منتدى الشنطي
اهلا بكم زوارنا الكرام راجيا ان تجدوا المنفعة والفائده
لا داعي للتسجيل تابع جميع المواضيع بحرية وبساطة
هذا منتدى خاص ثقافي علمي اجتماعي صحي ديني تربوي

منتدى الشنطي

ابراهيم محمد نمر يوسف الشنطي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 طاهر المصري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 8:16 pm

"الغد" تستضيف طاهر المصري في "سياسي يتذكر" الحلقة الاولى
طاهر المصري: النكبة الفلسطينية وعائلتي السياسية أسّسا لوعيي وشخصيتي



لقطة جماعية لطاهر المصري (الاول يمينا) مع والده ووالدته وافراد العائلة


محمد خير الرواشدة 

عمان- يمكن تقليب صفحات الكثير من الكتب، التي تتناول مفاصل في تاريخ الدولة الأردنية، وهي كتب، إن صدرت على شكل مذكرات وسير ذاتية لشخصيات، فإنها أيضا تناولت التسلسل التاريخي لنشأة وتطور المملكة، نظاما ودولة.
لكن تبقى مساحات عريضة من فصول التاريخ السياسي للمملكة مسكوتا عنها، وقصة تلك الفصول، ما تزال محفورة في صدور شخصيات عايشت تلك الفترات، وهي شخصيات تُحكم إطباق الشفاه، خصوصا إذا ما كان تاريخا، هم شهود فيه أو عليه؛ يتعلق بأحياء ما زالوا يتنفسون.
وحلقات "سياسي يتذكر"، التي أطلقتها "الغد" العام 2010، تسعى إلى توثيق الرواية الشفوية لتاريخ الأردن السياسي، تواصل من جديد النبش في ذلك التاريخ، من نافذة إغراء تسجيل السير الذاتية لشخصيات اختبرت مواقع المسؤولية، والتطرق لمفاصل مهمة في بناء الأردن.
استكمالا لذات المشروع، تأتي استضافة رئيس الوزراء الأسبق ورئيس مجلس النواب الأسبق ورئيس مجلس الأعيان السابق، والنائب والسفير والوزير طاهر المصري، لكشف النقاب عن قضايا عاصرها، ولم يُعلق عليها من قبل.
ويتناول المصري، الذي عايش بعيني الطفل، آثار نكبة فلسطين، وتابع تدفق اللاجئين الفلسطينيين في الداخل والخارج، وسافر طالبا وعاد موظفا، وترشح في الانتخابات التكميلية لمجلس نواب (الضفتين) العام 1973، ثم عين وزيرا في حكومة زيد الرفاعي الأولى، من العام نفسه، وبعدها عين سفيرا في مدريد وباريس ولندن.
وهي المحطات، التي أهلته ليعود وزيرا للخارجية بحكومة أحمد عبيدات، ويستمر في موقعه حتى تقديم "استقالته" من حكومة زيد الرفاعي، على خلفية قرار فك الارتباط، لينقذه ذلك الخروج، ويعيده إلى حكومة زيد بن شاكر الأولى، نائبا لرئيس الوزراء، ثم وزيرا للخارجية في حكومة مضر بدران الرابعة، ثم رئيسا للحكومة التي قررت المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام، تمهيدا ليكون رئيسا للدورة الاولى لمجلس النواب الثاني عشر العام 1993.
ليواصل بعد هذه المحطات مشواره السياسي كقريب من مراكز القرار ، حتى أبعدته عنها مواقف  اتخذها دون مواربة أو اختباء؛ تحديدا بعد توقيع معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وإقرار قانون المعاهدة.
ينتمي المصري لجيل رجالات الراحل الملك الحسين، ويكشف عن سر اكتسابه الخبرة عبر ملاحظة الحسين في كل تفاصيل مشواره، وهو ما جعل المصري قريبا وحاضرا في أضيق دوائر صناعة القرار، حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي.
بعدها عايش المصري أحداث مرض الحسين وجنازته العظيمة، ودخل في عهد المملكة الجديد، مخلصا للعرش ورسالته، مستكملا حضوره الهادئ في الحياة السياسية، ليكون عرابا للجنة الأجندة الوطنية صاحبة الجدل، وعضوا في لجنة توصيات مؤتمر كلنا الأردن، قبل أن يكون رئيسا للجنة الحوار الوطني، في وقت كان يجلس فيه على سدة رئاسة مجلس الأعيان، بدوراته الثلاث.
لم يتوقف المصري عند موقف خروجه من "الأعيان"، وينشط اليوم في عمله العام، محاضرا ومشاركا في العديد من الندوات وورش العمل المحلية والعربية والإقليمية، ويناضل في مساحة بات خبيرا في تفاصيلها وهي: مشاريع الإصلاح الشامل وجدوى الإسراع في تلمس نتائجها؛ خدمة لاستقرار النظام السياسي، واستعادة للفاقد من الثقة الشعبية.
الحلقة الأولى اليوم تتناول مع المصري النشأة والبدايات الأولى.
وفيما يلي التفاصيل.
•  رئيس وزراء ورئيس مجلس النواب، وئيس الأعيان، الوزير والنائب والسفير، كلها ألقاب اختبرتها، حدثنا عن بدايات هذه الشخصية التي تقلدت جميع هذه المناصب، الولادة والنشأة؟
- ولدت في نابلس العام 1942، كأكبر الأبناء والبنات لوالدي نشأت، رحمه الله. ما ميز السنة التي ولدت فيها بأنها كانت استمرارا لمسلسل تداعيات هجرة اليهود إلى فلسطين. فقد كشفت الأيام المتتالية عن تفاصيل حالة عدم الاستقرار، التي ستعيشها نابلس وفلسطين والمنطقة. لكن ما عرفته لاحقا هو أن مطلع أربعينيات القرن الماضي كان يشي بنهاية ذات العقد، الذي تسبب بنكبة الشعب الفلسطيني، والتي ما نزال نعيش آثارها حتى يومنا هذا.
ولدت كابن أكبر، لوالدي صاحب الترتيب الثالث بين أعمامي، وكان لي 6 أشقاء، و4 شقيقات. ولتسميتي قصة، أزعجت جدي ماهر، التاجر المعروف في فلسطين.
طبعا، ولدت في منزل جدي، الذي كان يضم كافة أفراد العائلة، وقيل لي أن والدي، وبعد مولدي بعام، انتقل ليسكن في منزل آخر، وكان جريئا في خطوته هذه، وذلك بحكم التشدد بالتمسك بالتقاليد العائلية الصارمة في نابلس، والتي كان جدي يحرص على الالتزام بها، خاصة وان نابلس مدينة تميل إلى الأسلوب والنمط المحافظ ذلك الوقت، والتمسك بأصول العادات والتقاليد.

•  وهل كان السبب وراء استقلال والدك بمنزل آخر عن العائلة، له اتصال بغضب عائلي؟
- إطلاقا. كان والدي المُدلل بين أشقائه، وظل لصيقا بجدي طيلة حياته. لكن، كما قلت، والدي يحب أن يكون مختلفا، وقد كان جريئا في مواقفه.
ومن المواقف التي كانت تؤكد طبيعة وشخصية والدي، ما قيل لي فيما بعد، بأنه عندما أراد الزواج، وبعد أن بحثت عماتي له، عن عروس تناسبه، واستقر الخيار على بنت القاضي المعروف، وقتها، يوسف الصلح، المقيم في يافا، حيث كان الصلح معروفا باستقامته والتزامه الشديد. رافق والدي عماتي إلى بيت القاضي، ليرى الفتاة التي اختارتها عماتي، وطبعا، ولأنه لن يتمكن من رؤيتها بسهولة، فقد مثل دور سائق العائلة، الذي أقل عماتي، وهناك رآها خلسة، لكن من دون أن يدور بينهما أي حديث. طبعا "انكشفت" لعبة والدي، لأنه بالغ يومها بأناقته، لكن دون أن يتسبب ذلك بأي ضرر له أو لوالدتي. 

•  قبل الإمعان في وصف بيئة نابلس، وذاكرة الطفولة المبكرة هناك؛ لماذا غضب جدك على تسميتك باسمه؟
- هي قصة، قد نستغربها اليوم، لكنها حصلت في الواقع. فقد كان تفسير الناس في ذلك الزمن لتسميتي باسم جدي طاهر، معنى من "الفأل السيئ"، أي أن مولد طاهر الصغير، يعد إيذانا برحيل طاهر الكبير، وهو ضرب من الخرافة، لكن الناس كانت في تلك الفترة تعتقد وتؤمن بمثل هذه الأقوال والمعتقدات. إصرار والدي على هذه التسمية أغضب جدي.
كان والدي رحمه الله جريئا في رأيه ومعتقداته، وله قصص كثيرة تؤكد ذلك. فيما كان جدي طاهر، رحمه الله، أيضا قوي الشكيمة، وحازما في تربية أبنائه.
كان والدي هو الرجل التنفيذي لمشاريع العائلة السياسية. ففي الوقت الذي كان فيه لعمي حكمت التمثيل والدور السياسي للعائلة، كان لوالدي الدور المركزي في تنفيذ هذه الخطط، معتمدا في ذلك على شخصيته الكاريزماتية من جهة، وشبكة العلاقات التي تمتد إلى كافة مساحات النفوذ السياسي عاموديا، والطبقات الاجتماعية أفقيا.
طبعا، كانت نابلس ذلك الوقت تشهد تنافسا سياسيا واقتصاديا بين العائلات. عائلات شرق نابلس وعائلات غربها. حتى إن هذا التنافس أو التعارض أخذ طابعا مميزا في اللباس، ففريق يرتدي الطربوش، يناكفه فريق آخر، يرتدي الحطة والعقال، وهي إشارة على تقدمية اتجاه، وكلاسيكية آخر.
ولهذا التنافس ارتباط بتحقيق نفوذ ومصالح انتخابية أو اقتصادية، لكنه لم يكن تنافسا جهويا، بالمعنى السلبي، بل كان تنافسا على زعامة عائلية أو مناطقية، وعلى حصد مقاعد مجلس النواب، بالحد الأقصى، أو تصدر وجاهة نابلس.

•  الصراع على النفوذ كان بين اي العائلات في نابلس؟
- هو ليس صراعا، بل تنافس؛ فالحياة في نابلس كانت بسيطة، والعلاقات بين الناس كانت أكثر من رائعة، والروابط الانسانية التي تجمعهم، تتعدى النسب والمصاهرة، فهم شركاء في كل شيء.
لكن ما أعلمه جيدا، بأن رئيس البلدية سليمان طوقان، كان رجلا مهما، استمر في موقعه لـ27 عاما، ثم أصبح وزيرا للدفاع في أواخر الخمسينيات، وكان وزيرا اتحاديا، وقتل في بغداد. كما كان هناك أحمد الشكعة، اضافة لشخصيات من عائلات كنعان وعبد الهادي وأخرى. وبقي هذا التنافس بين العائلات، حتى في خضم تصاعد الهجرة اليهودية إلى فلسطين. كان الانتداب البريطاني يشجع هذه الصراعات، لإلهاء الناس عن تلك الهجرة. وانتخابات بلدية نابلس العام 1947 شهدت تنافسا شديدا.

•  بعد هذه الانتخابات بعام حصلت نكبة العام 1948، فكيف تابعتها بعيني طفل؟
- نعم كنت طفلا، لم يتجاوز الخمسة أعوام. واتذكر أعداد اللاجئين الكبيرة، ممن تدفقوا من مدن وقرى فلسطين إلى الضفة الغربية؛ كانت أعدادا كبيرة جدا، وملأت هذه الأعداد المدارس والمساجد. لم أكن أعرف، وأنا في ذلك العمر، ما الذي يحصل. لكن كنت اتابع كيف أن هذا العدد الكبير ملأ الدنيا، وكيف كان اللاجئون يعيشون في ظروف صعبة. اقل ما يمكن قوله فيها، هي انها ظروف تشريد ولجوء صعبة، ولم يكن لاحد من اللاجئين ان يحتاط لتلك النكبة، وأن ياخذ معه ما يعينه على هذه الهجرة القسرية.
ما أعلمه جيدا في ذلك التاريخ، بأني تأخرت سنة دراسية كاملة، حيث لم اتمكن من الالتحاق بالصف الأول، بسبب إقامة اللاجئين في مدارس نابلس. كما كانوا أيضا يملأون المساجد.
وهو حال عاشته الضفة الغربية، بألم وحسرة وإحباط. أذكر كيف أن هذا الحدث كان شاغلا للناس كلها. كنت طفلا صغيرا، أصغي لهذا كله باستغراب، فأنا أشعر أن هناك خطرا كبيرا، وأشعر بأن الناس خائفون، لكني لا أفهم ما الذي يجري حولي، بالمعنى السياسي.

•  وكيف دخلت المدرسة بعد عام من هجرة اللاجئين؟
- بعد عام، أو خلال 15 أيار (مايو) من العام 1948 بدأ اللاجئون يسكنون مخيمات بعيدة عن المدينة القديمة، واختاروا لأنفسهم نمط حياة، يتماشى مع الظرف الجديد لهم، والذي كانوا يتوقعون أنه لن يطول. لذلك لم تكن هناك مظاهر استقرار في تلك المخيمات.
ثم دخلت المدرسة، وانتظمت بالصف الثاني الابتدائي مباشر.

•  ولماذا اختاروا لأنفسهم نمط حياة مختلفا؟
- هذا عائد لطبيعة الاختلاف الثقافي بين أهل الساحل وأهل الجبل، وهو اختلاف سببه اشتباك أهل الساحل بالثقافات المتعددة، فهم معبر بحري، وبالتالي نمط حركة النقل يأتي بكل العالم إليهم، ومن هنا، قد يكون لهم رأي آخر في نمط معيشتهم في مدنهم، أما أهل الجبل، فهم محافظون ومتمسكون اكثر بالعادات والتقاليد، الموروثة عن الآباء والأجداد.
لذلك يمكن القول إن هناك فروقا طفيفة تتعلق بالمنطقتين، وكل يتعصب لمساره الاجتماعي، من خلال تمسكه بنمط حياته.
ثم إن هناك سببا آخر، لعله يعود لطبيعة الظرف، فقد كان هؤلاء اللاجئون يعيشون حياة مستقرة ومزدهرة في مدنهم وقراهم، وفجأة وجدوا أنفسهم مشردين، بدون مأوى، وفي ظروف اقتصادية غاية في الصعوبة. التشرد حرمهم من الحياة المستقرة، واضطرهم لأن يخطوا لأنفسهم نمطا جديدا من الحياة، لأن تراثهم وأملاكهم بات وراءهم، وصراع البقاء، الذي يعيشونه، ومواجهة التحديات؛ كل هذه العوامل هي التي حددت لهم طريق الحياة.
إلى جانب كل ذلك، فهم اختبروا الصراع الصهيوني مبكرا، ويفصلنا عنهم (في الضفة الغربية) نحو 45 كلم، فهم تعرفوا على مظاهر الاحتلال قبلنا، عبر وجود "الكبانيات" التي يسكنها يهود، لذلك يمكن القول بأنهم تقدموا عنا مدنيا، أو أن هناك تفاوتا لصالحهم، أو قد أراه لصالحهم.

•  كيف لنابلس أن تكون بيئة محافظة، وهي مدينة اشتبكت مع الحضارات، وقد كان للحركة التجارية فيها شكل من اشكال الاحتكاك بالآخرين؟
- لا أعني بالبيئة المحافِظة ما قصدته أنت. المحافِظة في هذا السياق لا تتعدى التمسك بالموروث من العادات والتقاليد، أما عن حركة العائلات فقد كانت حرة وميسرة.
لكن إذا أردت أن أقول عن مظهر واحد من مظاهر تلك البيئة المحافِظة، لقلت أن لباس النساء في تلك المرحلة كان فيه شيء من الالتزام بالمظهر المحتشم. كانت أمي ترتدي خمارا على وجهها إذا خرجت من المنزل.
وكان هناك فصل حذر بين الرجال والنساء، فكانت النساء، مثلا، تلجأ لعقد الاجتماعات ضمن ما كان يسمى بـ"الاستقبال"، وهو اجتماع لنساء الحارة أو العائلة، يعقد كل شهر مرة، في منزل احداهن.
وكانت بعض تلك "الاستقبالات" مكانا لعزف العود والغناء والرقص، وطبعا تدخين النرجيلة. كل ذلك كان يتم على الرغم من الفصل الحذر بين الرجال والنساء، لكن من دون أي تزمت. الاحتشام للمرأة، مثلا، كان احتراما لهذه التقاليد.
طبعا، هذه الاجتماعات أو "الاستقبالات" قد تنعقد لأكثر من مرة في الشهر، خصوصا إذا كانت الأمور الاقتصادية في بحبوحة، فقد يكون الاجتماع مرتين في الشهر أو أكثر، وهو استقبال كان عادة يعقد مساء، والنساء كن ملتزمات بهذا الموعد. لا أقلل بأي حال من الأحوال من شخصية المرأة النابلسية، وهي شخصية قوية، ساعدت على أن تأخذ دورا رياديا في المجتمع، وقد سجلن لأنفسهم حضورا في المواقع القيادية، حتى في ذلك الوقت.
المرأة النابلسية معروفة بقوة الشخصية، وحُسن الإدارة لبيتها، وعائلتها.

•   عودة للمدرسة، بعد أن تأخرت عاما عن الالتحاق بالصف الأول كيف دخلت المدرسة؟
- درست في كلية النجاح الوطنية، وهي مدرسة خاصة كانت تحظى بسمعة طيبة في كل فلسطين، بل وبدون مبالغة، كانت تحظى بسمعة عربية طيبة، فقد درس فيها أبناء زعامات سياسية، جاءت من المغرب، بعد أن تم نفيهم في عهد الفرنسيين.
طبعا أنا الوحيد من بين إخوتي، الذي درس في مدرسة في نابلس، ولم يقم والدي رحمه الله بتسجيلي بمدرسة داخلية، في القدس أو رام الله، وكان ذلك بسبب أني الابن الأكبر، وبالتالي يجب أن أظل ملازما لوالدي، وهي مسؤولية الابن الأكبر دائما.
وهو وضع رافقني حتى انتهاء الثانوية العامة، وسفري للدراسة في الخارج.
مدرسة كلية النجاح الوطنية كانت تزخر بالمعلمين الأكفياء، وهم على سوية عالية من المهنية التعليمية، كما أنهم كانوا محترفين في العمل السياسي.
لذلك، فهذه المدرسة لم تخرج الطلبة بكفاءة عالية فقط، بل إن الحكومات كانت تختار من بين معلميها وزراء. ولما سجلني والدي في المدرسة، كان مديرها العام قدري طوقان، الذي كان يسمى بالعلامة، وهو خريج جامعة اكسفورد في ذلك الزمن، ليصبح وزيرا للخارجية في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي.
كما كان من المعلمين الذين يشار لهم بالبنان، والذكرى الطيبة، عبد القادر الصالح، الذي كان نائبا معارضا، ثم وزير دفاع، وهو شخصية معروفة.
لقد تعلمنا على أيدي معلمين أصحاب حرفية مهنية، وموقف سياسي واضح في الحياة العامة. كانت مهابتهم تجبرنا على أن ندخل الصفوف، وفي قلوبنا رهبة التلميذ من معلمه، والقائمة على علم هؤلاء، لا بطشهم أو سيطرتهم.
كان وضع المعلم في ذلك الزمن وضعا مهيبا، فهو ينتمي إلى الطبقة الوسطى، بحكم دخله الشهري الذي يسمح له بأن يظل محافظا على طبقته ومكانته الاجتماعية. الصورة الأنيقة للمعلمين ما تزال حاضرة في ذاكرتي.

•  هل كان في المدرسة معلمون عرب أو من الأردن؟
- في كلية النجاح، وهي مدرسة خاصة، لم يكن هناك مدرسون من خارج فلسطين، لكن قد يكون توفر ذلك في المدارس الحكومية، والتي لم تكن تقل كفاءة تعليمية عن الخاصة.
فالمدرسة الصلاحية، وهي حكومية، كانت تحظى بسمعة غاية في الاحترام، وقد كان يأتيها الطلبة من خارج المحافظة، وحتى من الأردن. أذكر أن مدير مدرسة الصلاحية كان النائب عن مقعد نابلس في وقتها عبد الله الخطيب، وللمصادفة هو من أخذت مكانه عن المقعد الشاغر لنابلس، بعد أن توفاه الله، وجرت انتخابات تكميلية داخلية في مجلس نواب، العام 1973.

•  وماذا تتذكر من المدرسة، وهل لها دور في صياغة شخصيتك السياسية؟
- نعم؛ أنا درست في كلية النجاح من الصف الثاني، وحتى إنهاء مرحلة الثانوية العامة. كان للمعلمين أثر مباشر في تحفيز وعينا السياسي، لكن الأثر الأكبر لتكوين شخصياتنا، كان طبيعة الأحداث منذ النكبة وحتى لحظة سفري للدراسة في الولايات المتحدة الأميركية مطلع ستينيات القرن الماضي.
كان للمد القومي في الخمسينيات، وبروز نجم الزعيم المصري جمال عبد الناصر، وطبيعة الأحداث التي تدور على أرض فلسطين ذلك العقد، وحركة الانقلابات العسكرية الدائرة في العالم العربي، أثر في صياغة شخصياتنا. كما تأثرنا بمواقف المعلمين، أمثال الاستاذ محمد العمد، وشاكر ابو حجلة، وقصي هاشم، والشيخ أسعد شرف. فضلا عن أنني من عائلة سياسية، انخرطت بالعمل العام مبكرا، وكان لوالدي وأعمامي نشاطات مختلفة على هذا الصعيد.
لعل بقائي بالقرب من كل هذه الأحداث، أثر في وعيي المبكر كثيرا، بل كنت أحيانا اتعاطى مع هذه الهموم بانفعال بالغ وتأثر شديد.
لقد صاغت تلك الأحداث وجداني وطبعت شخصيتي بهوية فلسطينية عربية قومية. فلم أكن أقل انفعالا تجاه أي قضية عربية من انفعالي تجاه أي تطور يجري على أرض فلسطين.
استقينا التربية السياسية والوطنية من تلك الفترة، التي كانت مُشبعة بالهموم والحروب، وحالات عدم الاستقرار. كما أن المد القومي كان يأسر، بلغته ومواقفه وشعاراته، قلوب الشباب اليافع.
لقد خفت من ضعف قدرتي، وقتها، على التوفيق بين كل هذه الهموم، بذات التركيز والقدرة على المتابعة، لكني سعيت لأمزج بين أن أعيش هم من اقتُلع من أرضه؛ وأعيش جبروت الصامد على أرضه، وهو أمر لم يكن سهلا عليّ أبدا، بل وتسبب لي بحالة نفسية مركبة، نتيجة التعايش مع تلك الظروف في مقتبل العمر، ففي ذلك السن تحديدا يتشرب الإنسان المعرفة، وتستقر في قلبه، وقد كانت المعرفة والعلم في تلك المرحلة كلها هم فلسطين وهموم العرب.



عدل سابقا من قبل ابراهيم الشنطي في الخميس 08 ديسمبر 2016, 1:42 am عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 8:19 pm

سياسي يتذكر - الحلقة الثانية
المصري: وحدة الضفتين دعمت جبهة الأمة


والد طاهر المصري الحاج نشات واولاده يتحلقون حول سيارة العائلة في نهاية الاربعينات

محمد خير الرواشدة
عمان - بعد أن عرض رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري إيجازا حول  نشأته وملاحظات عايشها طفلا خلال أحداث النكبة وتدفق اللاجئين الفلسطينيين العام 1948، يواصل رواية مذكراته في أعوام عُمره الأولى.
ويستكمل المصري، الذي شغل سابقا منصبي رئيسي مجلسي النواب والأعيان،
سرد ذكرياته بنابلس التي وُلد ونشأ ودرس فيها قبل أن يسافر للولايات المتحدة الأميركية طالبا جامعيا.
وفي الحلقة الثانية من سلسلة "سياسي يتذكر"، التي تنشرها "الغد" على مدى الأيام المقبلة، يكشف المصري عن اهتمامه الأول في العمل السياسي، ومشاركته في المسيرات والاحتجاجات الشعبية داخل نابلس ضد دخول الأردن في حلف بغداد.
كما يكشف عن تأثر جيله بمعلميهم، وكيف شكلت المدارس في ذلك الوقت حلقة تربوية وتعليمية صقلت شخصية الطلبة وانعكست على مدى جديتهم.
لكن المصري يستذكر بألم مظاهر القمع التي تعرضت لها كل مناطق المملكة في الضفتين نتيجة خروج المسيرات الشعبية الاحتجاجية ضد مشاركة الأردن في حلف بغداد.
ويروي باستغراب تعامل السلطات العسكرية مع عائلته، وتحول العلاقة بين أسرته والمؤسسات الرسمية إلى حالة من القطيعة والقمع، خصوصا بعد أن فُرض على والده وأعمامه الإقامة الجبرية في منازلهم، إثر تلفيق تهمة له بـ"شتم الملك" نتيجة محاولته حماية مواطن لجأ إليه.
ولا يُخفي المصري بأن علاقات والده (نشأت)، رحمه الله، كانت متشعبة بين مؤسسات القرار والحكام العسكريين وبين تشكيلات الضباط الأحرار، كما يكشف عن طرق تهريب والده لمعارضين سياسيين مطلوبين أمنيا إلى سورية.
ويتحدث المصري عن تفاصيل آخر زيارة قام بها جلالة الملك المؤسس الشهيد عبدالله الأول لنابلس قبل رحلته الأخيرة إلى القدس واستشهاده هناك.
ويستذكر في هذا السياق أدق تفاصيل تلك الزيارة، حيث كان يقيم الملك الشهيد في منزل عمه الحاج معزوز المصري كلما أراد زيارة نابلس، واصفا مشاعر الحزن التي عاشتها عائلته ونابلس بعد استشهاد الراحل عبدالله الأول، خصوصا بعد أن حاول عمه مع الشهيد الملك المؤسس بأن يُصلي في نابلس ويتناول الغداء معهم، لكنه رفض وأصر على الذهاب للقدس ليستشهد على بوابة الأقصى.
كما يروي المصري كيف كان يستمع ووالده لإذاعة القدس التي كانت تتحضر يومها لنقل صلاة الجمعة من المسجد الأقصى، وكيف استمعوا للحظة إطلاق النار باتجاه الملك المؤسس أثناء تواجدهم برام الله قبل أن ينقطع بث الاذاعة.
• ومن أين بدأت مشاركتك في العمل السياسي؛ هل كنت حزبيا وأنت في المدرسة مثلا؟
- كنت أنتمي أصلا لعائلة سياسية، اشتبكت مع العمل السياسي مبكرا، وذلك بسبب المشاركة في الانتخابات، ونشأت على هذا الأساس، وكنت استمع لكل الحوارات التي كانت تدور في بيت العائلة، أو حتى في المواقع التي كنت أزورها مع والدي، كنشاط انتخابي في تلك المواسم.
أنا حضرت فرز الانتخابات في متصرفية نابلس مع والدي، وكان هذا في مطلع خمسينيات القرن الماضي.
لكن في المدرسة، كانت هناك أيضا تعبئة سياسية يمارسها المعلمون، وأحيانا بدون قصد، ومرات كثيرة بقصد، وهو ما شكل حجر زاوية في فهمنا لما يجري من حولنا.
لكن، لم نتأثر بأفكار المعلمين حزبيا، وهم لم يطلبوا منا صراحة أن ننتمي لكوادر الحزب، الذي يمثلونه، لكن ونتيجة لكل هذه التعبئة المدرسية، تجاه ما يجري في المنطقة العربية عموما، وفلسطين خصوصا، كان سهلا علي أن أخرج مشاركا في أي مظاهرة، تندد بموقف ما، أو تستنكر فعلا ما، أو تنحاز لقضية ما.
ما أذكره جيدا، بأن أول مظاهرة احتجاجية شاركت فيها في نابلس، كانت ضد انضمام الأردن لحلف بغداد سنة 1955.
وطبعا، لمن يتذكر تلك الحقبة، فقد كان هناك رأي عام ضد حلف بغداد ودخول المملكة فيه، وكانت تغييرات الحكومة في تلك الفترة سريعة. أذكر جيدا بأن عمر إحدى حكومات الشهيد هزاع المجالي كان 6 أيام، وحكومة الدكتور حسين فخري الخالدي رحمه الله استمرت 3 أيام فقط.
وللتاريخ أيضا، فقد كانت مؤتمرات نابلس التي تنعقد بحضور زعامات ووجهاء وشيوخ وممثلي المدن والقرى من الضفتين الشرقية والغربية، كانت توجه رسائل واضحة بهذا الخصوص، وقد كان لتلك المؤتمرات علاقة أيضا بتحديد عمر الحكومات، من خلال قدرتها على تعبئة الشارع، وتنفيذ المظاهرات الشعبية ضد الحكومات، وإغلاق الأفق السياسي أمامها. فقد وجهت مؤتمرات نابلس إنذارات للحكومات من مغبة الانضمام لحلف بغداد، كما كان لها دور في المشاركة في صنع السياسات واتخاذ المواقف، ولهذا تداعيات على أسرتي ووالدي وأعمامي سأرويها بعد قليل.
لكن عن مشاركتي السياسية في ذلك العقد الزاخر بالأحداث السياسية، فلم أكن حزبيا، ولم أحسب على أي تيار حزبي، لكني كنت أشارك في المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية، تأثرا عاطفيا بالموقف العام، من القضايا داخل فلسطين والأردن، وقضايا العالم العربي.
وقد خرجنا يوما في مظاهرة احتجاجية، باتجاه القنصلية البريطانية في نابلس، وكان اسم القنصل وقتها، الميجور (هاكتبن)، وله منزل أيضا في منطقة رفيديا غرب نابلس. أردنا حرق منزله والقنصلية، لكننا لم نتمكن بفعل الحراسة، التي فرقت المظاهرة.

• وكيف تصف مظاهر القمع الحكومي ذلك الوقت؟
- كان قمعا مرعبا، وشديدا لا يرحم. هدف القمع هو تفريق أي تجمع سياسي في كل مناطق المملكة.
وقد نلنا في نابلس حصة وافية من هذا القمع، الموجه ضد كل الحراك السياسي وقتها، لكن ميزة هذا القمع أنه توزع بالتساوي بين كل مناطق المملكة، دون أن يميز بين هذه المنطقة، غرب النهر، أو تلك المنطقة، شرقيه.
ولذلك، فإن التساوي بالقمع، شكل حالة عامة بين الضفتين، ودفعت الجميع، مواطنين وقوى سياسية، إلى رفضه، والشكوى من تداعياته، والعمل ضده، وهو ما جعل إقالة الحكومات تتم سريعا، وبالنتيجة فهذا ما أدى إلى دمقرطة الحياة العامة؛ إذا جاز التعبير، وذلك من خلال إجبار السلطات على ذلك، ومن خلال العمل المنظم ضد كل ما هو غير ديمقراطي، ويعارض توجهات أغلبية الرأي العام.
 كانت حياة سياسية حقيقية، وليست وهمية، وهو ما يجعلك تندفع طوعا للمشاركة في أي عمل سياسي، سواء ضد الحكومات أو مع الحكومات، وهو ما حصن جيلنا بأسره، بوعي في الاتجاهات والأفكار والقيم، بدءا من الجو القومي العام عربيا، وصولا لمعنى العمل الوطني في حلقته القطرية أو المناطقية، لكن من دون أن يكون هناك أي فوارق تشكل "حزازات" في نفوس الناس، أو أمراضا اجتماعية، مثل التعصب والإقليمية والمناطقية والجهوية، وتحديدا بين الضفتين، اللتين شكلتا حلقة اجتماعية مربوطة بأواصر وثيقة وأصيلة، تبدأ بالشعور بالمصير المشترك، وتمر عبر علاقات انسانية بمختلف مستوياتها، وبيئات متشابهة، وظروف متشابهة أيضا بالخير والشر.
لذلك، إن التساوي بقمع المظاهرات والمسيرات المناهضة لانضمام الأردن إلى حلف بغداد، كان مظهرا يبعث على الطمأنينة، بأن سلوك الحكومات المركزية، هو موجه ضد فعل وليس ضد جهة، وهذا صحيح أنه معنى سلبي للعدالة والمساواة، لكن هكذا كنا، وهكذا يجب أن نظل، بمعنى أن نبقي على قيم العدالة الاجتماعية؛ بمعناها الإيجابي، وهي التي تؤسس لمشاعر سامية من التسامح والترابط.

• تحدثت عن مظاهر قمع انحصرت بالعائلة، أي أن والدك وأعمامك تعرضوا بشكل شخصي لقمع العمل السياسي؟
- نعم؛ قلت إن عائلتنا كانت ناشطة في العمل السياسي، وكان والدي صديقا مقربا من كبار موظفي الدولة، فقد كان صديق والدي الشخصي، المشير حابس المجالي، رحمه الله، الذي كان حاكما عسكريا عاما. كما كانت علاقات والدي تمتد حتى مع شخصيات من تشكيلات الضباط الأحرار، مثل محمود المعايطة وشاهر أبو شاحوت رحمهما الله.
حتى أن ابو شاحوت، وكنا نعرفه باسم شاهر اليوسف، أعلم والدي بأن القيادة في عمان، على وشك اعتقاله، وأنه ينوي الاختباء في نابلس، إلى حين ترتيب خروجه من الأردن، وشارك والدي في ترتيب ذلك، وفعلا لجأ شاهر اليوسف إلى سورية، بعد مساعدة والدي له، وهو أمر خطير ذلك الوقت، فقد كان التعامل مع مسألة بحجم تهريب أي رجل مطلوب للسلطات والحكومة ينتهي بعواقب وخيمة.
وطريقة تهريبه تمت بقيام والدي بتحضير شحنة من الخضار، وتصديرها إلى سورية، وجهز بين صناديق الخضار، المصفوفة على ظهر الشاحنة؛ مكانا يجلس فيه الرجل، حتى عبرت الشاحنة إلى سورية، دون أن ينكشف الأمر.
الحاكم العسكري العام كان حابس باشا (المجالي) رحمه الله، وجاء بهجت طبارة كحاكم عسكري لنابلس، وقد جاء بمهمة تأديب أهل نابلس، على معارضتهم للسياسات الحكومية، ودعمها للخط الناصري. طبعا في هذه اللحظة تغير شكل التعامل مع المواطن، فقد كان طبارة فظا قاسيا في تعامله، وفي حكمه العسكري، على نابلس وأهلها.
صحيح أنه كان ينفذ توجهات الحكومات، التي كانت تنزع للقمع والتخويف ضد المظاهرات والمشاركين فيها، لكنه زاد على ذلك غلظة وجبروتا، ما يزالان في الذاكرة حتى يومنا هذا. في تلك الأيام من العام 1957 فرضت الإقامة الجبرية على والدي وعلى عمي حكمت في منزليهما.
أذكر أن والدي حاول في تلك الفترة حماية مواطن، احتجزه الشرطي المتواجد في بيتنا، والذي يقوم بتنفيذ الإقامة الجبرية بحق والدي، فكتب فيه أحد "المخبرين الصادقين"، بأنه شتم الملك، وفور وصول التقرير، جاءت قوة عسكرية، وأودعت والدي السجن، وبحكم قضائي عسكري مدته ثلاثة أشهر. كان عمري 16 عاما، وأذكر القصة وكأنها تحدث أمامي الآن.
وأمضى والدي أيام الحكم، وكنت أوصل له الفطور صباح كل يوم، وأنا متجه إلى مدرستي، حتى حفظ الضباط شكلي. كنت أقود سيارة والدي، حتى أستطيع لملمة وجبة الإفطار من السوق، وأذهب لمدرستي، ثم أعود للمنزل لأمارس الواجبات المطلوبة، وأحاول أن أسد بعض المسؤوليات، التي كان يقوم بها الوالد رحمه الله.
ولأن قيادتي للسيارة ممنوعة، بسبب عدم بلوغي السن القانونية بعامين، لتحصيل رخصة القيادة، فقد ذهبت إلى الضابط الرئيسي لسير نابلس، وكان شركسيا، اسمه عزير أيوب، وأخبرته بالمشكلة، وبأني مضطر لنيل رخصة القيادة، في عمر الـ16 عاما، وتفهم الأمر، وحصلت على رخصة القيادة العام 1958، بعمر أقل من العمر القانوني، لكن لظرف استثنائي.

• وهل أمضى والدك مدة حكمه كاملة؟
- أمضاها كاملة، لكن بأسلوب غريب، ما زلت عاجزا عن فهمه. في أحد الأيام، وبعد إحضار الفطور، كعادتي اليومية، لوالدي في السجن، دخلت، ولم أجد والدي، ولا حتى المحبوسين معه. وبدأنا رحلة السؤال عن المكان، الذي رحل إليه المساجين، ولم يكن ليجيبنا أحد عن هذا السؤال البسيط. أذكر بأنه مر وقت حتى عرفنا بأنهم رُحّلوا إلى سجن الجفر، ولسبب غير معلوم، وبقوا مسجونين في الجفر، حتى إعلان الاتحاد الهاشمي، ثم أعادوهم لنابلس، وأطلقوا سراحهم بعفو ملكي.
بعد يومين من إطلاق سراحهم، كنت أنا ووالدي في مكتبه، في العمل، جاءت الشرطة، وقالت لوالدي، بأنه مطلوب، وأن عليه أن يكمل مدة محكوميته في السجن، وأن العفو الملكي قد لا يشمله، طلب مني والدي الذهاب إلى المنزل وتحضير حقيبة، حتى يستكمل مدة محكوميته، ذهبت مصدوما إلى البيت، وأخبرت أمي التي بدأت بالبكاء، وبقيت متمالكا نفسي أمامها، حتى دخلت إلى الحمام، ومن قهري انهمر الدمع من عيني بحرقة.
للأسف الشديد، لم يُقدم أحد من أصدقاء والدي الخُلص، من المسؤولين، يد المساعدة له، وهم يعرفون جيدا أن كل الأمر تلفيق.

• وهل واصلت العائلة العمل السياسي بعد هذه الظروف؟
- بعد إقالة حكومة سليمان النابلسي مطلع نيسان (ابريل) العام 1957، تركنا الانتخابات، ولم يترشح أحد من العائلة، وكان ثمة شعور عام بالإحباط، ليس لدى عائلتنا فقط، بل لدى الجميع، حتى أن الانتخابات التي أجريت بعد إقالة حكومة النابلسي، وحل البرلمان، جاءت بأسماء جديدة، لم يعهدها أهل نابلس من قبل، وكان هناك انطباع عام، بأنهم غير ممثلين لأهالي المنطقة.

• لكن الغريب في الأمر بأن لعائلتك علاقات وطيدة كانت مع الملك الراحل عبد الله الأول قبل استشهاده، فلماذا هذا التعسف ضد العائلة؟
- قد لا تكون الإجابة عندي، لكن الظلم والقمع طالا الجميع. فكنا فعلا نعيش حالة الطوارئ العسكرية، وتداعياتها الصعبة، على الحياة العامة.
لكن قد أتفق معك بالاستغراب حيال الأمر، فقد كانت العلاقة بين الملك الراحل والعائلة حميمة جدا، وقد كان يزور نابلس باستمرار، وكان يحظى باستقبال دافئ وعفوي وصادق.
وأذكر، وقد كنت طفلا صغيرا، بأن أهل البلد، كانوا يحضرون لإهداء الملك عبد الله الأول، منزلا خاصا ليقيم فيه أثناء زياراته لنابلس. وفعلا، فقد كان منزلا جميلا، وفي موقع مميز أقيم في قلب البلدة القديمة، لكن وللأسف لم يسكنه، لأنه استشهد قبل أن ينجز المنزل، ليصبح بعد ذلك المنزل مقرا لبلدية نابلس.

• هل هناك من كان يعارض الوحدة بين الضفتين؟
- الوحدة تمت بكل حرية ورغبة، ولم يكن هناك من يعارض في تلك المرحلة أي مشروع وحدوي يقوي جبهة الأمة، وخصوصا بعد أحداث النكبة العام 1948.
معروف أن الوحدة بين الضفتين جاءت في أعقاب مغادرة الانتداب البريطاني فلسطين، والذي رحل في 15-5-1948، دون أن يترك لأهل الضفة الغربية دولة أو مؤسسات أو جسم دولة، مكون من مؤسسات قانونية أو منتخبة، لذلك بقيت الضفة كيانا غير واضح. لذلك كان له ارتباطاته مع الضفة الشرقية، فالمملكة الأردنية الهاشمية استقلت العام 1946، وأصبحت دولة ذات سيادة، وفيها بناء مؤسسي، لم يكن متوفرا في حالة الضفة الغربية.
أذكر جيدا، بأن نمر السيارات، مثلا، كانت تحمل حرف (الباء)، في إشارة إلى محافظة البلقاء، وهذا مثال على الارتباط مع الأردن قبل الوحدة، وقد كان ارتباطا لغايات تنظيمية بالأساس.
بعد ذلك، انعقدت مؤتمرات متعددة، في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية، وأعلن زعماء تلك المؤتمرات، طلبهم للوحدة مع الضفة الشرقية، وسارت الأمور من دون معارضة أو اعتراضات.
وهنا يجب التأكيد على جزئية غاية في الأهمية، فالجيش العربي كان قد دخل فلسطين وحارب فيها، وحمى أجزاء عديدة منها، وعلى رأسها القدس الشرقية، وكلنا يتذكر بأن أول شهيد سقط على أرض فلسطين كان أردنيا. وهو الشهيد كايد مفلح العبيدات.
لذلك، فالوحدة مع الضفة الشرقية تمت بشكل سلس ومريح، وعن سابق رغبة في الأمر. وعندما جرت الانتخابات النيابية في الضفة الغربية لبرلمان الوحدة، كان التنافس شديدا وصحيا وسياسيا، وشاركت فيه زعامات الضفة الغربية.

• بالعودة لعلاقة العائلة مع الراحل الملك عبدالله الأول، ما تتذكره عن هذه العلاقة؟
- كنت طفلا صغيرا، وأكاد أتذكر تفاصيل زياراته إلى نابلس، والاستقبال الذي كان يحظى به كل مرة.
وكان الملك رحمه الله، إذا ما أراد المبيت في نابلس، ينزل في بيت عمي الحاج معزوز المصري. كان بيته واسعا، يليق بمقام الملك.
كان منزل عمي في المساء، وعندما يكون الملك حاضرا، يعج بالضيوف، الذين يريدون السلام والجلوس مع الملك عبد الله الأول. كنا كأطفال نتطفل على ديوان منزل عمي معزوز، حتى يتسنى لنا رؤية الملك. أذكر أن أصغر عماتي كانت طفلة تلعب معنا، واسمها هالة. كانت هي الاستثناء الوحيد كأنثى التي يُسمح لها من دون الفتيات الصغار بالجلوس معنا بمعية الملك.
أذكر أننا شاهدنا الشهيد الملك عبدالله الأول، آخر مرة، صباح يوم استشهاده، إذ كان موجودا في منزل عمي الحاج معزوز.
وكان الملك رحمه الله مصرا على صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، فيما يلح عليه عمي للبقاء في نابلس. وأذكر تماما، وكأن الصورة أمامي الآن، عمي يقول للملك: أكرمنا مرة وصلي الجمعة في نابلس، فأنت لم تصل الجمعة، ولا مرة، في نابلس، وبعد الغداء تستطيع أن تغادر بسرعة.
لكن الملك اعتذر عن قبول دعوة عمي، وأصر على الذهاب إلى القدس، وركب سيارته متوجها إلى هناك.
في ذلك الحين، كان من عادات أهل نابلس، ومن بروتوكولات التعامل مع الملك، أن يخرج كبار المسؤولين والشخصيات في البلد إلى حدود المتصرفية، ليوصلوا الملك إلى هناك، ويكمل طريقه، كانت حدود المتصرفية قرية اسمها اللبن، بين نابلس ورام الله، وكان هناك مخفر للشرطة، ذهبنا جميعا، وتم وداع الملك، ثم عاد أهل نابلس لبيوتهم، وأكمل والدي ومعه بعض الأصدقاء؛ وكنت معه، الطريق إلى رام الله، لتناول طعام الغداء في فندق حرب.
وصلنا الفندق، وكان لنا قريب اسمه عباس داخل المطعم، يشرف على تحضير الغداء، وعندما سمع اطلاق نار يأتي عبر أثير إذاعة القدس، التي كانت تتحضر لنقل خطبة صلاة الجمعة، في تلك اللحظة، وبعد سماع إطلاق أعيرة نارية عبر الإذاعة، استمعنا لعدة ثوان أصوات صياح، وأغلقت المحطة مباشرة، فجاء عباس لوالدي، وقال له والدي: لقد اعتدوا على الملك. وقال للجميع عودوا إلى نابلس، قبل أن يتم إغلاق الطرق. وبفارق بسيط من الزمن، أعلن عن وفاة المغفور له الشهيد الملك
عبد الله الأول، وهو حدث كان له اتصال وثيق بمشاعر حزن وألم، عشناها كعائلة، فقد كان جدي وأعمامي تربطهم علاقة دافئة وحميمة مع الملك رحمه الله.
لذلك، بقيت مستغربا من التعامل الفظ، الذي لقيه والدي وأعمامي، والقمع الذي مورس ضدهم من جانب السلطات، التي تعرف عن طبيعة علاقتنا بالشهيد الملك
عبد الله الأول. وهو ما ظل يحيرني كشاب يافع، لم أجد أي مبرر موضوعي لإخضاع والدي وأعمامي للإقامة الجبرية، أو لحبس والدي، ثم العفو عنه، ثم العودة لمطالبته بإكمال مدة محكوميته، كلها مواقف على تناقضاتها ظلت تعصف بخاطري، دون أن أجد ما يفسر كل ذلك نهاية عقد الخمسينيات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 8:58 pm

سياسي يتذكر- الحلقة الثالثة
المصري: عندما سمعت باندلاع حرب حزيران حمدت الله


طاهر المصري طالبا جامعيا خلال دراسته في الولايات المتحدة مطلع الستينات

محمد خير الرواشدة
عمان - بعد أن وصف رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري عمق العلاقة التي كانت تربط الشهيد الملك المؤسس عبد الله الأول بعائلة المصري في نابلس، وتفاصيل آخر زيارة قام بها الشهيد لدار الحاج معزوز المصري، قبل يوم من استشهاده على بوابة الأقصى.
وبعد أن وصف المصري مظاهر القمع للمظاهرات والمسيرات الاحتجاجية ضد انضمام الأردن لحلف بغداد، وتعامل الحكام العسكريين مع أي نشاط سياسي له اتصال بالأمر، وتبعات ذلك على عائلة المصري، وبقاء أعمامه قيد الإقامة الجبرية في منازلهم.
يواصل المصري في الحلقة الثالثة من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، سرد ذكرياته، حول مرحلة الدراسة الجامعية، التي بدأها في بيروت لمدة عام، قبل ان يغادر إلى الولايات المتحدة ليدرس الإدارة العامة.
ليعود ويشارك في تأسيس البنك المركزي موظفا لنحو سبع سنوات ونصف، ويتزوج سمر ابنة الطبيب في الخدمات الطبية الملكية اللواء سعد البيطار.
ويتوقف المصري اليوم عند انطباعاته الانسانية والسياسية لحرب حزيران 1967، وكيف عاش حلم الانتصار بالحرب، قبل ان يستفيق كما جيله، على انتصار العدو واحتلال الضفة الغربية، والجولان وقطاع غزة وسيناء، ويستذكر كيف بكى "كالاطفال" عندما استمع لخطاب استقالة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، الذي حمّل فيه نفسه اسباب الهزيمة "النكسة".  
من هناك، بدأ المصري يشعر بالغربة بين الضفتين، وانقطاعه عن عائلته في نابلس، ويروي قصة زيارته لنابلس بعد الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية، حيث عبر الحدود تهريبا، ليطمئن على أحوال أسرته، ويكشف عن صدمته الأولى بوجود الجندي الإسرائيلي في أرض نابلس.
كما يقدم المصري رأيه بأحداث أيلول من العام 1970، ويؤكد بأنها "لم تكن حربا أهلية"، فالحرب الأهلية؛ برأيه، هي بين مكونين شعبيين في ذات البلد، ويُجر لها المدنيون عنوة، ويكونون ضحايا لها.
ويزيد المصري بأن "أيلول" لم تكن كذلك، بل كانت مناوشات بين أحزاب سياسية تحمل السلاح، وتريد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وبين الجيش والأمن الأردني، الذي رفض مظاهر حمل السلاح في الشوارع، واستمرار مظاهر الانفلات الأمني.
ويُعلن المصري موقفه من الأحداث بالقول: أنا شخصيا كنت وما أزال مع النظام العام، الذي يحمي الجميع من الخطر، ويحصن المدنيين من أي شعور بالخوف أو بعدم الاستقرار وغياب الأمن، فالأمن والسلم الأهليين ضمانة اجتماعية وسياسية واقتصادية. 
وفيما يلي التفاصيل..
• نهاية العام 1959 حملتك إلى الدراسة الجامعية والسفر بعيدا عن نابلس؟
- سافرت إلى الجامعة الأميركية في بيروت، ولم أكن راغبا في ذلك، لكن والدي كان مصرا، ومع ذلك لم ينته حلمي بالسفر لأميركا والدراسة فيها.
بعد سنة من الدراسة في بيروت، تمكنت من إقناع والدي بالذهاب للدراسة في أميركا، وأقمت فيها أربع سنوات كاملة، دون أن أعود بأي زيارة لنابلس، وكانت هذه فترة بيات سياسي، فوقتها كانت الاتصالات شحيحة ووسائل الإعلام بالكاد تركز على القضايا في الدول البعيدة.
طبعا، عند مغادرتي إلىأميركا، طرت من مطار قلنديا، إلى بيروت، ثم من هناك إلى مطار امستردام، ثم وصلت مطار دالاس في تكساس، لأركب بعدها الحافلة حتى وصلت قرية دنتون، التي أقمت فيها أربع سنوات دراسية كاملة.

• وهل كانت الحياة هناك سهلة؟
- كانت سهلة وممتعة، أهم ما كان فيها، أنك تطّلع على ثقافة الآخر وتتعلم نمط حياة مختلفا، كان هذا الأمر وحده درسا مهما لي في الحياة.
كان والدي يحول لي مصروفي الشهري من نابلس، وكان يكفيني وزيادة، لكن ولظرف لا أعرفه، تأخرت حوالتي من والدي لمدة شهرين متتاليين، ولأن القرية صغيرة، ولا مجال لأن يعمل فيها طالب بدوام جزئي، تقشفت والتزمت بالحدود الدنيا من الانفاق، وبقيت اتناول الخبز والسردين، في تلك الفترة حتى عادت الحوالة لتصل مجددا.

• لم تمارس أي نشاط سياسي طيلة فترة غيابك في أميركا؟
- لا، فقط حضرت مؤتمر الطلبة العرب، والذي كان يعقد كل سنة في ولاية، وحضرت هذا المؤتمر مرتين، وكان الأمين العام للمؤتمر اسامة الباز، كما كان نبيل شعث من قياداته. طبعا لم ينقطع اهتمامي بالسياسة، فقد كنت متشبثا بأي خبر حول البلاد، خصوصا أن مطلع ستينيات القرن الماضي، كان يشهد حالة من الغليان.
وبقيت اتابع أي خبر يأتينا عبر أي وسيلة إعلام عن المنطقة، وانخرطت أيضا في متابعة الأحداث والأخبار في الولايات المتحدة، وتابعت مثلا أولا بأول أزمة الصواريخ الكوبية، أيام الرئيس الأميركي جون كيندي.
وهنا سأقول لك قصة حدثت، وكانت من باب المصادفة، فقد كان لي أصدقاء طلبة من خلية العمل الطلابي داخل الحزب الديمقراطي، وكان أحدهم ناشطا بشكل مُلفت، فدعاني لاستقبال الرئيس كيندي في مطار دالاس، فوافقت وذهبت معهم، وبعد ساعة من عودتنا إلى (دنتون) سمعنا عن خبر اغتيال كيندي.

• وماذا عن الدراسة في أميركا؟
- درست الإدارة العامة، لكن أهم ما يميز الخطط الدراسية للجامعات الأميركية أنها تخصص للطلبة مساقات محددة وإلزامية في التاريخ الأميركي، وفي شكل ومضمون عمل الحكومات، وهما مساران درستهما باستمتاع، فقد دفعني الفضول المعرفي عن أميركا وكيفية صناعة القرار فيها وآليات عمل الحياة السياسية والحكومات، لأن أهتم بهذين المساقين.
في أحد المساقات درسنا فصلا كاملا عن المحكمة الأميركية العليا، وهي التي تصنع القرار الأول في أميركا، فهي صاحبة الرأي الأخير في تفسير الدستور والتشريعات.

• انهيت دراستك وعدت إلى نابلس مباشرة؟
- نعم عدت، لكن إلى عمان وليس لنابلس، فبعد عودتي مباشرة أخبرني والدي بأن الدكتور خليل السالم يؤسس البنك المركزي في عمان، وأنه طلب منه توظيفي في البنك، وقبل السالم.
وفعلا ذهبت للعمل، وكان لي الشرف أن أكون بمعية هذا الرجل المعلم في مهمة تأسيس البنك المركزي، وهو صرح وطني مهم، بالإضافة لزملاء لي أذكر منهم محمد سعيد النابلسي وصفوان طوقان وزياد فريز ومروان عوض ومحمد صالح الحوراني وميشيل مارتو وأمية طوقان وباسل جردانة وعبد القادر دويك، وبسام الساكت وجواد العناني ومهدي الفرحان.
عملت في البنك المركزي سبع سنوات ونصف السنة، وكانت مكاتب البنك حينها تقع في عمارة عاكف الفايز في شارع الشابسوغ وسط البلد.
كانت لي فرصة مهمة لتعلم البيروقراطية الحكومية، على أصولها وتقاليدها، فقد ساعدنا في تأسيس البنك المركزي بنك انجلترا (البنك المركزي البريطاني)، وبعث لنا مصرفيا مصريا اسمه مصطفى السقاف، كما جاء خبراء من بنك انجلترا وهم من وضعوا الأسس الإدارية والمصرفية، لأننا كنا من ضمن منطقة الاسترليني.
طبعا في بداية عمل البنك لم يكن هناك "قاصة" أو خزنة لحفظ النقود، فقد كنا نحفظها في البنك العثماني، الذي كان يقع مقابل البنك العربي وسط البلد.
وبقينا على هذا الحال، حتى العام 1969 ، حتى تم الانتهاء من بناء موقع البنك المركزي الحالي، وتم تصميم خزنة خاصة محصنة لحفظ النقود، وأذكر جيدا كيف نقلت أنا النقود من البنك العثماني إلى خزنة البنك المركزي بمجنزرة عسكرية في ذلك الوقت.

• وطيلة بقائك والعمل في البنك المركزي ألم تفكر بالعمل السياسي؟
- لا؛ لم يكن الأمر في خاطري، خصوصا أن الأجواء بقيت ملبدة بالغيوم والمواقف، وكان الاستقطاب السياسي على أشده، وأستطيع القول بأني ركزت جيدا في عملي، فالمسؤولية كانت كبيرة وهي تأسيس البنك المركزي مع نخبة من الاقتصاديين الكبار الذين تتلمذت على أياديهم.
وأذكر كيف خيرني الدكتور خليل السالم أول محافظ للبنك المركزي في السفر في بعثة دراسية إلى الخارج، وعلى حساب البنك، لكني رفضتها، وطلبت منه إن كان جادا في العرض أن يبعثني للتدريب في البنوك الأوروبية، فوافق، وقد كان حجم الخبرة والفائدة التي كونتها؛ باعتقادي، أهم من الدراسة في الخارج والانقطاع فترة طويلة عن المملكة.

• وهل تأخرت في زواجك؟
- لم أتأخر كثيرا بالزواج، ولم أبكر كثيرا ايضا، لكن لطبيعة الظروف التي مررت بها، فقد تأخرت بفكرة الارتباط والاستقرار.
 بدأت العمل العام 1965، وكانت الحياة بالنسبة لي محدودة، وكنت أذهب كل نهاية اسبوع إلى نابلس، فقد سكنت بمنطقة الدوار الأول في عمارة التأمين، وكان أبعد ما في عمان في ذلك الوقت الدوار الثالث بجبل عمان. كنا كشباب نخرج للسهر في أماكن محدودة جدا، مثل النادي الأرثوذكسي، أو مطاعم محدودة وسط البلد. من هناك بدأت تتشكل رغبتي في الزواج، وصرت أفكر بالأمر بجدية، لأن وضعي كان غير مستقر، كما أن النظرة الاجتماعية للشاب الذي تطول فترة عزوبيته لم تكن إيجابية.
تعرفت على زوجتي سمر عن طريق صديق قريب لي وزوجته، وكان صديقا لأهل زوجتي، وعن طريق زوجة صديقي هذا تعرفت على سمر، التي كانت تدرس في كلية التمريض التابعة للخدمات الطبية الملكية، وكان والدها طبيبا في الخدمات الطبية، وهو الدكتور سعد البيطار، وقد كان صديقا للدكتور عبد السلام المجالي.
وعند الخطبة العام 1966 جاءت جاهتي من نابلس، وكانت تضم عمي الحاج معزوز وعمي حكمت ووالدي وعمي ظافر، الذي استشهد العام 1986، وهو رئيس بلدية نابلس، توجهنا إلى معسكر الملك طلال في المحطة، حيث يسكن أهل زوجتي، إذ لم يكن من عاداتنا في ذلك الزمن أن تتوجه أعداد غفيرة إلى منزل أهل العروس، فاقتصرت جاهتي على هؤلاء، وكان في استقبالهم مع والد زوجتي حابس باشا وعبد الوهاب
وعبد السلام المجالي ومتري الشرايحة وغيرهم، عدا عن أقرباء والد خطيبتي.
كنا نخطط أنا وخطيبتي للزواج في وقت قريب، وبدأنا التحضير فعلا، لكن وقعت حرب العام 1967، وكان لها أثر مهم في إطالة مدة الخطوبة وتأخر الزواج.

• وهل عدت خلال الحرب إلى نابلس؟
- أذكر بأني أنهيت عملي يوم الخامس من حزيران العام 1967، وكنا موظفين نغادر البنك سوية، ونحن في الطريق سمعنا عن بداية الحرب بالطائرات. كنت وقتها أمشي مع صفوان طوقان، فقلت له: الحمد لله أن وقعت الحرب لنخلص من اسرائيل. كنت أسكن في بيتي على الدوار الأول، مع ابن عمي حكمت، واسمه سمير، وكنا نتندر بذلك الحدث وكأننا سكارى.
في يوم الخميس، التاسع من حزيران (يونيو)، وقد كنت في زيارة لمنزل أهل خطيبتي في معسكر الملك طلال، استمعنا لخطاب عبد الناصر، الذي أعلن فيه استقالته، وهنا كأنني صحيت من غيبوبة، وبدأت أبكي كالأطفال، وبصورة محرجة أمام أنسبائي، فقد انهارت أمامي كشاب قومي متحمس كل الآمال والطموحات، وحتى الأحلام التي بنيتها على الحرب.
بعدها بدأت أشعر فجأة بأني فقدت أهلي وجزءا من وطني، وربما شعرت أيضا بأني صرت مقطوعا بدون سند عائلي ومالي، فقد كانت استثمارات العائلة تتركز في نابلس، ولم يكن لي سوى بعض أبناء العمومة في عمان والخليج. لكن، لم أكن خائفا، وأنا في هذا الوضع الصعب، واستمررت في عملي وبذات الأسلوب المعتاد.
ثم بدأت التخطيط لما بعد، وكيف سأعتمد على نفسي، خصوصا وأنني خاطب منذ عدة شهور، وكانت العادات أن لا تطول فترة الخطوبة، ولم أكن أملك أي فرصة كافية للتعامل مع الأحداث الطارئة، خصوصا أن والدي رحمه الله أصيب بالمرض في تلك الفترة، وأصبح قعيد الفراش.
أذكر بأني بعد الاحتلال بأيام قليلة عبرت النهر متسللا لزيارة أهلي، ورأيت لأول مرة في حياتي الجنود الإسرائيليين داخل الضفة، وهو أمر يترك في النفس غصة، ما زالت مرارتها لليوم في قلبي.
مع بداية مرض والدي، أوقفت التحضيرات للزواج، وأخذت إجازة من البنك وذهبت لنابلس، وكانت نيتي تتجه للبقاء مع العائلة خلال ظروف مرض والدي، لكن لم يطل بقائي هناك، عدت بعد فترة لعمان، بعد ان استقرت الأمور العائلية قليلا، وفكرت في اتمام الزواج ضمن أجواء هادئة جدا.
اتفقنا، نحن الخاطبين الثلاثة للشقيقات الثلاث، وكنا أنا وسطام حابس المجالي وزياد مراد وهو الضابط في سلاح الهندسة الملكي، فقررنا أن لا نقيم أي احتفال، بسبب تلك الظروف الحزينة، التي تعيشها المملكة، فقررنا أن نذهب ثلاثتنا صباحا، ليصطحب كل زوجته، ويغادر في شهر عسل، فذهبنا أنا وزياد إلى بيروت، فيما ذهب سطام إلى لندن.
طبعا، كان شهر عسل بالمعنى المجازي، فلم اتمكن من الغياب لأكثر من أربعة أيام، بسبب الظروف الاقتصادية التي كنت أعيشها، فقد كنت متقشفا جدا في تلك الفترة.
قبل ذلك كنت قد استأجرت بيتا في جبل عمان بالقرب من مستشفى فرح الحالي، والمنزل تعود ملكيته إلى الحاج عادل حبيبة، وكان البيت مهملا وغير مسكون، وهو في حالة غاية في السوء.
كان في البيت عفش قديم، ولما أقمنا فيه أنا وزوجتي كانت الرطوبة تقتلنا في ليالي الشتاء، فلم نكن نملك ثمن التدفئة، وعشنا في المنزل في ظروف أقل ما يقال عنها بأنها صعبة، لكن تحملناها أنا وأم نشأت.
أذكر بأن راتبي في تلك الأيام لم يتجاوز الـ60 دينارا، كما عملت زوجتي في مكتبة في فندق الأردن، براتب 22 دينارا، لمساندتي في المسؤولية، لكنها لم تستطع العمل لأكثر من 4 أشهر بسبب صعوبة التوفيق بين مسؤوليات المنزل والعمل.
كانت فترة صعبة وقاسية، لكن كانت فيها متعة، فقد أثثنا منزلنا قطعة قطعة، أذكر بأن أول قطعة أثاث اشتريناها كانت المدفأة، وكانت "صوبة كولمان" مستعملة، وبعد فترة قررنا تفصيل غرفة النوم، وكانت تحتاج منا "تحويش" مبلغ 100 دينار، وبعدها اشترينا طقم كنب مستعملا، لكنه بحالة جيدة، فأثثنا المنزل على مدى أشهر طوال، معتمدين على دخلنا وعلى أنفسنا.

• وماذا عن أيلول، وهل لك تحليل في ذلك الوقت لها؟
- بصراحة أيضا؛ كنت أحاول الابتعاد عن الشأن السياسي خلال عملي في البنك المركزي، وهي رغبة خلفتها تداعيات حرب العام 1967، والإحباط الذي تسبب به احتلال الضفة الغربية.
لم أكن في وقتها راغبا في التعاطي مع الشأن السياسي، خصوصا أن احتلال الضفة سبب لنا حالة من فقدان الثقة بالأنظمة الشمولية، وفقدان الثقة بالوعود التي ظلت تنبعث دون حسيب أو رقيب.
كان لي في أيلول (1970) وجهة نظر، وما زلت متمسكا بها، فأيلول لم تكن حربا أهلية، فالحرب الأهلية هي بين مكونين في ذات البلد، ويجر لها المدنيون عنوة، ويكونون مهددين بأرواحهم وأهلهم وممتلكاتهم وأمنهم واستقرارهم.
أيلول لم تكن كذلك، بل كانت مناوشات بين أحزاب سياسية تحمل السلاح، وتريد مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وبين الجيش والأمن الأردني، الذي رفض مظاهر حمل السلاح في الشوارع، واستمرار مظاهر الانفلات الأمني. فمرجعية الأمن يجب أن تكون واحدة وهي السلطة. أنا شخصيا كنت وما أزال مع النظام العام، الذي يحمي الجميع من الخطر، ويحصن المدنيين من أي شعور بعدم الاستقرار وغياب الأمن.
في تلك الأيام، كانت فوضى السلاح تشي بالخطر، وأذكر بأني نمت على مكتبي في البنك المركزي ليالي كثيرة، بسبب تلك الفوضى، فقد كان مفتاح خزنة البنك المركزي معي وكانت الاشتباكات عندما تجري عند باب البنك، في بعض الأيام بالسلاح والذخيرة الحية، كنت أفضل حينها أن أبقى في البنك، على الخروج، لأنني لست المهدد بالخطر، بل أموال الخزينة العامة، خصوصا إذا ما قدر لأحد وانتبه بأنني أحمل المفتاح لحظة خروجي من البنك.
كانت الفوضى تجعلك لا تطيق هذه المظاهر العسكرية، كنا نمشي تحت الرصاص، وكنا مهددين بالموت، لأن هناك من لا يستجيب لفكرة الالتزام بعدم حمل السلاح داخل المدن.
كلنا مع الفدائيين، وحتى النظام الأردني، فقد قدم وقتها دعما لهم، في تنفيذ عمليات داخل الضفة، وقد كانت الحدود بين الضفتين نشطة بعمليات للفدائيين، وبدعم الجيش العربي والأمن الأردني، لأن الفدائيين هم أمل لنا في إذاقة الإسرائيليين مر العذاب، وبرأيي وما أزال متمسكا به، بأن الفدائيين لهم أعمال بطولية على الحدود الأردنية الفلسطينية، لكنهم اخطأوا عندما سمحوا بأحداث أيلول.
لا أريد لأحد أن يفهمني خطأ، لأن وجهة نظري ما تزال واحدة وهي: أن عدونا واحد، وهو اسرائيل وليس أحدا آخر، لذلك لم أكن مع أيلول، ولا إرهاصاتها من قبل، ولا تداعياتها من بعد.
لا نريد أن نحفر في وجعنا، لكن أيلول شكلت محطة سلبية في تاريخ العلاقة التاريخية بين الضفتين والشعبين والتوأمين، لكني ما أزال مصرا على أنها ليست حربا أهلية، بل حرب بين سلطة تريد حفظ النظام العام، وبين أحزاب سياسية لها هوية مقاومة الاحتلال، وتحمل سلاحا داخل مجتمع مدني.
تنويه
• ورد في الحلقة الثانية من سلسلة "سياسي يتذكر" مع رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري قصة تهريب شاهر أبو شاحوت إلى سورية.
وجاء في الحلقة "بأن شاهر اليوسف (شاهر أبو شاحوت) أعلم والد طاهر المصري بأن القيادة في عمان، على وشك اعتقاله، وأنه ينوي الاختباء في نابلس، إلى حين ترتيب خروجه من الأردن، وشارك والدي في ترتيب ذلك، وفعلا لجأ شاهر إلى سورية، بعد مساعدة والدي له، وهو أمر خطير ذلك الوقت، فقد كان التعامل مع مسألة بحجم تهريب أي رجل مطلوب للسلطات والحكومة ينتهي بعواقب وخيمة".
والتزاما بالدقة التاريخية في رواية الحدث، اتصل المصري أمس مع "الغد" وطلب حذف الفقرة، فقد اختلط الأمر من بين أسماء تشكيلات الضباط الأحرار الذين هربهم والده إلى سورية عبر نابلس باستخدام سيارات نقل الخضار.
وأكد المصري بأن الأسماء تداخلت على ذاكرته، وأنه ليس متأكدا بدقة من اسم الشخصية التي هربها والده، ولا يريد أن يحدد أسماء الشخصيات التي ساعد والده بتهريبها من نابلس، لذا اقتضى التنويه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:02 pm

سياسي يتذكر- الحلقة الرابعة
المصري يروي تفاصيل بدء "مشواره السياسي"



  • طاهر المصري في أحد اللقاءات مع وزير الخارجية الأميركي الاسبق جورج شولتز


محمد خير الرواشدة
عمان - يكشف رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري في حلقة اليوم من حلقات "سياسي يتذكر" تفاصيل حضور الأردن لمؤتمر قمة الرباط العام 1974 وجوهر التباين بين الموقف الأردني والموقف العربي من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، مُعلناً موقفه من الأمر، وأسباب خروجه من حكومة زيد الرفاعي.
كما يكشف تفاصيل الموقف الرسمي من حرب العام 1973، وكيف أن مجلس الوزراء اشتبك في جدال "طويل وحاد" حول الموقف الأردني من الحرب، وهو النقاش الذي أسفر عن تقديم وزيرين من حكومة الرفاعي استقالتيهما.
وكان المصري في حلقة أمس من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، التي تنشرها "الغد" خلال الأيام المقبلة، استذكر مرحلة الدراسة الجامعية، التي بدأها في بيروت لمدة عام، قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة الأميركية ليدرس الإدارة العامة.
كما استذكر كيف شارك في تأسيس البنك المركزي موظفا لنحو سبعة أعوام ونصف العام، وتزوج سمر ابنة الطبيب في الخدمات الطبية الملكية اللواء سعد البيطار، بالإضافة إلى سرده انطباعاته الإنسانية والسياسية لحرب حزيران 1967، وكيف عاش حلم الانتصار بالحرب، قبل أن يستفيق كما جيله، على انتصار العدو.
كما بدأ المصري بحلقة أمس تقديم رأيه بأحداث أيلول (سبتمبر) العام 1970، مؤكدا أنها "لم تكن حربا أهلية"، فالحرب الأهلية؛ برأيه، هي بين مكونين شعبيين في ذات البلد، ويُجر لها المدنيون عنوة، ويكونون ضحايا لها، و"أيلول" لم تكن كذلك.
وفي حلقة اليوم، يروي المصري تفاصيل مشوقة حول ترشحه عن الانتخابات النيابية التكميلية لمقعد نابلس الشاغر، وكيف سمع عبر المذياع خبر نجاحه في الانتخابات وهو في طريق عودته من نابلس، وكيف أن الحياة النيابية أدخلته حكومة زيد الرفاعي وزيرا للدولة لشؤون الأرض المحتلة.
ويروي المصري أيضاً بتندر بعض تفاصيل الموقعين اللذين حملاه لأعلى مراتب العمل السياسي في الدولة الأردنية.
• تحدثنا في الحلقة الماضية عن أحداث أيلول 1970، هل  تؤمن بالرأي الذي ذهب إلى أن الحياة تغيرت بعد أحداث أيلول؟
- مع وقف الاقتتال الداخلي، تغيرت ملامح كثيرة في حياتنا، فقد شهدنا اقتتالات أولا، ولحقها فيما بعد تغييرات سياسية.
لكن على المستوى الشخصي، وبعد أن حاولت اللجنة العربية تطويق الأمر، وبعد وفاة جمال عبدالناصر، وبروز بوادر شرخ في المجتمع، نتيجة حدة الاصطفافات المعروفة في ذلك الوقت، بدأت أكون اهتماماتي الخاصة، بالموضوع السياسي، وبشكل أكثر من السابق.
أذكر أن بعض تلك الاستخلاصات التي استنتجها من تلك المرحلة، هي الخوف من أن النظام بدأ يتخذ مسلكا جديدا ومختلفا تجاه النظرة لتحرير الضفة الغربية، وهو قلق ظل يراودني على طول خط العمل السياسي.
فالاقتتال الذي حصل بدأ يبلور شخصية فلسطينية، وبدأت هذه الشخصية تأخذ شكل الهوية، وهي هوية كانت في السابق مركبة من مزيج أردني وفلسطيني.
لا أشكك بأن وجود شخصية قيادية معروفة اليوم وغامضة في ذلك الوقت؛ وهي ياسر عرفات وحركة فتح، بلورا بشكل أساسي هذه الهوية الجديدة، أو الكيان الجديد، وبشكل تدريجي، وصولا لوجود طرف جديد تتعامل معه جامعة الدول العربية.
كما لا أشكك بأن الكتائب المسلحة للمقاومة والقيادات الفلسطينية التي واصلت النضال ضد الاحتلال، هم من صاغوا بداية تشكل منظمة التحرير الفلسطينية، وما ترتب على هذا الجسم فيما بعد.

• والسؤال هنا؛ هل كان ضروريا أن ينشأ هذا الجسم على فكرة محاولة العبث بتاريخ العلاقة بين الشعبين؟
- هنا، قد ندعي الحكمة بأثر رجعي، فلا شك بأن هناك مراهقة سياسية، سببت تلك الأحداث، وقد نتفق أو نختلف في توجيه اللوم لواحد من طرفي الحدث.
لكن اللحظة التي كانت تخيفني حقا، في تلك الأيام هي لحظة اغتيال رئيس الحكومة الشهيد وصفي التل، فقد أعاد هذا الحادث الفوضى الفكرية، والالتباس حول معاني الاقتتال وأسبابه.
والحمد لله، فإن وصفي كان كبيرا في حياته وفي استشهاده، فقد كان حادث استشهاده سببا مهما في وقف اندفاع الشر، لأن الحدث أعاد الجميع إلى رشدهم، وربما تذكر الجميع بعدها عمق تاريخ العلاقة بين الضفتين، وحاضر وحدة المصير، ومستقبل العلاقة المشتركة.
ويمكنني القول بهذه المناسبة؛ مناسبة اغتيال وصفي تلك الأيام، بأنه ظهر للكثيرين خطورة مثل هذا الحدث، على العلاقة العضوية التي تجمع الأردن وفلسطين، فقد تولد في داخلي شعور في تلك الفترة، بأن اغتيال وصفي سيؤدي إلى ازدياد الهوة وضرب العلاقة بين المكونين.

• بعد توقف أيلول وعودة الحياة، هل أكملت عملك ورحلة استقرارك؟
- بدأت حياتي في الاستقرار أكثر مع ولادة ابني نشأت، في أيار (مايو) 1971، في مستشفى فلسطين، وعلى يد الدكتور فريد عكشة، وهو نفسه الطبيب الذي ولد زوجتي سمر، حيث كان العكشة صديق والد زوجتي.
ومع ولادة نشأت وازدياد المسؤولية الأسرية وضرورة تحصين العائلة من أي ظرف اقتصادي صعب، شعرت بأن علي التفكير بجدية بتغيير عملي، لأن الأفق في البنك المركزي جيد، لكن حركة التطور معه بطيئة.
تزامن ذلك مع بدايات عمل عمي صبيح المصري في المملكة العربية السعودية، وقد رغبت فعلا في الذهاب إلى القطاع الخاص، وبالنسبة لي فإن الباب الأفضل هو الذهاب للعمل مع عمي صبيح، وبصراحة لم أكن متأكدا في ذلك الوقت بأني أصلح للعمل في هذا المجال.
خلال العام 1971 قررت أن أغير العمل، والتحق للعمل مع عمي بالسعودية، وفي آذار من 1973 أخذت إجازة من البنك المركزي لمدة شهرين، وكان رصيد إجازاتي يسمح بذلك، وغادرت إلى السعودية، لم أمض من الإجازة سوى ستة أسابيع، حتى ظهرت المصاعب لعمي صبيح مع شريكه، وهو الأمير عبدالله الفيصل، فسحب الأمير كل كفالاته، وخرج صبيح بشكل كامل، وحيث أنني دخلت المملكة على كفالة، واسم الأمير عبدالله الفيصل، فقد اضطررت لمغادرة السعودية ولو مؤقتا.
عدت إلى عمان، وبالصدفة علمت بأن هناك شاغرا في مجلس النواب، عن مقعد نابلس، الذي كان يشغله النائب عبدالله الخطيب قبل وفاته، مدير مدرسة الصلاحية التي تحدثنا عنها في السابق، عندها خطر في بالي، أنه قد تكون لي فرصة للترشح عن المقعد.
ولمن لا يعرف، فقد كانت الضفة جزءا من المملكة، ومجلس النواب يضم ستين عضوا، ثلاثين للضفة الشرقية ومثلهم للضفة الغربية.
لم يكن في الضفة الغربية، وبحكم الاحتلال، إمكانية لإجراء الانتخابات، وبسبب عدم دستورية إجراء الانتخابات، إلا في المملكة ككل، فقد كان مستحيلا إجراء الانتخابات.
وفعلا بدأ المجلس، وبسبب وفاة عدد من أعضائه من الضفة الغربية، تشغر مقاعده. وجرى تعديل على الدستور العام 1973 وسمح بإجراء انتخابات داخلية، إذا كانت الظروف قاهرة.

• وهل سمحت لك العائلة بالترشح، خصوصا وأن لها موقفا سياسيا من المشاركة إبان مرحلة نهاية الخمسينيات؟
- فعلا ذهبت إلى نابلس، لكي آخذ رأي العائلة، رغم أني كنت مقررا سلفا، طبعا لم أكن أعرف موعد الانتخابات وآلية إجرائها.
ذهبت وشاورت الأعمام، وشجعوني جميعا باستثناء عمي حكمت، الذي بدا متحفظا على ترشحي لاعتبارات قد يكون جزء منها اعتبارات سياسية.
طبعا، قبل زيارتي لنابلس لمشاورة العائلة وأخذ رأيها، كنت قد قمت بزيارات لكبار المسؤولين في إطار تحضيري الترشح للانتخابات، اتصلت بعدنان أبو عودة، وكان وزيرا للإعلام، وزيد الرفاعي وكان مستشارا سياسيا لجلالة الملك الراحل الحسين، وأحمد اللوزي وكان رئيسا للوزراء، وكامل عريقات رئيس مجلس النواب، ومضر بدران مستشار الأمن القومي، وقدمت نفسي لهم، وكان هناك مرشحون غيري، لكن أعتقد أني قدمت نفسي بشكل صحيح، كما ساعد اسم عائلتي وتاريخها السياسي بدعمي.

• وهل نجحت في الانتخابات الداخلية، التي أجراها مجلس النواب؟
- هنا قد يستغرب الجميع، لكن هذا ما حصل فعلا، وأنا في طريق عودتي من نابلس، وهي الزيارة التي كانت لأخذ رأي العائلة بفكرة ترشحي للانتخابات عن مقعد نابلس الشاغر، وكنت أركب بسيارات الجسر القديمة، التي كان يجلس فيها إلى جانب السائق راكبان، وكنت في المقعد الأمامي، واثناء مرورنا في "طلوع العدسية" باتجاه عمان، وإذ براديو السيارة، الذي كان ينقل أخبار منتصف النهار من الإذاعة الأردنية، يعلن خبر إعلان أسماء النواب الفائزين في الانتخابات التكميلية للمجلس، حيث كنت واحدا من هذه الأسماء. طبعا لا أحد في السيارة يعرف بأن طاهر المصري، الذي أصبح النائب عن مقعد نابلس، هو واحد من الركاب.
وكان هذا في 2-5-1973، ونجح معي ماهر ارشيد عن مقعد جنين، وسامي جودة عن مقعد رام الله، وخالد فياض عن مقعد طولكرم.
بعد عودتي إلى عمان بثلاثة أيام، ذهبت لمجلس النواب في جبل عمان، وزرت رئيسه كامل عريقات، وأقسمت اليمين عضواً في مجلس الأمة.
لم أمارس عملا نيابيا، لأن اجتماعات المجلس كانت محدودة جدا.

• لكنها كانت بداية مشوارك السياسي الذي ما زال مستمرا؟
- نعم، في 26 من نفس الشهر، الذي أصبحت فيه عضوا في مجلس النواب، اتصل معي مقسم رئاسة الوزراء، وأبلغوني بأن لدي موعدا للاجتماع مع زيد الرفاعي في بيته، عند الساعة العاشرة صباحا.
ذهبت إلى الموعد، وكان سامي جودة نسيب زيد الرفاعي، وهو كان النائب الجديد عن رام الله موجودا، وأعلمني الرفاعي بأنه مكلف بتشكيل حكومة جديدة، وأبلغني بأنه يريدني وزيرا معه.
دُهشت؛ وسألته إن كان جديا في الأمر، وناقشته بأن عمري وخبرتي قد لا يؤهلاني للقيام بهذه المسؤولية، فلست مطلعا على تفاصيل العمل الوظيفي والإداري، وأن هذه مسؤولية كبيرة، لكنه أكد لي بأنه يعرف ذلك جيدا ومع ذلك اختارني.
بعدها سألته عن الحقيبة الوزارية التي سأتولاها، فنظر لي باستغراب، فقلت له جادا، أريد أن أعرف، فقال: وزير دولة لشؤون الأرض المحتلة.

• وهل باشرت العمل بعدها؟
- طبعا، كان علينا التوجه للديوان الملكي بعدها لحلف اليمين الدستورية، عدت إلى المنزل وكانت أم نشأت في زيارة إلى نابلس، فوجدت "جاكيت" لونه سكري، وربطة عنق برتقالية، ارتديتهما وركبت سيارتي الـ"رينو"، التي كانت أصغر أحجام السيارات في ذلك الزمن، وذهبت لحلف اليمين. بعد القسم شعرت بأن نظرات الراحل الملك الحسين تنتقدني كوزير يرتدي مثل هذه الألوان، في مناسبة رسمية، ورسمية جدا والصورة الأولى التي التقطت لي بمناسبة حلف اليمين الدستورية كوزير كانت بهذه الملابس. وتعلمت درسا في أصول لبس المراسم.
بعدها التحقت بعملي، وكان مكتبي في مقر المكتب التنفيذي لشؤون الأرض المحتلة، الذي كان يمارس عمله قبل تأسيس الوزارة بموجب قوانين الدفاع، لذلك لم يكن عملي خاضعا للروتين الحكومي، وأمضيت في الوزارة سنة وخمسة أشهر، وخرجت منها في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1974 بسبب تداعيات مؤتمر القمة العربية في الرباط، الذي اعترف فيه العرب بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني.

• وما الرابط بين الحدثين؟
- بعد مؤتمر الرباط، خرج من الحكومة كل الوزراء المحسوبين على الضفة الغربية، وبعدها تم تجميد مجلس النواب وبالتالي تجمدت صفتي كنائب أيضا.
عرض علي زيد الرفاعي، الذي ظل رئيسا للحكومة أن أذهب سفيرا إلى الكويت، ورفضت، وكنت أنتظر مرة أخرى "الفيزا" والذهاب إلى السعودية.
بعدها بنحو 6 أسابيع، التقاني سالم مساعدة وكان وزيرا للمالية، وانتقدني لرفضي منصب السفير، وأصر علي أن أعيد النظر بقراري، وبعد ضغط منه وبآخر الجلسة قبلت، وهو تكفل بإبلاغ زيد الرفاعي، الذي قابلني وقال لي: راحت عليك الكويت، والمتوفر الآن مدريد، ثم عينني في شهر كانون الثاني من العام 1975، سفيرا في الخارجية، وبدأت عملي في نيسان (ابريل) من نفس العام.

• لكن وأنت وزير دولة لشؤون الأرض المحتلة العام 1973 وقعت الحرب من جديد، فأين كنت من هذا الحدث؟
- فوجئنا جميعا بحرب الـ73، وكانت فترة حرجة جدا بالنسبة للأردن، فقد كان هناك خوف من اتخاذ أي قرار سياسي وعسكري في موضوع المشاركة في الحرب، لأن قرار دخول الحرب كانت له كلف باهظة، ولعدم دخول الحرب كلف أيضا، وهو أمر سآتي لشرحه لاحقا.
كان زيد الرفاعي كرئيس حكومة يشاركنا في المعلومات، والنقاش حول مختلف القضايا المعروضة على مجلس الوزراء، وكان من عادته أن يخصص أول ساعة لطرح قضايا عامة يطرحها هو أو أي وزير، وكان يوضح لنا موقف الدولة من القرارات المفصلية والمهمة، وكان يتقبل الرأي الآخر، ومن يختلف معه، وكنا كوزراء ننتقد بعض القرارات، ونعيد النظر فيها عبر التأثير بالرأي الآخر، وهي قرارات كان محظورا التعامل معها، مثل الاحالات على التقاعد لكبار المسؤولين في المواقع الرسمية المدنية أو العسكرية.
بالعودة لموضوع الحرب، كنا نعقد جلسات ليلية لمتابعة آخر الأخبار والتطورات، واتخاذ القرارات الداخلية بناء على المعطيات الجديدة.
لكن المعضلة كانت أمام الدولة هي في صحة اتخاذ الموقف السليم، فللخيارين كلفة باهظة، فإذا فتحنا الجبهة الأردنية مع الجبهتين السورية والمصرية، ونحن نعرف ضعف قدرات هاتين الجبهتين، فقد نخسر الضفة الشرقية، ففي خاطرنا ما زال درس النكسة. في المقابل كان هناك رأي، يفيد بأنه إذا بقينا حياديين، فقد نلام فيما بعد على الحالتين، فإذا خسر العرب سنلام، لأننا لم نساند الجيشين، وإذا ربح العرب سنلام على أننا لم نشارك في هذا النصر.
فتقرر بعد مناقشة التفاصيل، أن لا نشارك في الحرب، وأن نرسل قوات من الجيش العربي إلى الجولان.
وجرى نقاش عميق، وكانت الأغلبية من الوزراء مع هذا الموقف، غير أن وزير الاقتصاد كامل ابو جابر، ووزير المالية محمد نوري شفيق كانا ضد هذا الرأي.
واشتبك ابو جابر مع زيد الرفاعي بحوار طويل ونقاش حاد، وتم في النهاية التوافق على ما ذهب إليه أغلبية الوزراء، فاستقال ابو جابر وشفيق، وجرى تعديل على الحكومة.
برأيي، أننا استطعنا الخروج من تلك الأزمة، فكنا مقتنعون بأن دخولنا لم يكن ليغير دفة الحرب، أو موازين القوى، وأننا بذلك تجنبنا موقفا آخر، شبيها بنكسة الـ67، وكنت أنا شخصيا مع هذا الرأي.

• في قمة الرباط، كان قرار الاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا، أين كنت من هذا الموقف؟
- كنت مع الموقف الرسمي الأردني.

• وهل تعتبرها امتدادا لأيلول؟
- بمعزل عن هذا التحليل، أنا سأسرد ما بذاكرتي عن الموقف، فقد كانت تتجمع في الأفق غيوم محاولات لدعم الاعتراف العربي بمنظمة التحرير الفلسطينية، التي بدأت تأخذ واقعا سياسيا على الأرض، وظهرت مواقف كثيرة من الدول العربية، تؤيد الاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا، وواجه الأردن وضعا صعبا في قمة الجزائر العام 1973، التي سبقت قمة الرباط بعام.
كانت الدول العربية أخذت قرارا جماعيا بمنح المنظمة هذه الصفة، لكن الضغط الأردني أوقف القمة عند هذا القرار، وطالب بتأجيل مناقشته حتى القمة المقبلة.
كان الوفد الرسمي الأردني لقمة الجزائر برئاسة رئيس الديوان وقتها بهجت التلهوني.
وبين القمتين، حاول الراحل الملك الحسين، وبكل صدق وصبر، شرح سلبيات القرار، وأنه قد يخلق فراغا قانونيا، ستستغله إسرائيل، لأخذ المزيد من الإجراءات الاحتلالية على الأرض.
في منتصف العام 1974 ظهر على الأرض أن الدول العربية الرئيسية كانت مصممة على سحب الاعتراف من الأردن، ودعم عرفات والمنظمة في مطالبهما، وتقرر عقد قمة الرباط فذهبنا للقمة، ونحن جاهزون لشرح موقفنا، وتنفيذ المحاولة الأخيرة في تحذير الدول العربية من مخاطر اتخاذ القرار.
وأكد الأردن أنه إذا لم يقتنع العرب بوجهة نظره فإنه سيقبل بالقرار، فألقى الراحل الحسين خطابا مليئا بالمنطق والوطنية، أمام رؤساء الدول والوفود، لكن ذلك لم يغير موقف العرب في شيء، ووافق الأردن في نهاية الأمر، وفعلا أصبحت منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
طبعا، في القمة كانت الضغوطات واضحة، والتهرب العربي من اتخاذ المواقف المُعلنة كان جليا، وكان الملك الحسن عاهل المغرب يشرف بنفسه على الصياغات المناسبة، من وجهة نظرهم، للقرارات. فلما كنت عضوا في لجنة الصياغة، أذكر تماما كيف دخل علينا الملك الحسن، فتدخل مباشرة في الصياغة.
الوفد الأردني الرسمي لقمة الرباط كان كبيرا، وضم بعضويته المستشارين في القصر الملكي بهجت التلهوني وعبدالمنعم الرفاعي وعامر خماش وبهاء الدين طوقان، ورئيس الوزراء زيد الرفاعي، والوزراء عدنان أبو عودة  ومروان دودين وزهير المفتي وذوقان الهنداوي وأنا.
طبعا ذوقان، رحمه الله، بعد أن اتخذت القمة القرار، طلب مغادرة الوفد والعودة إلى عمان، متذرعا بحجة أن رطوبة العاصمة المغربية تسببت له بأزمة تنفسية، وهو الذي يعاني من مرض الربو، لكن على الرغم من انزعاج الرفاعي، من هذا التصرف، إلا أنه سمح له بالعودة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:10 pm

سياسي يتذكر - الحلقة الخامسة
المصري: عملي سفيرا في باريس قربني أكثر من الراحل الحسين


  • طاهر المصري وكبار مسؤولي الدولة خلال احدى المناسبات


  • محمد خير الرواشدة
    عمان – يستكمل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري نشر سلسلة ذكرياته السياسية عن المواقع التي شغلها على مدى 45 عاما من العمل السياسي المتواصل.
    ويسرد المصري في حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر" كيف تعامل مع أول مهمة دبلوماسية له كسفير في العاصمة الإسبانية مدريد.
    ويشير إلى الخبرة المعرفية التي اكتسبها خلال فترة تواجده في مدريد لمدة أربع سنوات، وكيف كان شاهدا على وفاة الرئيس الإسباني الجنرال فرانثيسكو فرانكو، وعودة إسبانيا للملكية عبر تنصيب الملك خوان كارلوس.
    ويحاول المصري شرح الطريقة التي كرس فيها الملك خوان كارلوس مقاليد حكمه عبر الانفتاح أكثر على الحريات ومأسسة عمل المؤسسات الدستورية، وهو ما أكسبه "سلطة معنوية وليس سلطة نفوذ".
    وكان المصري روى في حلقة أمس تفاصيل حول ترشحه في الانتخابات النيابية التكميلية لمقعد نابلس الشاغر، وكيف سمع عبر المذياع خبر نجاحه في الانتخابات، وهو في طريق عودته من نابلس، وكيف أن الحياة النيابية أدخلته حكومة زيد الرفاعي وزيرا للدولة لشؤون الأرض المحتلة.
    كما كشف تفاصيل حضور الأردن لمؤتمر قمة الرباط العام 1974 وجوهر التباين بين الموقف الأردني والموقف العربي من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، مُعلناً موقفه من الأمر، وأسباب خروجه من حكومة الرفاعي.
    كما تحدث عن تفاصيل الموقف الرسمي من حرب العام 1973، وكيف أن مجلس الوزراء اشتبك في جدال "طويل وحاد" حول الموقف الأردني من الحرب، وهو النقاش الذي أسفر عن تقديم وزيرين من حكومة الرفاعي استقالتيهما.
    وفي حلقة اليوم يواصل المصري حديثه عن الخبرة الدبلوماسية التي اكتسبها بمحطته في باريس سفيرا للمملكة، وكيف أن هذه الفرصة قربته كثيرا من الراحل الحسين.
    كما يكشف المصري عن تفاصيل عودته لمجلس النواب "المُعطل" إبان اعتماده سفيرا في لندن لأربعة أشهر، وكيف دخل حكومة أحمد عبيدات وزيرا للخارجية خلال تلك الأيام. وفيما يلي التفاصيل:
    • بعد العودة من قمة الرباط 1974، واقرار القمة لوحدانية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني، هل بقيت على موقفك الرسمي حتى بعد خروجك من الوزارة؟
    -كنت متألما من القرار، ومتألما أكثر من الروح العدائية، التي ظهرت بين بعض أعضاء الوفدين الأردني والفلسطيني.
    بعد عودتنا إلى عمان كان هناك استقبال شعبي في المطار، شعرته يكرس الانقسام الذي حصل بين الجسمين، وهو أمر محزن للغاية.
    بعد ذلك صار منطقيا، أن تؤلف وزارة جديدة بناء على المعطيات الجديدة، حيث خرج الوزراء من الأصل الفلسطيني المحسوبون على الضفة الغربية، وأنا واحد منهم، واستقالت الحكومة في منتصف تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1974.
    هنا أذكر على صعيد وحدة الموضوع وربط الأحداث، بأن الراحل الحسين حاول تطويق تداعيات هذا القرار، وحاول إعطاءه معنى مختلفا، بحيث يكون الأردن غير مشمول بالاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، لأن أعضاء المنظمة هم مواطنون أردنيون. وجرت زيارة مهمة للراحل الحسين لأنور السادات (الرئيس المصري الاسبق) في القاهرة، لبحث الاتفاق مع مصر على ذلك، وصدر بيان بما نصه ان الأردن غير مشمول بالتعامل مع المنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، لكن، كان واضحا ان قبول السادات بالأمر، لم يكن أكثر من عمل تكتيكي، لأنه لم يلتزم بالأمر عمليا على أرض الواقع.

    • إذا، مع بواكير عملك السياسي اشتبكت بقضايا كبيرة؟
    -كانت دروسا حقيقية، لا أشك للحظة بأنها صاغت وعيي السياسي، وكانت هذه من المفاصل المهمة في حياتي، والتي حددت بعدها بوصلة العمل العام لدي، ومواقفي من القضايا الوطنية الفاصلة.
    كنت بعمر صغير، فكان لمعاني كل ما جرى تلك الفترة أنها صنعت فعلا طاهر المصري، السياسي ورجل العمل العام، لا أقلل من باقي مراحل العمل، التي كنت موجودا فيها، لكن تلك الفترة تحديدا لها علي فضل كبير في العلم والمعرفة والاقتراب من العمل العام ومطبخ صناعة القرار.
    في ذلك العمر، كان للخبرة أثر، رافقني حتى يومي هذا، ولا أقلل في هذا المقام من أهمية الأساتذة السياسيين الذين تتلمذت على أياديهم، وأهمهم كان الراحل الحسين طيب الله ثراه.

    • وهل انتظمت في عملك كسفير، وهل وجدت نفسك في هذا الموقع الدبلوماسي؟
    عندما غادرت إلى مدريد، كانت الأيام بالنسبة لي هادئة، وفرصة للتمعن بالمراحل السابقة، والبحث عن ذاتي في العمل السياسي أكثر.
    لكن، وكسائر أبناء جيلي، فنحن مولعون بالعمل والبحث عن تعبئة الوقت به، هناك في مدريد وعلى الرغم من هدوء حياتي الشخصية والسياسية، إلا أن الأحداث كانت تتسارع بشكل لافت.
    سلمت أوراق اعتمادي للرئيس الاسباني الجنرال فرانثيسكو فرانكو، وكانت اسبانيا بعيدة عن اوروبا، بسبب سجلها في الحرب العالمية الثانية، والبقاء خارج تحالفات الحلفاء والمحور، وبسبب موقف فرانكو نفسه من الحرب الأهلية الطويلة والدموية، فقد كان حكمه عسكريا مسيحيا متشددا.
    في تلك الفترة، كان من أكبر العقبات التي واجهتني اللغة، حيث انني لم أكن اتكلم اللغة الانجليزية بطلاقة.
    بعد ستة أشهر من وجودي في مدريد توفي فرانكو، وبهذا الحدث شهدت تجربة سياسية حقيقية وفريدة من نوعها.
    ففرانكو، الذي لم يتخذ لقب الملك لنفسه، ولم يعين نفسه رئيس وزراء، أو غير الحكم هناك إلى جمهوري، بل بقي ينادى برئيس الدولة، وكان رجال حكمه يسيطرون على كافة مفاصله، وكانوا محافظين ومتهمين بالفاشية، نتيجة مواقف فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية الشهيرة، وبسبب تعامله مع هتلر.
    ومع ذلك قرر فرانكو أن لا يلغي النظام الملكي، لكنه جمده طيلة فترة رئاسته، لذلك اوصى بعودة الملكية بعد وفاته، لابن الملك الشرعي، وهو خوان كارلوس.
    كما أوصى فرانكو بتدريب وتأهيل خوان كارلوس على الحكم، واوصى الجميع بدعمه. هذه الأحداث كلها كانت تجري وأنا اتابعها عن قرب وباهتمام كبير، فالتجربة بذاتها قد لا تتكرر أمامي. مباشرة، بعد وفاة فرانكو، جرى انتقال سلس للسلطة وحضر الملك الحسين، ووفد أردني مراسم الجنازة، فيما مثلت أنا الأردن بمراسم تنصيب الملك خوان كارلوس.

    • لكن ما الغريب في كل هذه الأحداث، ألم تكن تلك المرحلة وما قبلها زاخرة بمثل هذه المناسبات والمراسم عربيا ودوليا؟
    -صحيح، لكن الحدث الفارق، الذي شدني لمتابعة الأحداث هناك وباهتمام كبير، ولا أبالغ إن قلت بأني درست تلك الأحداث دراسة علمية متأنية وبعناية فائقة، هو كيف تمكن الملك خوان كارلوس من العمل وبجدية لإعادة النظام الديمقراطي لاسبانيا، ورفع جميع القيود، التي كان قد فرضها فرانكو طيلة أيام حكمه العسكري، والتي كانت سببا في ابتعاد اسبانيا عن اوروبا، وتأخرها في اللحاق بها سياسيا وديمقراطيا وحتى اقتصاديا.
    كان نظام الملك خوان كارلوس في أول عهده هشا وضعيفا، لأن مفاصل الحكم كانت ما تزال تحت سيطرة رجال فرانكو، لكن الملك ظل يتدرج في الإصلاح شيئا فشيئا، حتى مهد الأمر لحل الحكومة، التي كانت امتدادا  لفرانكو، ثم أتى عبر الانتخابات الديمقراطية بأدولفو سواريث غونزاليس رئيسا للحكومة، وهو الشخصية الاسبانية الوسطية والإصلاحية، فقد نجح بعد أن جرت الانتخابات بحرية ونزاهة، وفاز فيها الحزب الاشتراكي برئاسة غونزاليس.
    كانت تجربة رائعة لي شخصيا؛ وأنا أتابع بالتفاصيل هذا التدرج الممنهج بالإصلاح، وكيف ان خوان كارلوس أعاد بناء الدولة الديمقراطية، دون أن يتعدى على صلاحيات السلطات الأخرى، وأصبح ملكا دستوريا حقيقيا، وحظي باحترام شديد جدا، وواسع، فكان نفوذه معنويا وليس سلطويا، وبذلك لحقت اسبانيا باوروبا ولعلها تقدمت على بعض دولها في مراحل.
    • كان درسا في العمل الديمقراطي لك، لكن من دون أن تطور مهاراتك في العمل الدبلوماسي؟
    -تطوير مهاراتي في العمل الدبلوماسي كان في المحطة اللاحقة في باريس، لكن متابعة تفاصيل تتطور الحكم في اسبانيا لفتتني لدرجة متابعة أدق التفاصيل.
    طبعا، بتلك الفترة شهدنا اعتراف اسبانيا باسرائيل، وقد تابعت الأمر على أمل أن يكون هناك موقف مختلف عن باقي الدول وقتها، فقد كانت اسبانيا واليونان الدولتين الأوروبيتين الوحيدتين اللتين لم تعترفا باسرائيل، لكن بعد أن بدأت بعض القوى السياسية الاسبانية بالتفكير بإنشاء علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، وبدا ضغطها جليا على الحكومة، كان واضحا لنا في الأردن بأن اسبانيا لا تستطيع أن تقترب من اوروبا، من دون علاقات مع اسرائيل.  

    • في تلك الأيام كنت شاهدا على اختطاف السفير المصري في مدريد، على يد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على خلفية الموقف المصري الذي ذهب للسلام مع اسرائيل في كامب ديفيد؟
    -نعم كنت هناك، وقد تستغرب ما أقول، لأن فيه مغامرة غير محسوبة على الإطلاق، وفعلتها وبنية صادقة، لكن لم أنجح.
    فلدى سماعي خبر اختطاف السفير المصري؛ ومن دون أدنى تفكير بالعواقب، حاولت الاتصال بالخاطفين، لأشرح لهم خطورة ما يقومون به على القضية الفلسطينية، والأثر المباشر لذلك على وسم المقاومة الفلسطينية بالإرهاب والتطرف. ذهبت إلى باب السفارة، لمحاورة الخاطفين حول الأضرار المترتبة على الأمر، لكنني لم اتمكن حتى من الوصول إلى باب السفارة، نتيجة الوضع الأمني.

    • ألم تفكر بأنك قد تكون صيدا ثمينا للخاطفين في ذلك الوقت، صحيح أن الأردن لم يكن يفكر بالسلام مع اسرائيل، لكن ما تزال العلاقات متوترة بين السلطات الأردنية وكتائب مقاومة الاحتلال؟
    - لذلك، قلت إنها مغامرة غير محسوبة، وفعلتها من دون أن أقدر أية عواقب، لكن قد أكون مطمئنا لفكرة أن النفوس هدأت، كما أنني كنت بعمر يسمح لي بأن لا أخاف، فلم اتجاوز عندها 33 عاما.

    • وكم بقيت سفيرا في مدريد؟
    -أربعة أعوام، وانتقلت بعدها إلى باريس، وكان هذا في تشرين الثاني "نوفمبر"  1978، وكانت تلك محطة مهمة على صعيد عملي السياسي والدبلوماسي.
    فقد كنت سفيرا، وبنفس الوقت مندوبا دائما للمملكة في اليونسكو، وكان الموضوع السياسي العربي والإقليمي في أوجه، وكانت علاقات الراحل الحسين مع باريس في تطور وازدهار، وسعى الملك رحمه الله للاستفادة من العلاقات الأردنية الفرنسية في وقت كان فيه السادات أقام السلام مع اسرائيل، كما كان رحمه الله يريد أن يكرس مفهوم المؤتمر الدولي لحل القضية الفلسطينية ويحشد له دبلوماسيا وسياسيا، بوقت كانت الحفريات الإسرائيلية بالمسجد الأقصى وتحته في أوجها، كما أن انتقال جامعة الدول العربية من مصر إلى تونس، وخروج مصر من الجامعة العربية، كان حدثا مهما، وفي تلك الفترة شهدت بداية التحول الأوروبي تجاه الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، أو بفكرة حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير.
    كان الرئيس الفرنسي وقتها فاليري جيسكار ديستان، وقد كان معجبا بسياسات ومواقف الراحل الحسين.
    ما ذكرته أعلاه كانت ظروفا ومهام ومسؤوليات اضطلعت بها، وفتحت أمامي آفاقا مهمة وتجربة فريدة. استمتعت في العمل في باريس وقد أقمت هناك خمسة أعوام، ولعل باريس أيضا لها هوية ثقافية فنية جمالية تجعلك سعيدا بالإقامة فيها.
    استطاع الأردن، وبفضل العلاقة المتميزة بين الحسين والرئيس ديستان أن يؤثر في القرار الفرنسي تجاه بعض القضايا العربية، وبالذات الموضوع الفلسطيني، وقد كان هذا واضحا عندما دعمت فرنسا تلك الأيام استفادة الأردن من السوق الأوروبية المشتركة.
    لكن أهم تحول، جاء بفضل الأردن وعلاقاته مع فرنسا، هو على صعيد دعم القضية الفلسطينية، وتحديدا (بيان جنوا)، فقد كان للأردن دور مهم في اقناع فرنسا ودول اوروبية أخرى بإصداره، إذ اعتبر البيان، بداية اختراق في قدرتنا على إقناع اوروبا بالاعتراف بأحقية الشعب الفلسطيني بتقرير المصير.

    • هل تطورت علاقتك بالراحل الحسين وأنت في فرنسا، نتيجة زياراته المتكررة إلى هناك، أم بقيت في إطار عملك الرسمي؟
    -استطيع القول بأن وجودي في باريس كان سببا أساسيا في تعرفي على الملك الراحل أكثر، وقد اقتربت منه أكثر، نتيجة تطور فهمي للعمل السياسي، واجتهادي في عملي الدبلوماسي في باريس أكثر من مدريد.
    وزاد من مسؤولياتي السياسية والدبلوماسية، بأني كنت استدعى إلى قصر الإليزيه ولقاء الرئيس ديستان، ليستمع مني حول موقف الأردن من القضايا في المنطقة.
    وتكررت زياراتي إلى القصر الفرنسي، بسبب ايمان الفرنسيين بالاستماع لموقف الراحل، في تلك الأيام كنت مضطرا لنقل الموقف الرسمي الأردني بمهنية عالية، كما كنت حريصا على حسن تمثيل المملكة والملك أمام الفرنسيين، الذين ارتبطوا بعلاقة استراتيجية وقتها مع الحسين.
    مما أذكره مثلا حول مقدار اهتمام الفرنسيين بالأردن  انه ولدى تقديمي أوراق اعتمادي، وكان الوقت مساء، وبعد ساعة من تسليم أوراق اعتمادي، اتصل بي الإليزيه ودعاني لرحلة صيد مع الرئيس.
    طبعا وافقت فورا، رغم أني "بحياتي ما خرجت للصيد"، ولم أطلق رصاصة واحدة من بندقية، ذهبت بعدها للسوق، واشتريت ملابس صيد، والتحقت بالدعوة.
    طبعا، اتضح لي أن مهمة الصيد لديهم كانت سهلة، فبعد أن يقوم عاملون "بكش" الحمام باتجاه الصيادين، تمتلئ السماء بالطيور، وبأي اتجاه تطلق النار، فثق تماما بأنك ستسقط طيرا. كنا في تلك الرحلة نحو تسعة من الضيوف، وكان الرئيس الفرنسي، وفي كل محطة من محطات الصيد، يصطحب في مركبته واحدا من هذه الشخصيات، إلا أنني بقيت معه في كل هذه المحطات، وقد كان له من الملاحظات، التي ناقشته فيها، وفهمت منه حقيقة وجهة نظره، بأن الفلسطينيين متشائمون من جدوى قرار 242، ويعتقدونه نهاية الطريق، في وقت يصر هو على أن القرار بداية الطريق.

    • وماذا عن تمثيل المملكة في اليونسكو، هل كان الأمر دبلوماسيا بروتوكوليا أم كان عملا سياسيا استثمرت فيه لصالح تقديم القضية الفلسطينية؟
    -كان عملا سياسيا بامتياز، وكان نشاطي في الدولة الفرنسية لا يقل عنه في اليونسكو.
    عملنا كسفارة في اليونسكو، بروح قتالية، وحصدنا امتيازات مهمة سنة 1981، فنتيجة العمل الدبلوماسي المتواصل، وتحييد الخصوم استطعنا أن نضع القدس على لائحة التراث العالمي، والأهم بأننا في العام الذي تلا ذلك استطعنا تسجيل القدس ضمن لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر، وتطلب ذلك جهدا وعملا سياسيا ودينيا وثقافيا مضنيا جدا، فقد كانت الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية تقف لنا بالمرصاد، لمحاولة إفشال جهودنا، وهو ما استغرق مني عملا متواصلا لمدة عام بأكمله.
    لكن نجحنا في النهاية، على الرغم من وجود ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية في اليونسكو، ووجود سفير للمنظمة في باريس.
    بتلك المرحلة أيضا، استطعنا انتزاع موافقة الأعضاء على ترؤس الأردن للمؤتمر العام لليونسكو، الذي يعقد مرة كل سنتين بالتناوب، مرة في باريس ومرة في دولة مضيفة.
    وقبل ترؤس الأردن لم تكن أي دولة عربية قد ترأست المؤتمر منذ العام 1948، قاد الوفد الأردني ذلك الوقت لرئاسة المؤتمر وزير التربية والتعليم الدكتور سعيد التل، وعقد المؤتمر في بلغراد عام 1980.

    • خبرتك كسفير نشط في باريس هل كانت سببا في دخولك الحكومة وزيرا للخارجية في حكومة أحمد عبيدات؟
    -لم آت من فرنسا إلى عمان وزيرا، بل هناك أربعة أشهر أمضيتها كسفير في لندن، قبل تسلمي حقيبة الخارجية. أنا انتقلت من فرنسا إلى لندن بمباركة الحسين العام 1983، حيث أخذت مكان ابراهيم عز الدين، الذي انتقل سفيرا إلى واشنطن.
    أُبلغت رسميا نهاية أيلول (سبتمبر) العام 1983 بنقلي إلى لندن، وقدمت أوراق اعتمادي لملكة بريطانيا بمراسم رسمية كاملة في تشرين الثاني (نوفمبر) من نفس العام.
    في نهاية كانون الأول (ديسمبر) كان الملك في زيارة إلى لندن، وأعلمني بأنه سيتم إعادة مجلس النواب إلى العمل، لأن المجلس بدأ يفقد نصابه بسبب وفاة عدد كبير من أعضائه، ولأن الراحل الحسين يريد لمجلس النواب أن يعود لممارسة عمله وإجراء تعديل على الدستور.
    كنت أنا ومحيي الدين الحسيني، سفيرنا في المغرب، سفيرين  ونائبين في نفس الوقت، وكان لا بد من عودتنا لتحقيق النصاب القانوني، طبعا فوجئت بالأمر، ولم يكد يمضي على وجودي في لندن سوى أربعة أشهر، وابني نشأت وابنتي نادين، في منتصف العام الدراسي، وفكرة نقل الأبناء إلى مدارس ليست جديدة وحسب، بل طرق التعليم والتدريس مختلفة، وهو أمر يزعج أي أسرة لديها طلبة.
    فقلت للملك إنني أرغب في البقاء سفيرا في لندن، وسوف أذهب لعمان وأحضر جلسة النواب، لكن من دون أي إجراءات إدارية، تتطلب إرسال سفير جديد للندن، حيث لم يمض على تسليم أوراق اعتمادي سوى شهرين، ونعتبر بأن الجمع بين النيابة والسفارة شأن داخلي، ليس للبريطانيين علاقة به.
    لم يعارض الملك، وعدت لعمان، وكان واضحا بأن حكومة مضر بدران تستعد للرحيل، بعد اجتماع البرلمان، واستدعاني في الأسبوع الأول من كانون الثاني (يناير) احمد عبيدات، الذي كان وزيرا للداخلية في حكومة بدران، وأعلمني بأنه مكلف بتشكيل الحكومة، ويريد أن أكون وزير خارجية معه، اعتذرت له فورا، وقلت له أنا متفق مع الملك الحسين، أن أبقى سفيرا في لندن.
    فاستغرب عبيدات وقال: "تستقيل من النواب وترفض وزارة الخارجية لتبقى سفيرا؟! هذا غريب". ذهبت إلى البرلمان لحضور الجلسة، ونحن في احدى "الكاريدورات" بقي ابو ثامر يحاول اقناعي، وانا متمسك بالرفض، وأذكر كيف أن مصورا صحفيا التقط حركة يدي، وأنا أشير بها برفضي، ونشرت الصورة في ذلك الوقت.
    في تلك الأيام دخل الملك الحسين المدينة الطبية، بسبب نزف شديد أصابه، في ذلك اليوم اتصلت رئاسة الوزراء معي، وطلبتني في موعد مع رئيس الوزراء، الساعة الخامسة، دخلت الرئاسة، وإذ بالجميع يبارك لي، فأصبح أمر دخولي الحكومة واقعا، وحلفنا اليمين أمام جلالة الملك في المستشفى، وصرت وزيرا للخارجية.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:12 pm

سياسي يتذكر- الحلقة السادسة
المصري: اغتيال القواسمي كان يهدف لإعاقة الانفتاح بين عمان والمنظمة

محمد خير الرواشدة
عمان – يستكمل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري نشر سلسلة ذكرياته السياسية عن المواقع التي شغلها على مدى 45 عاما من العمل السياسي المتواصل.
ويسرد المصري في حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر" كيف تعامل مع أول مهمة دبلوماسية له كسفير في العاصمة الإسبانية مدريد.
ويشير إلى الخبرة المعرفية التي اكتسبها خلال فترة تواجده في مدريد لمدة أربع سنوات، وكيف كان شاهدا على وفاة الرئيس الإسباني الجنرال فرانثيسكو فرانكو، وعودة إسبانيا للملكية عبر تنصيب الملك خوان كارلوس.
ويحاول المصري شرح الطريقة التي كرس فيها الملك خوان كارلوس مقاليد حكمه عبر الانفتاح أكثر على الحريات ومأسسة عمل المؤسسات الدستورية، وهو ما أكسبه "سلطة معنوية وليس سلطة نفوذ".
وكان المصري روى في حلقة أمس تفاصيل حول ترشحه في الانتخابات النيابية التكميلية لمقعد نابلس الشاغر، وكيف سمع عبر المذياع خبر نجاحه في الانتخابات، وهو في طريق عودته من نابلس، وكيف أن الحياة النيابية أدخلته حكومة زيد الرفاعي وزيرا للدولة لشؤون الأرض المحتلة.
كما كشف تفاصيل حضور الأردن لمؤتمر قمة الرباط العام 1974 وجوهر التباين بين الموقف الأردني والموقف العربي من الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، مُعلناً موقفه من الأمر، وأسباب خروجه من حكومة الرفاعي.
كما تحدث عن تفاصيل الموقف الرسمي من حرب العام 1973، وكيف أن مجلس الوزراء اشتبك في جدال "طويل وحاد" حول الموقف الأردني من الحرب، وهو النقاش الذي أسفر عن تقديم وزيرين من حكومة الرفاعي استقالتيهما.
وفي حلقة اليوم يواصل المصري حديثه عن الخبرة الدبلوماسية التي اكتسبها بمحطته في باريس سفيرا للمملكة، وكيف أن هذه الفرصة قربته كثيرا من الراحل الحسين.
كما يكشف المصري عن تفاصيل عودته لمجلس النواب "المُعطل" إبان اعتماده سفيرا في لندن لأربعة أشهر، وكيف دخل حكومة أحمد عبيدات وزيرا للخارجية خلال تلك الأيام. وفيما يلي التفاصيل:
• بداية الثمانينات، وفي فترة ولاية حكومة أحمد عبيدات، التي دخلتها، شهدت تطورا مهما على صعيد العلاقات بين الأردن وبين منظمة التحرير الفلسطينية؟
- صحيح؛ فبعد أحداث بيروت (1982)، وخروج المنظمة الى تونس، أراد الملك تقوية الموقف الأردني، المطالب بانعقاد المؤتمر الدولي، لقناعته بأهمية المؤتمر على طريق الحل السياسي للقضية الفلسطينية.
تزامن ذلك مع التطور المهم في العلاقات الأردنية المصرية، كان الحسين يقوم بزيارة القاهرة، ويلتقي حسني مبارك بشكل شبه شهري.
وبدأت الحواجز بين الأردن ومصر تتلاشى، شيئا فشيئا، وبقيت في تطور مستمر، حتى أننا، وقبل الاعتراف الرسمي بعودة العلاقات الأردنية المصرية، كنا نظن بأن العلاقات قائمة ولا داعي للإعلان عن مثل هذه الخطوة.
ضمن هذا المساق، فكر الراحل الحسين بمبادرة من قبله؛ وكان هدف الحسين مُعلنا للجميع، فهو يريد أن لا تبقى العلاقات العربية متوترة، وغير متوافقة على أهمية وأولوية تحريك القضية الفلسطينية، خصوصا بعد احتلال بيروت وحصارها.
وكانت رؤية الحسين واضحة بأن الأفضل هو اتفاق الطرفين الأساسيين، وهما الأردن والمنظمة، للوصول إلى أسس لاتفاق عام، يمكن لهما بعده أن يحصلا على موافقة ودعم ومباركة دول عربية لهذا الاتفاق.
فاتفاق الطرفين الأساسيين هو نواة التوافق العربي، على أطر الحل وخطواته، فإن توافق الأردن والمنظمة فقد يكون من السهل كسب تأييد العرب حول هذه الخطوة.
فالخطوة الأولى، من وجهة نظر الراحل الحسين، كانت أن يتفق الطرفان الأردني والفلسطيني على أسس الحل والقبول بقرار 242، وهو ما يؤمن دعما عربيا وزخما للحراك السياسي لدعم القضية، فالهدف كان تقوية الجبهة الفلسطينية وتأمين الدعم المطلوب لها.
الملك الحسين انفتح على المنظمة، وعلى أبو عمار، وصار يعتمد في تحركاته الاتصال المباشر، وكل ذلك بهدف كسب التأييد الفلسطيني والعربي والعالمي لعقد المؤتمر الدولي لحل القضية الفلسطينية.
في تلك الفترة، من العام 1984، وبعد تداعيات خروج منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، بجراح عميقة، كان عرفات يبحث عن مكان لعقد مؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر، ويريد أبو عمار من ذلك الإبقاء على شرعية المنظمة، ولكي لا تضيع المواعيد الدستورية، التي حددها الميثاق الوطني الفلسطيني.
وطبعا، في تلك الفترة كان صعبا على عرفات أن يجد أي دولة عربية تدعم عقد المؤتمر بما في ذلك سورية والجزائر واليمن الجنوبي والسودان وليبيا، وهي الدول التي كانت تسمى بدول جبهة الصمود والتصدي، وكانت تمثل معسكر المقاومة في تلك المرحلة.
من حكمة وذكاء الحسين، رحمه الله، بأنه التقط اللحظة، وبعد التشاور مع حكومته اقترح استضافة المؤتمر، على أن تحدد ترتيبات عقده لاحقا.
في تلك الأيام، كان الصراع على أشده داخل أجنحة المنظمة السياسية، وكان التقسيم ضمن معسكرين، المعتدلين من جهة مقابل مواقف المتشددين.
في تلك الأثناء أعلن الراحل الحسين استعداد الأردن لانعقاد دورة المجلس الوطني الفلسطيني السابعة عشرة في عمان، وبذلك يكون الملك فد مد يده لفتح صفحة جديدة في العلاقات الأردنية الفلسطينية.
المؤتمر كان يشكل أهمية للمنظمة، لأن فيه استحقاق اجراء الانتخابات الداخلية لقيادات المنظمة، فقد كان الصراع داخل المنظمة يؤجج أجواء تلك الانتخابات الداخلية، لأن القيادات لم تكن متناغمة ولا منسجمة في مواقفها، طبعا كان عرفات يريد أن يقدم مبادرة للحسين، ترد له موقفه الداعم لعقد مؤتمر المنظمة في عمان، وكان يريد فتح صفحة جديدة بأن يختار لها شخصيات في قيادة المنظمة قريبة من الأردن، لكن داخل المنظمة واجه عرفات اتجاها آخر يتناقض مع رغبته وموقفه من الأردن.
في تلك الأيام، وكإشارة واضحة على حجم الصراع، تم اغتيال فهد القواسمي في عمان، وهو من الفريق السياسي الراغب في الانفتاح بالعلاقة بين المنظمة وعمان.
*هل كنتم كحكومة بصورة كل هذه التفاصيل؟
- كثير من هذه النشاطات كان يتولاها القصر، لم نتدخل بها كحكومة، ولم يكن رئيس الحكومة أحمد عبيدات منغمسا في هذه التحركات، ولكن كان مطلعاً عليها وتتم بمعرفته. 
وأذكر جيدا كيف أن الموقف السوري الرافض لإنعقاد مؤتمر المنظمة واحتمال لجوئها إلى استعمال القوة، احتاطت الحكومة له بأن نشرت مضادات للطيران في محيط المدينة الرياضية، مكان انعقاد المؤتمر، تحسبا لأي تهور سوري.
طبعا، عقد المؤتمر، ولم يحدث أن حصلت فيه أي ملاسنات بين أصحاب المواقف المضادة داخل المنظمة.
*وهل كانت تلك الفترة هي نفسها التي شهدت اتفاق عمان، أي هل حصل الاتفاق في نفس الفترة؟
- خلال انعقاد المؤتمر، جرت محاولات جدية لعقد اجتماعات اردنية فلسطينية، وإعادة ترسيم حدود العلاقة الثنائية الموضوعية.
بعد ثلاثة أشهر من عقد المؤتمر السابع عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في عمان، كان الاعلان رسميا عن الاتفاق الأردني الفلسطيني.
وقد كانت وجهة نظر الملك الحسين بأن الطرفين الأساسيين في القضية الفلسطينية، هما الأردن والمنظمة، وأن الاتفاق إذا نجح فسيكون الأردن "قد اصطاد عصفورين بحجر واحد".
الأول، التمهيد للقبول الفلسطيني بقرار 242، والذي كانت المنظمة ترفضه، بينما كانت الولايات المتحدة ودول كثيرة تصر على ضرورة قبول القرار، الذي سيؤدي إلى اعتراف المنظمة بإسرائيل، هذه الخطوة كانت باعتقاد الأردن، عربون النوايا الحسنة من قبل المنظمة تجاه الحل السلمي، وهو ما تريده أميركا وأوروبا، وهذه الخطوة تعني لنا اقتراب اوروبا والولايات المتحدة من الموقف الاردني، حيال التسوية، بالتالي دخول المنظمة في العملية السلمية، أما العصفور الثاني بالنسبة للأردن، فهو دعم دور المنظمة عربيا لتقرر باسم الشعب الفلسطيني.
في الانتخابات الداخلية، التي جرت في اللجنة المركزية للمنظمة، وانتخب فيها فهد القواسمي، الذي اغتيل، وهو في موقعه، أصبحت المحادثات بين عمان والمنظمة متقدمة جدا، فيما يتعلق بالاعتراف الفلسطيني بقرار 242، وهو ما ساعد بانفتاح المنظمة على الولايات المتحدة، التي كانت في طريقها للتربع على عرش صناعة القرار.
في تلك المرحلة، ووجه عرفات بمعارضة شديدة من حركة فتح، ومن قبل فصائل في المنظمة بسبب تقاربه مع الأردن.
وكانت المحاورات والمحاولات الأردنية في كسب المنظمة إلى جانبه شاقة جدا، وأخذت وقتا طويلا، وكان عرفات واضحا في أنه يريد الاقتراب من الأردن لأهميتها بالنسبة له.
عقد الاتفاق الأردني الفلسطيني في 5 شباط (فيراير) 1985، وكان رئيس الديوان وقتها مروان القاسم، ووزير البلاط عدنان ابوعودة، والقائد العام للقوات المسلحة الشريف زيد بن شاكر، كان هؤلاء المستشارون الرئيسيون للملك الحسين.
عبيدات، وهو رئيس الحكومة، كان يحبذ أن لا نسير مع عرفات بخطوات، أو بتسارع يؤدي إلى عداوات مع جهات قوية؛ فالاتفاق رفضته دول كثيرة، مثل سورية والجزائر وغيرها، والاتحاد السوفييتي وفصائل منظمة التحرير. 
وكان قرار الملك إعادة العلاقات الدبلوماسية مع مصر، في تشرين الأول "اكتوبر" 1984 مثار اعتراض من قبل عبيدات، إذ كان يحبذ ان لا تنفرد الأردن دون الدول العربية بهذا القرار، وكان يفضل أن يؤكد الاردن على إنسجامه وتقيده بقرارات الأمتين العربية والإسلامية، لكن الحسين كان يعتقد بأن الوقت مناسب، وأن مصر عوقبت بما يكفي، وقد بدأ صدى ذلك القرار يخلخل مواقف الدول الإسلامية، قبل العربية، أمام طلب عودة مصر إلى جامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي.
عارض عبيدات هذا القرار أيضا،ً وبرأيه فإن القرار إن كان يأتي لنا بالعلاقة الطيبة مع مصر، فإنه سيكسبنا عداوات دول وجهات اخرى. أنا كنت مع القرار، وسافرت يومها للأمم المتحدة لحضور الدورة العادية، وهناك هنأني وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز على القرار، الذي وصفه بالجريء، وقد علم هو قبلي بموعد قرار الحسين بإعادة العلاقات مع مصر.
فالاتفاق الأردني الفلسطيني، ومن قبله عودة العلاقات الأردنية المصرية بعد قطيعة عربية، سببها توقيع مصر معاهدة كامب ديفيد، جعلت موقف ابو ثامر واضحا، وهو بأنه لم يكن مرحبا أو معجبا بالقرارين، وبدأ يظهر عليه الاختلاف مع القصر.
زاد ما سبق بأن الطريق بين الرئيس عبيدات ورجال القصر كانت سالكة بصعوبة، وظهر هذا الوضع إلى العلن في احوال كثيرة، وأقصد برجال القصر، من كانوا يمثلون الطرف المقابل لعبيدات، وهم رئيس الديوان مروان القاسم ووزير البلاط عدنان ابو عودة، والقائد العام زيد بن شاكر، وعلي غندور ومحمد كمال.
هنا يجب أن أُذكر بقول بلغني من مصادر مطلعة وقتها، فقد كان الراحل الحسين يريد أن ينتقل بعبيدات من إدارة المخابرات إلى رئاسة الحكومة مباشرة، ولكن كما قيل لي وقتها، إن الحسين استمع لنصيحة مقربين منه، بأن يأتي عبيدات وزيرا، قبل أن يتسلم رئاسة الحكومة، ففي ممارسته للأعمال الإدارية للوزارة ما يجعل تجربة عبيدات في رئاسة الحكومة أكثر قوة.
فدخل عبيدات حكومة مضر بدران الثانية، وزيرا للداخلية مدة عامين، ثم جاء رئيسا للحكومة، وعندما تم تكليفه بتشكيل الحكومة تقرر تعيين القاسم رئيسا للديوان، وابو عودة وزيرا للبلاط، وفي نفس الوقت كان زيد بن شاكر قائدا عاما، وقد كانت بوادر عدم الانسجام بينهم واضحة للجميع.
لم يكن الراحل الحسين مرتاحاً لهذا التوتر بينهم، وابدى انزعاجه من الأمر، وكان لرجال القصر تأثير على الحسين في تلك الأيام، وكانت المناكفات ظاهرة للعيان، خاصة ما يتعلق منها بالمعاملات المتعلقة بالقوات المسلحة.
ثم جاءت استقالة ليلى شرف، وتغيير مدير عام مؤسسة الإذاعة والتلفزيون محمد كمال، وهو الموقع والشخص الذي كان يحظى بنفوذ واسع، كمثال على تلك العلاقة المتوترة بين مراكز القرار.
*لكن ومع موقف رئيس الحكومة عبيدات من اتفاق عمان بين الطرفين الأردني والفلسطيني، بقي الموقف الرسمي المُعلن هو المضي فيه ولم يؤثر موقف عبيدات على الأمر؟
- يجب أن نتذكر جيدا، بأن الفترة بين تاريخ إقرار اتفاق عمان وخروج عبيدات من الحكومة كانت قصيرة، وهي الفترة الواقعة ما بين 5 شباط (فبراير) وحتى 4 نيسان (إبريل) من العام 1985، ولم يتسن لرئيس الحكومة عبيدات أن يعبر عن موقفه المتحفظ؛ سواء من اتفاق عمان مع المنظمة، أو من قرار عودة العلاقات مع مصر. فصحيح أن موقف عبيدات لم ينسجم مع الملك، لكنه لم يعطل أيا من قرارات الراحل الحسين.
*وهل انسحب موقف عبيدات من القرارين على الحكومة التي جاءت بعده، حكومة زيد الرفاعي؟
- لم يعترض زيد الرفاعي، وقد بقيت معه وزيرا للخارجية، على السياسات العامة في حينه، وأخذ منحى تقديم المنظمة لأوروبا والغرب، على أساس من اعتراف المنظمة بقرار 242، وصار الأردن يقدم الاعتراف بالقرار على أساس الاتفاق الثنائي الأردني الفلسطيني.
لكن ذلك لم يمنع من ظهور الخلافات داخل المنظمة، حيال الاتفاق، وهي خلافات كانت ظاهرة لا تحتاج إلى تدقيق في النظر، وهو ما سبب لغطا كبيرا وقتها، وهو ما سآتي على شرحه لاحقا.
نتيجة لذلك، اضطر الرفاعي للتخفيف من اندفاعه تجاه المنظمة، صحيح ذهبنا مع المنظمة كوفود مشتركة وزرنا عدة دول من المغرب العربي إلى دول الخليج العربي إلى أوروبا فرنسا وايطاليا وبريطانيا، وبقينا نتبنى نفس النهج في دعم وتقديم المنظمة، لكن كل جهود الرفاعي اصطدمت ببقاء التوتر والشكوك بالآخر، وظل جو العلاقة الثنائية مشبعا بالشك من كل طرف.
*إذا، بقيت وزيراً للخارجية للفترة الممتدة ما بين 1984 (حكومة عبيدات) وحتى رحيل حكومة الرفاعي العام 1989، وأدرت ملف تطورات العلاقة مع منظمة التحرير؟
- كان هذا ملفاً أساسيا،ً ويتولاه الملك مباشرة، صحيح أن الملك الحسين هو الرقم الصعب في السياسية الخارجية، وهو صاحب القرار في هذه الشؤون، لكن وزير الخارجية، وكانت له كلمته ودوره، هو ذراع تنفيذي مهم، وكان يبدي وجهة النظر والمحاولة في الإقناع.
وأسجل هنا لزيد الرفاعي صبره عليّ، وتحمله لحماسي واندفاعي. فقد مرت علينا أحداث وظروف سياسية ومالية جعلتني أبدي الرأي في مجلس الوزراء وفي وزارتي؛ وكانت سببا في خلافات في الرأي.
بقيت في وزارة الرفاعي، واستقلت منها، ولكن بشكل تعديل حكومي، شملني وسامي جودة وزيد حمزة، بينما استقالت حكومة الرفاعي في 4/4/1989.
*قبل أن نبتعد عن أجواء استقالة حكومة عبيدات، هل كان رأيه باتفاق عمان صائبا؟
- في نهاية أيام حكومة عبيدات، وبداية حكومة الرفاعي، بدأ اتفاق عمان يرسم لنا خطاً جديداً، من العداوات الإقليمية والدولية.
فالاتحاد السوفياتي شعر بأن الملك الحسين، وهو القريب من الولايات المتحدة، يريد أن يسحب الورقة الفلسطينية من السوفيات، ويحيد دورهم، مقابل تعظيم دور الأميركيين، في ذات الشأن، ومن المعروف بأن جبهة الصمود والتصدي كانت هي الحليف العربي للاتحاد السوفياتي.
إلى جانب ذلك؛ وكما قلت لك، فإن الخلافات داخل منظمة التحرير الفلسطينية، وتنامي وبروز تيار أبو اللطف (فاروق القدومي) وابو إياد، وتنكرت قيادات من داخل المنظمة، وحركة فتح لاتفاق عمان، وعانى ابو عمار من هذه المعارضات والمناكفات داخل المنظمة، وطلب من الحسين إدخال بعض التعديلات على الاتفاق، خصوصاً تلك المتعلقة بالاعتراف بقرار 242، وجرى التعديل حسب ما طلب عرفات.
ولكن للأسف، لم يهدأ الأمر، حتى بعد قبولنا بتعديلات ابو عمار، وظل الاتحاد السوفياتي يغذي الخلافات داخل المنظمة.
وحتى مع كل هذا التحدي، حاولنا كوفد أردني فلسطيني مشترك، أن نزور الدول، ونبين فلسفة الاتفاق وأهدافه، ومدى ما يقدمه من دعم لفلسطين والقضية، وزرنا دولا كثيرة، لكن دول الخليج العربي وقتها لم تبد أي حماس تجاه الخطوة.
في تلك الأيام، طلبت زيارة موسكو، ولكن وزير خارجيتها اندريه جروميكو، اعتذر عن مقابلة الوفد المشترك، وكان اعتذر صراحة واتهمنا بالعمل لصالح الأميركيين وضد الثورة الفلسطينية.
في العام 1985، كانت الحرب العراقية الإيرانية في أوجها، وكانت هناك لجنة سباعية سياسية من جامعة الدول العربية، تنشط دبلوماسيا وسياسيا لدعم العراق دوليا، كان الأردن عضوا فيها، وكنا نقوم بزيارات لدول القرار في العالم، طالبين الدعم الدولي للعراق في الحرب.
في يوم من تلك الايام، اتصل بي وزير خارجية العراق طارق عزيز، وطلب أن أذهب معهم في الوفد إلى الاتحاد السوفياتي، فرحبت بالفكرة، وكان لي هدف، لم أعلنه، وهو أن أسعى لمقابلة جروميكو، لمحاولة شرح اتفاق عمان وأبعاده السياسية.
أعلمت الراحل الحسين بالأمر، وذهبت مع الوفد واستقبلني في المطار سفيرنا في موسكو ذلك الوقت فالح الطويل، وحال وصولي، طلبت من الطويل أن يطلب لي موعدا مع جروميكو، واعتذر مرة أخرى، وردوا "يمكن أن يقابلني نائب وزير الخارجية"، فاعتذرت وأصررت على مقابلة الوزير نفسه، وتركت الطويل، يبلغ وزارة الخارجية الروسية بأني وزير خارجية المملكة الأردنية الهاشمية، وانني سأظل مقيما في موسكو حتى التقي جروميكو، لأن الأمر جاد ومهم.
طبعا، رتبوا لي اللقاء، وكان جروميكو في غاية العبوس والكشرة، وهو ما عرف عنه أصلا، لكنه كان معي أكثر من ذلك بكثير.
وكان لقائي به متوترا جدا، وشرحت له أبعاد اتفاق عمان السياسية، وأهميته بالنسبة لدعم القضية الفلسطينية، وأن الهدف من الاتفاق ليس معاداة الاتحاد السوفياتي، والاقتراب من الولايات المتحدة.
كما أن اتفاق عمان، بالنسبة للأردن، هو ورقة تعزز جهود الدعوة للمؤتمر الدولي لحل قضية فلسطين، وأن الاتفاق قد يسمح بتهيئة الإجماع العربي وتوفير مظلة داعمة للمؤتمر.
لم يظهر جروميكو أي ردة فعل تجاه الأمر، لكن تركته وأنا مقتنع بأن كلامي تركه يفكر بإعادة النظر في اتفاق عمان، وبضرورة أن يغير الاتحاد السوفياتي موقفه.
واعتقد بأن قناعتي تلك تشكلت بعد موقفين؛ الأول بأنه وفي نهاية اللقاء، ومع اقتراب لحظة خروجي من مكتبه، أهداني جروميكو تحفة فنية، كانت عبارة عن حصان صغير منحوت، فقبلت هديته، أما الموقف الثاني، فقد طلبت منه طلبا جريئا وغريبا، فقد طلبت منه تأخير موعد طائرتي، التي ستقلع من موسكو إلى لندن لمدة ساعة، وذلك لأتمكن من الالتحاق بالملك الحسين مباشرة، فاستغرب جروميكو بدهشة، فقلت له سبب طلبي وتأخري عن موعد الطائرة هو حرصي على لقائه، وشرح وجهة نظر الأردن، من اتفاق عمان مع منظمة التحرير، فما كان منه إلا أن وافق على طلبي، وانطلقت نحو مطار موسكو في موكب حزبي بسرعة مرعبة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:15 pm

سياسي يتذكر الحلقة السابعة
المصري: الحسين بذل جهودا كبيرة لإنجاح قمة الوفاق العربية



  • الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد يصافح طاهر المصري


محمد الرواشدة
عمان - تفاصيل منوعة يكشفها اليوم رئيس الوزراء طاهر المصري في سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" التي تنشرها "الغد"، ويكشف المصري فيها عن جوانب كثيرة من مشواره السياسي.
ويروي المصري في حلقة اليوم جهود الأردن لدعم الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية، وكيف حاولت أن تُقنع المنظمة بضرورة الاعتراف الفلسطيني بقرار 242 الذي يعزز موقف الفلسطينيين أمام العالم؟
لكن المصري، يشير إلى أن المنظمة كانت متحفظة على القرار، حيث أفشلت (المنظمة) في اللحظات الأخيرة جهود لقاء كان سيجمع وفدا أردنيا فلسطينيا مشتركا مع رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر في لندن. وبين المصري، كيف أن هذه الحادثة كانت سببا في تداعيات التوتر بين الراحل الحسين وأبو عمار، حيث أدى التوتر لإغلاق مكاتب فتح في عمان.
وكان المصري أسهب في حلقة أمس من "سياسي يتذكر" في سرد ذكرياته إبان تسلمه مهام وزارة الخارجية، وأهم مفاصل عمله في حكومة أحمد عبيدات، والحكومة التي جاءت بعدها برئاسة زيد الرفاعي.
كما سرد المصري الذي تجاوز عمر بقائه في وزارة الخارجية أكثر من خمس سنوات، تفاصيل مهمة حول قبول الأردن عقد منظمة التحرير الفلسطينية لمؤتمرها السابع عشر في عمان، وأن تلك الفرصة كانت علامة فارقة في العلاقة بين ياسر عرفات والراحل الحسين.
كما تحدث المصري عن عودة العلاقات الأردنية المصرية ومخالفة قرار جامعة الدول العربية بمقاطعة مصر بعد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في كامب ديفيد، حيث تسبب ذلك في توتر العلاقة بين القصر ورئيس الحكومة أحمد عبيدات الذي كان له موقف مُبرر من خطوتَي الملك في اتفاق عمان وعودة العلاقات مع مصر.
اليوم يستزيد المصري في عرض ذكرياته السياسية ويتحدث عن ظهور ابو الزعيم في المخيمات، وعن لحظات اغتيال القائد الفلسطيني المناضل ابو جهاد (خليل الوزير).
ويروي بصوت متهدج وعيون دامعة لحظات استشهاد عمه ورفيق دربه ظافر المصري رئيس بلدية نابلس، الذي كانت مراسم تسليمه لمهام رئاسة البلدية رغم أنف الاحتلال الإسرائيلي وبعد حمله على الاكتاف بمسيرة حاشدة حضرها أهل نابلس وسكانها.
كما يتحدث المصري عن دعوة الراحل الحسين لعقد قمة "الوفاق والاتفاق" في عمان لدعم العراق في حربه مع إيران، وجاء انعقاد القمة بعد انقطاع دورية عقد القمم العربية، وكيف أن الراحل الحسين بذل جهدا استثنائيا في تلك القمة التي حضرها ملوك وأمراء ورؤساء العرب، وفي مقدمتهم الخصمان صدام حسين وحافظ الاسد.
وبعد القمة بفترة قصيرة يقدم المصري شهادته باللحظات الأولى لاندلاع انتفاضة أطفال الحجارة، معتبرا بأن نضال الشعب الفلسطيني في تلك الفترة أدخل مصطلح الانتفاضة السلمية لمفاهيم الثورات الشعبية في العالم.
• في الحلقة السابقة تحدثنا عن زيارتكم كوزير خارجية لموسكو، ولقاء جروميكو، ووصلنا الى مغادرتك الى لندن، هل كان الالتحاق بالراحل الحسين في لندن، استكمالا لذات الجهد، في دعم الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير، على أساس الاعتراف بقرار 242؟
- صحيح؛ وصلت إلى لندن وأبلغت جلالة الملك بما جرى معي في موسكو، واعتبرنا ذلك اختراقا لتحفظ السوفيات على الاتفاق المشترك، وأوصى الحسين بضرورة استكمال جهودنا بإقناع لندن ورئيسة وزرائها مارغريت تاتشر باستقبال الوفد المشترك، ليكون اعترافا من بريطانيا بطريقة غير مباشرة بالمنظمة.

• لكن هذا الجهد تم التخطيط له في عمان، وليس في تلك الزيارة؟
- نعم؛ كان لنا، وكما ذكرت نشاطات سابقة على صعيد العمل الدبلوماسي، حاولنا من خلالها سحب دول اوروبية وغربية أساسية للاعتراف بالمنظمة.
وأدار هذا الملف زيد الرفاعي بنفسه. في تلك الأيام زارت تاتشر عمان، وبحث الرفاعي معها الأمر بجدية مطلقة، وراوغت تاتشر كثيرا، لكن كان للرفاعي دور كبير في الضغط عليها، من أجل القبول باستقبال لندن الوفد المشترك.
ولما شعر الرفاعي بمرونة موقف تاتشر، اقترح فورا اسمين عن الجانب الفلسطيني؛ الأول كان المطران إيليا خوري، وهو مطران الطائفة الانجليكانية في الأراضي المقدسة، وهو في نفس الوقت عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة، وهو تابع بصفته الدينية للكنيسة الرسمية التي تترأسها الملكة اليزابيث ملكة بريطانيا، وكان خيارا ذكيا من الرفاعي، إذ لم تستطع تاتشر التهرب منه، أما الشخص الثاني، فكان عضو اللجنة التنفيذية في المنظمة ورئيس بلدية حلحول المُبعد محمد ملحم (ابوعلاء)، وكانت تاتشر تعرفه جيدا، وأبدت إعجابها سابقا بمواقفه المعتدلة.
رغم ضغط الرفاعي على تاتشر، إلا أنها اشترطت وقبل أن يجري اللقاء بأن يصدر الجانبان بيانا صحفيا، يتم فيه ذكر قرار 242 واعتراف المنظمة به. وكانت وزارة الخارجية البريطانية، عندما طلبنا لقاء تاتشر بعدها، في لندن اعتبرت بأن مسألة البيان تم حسمها قبل إجراء اللقاء، وأن الخطوة موافق عليه.
طبعا، كنا في الأردن في الفترة ما بين شرط تاتشر، وبين لقائها في لندن، نعمل على موضوع البيان، ونحاول الضغط على المنظمة.
في تشرين أول (اكتوبر) العام 1985 سافرت من نيويورك، التي حضرت فيها دورة الأمم المتحدة، إلى لندن، للانضمام للوفد الفلسطيني، وتحضير ترتيبات اللقاء مع تاتشر.
وكان محمد ملحم موجودا، وقبل اللقاء اطلع ملحم على البيان، وتفاجأ به، وقال: بأنه لا يحمل أي تعليمات من المنظمة تسمح له الاعتراف بالقرار 242، وانه يسمع بذلك للمرة الأولى.
ارتبكنا هناك، وكان موقف وزارة الخارجية البريطانية واضحا، بأن اللقاء لن يتم إلا بإصدار البيان، والاعتراف بالقرار 242.
اتصلت مباشرة بالرفاعي، وسألته عن سوء التفاهم الحاصل، وحسب الرفاعي، فإن تفاوضه في الأمر جرى مع إيليا خوري، باعتباره عضو اللجنة التنفيذية، الذي سيكون بالوفد واطلع عليه ابو ماهر ووافق على مضمونه.
الرفاعي، وكما فهمت، اعتقد بأن موافقة ابو ماهر هي تفويض منه بالقبول.
 في هذه الاثناء، كان محمد ملحم (ابو علاء)  يجري اتصالاته مع قيادات المنظمة، وبعد جهد، وصل إلى عرفات، الذي كان يقوم بزيارة إلى الخرطوم، طبعا تنصل ابو عمار من معرفته بالأمر، وكان حادا في رفضه لهذا (الفخ)، كما وصفه، واستغرب كيف أن وجود ابو جهاد (خليل الوزير) في عمان، وهو الأعلى مرتبة في منظمة التحرير الفلسطينية ولم يتم إطلاعه على البيان، حيث لم يطلعه إيليا خوري على موافقته.
هنا امتنع الوفد الفلسطيني عن الحضور، وعندما علم الراحل الحسين بالأمر، طلب مني أن أحضر اللقاء في الموعد المحدد، وقابلت وزير الخارجية البريطاني منفردا، وكان للصحف البريطانية، اليوم التالي من ظهوري مع وزير الخارجية، من دون الوفد، تعليقات سلبية، حول عدم التزام المنظمة بموقفها.

• لهذه الأسباب دعمت مؤسسات رسمية أردنية في ذلك الوقت عطاالله عطاالله (ابو الزعيم) في حضوره أردنيا؟
- في تلك الفترة، جرى إغلاق مكاتب فتح، وطلب من ابو جهاد مغادرة الأردن، ووقعت حادثة جامعة اليرموك (1986)، التي توفي فيها ثلاثة طلاب. وتزامن ذلك مع ظهور ابو الزعيم، في المخيمات، وتنفيذه لزيارات ميدانية، وعقده لمهرجانات خطابية، كان له فيها مواقف سلبية وناقدة لياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكان مدعوما في وقتها من مؤسسات أمنية وسياسية، وتم توظيف كل ذلك ضد المنظمة، كموقف رسمي، لكن ليس معلنا.
كنت من موقعي في وزارة الخارجية رافضا لهذه السياسات، باستثناء قناعتي ودعمي للاتفاق الأردني الفلسطيني، لكن تلك المواقف كانت تسبب الحرج لموقفنا السياسي، إذ كانت تلقى الرفض وعدم القبول من جهات كثيرة.
ومنذ تلك الأحداث بدأت علاقتنا بمنظمة التحرير تتشعب وتتوتر، وكان فيها محطات من التراشق الإعلامي والسياسي، والاصطفافات التي كانت تنشأ بناء على ذلك.

• في تلك الأيام اغتيل ابو جهاد أيضا؟
- يومها، ايقظني مندوب المنظمة عبد الرزاق اليحيى، في وقت مبكر من الصباح، وأبلغني باغتيال أبو جهاد (نيسان 1984)، وتأثرت كثيرا، لأنني كنت على اتصال مباشر به، وكنت معجبا بهدوء مسلكه ودبلوماسيته، وكان له كاريزما تجعله قريبا من القلب.
أبلغت الرفاعي بعد اتصال اليحيى، وبدأنا نتعامل مع الموقف، وأستأذنت الملك الحسين بالموافقة على دفن ابو جهاد في عمان، ووافق فوراً. وبدأنا بالتحضير لوصول جثمانه من تونس، وبقينا بانتظار موافقة منظمة التحرير، وأسرة ابو جهاد على دفنه في عمان.
واجتمع في مكتبي بوزارة الخارجية كبار المسؤولين لتنظيم سير الجنازة، والمحافظة على الامن، وكان من بينهم وزير الداخلية وقتها رجائي الدجاني، وكنا جادين في الأمر، وهيأنا جنازة مهيبة، تليق بنضالية أبو جهاد، لكن المنظمة واسرة الوزير، التي تقيم في مخيم اليرموك بسورية، قررتا أن يدفن ابو جهاد في سورية.
ولم أخجل عندما صارحت عبد الرزاق اليحيى، بأن عائلة ابو جهاد مخطئة بقرارها المتسرع. 

• قبل الابتعاد أكثر عن مشاركتك في حكومتين متعاقبتين وحملك حقيبة الخارجية فيهما، كان هناك موقف عائلي مؤثر وهو استشهاد عمك ظافر المصري؟
-  كلما تذكرت عمي ظافر أتأثر كثيرا، وكأن الحادثة وقعت أمامي الآن، فهو ليس عما لي وحسب، بل زميل دراسة، فقد قطعنا الطريق إلى المدرسة سوية، وتزاملنا على مقاعد الدراسة عشر سنوات متواصلة على ذات المقعد، وهو رفيق الصبا والعمر.
فظافر، رحمه الله، هو من نفس عمري، وتربينا معا، وكنا كالأشقاء، ولا أذكر في تلك الأيام الأولى أننا افترقنا طويلا عن بعضنا، ونشأت بيني وبينه علاقة تجاوزت علاقة الدم، بل هو كان وما يزال أعز الأصدقاء وأقرب المقربين، ولنا صولات وجولات تلك الأيام، التي كبرنا فيها، وكبر وعينا وهمنا سوية.
استشهد ظافر أوائل آذار (مارس) العام 1986، في حادثة بشعة وبجريمة مدبرة، وبطريقة غادرة. فظافر لم يكن أقل وطنية من الذين أطلقوا عليه الرصاص غدرا، كما أنه لم يخالف مبادئه الوطنية الفلسطينية السامية، وإلا ما سر التفاف الناس حوله وتذكرهم له حتى يومنا هذا.

• كان رحمه الله عند استشهاده رئيسا لبلدية نابلس؟
- لقد كان زعيما وطنيا قبل ذلك، وله تأثيره على مجتمعه بطريقة عفوية، فشخصيته الكاريزماتية أكسبته شعبية واسعة، وتركت له رصيدا من محبة الناس، جعلته مرجعا لنابلس وأهلها، فهو شخص مؤمن بقناعاته، ولا يستعرض بقوله أو فعله. ظافر، رحمه الله، كان شخصية غريبة ذلك الزمن، فهو رغم صعوبات الحياة، التي واجهها، كان يسري في الليل بين الناس، يتفقد أحوالهم خلال ظروف الاحتلال الصعبة، ولم يكن يخشى في الأمر أي قوة، تمنعه عن ممارسة ذلك، فهو كان محبا لأهله وناسه ومؤمنا بقضيته.

• لكن لقصة تسلمه بلدية نابلس قبيل استشهاده موقف تاريخي، يُسجل لنابلس وأهلها؟
- صحيح؛ فاسرائيل كانت حلت البلديات المُنتخبة في الضفة الغربية بعد الاحتلال، وعينت ضباط احتلال، كرؤساء للبلديات، فساءت كل أحوال المدن، وحدثت فوضى لا مثيل لها في حياة الناس.
في تلك الظروف القاسية، ونتيجة لغياب أي فرص لتنظيم المجتمع المحلي؛ بدأت الأصوات تعلو، بضرورة حل يخرج الناس من هذه الفوضى والتخريب. وأمام واقع بأن لكل مدينة في الضفة الغربية خصوصيتها، فقد أصبح هناك مطلب في نابلس، بأن يتولى رئاسة بلديتها شخصية معروفة، مثل ظافر المصري، ولكن ليس بتكليف من الاحتلال بل بمسؤولية من منظمة التحرير الفلسطينية ومن الأردن، حيث لم يقبل ظافر أي طرح، يقول بتسلمه البلدية بتكليف من سلطات الاحتلال.
وبدأ الترتيب للفكرة، من خلال الاتفاق مع خليل الوزير (ابو جهاد)، الذي كان مسؤولا عن الجبهة الغربية، كما تم الاتفاق مع الحكومة الأردنية على دعم هذا القرار.
وقد كنت ذلك الوقت شاهدا على هذه الاتصالات والموافقات، فقد أصطحبت عمي ظافر إلى المسؤولين الأردنيين وقتها، فذهبنا إلى زيد الرفاعي، الذي كان رئيسا للوزراء، وزيد بن شاكر، الذي كان قائدا عاما  في المملكة، وله صلة بالأمن القومي، وكان يدعم تلك الزيارات ابو جهاد ويباركها على طريق تقديم ظافر كرئيس لبلدية نابلس.

• هل تم تعيينه رئيسا للبلدية بدل انتخابه؟
- اعتقد بأن ظافر استلم مسؤولية رئاسة البلدية بطريقة أهم من الانتخاب، وقطعا أهم من التعيين.
فظافر كان حريصا على أن لا يخطو أي خطوة إلا ضمن مفهوم وطني فلسطيني، فقد كان محسوبا على فتح وقريبا من قياداتها.
 تم الاقتراح حينه أن يتسلم رئيس وأعضاء مجلس إدارة غرفة تجارة نابلس، الذي كان ظافر رئيسه، رئاسة بلدية نابلس، بعد التنسيب بذلك، ومباركة المنظمة الفلسطينية، وفعلا أصبح رئيس وأعضاء غرفة التجارة رئيسا وأعضاء لمجلس بلدية نابلس. واجتمع المجلس في غرفة التجارة، وكانت جماهير المواطنين خارج مبنى الغرفة، وساروا في مظاهرة شعبية حاشدة، وصولا إلى مبنى البلدية، ويتقدمهم ظافر وأعضاء الغرفة، بل حمل ظافر على الأكتاف، واقتحموا به البلدية واستلموا مقاليد المسؤولية بهذه الطريقة. 

• هل سمحت إسرائيل بذلك؟
- هي استسلمت للقرار، فالإرادة الشعبية لأهل نابلس في تلك الحالة تسببت في إجبار الاحتلال على إعادة النظر في طريقة تعامله مع الرفض والاحتجاج المحلي، كما أن رئيس البلدية وأعضاء المجلس الجديد يشكلون عمقا اجتماعيا مهما، فهم ليسوا قيادات بالصدفة، فهم نالوا ثقة الناس عن سابق جدارة واستحقاق، لذلك كان لهم حضور مؤثر في الشارع وعلى الناس.
كما أن هناك قيمة أخرى لاستسلام الإسرائيليين للقرار، وهي مباركة الأردن لهذه الخطوة، وهو مؤشر قد جعل اسرائيل تغض الطرف على ما قام به أهل نابلس مع البلدية.
وهو درس مهم يذكرنا بقدرة الشعوب على كسر قيود أي حصار واحتلال عبر الإرادة الصادقة.

• وكيف استشهد رحمه الله؟
- بعد نحو أربعة أشهر من تسلمه رئاسة البلدية، وفي آذار "مارس" العام 1986، باغت مجرم جبان، قليل المروءة والرجولة، مريض فكريا ونفسيا، عمي ظافر بإطلاق رصاص الغدر عليه، دون مواجهته، حيث أطلق رصاصاته الغادرة من الخلف. والغريب والمُستنكر في أمر استشهاد ظافر بأن اغتياله بهذه الطريقة الغادرة جاء خلال واحدة من جولاته التفقدية لأحوال أسر من أهل نابلس.
فقد كان ظافر شخصية صاحبة مسؤولية صادقة، وأقول هنا بكل قناعة وإيمان، بأن ظافر أرهقه العمل العام، وتحمله للمسؤولية، وكان يخاف التقصير بواجباته في العمل العام، وكان يصل ليله بنهاره، دون أن يهدأ في ممارسة أعماله، التي كان يؤديها بكل مثابرة حبا لنابلس وأهلها، وقد لقب بأبي الفقراء. وبعد استشهاد ظافر فُجع الجميع باغتياله، حيث أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مسؤولياتها عن اغتياله.
في تلك الأيام، أعلن الحداد العام في نابلس، ورُفعت الأعلام السوداء، وجرت له جنازة خرجت فيها نابلس عن بكرة أبيها، حيث تناقلت الصحافة العالمية نبأ استشهاده.
كما أعلن ياسر عرفات بأن ظافر هو شهيد حركة فتح، ومنظمة التحرير الفلسطينية.
وأذكر بأن أشهر مجلة سياسية في فرنسا، واسمها (لانوفل أوبزرفاتور)، وضعت صورة ظافر على غلافها في الصفحة الأولى، كما احتوت الصفحة الأولى من الغلاف أيضا صورة لرئيس الوزراء السويدي المشهور "أولف بالمه"، الذي اغتيل في نفس يوم استشهاد عمي. لقد كان خبرا مؤلما ومُفجعا، وزاد من وجعي بوفاته بأني لم أستطع المشاركة في جنازته وتقبل العزاء فيه.

• ولماذا لم تستطع أن تكون هناك في هذا الظرف الصعب؟
- كنت وزيرا للخارجية في الحكومة الأردنية، وهو ما كان يمنعني من زيارة الضفة الغربية المحتلة، وهذا أمر كان صعبا علي جدا، فقد انقطعت عن رؤية الأهل والأقارب هناك لمدة طويلة.
حتى والدي، رحمه الله، لم استطع حضور جنازته، وتقبل العزاء فيه لذات السبب، وكل ما كنت استطيع فعله هو أن أطلب من أسرتي هناك بأن يأتوا بوالدي على الجسر بسيارة إسعاف، وأمضي معه فترة من الوقت، لأراه ثم يعود هو لنابلس وأنا إلى عمان. كانت أياما صعبة، حتى عند وفاة والدتي، رحمها الله، فبالكاد استطعت أن اتدبر الأمر واللحاق بجنازتها في نابلس.

• وكيف استطعت دخول نابلس؟
- كان هذا بعد توقيع اتفاقية وادي عربة، وبعد تبادل العلاقات الدبلوماسية والرسمية، ففي 1-1-2002 توفيت والدتي رحمها الله في نابلس، فطلبت من وزير خارجيتنا عبد الإله الخطيب أن يسهل لي عملية الذهاب لنابلس، وفعلا فقد سهل لي الإجراءات وجاء بسيارة من سفارتنا بتل أبيب أقلتني إلى نابلس، واستطعت حضور التشييع والعزاء. 

• بالعودة لذاكرتك السياسية في تلك الأيام، كانت لك محطة مهمة في مؤتمر القمة العربية في عمان، الذي عقد تحت عنوان "قمة الوفاق والاتفاق"؟
- قمة عمان العام 1987، والتي انعقدت بشعار جسد أهدافها، وهو "الوفاق والاتفاق"، كانت محطة مهمة في تاريخ المملكة السياسية، فليس سرا ما بذله الراحل الحسين في التحضير للقمة ودعوة الرؤساء العرب، حتى المتخاصمين، لحضورها، فحضرها الخصمان المزمنان حافظ الأسد وصدام حسين.
عقدت قمة عمان "الوفاق والاتفاق" بعد انقطاع طويل للقمم العربية، فنتيجة الأحداث العربية المتلاحقة، انقطع عقد القمم، وتعطلت دورية الانعقاد لأسباب تتعلق بحرب بيروت من جهة، والأوضاع التي عايشتها منظمة التحرير بعد خروجها من بيروت من جهة أخرى.
كان لأحداث بيروت تبعاتها، كما كان لصعوبة انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الذي رحب الملك الحسين باجتماعه في عمان، وبدأ التحضير بعده لاتفاق عمان بين الأردن والمنظمة، والمقاطعة العربية لمصر بعد اتفاق كامب ديفيد، كلها أسباب أثرت على انتظام مواعيد عقد القمم العربية.
وكان ملك المغرب ما يزال رئيسا للقمة العربية، وكان يريد الراحل الحسين ضخ دماء جديدة في أجندة القمم، فعمل الراحل جاهدا على عقد القمة في عمان، وكان محقا في ذلك، لأن وضع الشرق العربي كان مضطربا، بسبب الحرب العراقية الإيرانية وخطرها على دول المنطقة.
كان صدام حسين يخوض تلك الحرب بالإنابة عن منطقة الخليج بأسرها، وهو الذي قدم التضحيات في تلك الحرب، وكان الملك حسين يريد من القمة أن تهدئ النفوس العربية، وبالتحديد بين سورية والعراق، ونجح الحسين في الضغط على الأسد وصدام لحضور القمة.
كنت وزيرا للخارجية وقتها، وكنت شاهدا على الجهود الكبيرة التي بذلها الحسين لترطيب الأجواء العربية الملبدة بالخلافات، وحاول بكل قوته إجراء مصالحات بين الرؤساء الذين حضروا القمة.
تم الترتيب للقمة بطريقة منظمة، واستحسن الحضور تلك الترتيبات وسلاسة الإجراءات وجدول الأعمال وقراراتها.
لكن كان لا بد من أن تحدث اخطاء أو هفوات، وأذكر جيدا كيف أن ياسر عرفات دخل اجتماع القمة متجهما، ويبدو على ملامحه الغضب الشديد، وعرفنا بأن سبب غضبه هو مستوى استقباله بالمطار، حيث استقبله رئيس الحكومة زيد الرفاعي وليس الراحل الحسين، وكان يريد أن يستقبله الحسين، كونه رئيسا لمنظمة التحرير التي تمثل الشعب الفلسطيني، وأظهر عرفات مشاعره الغاضبة تلك خلال اجتماعات القمة. وطبعا، أظهرت متابعات في بعض الإعلام الفلسطيني هذا الغضب.

• تزامن ذلك أو تبعه بوقت قليل اندلاع الانتفاضة الأولى للشعب الفلسطيني؟
- بعد أيام من انتهاء القمة العربية في عمان؛ خرجت مظاهرة من احدى مدارس خان يونس للبنات بقطاع غزة، وصادف أن مرت شاحنة عسكرية اسرائيلية، وقامت بدهس اربع من البنات واستشهدن. واندلعت من غزة أولى الاحتجاجات على هذه الجريمة البشعة، وكانت احتجاجات موجهة ضد الاحتلال الإسرائيلي.
ومن هناك بدأت الانتفاضة الفلسطينية، وأخذت طابعا نضاليا، لم تعهده مفاهيم المقاومة في العالم، حيث استعمل الحجر، وكانت انتفاضة شعبية سلمية، في مواجهة مُحتل إسرائيلي مدجج بالسلاح.
وقد أدخلت المقاومة الفلسطينية وتجربتها النضالية تعبيرا جديدا إلى لغة التعبير عن كافة الانشطة الشعبية بالعالم، وهو الانتفاضة.
طبعا الانتفاضة الفلسطينية أخذت وضعها على الأرض، وحصدت الإعجاب بنضال هذا الشعب الصامد، وبتضحياته التي يبذلها على الأرض، كما صاغت الانتفاضة الفلسطينية من جديد معاني الوحدة العربية في دعم القضية الفلسطينية.
وأمام هذا الظرف الجديد، كانت لنا في الأردن وقفة داعمة لانتفاضة الشعب الفلسطيني، وقد وجه الراحل الحسين كل أجهزة الدولة للتعاون مع الشعب الفلسطيني وتقديم الدعم المادي والمعنوي على المستويات كافة، كما كانت عمان هي الممر الآمن لإيصال كل المساعدات والمعونات العربية إلى الداخل الفلسطيني.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:20 pm

سياسي يتذكر- الحلقة الثامنة
المصري: بداية تفكير الحسين بقرار فك الارتباط كانت في قمة الجزائر



  • الراحل الملك الحسين والراحل ياسر عرفات يترأسان مباحثات مشتركة في عمان في الثمانينيات




الراحل الملك الحسين والراحل ياسر عرفات يترأسان مباحثات مشتركة في عمان في الثمانينيات

محمد خيرالرواشدةعمان - فيما يواصل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري سرد ذكرياته السياسية عن مواقع شغلها، فإنه يكشف في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، موقفه الرافض لقرار "فك الارتباط" وخروجه من حكومة زيد الرفاعي بسبب ذلك الموقف.
ويستكمل المصري كيف أن موقفه الرافض للقرار دفعه لتقديم استقالته من الحكومة، وأن الرفاعي أجل الأمر حتى يتسنى له إجراء تعديل وزاري خرج فيه المصري وآخرون.
ويسرد أبو نشأت كيف أن خروجه من حكومة الرفاعي قبل أربعة أشهر من أزمة "هبة نيسان" وانهيار الدينار، زاد من حظوظه السياسية، خاصة بعد دخوله في حكومة زيد بن شاكر الأولى نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.
ويقدم المصري في حلقة اليوم وصفا لكيفية تعامل الأجهزة الحكومية والرسمية مع الأزمة، وكيف لرجال البنك المركزي محمد سعيد النابلسي ونائبه ميشيل مارتو الفضل الكبير في ذلك.
وكان المصري قد شرح في حلقة أمس جهود الأردن لدعم الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير الفلسطينية، وكيف حاولت أن تُقنع المنظمة بضرورة الاعتراف الفلسطيني بقرار 242 الذي يعزز موقف الفلسطينيين أمام العالم.
لكن المصري، يشير إلى أن المنظمة كانت متحفظة على القرار، حيث أفشلت في اللحظات الأخيرة جهود لقاء كان سيجمع وفدا أردنيا فلسطينيا مشتركا مع رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر في لندن. وبين المصري، كيف أن هذه الحادثة كانت سببا في تداعيات التوتر بين الراحل الحسين وأبو عمار، حيث أدى التوتر لإغلاق مكاتب فتح في عمان.
واليوم يواصل المصري سرد ذاكرته السياسية ويوثق لحظات التحول الديمقراطي الأولى في البلاد من خلال سياسة الانفتاح التي انتهجها الراحل الحسين، وصنع من العمل السياسي والديمقراطي مفتاحا لحل أزمة اقتصادية كانت تهدد أمن واستقرار البلاد.
وفيما يلي التفاصيل:
• نهاية الثمانينيات، بفترة بدء الانتفاضة، تعامل الأردن مع مفاجأة الدعوة لقمة الجزائر، حيث لم يمضِ على تسلم الأردن لرئاسة القمة العربية سوى أشهر معدودات؟
- تماما؛ فبعد 7 أشهر هاتفني وزير الخارجية الجزائري أحمد طالب الإبراهيمي، وطلب مني زيارة الأردن، واستقبله الملك الحسين في قصر بسمان في أيار (مايو) العام 1988، وقابل الملك، وحضر اللقاء رئيس الوزراء زيد الرفاعي وأنا كوزير خارجية، وفاجأ الإبراهيمي الجميع بأن الجزائر ترغب بدعوة القمة العربية للانعقاد في عاصمتها خلال حزيران (يونيو) 1988، وذلك بسبب تطور الأوضاع والاتجاهات بالنسبة للقضية الفلسطينية والانتفاضة.
هنا ظهر الغضب الشديد على الراحل الحسين من هذا الاقتراح، واعتبر أن الدعوة موجهة لتغيير رئاسة القمة من الأردن، خصوصا وأن الأردن لم تتجاوز مدة تسلمه الرئاسة أكثر من 7 أشهر، حيث اعتبر الحسين الدعوة تحجيما وتقليلا من شأن الدور الأردني في الضفة الغربية ودعم الانتفاضة، وأنهى الراحل الاجتماع بشكل كان واضحا فيه غضبه واستياءه من طلب الجزائر.
كما أذكر بأن الرفاعي الذي عارض الأمر بشدة، أبلغ الإبراهيمي بأن الموعد المقترح لعقد قمة الجزائر سيحرمه من حضور حفل تخرج ابنه الوحيد من جامعة هارفرد، كناية عن استهزائه بالطلب الجزائري.

• لكن القمة انعقدت، حتى مع رفضنا لها واعتبارها بأنها موجهة ضد الأردن، كما أننا شاركنا فيها؟
- نعم؛ فلم يغب الأردن عن قمة عربية، وكان الحسين رحمه الله حاضرا دائما في صورة أي عمل عربي يعزز قيم التضامن والعمل المشترك.
ذهبنا لقمة الجزائر وحضرنا اجتماعات القمة التحضيرية، وكان فاروق القدومي (أبو اللطف) يمثل منظمة التحرير، وكان الوفد الفلسطيني برئاسته، وقد كان الوفد مُتحفزا للحصول على المزيد من الدعم، ويريد من ذلك تجيير الانتفاضة بكل تداعياتها لمنظمة التحرير وإضعاف الدور الأردني من وراء ذلك.
وكانت الحدة والنزاع داخل لجنة الصياغة لبيان القمة واضحين، وقد كان يمثلنا في اللجنة المرحوم طلال سطعان الحسن، ونقل إلينا أن موقف ممثل الوفد الفلسطيني موقف مؤذ وغير منصف بحقنا.
حضرنا القمة، وكان يرأس وفد المملكة الراحل الحسين، وبمشاركة الرفاعي وأنا ومروان القاسم وعدنان أبو عودة.
وباعتقادي هنا، ولست جازما في ذلك، بأن لحظة بدء التفكير بقرار فك الارتباط بدأت من تلك اللحظة خلال قمة الجزائر.

• ألم تكن بصورة قرار فك الارتباط، أو حتى لم يتسرب لك شيء عنه؟
- منذ اختتام أعمال قمة الجزائر، وإلى أن أعلن قرار فك الارتباط، في 30-7-1988 غُيبت تماما كوزير خارجية عن هذا الأمر.
لا أستطيع أن أشهد بما تم داخل المؤسسة الرسمية في القصر في هذا المجال.
أذاع الملك الخطاب، وذُهلت عند سماعي لذلك القرار، وأذكر جيدا أنني توجهت عشية الخطاب لحضور عشاء رسمي، كان مقررا عند الأمير الحسن، وقد تحدثت معه في الأمر، وقلت وقتها كلاما حادا حول القرار.
عندها قررت أن لا أبقى في الحكومة، وأبديت وجهة نظري في قرار فك الارتباط في مجلس الوزراء، الذي عُقد بعد خطاب الملك، حيث تم اتخاذ إجراءات قانونية، منها إلغاء وزارة شؤون الأرض المحتلة.

• ما هي وجهة نظرك في القرار؟
- كانت باختصار وبوضوح تتلخص في أنه لا يجوز التخلي والتنازل عن أرض أردنية بقرار صوتي، حيث تم تغيير جنسية مئات الألوف من الأردنيين نتيجة لذلك، وهو قرار لم يتم إشراكهم فيه، وبدون إرادة منهم، وبدون أي إجراء قانوني.
كما أن هؤلاء السكان أصبحوا أردنيين، بموجب قوانين وتشريعات مقرة سابقا وبشكل دستوري.

• لكن، أنت خرجت في تعديل على حكومة الرفاعي وليس استقالة؟
- ظاهريا صحيح، لكنني أبلغت الرفاعي برغبتي في الاستقالة بعد قرار فك الارتباط مباشرة، وبدوره طلب مني أن أمهله لحين قيامي كوزير خارجية بتمثيل الأردن في اجتماع لجنة جامعة الدول العربية السباعية، التي تشكلت لدعم العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، وفعلا فقد كان لوزراء خارجية الأردن والسعودية (سعود الفيصل) والكويت (وقتها صباح الأحمد الجابر الصباح) تأثير مهم على صدام حسين، وقد كان يثق برأينا.
ذهبت لبغداد مباشرة، وعدت منها على متن طائرة خاصة، حيث أقلني وزير الخارجية المغربي عبدالواحد بلقزيز معه في الطائرة، وما أن حطت الطائرة في مطار الملكة علياء، حتى وجدت من ينتظرني ويبلغني بأن علي التوجه إلى مطار ماركا، للانضمام لرئيس الوزراء الرفاعي لوداع النائب الأول لرئيس الوزراء العراقي طه ياسين رمضان، وهناك أبلغته باجتماعنا في بغداد.
بعد ذلك أخذني الرفاعي إلى غرفة جانبية، لكي نتحدث بتفاصيل زيارة العراق وموقفي من قرار فك الارتباط.
ومن هناك تحدث الرفاعي مع الراحل الحسين، وأبلغه بأن وزير الخارجية عاد من بغداد، وبجعبته أخبار عن العراق، خرجنا من الغرفة أنا والرفاعي، وإذ بالمودعين لم يغادروا بعد، ذهبنا مباشرة إلى الملك الحسين، وأجلسني رحمه الله إلى جانبه، وتحدثنا بموضوع العراق، وقرار الخميني في ذلك الوقت حول وقف الحرب، وكنت أعلم بأن الملك يريد أن يتحدث مطولا في الأمر، وقد كان مهتما بموضوع العراق، ومهتما في ذلك الحين بالضغط من أجل أن يقبل طارق عزيز أن يقابل سكرتير الأمم المتحدة خافيير بيريز ديكويار، والبحث في تفاصيل قرار مجلس الأمن بموضوع إعلان إيران وقف الحرب وبداية هدنة طويلة.
كنت أود أن أكمل في موضوع قرار فك الارتباط، لكن الحسين استعجل الحديث عن العراق، لكي يتسنى له اللحاق بموعد آخر.
وتأخر أبو سمير (الرفاعي) في البت بموضوع استقالتي، لحين أن عاد وطلب مني تمثيل المملكة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي عُقد في جنيف وليس في نيويورك، بعد أن رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرة دخول لياسر عرفات لحضور اجتماعات الجمعية.
فقررت الجمعية العامة نقل اجتماعاتها إلى جنيف، وهي المرة الوحيدة التي نقل فيها اجتماع الجمعية العامة من نيويورك، وذلك حتى يتمكن عرفات من حضور مناقشات البند الفلسطيني.
وأبلغني الرفاعي أيضا أن الأردن له دور في جسر الهوة بين منظمة التحرير، وعرفات بالذات، مع إدارة الرئيس الأميركي ريغان ووزير خارجيته شولتز، وكانت كل الجهود تتمحور حول الضغط على المنظمة وعرفات وإصدار بيان فلسطيني ينبذ الإرهاب، حتى تتمكن إدارة ريغان من التعامل مع منظمة التحرير.
وبالفعل كان للأردن دور بهذا الموضوع، وشعرت بأن هناك فائدة وخدمة لدفع الاعتراف بالمنظمة من الإدارة الأميركية.
ذهبت إلى جنيف في كانون الأول (ديسمبر) العام 1988، حيث تحقق الدور الذي كنا نتطلع إليه، في التقريب بين وجهتي النظر الأميركية والفلسطينية، وبدأت إدارة ريغان بالتعامل مع المنظمة، بعد أن أصدرت الأخيرة بيانا نبذت فيه الإرهاب.
بعد اجتماعات جنيف عدت إلى عمان، واستقلت من حكومة الرفاعي في 21-12-1988.
صحيح أنها لم تبدُ استقالة، لأن خروجي من الحكومة جاء في تعديل وزاري، أجراه الرفاعي، وخرج بموجبه سامي جودة والدكتور زيد حمزة، وأنا، لكنني اعتبرتها استقالة وكذلك الرفاعي.

• هل شعرت بأن هناك غضبا تجاهك على خلفية موقفك من قرار فك الارتباط وطلبك الاستقالة؟
- أبدا؛ ولم يتغير أي شيء، فالراحل الحسين يعرفني جيدا، وكذلك الرفاعي، كما أن موقفي من قرار فك الارتباط لا علاقة له بموقف إقليمي، يمكن لأحد أن يتهمني به، بل كان معارضة لقرار رسمي أردني، أعربت من خلاله عن معارضتي الشديدة للقرار وللأضرار التي ستترتب عليه، وهي مسؤوليتي كوزير في الحكومة، عليه أن يعارض إن كان هناك قناعة لديه، بأن أي قرار رسمي سيضر بمصالح الدولة ومصلحة الوطن.
فقد قمت بمعارضة القرار كوزير أردني في الحكومة الأردنية، ومن منطلق شعوري بالمسؤولية، خالفت القرار وعارضته، ولم يكن عندي أي سبب آخر، والجميع يعرف ذلك.
ولك أن تتخيل بعد أن غادرت حكومة الرفاعي، وتقدمت باستقالتها، بعد نحو أربعة أشهر من خروجي منها، وبعد أن تقرر تكليف الشريف زيد بن شاكر بتشكيل الحكومة، فقد اتصل بي وأبلغني بأنه مكلف بتشكيل الحكومة، وطلب مني الدخول فيها.
ثم ليس من الإنصاف أن أُتهم بمعارضة قرار فك الارتباط فقط، ففي كل الحكومات التي شاركت بها كان لي مواقف معارضة من الداخل، وفي حكومة الرفاعي الأخيرة عارضت بشدة سياسات حكومية في التعامل مع الإعلام والسيطرة عليه، كما انتقدت بشدة الطريقة التي تعاملت بها الأجهزة الأمنية مع حادثة جامعة اليرموك الشهيرة.

• وهل وافقت على الدخول في حكومة أبو شاكر؟
- قلت له "أنتوا قررتوا" أن أخرج من وزارة الخارجية، فهذا ما فهمته من اتخاذ قرار فك الارتباط، فقال: لكن أريدك نائبا لرئيس الوزراء وزير دولة للشؤون الاقتصادية، واعتبرت ذلك التكليف الجديد اعترافا من الدولة بصحة موقفي السابق، وأن منصب نائب رئيس الوزراء هو تعويض معنوي لي، بدلا من وزارة الخارجية، وهذا ما شعرت به وقتها.
طبعا، شعرت بمسؤولية كبيرة، ولا أنكر ترددي في القبول بسبب الأوضاع الاقتصادية الحرجة، التي كانت تمر بها المملكة، بعد أزمة انهيار الدينار وأحداث هبة نيسان، لكني وافقت.
وسأشرح لك لاحقا كم أفادني الخروج من حكومة الرفاعي، وعودتي ضمن فريق حكومة زيد بن شاكر، فقد كان الأمر نجاة لي من أحداث هبة نيسان، وأسبابها وتداعياتها، وقد خدمتني هذه الصدفة في النجاح بانتخابات مجلس النواب الحادي عشر.

• وهل تعاملت من موقعك الجديد مع التفاصيل خلال أزمة انهيار الدينار وإفلاس الخزينة، وهل كان لك الدور المؤثر في الحكومة بهذا المجال؟
- انهيار الدينار أدى إلى أضرار جسيمة على المواطن، فالدينار انخفض لنحو 50 % من قيمته التي كان عليها.
طبعا لم يكن لدينا أي خبرة بمثل هذه الظروف، وما زاد من العبء فقر الخبرة بمجال سداد الدين في الحكومات التي سبقت حكومة ابن شاكر.
وقد كنا في حكومة ابن شاكر، أنا وباسل جردانة وزير المالية، وكان إبراهيم عز الدين وزير دولة لشؤون رئاسة الوزراء، وهو الوزير المقرب من أبو شاكر، فقررنا البدء بتغيير محافظ البنك المركزي، وبالفعل جئنا بمحمد سعيد النابلسي رحمه الله، واتفقنا على أن يكون ميشيل مارتو نائبا لمحافظ البنك المركزي، وهما شخصيتان صاحبتا مصداقية ونزاهة، وللأمانة كان لهما فضل كبير في شفاء الاقتصاد الأردني وتعافيه وعودة استقرار الدينار، فهما أصحاب خبرة وجدية في العمل.
طبعا لم يكن التعاطي مع الأزمة بالموضوع السهل، فقد بلغت كلفة سداد المديونية 900 مليون دينار في العام 1988، وكنا قد توقفنا قبلها عن سداد فائدة الدين، وبدأنا فعلا بوضع الإجراءات للتعامل مع الموضوع، واكتشفنا أن خدمة سداد الدين بلغت بعد مدة قصيرة نحو 1.2 مليار دينار للعام 1989، وكان وضعنا المالي بالغ الصعوبة، ومن هناك بدأنا بمشروع الإصلاح الاقتصادي، وبدأنا نتعاون مع صندوق النقد الدولي.
وتفاجأنا بأن الأمور كانت في غاية الفوضى، حيث لم تكن هناك جهة مركزية محددة تحصر مديونية المؤسسات الرسمية، فكانت بعض المؤسسات تقترض وتحسب ديونها على المملكة، في حين إن الفوضى المالية تدب في أوصال الأجهزة الرسمية.
كما زاد من مضاعفات مشكلتنا الاقتصادية إفلاس بنك البترا، والذي كان له أثر سيئ على موضوع أزمة ما بعد انهيار الدينار.
وكان ذلك نتيجة لتحويلات الدولار، والمضاربات به، وهو ما اشتغل عليه كثيرون في وقتها، ومن الطبيعي فقد كان إفلاس البنك سببا في تأثر الآلاف من الناس سلبيا بضياع أرصدتهم.

• كيف تعاملت مع الأحداث بعد هبة نيسان، وإقالة حكومة الرفاعي، وتكليف شخصية عسكرية مثل الشريف زيد بن شاكر، للقيام بمهمة سياسية خطرة وهي تهدئة الشارع وإعادة الأمور إلى نصابها؟
- ميزة الراحل الملك الحسين أنه استوعب ما حدث وأسباب ذلك الحدث؛ هبة نيسان وتداعياتها، وقد استطاع الراحل أن ينظر إلى المستقبل باستراتيجية واضحة.
وتصرف رحمه الله منذ اللحظة الأولى، وقام بإقالة الحكومة، وقد حمدت الله على خروجي من حكومة الرفاعي قبل هذه الأحداث، كما أن الحظ خدمني كثيرا في العودة لحكومة ابن شاكر.
طبعا نجحت تجربة أبو شاكر في الحكومة، وقد كان لهذا النجاح أسباب تتعلق بالتوجهات الجيدة والخبرة الواسعة لأعضاء فريقه الحكومي، وقد كان ساعد أبو شاكر الأيمن الوزير إبراهيم عز الدين.
كما كان لهذه الحكومة ميزة نسبية مهمة، عن كل الحكومات السابقة، فهي وعلى الرغم من أنها جاءت في أعقاب أعمال شغب واسعة في المملكة، نتيجة الأوضاع الاقتصادية، إلا أن هذه الحكومة التي ترأستها شخصية عسكرية مخضرمة، ألغت حالة الطوارئ، وقد كانت حكومة براغماتية، وكان لها أيضا اتجاهاتها الواضحة والجريئة، وكمثال على ذلك فقد عطلت هذه الحكومة المادة 8 من قانون الانتخابات، إلى جانب الكثير من الأمور التي انعكست إيجابيا على أجواء الحريات العامة واستعادة التوازن السياسي الاجتماعي في البلاد.
كنت جزءا من المطبخ الحكومي، الذي كان يضم أيضا باسل جردانة وإبراهيم عز الدين ومروان القاسم.

• لكن هذه التوجهات كانت مشفوعة بإرادة الراحل الملك الحسين السياسية؟
- لا شك في ذلك، لكن أستطيع القول إن أبو شاكر وفريقه الوزاري استطاعوا أن يترجموا توجيهات الحسين عمليا على أرض الواقع، وكان من شأن تنفيذ هذه التوجيهات أن عبرنا من الأزمة الاقتصادية بأدوات سياسية.
كانت حكومة أبو شاكر الأولى حكومة انتقالية بمهمات محددة، وكان على رأس هذه المهمات استئناف الحياة الديمقراطية، وإجراء الانتخابات النيابية للمجلس الحادي عشر، والبدء بمشروع التحول الديمقراطي.
كان الراحل الحسين يريد أن تُجرى الانتخابات بأقصى درجات النزاهة والحيادية، وكذلك فعل في أمور تتعلق بالانفتاح على الحريات العامة.
حتى إن الحسين هو من اقترح فيما بعد إنشاء لجنة متخصصة تُعنى بمتابعة أوضاع حقوق الإنسان.
فقد التقط الحسين اللحظة وذهب بنا جميعا إلى بر الأمان، نتيجة سرعة استجابته لمتطلبات الإصلاح والتطوير والتغيير، فقد كانت هيبة الدولة محفوظة، والثقة بين المواطن والمسؤول على درجة من الاحترام، وهو ما تم الاستثمار به بشكل جيد، على مستوى وطني، لذلك تجاوزنا الأمر.
من أجل ذلك اقتنع المواطن بجدية الدولة في الإصلاح، وهو ما دفعهم للمشاركة الإيجابية في الحياة السياسية، فقد اختلف الجو العام 180 درجة.
فالإسلاميون عادوا لمزاولة نشاطاتهم السياسية، بعد أن كانوا مغيبين لسنوات طوال عن العمل السياسي، وتم تجميد مواد قانونية كانت تعيق العمل السياسي في البلاد، كما أن نهج الدولة باستعادة توازن عمل المؤسسات الرسمية وتبييض صفحة تلك المؤسسات مع المواطنين من ناحية الثقة والمسؤولية، كل هذه الأسباب دفعت بهم للاقتناع بجدية مسار التحول الديمقراطي.
ولا أقلل هنا من أهمية العامل الزمني في تحقيق كل ذلك، فالراحل الحسين لم يستغرق وقتا طويلا في اتخاذ القرارات وتنفيذها، وكان حاسما في التغيير، ومُسرعا بالخطوات، وكان يعرف جيدا أين الهدف الذي يريد الوصول إليه، لذلك كانت انطلاقة التحول الديمقراطي في ذلك الزمن انطلاقة صحيحة، وميزتها مشاركة ألوان الطيف السياسي والاجتماعي بخطواتها كافة، بدون أن يترتب على ذلك أي كلف أو أضرار أو تبعات على الدولة مؤسسات وأفرادا.
وهنا يجب أن أتحدث بصراحة؛ فقد كان لتوجهات الحسين الإصلاحية تلك الحقبة المهمة من تاريخنا السياسي الأثر، ليس في إقناع المواطنين وحسب، بل استطاع أن يؤثر بنا نحن كوزراء في الحكومة، فمن شدة قناعتي بتوجهات الحسين الإصلاحية قررت خوض الانتخابات النيابية، واستقلت أنا وعبدالله النسور من الحكومة وترشحنا لانتخابات مجلس النواب الحادي عشر، أنا عن الدائرة الثالثة في عمان، وعبدالله النسور عن محافظة البلقاء.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:23 pm

( الحلقة التاسعة )
طاهر المصري: مضر بدران زار بغداد سرا عشية حرب 91

طاهر المصري ورئيس الوزراء الأسبق مضر بدران العام 1991
محمد خير الرواشدة
عمان - يروي رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" كيف صنع شخصيا قرار مشاركته في انتخابات مجلس النواب الحادي عشر العام 1989.
ويستزيد المصري في شرحه حول الطريقة التي نفذ فيها حملته الانتخابية، حاجزا لنفسه، المقعد الثالث في الدائرة الثالثة في عمان، وسط منافسة شديدة.
كما يروي المصري في ذات الحلقة كيف دخل حكومة مضر بدران في أول تعديل عليها، حيث دخل معه بموجبه ولأول مرة في تاريخ الحكومات الأردنية، 5 نواب من الإخوان المسلمين، وكيف كان وزيرا للخارجية وكيف اتخذ قرار المشاركة في الحكومة.
وكان المصري كشف في حلقة أمس موقفه الرافض لقرار "فك الارتباط"، وخروجه من حكومة زيد الرفاعي بسبب ذلك الموقف.  
ويسرد أبو نشأت كيف أن خروجه من حكومة الرفاعي قبل أربعة أشهر من أزمة "هبة نيسان" وانهيار الدينار، زاد من حظوظه السياسية، خاصة بعد دخوله في حكومة زيد بن شاكر الأولى، نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.
كما وثق المصري لحظات التحول الديمقراطي الأولى في البلاد، من خلال سياسة الانفتاح التي انتهجها الراحل الحسين، وصنع من العمل السياسي والديمقراطي مفتاحا لحل أزمة اقتصادية كانت تهدد أمن واستقرار البلاد.
ويخصص المصري اليوم جزءا من حديثه حول ذكرياته الأولى في مجلس النواب الأشهر، الحادي عشر، وكيف بدأت أزمة العراق في حينه، وبعض التفاصيل عن سياسة حكومة مضر بدران في تلك الأحداث، والزيارة السرية التي قام بها بدران حينها إلى بغداد.
كما يؤرخ المصري للحظة انقطاع الاتصالات واللقاءات الشخصية بين الزعيمين الراحلين الملك الحسين والرئيس العراقي صدام حسين.
في حلقة اليوم يستكمل المصري تاريخ مشاركته السياسية في المواقع التي أشغلها، وكيف كان له في مجلس النواب الحادي عشر محطة سياسية مهمة، نقلته لأعلى مراتب العمل السياسي في البلاد.
وفيما يلي التفاصيل..
• ترشحت لانتخابات 1989، ونجحت في ظل منافسة شديدة، لكن كيف استقلت من الحكومة؟
- قبل أن أقول كيف استقلت، فقد مضى على عملي الحكومي تلك السنة 25 عاما، وكان عملا حكوميا متنوعا. لا أنكر أن أساس خبرتي في العمل العام اكتسبتها من العمل الحكومي، بين البنك المركزي والوزارة والسفارة، ولم أكن أتوقف عند تجربتي في النيابة الأولى العام 1973، فقد كانت انتخابات تكميلية، أجراها مجلس النواب باقتراع داخلي، كما أن فترة تعطيل مجلس النواب كانت طويلة بين عامي 1973 - 1984 الذي عاد فقط بمهمة تعديل الدستور، ليتعطل بعدها.
لقد شعرت بجدية الحسين في التغيير، ومن خلال متابعة الطريقة التي أدار فيها شؤون البلاد وإخراجها من عنق الزجاجة اقتصاديا وسياسيا بعد أن سمح للعاصفة بالعبور، وأن هناك ملامح للتغيير صارت واضحة، كما صار واضحا بالنسبة لي بأن هناك قوى شعبية ستذهب للانتخابات.
في داخلي تشكلت قناعة راسخة بأن مركز القوى الجديد الذي سينشأ في البلاد هو مجلس النواب، وبدأت أفكر بأني وبعد أن حصلت على الشرعية الحكومية من خلال تواجدي في مواقع عامة كثيرة، فقد رغبت في البحث عن شرعية شعبية من خلال ترشحي للانتخابات النيابية، وكعادتي أفكر بأموري بهدوء وبشكل موضوعي ومنصف، وأكون عادة صادقا مع نفسي حتى أصل للقرار الصحيح.
ففكرة الترشح للانتخابات كانت مشابهة لفكرة ترشحي للانتخابات التكميلية لمجلس النواب العام 1973 لكن في الأمر مجازفة أكثر، وكنت أفكر بالتوازن التالي: فهل أبقى بيروقراطيا حكوميا أم أذهب باتجاه مجازفة قد تكون كلفها باهظة وأدخل إلى نشاط سياسي جديد لأحظى بثقل أكثر؟؟
وبعد أن أصبح لدي شبه وضوح برغبة الترشح؛ ذهبت لأبي شاكر، حيث كنت على علاقة قوية به، وسألته عن رأيه بخطوة ترشحي، فأجابني فورا بأنه يهمه أن يكون في مجلس النواب أعضاء مثلي.  ثم ذهبت لمضر بدران وكان رئيسا للديوان، وسألته عن رأيه وهل لي حظوظ بالفوز، وقال لي بأنه سيجيبني خلال 48 ساعة، وبعد انقضاء الموعد رجعت إليه وبارك الخطوة، وقال إن لي فرصة في المنافسة والفوز.
استقلت من الحكومة بأيلول (سبتمبر) 1989 أنا وعبدالله النسور، وكان موعد إجراء الانتخابات في تشرين الثاني (نوفمبر).

• وهل فعلا جرت الانتخابات بدون أي تدخل من مؤسسات أمنية أو رسمية؟
- أنت تغمز من قناة جهاز المخابرات العامة، وإن كان تدخل فعلا في تلك الانتخابات، وأقول هنا بكل ضمير مرتاح، كل أجهزة الدولة نفذت توجيهات الراحل الحسين، بدون أي خطأ أو تقصير، وقد كانت إرادة الملك حاسمة في إجراء انتخابات نزيهة وصادقة، وهذا ما حدث فعلا. 
وهنا أورد موقفا بسيطا عن جهاز المخابرات، ومديره طارق علاء الدين تلك الفترة، فقد كان أبو عمار في زيارة لنا في العام 87 أو 88 وكان يأتي معه فريق من منظمة التحرير الفلسطينية، وكان عادة ما ينزل في قصر الضيافة، الذي كان في موقع المركز الوطني لحقوق الإنسان اليوم. 
ذهب أبو عمار وفريقه لتناول طعام الغداء في قصر الندوة بدعوة من الراحل الحسين، وكنت أنا أذهب بصفتي وزيرا للخارجية، وذهب معي وزير الداخلية في حكومة الرفاعي حسن الكايد، وجلسنا لجوار بعضنا، فسألني عن أحد الأشخاص الجالسين من الناحية المقابلة في الزاوية، وعن موقعه في منظمة التحرير الفلسطينية، فقلت له هذا مدير مخابراتنا، وكان وزير الداخلية فعلا لا يعرف شكل المدير، فمدير المخابرات لم يكن كثيرون يعرفونه إلا بالاسم، ولم يكن يعرفون رسمه، إلا القليل حتى من رجال الدولة.
وعندما أبلغت طارق علاء الدين بعدم معرفة الكايد له، ضحك وقال: استغربت منه عندما صافحني وهنأني بالسلامة، وسألني عن أوضاع الأهل في فلسطين.

• بالعودة إلى ترشحك للانتخابات، على ماذا اعتمدت، خصوصا وأنك رجل شغل مواقع رسمية، في حين كان هناك ازدحام في ترشح المعارضة التي تمتلك أسلحة الخطابات الرنانة؟
- بدأت حملتي الانتخابية فعلا، وكل ما اعتمدت عليه هو مواقفي، التي اتخذتها داخل الحكومات، التي شاركت بها. صحيح أن مواقفي لم تكن معروفة على نطاق واسع نتيجة تقييد الإعلام، وعدم تعدد وسائله كما اليوم، لكن الناس يعرفون ويتناقلون المواقف في جلساتهم العامة، وعلى الأقل ما يزال البعض يتذكر موقفي في الاستقالة من حكومة الرفاعي، رفضا لتداعيات قرار فك الارتباط، فقد كان النبأ يتم تداوله بشكل محدود، وهو ما عزز موقفي ضمن المعادلة الجغرافية التي لا نستطيع إنكار تداعياتها على أي انتخابات تجري.
لكن المشكلة التي واجهتها كانت بعدم وجود ماكينة انتخابية، وعدم وجود تجربة حقيقية سابقة لي في الانتخابات. فكما قلت لك فإن الانتخابات التكميلية لمجلس العام 1973 لم تتطلب جهدا في البحث عن الأصوات وتنفيذ زيارات للناس في تجمعاتهم.
وقد كان الإنفاق على حملتي الانتخابية محدودا جدا، صحيح بأن الحملات الانتخابية لم تكن تتطلب أموالا طائلة كما اليوم، لكن حتى حملتي لم تتجاوز حدود المنطق والمعقول، لأن إمكانياتي أصلا لم تكن تسمح بأكثر من ذلك.
والمال السياسي لم يكن موجودا، وذلك لأسباب تتعلق بأن قانون الانتخاب أصلا لا يسمح بذلك، لأن أصوات الناخب كانت بعدد مقاعد دائرته الانتخابية، كما أن الناس أنفسهم لم يتعاطوا مع ابتزاز المال السياسي، ولم يستسلموا له في ذلك الوقت.
في حملتي الانتخابية قد أكون أول من ابتكر فكرة المقر الانتخابي على شكل خيمة، وقد استعرتها من سمير قعوار، فقد كان لديه خيمة عسكرية جاء بها من باكستان خلال إحدى سفراته. وأعتقد أنه وبعد ذلك أخذت المقرات الانتخابية شكل الصواوين التي صرنا نألفها في الانتخابات.
ومن هناك بدأت بتنفيذ زيارات إلى العائلات والأصدقاء والأقارب، وقد كانت معظم الحملات الانتخابية تدار من خلال الزيارات إلى المنازل والتجمعات.
صحيح أن العملية الانتخابية كانت أبسط منها هذه الأيام، لكنها كانت مضنية جدا.
فقد كانت المنافسة في الدائرة الثالثة صعبة، وقد ترشح فيها كل من ليث شبيلات وفارس النابلسي وعلي أبو الراغب وممدوح أبو حسان وفخري البلبيسي ومحمود الكايد؛ وغيرهم.
كانت الحملة قاسية جدا، وكل ما اعتمدت عليه فقط اللقاءات الضيقة التي كان يرتبها لي بعض الأصدقاء والأقارب، وكان من المهم زيارة أكبر عدد ممكن من الناخبين، لأن قانون الانتخاب للعام 1989 كان يسمح للناخب بالتصويت بحسب عدد مقاعد دائرته الانتخابية.
نجحت فعلا في الانتخابات وحصدت المقعد الثالث في الدائرة، بعدد أصوات 6800 صوت، بعد ليث شبيلات ومحمد فارس النابلسي، كما نجح في المقعد الرابع عن المقعد الشركسي منصور مراد، وعن المقعد المسيحي فخري قعوار.
شهدت الانتخابات تنوعا سياسيا مهما، ونجح في الانتخابات تلك 23 نائبا يمثلون الإخوان المسلمين، ونحو 12 نائبا يمثلون التيار اليساري والقومي، وكان باقي الناجحين لهم اهتمامات سياسية أيضا.
لم ينعقد المجلس بعد الانتخابات مباشرة، بل تم إعلان افتتاح الدورة العادية الأولى بعد نحو أسبوعين أو ثلاثة، وكانت هذه المهلة مهمة حتى يتسنى للنواب الفائزين أن يتعرفوا على بعضهم وإنشاء كتل نيابية.
طبعا كتلة الإسلاميين كانت جاهزة، وقابلتها كتلة اليساريين والقوميين، وكنا كبقية بصدد تشكيل الكتلة الأكبر، بعدد 28 نائبا، وأسميناها الكتلة الوطنية. هذه هي التوجهات السياسية الرئيسية الثلاثة داخل مجلس النواب، وكنا كاتجاه وسطي الأكثرية، لكن الإسلاميين يتفوقون علينا بوحدة الموقف، فكتلتهم كانت تصوت بموقف واحد على أي تشريع أو قرار.

• برأيك ما سبب هذا التنوع في أعضاء مجلس النواب الحادي عشر؟
- أعتقد أن الناخب في تلك الانتخابات صوت بغضب، نتيجة الأوضاع التي سبقت مرحلة الانتخابات، لذلك تنوعت اختيارات الناخب من بين المرشحين، وظهر هذا التنوع السياسي المهم في أعضاء المجلس.

• ولماذا اخترت الكتلة الوطنية؟
- لقربها من لوني السياسي، فأنا وسطي وقد كانت داخل الكتلة شخصيات عامة، عرفتها من خلال دخولي في الحكومات، كما كان هناك تجانس فيما بين بعض أعضاء تلك الكتلة.
رشحتني الكتلة لرئاسة لجنة الشؤون الخارجية، وألقيت خطابا في الرد على بيان حكومة مضر بدران، وعلى الرغم من وجود عوني المصري وزيرا للتخطيط، إلا أنني أعلنت موقفي من سحب الثقة بالحكومة، إذا لم تنفذ مطالب الكتلة الوطنية، والتي كانت تتعلق بإلغاء الأحكام العرفية.
وبدأت الأجواء داخل المجلس تأخذ جرأة أكثر، وتأثيرا في الدورة الأولى من عمر المجلس، والذي كان رئيسها المرحوم سليمان عرار، فطرحت بجرأة مواضيع وقصص الفساد.
وشرعنا في محاكمات الفساد، وكان التصويت على إحالة المتهمين من قبل اللجنة النيابية المختصة كالتالي: قرار تحويل الرفاعي لم ينجح، وقرار حنا عودة لم ينجح، في حين نجح قرار إحالة محمود الحوامدة إلى القضاء، لكن بعد صدور العفو العام من الراحل الحسين، توقفت معالجة المجلس لهذا الملف.
بعدها أصدر زيد الرفاعي بيانه الشهير، ردا على قرار المجلس، بوجود أدلة كافية في قضيته، وقد كان بيانا قويا بلغته وهاجم المجلس فيه، في تلك الفترة كان رئيس مجلس النواب الدكتور عبداللطيف عربيات، وقد أحال برقية الرفاعي إلى النائب العام، بتهمة التشهير والإساءة إلى مجلس النواب، ومثل الرفاعي أمامه في أكثر من جلسة. 

• لم تبق نائبا فترة طويلة، فقد دخلت وزيرا للخارجية في حكومة مضر بدران بعد التعديل؟
- صحيح؛ فبعد احتلال العراق للكويت وتفاعلات هذا الأمر، على وضع المنطقة بشكل عام، وعلى وضع الأردن بشكل خاص، خصوصا وأن سوء فهم وتقدير موقفنا السياسي مع العراق انعكس على علاقاتنا مع الدول العربية الشقيقة والدول الأوروبية الصديقة، والولايات المتحدة بشكل سلبي، حتى أصبحنا شبه معزولين عن محيطنا وحلفائنا.
رغم كل هذه التأثيرات السلبية مع محيطنا وفي الإقليم، إلا أن الحكومة والراحل الحسين شعرا بأن الجبهة الداخلية كانت متماسكة بشكل لا مثيل له، وكانت القيادة والشعب في صف واحد، في وجه كل تلك التحديات بتلك المرحلة.
أراد الراحل الحسين أن تنعكس هذه الأجواء على حكومة تشارك فيها جماعة الإخوان المسلمين على وجه التحديد، وهذا ما جرى.
ففي التعديل الوزاري على حكومة بدران الذي دخلت فيه وزيرا للخارجية، دخل معي خمسة وزراء من نواب جماعة الإخوان المسلمين.

• هل قبلت بعرض مضر بدخول الحكومة مباشرة؟
- لا؛ فقد طلب مني أبو عماد أن أدخل في حكومته في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 1990، وكان هذا في مكتبه في مجلس الأمة، فاعتذرت له، لقناعتي بأن بدران لم يكن يخطط لإدخال القوى الديمقراطية في حكومته، كما كنت مقتنعا بأن وجود الإخوان المسلمين وحدهم في حكومة بدران سوف يجعل الحكومة رهينة لقراراتهم.
قلت لمضر عندما طلب مني المشاركة في حكومته، ولتجاوز العقدة التي ذكرتها قبل قليل، أن يُدخِل في الحكومة ممثلين عن التيار الديمقراطي، لكنه قال لي: بأن التيار لا يرغب في الدخول.
بعد ثلاثة أيام من ذلك الاجتماع، وفي 1-1-1991 طلبني بدران لبيته، وأبلغني بأن دخولي في حكومته هي رغبة الملك الحسين؛ وطبعا امتثلت لرغبة الحسين.
بعد لقائي مع مضر في مكتبه أبلغني أن أداء اليمين الدستورية ظهر نفس اليوم، وخرجت من عنده، وإذ بعبدالله النسور يدخل بعدي، وقد عرفت بعدها بأن مضر أراد أن يُدخل النسور في الحكومة، لكن أبو زهير طلب من مضر أن يكون نائبا لرئيس الوزراء، ورفض مضر أن يوزر النسور، لكن بقيت علاقتهما مميزة. طبعا قبل أن يبلغني بدران برغبة الحسين دخولي الحكومة وزيرا للخارجية، التقيت الوزير إبراهيم عزالدين، وسألني ماذا قررت، وقبل أن أجيب، قال لي: شارك فالحكومة بعد التعديل لن تطول لأكثر من 6 أشهر.

• أديت اليمين الدستورية وزيرا للخارجية في حكومة بدران الثالثة وبعد إجراء التعديل، وكانت علاقاتنا الخارجية شبه مقطوعة، هل كانت المهمة سهلة؟
- لقد كانت المهمة غاية في الصعوبة، خصوصا في تلك الأجواء، وقد كانت أول مهمة لي في الوزارة زيارة طهران، وكان ذلك بعد 10 أيام من تسلمي حقيبة الخارجية.
وقد كانت الزيارة تلك أول زيارة لمسؤول أردني منذ خلع الشاه، وقد أجريت هناك محادثات، وبدأنا فعلا بأول اتصال مع إيران، وقد كان ذلك قبل أن تقوم قوات الولايات المتحدة وجيوش التحالف الدولي بضرب بغداد في 15 كانون الثاني (يناير)، وهناك قابلت رفسنجاني وقد كان يرافقني في الزيارة موسى بريزات.
بعد ضرب العراق، وتحدد انسحاب العراق من الكويت، وتوقيع اتفاقيات صفوان، ألقى رئيس الولايات المتحدة وقتها جورج بوش الأب خطابا أعلن فيه أن حل القضية الفلسطينية آن أوانه، كما أعلن مبادرته لعقد مؤتمر سلام دولي.
بعدها مباشرة بدأ وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر زيارته للمنطقة، وفي وقت زار فيه دول المنطقة مرتين؛ فإنه لم يزر الأردن ولا مرة، وكان واضحا بالنسبة لنا بأن ذلك كان تعبيرا عن غضب الولايات المتحدة علينا.  كانت تلك الفترة شديدة الوطء على الوضع الأردني، وعلى الحسين، ولولا أن الملك والنظام كانا مدعومين بشكل لا مثيل له شعبيا، لكن الشعور بالحصار وتضييق الخناق على الأردن صعبا.

• لكن موقف حكومة بدران كان داعما للعراق، وقيل إن بدران زار بغداد سرا حتى وهي تتعرض للقصف؟
- كانت جرعات بدران التفاؤلية بقدرة العراق على الصمود في وجه التحالف الدولي الذي نشأ على خلفية احتلال العراق للكويت، غير واقعية.
وفعلا فقد زار أبو عماد بغداد سرا، وتعرضت حياته للخطر، كما تعرض لمصاعب كثيرة، ولم يكن يريد أن يلفت النظر بالحراسة فذهب إلى بغداد بسيارتين وسائقيهما، وأجرى هناك لقاءات سرية رسمية مع قيادات سياسية عراقية.
وعاد إلى عمان وطمأن الجميع بأن العراق سيستطيع الصمود في وجه الحرب، التي قادها التحالف الدولي ضده، وكان خطابه أمام مجلس النواب مشبعا بالعواطف وعبأ الناس بمعنويات عالية، حتى انتكسنا جميعا بما آلت إليه أوضاع العراق، وقد كنا نجلس أنا وسالم مساعدة إلى جانب مضر وهو يلقي خطابه.
وفي علمي أيضا بأنه كان هناك خلاف قائم بين بدران كرئيس للحكومة مع مستشار جلالة الملك السياسي وقتها عدنان أبو عودة على مضمون رسالة اقترح أبو عودة توجيهها إلى صدام حسين، وكان هذا الخلاف وقع في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1990، وكان فحوى الرسالة يذهب باتجاه تحذير صدام من مغبة استعدائه لدول الخليج، وكان لأبي عودة هدف في أن تكون هذه الرسالة هي سبب في عودة العلاقات الأردنية الخليجية، بعد أن ترفع الحرب أوزارها، فيما كان بدران ضدها، وضد توقيتها، وحسبما علمت أن من حمل الرسالة للسفير العراقي في عمان كان زيد بن شاكر، وكانت الرسالة أقرب لما أراده أبو عودة.
لكن الأهم من هذه الرسالة هو ما آلت إليه العلاقة الشخصية القوية بين الراحل الحسين وصدام حسين، حيث لم يجر بعدها أي لقاء بينهما، ولا حتى اتصال هاتفي على مدى سنوات حصار بغداد، حتى وفاة الحسين رحمه الله.
وتأكيدا لذلك، فقد انشغلنا في عمان على مدار 48 ساعة في استقبال وفود عربية وأوروبية عبر مطار ماركا، كانت تحمل هذه الوفود رسائل وطلبات لصدام حسين يحاولون إقناعه بإنهاء الحرب، وعودة السلام لمنطقة الخليج، وكانت هذه الوفود تريد وساطة الملك الحسين عند صدام، لكن الحسين كان يبعث إلى صدام عبر القنوات الدبلوماسية وخصوصا عبر السفارة العراقية، وكان ذلك بسبب انقطاع الاتصال بين الزعيمين.
وحتى إن أبو عمار (ياسر عرفات) في الساعات الأخيرة من بدء ضرب الطيران الأميركي لمواقع عراقية محددة، طلب أن يلتقي الملك الحسين وهو قادم من بغداد بشكل مستعجل وضروري، ووصل عمان قبل منتصف الليل بقليل، واستأذن عرفات من الحسين في أن يقدم نداء مشتركا من الزعيمين إلى صدام يحثانه فيه على استقبال مبعوث الرئيس الفرنسي وقتها فرنسوا ميتران، لأن في اللقاء ما قد يسمح لميتران بإيقاف أو تجنب الضربة العسكرية ضد العراق، حيث كان من الممكن التوصل لحلول وسط.
ولما جاء عرفات للراحل الحسين اشتكى له بأن صدام مختف منذ أيام، ولم يعد الاتصال به ممكنا، ولهذا فقد جاء لعمان بسرعة للقاء الحسين وطلب دعمه من أجل الاتصال بصدام وإقناعه.
لم يتأخر أبو عمار فبعد ساعتين من وصوله لعمان عاد إلى بغداد للقيام بتلك المهمة، وفي نفس الليلة اغتيل صلاح خلف (أبو إياد)، واختفى أبو عمار، من وقتها ولم نعد نسمع شيئا بعد ذلك، حيث اضطر للذهاب إلى تونس وبقي فيها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:25 pm

سياسي يتذكر- الحلقة العاشرة
المصري يكشف تفاصيل غير معلنة عن تشكيله "لأول حكومة برلمانية"


الملك الراحل الحسين وبجانبه الامير محمد ورئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري وعدد من رجال الدولة بإحدى المناسبات
محمد خير الرواشدة
عمان - يكشف رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، التي تنشرها "الغد"، تفاصيل تحول موقف الأردن الرسمي بعد حرب الخليج الثانية.
كما يكشف تفاصيل مهمة حول الرسالة الشفوية التي نقلها من العاهل المغربي جلالة الملك الحسن الثاني إلى الراحل جلالة الملك الحسين بن طلال خلال زيارة الأخير لباريس ولقائه الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.
وكان المصري قد تحدث في حلقة أمس من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" حول ذكرياته الأولى في مجلس النواب الحادي عشر، وكيف بدأت أزمة العراق في حينه، بالإضافة إلى بعض التفاصيل عن سياسة حكومة مضر بدران في تلك الأحداث، والزيارة السرية التي قام بها بدران وقتها إلى العاصمة العراقية بغداد.
كما أرخ المصري للحظة انقطاع الاتصالات واللقاءات الشخصية بين الزعيمين الراحلين الملك الحسين والرئيس العراقي صدام حسين.
واليوم يستزيد المصري في نشر ذكرياته السياسية ويوثق لأول مرة اللحظات الأولى التي جمعته مع الراحل الحسين ورئيس ديوانه في حينه سمو الأمير زيد بن شاكر، وكيف تم تكليفه بتشكيل الحكومة قبل استقالة حكومة بدران بثلاثة أسابيع.
ويكشف أيضاً تفاصيل تشكيل حكومته، ويؤكد أنها أول حكومة برلمانية تشكلت بالمعنى الصحيح، وذلك بعد قرار استئناف الحياة الديمقراطية.
كما يؤرخ المصري، لكن من دون أن يستزيد في شرح موقفه الشخصي، أولى لحظات توتر العلاقات بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين من خلال كتاب التكليف السامي لحكومته والذي احتوى على نقد لاذع لـ"الإخوان"، بعد تفردهم وسيطرتهم بقرارات وزارتي التربية والتعليم والأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية إبان تسلمهم لهاتين الوزارتين في حكومة بدران.
• بعد أن وصلنا الى ضرب العراق في 1991، وموقف حكومة بدران من تلك الأزمة، وتجاوز أزمة الشارع الملتهب، بقيت أزمتنا قائمة مع الدول العربية ودول الغرب والولايات المتحدة، ثم جاءت دعوة الرئيس الأميركي جورج بوش لمبادرته في عقد مؤتمر سلام بداية للانفراج الأردني وعودة انفتاحه على محيطه ودول الإقليم ودول العالم الغربي؟
-في نهاية آذار (مارس) العام 1991، وبعدما أعلن بوش عن مبادرته للسلام قمت بزيارة إلى دول المغرب العربي كوزير للخارجية في حكومة بدران، ابتداء من ليبيا، إلى أن وصلت إلى المملكة المغربية، وقابلت الملك الحسن الثاني في قصره بالصخيرات، وقد كان معنا الدكتور عبد اللطيف الفلالي وزير الخارجية، وشرحت له خلال ذلك اللقاء الوضع الأردني.
ورد عليّ الملك الحسن بأن حمّلني رسالة إلى (ابن عمه) الملك الحسين، وقال: "إن الموقف الأردني الداعي للمؤتمر الدولي وإلى الحل العربي للموضوع العراقي لن يوصلانا إلى شيء، فقواعد اللعبة بعد احتلال العراق للكويت تغيرت، وعلينا أن نركب القطار في المحطة الحالية وإلا فإنه سيسير بدوننا".
وتابع الملك الحسن رسالته الشفوية للراحل الحسين وأخبرني بأن الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران يتوقع من الحسين الذي سيقابله بباريس في اليوم التالي؛ أن يبلغه بالموقف الأردني الجديد، وقال بأن الولايات المتحدة تترقب هذا الاجتماع وما سيسفر عنه من قرار أردني.
بعد أن أنهى الملك الحسن رسالته؛ شعرت فورا بأهمية كلامه وفهمت معناه بدقة، وتركت الرباط في نفس اليوم، متوجها إلى باريس حيث كان الملك الحسين ينزل في قصر الضيافة، جوار قصر الإليزيه، وقد كان الحسين قد وصل قبلي بساعات، ذهبت لمقابلته مباشرة، وابلغته برسالة (ابن عمه)، وقد كان برفقة الملك الحسين، الأمير زيد بن شاكر يومها.
كانت عينا الحسين تلمعان عندما استكملت الرسالة، وكان واضحا بأن حواسه كلها تحركت وانه أصبح على وشك اتخاذ قرار مهم.
في ذلك اللقاء كان سفيرنا في باريس عواد الخالدي موجودا، وقد نقل إلينا نحن المجتمعين صورة قريبة للرأي الفرنسي في موضوع الأحداث، مباشرة استدعى الحسين رئيس التشريفات فواز ابوتايه، وطلب منه أن يُبلغ الإليزيه بحضور وزير الخارجية الأردني للقاء الذي سيجمع الحسين بميتران.
في اليوم التالي رافقت الملك في زيارته إلى الإليزيه، وكان مع ميتران وزير خارجيته رونالد دوما، وكان ميتران يتميز بهدوئه وكلامه القليل، كما أنه لا يتحدث غير الفرنسية، وبعد تبادل المعلومات والتقديرات حول الأوضاع في المنطقة، أعلن الملك للرئيس الفرنسي بأن الوضع يستدعي مراجعة المواقف والآثار التي ترتبت على الأوضاع السابقة، كما أبلغ الحسين ميتران بأنه ربما هناك ضرورة للتعامل مع النزاع العربي الإسرائيلي، ويحتاج هذا الملف إلى إعادة النظر فيه، وذلك بسبب موازين القوى التي تغيرت، وبالتالي فإن الأردن سوف يتعامل إيجابيا مع المقترحات والجهد الأميركي بهذا الشأن.
مباشرة لاحظت على الرئيس الفرنسي بأن أساريره قد انفرجت، وتم نقل الرسالة إلى واشنطن عبر فرنسا وبشكل سريع، ومن تلك الزيارة بدأ التعامل الدبلوماسي بين الأردن والولايات المتحدة والدول الغربية يعود من جديد.
كما نتج عن ذلك اللقاء أن وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر أعلن رغبته في لقاء وزير الخارجية الأردني في جنيف، وتم ذلك اللقاء، حيث أكدنا على ضرورة أن تسير أمور التحضيرات بشكل سلس ومنفتح، وقد كان معي في اللقاء سفيرنا في الأمم المتحدة فواز شرف، والمدير الخاص لمكتب وزير الخارجية في ذلك الوقت؛ عبد الإله الخطيب.

• ومن هناك عاد الأردن لعلاقته مع العالم؟
- هنا لي ملاحظة يجب أن أوضحها، فقد أمضينا أعواما طويلة نحاول حشد الدعم الدولي لعقد مؤتمر دولي، يتكون من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن والأمم المتحدة، ومندوب عن دول عدم الانحياز، حتى نعطي القضية الفلسطينية ثقلها ونؤكد على ضرورة الإسراع في الحل العادل والشامل.
وقد كانت فكرة المؤتمر الدولي مرفوضة من قبل الولايات المتحدة منذ البداية، ونتيجة كلام ملك المغرب، وموقف الرئيس الفرنسي ميتران ظهر لنا بأن الولايات المتحدة عطلت انعقاد المؤتمر عن قصد، لأنها لا تقبل بالتنازل عن سيطرتها على مفاتيح حل القضية الفلسطينية والشرق الأوسط، وما يترتب على هذا التنازل من قرارات مصيرية تتعلق بإسرائيل، وقد تضر بمصالحها، فهم يريدون لأنفسهم السيطرة على هذا الملف، وقد كان واضحا بأن الصيغة الجديدة لمؤتمر مدريد التي تم الوصول لها في وقت لاحق كانت تؤكد ذلك.
ولذلك لا استطيع أن أفصل التاريخ والواقع عن بعضهما، فما يقوم به وزير خارجية أميركا اليوم جون كيري من جهود، أعتقد أنها تؤدي نفس الدور والنتيجة، فالمرجعية في موضوع الشرق الأوسط والمسار الفلسطيني الإسرائيلي هي مرجعية أميركية وليست الشرعية الدولية، وأعتقد أن هذا الهدف الأميركي بدأ منذ لحظة رفضهم لفكرة دعوة الأردن لعقد المؤتمر الدولي للسلام في نهاية السبعينيات ومطلع ثمانينيات القرن الماضي.
ولعل هذا هو السبب الذي جعل الاتحاد السوفياتي ودول الصمود والتصدي العربية (السودان واليمن وليبيا وسورية) تعارض بشدة موضوع الاتفاق الأردني الفلسطيني، الذي جرى خلال العام 1985، حيث إن الاتحاد السوفياتي كان يظن ان الأردن صديق الغرب والولايات المتحدة، يريد أن يسحب الورقة الفلسطينية من يدهم أو يبعدها لصالح الولايات المتحدة.
بالعودة لموضوعنا؛ فقد تكررت زيارات بيكر إلى المنطقة والأردن، وبدأ يعد لعقد مؤتمر، سمي فيما بعد مؤتمر مدريد، وكان بيكر يعد لهذا المؤتمر وبنفس الوقت كان يضغط علينا لتشديد الحصار على العراق، وتطبيق قرارات مجلس الأمن المتعددة بهذا الشأن، وقد كان بيكر يستخدم ورقة العراق ومقاطعتها بشكل غير مباشر ليحرجنا في موضوع مدريد والتسوية السياسية.

• لم تستمر حكومة بدران طويلا، وفعلا كما قال لك الوزير ابراهيم عز الدين، فقد استقالت حكومته بعد ستة أشهر من التعديل؟
- لقد عرفت فيما بعد، بأن هناك اتفاقا بين الراحل الحسين وبدران على موعد استقالة الحكومة، وبعد تصريحات مضر تحت قبة مجلس النواب حول العراق صار موضوع التغيير أوضح وكان مطلوبا.
استقالت الحكومة في 19 حزيران (يونيو) 1991، وقد كنت أعرف بأني سأكلف بتشكيل الحكومة قبل نحو ثلاثة أسابيع من تقديم حكومة بدران استقالتها، ففي أحد الأيام طلبني زيد بن شاكر على الهاتف، وكان رئيسا للديوان الملكي، وقال لي إن لم تكن لدي ارتباطات مهمة، فيمكنني الانضمام له لتناول طعام الغداء مع الراحل الحسين في قصر الندوة.
شعرت بشيء غريب في الدعوة، كما شعرت بأن الدعوة تحمل في طياتها مفاجأة من عيار مختلف.
وصلنا أنا وابو شاكر لقصر الندوة، وجلسنا على طاولة الغداء، وبدأ الحديث بأمور الوضع الداخلي والبرلمان وقوة جماعة الإخوان المسلمين، كما ذهبنا في التحليل باتجاه الفترة السياسية القادمة وجهود الولايات المتحدة ووزير خارجيتها جيمس بيكر، وقبل انتهاء اللقاء بنحو عشر دقائق، ابتسم الملك تلك الابتسامة الساحرة، وقال لي: هذه الأمور كلها ستكون "برأسك".
فأجبته بكلمة: (إيش)، فرد الحسين بالقول: برأسك وهي مسؤوليتك.
فسألته عن معنى ذلك؟، فقال سيتم تكليفك بتشكيل الحكومة، فقلت له بأنه فاجأني، وبأن قراره قد لا يكون قرارا صائبا.
وأوضحت له بأن الوضع حرج، وأنه إذا تم اختياري، فإن ذلك القرار سيكون مثيرا للجدل، ونصحته بمراجعة قراره و"توزين" الأمور جيدا.
فرد الحسين مباشرة علي: "أنا عارف شو بعمل"، فخرجت مع ابو شاكر، وركبنا السيارة، وسألته عن خلفية قرار الحسين، فقال ابو شاكر: "لا تقلق وسندعمك"، لكني طالبت ابو شاكر بأن يوضح موقفي للراحل الحسين، فإذا قبلت وخضعت للقرار، لكن يجب أن يكون هناك اتفاق على برنامج عمل الحكومة.
طبعا، بعد ذلك الغداء العاصف، لم يحدد الملك الحسين موعدا للتكليف بتشكيل الحكومة، وجلست مع الراحل فيما بعد، وقلت له بأن موضوعي الرئيسي هو إلغاء الأحكام العرفية بشكل نهائي، وكان الموضوع الثاني طلب مشاركة الاخوان المسلمين في الحكومة، وإلغاء القيود الكثيرة المفروضة على العمل السياسي، وحرية الرأي والتعبير، ولم يكن هناك أي خلاف على ذلك، وبدأت وحدي أختار الفريق الوزاري.
وبالفعل اخترت وزرائي بكل دقة، وكانت حكومة برلمانية، وممثلة لكافة المحافظات ومعظم الكتل النيابية.
وكنت جادا في ادخال الاخوان في الحكومة، لكن بذهني أن الوزارات التي حصلوا عليها في حكومة بدران لن تكون متوفرة لهم في حكومتي، خصوصا وزارة التربية والتعليم.

• اذا هي حكومة برلمانية، فقد كنت أول نائب يُكلف بتشكيل الحكومة بعد عودة الحياة الديمقراطية، لكن ألا تعتقد بأن عدم التدخل في اختيار وزرائك أضرك ولم ينفعك؟
-بكل صدق، لم يتدخل أحد في اختيار الأسماء، وكان توجهي الرئيسي هو اختيار وجوه نيابية وغير نيابية، ذات مسار ديمقراطي بالدرجة الأولى، وإذا استعرضت أسماء الوزراء تجد بأن هذه الصفة الرئيسية للحكومة، حتى أن بعض السياسيين والمسؤولين وصفوها بأنها يسارية.
ولا أنكر بأن بعض الوزراء أجبروني على ممارسة الضغوط الشخصية عليهم، لكي يوافقوا على المشاركة في الحكومة.
وأعلنت عن تكليفي بتشكيل الحكومة، من داخل مجلس النواب، وأبلغت رئيس المجلس الدكتور عبد اللطيف عربيات، وأجريت مشاوراتي في داخل قاعات مجلس النواب، وكشفت لعربيات عن رغبتي بدخول الإسلاميين في حكومتي، كما زرت أحمد اللوزي رئيس مجلس الأعيان، آنذاك.
وبعد ثلاثة أيام من تكليفي وإجراء المشاورات النيابية أعلنت أسماء الفريق الوزاري، وكنت أول نائب يُكلف بتشكيل حكومة برلمانية بالمعنى الصحيح.

• نحاول أن نستزيد حول تشكيل حكومتك، كم وزيرا من النواب كان فيها؟
-11 نائبا، وهم طاهر المصري وعبد الله النسور، عبد الكريم الكباريتي، سعد هايل السرور، عبد الكريم الدغمي، محمد فارس الطراونة، سليم الزعبي، عوني البشير، سمير قعوار، جمال حديثة الخريشا وعبد السلام فريحات، وهم 11 من أصل 25 وزيرا هم كامل أعضاء الفريق الوزاري.
هؤلاء يمثلون بعض الكتل النيابية، باستثناء كتلة الإخوان المسلمين، في حين لم تدخل الكتل النيابية التي تشكلت بعد الانتهاء من المشاورات النيابية، والإعلان عن أسماء الفريق الحكومي؛ سواء من كان منهم نوابا أو من خارج المجلس، فقد كانت الحكومة أعلنت عن فريقها وتقدمت بالبيان الوزاري لمجلس النواب.
لم تحصل أخطاء في تأليف الحكومة، وكانت بتقديري، وتقدير قوى في المجتمع؛ حكومة ذات طابع واضح وتتطلع إلى الإصلاح والتغيير وقد اخترت الفريق الحكومي بشكل مستقل، ولم يتدخل أحد في خياراتي.
بينما كنت أطلع الراحل الحسين على الأسماء ولم يعترض عليها رحمه الله، كما أن اتصالاتي مع الكتل النيابية ورئيسي مجلسي النواب والأعيان عبد اللطيف عربيات وأحمد اللوزي لم تأخذ طابعا شكليا، بل كانت مشاورات جدية، التزمت بالتعامل معها، وبما رشحته من أسماء، وما فرضته من برامج، حتى تنال حكومتي الثقة.
تم اختيار الوزراء من النواب على هذا الأساس، لكن كان هناك بعض الاعتبارات الجغرافية، لكافة مناطق ومدن المملكة، وقد تفهمت الكتل ذلك، وقدمت خيارات من أعضائها لتمثل هذا البعد.

• وما هي أولى المهمات التي قامت بها حكومتك، أو ما هو أول القرارات التي اتخذتها؟
-عقدت الوزارة اجتماعها الأول، وكان أمامنا أن نقرر فيما إذا كنا سنتقدم بطلب الثقة لمجلس النواب في المدة المحددة بشهر حسب الدستور، وهو ما يتطلب استئذان الراحل الحسين بدعوة مجلس النواب للانعقاد في دورة استثنائية، أو أن ننتظر إلى أن تعقد الدورة العادية، ونتقدم بخطاب العرش كبيان وزاري نطلب على أساسه ثقة النواب، وقررنا في ذلك الاجتماع أن نتقدم في البيان الوزاري بأقرب وقت، وكأن الدورة النيابية منعقدة، وفعلا طلبنا من الحسين الدعوة لعقد دورة استثنائية، وهو صاحب الصلاحية الدستورية بالدعوة للاستثنائية، وبجدول أعمال محدد، وفيه بند مناقشة البيان الوزاري، والتصويت على الثقة.
لقد رفضت فكرة التأجيل أو الهروب من تنفيذ استحقاق دستوري مهم، أو المماطلة في الالتزام في تقليد سياسي ديمقراطي، وهو طلب الثقة من النواب بأسرع وقت متاح، فقد كانت أمامنا فرصة الانتظار حتى شهر تشرين الأول (اكتوبر)، لتبدأ الدورة العادية في موعدها الدستوري، ومن حق الملك تأجيلها لمدة شهرين، أي حتى كانون الأول (ديسمبر)، لكني كنت متحمسا لفكرة الإسراع في التقدم بطلب الثقة، خصوصا أن حكومتي وُلدت وسط أجواء من الضجة والصخب، سببها اللغط السياسي، والاتهامات الجاهزة، خصوصا بعد الغمز من قناة اللون السياسي لبعض الوزراء، حتى قيل عنها بأنها حكومة يسارية.
كنا في هذا السياق أمام أول خطوة ديمقراطية واستحقاق دستوري، تعاملنا معه ببالغ الأهمية ومنتهى الحذر، فطريقنا لم يكن سهلا إلى ثقة النواب، وقد عانت حكومتي لاحقا ازمات سياسية.
واجهت حكومتي معارضة صعبة، خصوصا من كتلة الاخوان المسلمين، وبعض أقطاب مجلس النواب كما اعتبر بعض النواب أن الشمال لم يُمثل بالحكومة بالقدر الكافي، وبالشكل الصحيح، ما زاد من الانتقادات للحكومة، على الرغم من محاولتنا تحسين التوزيع الجغرافي فيها، ضمن أقل عدد ممكن من الحقائب الوزارية، التي لم تتجاوز 25.
وعكفنا على كتابة البيان الوزاري، والذي أشرف على صياغته علي سحيمات وخالد الكركي، وجودت السبول ومحمد الحموري.
كنا قد استشعرنا أهمية أن يكون البيان واضحا، وفيه خطوات محددة، وهو ما زاد من مسؤولياتنا، فقد كان كتاب التكليف السامي شاملا ومحدد الأهداف.
لم تكن مهمة التقدم بالبيان إلى النواب والمناقشات النيابية حوله بالأمر السهل، بل جرت محاولات جادة لإسقاط الحكومة مبكرا. وقد تحالفت قوى برلمانية من دون قصد، ونشأت جبهة سياسية ضد الحكومة، كانت تضم بعض نواب الشمال، إضافة لنواب الاخوان المسلمين، لحجب الثقة.
حتى أن الراحل الحسين اضطر للتدخل، فقبل جلسة الثقة، التقى رحمه الله مجموعة من هؤلاء النواب، وشرح لهم اهمية هذه الحكومة، ومعنى تكليفها خلال تلك الفترة الحرجة.
ومع ذلك، كانت جلسة التصويت على الثقة صاخبة، حيث حصلت الحكومة على 47 صوتا من أصل 80 نائبا، كانوا أعضاء المجلس الحادي عشر، وحجب الثقة 33 نائبا.

• لكن لماذا عارضك نواب الإخوان، وأنت كنت قادما على رأس برنامج حكومي إصلاحي؟
-لقد كان العنوان الرئيسي لمعارضتهم، بأن هذه الحكومة هي حكومة مفاوضات مع اسرائيل، وأنها جاءت لكي تحجم دور الإخوان في الحياة السياسية مجددا، وخصوصا بعد ضرب العراق (1991)، والحملة على الإسلام السياسي، وأن حكومتي بشكلها الذي جاءت عليه كرست، باعتقاد الاخوان، هذا الأمر.
وظهر في كتاب التكليف السامي للحكومة ما جعل الإسلاميين يشعرون بذلك.

• الراحل الحسين كان حادا في نقده لهم في كتاب التكليف لك بتشكيل الحكومة، وبالتحديد ركز نقده على إدارتهم لوزارة التربية والتعليم، وعلى طريقة استخدامهم لمنابر المساجد، واستغلال ذلك في الهجوم على كل من يخالفهم سياسيا، هل بدأت الأزمة معهم من تكليفك بتشكيل الحكومة؟   
-لا أريد الحسم في مسألة بحجم تاريخ تأزم العلاقة بين مؤسسات في الدولة مع جماعة الإخوان.
لكن ورد في كتاب التكليف لحكومتي ما فيه من غمز واضح ونقد لهم على تفردهم بالقرار، خلال مشاركتهم بحكومة بدران، التي كنت فيها وزيرا للخارجية؛ وجئت بعدها لتشكيل الحكومة، كما يمكن تفسير كلام الحسين في كتاب التكليف بأنه نقد لاذع لاستقوائهم باستخدام منابر المساجد، من أجل تعميم مواقفهم في الشأن المحلي، والتأثير بالموقف السياسي عبر الخطاب الديني والعاطفة والفطرة.
وهذا ما يزال موثقا في الجريدة الرسمية، في عددها 3762 بتاريخ 30 حزيران (يونيو) 1991، وفيها مراسيم تأليف وزارة المصري.
جاء بالصفحة 1008، في الفقرة التاسعة من بند المرتكزات والأهداف بالشأن الداخلي، ما نصه: "لقد وهبنا الله العقل كي نستخدمه، وليميزنا بذلك عن غيرنا من المخلوقات. فتعطيل العقل والاستهانة به، يعني التنكر لهذه النعمة الالهية. إن من أسباب تنامي الفجوة بيننا وبين العالم الأكثر تقدما ورخاء وقوة، والأوفر نفوذا وثروة هو التفاوت في استخدام العقل والفكر في مواجهة المشكلات وحلها.
وعليه، فلابد لبرنامج التطوير التربوي الجاري وضع أسسه الآن، أن يجعل من أهدافه تشجيع أبنائنا على المناقشة والتفكير الموضوعي، وتعليمهم التحليل وزرع القدوة فيهم على بلورة المفاهيم. ولابد أيضا من ايلاء تدريس العلوم كما وكيفا وما يستحقه من اهتمام، اذ إن عالم اليوم هو أيضا عالم العلم والتكنولوجيا. إن بلدا، موارده شحيحة، لا بد أن يركز اهتمامه على تعليم وتدريب وإعداد أبنائه كي يتميزوا، فذلك هو التعويض عن الموارد الطبيعية. إننا بلد لا يمكن أن يملك ترف تعليم تقليدي متخلف عن ركب العصر. إن السياسة التعليمية هي سياسة وطنية، وهي خلاصة توافق المجتمع، فلا يحق لأي كان أن يخرج بها عن مسارها، استنادا إلى اجتهادات شخصية أو عقائدية".
أما في البند الحادي عشر من ذات الفقرة فقد جاء في كتاب التكليف السامي: "نحن شعب عربي مسلم يعتز برسالته وتراثه ويتمسك بهما، وأخلاقنا العربية الإسلامية تعلمنا المحبة والتواد والتكافل والتآخي، وتحرم علينا زرع الأحقاد وبذر الكراهية والشقاق والتنافر والتدابر، وعليه، فإن منابر التوجيه المختلفة من مساجد ومدارس وصحافة ووسائل اعلام أخرى ينبغي أن تنسجم مع ما أمرنا الله به من مجادلة بالحكمة والموعظة الحسنة، ومع ما ورثناه من أخلاق عربية أصيلة تعفّ عن الشتيمة والافتراء والإرهاب الفكري والنفسي، وتمتنع عن تحريض الصغار ودفعهم إلى التهلكة بتزيين الانتحار لهم على أنه استشهاد، فهذه والله جريمة لا تُغتفر، وليست من الدين أو المسؤولية أو الخلق في شيء".
هكذا، وبظني بدأ التوتر في تلك المرحلة مع الإخوان المسلمين، وكان لهذا التوتر ما بعده، خصوصا بعد قانون الانتخاب بصوت واحد، والتطورات الإقليمية، وتباين موقف المؤسسات الرسمية مع الإخوان.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:28 pm

سياسي يتذكر الحلقة 11
المصري: بدعم من الحسين استكملت حكومتي إنهاء حالة الطوارئ


الراحل الملك الحسين وطاهر المصري في لقاء مع رئيس الوفد الفلسطيني لمفاوضات مدريد حيدر عبدالشافي


أمير الكويت السابق المرحوم الشيخ جابر الأحمد الصباح في لقاء سابق مع طاهر المصري

محمد خير الرواشدة
عمان - يستكمل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري في حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر"، حديثه حول المعوقات التي واجهت حكومته حتى بعد إعلان برنامج عملها العام 1991.
ويكشف المصري بعض تفاصيل المعارضة النيابية داخل المجلس، والسياسية من خارج المجلس، والتي شككت بقدرة المصري شخصيا على إدارة الحكومة، وقدرة حكومته على إدارة المرحلة.
ويستزيد المصري في شرح تفاصيل عن برنامج حكومته، والقناعات التي كانت تعبر عنها الحكومة في مجالات وقطاعات الإصلاح الشامل.
ويصل المصري اليوم لأولى إرهاصات الدعوة لمؤتمر مدريد للسلام، ويبدأ التمهيد للكشف عن تفاصيل استقالة الوزراء الخمسة من حكومته، ومقدار الضرر السياسي والشعبي الذي لحق بحكومته نتيجة هذه الاستقالات.
وكان المصري كشف في حلقة أمس تفاصيل تحول موقف الأردن الرسمي بعد حرب الخليج الثانية. كما تحدث حول الرسالة الشفوية التي نقلها من العاهل المغربي الراحل الملك الحسن الثاني إلى الراحل الملك الحسين بن طلال خلال زيارة الأخير لباريس ولقائه الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.
كما وثق المصري لأول مرة، اللحظات الأولى التي جمعته مع الراحل الحسين ورئيس ديوانه في حينه سمو الأمير زيد بن شاكر، وكيف تم تكليفه بتشكيل الحكومة قبل استقالة حكومة بدران بثلاثة أسابيع.
واليوم يبدأ المصري وسيتابع في حلقة يوم غد؛ تفاصيل دقيقة حول موقف حكومته من المشاركة بمؤتمر مدريد للسلام، وتفاصيل أكثر عن الحراك النيابي الذي دفعه للاستقالة من الحكومة.
وفيما يلي التفاصيل:
• في ردك على كتاب التكليف ورد فيه تجاوز على البرتوكول بمخاطبة الملك، من قبل رئيس حكومته، فذيلت رسالة الرد بـ"المخلص" طاهر المصري، وقد كان وما يزال استخدام كلمة "خادمكم" فلان، بروتوكولا في مخاطبة الملك؟
- صحيح؛ وقد ذيلت فعلا ردي على كتاب التكليف السامي بكلمة "المخلص"، وقد كانت المرة الأولى، التي يتم فيها تجاوز البروتوكول بهذه الكلمة، وأذكر كيف أن أمين عام رئاسة الوزراء وقتها سعد جمعة، جاءني ناصحا من حيث تجاوزي لأمر بروتوكولي اعتبره مهما.
فأجبته بأني أقصد معنى هذه الكلمة، وأريد استخدامها مع جلالة الملك، وأن التغيير نهج حكومتي، ولا أجد في تغيير الكلمة أي مساس بأدبيات مخاطبة الملوك، بل إن وقع الكلمة أصدق، وإنها مفتاح العلاقة بين رأس السلطات الدستورية وبقية أعضائها، ولا أذكر بأن أحدا من الديوان الملكي أو المقربين من الراحل الحسين اعترض على الكلمة أو مكان استخدامها.

• أمام المعارضة القاسية التي واجهتها من النواب، هل تعرض برنامجك للتعطل في أي محطة؟
- كان برنامج حكومتي دسما من حيث جدول الأعمال، وكان مطلوبا منا ضرورة الإسراع باتخاذ خطوات إصلاحية ترقى لطموح الشارع، وتستعيد ثقته بالمؤسسة الرسمية، فقد كان برنامجا واضحا بالخطوات والمراحل، وكان قاسيا أيضا في التنفيذ، واعتقد أنه وعلى الرغم من قصر عمر حكومتي مقارنة بعمر التي سبقتها ولحقتها، إلا أننا استطعنا من خلال فريقها، إحداث فرق تشريعي واضح، أثر خلال أيام حكومتي، وما لحقها من الحكومات على مجريات الحياة السياسية والانفتاح الواضح في مجال الحريات وبشكل صحيح.
أول ما واجهته حكومتي بعد الخروج من معترك الثقة النيابية، كان العمل على إلغاء الأحكام العرفية، بتبعاتها كافة، وقد تفهم الحسين مطالبنا واعتبرها استمرارا لمسار التحول الديمقراطي، الذي دشنه الراحل خلال انتخابات مجلس النواب الحادي عشر.
كانت هناك خطوات وإجراءات اتخذت في عهد حكومتي زيد بن شاكر ومضر بدران، وكان لها الدور بالتخفيف من وطأة حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وجاءت حكومتي وأنهت الأمر بلا رجعة.
ثم بدأنا عبر الفريق القانوني المميز في الحكومة، وهم الوزراء محمد الحموري ومحمد فارس الطراونة وتيسير كنعان وجودت سبول وسليم الزعبي، وهم من الكفاءات الوطنية المشهود لها بعملها ونزاهتها في صياغة مشروعي قانوني الأحزاب والمطبوعات والنشر.
كما عدلنا الكثير من القوانين لتتناسب مع ذلك، وأهمها قانون محكمة أمن الدولة، الذي كان حكمه نهائيا، ومن درجة واحدة ليصبح قابلا للتمييز، وأن يكون تمييز الحكم تمييزا موضوعا وليس شكلا. 
كما أن هناك لجنة الأمن الاقتصادي، التي استمرت على مدار سنوات احتلال الضفة الغربية، وجاءت اللجنة لتحل محل القوانين كافة، وقد كان قرارها ملزما.
وتولى الفريق القانوني الكفؤ في الحكومة، وأمضى أياما طويلة ومرهقة في البنك المركزي مع المحافظ المرحوم سعيد النابلسي، ونائبه وقتها ميشيل مارتو، وتم التخلص من كافة هذه التعليمات والقواعد العرفية، وعدنا إلى تطبيق القوانين النافذة. واعتقد أن هذا كان إنجازا حقيقيا للحكومة.

• كان لكم كحكومة ومجلس الأمة بغرفتيه الأعيان والنواب محطة مهمة مع قانون محكمة أمن الدولة، وقد انتصر النواب والأعيان لتعديلاتهم على القانون، حتى بعد أن رده الراحل الحسين، وهي حادثة استثنائية كانت في ذلك الوقت؟
- فعلا؛ فقد كان هذا أول قانون يرده الحسين في عهده كاملا، وهي كانت لحظة فارقة بالحياة السياسية، ليس من حيث أهمية القانون وحسب، بل بالطريقة التي تعاملنا فيها، كسلطات دستورية، وعلى رأسنا جلالة الملك الحسين، فقد تجلت في تلك اللحظة القيم الحقيقية لاحترام الدستور، والطريقة المُثلى التي يتعامل فيها أصحاب السلطات الدستورية بصورة ديمقراطية سليمة وصحية.
استمرت مناقشة مشروع "أمن الدولة" خلال مجلسي النواب الحادي عشر والثاني عشر.
فقد ناقش "الحادي عشر" مشروع القانون، وأقر التعديلات المهمة، التي جاءت فيه، وكذلك فعل مجلس الأعيان، ثم ترك للراحل الحسين القرار بتوشيحه بالإرادة الملكية السامية.
وقبل مضي المدة الدستورية لصدور الإرادة الملكية على أي  قانون، وهي ستة أشهر، رده الحسين للنواب، وهي صلاحياته المنصوص عليها بحسب الفقرة الثالثة من المادة 93 من الدستور.
بعد أن عاد القانون لمجلس الأمة بعد رده، أعاد المجلسان التصويت على المشروع، وانتصرا لتعديلاتهما عليه، وبذلك فاز قرار مجلس الأمة، وكان تفعيلا لذات المادة الدستورية (94) التي جاء في البند الرابع منها "إذا رد مشروع أي قانون (ما عدا الدستور) خلال المدة المبينة في الفقرة السابقة وأقره مجلسا الأعيان والنواب مرة ثانية بموافقة ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل من المجلسين وجب عندئذ إصداره، وفي حالة عدم إعادة القانون مصدقا في المدة المعينة في الفقرة الثالثة من هذه المادة، يعتبر نافذ المفعول، وبحكم المصدق. فإذا لم تحصل أكثرية الثلثين فلا يجوز إعادة النظر فيه خلال تلك الدورة، على أنه يمكن لمجلس الأمة أن يعيد النظر في المشروع المذكور في الدورة العادية التالية".

• كنت وفريقك الوزاري جادين بتطبيق برامج إصلاح شامل في القطاعات المختلفة وضمن مسارات متلازمة؟
- نحن اجتهدنا؛ فقد قدرنا حساسية اللحظة السياسية، ومدى الحاجة لإعادة بناء الثقة الشعبية بالمؤسسات الرسمية، خصوصا بعد أن شعرنا بأننا مدعومون من قوى في الشارع لها احترامها أيضا، فصحيح أن لنا خصوما سياسيين، لكن كان لنا حلفاء سياسيون أيضا؛ وروافع شعبية، لا أقول إننا كنا حكومة حزبية، لكن كان لنا لون سياسي مختلف ومقبول، من شرائح واسعة في المجتمع.
كما أن الفريق الوزاري ضم عددا من الرجالات، الذين يُشهد لهم بالكفاءة وبالوطنية وبالنزاهة، وهذا كان مطلبا شعبيا مهما، وفعلا اتسمنا بهذه الصفات، وسعينا الى أن نكون على قدر هذه المسؤولية.
ما قلته لك الآن؛ هو ما ترك انطباعا إيجابيا في ظل أجواء اقليمية ومحلية كانت متشائمة جدا، وكانت تلك الأجواء متضاربة حول التوقعات بالمستقبل.
لقد انفرجت الأجواء مع تشكيل الحكومة، خصوصا وأن الجميع كان يعرف بتفاصيل برنامجنا الإصلاحي الذي كان يسعى للتقدم عمليا في القطاعات الحيوية، التي تؤثر في حياة المواطن.
لقد وفرت لنا تلك المرحلة كحكومة فرصة في كسب تأييد الشارع من ناحية الإصلاحات المحلية، فلقد كرسنا مناخا من الحريات لم يكن متوفرا في السابق.
كما استطعنا كحكومة تقليص هامش تدخل الأجهزة الأمنية؛ التي كانت لها سيطرتها على الحياة السياسية، وذلك كان المعنى الأهم من إلغاء الأحكام العرفية، وأصبحت مهمة الإدارات الأمنية محصورة في مجالات فنية أمنية، تتعلق بالأمن الوطني، صحيح أن للأجهزة الأمنية دورا مهما في توضيح المعلومات للسلطات السياسية، لكن أيضا من المهم أن لا يكون لتلك الأجهزة أي تصرف يعارض توجهات رأس الدولة وسلطاته الدستورية، وهو ما ترك انطباعات إيجابية عن مرحلة التحول الديمقراطي تلك.


• لكن كل ذلك لم يشفع لحكومتك أمام المعارضة في تخفيف حدة النقد، وبقيتم كحكومة موسومين بأنكم "حكومة سلام"، وقد تكونون دفعتم ثمن تشهير المعارضة بكم؟
-لا أنكر أنه حتى وقبل تشكيل الحكومة، التقت بعض الشخصيات السياسية، وسعت لمعارضة تكليفي برئاسة الحكومة، وكانت هذه اللقاءات تحت عنوان التشكيك بقدرتي على إدارة شؤون الدولة، في تلك الظروف الصعبة، وهناك أسماء كبيرة كانت تلتقي لتهيئة أجواء عدائية ضد الحكومة، فقد ولدت الحكومة وسط أجواء من المعارضة والعدائية، التي إن بدأت تنتقدني شخصيا، فإنها لم تتوقف عند مشاركة حكومتي في مؤتمر مدريد للسلام، وهو المؤتمر الذي شاركنا فيه كلنا، الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية بوفد مشترك، وسورية ولبنان أيضا.
بتلك الفترة لم ألقِ بالا لمعارضة الصالونات السياسية، خصوصا وقد كنت مسلحا ببرنامج حكومي عملي تنفيذي، يجعل المواطن يشعر بالفرق بين حكومة الأفعال ومعارضة الأقوال.
لكن أشد ما واجهته حكومتي هي المعارضة التي شنتها جماعة الإخوان المسلمين، واستخدمت فيها منابر المساجد لتلقي خطبا عنيفة اشتملت على اتهامات جاهزة، وعلى رأسها اتهامنا بأننا "حكومة مصالحة العدو عبر المفاوضات المباشرة".
ساعد في ذلك ما قاله بعض الوزراء الذين استقالوا من الحكومة، وخرجوا في التعديل، من أني صرحت لهم بأن "هذه الحكومة ليست حكومة مفاوضات"، وبنوا كل مواقفهم ضد الحكومة على هذا التصريح، الذي ما أزال حتى الساعة أبحث عن دقته وعن مناسبته أو متى أدليت به فلم أجد.
وكما هو الحال الآن؛ يصدر التصريح من جهة غير معروفة، ويُنسب إلى السياسي، وتثور ثائرة الناس دون التحقق من صدقية القول ومدى انتسابه لقائله.
لكن من حسن الطالع، فقد كان معي بالحكومة رجال أقوياء، وقررنا أن نسير بالأمور وعلى طبيعتها، وأن نتعامل مع الأحداث بحسب الوضع القائم، وتقبلنا بكل ديمقراطية المعارضة وآراءها ومواقفها وحتى حراكها، واحترمنا الحياة البرلمانية بتقاليدها، متجنبين أن نكون سببا مباشرا أو غير مباشر في عودة عدم الاستقرار السياسي أو الاقتصادي للبلاد.
صحيح أننا كنا أمام استحقاق سياسي مهم وخطير وقتها، وهو مؤتمر مدريد للسلام، وأسباب الدعوة إليه والآثار التي قد تنتج عنه، لكن لم نترك وراء ظهرنا أهمية وأولوية تحقيق الإصلاحات المطلوبة هيكليا وإداريا وتشريعيا.
 كان همي هو أن نُحدث التغيير المدروس والمتدرج لكن السريع أيضا في كثير من التشريعات، وقد أعددنا أفكارا، وصغنا مشاريع قوانين هدفها تنظيم الحياة الإدارية بموجب تشريعات.

• مع كل هذه الأجواء الإقليمية من حولكم، شرعتم بصياغة مشاريع قوانين سياسية إصلاحية؟
- سعينا من خلال لجنة حكومية مصغرة في البحث عن قانون انتخاب جديد، واجتمعت باللجنة وأخذت بآراء قانونيين وخبراء.
ولم نجتهد فقط على مستوى تشريعات الإصلاحات السياسية، بل اقتربنا أيضا من محاولة تحقيق معدلات إصلاح اجتماعي، فحاولنا قوننة بعض آثار العادات والتقاليد التي تُسبب قلقا اجتماعيا، في موضوع القتل العمد وغير العمد، وقد كانت "الجلوات" الجماعية تتسبب باضطرابات مجتمعية واسعة، فجئنا بقضاة عشائريين، مشهود لهم في هذا المجال، وسعينا لوضع إطار قانوني، يحكم تداعيات القتل والثأر والجلوات والصلحات، والاتفاق على التحكيم القانوني لها بحدود ترضي الله وتخفف من آثار "فورة الدم" لدى أهل المجني عليهم، وكل ذلك كان بهدف اجتماعي نبيل، هو تشديد الإجراءات في مثل هذه الحالات، وبشكل يخفف كل الآثار الاجتماعية السلبية المترتبة على أهل الجاني، الذين لم يرتكبوا الجريمة، وكانت محاولتنا ليست انقلابا على منظومة العادات والتقاليد، بقدر ما أن يكون تطبيق هذه العادات والتقاليد مقبولا لجميع الأطراف.
أما في الشأن الاقتصادي فقد كنا جادين في تطبيق سياسات ضبط الاقتصاد وكان لرجال الاقتصاد في البنك المركزي والوزارات المختصة الدور المهم في تصحيح سياساتنا النقدية وإصلاحاتنا الاقتصادية، حتى عاد الاستقرار للدينار واستشعر المواطن أن الدولة استعادت زمام المبادرة.
وحتى في مجالات التربية والتعليم العالي، كان في الفريق الحكومي كفاءات لها باع طويل.
من هناك أيضا، سعيت لتكريس مبدأ استقلالية القضاء، وقد زرت المجلس القضائي في أول أيام الحكومة، وكان معي وزير العدل تيسير كنعان، وذكرت المجلس القضائي بأنه سلطة دستورية، نظيرة ومكافئة للسلطتين التنفيذية والتشريعية، وسعيت لحثهم على المطالبة باستقلالية القضاء، والشروع بإصلاح الأساليب الإدارية التي تخدم العمل القضائي في جميع مجالاته الحيوية، وكان أقصى همي هو أن نحقق العدل؛ وأن نجعل قرارات المحاكم مدروسة ومأخوذة بعناية، وأن يستشهد بها في العلوم القضائية والحقوقية، واقترحت على المجلس القضائي أن يضعوا جدول دورات قضائية في الخارج، لتنعكس تلك الخبرة على أداء قضاتنا وسلكنا القضائي ومحاكمنا.
كما وجهت كتابا رسميا لرئيس ديوان المحاسبة وقتها عادل القضاة، طالبته فيه أن لا يستسلم لأي ضغط من أي جهة كانت، وأن يجعل عمل ديوان المحاسبة رقابيا فنيا يسند فكرة تقويم مسارات الجهاز الإداري.
كل هذه الخطط سعينا عمليا لتحقيقها، لكن استمرار توتر الأجواء بيننا وبين مجلس النواب أعاق جهودنا جميعا.
ومباشرة بعد استقالة الوزراء الخمسة من الحكومة، بسبب المشاركة بمؤتمر مدريد، وإجراء التعديل على الحكومة، عاد التوتر من جديد، وعارضت كتل نيابية، قالت إني وعدتها بالتشاور معها في التعديل، وإدخال وزراء منها في الحكومة، وإن هذا لم يحدث. مباشرة تم توقيع المذكرة النيابية من 49 نائبا، وهي كانت المرحلة الثانية من المشكلة، وبداية التفكير في الانسحاب من الوزارة.

• وهل خسرت الحكومة بخروج الوزراء الخمسة نتيجة موقفهم من الذهاب لمؤتمر مدريد للسلام؟
- نعم خسرت؛ لأني كنت مؤمنا بأن الوزراء الذين تقدموا باستقالاتهم وخرجوا بالتعديل الحكومي، وهم عبدالله النسور ومحمد فارس الطراونة وسليم الزعبي ورائف نجم ومحمد الحموري، مع حفظ كريم ألقابهم، كانوا عناصر وطنية وأصحاب كفاءة، وقد كان وجودهم في الحكومة سببا في ترك انطباع عام عن الحكومة، بأنها ذات مصداقية، ولها بعد سياسي وشعبي، وحاولت ثنيهم عن قرارهم، لكني لم أنجح.

• كيف جاءت الدعوة لمؤتمر مدريد، وما هي أصداء مشاركتكم في ذلك الوقت بمؤتمر، ستجلسون فيه مع العدو الإسرائيلي على طاولة واحدة؟
- بدأ الحديث عن مؤتمر سلام دولي منذ أن ألقى الرئيس الأميركي جورج بوش الأب خطابا بعد ضرب العراق وأعلن فيه عن التحضير لمؤتمر سلام، سيكون له دور جاد في حل القضية الفلسطينية، عبر معالجة النزاع العربي الإسرائيلي.
وأعلن في ذات الخطاب أن وزير خارجيته جيمس بيكر سيقوم بجولات على الدول ذات العلاقة، وسيجري خلال تلك الزيارات استطلاعات حول فرص ترتيب وجهات النظر تمهيدا لإعلان موعد مؤتمر السلام.
بداية جولات بيكر على المنطقة لم تشمل الأردن، وقد كان هذا بسبب موقفنا من أزمة العراق، ولك أن تعود لقصة التغيير التكتيكي والاستراتيجي في طريقة تعامل الأردن مع تلك الأزمة مع الولايات المتحدة، وكيف أن الراحل الحسين استمع جيدا للرسالة الشفوية التي حملتها للحسين من "ابن عمه"، ملك المغرب قبل لقائه بالرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران.
بعدها جاء بيكر لزيارة الأردن، وبدأ يضع الأسس لعقد ذلك المؤتمر، لكن بدون تفاصيل واضحة، حتى بدون إعلان أسماء الدول التي ستشارك في المؤتمر، وما حدود مشاركة كل دولة. لم تكن زيارات بيكر تحمل لنا هدفا واضحا للمؤتمر، وكانت هناك تفاصيل كثيرة لم يبحثها بيكر دفعة واحدة.
وكان لدينا تقديرات تشير إلى أن بيكر لا يبحث ذات المواضيع مع كل الدول التي يجول عليها، فقد كان يختار، بظننا لكل دولة يزورها، ملفا مختلفا عن الدولة التي زارها سابقا أو سيزورها لاحقا، وذلك من أجل أن يختار الملفات وفق ما يناسب مواقف الدول المتوقعة، وقد كان بيكر يقوم بذلك ويجمع الآراء والموافقات من الدول المعنية بدون أن يكون صريحا في تلك التفاصيل التي لديه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:31 pm

سياسي يتذكر- الحلقة 12
طاهر المصري: الحسين استعد لحل "النواب" لإطالة عمر حكومتي


المصري رئيسا للوزراء يتحدث في مجلس النواب والى جانبه الدكتور حازم نسيبة

محمد خير الرواشدة
عمان- يتابع رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري سرد ذكرياته السياسية عن حكومته، التي واجهت تحديات كثيرة في وقت قصير، ويستزيد في شرح تفاصيل الدعوة لمشاركة الأردن في مؤتمر مدريد للسلام.
ويروي المصري في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، تفاصيل جلسة مجلس الوزراء التي قررت فيها الحكومة المشاركة في مؤتمر مدريد.
كما يوضح موقف الوزراء المستقيلين من الحكومة على خلفية قرار المشاركة، وسعيه لثنيهم عن استقالاتهم، حتى يخفف من حدة الأجواء السياسية الساخنة من حول حكومته.
لكن المصري يستدرك في تبرير مواقف الوزراء الخمسة المستقيلين، ويعتبرها مواقف مبدئية ومسؤولة.
وكان المصري كشف في حلقة أمس عن بعض تفاصيل المعارضة النيابية داخل المجلس، والسياسية من خارج المجلس، والتي شككت بقدرة المصري شخصيا على إدارة الحكومة، وقدرة حكومته على إدارة المرحلة. ولفت الى أن المعارضة الأبرز لحكومته كانت منذ البداية من كتلة الإخوان المسلمين في المجلس.
كما شرح تفاصيل برنامج حكومته، والقناعات التي كانت تعبر عنها الحكومة في مجالات وقطاعات الإصلاح الشامل.
واليوم يستزيد المصري في توضيح المواقف المتناقضة للقوى النيابية والسياسية والاجتماعية في تلك الفترة السياسية الحرجة، ويبدأ في حلقة اليوم التمهيد لقصة إقناع الراحل الحسين بقبول استقالة حكومته، والانتصار لخيار الدولة الاستراتيجي في عودة الحياة الديمقراطية، عارضا على الراحل الحسين أن يعود وزيرا للخارجية في الحكومة الجديدة، حتى لا يظنن أحد بأنه يتهرب من المسؤولية.
فيما يلي التفاصيل..
• ذيول أزمة توتر العلاقات الأردنية الأميركية نتيجة موقفنا في حرب الخليج الثانية، أو ما فهم أنه دعم منا لصدام خلال قصف بغداد، بقيت تؤثر على زيارات بيكر، التي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة، ويُقال بأنه سعى لابتزاز الأردن لتقديم تنازلات بمشاركته في مؤتمر مدريد مقابل تخفيف حدة الحصار الذي فرض على العراق، وتأثرنا به كثيرا؟
-كان ذلك واضحا، وقد كان لبيكر محطات كثيرة يُذكرنا فيها بموقفنا الرافض لضرب بغداد.
وهنا لا بد من توضيح جوهر الموقف الأردني من الأزمة العراقية الكويتية، وما ترتب عليها من تطورات بقصف بغداد وحصار العراق، فقد كانت مطالباتنا تنحصر بالبحث عن الحل العربي للأزمة العراقية الكويتية، وعدم تدويل الأزمة وعسكرتها، أي عدم الاستعانة بالقرارات الدولية والقوات العسكرية الدولية لحل خلاف عربي عربي، واستثمار دبلوماسية جامعة الدول العربية في هذا المجال، وقد حاول الراحل الحسين جاهدا أن يطوق الخلاف ضمن هذه الحدود، لكنّ هناك دولا عربية استعجلت في دعم ما يخالف خطوة الحسين ورؤيته ونواياه.
لقد حاولت الولايات المتحدة الضغط كثيرا على الأردن من أجل إحكام الحصار على العراق، وكان لديها شكوك واسعة بأننا نصدّر للعراق ما نستورده من بضائع عبر ميناء العقبة.
وكانت تتعرض البواخر التي تحمل لنا البضائع لسلسلة من التفتيش والرقابة في المياه الإقليمية قبل أن تصل العقبة، وكانت هذه الخطوة عقابا اقتصاديا لنا في الأردن، بسبب الشكوك الأميركية لدعمنا للعراق اقتصاديا.
وأذكر انني تحدثت في احدى زيارات بيكر للأردن، إليه، بأنكم تفرضون على البواخر التي تحمل البضائع المصدرة إلى الأردن تفتيشا أمنيا قاسيا يجعلها تتأخر في الوصول لميناء العقبة.
فرد بيكر مباشرة بالقول نستطيع أن نضع نقطة تفتيش دولية في ميناء العقبة، وبذلك لا تتأخر البواخر بالوصول للميناء، وقد كان حلا عمليا من وجهة نظر بيكر.
مباشرة رفضت عرضه، وقلت له إننا في الأردن لسنا مشمولين بقرار مجلس الأمن بفرض الحصار على العراق، وأبلغته بأن عرضه هذا هو مساس بالسيادة الأردنية على أرضها، وعليه أن يفهم بأن مثل هذه العروض ليس مرحبا بها من قبل الحكومة الأردنية.
فطلب مني أن نضع نقاط التفتيش على الحدود الأردنية العراقية شرقا، فأجبته مباشرة: لا مشكلة لدينا؛ إن استطعت وضعها على الأرض العراقية، أما الحدود من جهتنا فلن نسمح بوجود أي قوات عسكرية غير أردنية فيها، انه أمر سيادي أردني غير قابل للنقاش. وبذلك استمر مسلسل التضييق على البضائع التي تصلنا عبر ميناء العقبة، إلى أن انتهت تداعيات الموقف الدولي من حصار العراق علينا وحدنا.

• إذاً كنتم متنبهين لهدف جولات بيكر، وللنتيجة التي يريد أن يصل إليها؟
-بيكر كان يبني المؤتمر بناء، ولم يكن يُقدم للدول التي شملها بجولاته مشروعا كاملا دفعة واحدة. لذلك كان يستحصل على موافقات وتوضيحات حول بنود معينة، أو إجراءات مُحتملة عند كل دولة معنية بالحضور، ثم ينتقل إلى الخطوة التالية، وبقيت جولات بيكر بهذه الحدود إلى أن أصبح واثقا بأن لديه أفكارا وموافقات أصبحت جاهزة، ويمكن البناء عليها بكل ثقة في توجيه دعوة رسمية للدول المشاركة في مؤتمر مدريد.

• ولماذا اختيار مدريد مكانا للمؤتمر، ولماذا لم تختر الولايات المتحدة واحدة من ولاياتها لعقد المؤتمر؟
-في آخر مرة جاء فيها بيكر لعمان، قال إن الولايات المتحدة اختارت عاصمة إسبانيا مدريد لتكون مكان انعقاد المؤتمر ومقرا له، وقال أيضا بأنه حصل على موافقة ملك اسبانيا خوان كارلوس والحكومة الإسبانية.
وأسهب بيكر في تلك الزيارة في شرح أسباب اختيار مدريد، وشدد على رمزية مدريد التاريخية وما كان في الأندلس من تعايش، وعلى مدى قرون طويلة بين المسلمين واليهود. وأراد بيكر من هذه الرمزية أن يوفر لانطلاق المفاوضات بين العرب وإسرائيل من خلال مؤتمر للسلام، بداية جيدة. كما أكد بيكر بأن أسباب اختيار مدريد جاء لميزات أخرى تتعلق بأمن الوفود المشاركة وبعد اسبانيا عن النشاطات الإرهابية.

• وهل تم توجيه الدعوة الرسمية لحكومة المملكة الأردنية لحضور مؤتمر مدريد للسلام بعد تلك الزيارة؟
-نعم؛ تلقينا دعوة موجهة من رئيس الولايات المتحدة جورج بوش ورئيس الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف لحضور المؤتمر.
ولقد ناقش مجلس الوزراء الدعوة والنتائج التي قد تترب عليها، وما إذا كان ذهاب الأردن إلى مدريد هي خطوة على الطريق الصحيح، أم أن آثارها ستكون سلبية على مستويات محلية.
خصوصا وأننا في الحكومة كنا ندرك حجم التعبئة الشعبية ضد أي شكل من أشكال المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
وكنا متخوفين من أن لا تذهب كل الدول العربية التي وُجهت إليها دعوات رسمية، وكانت عندنا سلسلة من المخاوف تجاه حضور مؤتمر مدريد للسلام. وناقش مجلس الوزراء بكل مسؤولية هذه المخاوف، وقد اهتدينا لإصدار قرار مجلس الوزراء بقبول الدعوة بناء على قواعد ومبادئ وثوابت الدولة الأردنية، في تحقيق معادلة سلام تضمن للفلسطينيين حقوقهم وقيام دولتهم، وتطبيق كل قرارات الشرعية الدولية.

• بالعودة إلى تفاصيل استقالة الوزراء الخمسة من حكومتك، كيف جاءت ظروف استقالاتهم، وهل استقالوا فعلا، أم تم إخراجهم بالتعديل الوزاري؟
-هم استقالوا فعلا، وقد تم التعامل مع استقالاتهم على أساس موقفهم من الاستمرار في حكومة قررت الذهاب إلى مدريد، وقد استقالوا في الخامس من تشرين الأول (اكتوبر) 1991، قبل نحو 45 يوما من استقالة الحكومة في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه.
لقد كان الجو العام السياسي واضحا ولا لُبس فيه، وقد كان الجميع يعرفون بتطورات المشهد السياسي الدراماتيكي إقليميا ومحليا.
لذلك هم كانوا على اطلاع على تفاصيل جولات وزير الخارجية الأميركي، فقد كنا أنا ووزير الخارجية عبد الله النسور نضع مجلس الوزراء أولا بأول بصورة التفاصيل.
حتى جاء موعد الجلسة التي قدمنا فيها تقريرا مفصلا لمجلس الوزراء، شرحنا فيه أنا والنسور بكل دقة وصراحة وتفصيل موقفنا الرسمي من الحضور والمشاركة في مؤتمر مدريد، ودار في الجلسة نقاش حام لكنه اتسم بالمسؤولية والصراحة والاحترام.
واعترض ثلاثة وزراء على مبدأ المفاوضات من أساسه، مشككين بجدوى مثل هذه المؤتمرات، وقد كان موقف وزير الأوقاف رائف نجم نابعا من حرصه على أن لا تتأثر مكانة القدس في ملفات المفاوضات، وكان يخشى على مبدأ عودة القدس، وبالتالي مصادرة هويتها الدينية الإسلامية والمسيحية ومكانتها الرمزية.
كما أن عبد الله النسور الذي عرض التقرير وقدمه من موقعه كوزير للخارجية بكل مسؤولية، عارض هو الآخر الموقف الرسمي من مدريد ومفاوضات السلام المباشرة، من موقعه كعضو مجلس وزراء وعضو في مجلس النواب، فاصلا بين مسؤوليته كوزير للخارجية وموقفه كنائب يمثل شريحة شعبية.
انتهى اجتماع مجلس الوزراء عند هذا الحد، ولم يكن هناك أي فكرة أو تصور لتطور الأمور بعد ذلك.
لكن وعلى ما يبدو فقد اجتمع الوزراء الذين استقالوا وحدهم، ثم جاؤوني بعد ذلك بأيام قليلة وتقدموا باستقالاتهم فعلا، حاولت كثيرا ثنيهم عن قرارهم لكن لم أنجح، ثم أعلنا رسميا تقدمهم باستقالتهم، وقبولها ثم إجراء التعديل على الحكومة. ودخل في الحكومة كل من محمود الشريف وزيرا للإعلام، وعبد الرزاق طبيشات وزيرا للبلديات، وكامل ابو جابر وزيرا للخارجية، وقسيم عبيدات وزيرا للعمل، وعز الدين الخطيب التميمي وزيرا للأوقاف والمقدسات الإسلامية، كما تغيرت حقيبة خالد الكركي من وزارة الإعلام والثقافة، إلى حقيبتي التعليم العالي والثقافة.

• وبعدها ذهبتم إلى مدريد؟
-لا؛ فقد بدأ التحضير للذهاب إلى مؤتمر مدريد للسلام، من خلال جمع خبراء أردنيين في ملفات المفاوضات المُفترضة في قصر الضيافة، الذي كان في موقع المركز الوطني لحقوق الإنسان اليوم، وتم تشكيل اللجان بناء على الاستعداد والجاهزية لجولات مفاوضات مفترضة، وما هو جوهر الموقف الأردني منها، وما هي حدود التفاوض وإلى أي مدى يمكن أن نصل فيها.
وقبل أن تبدأ اجتماعات اللجان كنا نبحث عن رئيس للوفد الأردني، وقد كان رئيس الوفد الأردني الرسمي وزير الخارجية كامل ابو جابر، في حين اقترحت على الراحل الحسين أن يرأس الوفد المفاوض أردنيا الدكتور عبد السلام المجالي، لأنه يمتلك مواصفات تمكنه من جدل المفاوضات وطول أمدها، فوافق الحسين رحمه الله. وبدأنا كحكومة في التحضير لخطاب الأردن في مدريد، وصاغه الدكتور خالد الكركي باللغة العربية، لنكتشف بعد أن انتهينا من كتابة الخطاب، بأن الحسين يريد أن يكون خطاب الأردن في المؤتمر خطابا باللغة الانجليزية، وكلف الأمير حسن بكتابته، وألقاه وزير الخارجية ابو جابر.

• وهل كان تشكيل الوفد المشترك بينكم وبين منظمة التحرير الفلسطينية بالأمر السهل؟
-لقد رفض جيمس بيكر من الأساس؛ وخلال جولاته المتكررة على المنطقة، حضور وفد فلسطيني مستقل ومُنفصل عن باقي الوفود في المؤتمر، وتحايلنا على الأمر بحضور وفد أردني فلسطيني مشترك برئاسة الأردن، وحتى أن بيكر قالها صراحة: بأنه سيبحث مع اسرائيل موافقتها على قبول وجود أعضاء من منظمة التحرير الفلسطينية في الوفد المشترك.
وبدأنا العمل مع المنظمة على اختيار الوفد المشترك، ودعمنا نحن استقلاليتهم حتى وهم وفد مشترك معنا، لكن بشرط أن يصارحونا بكل تطورات الموقف عندهم، واطلاعنا على جميع التفاصيل.
وتم توقيع اتفاقية شكلية، جاءت على صيغة مذكرة تفاهم حول الوفد المشترك وكيفية التعامل بيننا، وحدود كل منا في تلك المفاوضات، وكانت مذكرة التفاهم تلك ضمانا حتى لا يقع أي سوء تفاهم بيننا، خلال مشاركتنا في جلسات المؤتمر، كما تم تحديد إطار رسمي لكل طرف، وأبلغنا ابو عمار بأن ياسر عبد ربه سيكون رئيسا للوفد الفلسطيني في هذا الشأن فقط، وأبلغت الراحل الحسين بأننا جاهزون لتوقيع مذكرة التفاهم، وعندما اطلع عليها لم يعجبه ذكر كلمة الكونفدرالية، في مقدمة مذكرة التفاهم، وقال إن هذه الكلمة ليس لها مكان في مثل هذه المذكرات، وهو شأن لا يمكن البحث فيه إلا بعد عودة الحقوق لأصحابها الفلسطينيين.
لكن الحسين لم يعطل سير توقيع المذكرة، عدت لعرفات وقلت له بأني سأوقع المذكرة عن الجانب الأردني، ورد مباشرة بأنه سيوقعها عن جانب منظمة التحرير الفلسطينية. وأكرر هنا بأنها كانت مذكرة شكلية، نظمت حضورنا المؤتمر، بما فيها اللوحة التي كُتب عليها "الوفد المشترك" تجنبا لأي اشكالات محتملة.
حتى أن الوفد الفلسطيني الذي سافر معنا شارك في التحضير للمؤتمر، وكان مقر الاجتماعات المشتركة لنا والمنظمة في قصر الضيافة بين الدوار الخامس والرابع في عمان. بعدها ذهبنا إلى مدريد.

• وهل بقيت حكومتك طويلا بعد الذهاب إلى مؤتمر مدريد؟
-لا؛ فقط أمضت حكومتي تسعة عشر يوما بعد انعقاد المؤتمر، فهو انعقد في 30 تشرين الأول (اكتوبر) واستقالت الحكومة في 21 تشرين الثاني (نوفمبر).
من هناك بدأت المذكرة النيابية، التي وقعها 49 نائبا في وقت سابق بالتفاعل، فالمذكرة وُقعت في فترة خارجة عن سياق الدورة البرلمانية العادية، والنظام الداخلي لا يسمح بمناقشة المذكرات النيابية، إلا خلال الدورات البرلمانية العادية. وقد جاء استحقاق دعوة مجلس الأمة للانعقاد دستوريا، في الفترة الممتدة من 1 تشرين الأول (اكتوبر) وحتى الأول من كانون الأول (ديسمبر)، وهو الموعد الذي يعتبر فيه مجلس الأمة مدعوا من دون حاجة لإصدار إرادة ملكية تدعوه للانعقاد.
طبعا زاد الحديث عن المذكرة، وزاد التشدد في الدعوة لتقديمها والتصويت عليها في أول الدورة البرلمانية، وقد زاد من حمى المذكرة إجراء التعديل على الحكومة ومن دون دخول النواب من الكتل المعارِضة للحكومة، كما أن نواب الحركة الإسلامية كانوا وراء التعبئة النيابية في موضوع المذكرة، وزاد الأمر سخونة بالنسبة لهم جميعا، موقفهم "الرافض لمشاركة الأردن في مؤتمر مدريد و"المفاوضات المباشرة مع العدو".
وأذكر كيف أن وزراء استقالوا من الحكومة وهم نواب في الأصل، وقعوا على المذكرة أيضا، وأذكر منهم سليم الزعبي. وهناك صار الصدام مع النواب واضحا ولا مجال للهروب من استحقاقاته.

• إذاً كنت في مواجهة احتمالين لا ثالث لهما؛ إما الاستقالة وإما مواجهة مجلس النواب الذي كان مستعدا للإطاحة بحكومتك بحجب 49 نائبا عنك الثقة؟
-المذكرة كانت هي التحدي الأقوى، وبناء على التعامل معها سيكون القرار؛ إما مواجهة النواب والدخول بأزمة سياسية داخلية، وإما الذهاب إلى خيار الاستقالة وترك مساحة لرئيس الوزراء المقبل للمناورة مع النواب في ثقة جديدة، وشروط أكثر مرونة، تسمح له بتخفيف حدة المواقف النيابية التي كانت متشددة.
تشاورت مع الراحل الحسين مطولا، واتفقنا بأن موضوع المذكرة أخذ أبعادا جديدة، فحتى ومع أن المذكرة لم تكن مُلزمة، لأنها جاءت في سياق خارج عن موعد انعقاد الدورة العادية، وأن الدستور يسمح بتأخير موعد انعقاد العادية حتى الأول من كانون الأول (ديسمبر) وهي صلاحيات جلالة الملك، وهو ما يترك امامنا فرصة من الوقت لمعالجة الأمور وتهدئة الأجواء المُحتقنة بين الحكومة والنواب، سواء في إجراء تعديل حكومي، أو الخضوع لشروط نيابية نحصن انفسنا بها في موضوع الثقة، ونرجئ التصويت النيابي على حجب الثقة عن الحكومة.
فقد كانت المذكرة النيابية عنوانها "أن الحكومة لم تعد تتمتع بثقة مجلس النواب".
جلست انا والراحل الحسين أكثر من جلسة لتقدير الموقف، والبحث عن مخرج عملي من الازمة وبأقل الأضرار، وفي احدى المرات جلسنا أنا والحسين رحمه الله في مكتب رئيس قسم الإعلام فؤاد أيوب وحدنا، وشرحت له وجهة نظري بالتفصيل، حيال الموقف السياسي الذي تمر به الحكومة والنواب معا.
وفي تلك الأثناء أبدى الملك استعداده لحل مجلس النواب، اذا كان ذلك مطلوبا، مقابل استمرار الحكومة ولم أتفق معه؛ حيث قلت له: بأن قرار الانتخابات النزيه وأجواء الانفتاح السياسي والشعور بجدية الملك بإجراء إصلاحات أعطت النظام والملك مصداقية مهمة في الشارع وأمام العالم، وهي المصداقية التي أسست لعودة الثقة الشعبية، وهي الثقة التي كنا بأمس الحاجة إليها خلال تلك الفترة السياسية الإقليمية الدقيقة والحرجة والصعبة والمركبة.
فقد كانت اوروبا والولايات المتحدة تتابعان أدق التفاصيل التي تجري عندنا، ويريدان أن يختبرا قدرة صمود النظام السياسي في الأردن، على مواجهة كل التحديات الداخلية والخارجية معا.
وكنت أشدد في حديثي للراحل الحسين، بأنه من الظلم أن نضحي بهذا المكسب، في هذا الوقت الذي بدأنا فيه نشعر بتحريرنا من القيود الاقتصادية، التي فُرضت علينا نتيجة موقفنا من الحصار على العراق.
وأبلغت جلالته بأننا بحاجة إلى ديمقراطية حقيقية ومستمرة، ومن الخطأ تدمير ما قمنا ببنائه على مدى مرحلة التحول الديمقراطي خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
كررت وجهة نظري أمام الحسين في أكثر من مرة، وفي أكثر من جلسة، وكانت الفكرة بالنسبة لي واضحة، فالمذكرة ما تزال بـ"كريدورات" مجلس النواب، وأن تهديد المذكرة سيظل قائما حتى بعد سحبها، لأن في المجلس 23 نائبا إسلاميا ملتزمين بوحدة الموقف، وهم موقعون على العريضة، وهم معارضون أصلا لحكومتي، حتى لو تجاوبت مع كل مطالبهم، وإذا أخذنا بالاعتبار أن هناك 7-9 نواب قريبين من الإسلاميين أيضا، ومن السهل أن يتحالفوا معهم، كما أن هناك نوابا مستقلين أعلنوا موقفهم المعارِض للحكومة، وأمام هذا الواقع أكدت للحسين بأننا إذا تجاوزنا المذكرة اليوم، فإننا سنكون أمام عرائض ومذكرات أخرى قد توقع لاحقا، وهو ما يعني استحالة استمرارية العلاقة بين حكومتي ومجلس النواب، وحتمية القناعة بأن الطريق أمام حكومتي صار مسدودا.
وهنا؛ فإن مدى التزام النواب في تلك المجالس بالمذكرات النيابية كان كبيرا، فلا يوجد نائب يوقع على مذكرة حجب ثقة مثلا، ثم يعود بعدها فيسحب اسمه عن المذكرة، فالالتزام كان واضحا وليس أمرا سهلا التلاعب في مثل تلك الأمور.
وكان من السهولة على شخصية نيابية مثل ليث شبيلات مثلا أن يطرح مذكرة حجب الثقة، وسوف يضطر جميع الموقعين عليها الالتزام بها، والتصويت على أساس المضامين الواردة فيها.
لذلك كان واجبي كرئيس للحكومة أن أحقق القسم الذي أقسمته وأن أحترم قناعاتي ومبادئي تجاه مجلس النواب، وقلت للراحل الحسين بأن خروجي اليوم من الحكومة ليس نهاية المطاف، لكن الأهم هو حماية الديمقراطية، وحماية الوطن بالديمقراطية، فالأجواء الإقليمية كانت صعبة، والقطيعة العربية لنا ما تزال فاعلة، وتداعيات الحصار على العراق تخنقنا، والغرب وأميركا لم يعودا حلفاء لنا في تلك الأيام، وهو ما سيجعلنا نواجه تلك الظروف الإقليمية والخارجية الصعبة بجبهة داخلية هشة. وذكّرته بأننا إذا لم نركب القطار فستفوت الفرصة، وسنكون أمام استحقاقات تهدد الكيان الأردني برمته، وليس حكومة أو مجلس نواب فقط.
وكان لابد من الإطاحة بالحكومة لكي تمر مشاركة المملكة في مؤتمر مدريد، وسيكون هذا مكسبا وطنيا لنا يخفف عنا الأضرار التي لحقت بنا جراء تداعيات ضرب بغداد وحصار العراق، كما أن استقالة الحكومة ستخفف من حدة أجواء المواجهة بين النواب والحكومة الجديدة، لأن الحكومة الجديدة قد يكون موقفها أكثر قبولا لأنها ورثت عن الحكومة السابقة أجواء التوتر تلك ولم تفتعلها.
وحتى لا يظنن الراحل الحسين بأني أهرب من استحقاقات المسؤولية في الذهاب إلى مدريد وتحمل كل ما سينتج عن المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، أعلنت له استعدادي التام، بأن أكون وزيرا للخارجية مع أي رئيس حكومة سيأتي بعد حكومتي.
وفعلا فقد دعا الحسين في اجتماع حضرناه أنا وأحمد اللوزي وأحمد عبيدات وزيد بن شاكر، وعرض على اللوزي تشكيل الحكومة واعتذر، وعرض على عبيدات واعتذر. طبعا استغرقت تلك النقاشات فترات طويلة، ولم يكن سهلا إقناع الحسين بهذه الخطوة، واستغرق الأمر منا جلسات متعددة على مدار 19 يوما كاملة كان فيها الضغط عليّ من جميع الجهات، وكان مطلوبا مني أن اتخذ القرار الأكثر خدمة لبلدي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:33 pm

سياسي يتذكر- الحلقة الثالثة عشر
المصري: بعد استقالة حكومتي اعتذرت عن رئاسة الديوان

المصري في نقاش جانبي مع رئيس الوزراء الأسبق الراحل الأمير زيد بن شاكر

محمد خير الرواشدة 

عمان- فيما يواصل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري تقليب صفحات ذكرياته السياسية، يفتح اليوم في الحلقة الثالثة عشرة من حلقات "سياسي يتذكر"؛ على مرحلة جديدة من مشواره السياسي، في رئاسة الدورة العادية الأولى لمجلس النواب الثاني عشر.
وبعد شرح أبعاد استقالة حكومته، يروي المصري كيف استطاع أن يقنع الراحل الحسين بعدم حل مجلس النواب، حيث أن الاستقرار الداخلي، صار مرتبطا بمعادلة ديمقراطية، لا يمكن التراجع عنها، أو الانقلاب عليها.
وبعد تفاصيل استقالة حكومته في المجلس الحادي عشر، على خلفية قرار المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام، يشرح المصري بتفصيل أكثر كيف "أن هذا الظرف هيأ له الترشح والفوز في انتخابات مجلس الثاني عشر، وحصد الترتيب السادس على المملكة من حيث عدد الأصوات، بعد المراتب الخمس الأولى التي حصل عليها نواب الإخوان المسلمين".
كما يشرح المصري كيف أن هذا الظرف السياسي خدمه كثيرا في ترشحه لانتخابات رئاسة مجلس النواب، في مواجهة النائب المنافس له 
عبد الله العكايلة، وكيف كان فوزه سهلا بعد انسحاب النائب الجديد وقتها عبد الهادي المجالي من سباق الترشح للموقع ذاته.
ومن دون مواربة يكشف المصري موقفه القديم الجديد من قانون الانتخاب ذي الصوت الواحد، ويؤرخ لنفسه رفضه القانون منذ أول انتخابات جرت على أساسه في العام 1993.
وكان المصري كشف في الحلقة السابقة جانبا من تفاصيل جلسة مجلس الوزراء التي قررت فيها الحكومة المشاركة في مؤتمر مدريد للسلام.
وأوضح موقف الوزراء المستقيلين من الحكومة على خلفية قرار المشاركة، وسعيه لثنيهم عن استقالاتهم، حتى يخفف من حدة الأجواء السياسية الساخنة حول حكومته.
واليوم يروي المصري كيف أن قانون الانتخاب والصوت الواحد؛ بدأ يؤثر على تركيبة المجلس النيابية، بالتراجع منذ أول تطبيقاته على المجلس الثاني عشر في العام 1993، وهو الذي ترك آثارا سلبية على متوالية الإصلاح البرلماني وتعثرها.
وفيما يلي التفاصيل...
*وصلنا في الحلقة السابقة الى مشاورات الراحل الحسين معك حول الاستقالة او حل النواب، كيف تطورت الامور؟ 
 - الراحل الحسين كانت أمامه أولوية وحيدة؛ وهي الأردن واستقراره، وكان هذا هاجسا عنده، وظل يتخوف من تبعات كل الظروف الإقليمية التي يتأثر بها الأردن، وأكاد أجزم أن أحداث هبة نيسان (ابريل) أقلقت الراحل الحسين كثيرا، وتركته أمام استحقاق أهمية استقرار الأوضاع الداخلية، وتأثير ذلك على استقرار النظام السياسي.
لذلك ظل جلالته يفكر طويلا، ولم يكن في تلك المرحلة يستعجل اتخاذ القرار، حتى يتسنى له دراسة الأمور بدقة وتقدير عاليين، هذا من جهة الداخل الأردني.
أما، من حيث الاستحقاقات الدولية، فقد كان الحسين يعرف بأن بوش وبيكر جاءا بإسحاق رابين، وشمعون بيريز من حزب العمل حتى يخفف حضورهما من تطرف اسحق شامير، ممثل حزب الليكود في الحكومة الإسرائيلية، وكان لموقف بيريز ورابين ضد شامير أثر كبير في تقليل فرص فشل مؤتمر مدريد للسلام.
لذلك كان الحسين يفكر طويلا بمخاطر التأخر عن الذهاب لمدريد، وما ستسفر عنه المفاوضات، فإذا نجحت الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل، "فكيف لنا نحن في الأردن أن نتحمل أي ضغوط أميركية وغربية قد تفرض علينا تحت العنوان نفسه، وما إذا كان ذلك الضغط سيهدد الهوية والكيان الأردني، في حال تعنتنا ورفضنا للمشاركة الإيجابية في مؤتمر السلام".
لذلك كان هذا مدخلا مهما في إقناع الراحل الحسين بقبول استقالة الحكومة، واستمرار مجلس النواب، لتجنب أي أزمة داخلية، تضاف الى المشاكل الحدودية والإقليمية التي تواجهنا، فاقتنع بوجهة نظري بعد ماراثون جلسات ومناقشات، واتفقنا على الاستقالة، وتركت له تحديد الموعد، وأبلغني الحسين بموعد الاستقالة، وقد كنا في العقبة في تاريخ 14 تشرين الثاني (نوفمبر) وهناك حدد موعد تقدم الحكومة بالاستقالة، وتكليف زيد بن شاكر بتشكيل الحكومة الجديدة.
التقى الحسين الحكومة المستقيلة في مراسم وداعها في قصر بسمان، وهو بروتوكول يحرص عليه جلالة الملك، ونادى الحسين رئيس تشريفاته فواز ابو تايه، فجاء بوسام النهضة المرصع وقدمه لي أمام مجلس الوزراء.

*هل ابتعدت عن الأجواء السياسية فعلا في تلك الفترة؟
-اطلاقا، فقد بقيت نائبا، وكان الراحل الحسين يدعوني إلى اجتماعات رسمية في القصر الملكي لكن من دون أن أظهر بالصور سواء الصحفية أو التلفزيونية، وكان الملك يطلب مني الحضور خصوصا في الاجتماعات المشتركة بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية.
وحتى بعد استقالة حكومتي، كنت أنا وابو شاكر بمطار السرب الملكي في ماركا، وسألني إن كنت أقبل أن أكون رئيسا للديوان، لكنني اجبته بأنني ما زلت نائبا، ولا أظن بأن من المناسب أن تبدأ الحكومة الجديدة بمهمة إجراء انتخابات تكميلية عن المقعد الذي سيشغُر باستقالتي عن مقعد في الدائرة الثالثة، والتي من الممكن أن تأتي بمتشدد سياسي، نتيجة الظروف الإقليمية ومحادثات السلام التي كانت قد بدأت، وهو ما سيأتي بنائب معارض جديد قد يكون مناكفا للحكومة.
وبسهولة قبل ابو شاكر المنطق، الذي تحدثت به، ومن دون مناقشة.
طبعا بدأت حكومة زيد بن شاكر عملها، ولم تكن مهمتها سهلة، فقد بقيت التجاذبات بينها وبين النواب، خصوصا وأن 14 وزيرا كانوا معي في الحكومة، استمروا في حكومة أبو شاكر.

*وهل عدت نائبا بموقف مختلف عن موقفك كرئيس للحكومة؟
-لا؛ فقد تشكلت قناعاتي خلال تلك المرحلة ورسخت تماما، فالمرحلة لا تحتمل مناكفات سياسية ضد الخصوم أو التحالف ضدهم، همي الأول والأخير هو أن نعبر تلك المرحلة واستحقاقاتها بكل انضباط داخلي، وبعيدا عن كل الانفعالات غير الواقعية، التي لن تؤثر على القرار الرسمي الذي تم اتخاذه وفق معادلات المصالح الأردنية العليا والاستراتيجية.
وقبل أن أسلم استقالة حكومتي طلب مني زيد بن شاكر الرئيس المكلف أن أجنبه مواجهة النواب على مشروع قانون الموازنة العامة للعام 1992، وقد كان رأيه سديدا، حتى يدخل على مجلس النواب بعيدا قدر الإمكان عن أي مواجهة قاسية.
رفعت قبل استقالة الحكومة مشروع قانون الموازنة العامة للنواب، وكان باسل جردانة وزيرا للمالية، وقد دافع عن مشروع القانون دفاعا مستميتا، وأقنع في موازنته تلك مجلس النواب بأننا فعلا خفضنا النفقات العامة، والتزمنا بالظرف الاقتصادي الاستثنائي الذي كنا نمر فيه.
في تلك الأثناء كنا قد بعثنا برسالة نوايا إلى صندوق النقد الدولي، مفادها بأننا مستعدون للبحث في ترتيبات انقاذ الاقتصاد الأردني من المشاكل المالية، التي ترتبت على انهيار الدينار، وطبيعة الإجراءات القاسية التي اتخذتها الحكومة في بند الإنفاق، وبعدها جاءت حكومة ابو شاكر وأكملت ترتيب الاتفاقيات مع صندوق النقد الدولي.
ولك أن تتخيل وبعد أن قمت بواجبي الوطني والضميري والالتزام بالقسم الدستوري الذي أقسمته، فهل سأدخل أجواء المناكفة السياسية! قطعا لا، والتزمت في مقعدي كنائب في ذلك المجلس ودعمت كل القرارات الرسمية التي كنت مقتنعا بأنها ستخفف حدة الظروف السياسية والاقتصادية، وأجواء العزلة الدولية التي فرضت على المملكة، وهي ظروف أرهقت الراحل الحسين وأرهقت أجهزة الدولة جميعها.

*ألم تكن تنوي حينها الترشح لانتخابات مجلس النواب الثاني عشر، ولم تفكر بأن مواقفك تلك قد تؤثر على شعبيتك في الشارع وعند قاعدتك الانتخابية؟
-أيضا لك أن تتخيل أن ما حدث معي هو العكس تماما، فقد خدمتني مواقفي المعلنة والواضحة في مجلس النواب الحادي عشر، ومواقفي كرئيس للحكومة، وثباتي على موقفي بعد الاستقالة، في زيادة رصيدي من الأصوات حتى مع الفارق الكبير بين القانونين اللذين ترشحت عنهما في انتخابات المجلسين، فقد كان فرقا مذهلا بين قانون يمكن الناخب من انتخاب المرشحين وفق عدد مقاعد دائرته، وقانون لا يسمح للناخب إلا باختيار مرشح واحد.
فقد حصلت في تلك الانتخابات على 8900 صوت، وكنت في المرتبة الثانية على مستوى الدائرة الثالثة، التي شهدت تنافسا قويا بين مرشح الإخوان المسلمين الشيخ ابراهيم زيد الكيلاني وعلي ابو الراغب وفارس سليمان النابلسي، ولم يكن هناك فارق كبير في الأصوات بيني وبين الكيلاني الذي حصل على 9200 صوت.
في حين حصلت في انتخابات المجلس الحادي عشر، ووفق نظام انتخاب القائمة، على 6800 صوت فقط.
لقد كانت المنافسة الانتخابية تلك شديدة جدا، وكان التنافس على ثلاثة مقاعد للمسلمين في الدائرة الثالثة، وقد كان المرشحون الأقوى هم أربعة، طاهر المصري وعلي ابو الراغب وابراهيم زيد الكيلاني وفارس سليمان النابلسي، وكنا ترشحنا وفق معادلة تنافسية صعبة ومعقدة، ومحصورة في قاعدة انتخابية، بيننا جميعا كمرشحين تقاطع معها.
وفي نهاية الحملة الانتخابية، صار واضحا أن ثلاثة من الأربعة مرشحين، هم الأوفر حظا بالفوز، وقد جاء الترتيب كما قلت لك، أولا الكيلاني، ثم انا ثم علي ابو الراغب.
لكن ما حصلت عليه من أصوات جعلني أفوز بالمرتبة السادسة على مستوى المملكة، بعدد الأصوات، بعد أن حصد نواب الإخوان المسلمين المقاعد الخمسة الأولى، وجاء بعدي في الترتيب سعد هايل السرور.

*وكيف حدث ذلك، الساحة ملتهبة بمعارضة السلام مع إسرائيل، والمرشحون يزدحمون على الشعارات، التي تطرب الشارع وتثير العاطفة، وقد كان سهلا نقدك في تلك الانتخابات بأنك من فتح باب مشاركة الأردن بمفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين؟
- بالنسبة لي كانت انتخابات مجلس النواب الثاني عشر أسهل من انتخابات الحادي عشر، لأنه وباختصار استفدت جيدا من توفر الخبرة في الانتخابات السابقة، وصار لدي معرفة جيدة بتوفير ماكينة انتخابية تكونت من عشرات الشباب المتطوعين، وهم كانوا فعلا سببا مهما في النجاح.
كما لا أنسى أن خبرة انتخابات مجلس الحادي عشر التي جعلتني أجوب مراكز وأطراف الدائرة الثالثة وأطلب أصوات ناخبيها، جعلتني أكثر خبرة في معرفة من يؤيدون ترشحي ومن يخالفون ذلك.
كما أن العائلات بادرت من تلقاء نفسها لاستضافتي في منازلها للاستماع لبرنامجي الانتخابي.
وقد لاحظت بأن هناك العديد من الذين التقيتهم عبروا عن تضامنهم معي في موقفي السياسي ورفضهم لموقف نواب المعارضة في المجلس السابق مني، وأن معارضة النواب لحكومتي كانت شخصية وليست سياسية.
وهنا فقد بادرت لشرح موقفي بوضوح وثبات من الملفات التي كانت سببا بتقدمي باستقالة الحكومة، وأوضحت جوهر المواقف المعارِضة، وبينت ما هي المصلحة الوطنية وما هي المصلحة الشخصية في كل ما جرى في تلك المرحلة، وهذا ما جاء لي بدعم شعبي لم أكن اتوقعه.
كما أن الآلة الانتخابية التي كانت تتعاون معي أصبحت أكثر دقة وفاعلية في تحركها بين الناخبين في الدائرة الثالثة، وبعدما توفرت الخبرة الكافية في هذا المجال وبعد أن توفر دعم شعبي لي من أبناء الدائرة، وهو العامل الرئيسي في التنظيم والتحرك لتلك الانتخابات التي حملت مفاهيم جديدة، كان أبرزها قانون الصوت الواحد، الذي دفع المرشحين للتعامل بأنانية نتيجة اقتصار محاربة المرشح لنفسه إذا أراد البقاء والنجاح.

*وهل لديك معلومات أو تحليل للنكوص عن برنامج الإصلاح البرلماني من خلال ابتكار قانون الانتخاب، صاحب النظام الانتخابي ذي الصوت واحد، وهل كنت تؤيد هذا القانون في وقتها، والذي أجرت حكومة الدكتور عبد السلام المجالي، التي خلفت حكومة ابو شاكر، انتخابات 1993 على اساسه؟
-الانتخابات جرت في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1993، بعد أن شكل المجالي حكومته في 29 من أيار (مايو) من العام نفسه.
ومعارضتي لقانون انتخاب الصوت الواحد كانت شديدة منذ بداياته، ومعارضتي له كانت معروفة ومنطقية، وقد بينتها من ذلك الوقت، وموقفي من القانون ليس جديدا، بل هو امتداد لموقفي منه منذ نهاية العام 1993 الذي جرت الانتخابات فيه على أساسه.
لكن إن سألتني من ناحية التحليل "لماذا استبدل قانون الانتخاب الذي جرت الانتخابات على أساسه في العام 1989 وجاء بمخرجات الصناديق من دون تلاعب أو تزوير، وكانت مخرجات تلك الصناديق متنوعة وفيها طيف واسع من المعارضة، واستبدل ذلك القانون بقانون الصوت الواحد"، فاعتقد وبرأيي الشخصي وتقديري للموقف حينها، بأن ما اعتبر تماديا من مجلس النواب الحادي عشر في محاسبة الفساد ومتابعة تلك الملفات، والتهديد علنا بأن المجلس ينوي ملاحقة الفساد والوصول لأي جهة كانت تقف وراءه مهما كانت، جعل مراكز القرار تفكر بتغيير القانون، من أجل تشذيب تلك الأصوات وتبردة الرؤوس الحامية في المجلس السابق.

* ومع تضييق القانون في الأصوات على المرشحين، فقد حصد الإسلاميون مقاعدهم، وظلوا يشكلون معارضة قاسية داخل مجلس النواب؟
- هم فازوا بسبعة عشر مقعدا، وقد كان هذا الرقم يشكل تراجعا لهم بعد أن حازوا في المجلس السابق على 23 مقعدا من أصل 80 نائبا.

* لكن بعض الجهات تدخلت ضدهم في تلك الانتخابات، ولم يتكرر مشهد نزاهة انتخابات مجلس نواب الحادي عشر؟
- صحيح؛ وهي لعبة لن تنتهي في أي انتخابات نيابية، فالدولة تدعم مرشحيها الذين تختارهم، والمعارضة أيضا تدعم مرشحيها.
وهي لعبة يدخل فيها المال أيضا، فقد عرفت بعد انتخابات مجلس النواب الثاني عشر بأن شخصية سياسية كانت في موقع المسؤولية بادرت إلى إنشاء صندوق تبرعات من رجالات الاقتصاد الأثرياء، تم توزيع عوائده على حملات لمرشحين تريد مراكز قرار رسمي أن ينجحوا في دوائرهم، وقد أنفق هذا الصندوق بسخاء على بعض هؤلاء المرشحين.
كما أن الإسلاميين كانوا ينشطون في تنفيذ برامجهم في جمع الزكاة وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، وهو جهد يقومون به باستمرار في سياق استمالة تلك الفئات الواسعة في المجتمع لناحيتهم، وهو ما جاء لهم بقاعدة انتخابية عريضة، إضافة لما يملكونه من تأثير على منابر خطب الجمعة وتعبئة المشاعر لصالحهم.

*وهل استفدت شخصيا في تلك الانتخابات من صندوق تبرعات الأثرياء من الاقتصاديين؟
- قلت لك عرفت عنه بعد إعلان نتائج الانتخابات ودخول مجلس النواب، كما أن حملتي الانتخابية لا تحتاج لأموال طائلة، وكل ما احتاجه هو مصاريف نثرية، لا تتجاوز حدود المنطق والمعقول في الدعاية الانتخابية البسيطة.
وسأقول لك بصراحة تامة، لم أتلق أي دعم مالي للانتخابات سوى من عمي صبيح المصري، الذي ظل يساندني في مثل تلك المعارك.

* لكن هل طُلب منك دعم مرشحين معك في الدائرة الثالثة؟
- صحيح طُلب مني ذلك، ولكن كيف سأتعامل مع مثل هذا الطلب، فلم تكن لدي صورة واضحة عن حقيقة الأرقام التي سأحصل عليها، كما أنه ليس من السهل الطلب من الناخبين عندما تقابلهم عدم التصويت لك والتصويت لمنافسك.
حاولت تقديم هذه الخدمة بإيثار، لكن لا أعرف إن نجحت محاولتي بتغيير نوايا الناخبين من التصويت لي وذهاب اصواتهم لغيري، لا أدري؟!.

* وهل تغيرت تركيبة مجلس النواب عن مجلس الحادي عشر، بسبب تغيير قانون الانتخاب، ونتائج صناديق الاقتراع بصوت واحد؟
- لقد اختلفت تركيبة المجلس. واستطيع القول بأنها اختلفت إلى حد كبير، وحتى الذين نجحوا بأرقام كبيرة في انتخابات مجلس الحادي عشر، تدنت أرقامهم كثيرا في انتخابات الثاني عشر، فالشيخ أحمد الكوفحي الذي فاز في مجلس 89 بأكثر من 32 ألف صوت، عاد في الانتخابات التي تليها ليحصل على رقم لا أذكره الآن، لكنه لم يتجاوز 6 آلاف صوت.
واستطيع القول بأن القانون أثر أيضا وبشكل واضح على الإسلاميين ونوابهم ليس بعددهم فقط؛ بل وبنوعيتهم أيضا.
فمجلس النواب الحادي عشر أظهر مواقف قوية، وكان لها أثر على مساءلة الحكومات، وقد عانت حكومة مضر بدران من ذلك المجلس، مع أن النواب الإسلاميين تحالفوا معه، كما عانت من ذلك المجلس حكومتي، وحتى حكومة ابو شاكر التي جاءت بعدي.
أما مجلس النواب الثاني عشر، فقد أخذ معنى جديدا، وموقعا جديدا في قدرته على التأثير بالرأي العام، كما ظهرت في المجلس شخصيات جديدة، بدأت تتنافس على قيادة المرحلة عبر إجراء تحالفات وتكتيكات معقدة، وبدأ الصراع يتبلور أكثر لناحية المفهوم الجديد لقيادة المجلس النيابي.

*يمكن القول بأن ذلك المجلس أفرزك ايضا كقائد نيابي وقطب برلماني، خصوصا بعد فوزك بانتخابات رئاسة المجلس في دورته العادية الأولى؟
- بالنسبة لي كانت الظروف مختلفة تماما، فقد شعرت بأن وجودي في مجلس النواب الثاني عشر قد يحمل لي حظوظا جديدة، وتجربة مختلفة، وقد كان في ذهني أن أتطور أكثر من خلال فكرة ترشحي لانتخابات رئاسة المجلس.
فبعد تجربتي في الحكومة، وفي المحطات التي سبقت تشكيلي للحكومة، صرت قريبا في فهم تطبيقات اللعبة السياسية الداخلية، وقد كان حضوري في تلك المواقع يبعث برسائل تطمين لوجودي في أي موقع آخر، خصوصا وأني ما زلت قريبا من القصر، ولست بعيدا عن الحكومة، وعلاقاتي جيدة مع مؤسسات الدولة، وبنفس الوقت أنا نائب عن دائرة سياسية وحصدت فيها أرقاما مهمة على صعيد القاعدة الانتخابية.
قررت الترشح لانتخابات رئاسة مجلس النواب، وقد اعلن النائب لأول مرة في وقتها المهندس عبد الهادي المجالي نيته الترشح، وعبر عن طموحه بمقعد الرئاسة، وبدأ التحرك للحصول على المقعد بشكل واضح ومُعلن، فيما كان التيار الثالث أو الكتلة الثالثة، التي كان يمثلها نواب الإخوان المسلمين، الذين دخلوا المجلس بأقل فعالية عن المجلس السابق، وكان في مواجهتهم شخصيات سياسية ليست معجبة بخطهم السياسي، ما جعلهم محصورين في كتلتهم من دون تحالفات مع غيرهم من الكتل، وهو ما جعل من الصعب عليهم التحرك بذات الأريحية التي كانت متوفرة لهم في مجلس النواب الحادي عشر.
في تلك الفترة قرأت الخريطة النيابية جيدا، وفرزت الكتل فيما بينها، ففي حين أعلن الإسلاميون مرشحهم لانتخابات رئاسة المجلس، وهو الدكتور عبد الله العكايلة، فقد كان بعض النواب ينتظرون التوجيه الرسمي في انتخابات رئاسة المجلس.
وهذا كان يجري في وقت، كنت أعلنت فيه ترشحي لرئاسة المجلس منذ وقت مبكر، وكنت بطبيعة الحال نفذت زيارات للنواب المستقلين، ولقاءات مع الكتل النيابية.
ما سهل مهمتي أكثر هو عدول المجالي عن ترشحه لانتخابات الرئاسة، وهو ما جعلني أستفيد أكثر من أصواته.
جرت الانتخابات بيني وبين العكايلة، وحصلت على 54 صوتا من اصل 80 وهو كامل أعضاء المجلس.
تنويه
أعاد رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري تصويب ما جاء في الحلقة الثانية عشرة من حلقات "سياسي يتذكر" حول تشكيل الوفد الأردني الفلسطيني المشترك الذي شارك في مؤتمر مدريد للسلام.
وأكد المصري أن من اقترح ورغب في أن يكون الوفد مشتركا (أردنيا وفلسطينيا) هي الولايات المتحدة ومن دون ممانعة من الإسرائيليين.
وبين أن الأردن عمل منذ سنوات طويلة؛ قبل انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، لردم الهوة بين الطرفين الأردني والفلسطيني وحقق تقدما في هذا المجال، مؤكدا أن جميع المسؤولين الأردنيين يعرفون هذه الحقيقة.
وأكد المصري أن رغبة الأردن كانت أن يحضر الفلسطينيون مؤتمر مدريد للسلام بوفد مستقل، وحتى لا يجهض ذلك انعقاد المؤتمر، "ووافقنا على الطلب الأميركي بالوفد المشترك، بعد موافقة الفلسطينيين أنفسهم".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:35 pm

سياسي يتذكر- الحلقة الرابعة عشر
المصري: الحسين كان في حالة غضب بعد تسرب أنباء توقيع "أوسلو"

طاهر المصري ورئيس الوزراء الاسبق الدكتور عبد السلام المجالي


طاهر المصري (الثاني من اليسار) والنواب علي ابو الراغب، ذيب مرجي، عبد الكريم الدغمي وبسام حدادين عام 1993

محمد خير الرواشدة 

عمان- يصل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، في سرده لـ"الغد" لذكرياته الشخصية والسياسية اليوم، الى محطة ترؤسه مجلس النواب الثاني عشر (1993 -1997)، في دورته الاولى، وذلك بعد ان تحدث في الحلقة الماضية من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" عن استقالة حكومته ومرحلة قلقة من تاريخ الاردن السياسي الحديث مطلع التسيعينيات.
يدخل المصري اليوم في الحديث عن كواليس واجواء سياسية مشحونة، رافقت علاقة حكومة الدكتور عبد السلام المجالي الاولى العام 1993، بمجلس النواب الثاني عشر، الذي اشرفت حكومة المجالي على انتخاباته، وفق قانون انتخاب جديد، سيشكل منذ ذلك التاريخ "احد ثوابت" السياسة الرسمية حتى اليوم، وهو القانون المعروف بـ"الصوت الواحد". 
تسرب انباء توقيع اتفاق اوسلو، بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، في أيلول (سبتمبر) العام 1993، كانت نقطة فاصلة لدى الاردن، وايضا فاصلة في مسيرة المصري السياسية، فهي من جهة تركت شعورا بالصدمة والمفاجأة والغضب الشديد لدى الاردن والراحل الملك الحسين، قبل ان تسرع في توقيع الاردن على اتفاق "وادي عربة" مع اسرائيل، وهي من جهة اخرى، وبارتباطها بالتوجه لتوقيع اتفاقية "وادي عربة"، التي يتحفظ المصري اليوم على انها جاءت مختلفة في مخرجاتها عما تقرر من مبادئ وثوابت عند الذهاب الى مؤتمر مدريد للسلام العام 1991، قد رافقها بدء ابتعاده عن المشاركة بصناعة القرار. 
وكان المصري شرح في حلقة أمس اجواء استقالة حكومته، وكيف استطاع أن يقنع الراحل الحسين بأن استقرار الأردن، نظاما وأرضا، صار مرتبطا بمعادلة ديمقراطية، لا يمكن التراجع عنها، أو الانقلاب عليها.
كما تحدث حول ترشحه وفوزه بانتخابات مجلس النواب الثاني عشر، حيث حصد الترتيب السادس على المملكة من حيث عدد الأصوات، بعد المراتب الخمس الأولى التي حصل عليها نواب الإخوان المسلمين.
وسجل المصري في حلقة امس انه عارض قانون الانتخاب، ذي الصوت الواحد، منذ اقراره واجراء انتخابات 1993 على اساسه. 
وفيما يلي التفاصيل...
• جلست على كرسي رئاسة مجلس النواب الثاني عشر في دورته العادية الأولى، وبدأت فترتك بمعضلة سياسية، كانت بحجم المخاوف من حجب الثقة النيابية عن حكومة الدكتور عبد السلام المجالي؟
- صحيح، فقد واجهت حكومة عبد السلام المجالي مصاعب كثيرة، أولها أن مجلس النواب الجديد، خاض الانتخابات بقانون انتخاب مؤقت، وفق نظام الصوت الواحد، الذي وضعته حكومة المجالي نفسها، كما أن حكومة المجالي هي من أجرت الانتخابات، وهي من تحملت وزر تداعيات تلك الانتخابات، التي بقيت في ذمة الحكومة وعبئا يلاحقها.
بعد إعلان نتائج الانتخابات، وانعقاد المجلس في دورته العادية الأولى، كنت صريحا مع الدكتور عبد السلام وقد نصحته بأن التقليد السياسي المتبع هو ان تستقيل الحكومة بعد إجراء الانتخابات، حتى لا تتحمل تداعيات تلك النتائج، لأن مهمتها في مواجهة النواب الجدد ستكون صعبة، رفض ما قلته له، وباعتقادي بأن هذا كان خطأه، وأن قراره بعدم الاستقالة أظهر عداوات لم يتوقعها المجالي مع النواب.
من ناحية ثانية؛ لم يقم المجالي بحملة علاقات عامة، تهيئ له الظروف المساندة داخل مجلس النواب، ولم يفتح مع النواب حوارات جادة، وهو أقل ما يستحقه النواب من اهتمام، لقد كانت طريقة المجالي في تلك الجزئية ليست بالمستوى المطلوب.
وفعلا فقد اجتمع المجالي ذات مرة مع كتل، ما تزال في طور التشكل، وكانت تمثل الخط السياسي الوسطي الوطني، في منزل سمير قعوار، وقد كان لقاء كارثيا، لأن جميع الحضور من النواب خرجوا من اللقاء مستائين من مواقف المجالي وطريقة تعامله مع النواب.
أما من الناحية الثالثة، التي شكلت تحديا لحكومة المجالي أمام مجلس النواب، فهي أن نواب المجلس الجديد جاؤوا وهم بحاجة لإثبات أنهم ليسوا أضعف من المجلس السابق، الذي كان صيته منتشرا.
لذلك، فإن القصص التي رويت عن التدخلات الرسمية في الانتخابات لصالح مرشحين بعينهم، وتقديم خدمات لهم في مناطقهم من اجل استمالة الأصوات الانتخابية لصالحهم، شكلت ردة فعل عكسية عند النواب الفائزين، فأرادوا أن ينفوا عنهم هذه الشبهة، كما أن بعض النواب كانوا يستعدون لمواجهة الحكومة لنفس السبب، لكن من ناحية أخرى، فإن تدخل بعض الأجهزة الرسمية لصالح مرشحين خسروا، صعب مهمة الفائزين من النواب، وفي هذا السياق تحديدا فقد كان عدد كبير من نواب الجنوب ضد حكومة المجالي، لتلك الأسباب.
وإذا أردت أن أزيد على النقاط الثلاث آنفة الذكر؛ فسأقول بأن مخرجات قانون الصوت الواحد كانت من أهم الأسباب، التي وفرت أجواء داخل مجلس النواب، أعاقت عمل حكومة المجالي.

• وأين كنت كرئيس لمجلس النواب، من الموقف من حكومة عبد السلام المجالي؟
-المجالي وأصدقاؤه كانوا يعتبرونني غير متحمس لحكومته، لأني كنت نصحته بممارسة التقليد السياسي، وهو أن تتقدم الحكومة التي أجرت الانتخابات باستقالتها. أضف الى ذلك بأن قناعتي في تلك المرحلة كانت بأن حكومة المجالي منذ تشكلت هي حكومة انتقالية.
من جانب آخر، فقد أُخذ عليّ من قبل المحسوبين على المجالي بأني على خط غير خطه، وكانوا يعتبرون أني أنتمي لمدرسة إدارة حديثة، تخالف مدرسة المجالي، التي تميل للأسلوب المحافظ الكلاسيكي، كما أخذوا علي بأن تكويني السياسي لا ينسجم أصلا مع المجالي. وقد يكون هذا صحيحا، فأنا أعرف الدكتور عبد السلام من خلال علاقات اجتماعية وعائلية، وقد كان هناك فرق كبير بيننا في المفهوم السياسي المبدئي لكثير من الملفات، وقد كان انطباعه بأني ضد حكومته، ولست مرحبا بها، كما أيده في ذلك شقيقه المهندس عبد الهادي المجالي.
كانت عندهما قناعة بأني كرئيس لمجلس النواب، وجزء من الجهاز الرسمي، فعلي تمهيد الطريق أمام الحكومة للنجاح بالثقة النيابية، من دون أن يبدي رئيس الحكومة أي مرونة في مواقفه مع النواب.
لكن بالنسبة لي، فقد كانت لدي قناعة راسخة، بأن مهمتي كرئيس لمجلس نواب، جاءت بعد مجلس النواب الحادي عشر ذائع الصيت، فإن المطلوب مني أن أنهض بدور المجلس، وأن أترك له مساحة قوية في التأثير بالرأي العام، وهو ما سيخدم الموقف الرسمي من جهة السلطة التشريعية، وبذلك فإنه من غير المقبول، لا مني ولا من النواب أنفسهم، أن نحجّم دور هذا المجلس أو نقلل من أهميته.
لم تكن مهمتي المعقدة وحسب، بل إن الراحل الحسين اجتمع مع مجموعة من النواب، في منزل الشريف زيد بن شاكر في الحمر، واكتشف بنفسه صحة موقفي، وكيف أن المجالي نفسه يصعب علينا مهمة الثقة بحكومته. كما استمر دعم الملك للثقة بالحكومة بطريقة غير مباشرة، من خلال زيد بن شاكر، من موقعه كرئيس ديوان، ليساعد في الأمر، ومع هذا فقد بقيت المهمة صعبة.
بقينا نعيش أجواء الشد العصبي بكل تفاصيله، فالنواب يتمردون على حكومة، لا تعتبرهم شركاء، والحكومة تتعامل مع الغضب النيابي بمنتهى الأعصاب الهادئة.
طبعا، كانت الماكينة النيابية، التي تعبئ النواب بالمعارضة على حكومة المجالي، تتمثل حينها في عبد الله النسور، على ابو الراغب، سعد هايل السرور، سمير الحباشنة ومحمد داوودية، اضافة الى نواب الإخوان المسلمين طبعا، وتوجان فيصل.
وعندما تقدمت حكومة المجالي بخطاب العرش، الذي ألقاه الراحل الحسين في افتتاح أعمال الدورة العادية الأولى للمجلس، كبيان لها تطلب الثقة من مجلس النواب على أساسه، كان ذلك وسط أجواء نيابية صاخبة ومعضلة سياسية، وكنا على مفترق طرق، أرهقنا جميعا تجاوزه، حتى تمكنت حكومة المجالي من النجاح بثقة مجلس النواب، بـ41 صوتا من أصل 80 نائبا.
لم تنته أجواء التوتر النيابي الحكومي عند هذا الحد، واستمرت العلاقة مشحونة بين السلطتين، ولم تكن الأمور تهدأ، حتى تعاود الأزمات تطل من جديد.
واستمر هذا الحال إلى أن جاء وزير المالية في حكومة المجالي سامي قموه بمشروع قانون ضريبة المبيعات، الذي أثار ضجة واسعة جدا وكبيرة، وقد بذلت حكومة المجالي جهودا جبارة للترويج للقانون. أذكر أن النائب بسام حدادين، وقتها، هاجم الحكومة ومشروع قانون الضريبة، ووصفه بـ"القانون الصندوقي".
في تلك الدورة كان علي ابو الراغب رئيسا للجنة الاقتصادية والمالية النيابية، وكان عنده توجهات واضحة ضد القانون، وقد خاض داخل اللجنة نقاشات طويلة وصعبة، وتوصلت المناقشات تلك إلى أن النسبة التي فرضتها الحكومة في مشروع القانون، وهي 10 % مرفوضة، وأصرت اللجنة النيابية على تخفيضها إلى 7 %، وقد غضبت الحكومة على قرار اللجنة، وذهب المجالي مشتكيا للراحل الحسين.
استدعاني الراحل الحسين للاستفسار حول ما يجري على القانون، ودار نقاش بيني وبين الراحل والدكتور المجالي، وقد قلت للحسين: إن هذا القانون يمثل مفهوما جديدا عند المواطن الأردني، وليس من السهل تقبل الأردنيين لفكرة زيادة الضرائب، من أجل تنمية إيرادات خزينة الدولة، وقد كانت سمعة القانون سيئة، باعتباره جزءا من إجراءات صندوق النقد الدولي، ولذلك نصحت بأن على مجلس النواب أن يمارس دورا وسيطا بين ما تريده الحكومة وبين ما يتقبله الشعب.
وقلت ايضا ما نصه: إن هذا المفهوم الجديد من الضرائب على المواطن تم القبول بمبدئه لكن ما هو مرفوض، هو النسبة المئوية، بواقع 10 %، التي تريد الحكومة فرضها، وباعتقاد مجلس النواب واللجنة المالية بأن هذه النسبة لا يستطيع المواطن تحملها ذلك الوقت.
وبالفعل تفهم الراحل الحسين الأمر، وقبل المواطن على مضض الضريبة الجديدة، تحت شعار إنقاذ خزينة الدولة والمشاركة في دعم الموازنة، وهو ما ساهم فيه مجلس النواب وبنجاح، وخفف من حدة أي احتقان شعبي حيال الواقع الجديد.

• وسط هذه الأجواء النيابية الحكومية المشحونة، بكل أنواع التوتر السياسي والتشريعي، وحتى في أبعاده الشخصية بين المجالي ونواب بعينهم، هل كان ذلك يعيق جهود إدارتك لجلسات مجلس النواب؟
-في ذلك الوقت، وفي تلك المرحلة، وأمام مجلس نواب يخوض معركة كسب ثقة قواعده الانتخابية في دورته العادية الأولى، وحكومة تريد تنفيذ برامجها المُكلفة بها من رأس السلطة الدستورية، فإنك ستكون في وسط أجواء مشبعة بالتشنج، ومطلوب منك أن تكون حذرا ودقيقا في الأمور كلها.
لقد ساعدني جدا في مهمتي تلك رصيدي من العلاقات الطيبة مع النواب، سواء الجدد، أو حتى النواب الذين شاركوا في المجلسين، كما ساعدني أكثر إدراكي لطبيعة المصالح الوطنية التي نحتاجها، ويجب أن نعمل عليها في تلك الفترة.
كانت مهمتي في رئاسة مجلس النواب تلك الفترة المشحونة بالقلق والتوتر، سلسة من حيث إدارة الجلسات، لكنها كانت مضنية في إقناع النواب في الفصل بين مواقفنا وقناعتنا بالحكومة، وأولوية عدم تعطيل التشريعات في المجلس.
كما أن المعارضة النيابية، التي يجب أن تبقى فاعلة على أكثر من مستوى، يجب أن لا تستخدم في تعطيل عمل الدولة، وتعطيل عمل السلطة التنفيذية.
وبصدق أقولها، لولا أني حظيت بدعم من النواب في ذلك المجلس، والذين ما تزال تربطني بهم علاقة صداقة حتى يومنا هذا، لكانت مهمتي معقدة، نتيجة هذا التوتر الذي رافق العلاقة بين مجلس النواب الذي يريد إثبات نفسه وقوته الرقابية والتشريعية وبين حكومة المجالي التي جاءت بظروف صعبة، واستمرت تلك الظروف حتى استقالتها.

• كانت لك محطة مهمة أيضا في ذلك المجلس، فقد تقدمت الحكومة بمشروع قانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وتمت مناقشته وإقراره في ذلك المجلس، أين كنت من أجواء المناقشة والإقرار، طبعا مع الإشارة إلى أن ذلك تزامن مع مغادرتك سدة رئاسة مجلس النواب، ومجيء سعد هايل السرور رئيسا، وهو أيضا ما يسترعي السؤال عن اسباب عدم رغبتك في الترشح لدورة ثانية في حينه؟
-في تلك الأيام بدأت أشعر فعلا برغبة في الانسحاب من المشهد السياسي كفاعل في مركز القرار، فقد استشعرت برغبة في استبعادي، كما أن مواقفي تلك الفترة لم تعجب مراكز قوى ونفوذ، ولهذا قصة يطول شرحها.
لكن وبعد أن صارت "أوسلو" واقعا، لا بد من التعامل معه ومع تداعياته، وبعد أن تم توقيعها في أيلول (سبتمبر) من العام 1993، فلا بد من أن أسرد لك تفاصيل عشاء دعيت له في ليلة جاءت بعد الأنباء الأكيدة عن توقيع أوسلو.
دعاني علي غندور إلى عشاء في بيته، حضره الراحل الحسين، وغسان تويني الصحفي اللبناني المعروف، وقد كان الحسين في حالة غضب شديد، مما سمعه عن اوسلو، وكان رحمه الله؛ وكما أبلغنا، قد هاتف الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قبل مجيئه للعشاء، وبحثا مستجدات الوضع بعد أوسلو. وقال لنا الحسين بأنه اتفق مع الأسد على لقائه في دمشق اليوم التالي.
في ذلك العشاء جرى حديث بين من حضر، وكان معنا ابو شاكر رئيس الديوان الملكي، وعبد السلام المجالي رئيس الوزراء، وتم الإسهاب في تحليل خطورة ما فعله عرفات ومعاني خطوة المنظمة الأحادية في ذلك الاتفاق، على الأردن.
أذكر بأني قلت للراحل الحسين بجرأة وصراحة: بأني أقدر غضبك وأتفهم مخاوفك، لكنك ستزور غدا دمشق، وستلتقي حافظ الأسد، وهو زعيم دولة يكره عرفات كرها واضحا، وسوف يؤلبك على عرفات والمنظمة.
وتابعت للحسين رحمه الله، بأن لومنا في الأردن يجب أن ينصب على الولايات المتحدة الأميركية، وعلى الإسرائيليين، الذين أخفوا عنا مثل هذا الاتفاق.
كما اقترح في تلك الجلسة عبد السلام المجالي أن يخرج الحسين على شاشة التلفزيون الأردني ويكشف عن مؤامرة أوسلو، واهدافها ومعانيها، وجرى نقاش حول الشخصية المناسبة التي ستحاور الملك حول الأمر، فاقترح غندور أن يقوم غسان تويني بإجراء هذا اللقاء.
ذهب الراحل الحسين لدمشق، وعاد إلى عمان في نفس اليوم، وظهر في المقابلة التلفزيونية مع تويني وهاجم رحمه الله اوسلو، ومن وقف وراءها، هجوما قاسيا، وأخذ موقفا واضحا ضد أوسلو.
وبعد أقل من 24 ساعة من بث هذا اللقاء المتلفز، قام الراحل الحسين بإجراء ندوة أخرى ليخفف وبشكل كبير من حدة تصريحاته، التي جاءت في المقابلة، بعد أن استشعر الحسين برغبة دول النفوذ بدعم اوسلو وموقعيه.
في تلك الفترة أيضا، ومن خلال سياسات حكومة المجالي بعد اعلان اتفاق اوسلو، بين منظمة التحرير الفلسطينية والإسرائيليين، وظهور آراء وسياسات كنت أعتقد بعدم توافقها مع الخط الرسمي، بدأت أسمع بوضوح بأن هناك عدم رضا عن إدارتي لمجلس النواب.
أيضا في تلك الفترة ذهبنا إلى واشنطن بمعية الراحل الحسين لحضور إعلان واشنطن في الرابع والعشرين من تموز (يوليو)، وقد جاءني أبو شاكر ليبلغني بأني من ضمن الوفد المرافق للحسين، وحاولت أن أتهرب من الأمر، وقلت لأبي شاكر بأن لا علاقة بروتوكولية لي بحضور مثل هذه المناسبات، لكنه أصر. دعوت أعضاء المكتب الدائم ورؤساء اللجان النيابية، وتشاورت معهم في الذهاب إلى واشنطن، بصفتي رئيسا لمجلس النواب، وتم إجراء تقدير موقف من النواب بالامتثال لتوجيهات الراحل الحسين، والذهاب إلى واشنطن، وقد قصدت من هذه الخطوة، تكريس تقليد ديمقراطي، يساعدنا في التشاركية بالمسؤولية الوطنية، ويوزع أعباء تحمل المسؤولية.
وخلال تواجدي في واشنطن في تلك الزيارة، استشعرت تماما حجم العلاقة التي ستنشأ بين الأردن وإسرائيل، واسترجعت شريطا من التصريحات الأميركية والإسرائيلية عن مستقبل السلام، والتضحيات التي بدأها الملك الشهيد عبد الله الأول على أبواب القدس.
وهناك صار عندي توجه أكيد، بأني لن أترشح لانتخابات رئاسة مجلس النواب في الفترة المقبلة، التي استشعرت فيها حراجة المرحلة ودقتها.
من هناك دخلت علاقتي مع مراكز القرار بمفصل جديد، وبدأت أشعر بفتور تلك العلاقة، وزاد الأمر سوءا وتوترا في العلاقة، عندما كان مندوب صحيفة الرأي لدى مجلس النواب حينها طارق المومني جالسا في مكتبي، وقلت له من دون قصد أو نية لتسريب خبر "بأني لن أترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة"، لاتفاجأ في اليوم التالي، بأن المومني قد كتب خبرا نشره في الصفحة الاولى في جريدة الرأي، وعنونه بنيتي عدم الترشح لانتخابات رئاسة مجلس النواب، ومن هناك بدأت كرة الثلج تتدحرج بشكل متسارع، حتى أوصلتني لحالة من الابتعاد عن المشاركة في صناعة القرار في تلك المرحلة.

• لكن أليس هذا تناقضا كبيرا في موقفك السياسي، الذي دعم بكل وضوح حضور ومشاركة الأردن في مؤتمر مدريد للسلام، وموقفك الجديد في عدم الرغبة في صناعة السلام مع الإسرائيليين، كما أنك النائب الوحيد الذي تغيب عن جلسة التصويت التي أقر فيها قانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية؟
-هو ليس تناقضا لكنه انسجام مع الأسس التي أصبحت فيما بعد سياسة، تمثل خط الدولة الرسمي، فعند قبول دعوة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لحضور مؤتمر مدريد، كانت هذه الأسس وتلك السياسة انعكاسا لقرار مجلس الوزراء، الذي قبل الدعوة للحضور والمشاركة في مدريد، وألزمنا ذلك القرار بالذهاب للمفاوضات، للعمل على تحقيق تلك الأسس.
 وبالمناسبة، يجب أن نتذكر جيدا بأن حكومتي، والتزاما منها بخطها الوطني، ضحت عند اتخاذ مجلس الوزراء قرار المشاركة بمؤتمر مدريد، بخمسة وزراء، استقالوا على خلفية رفضهم ذلك القرار، حتى أطاح النواب بحكومتي لنفس السبب.
لقد خالفت الحكومات من بعدي أسس هذا القرار، وبرأيي فإن كل المفاوضات المباشرة التي جرت بين الأردن وإسرائيل في وادي عربة، وانتجت مشروع قانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، هي مفاوضات خالفت روح ونص قرار مجلس الوزراء، الذي اتخذ في تاريخ التاسع عشر من تشرين الأول (اكتوبر) العام 1991.
وهناك فصل كبير بين ما اتفق عليه مجلس الوزراء في حكومتي وبين ما آلت إليه المفاوضات في زمن حكومة عبد السلام المجالي.
لذلك عبرت عن رفضي لذلك، ومعارضتي السياسية له، وفي السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) وعندما صوت المجلس بأغلبية 55 نائبا على قانون المعاهدة، وعارضه 23 نائبا، فقد كنت أنا النائب الوحيد الذي غاب عن تلك الجلسة، وللأسباب التي ذكرتها لك، وبامكانك أن ترجع لمحضر تلك الجلسة والتأكد من الأمر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:38 pm

سياسي يتذكر- الحلقة 15
المصري: تحفظت على وادي عربة لانها لم تحقق ثوابتنا


العينان طاهر المصري والمرحوم عبدالحميد شومان في احدى جلسات مجلس الاعيان

محمد الرواشدة
عمان- لم يغادر رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري مرحلته في عضوية مجلس النواب الثاني عشر بعد، وما يزال يقلب صفحات ذكرياته السياسية في ذلك المجلس، مًُعلقا على مواقف الحكومات فيه.
ويكشف المصري اليوم في سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، تفاصيل الثوابت التي أقرتها حكومته خلال إحدى جلسات مجلس الوزراء، والتي حددت شروط حضور مؤتمر مدريد للسلام، والطلب من الدول المضيفة دعم هذه الشروط.
ويؤكد المصري على أن موقفه الرافض لقانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، الذي قدمته حكومة عبد السلام المجالي وأقره مجلس النواب الثاني عشر في إحدى جلساته بأغلبية 55 صوتا وحضور 79 نائبا وغياب نائب واحد، كان هو المصري، جاء لمخالفة مواد القانون لتلك الشروط والثوابت التي وضعتها حكومة المصري.
ويستزيد ابو نشأت في شرح الأسباب التي أدت إلى خروجه من سباق الترشح لرئاسة مجلس النواب الثاني عشر، في دورته العادية الثانية، عندما استشعر برغبة مراكز القرار بإبعاده عن الصفوف الأمامية، وتحييد دوره في تلك المرحلة، وما تبعها من إجراءات التطبيع في العلاقة مع إسرائيل.
وكان المصري تحدث في حلقة الأمس عن محطة ترؤسه لمجلس النواب الثاني عشر (1993 - 1997)، في دورته الاولى، وذلك بعد ان تحدث في الحلقة الماضية عن استقالة حكومته ومرحلة قلقة من تاريخ الأردن السياسي الحديث مطلع التسعينيات.
وتفاصيل الحلقة فيما يلي:
• تحدثنا في الحلقة السابقة، عن تحفظك على اتفاقية وادي عربة، وقد كان تحفظك متصلا بقرار لمجلس الوزراء في عهد حكومتك، وهو قرار حدد ثوابت الدولة في المفاوضات مع إسرائيل، إذا ما هي تلك الأسس التي وردت في قرار مجلس الوزراء في حكومتك، وأُقرت كالتزامات وطنية بمسار أي مفاوضات مُفترضة مع الإسرائيليين؟
- قلت سابقا بأننا خضنا في مجلس الوزراء نقاشا واسعا وطويلا وحادا في بعض الأحيان، لكنه كان يتسم بالمسؤولية والاحترام. وقد كنا في ماراثون خلال جلسات مجلس الوزراء تلك الفترة، وكان هناك انقسام واضح في المواقف، لكن تلك المواقف كلها كانت مواقف وطنية، لا يمكن الطعن بها، فالرافضون لمبدأ الذهاب لمدريد، هم حريصون على مصالحنا الوطنية، والقابلون بفكرة حضور مؤتمر دولي يمهد لسلام عادل وآمن وشامل، وينهي الصراع العربي الإسرائيلي هم أيضا حريصون على المصالح الوطنية. لذلك اتسمت تلك النقاشات بكل مسؤولية.
إن سألتني عن ذلك القرار، الذي اتخذ في مجلس الوزراء في التاسع عشر من تشرين الأول (اكتوبر) العام 1991، فإنه هدف إلى حماية مصالح الأردن العليا، والدفاع عن أمنه ومستقبل ابنائه، بعد إدراك أبعاد المسؤولية وأمانة الحكم، في مثل تلك الظروف المصيرية، وقد صدر القرار بإيمان من أعضاء مجلس الوزراء، والذي ضم نخبة من خيرة أبناء الوطن ويمثلون جغرافيتها وتاريخها وحتى ألوان الطيف السياسي، بأن قرار مشاركتنا في المؤتمر جاء التزاما بخطنا الوطني والقومي، وإصرارنا الدائم على تطبيق الشرعية الدولية من أجل سلام عادل ودائم وشامل، وهذا ما يعزز مصداقية موقفنا من جهود السلام المبذولة والوفاء لأهل فلسطين والقضية الفلسطينية.
وقد التزم القرار بمشاركة الوفد الأردني الفلسطيني المشترك، شريطة أن تثمر تلك المفاوضات عن تأمين الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي الفلسطينية، والأراضي العربية الأخرى، المحتلة العام 1967، بما فيها القدس الشريف، تنفيذا لقرار مجلس الأمن رقم 242 وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
كما جاء في القرار أن المفاوضات يجب أن تضمن عروبة القدس الشريف، وتؤكد على أنها جزء لا يتجزأ عن الأراضي الفلسطينية المحتلة 1967، وينطبق عليها ما ينطبق على سائر الأراضي المحتلة عملا بقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وقد كان الهدف وفق ما جاء في قرار مجلس الوزراء أن نسعى من تلك المشاركة إلى نتيجة أن يمارس الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير على ترابه الوطني، وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الأمم المتحدة، والوقف الفوري للاستيطان تطبيقا لقرارات الشرعية الدولية، ومبدأ الأرض مقابل السلام، إلى جانب أن تسفر تلك المفاوضات التي جرت برعاية أميركية ودعم سوفياتي، عن تطبيق قرار 242 على كافة مراحل الحل، بما يضمن ترابطها وتحقيق الحل الشامل والسيادة الفلسطينية على الأرض والمصادر الطبيعية، والشؤون السياسية والاقتصادية.
ولقد سجل مجلس الوزراء ذلك القرار كسابقة، عندما أبلغ الأردن أصحاب الدعوة؛ الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، بأن شرط حضور الوفد الأردني الفلسطيني المشترك لمؤتمر مدريد للسلام معلق على قبول تلك المبادئ والثوابت ودعمها من أصحاب الدعوة.

• لكن المنظمة انشقت عن مساركم المشترك، وذهبت وحدها إلى أوسلو من دون علمكم، وذلك قد يكون مبررا للأردن أن يذهب لمفاوضات بينه وبين اسرائيل، وبمسار منفصل عن المسار الفلسطيني، وبالتالي قد لا تكون معارضتك للفرق بين ما اتخذته من قرار في زمن حكومتك قبل "أوسلو"، وما أقرته حكومة المجالي من قانون للمعاهدة منطقيا؟
- اتفاق أوسلو أعطى الأردن الحق بالبحث عن مسار تفاوضي مستقل عن الفلسطينيين، لكن من قال بأن تحملنا لمسؤوليتنا التاريخية تجاه القضية الفلسطينية مرتبط بموقف منظمة التحرير؟
أولسنا الذين حذرنا من ضعف صمود منظمة التحرير في مواجهة استحقاقات دولية وقانونية، تتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني؟ وعارضنا تفردها في تمثيل الشعب الفلسطيني في مؤتمر الرباط العام 1974.
نحن أخذنا ذلك الموقف من المنظمة ليس لاعتبارات شخصية، أو رغبة منا بأنانية أو تغول في تمثيل الشعب الفلسطيني، لكن حجتنا كان لها ارتباط بموقفنا القانوني من الدفاع عن الضفة الغربية والقدس العام 1967، في وجه الاحتلال، وأن هذه الصفة القانونية لا تتوفر للمنظمة، وتعب الراحل الحسين وهو يحاول إقناع العرب بذلك.
فأوسلو وغيرها من التصرفات الفلسطينية الأحادية، لا تعني بأي حال من الأحوال، التخلي عن ثوابتنا الوطنية والقومية، ويا ليت أن قانون المعاهدة تبنى تلك الثوابت في القانون، ولم يغفل أجزاء أساسية من قرار مجلس الوزراء الذي تحدثنا عنه.

• إذا، جلست على كراسي المعارضة البرلمانية، بعد موقفك من إقرار قانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية؟
-لا يمكن القول بذلك. أنا مأخذي دائما على التطرف في المعارضة، أو التطرف في الموافقة. قد يجد الإنسان منا نفسه رافضا لموقف رسمي معين، لكنه لا يكون رافضا لكل السياسات أو القرارات الرسمية.
كان لي رأي مختلف عن رأي حكومة عبدالسلام المجالي بمعاهدة السلام مع إسرائيل، لكن هذا لا يعني بأني فتحت عليها النار، بعد أن وافق الأردن على مبدأ السلام، وتوقيع المعاهدة مع من كنا نعتبرهم أعداء.
وهذا كان موقفي في جميع المواقع التي أشغلتها، فأنت تعلم، كان لي مواقف في الحكومات التي شاركت فيها، وعارضت من داخل مجلس الوزراء قرارات بعينها، لكني لم أسجل نفسي في خانة المعارضة المطلقة لكل قضية وكل أمر. أعتقد بأني بذلك كنت متوازنا جدا بين مواقفي الوطنية من جهة، وبين تحملي أجزاء من المسؤولية الوطنية في المواقع التي كنت فيها من الجهة الأخرى.
لذلك، بقيت على مقاعد مجلس النواب، أمارس دوري التشريعي والرقابي كالمعتاد، ولم أُجر لمناكفة الحكومة أو رئيسها أو وزراء فيها. وإذا أردت أن تُسجل علي أي موقف معارض فقد عارضت بعض مواقف الحكومات، التي مرت على مجلس النواب الثاني عشر، وكنت أعارض أمام الراحل الحسين بعض قرارات الحكومة، ولم أكن أسعى للظهور الإعلامي في تلك المعارضة، لكسب الشعبية على حساب استقرار النظام السياسي، واستقرار أداء السلطات الدستورية، من خلال تعطيل أي من مسارات التشريعات في البرلمان، أو التأثير سلبيا في المزاج العام.

• إذا، لماذا لم تترشح لرئاسة مجلس النواب في الدورة الثانية، هل استشعرت بضعف فرصتك في النجاح، بعد تكهنك بالدعم الحكومي الذي سيقدم لمنافسك، أم أن النواب أنفسهم كانوا لا يؤيدون ترشحك؟
-قد تستغرب؛ ليس بسبب ما ذكرت، ولكن كانت عندي قناعة بأن مزاج مركز القرار، لم يعد يفضل وجودي، في أي من المقاعد الأمامية للمسؤولين.
وهو مزاج استطعت تفهمه تماما، جراء التعبئة الحكومية ضدي، سواء عند الراحل الحسين أو في مواقع رسمية أخرى. وأمام كل ذلك لم أكن أفضل أن انقلب على شخصيتي فحافظت على الهدوء ومارست شغبا سياسيا ناعما، عبر كتابة المقال الصحفي، الذي يتضمن رفضا جزئيا لمواقف رسمية في قضايا محددة.
أما عن قصة عدم رغبة النواب بترشحي رئيسا لمجلس النواب لدورة جديدة، فهذا ليس صحيحا، واستطيع القول بأن الموضوع كان مختلفا تماما، وأن ضغوطا نيابية كبيرة كانت تدعم ترشحي للموقع مرة ثانية، وذلك في إطار مشروعي، الذي نجحت به نسبيا، ودعمه زملاء نواب أفاضل، في تثبيت قوة مجلس النواب أمام الرأي العام، والتأكيد على استمرار أداء المجلس الحادي عشر من خلال المجلس الثاني عشر.
وفعلا، فقد التقى ما يزيد على 35 نائبا، يمثلون كافة الكتل والتوجهات السياسية، في مجلس النواب، واجتمعوا في مقر حزب جبهة العمل الإسلامي، واتخذوا قرارا بدعم ترشحي لرئاسة مجلس النواب في دورته الثانية، واتصلت بي توجان فيصل، ودعتني لحضور الاجتماع لمناقشة الأمر.
وهنا فقد تعرضت لضغوط نيابية شديدة في هذا السياق، وشفيعي كان في هذا الدعم النيابي التصدي بمسؤولية لحماية مجلس النواب والدفاع عن دوره الذي لعبه منذ بدء مسار التحول الديمقراطي العام 1989.
وبين من حضر ذلك الاجتماع عبد الله النسور، وقد كان موقفه واضحا من حكومة المجالي، وواضحا في دعم ترشحي، واقترح آلية لضمان التزام الجميع في التصويت معي، وكانت تلك الآلية هي أن توضع إشارة محددة، على أوراق المجموعة النيابية التي رشحتني، وكان مقترحه ذاك من أجل التأكد من تقيد الجميع بذلك والتزامهم.
كان الغائب الرئيسي عن ذلك الاجتماع هم أعضاء كتلتي، التي انتمي إليها، وانتدبت الكتلة فيما بعد صالح ارشيدات وعبد موسى النهار، لإعلامي بأن الكتلة قررت ترشيح سعد هايل السرور، وذلك بعد أن أعلنت عدم رغبتي في الترشح لمرة ثانية. حتى أن نواب فرادى زاروني في منزلي، وطلبوا مني الاستمرار بالترشح، وكان من ابرزهم النائب نواف القاضي، الذي طلب مني بإصرار أن لا اتخلى عن رئاسة المجلس بالرغم من الآلة الحكومية التي بدأت تتحرك باتجاه، لم يكن لصالحي.

• هل تجنبت إعلان موقفك النيابي المعارض لقرارات وسياسات الحكومات، بسبب حملك للقب دولة، إذ كنت النائب الوحيد حينها الذي يحمل هذا اللقب، وتجلس على مقاعد عضوية المجلس؟
-الأمر ليس له اتصال بحملي اللقب أو العكس، فبعد رئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب تكون قد زهدت تماما بالمواقع والألقاب، وتكون المسؤولية استنزفت منك كل جهد وكل تعب.
صحيح أنني انتمي لجيل انخرط بالعمل السياسي، ولا يستطيع التوقف عنه، كما أن هذا النوع من العمل العام؛ العمل السياسي، هو قطاع لا سن للتقاعد فيه، ولا مجال لتغيير اهتماماتك عنه.
لكن ما جعلني ابتعد عن الاضواء، وأعتكف على دراسة المسار الاستراتيجي لمستقبل الدولة، معرفتي وإطلاعي على تفاصيل التحديات الداخلية والإقليمية، التي تعيشها المملكة، فقد خدمت في مواقع المسؤولية في ظروف صعبة، وعرفت معنى الصعوبات، التي واجهها الحسين رحمه الله، وأجهزة الدولة الأخرى.
لم يكن سهلا علي أن أتخلى عن طباعي في توضيح موقفي الوطني أمام أصحاب القرار، وليس أمام الشارع، الذي قد تأخذه الاصطفافات معي أو ضدي لخانة إذكاء روح الفتنة والتناقض.
علينا كسياسيين أن نعرف طبيعة مجتمعنا، وأن نكون صريحين مع انفسنا، فواقعنا مختلف، وتركيبة مجتمعنا مختلفة، لذلك على معارضتنا أن تكون مختلفة، وأسلوب دعمنا للنظام السياسي واستقرار الحكم مختلفة أيضا.
أنا إن كنت مقرا بواجب الالتزام بكل ما يصدر عن مركز القرار، وهو بالضرورة موقف وطني مسؤول، لكن إذا عارضت قرارا ما، أو سياسة ما، فإن ذلك قطعا يجب التعامل معه من باب الحرص والخشية من المساس بوطنك وشعبك وقيادتك. ولذلك يجب أن تكون صريحا في توضيح وجهة نظرك وموقفك، حتى لو كان ذلك على حساب إقصائك من الملعب السياسي أو تقريبك من مراكز القرار.
لا أريد أن أجعل الأمر شخصيا، لكن في الأردن أنت معارض فقط، عندما تمتلك وجهة نظر تخالف فيها وجهة نظر البطانة في مراكز القرار، فرأس الدولة دائما ينصف الجميع، لكن من يدخل المعلومات له ويشكل الانطباعات عن الشخصيات السياسية في الجلسات المغلقة، هم من يتحملون مسؤولية المواقف، التي تُتخذ من شخصيات سياسية، لها رأي مخالف أو مناقض لآرائهم.
نحن في الأردن عشنا مراحل سياسية، تعرفنا فيها على مدارس كثيرة في إدارة الدولة والإدارة العامة واستقراء السياسات المطلوبة والسياسات الممنوعة، ولدينا من الأمثلة من تلك الشخصيات الكثير الكثير، ليس أقلها ذلك الخلاف في مدارس الإدارة العامة بين الرئيسين المخضرمين زيد الرفاعي ومضر بدران، أطال الله في عمرهما، كما كان لنا قدرة على التعامل والاستفادة من مدارس ادارة حديثة في حكومات زيد بن شاكر وعبد الكريم الكباريتي، وبتواضع قد أكون أنا أيضا أنتمي لتلك المدارس الحديثة في وقتها.
وقبل هؤلاء جميعا، فلك في حقبة الستينيات والخمسينيات أن تكتشف بنفسك حجم التباين والفرق في أداء الحكومات ومواقفها من إدارة الدولة.
كل هذا كنا نعيشه وسط أجواء من الاستقرار المؤسسي، والرضا الشعبي النسبي، والحفاظ على هيبة الدولة، والتمسك بقيم الاحترام في لغة التخاطب بين كل هؤلاء الرجال المتناقضين الموزعين على مدارس الإدارة العامة، والمتناقضين حتى في الهوية السياسية والانتماء الفكري، وهو ما جعل الحسين يعظم منفعة الوطن عبر كل هذه التعددية.
لقد ظلت المسؤولية العامة واجبا مقدسا، ولم نكن نعرف غير أن العمل السياسي هو عمل وطني، يجب أن يكون خاليا من أي شخصنة، في السياسات، وأي انانية في القرارات، ولقد ساعدتنا كثيرا في هذا المجال حكمة الحسين، وقدرته العالية على الاستشراف والتنبؤ، وتركه مساحة كافية لمسؤوليه من  أجل التصرف وإدارة الأمور، وفق أحكام القانون وبمرجعية دستورية، ممنوع العبث في تطبيقاتها.

• بعد ذلك استمررت نائبا، واستقالت حكومة المجالي، وجاءت حكومة زيد بن شاكر الثانية، وجاءت بعدها بنحو عام حكومة عبد الكريم الكباريتي الجدلية، والتي أحكمت سيطرتها على مفاصل العمل العام، وأثرت كثيرا على قرارات مجلس النواب؟
-بعد مخاض صعب بين حكومة المجالي ومجلس النواب استقال المجالي، وعلى الرغم من إدخال النواب في التعديل قبل الأخير على حكومته، مطلع حزيران (يونيو) العام 1994، فقد ظلت العلاقة بين الحكومة والنواب متوترة، ورفض الكباريتي أن يدخل في حكومة المجالي، ثم دخل الكباريتي وزيرا للخارجية في حكومة زيد بن شاكر، مع نحو 13 نائبا.
ومضت علاقة ابو شاكر مع ذات المجلس بالتوتر، لكنها استمرت لنحو عام وشهر، أو ما يقرب ذلك، وتعرض، رحمه الله، لهجوم نيابي قاس من النائب توجان فيصل، في وقت لم يكن النواب الإسلاميون على علاقة جيدة مع حكومته، لكن ابو شاكر استطاع عبور عام جديد، من عمر مجلس النواب الثاني عشر، ممهدا الطريق لخليفته عبدالكريم الكباريتي، ليكون رئيسا للوزراء، وكانت تلك الفترة قد شهدت تحضيرا لتقديم أسماء رؤساء حكومات، من جيل الشباب، الذين تركوا انطباعا ايجابيا من خلال أدائهم في مجلس النواب، وقد يكون الكباريتي وابو الراغب وسعد هايل السرور من هؤلاء الشباب.

• وهل كنت متوقعا تسمية عبد الكريم الكباريتي رئيسا للوزراء في تلك المرحلة؟
-لا أحد يستطيع التكهن بأسماء رؤساء الحكومات، في ذهن الراحل الحسين، أو ترتيب إعادتهم للحكومة أو ابتعادهم عن حظوظ العودة لمواقعهم.  فهناك أسماء تتوقع وجودها في الحكومة باستمرار، وهي أسماء إن خرجت كنا نعرف بأنها ليست بعيدة عن ذهن الحسين، فهو على لقاء مستمر بها، لكنه، رحمه الله، كان يبعث بإشارات معينة، تستطيع من خلالها كعارف لطباع الحسين، وطريقة تفكيره، ان تخمن اين سيقع الخيار في الفترة المقبلة.
الإشارة التي كانت في اعتقادي واضحة، بأن الراحل الحسين، ومنذ لحظة تكليفي بتشكيل الحكومة، بدأ يفكر بأن الخطوة الأولى لدخول الأسماء على قائمة المرشحين لرئاسة الحكومة هي خدمتهم في وزارة الخارجية، فالراحل الحسين، وكأنه يريد من ذلك أن يخضع المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة، في دورة عملية في السياسة الخارجية، واختبار قدراتهم على التقاط رسائله بسرعة، والتصرف بناء عليها، ببديهة عالية وحسن تصرف.
لذلك لمع نجم الكباريتي من خلال أدائه في مجلس النواب الثاني عشر، ومشاركته في الحكومات، التي تشكلت في المجلسين الحادي عشر والثاني عشر، وكان قد اقترب الكباريتي من الراحل الحسين في عدة مناسبات، واقترب أكثر منه بعد موقفه المتشدد والرافض لدخول حكومة عبدالسلام المجالي، في آخر تعديل عليها. ليأتي بعدها وزيرا للخارجية في حكومة ابو شاكر الثالثة، مواصلا مشواره نحو رئاسة الحكومة خليفة لأبي شاكر.

• لكنه فاجأ الجميع بطريقة تشكيله لحكومته، التي أدخل فيها 22 نائبا، من أصل 31 وزيرا، هم كامل أعضاء مجلس الوزراء؟
-لقد قدم الكباريتي حينها مقترحين لطريقة تشكيل حكومته، الأول كان يتضمن قائمة أسماء لوزراء من خارج مجلس النواب، ووزرائها المُفترضين بعيدين عن المجلس، والقائمة الثانية كانت تضم أسماء الوزراء من أعضاء مجلس النواب، ليتم اختيار القائمة الثانية، ودخول هذا العدد الكبير من النواب في حكومته، وهم كما قلت 22 نائبا وزيرا.
صحيح أن هذه الطريقة في تشكيل الحكومة كانت ذكاء منه، لتقليل هوامش الشغب النيابي ضد حكومته، ودعم التصويت على كل مشاريع القوانين، التي تبعث بها الحكومة، بالإضافة إلى نجاحه في سحب بعض العناصر النيابية من جبهة المعارضة البرلمانية، التي كانت جبهة ليس سهلا مواجهتها.
لكن من مأمنه يؤتى الحذر، فلو ترك الكباريتي جبهة المعارضة النيابية فاعلة، ولها تأثيرها على سياسات وقرارات الحكومة، لاستطاعت تلك المعارضة "فرملة" قراراته، التي كانت سببا رئيسيا بإقالة حكومته، وتحديدا قرار الخبز، الذي كان للجنة المالية والاقتصادية برئاسة سمير الحباشنة، في مجلس النواب، رأيا متقدما في تقليل رقم الرفع، لكن الكباريتي نجح وعبر وزرائه النواب في أن يخالف قرار اللجنة، وهو ما تسبب بالغضبة الشعبية الشهيرة العام 1996، وكانت واحدة مع جملة أسباب أخرى، أدت إلى إقالة حكومة الكباريتي.
لكنها تجربة جديدة، من تجارب الحكومات البرلمانية، ولا شك بأننا استفدنا منها لاحقا في تقييم أداء الحكومات النيابية، التي تتشكل بعيدا عن الموقف السياسي المشترك، والبرنامج التنفيذي المُتوافق عليه بين أعضائها. فما أريد قوله بأن الحكومات النيابية بالضرورة يجب أن تكون حكومات حزبية أو حكومة ائتلافات حزبية داخل مجلس النواب، وهذه هي خريطة طريق الإصلاح، التي يجب أن تبدأ بتغيير ثقافة الناخب، واستعادة ثقته بدور الأحزاب، برامج ودورا وحضورا، ثم قانون الانتخاب، الذي عليه هو الآخر، أن يساعد طرفي المعادلة الانتخابية، الناخب والمرشح، في الدخول لمجلس النواب على أرضية من الثقة والثبات، وبعد ذلك لك أن تغير طريقة تشكيل الحكومات، وتترك للمجلس حرية التوافق بين كتله الحزبية على الرئيس والأعضاء والبرامج والأفكار. باختصار هذا هو الإصلاح السياسي البرلماني الذي نحتاج ونريد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:40 pm

( الحلقة السادسة عشرة )
المصري: استثنيت وعبيدات من الأعيان بعد دعوتنا لمقاطعة انتخابات 1997

كولسة نيابية بين طاهر المصري والنائبين الاسلاميين في المجلس الحادي عشر (1989 ) ذيب انيس وعبد العزيز جبر
محمد خير الرواشدة
عمان - يستكمل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري، في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، عن تفاصيل مواقفه المُعلنة من رفض إجراءات التطبيع بين الأردن وإسرائيل، بعيد توقيع اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية، زمن حكومة عبد السلام المجالي.
ويكشف المصري في سرده لذكرياته السياسية في تلك المرحلة، عن تفاصيل اجتماع الراحل الحسين برؤساء الحكومات السابقين في الديوان الملكي، والحديث المتوتر الذي دار بين الراحل الحسين والمصري.
كما يكشف المصري كيف أن الأمير الحسن بادر بعد الاجتماع لترتيب لقاء بين الحسين والمصري لتوضيح المواقف، وترطيب الأجواء، حيث كان لقاء يكشف جانبا في العلاقة الإنسانية بين الراحل الحسين والمصري.
وبين المصري الأسباب التي أدت لمعاقبته بعدم دخول مجلس الأعيان في العام 1997، وذلك بسبب تبنيه وقوى سياسية معارضة الدعوة لمقاطعة انتخابات مجلس النواب الثالث عشر، نتيجة الإصرار الحكومي على إجرائها، بموجب قانون الصوت الواحد، الذي عارضه محدثنا منذ أول تطبيقاته في العام 1993.
وكان المصري قد كشف في حلقة أمس تفاصيل الثوابت التي أقرتها حكومته خلال إحدى جلسات مجلس الوزراء، والتي حددت شروط حضور مؤتمر مدريد للسلام، والطلب من الدول المضيفة دعم هذه الشروط.
وأكد المصري على أن موقفه الرافض لقانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، الذي قدمته حكومة المجالي وأقره مجلس النواب الثاني عشر في إحدى جلساته بأغلبية 55 صوتا وحضور 79 نائبا وغياب نائب واحد، كان هو المصري، جاء لمخالفة مواد القانون لتلك الشروط والثوابت التي وضعتها حكومة المصري.
واليوم يبدأ المصري سرد ذكرياته عن اللقاءات الأخيرة التي جمعت المصري بالراحل الحسين في واشنطن، والحديث الذي دار بينهما حول الخلاف في وجهات النظر، بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل، ممهدا لوصف مشاعره من لحظة وفاة الحسين رحمه الله.

وفيما يلي التفاصيل:
• وصلنا في الحلقة السابقة لفترة حكومة الكباريتي، التي استمرت عاما وخمسة واربعين يوما، حيث دخلت أنت في حالة سياسية، وضعتك في خانة المعارضة السياسية، حتى خارج مجلس النواب؟
-بالنسبة لي، كما قلت في أكثر من مناسبة، أنا لست معارضا، أنا أقول رأيي بصراحة، وللآخرين أن يصنفوا ذلك الرأي، ويحللوا بناء عليه، بالنسبة لي فأنا اقدم رأيي بصراحة وتجرد، ولا يكون في خاطري أن أتميز عن غيري بمنطق "خالف تُعرف"، أو المعارضة من خارج المسؤولية، والعودة لتغيير المواقف إذا ما رجعت لواجهة المسؤولية والمقاعد الأمامية فيها، لأن المصلحة الوطنية العليا تقتضي منا جميعا أن نحمل أمانة المسؤولية في النصيحة والمبادرة في تقديم المشورة، والمخالفة بالرأي، إذا كان هناك أمر مهم أو تقدير منك لوجود خلل غير واضح أو تعصب لموقف رسمي غير صحيح، أو تنقصه الدقة في احتساب جملة التقديرات والتداعيات، التي تترتب على أي قرار أُتخذ بطريقة ارتجالية وغير محسوبة الآثار.
هذا موقفي من أول حكومة شاركت فيها، وكنت وزيرا في حكومة زيد الرفاعي الأولى، حتى صرت رئيسا للحكومة، ثم رئيسا لمجلس النواب، ولم أغير طريقتي في العمل العام والسياسي، ولذلك قد أكون محسوبا بطريقة خاطئة على المعارضة، وقد لا أكون من هؤلاء، الذين يجيدون فن النفاق السياسي، إذا ما حملوا رتبة الموالاة.
فالموالاة هي الحرص على الحكم واستقرار النظام السياسي، واستمرار أداء المؤسسات الوطنية بسوية عالية من الأداء، وعبر تكريس مفاهيم العدالة والمساواة من خلال عملها واشتباكها وخدمتها للمواطن، كما أن تحصين السلطات الدستورية بالاستقلالية وزيادة ثقة المواطن هو أمر جوهري، لا يمكن عزله عن سياق الإصلاح الشامل المنشود والمستمر والمُستدام، وأهدافه الوطنية السامية.
كل ذلك يجب أن نُمسك عليه، ونحافظ على استمرارية تطوره الإيجابي، نحو المستقبل وحماية الاستقرار الداخلي والأمن السلمي من خلاله، وهو ما يُحتم علينا أن نكون جنودا من أجل تحقيق هذه الأجندة الوطنية، حتى لو على حساب تضحية الواحد منا بنفسه وموقعه.

• وهل هذا الكلام بدأ منذ عهد حكومة الكباريتي؟
-قطعا لا؛ فنحن نعيش أزمة النخبة السياسية منذ زمن بعيد، وهي النخبة التي تضرب ببعضها من دون أي رحمة بالوطن، حتى صارت النصيحة عبئا على أصحابها، والإقصاء السياسي هو سيف مسلط على رقاب المسؤولين، إن تفوهوا بكلمة تخالف قناعات بطانة هنا أو هناك. وبالمناسبة، فإن كثيرا من المواقف السياسية ضد أشخاص تُتخذ بناء على أقاويل وثرثرات صالونات سياسية، وليس بناء على دقة في نقل المواقف والتصريحات.

• إذا لماذا بدأ تصنيف موقفك السياسي بالمعارِض، منذ الدورة العادية الثانية لمجلس النواب الثاني عشر، التي قررت فيها عدم الترشح لرئاسة مجلس النواب، وابتعدت فيها عن المشهد، وصولا لمواقفك من معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، والإجراءات التي تبعتها من تطبيع للعلاقات بين الأردن واسرائيل؟
-تحدثنا في موضوع موقفي الشخصي من قانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وهو الموقف النابع من قناعتي، لكن انسحاب ذلك الموقف على علاقاتي مع مراكز القرار، كان أمرا مُستغربا في حينه، خصوصا بأني لم أمارس أي دور تعبوي ضد المعاهدة، ولا ضد من خاضوا تفاصيلها ووضعوها في قانون، ورفعوه لمجلس النواب، وحشدوا لإقراره أغلبية 55 صوتا، من أصل 79 نائبا حضروا الجلسة.
لكن في الفترة التي تشكلت فيها حكومة الكباريتي، بدأت إجراءات التكيف مع قانون معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، وتم إلغاء وتعديل التشريعات المتعلقة بقانون المعاهدة، مثل قانون منع بيع العقار للعدو، وموضوع التجارة والقيود المتعلقة بذلك.
كما بدأ تدفق الإسرائيليين للأردن، وبدأوا يظهرون في الشوارع بشكل علني واستفزازي، وبدأ بحث جماعات يهودية دينية في التنقيب عن ما يدّعون بأنها آثار يهودية، وكان ذلك مستفزا لشعور الناس، الذين بدأت تتشكل عندهم قناعة بأن هذا الوجود الإسرائيلي في الأردن هو استمرار لمسلسل التوسع الإسرائيلي الصهيوني، ليس فقط في فلسطين، بل أن ذلك سيمتد للضفة الشرقية، وما التنقيب عن الآثار اليهودية على أرضنا إلا تمهيد لاكتشافاتهم بأن الأردن هي الأخرى أرض يهودية أيضا، وهو أمر قد نوقش في مستويات شعبية، وتم طرحه كتخوف كبير يهدد أمن المملكة واستقرار نظامها السياسي.
في تلك الفترة أيضا، بدأت تظهر تعبيرