفتنا أعضاء، من الفصل السابع، فيما يتخذ من الأعمال في حالات تهديد السلم والإخلال به ووقوع العدوان، المادة 50 من الميثاق، والتي نصت على "إذا اتخذ مجلس الأمن ضد أية دولة تدابير منع أو قمع، فإن لكل دولة أخرى -سواء أكانت من أعضاء الأمم المتحدة، أم لم تكن- تواجه مشاكل اقتصادية خاصة، تنشأ عن تنفيذ هذه التدابير، الحق في أن تتذاكر مع مجلس الأمن، بصدد حل هذه المشاكل".

*وماذا عن بقية الملفات، هل كنتم تديرونها أولا بأول أيضا؟
- لقد كنا ننقاش أدق التفاصيل في مجلس الوزراء المصغر والموسع، ولك أن تتخيل، كنا نرصد حتى تأثير خطبة الشيخ علي الفقير، وكنا نستفيد منها سياسيا وتعبويا.
كما قررنا أن يكون الخطاب الإعلامي الرسمي، ملتزما برفضنا للاعتداء بالقوة على أي دولة عربية، وكنا نعترف بالنظام الأميري في الكويت، ونعترف بالمقاطعة للعراق، ونؤيد العراق، وكله بتوازن وعقلانية، وكان كل حرف محسوبا له ألف حساب.
هذا عداك عن متابعة أعداد وإعداد الجيش الشعبي، ودعونا الاحتياط، لكن من دون إعلان، وأعدنا بعض افراد هذه القوة من الحدود عند سفرهم، وتابعنا تدريبات الجيش للجيش الشعبي. إضافة الى تحرك الدفاع المدني وتدريباته على الإسعافات الأولوية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الجمعة 27 فبراير 2015, 6:58 am

الحلقة الثانية والثلاثون من "سياسي يتذكر"
بدران: كنا ضد احتلال الكويت لكننا رفضنا الدخول بالتحالف ضد العراق

الراحل الحسين ومضر بدران في احدى المناسبات
محمد خير الرواشدة
عمان- يواصل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران اليوم، سرده لذكرياته ويومياته في مرحلة الحرب على العراق العام 1991، قبل ان تتوقف رسميا بانسحاب العراق من الكويت في 26 شباط "فبراير" من ذلك العام.
وبعد ان يستذكر اجواء الاحباط التي سادت في تلك الفترة، خاصة مع حجم التدمير والضرب للعراق، والذي يصب في المحصلة بصالح قوة اسرائيل، يلفت بدران الى ان الراحل الحسين، رحمه الله، قال في استشراف للمستقبل في ذلك الوقت ان تدمير العراق لصالح اسرائيل سيتلوه مستقبلا استهداف سورية ومصر بالتقسيم وهو ما يجري اليوم.
ويستكمل بدران، في الحلقة الثانية والثلاثين من سلسلة "سياسي يتذكر" مع "الغد" اليوم، استعراض الاجراءات والسياسات الحكومية للتعامل مع تحدي الحصار والحرب على العراق.
ويشدد على ان الاردن ظلم من الاشقاء والاصدقاء على خلفية موقفه من الازمة العراقية الكويتية، ويقول اليوم "كنا مع الحل العربي للأزمة، ولم نرد اي تدخل أجنبي لحل القضية... رفضنا احتلال العراق للكويت، لكننا ايضا رفضنا دخول التحالف الدولي ضد العراق لأننا اردناه حلا عربيا".
ويكشف بدران اليوم مزيدا من اسرار تلك المرحلة العاصفة في تاريخ الاردن والمنطقة، مبينا في هذا السياق، كيف رفض الاردن طلبا للسفير الاميركي بمنع طائرتين ليبيتين، قيل انهما محملتان بالأسلحة للعراق، من المرور باجواء المملكة. 
ويتناول اليوم الضغوطات المالية والاقتصادية الكبيرة على الاردن في تلك الازمة، ويشير الى ان حكومته اشترطت على صندوق النقد الدولي عدم تحديد الاجراءات المطلوبة من الاردن بل نسب النمو المطلوبة، ليبقى الخيار للحكومة وحساباتها.
ويقدر بدران ان حجم ما تعرض له العراق، في 40 يوما من الحرب العام 1991، من قصف، كان يعادل ما تعرضت له ألمانيا في الحرب العالمية الثانية على مدار أربع سنوات. مشيرا الى ان همّ الاردن والحكومة كان بعد توقف الحرب على العراق هو مواصلة دعم العراقيين بالغذاء والدواء والكهرباء والمحروقات. 
وكان بدران استعرض في حلقة أمس التحركات السياسية والدبلوماسية، التي تواصلت رغم بدء قصف بغداد يوم 17 كانون الأول "يناير" 1991. متحدثا عن الضغوط الاميركية على الاردن والتلويح بوقف المساعدات.
 وفيما يلي تفاصيل الحلقة الثانية والثلاثين.
* نعود لإدارة الأزمة السياسية، منذ تفجر الأزمة وحتى لحظة انسحاب العراق من الكويت، وكيف استطعتم حفظ شعرة معاوية مع كافة الدول العربية والغربية؟
-أكرر ان موقفنا كان واضحا، ولا داعي لتحميله عدة أوجه، فنحن كنا مع الحل العربي للأزمة، ولم نرد أي تدخل أجنبي لحل القضية.
وقد التزمنا بعدم الدخول بالتحالف الدولي ضد العراق لهذا السبب، وموقفنا حتى اللحظة، يجب أن يوضّح، لأن الكثير من الأشقاء والأصدقاء ظلمونا على هذا الصعيد.
كل ما قمنا به هو تشكيل خلية تفكير في الأزمة بأبعادها، وكان الراحل الحسين يطلعنا أولا بأول، على تحليلاته لآفاق الأزمة، ونتشارك في تقدير الموقف، وبناء عليه نقترح كيفية التصرف.
في تلك المرحلة، بعد الاحتلال بأيام قليلة، أنهينا صيغة الرسالة الموجهة لمجلس الأمن الدولي، وأبلغنا الأميركيين بأننا سنستمر بتصدير الأرز والقمح والسكر والزيوت واللحوم للعراق، وهي مواد غذائية أساسية، كما سنستمر باستيراد النفط من العراق.
وعلى الصعيد السياسي، فقد دعمنا مجلس النواب الحادي عشر كثيرا، وكانت له الريادة في قيادة السياسة الأردنية الشعبية، فقد قام مجلس النواب بحملة علاقات دبلوماسية برلمانية، مع دول في العالم، لوقف قرار مقاطعة العراق.
وفي أحد الاجتماعات اكد النائبان ليث شبيلات وسليم الزعبي بأن رفض مجلس النواب الأردني لقرار مقاطعة العراق، هو ورقة بيد الحكومة أمام العالم، وحتى لا يضغط أحد على الأردن باتخاذ قرار آخر.
وفعلا، فقد تحايلنا على قرار المقاطعة، وقلنا بأن صادراتنا للعراق هي بدل ديون قديمة، ومجلس النواب بوعيه السياسي قال لا تعلنوا موقفا ضد المقاطعة، لكن استكملوا اجراءات التعاون مع الشقيق العراقي.
وقد أبدى النواب تفهما ملحوظا للأمر، وامتدح نواب كثر الموقف الحكومي خلال الأزمة، وعندما انتقدنا بعض وسائل الإعلام المحلية، وطالبناها بأن لا تتوجه بأي إساءة لزعيم عربي أو دولة شقيقه، أيد النائب عبد اللطيف عربيات الأمر، وقال نحن لا نريد إعلاما شتاما، وطالب بتسخير الإعلام بجدية للقيام بدور فاعل.
وفي احد الاجتماعات، امتدح ليث شبيلات الوحدة في الموقف الشعبي والرسمي، ضد قصف بغداد، وأشاد بالروح التشاركية في تحمل المسؤولية، من رأس الهرم، وحتى أضيق دوائر المجتمع، وكان موضوعيا في طرحه.
النواب الذين طالبوا بإعلان موقف حكومي، برفض قرار مقاطعة العراق، تصدى لهم نواب آخرون، ودعموا الصمت الحكومي، وعدم إبداء أي تعليق على القرار، لكن شريطة الاستمرار في دعم العراق، والغطاء لكل ذلك، هو موقف مجلس النواب الرافض لانضمام الأردن للمقاطعة الدولية للعراق.
صحيح أن تقديراتنا كانت متشائمة لتطور الازمة، لأننا كنا موقنين برفض المجتمع الدولي للحل السياسي، وأن المطلوب هو الحل العسكري، لكن ما كان يطمئننا قليلا، هو أن إيران نأت بنفسها عن الأزمة، بل إن علاقتها مع العراق بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية شهدت تحسنا، فلو اقتربت المصالح الإيرانية الأميركية لكانت الكارثة أكبر، من قدرة المنطقة على الاحتمال.
في أول الأزمة، ابلغنا وزير الخارجية بأن السفير الأميركي اتصل، وتحدث عن طائرتين ليبيتين، محملتين بالأسلحة وتتوجهان إلى العراق، وطلب منا إنزال الطائرتين، وتفتيشهما، أو عدم السماح لهما بدخول الأجواء الأردنية.
ومباشرة، رفضنا الأمر، وابلغت الوزير أن يبلغ السفير، بأن الطائرتين ستمران بأجواء دول أخرى، قبل أن تصلا للأجواء الأردنية، فلتدعُ تلك الدول لتفتيش الطائرتين، وتأمر بإنزالهما.
كما رفضت ممارسات السفارة الأميركية في أسئلتها المتكررة لوزارة الصناعة والتجارة، عن رخص استيراد الوكلاء الأردنيين، وتصدير بضائعهم للعراق، وقلت لن نسمح بعودة الاستعمار.
ثم عاودوا الاتصال للسؤال عن باخرة سلاح سوفياتية، وان مخزونها من السلاح سيصدر للعراق، فقلنا لهم كلمة واحدة وهي: نحن نصدر الغذاء للعراق وليس السلاح.
كل تلك الأحداث جعلت ميناء العقبة قبلة الإعلام، والكل يسأل عن حركته التجارية بسبب العراق.
*وكيف أدرتم الأزمة الاقتصادية الشائكة على امتداد الأزمة العراقية، منذ الاحتلال وحتى ما بعد الانسحاب من الكويت؟
-هناك عبء اقتصادي وأمني كبير، وكما ذكرت على امتداد الأزمة، فقد كانت هناك مخاوف كبيرة، وفعلا بدأ الهجوم على المواد الغذائية، لأن هناك مخاوف عند المواطنين من التعرض للعدوان.
من الناحية التموينية، كنا على اطلاع في مجلس الوزراء، أولا بأول، على مخزوننا من المواد الغذائية، وكنا ندرك بأن مخزوننا يكفينا لـ6 أشهر، باستثناء السكر لشهرين ونصف فقط.
أما عن الوضع المالي، فقد كان مرعبا حقا، ففي أول الأزمة، تم سحب ودائع دينار وعملة أجنبية، حيث تم في خلال ساعتين سحب 8 ملايين دينار، والدولار صار شبه مفقود كنقد، وبلغ سعر صرفه 74 قرشا.
زاد من تعقيد الظرف، أن علاقاتنا المالية مع العراق توقفت بفعل الحرب، وأموالنا في البنوك الخليجية مجمدة لأن الأزمة على أشدها.
حتى أننا تأكدنا من صحة الأنباء، التي قالت بأن قرارا لمجلس وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي منع منح الخبز للمواطنين الأردنيين والفلسطينيين واليمنيين في دول الخليج، وتم طلب 50 ألف مصري، ونصف مليون باكستاني كجيش شعبي.
في وقت كنا فيه، نحسن معاملة الأشقاء الخليجيين في عمان، وقد سهلنا عليهم الكثير من الإجراءات، لقناعتنا بأن لا ذنب لهم في أي أزمة سياسية.
أيضا، في الفترة الأولى تمت مصادرة باخرة قمح، كانت متجهة نحو ميناء العقبة، في طريقها للعراق، لكن الأمر الإيجابي الذي كان مصدر راحة لنا، كان استمرار تدفق صهاريج النفط من العراق، ومن دون توقف، بنحو 80 – 90 صهريجا يوميا.
أما عن الحيل التي استخدمناها لتأمين العراق بالغذاء، فكنا نقوم باستيراد البضائع، باسم تجار أردنيين، ويتم تنزيلها في ميناء العقبة والمنطقة الحرة، ثم تذهب البضائع للعراق، كانت العراق تشتري من تجار ووكلاء بضائع، ونحن ليس لنا علاقة، وكنا حريصين على تخزين تلك البضائع، ونخطط للأمر حتى لا ينكشف أمرنا، كما كنا نستورد بطريقة مجزأة.
زاد من حدة الصعوبات، بأن باخرة نرويجية كانت تستقر في ميناء العقبة، وكنا نستخدمها كمستودع للبضائع، فجاءها أمر من حكومة بلادها بالعودة، وبقينا مصرّين على أولوية إيصال المواد الغذائية للعراقيين من دون انقطاع.
كانت الخشية من جانبنا هي على أوضاع العملة الصعبة في الأسواق، نتيجة تداعيات الأحداث، وكان هذا الأمر يأخذ حيزا من تفكيرنا.
وهو ما دفعنا لإصدار تشريع اقتصادي، يكافح السوق السوداء، لبيع العملة الأجنبية أو تهريبها، او المضاربة بالدينار الأردني.
كانت تقديراتنا تشير بوضوح إلى أن توقف المساعدات سيكون أمرا حتميا، وأن التحويلات الخارجية ستنخفض.
وفاقم الأمر سوءا، بأن المسؤول في صندوق النقد الدولي شكور شعلان، كانت رغبته بعدم ارسال بعثة للاردن، لأن برنامج التصحيح أصبح بعيدا جدا عن المطلوب، وأوحى بأن تقاريرهم تشير إلى الفشل المحتوم لخطة الإصلاح الاقتصادي.
واتصلنا بباسل جردانة، الذي كان متواجدا في الصندوق في تلك الفترة، وأبلغناه بأن نحو 75 مليون دولار من البنك المركزي "طاروا".
ما دفعنا للعمل بجدية على البرنامج الياباني، الذي كان سيمول الخزينة، بقرض بـ150 مليون دولار.
ومع ذلك، فقد أبلغنا محافظ البنك المركزي، بأنه ومع القرض الياباني، يستطيع تأمين التزامات المملكة، لأكثر من 6 أشهر، على الرغم من انخفاض صادرات الفوسفات.
ومع كل الظروف تلك، بقي تدفق النفط العراقي مستمرا، واستطعنا تأمين الجيش العربي بكل احتياجاته، وزودناه بفائض حتى لا تنقطع المحروقات عن الجيش مهما حصل.
طبعا، في موازاة ذلك، سهلنا شراء أصحاب المحطات من المصفاة، واكتفينا بتقديم شيكات عادية، من غير أن تكون مصدقة، أو تقديم كفالات، لأن الأمر كان مكلفا، ومن لا يدفع يذهب للسجن، لأنه لا مجال للتلاعب في تلك الفترة.
ومباشرة، ضبطنا الحملات الإعلامية، حتى لا نخيف المواطن، فقد يترتب على الأمر اضرار اقتصادية.
وقمنا تباعا، باتخاذ حزمة قرارات اقتصادية، لضبط الاستهلاك المبالغ به، فقررنا تخفيض إنارة الشوارع، ومنع إنارة المكاتب الحكومية، وتشغيل المكيفات فيها.
كما حفزنا مصفاة البترول على التخزين بالمحطات المختلفة، وذلك كنوع من انواع الاحتراز الأمني.
وطبقنا نظام ارقام المركبات الفردي والزوجي، وتخفيض بيع وقود الطائرات لشركات الطيران، وتأمينهم فقط بالوقود الذي يوصلهم للمحطة التالية.
*إذا أنت من بدأت بتطبيق برنامج التصحيح الاقتصادي، مع صندوق النقد الدولي، وهم بدأوا بفرض سياساتهم علينا في زمن حكومتك؟
-نعم؛ لكن على طريقتي، وليس على طريقتهم، ولما جاءني رئيس البعثة، ليطلب مني رفع الدعم عن الطحين، قلت له أن لا تطلب إجراءات مني، أنت تحدد نسب النمو المنشودة، وأنا من يحققها، لأنك لست صاحب القرار، فيما أقوم به، لكني ملتزم بالوصول لشروطك، في تصحيح البرنامج الاقتصادي.
وفي ظل تلك الظروف، التي ذكرتها لك جميعها، توقعنا رفع نسبة النمو، وفعلا ارتفعت، والفضل كان في تخفيض عجز الموازنة، لفكرة توزيع "الكوبونات" التموينية على مستحقي الدعم، وهو ما خفض قيمة الدعم، على المواد الاساسية، التي يستهلكها المواطن، ولقد وضعنا الفكرة ودرسناها، وكانت تطبيقاتها مثالية نسبيا، خصوصا أننا أرحنا الموازنة من الدعم المطلق على السلع الاساسية، من سكر وأرز وحليب.
الأرقام لا تحضرني الآن بدقة، وتستطيع العودة لها في بيانات وزارة المالية، للأعوام 1990 و1991، لكن البنك الدولي تحدث عن معجزة حققها الأردن، في رفع نسبة النمو، وتخفيض عجز الموازنة، في ذلك الوقت الحرج والصعب، وهنا حتى أكون موضوعيا، فقد ساعد البلاد مجلس نواب واع، وممثل للشعب، فكنا كحكومة، لما نخاطبهم بأولويات المصلحة الاقتصادية للبلاد، يستجيبون، صحيح، لم يكن إقناعهم سهلا، لكن إن تحدثت بحجة، فإنهم يتفهمون الموقف الحكومي، ولا يزاود أحدنا على الآخر.
*بالعودة للتوثيق للمرحلة المهمة، أين وصلت الحرب الدولية على العراق، في نهاية شباط (فبراير) العام 1991؟
-كما ذكرت لك، ظلت العملية السياسية تدور، وظلت المحركات تعمل، وكل ما نريده أن يتوقف إطلاق النار، فقد بدأت المعلومات متضارية، حيال الوضع داخل العراق، وحجم الخسائر، وكما ذكرت لك، فان ما تعرض له العراق، في 40 يوما، من قصف، كان يعادل ما تعرضت له ألمانيا في الحرب العالمية الثانية على مدار أربع سنوات.
كان القصف يستهدف كل ما له اتصال بهدم قدرات العراق العسكرية، والبنى التحتية، والمصانع والمنشآت، قصفا يريد تدمير تلك القدرات وليس تعطيلها.
والهدف من وراء كل ذلك؛ هو سيطرة إسرائيل كقوة على المنطقة، لا تواجهها أو تكافئها قوة عربية.
وهناك فقط، عرفت بأن المشروع سيستهدف بعد العراق، مصر وسورية، آجلا أم عاجلا، وهذه رؤية طرحها جلالة الملك الحسين في احد الاجتماعات، ورحمه الله، كان وكأنه يستشرف ما يجري اليوم، فسورية بعد العراق، على سكين التقسيم، ومصر، نسأل الله لها، أن تنجو من احتكارية السلطة، والإقصاء والتهميش.
في 26 شباط (فبراير) من العام 1991، انسحب العراق من الكويت، عرفنا بالخبر، وصدمنا، ليس لخبر الانسحاب العراقي، فهذا ما كنا نتمناه من غير حرب على العراق، لكن صدمنا، لأن الجبهات ما تزال صاخبة، والحرب تدور، وقد تعرض العراق لأكبر الخسائر، خلال عملية انسحابه، لأن قوات التحالف الدولي، بقيت تقصف، بينما الجيش العراقي يتراجع إلى الحدود العراقية.
الصدمة كانت بفعل البيانات العراقية، التي ظلت مشجعة، حتى مساء اليوم السابق، ليوم الـ26 من ذلك الشهر، لكن بقينا محبطين سلفا، عندما طلب طارق عزيز اقتصار الدور الأردني على التحرك السياسي، فقد كانت آخر زيارة له لعمان تحمل بعض مؤشرات الهزيمة.
*وهل ساد الإحباط، كما ساد في الهزائم السابقة.. النكبة والنكسة؟
-قدرنا أن نعيش كل تلك الحروب ونتائجها، وسامح الله صدام حسين، ورحم الله الراحل الملك الحسين، فقد كانت دعواته ومبادراته كفيلة، بأن لا نشهد تلك اللحظة المؤلمة والمحزنة، لكن لا صدام استجاب، ولا العرب استجابوا.
اجتمعنا في مجلس الوزراء، ورصدت في وجوه الزملاء، كل الاحباط والمأساة، فكلنا صدمتنا النتيجة.
وقلنا في تلك الجلسة، بأن الأردن قام بواجبه على أكمل وجه، وقدم ما هو أكبر من طاقته، وقد وضع النظام والقيادة نفسهما، في كف القدر، مختارين غير نادمين، ووقفنا في مواجهة العالم لنصرة الشقيق العربي.
الضمير راض ومرتاح، ولو كان في الإمكان دعم العراق، بشكل أكثر، لقمنا بذلك، وما تأخرنا.
وأكدنا بأن التاريخ سيسجل للمملكة الأردنية الهاشمية، موقفا لم تستطع دولة كبرى، مثل الاتحاد السوفياتي، أن تأخذه.
وأكدنا موقفنا، اننا لم نكن مع احتلال الكويت، وتمنينا لو لم يحدث ذلك، لكننا أدركنا منذ أول الأزمة، أن الموضوع أكبر من الكويت، وهو تحطيم قوة عربية، وحرمان أي دولة عربية من الإرادة المستقلة.
*وأنتم تتحدثون بكل ذلك النفس المحبط، والروح السلبية، ألم تدركوا بأن الأحداث كانت ما تزال قابلة للتطور؟
-لم نكن نعرف عن اتجاهات الاحداث، فكل شيء قابل للتطور، وبقيت احتمالات أن يستخدم العراق آخر طلقة في جيبه، وستكون تلك حالة ضبابية، لا نعلم ما هي تداعياتها.
الهم الذي ناقشناه في جلسة مجلس الوزراء تلك، كان الهم الإنساني، ووقوفنا إلى جانب أشقائنا في العراق، واستمرار دعمهم بالغذاء والدواء والكهرباء والمحروقات والخدمات الأساسية، وذلك حتى نستكمل الجهود التي بذلناها، وندب الحرارة في العصب الذي توقف.
وبدأنا نفكر برسالة الإعلام الإيجابية، والحديث عن صمود العراق أمام التحالف الدولي، وأن إسرائيل تُضرَب لأول مرة بصواريخ عربية التوجيه والصنع، وقد دبت تلك الحرب الرعب في قلوب الإسرائيليين.
لكن حظ إسرائيل أن يحارب معها العالم، وبعض الدول العربية، وهذا ما كان لهم أن يحلموا به في حياتهم كلها.
لكن التطور الأهم، كان تلك المخاوف، التي طرحها وزير الخارجية طاهر المصري، حول الفلسطينيين الموجودين في الكويت، والتي أشارت التقديرات الى ان عددهم نحو 200 ألف فلسطيني.
لكن كان الراحل الحسين قد سبقنا جميعا، واجتمع مع سفراء الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الامن، ونبه لمصير الفلسطينيين من حملة الوثائق، وضرورة عودتهم لمصر، واجبار القاهرة على الاعتراف بوثائقهم.
وحاولنا رصد معاملة السعوديين الجيدة لهؤلاء، وأن الكويتيين لن يكونوا قادرين على عمل شيء، وأن أولويتهم العودة إلى الحكم.
كما أن بعض الفلسطينيين في الكويت، كان موقفهم المعلن حتى أثناء احتلال العراق للكويت، هو رفض احتلال بلد عربي لبلد عربي آخر.
وقررنا في تلك الجلسة، تشكيل اللجان الفنية وإرسالها للعراق، والبحث عن كل ما ينقص الأشقاء العراقيين من مواد أساسية، والعمل على تأمينها لهم بالسرعة القصوى، وأن نستورد من العراق النفط، بعد إصلاح الخطوط، وأن نشغل المصفاة عندنا بكامل طاقتها لمصلحتهم، وتأمين احتياجاتهم من الطاقة في ظل امكاناتنا المحدودة.
وقررنا أن تذهب احتياطاتنا من المواد التموينية للعراق، وكل ما هو فائض عن حاجتنا الاحتياطية، لثلاثة أشهر، تذهب للعراق، وكل وزير مكلف ضمن نطاق اختصاصه، بالتعاون مع العراق لتجاوز الأزمة، ولكن كان الأهم تجاوز مرحلة اللطم على الخدود.
والتاريخ سينصف الأردن، الذي وقف وحده لدعم الشقيق العراقي، فيما وقف آخرون في طرف كسر شوكته وتدميره.
*أمنيا، ألم تخشوا من أي ردود فعل شعبية غاضبة على هزيمة العراق، بحيث تظهر حالات تجاوز للقانون، كما أن هناك بعض المواقف الشعبية ضد العراق، ألم تخافوا من تعبئتها سلبيا للشارع؟
-بالفعل؛ كان ذلك تحديا أمنيا خطيرا، وخطيرا جدا، فالخطر كان بإبداء أي روح عدائية عند انفعال المواطنين، خصوصا إذا ما حاول بعضهم، الاحتجاج أمام السفارات ومحاولة اقتحامها.
الاحباط هنا كان خطرا جدا، ولا نريد لرجال الأمن، أن يصطدموا مع أي مواطنين محتجين، وبالفعل فقد خرجت مظاهرة نسائية، قامت بذلك، وعند منعها من الوصول للسفارة الأميركية، تمت المواجهة مع الأمن، الذي لا يريد منع الاحتجاجات، لكنه لا يريد لأي مظهر من مظاهر الانفلات الأمني، أن يكون موجودا.
وأصدرنا بيانا، يؤكد على جوهر موقفنا من الأزمة العراقية، وأننا سنظل الداعم والسند للأشقاء، ونؤكد موقفنا السياسي في الأحداث الأخيرة، فيما قررنا عقد جلسة سرية مع مجلس النواب، والاستعانة بهم، لدى قواعدهم الشعبية، والشعار هو "لا نريد تفجير البلد"، فالاحتجاجات يجب أن لا تكسر القانون، وعلينا أن نبقى على موقفنا الإنساني من العراق، خصوصا أن الأوضاع العسكرية لم تستقر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: مضر بدران    الإثنين 02 مارس 2015, 12:41 pm

الحلقة الثالثة والثلاثون من "سياسي يتذكر"

بدران: كارثة حرب الخليج يتحملها تعنت صدام والضغط الأميركي

الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وحديث مع الامير زيد بن شاكر ومضر بدران

محمد خير الرواشدة
عمان- يحاول رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران اليوم تقديم تقييم شخصي لتطورات أزمة العراق والكويت مطلع التسعينيات، بعد الانتهاء من سرد آخر تداعياتها على الوضع الداخلي الأردني، وبعض الاتصالات مع العراقيين.
بدران يرى اليوم ان من يتحمل المسؤولية عن كارثة حرب الخليج الاولى، وما وصلت اليه من نتائج كارثية بتدمير العراق، وشق الصف العربي، هو تعنت الرئيس العراقي الراحل صدام حسين من جهة، وايضا الضغط الاميركي والغربي بكل السبل باتجاه الخيار العسكري وضرب العراق، وتدمير قوته، وإفشال اية فرصة لحل عربي او سلمي للازمة. 
ويكشف بدران، في الحلقة الثالثة والثلاثين من سلسلة "سياسي يتذكر" اليوم، بعض تفاصيل زيارة له وللامير زيد بن شاكر لبغداد، خلال الحرب على العراق، ونقلهما رسالة من الحسين الى صدام حسين، تدعوه لاعلان الانسحاب من العراق، مشيرا الى ان صدام وصف الرسالة بانها "رسالة للتاريخ، وليست لي فقط".
ويعود بدران للتأكيد على ان القمة العربية في القاهرة نهاية عام 1990 هي التي افشلت الحل العربي، للازمة، رغم ان العراق كان قرر الانسحاب من الكويت مبكرا، واتخذ مجلس قيادة الثورة القرار.
ويشير بدران اليوم الى انه مع انتهاء الحرب على العراق، فهم وتفهم انه بات الرجل غير المناسب لمساعدة الراحل الحسين للخروج من الحصار الدولي والعربي، الذي فرض على الاردن جراء موقفه في الازمة. فيما يبدأ اليوم بالحديث عن طرح الرئيس الاميركي جورج بوش الاب لمبادرة مؤتمر مدريد للسلام، ويلفت الى ان الأردن اكد حينها أن حل القضية الفلسطينية هو الاولوية وانه يتقدم على باقي المسارات.
وكان بدران واصل امس سرده لذكرياته ويومياته في مرحلة الحرب على العراق العام 1991، قبل ان تتوقف رسميا بانسحاب العراق من الكويت في 26 شباط (فبراير) من ذلك العام.
واستذكر ايضا مع القراء اجواء الإحباط التي سادت في تلك الفترة، خاصة مع حجم التدمير والضرب للعراق، والذي يصب في المحصلة بصالح قوة اسرائيل.
وفيما يلي نص الحلقة الثالثة والثلاثين: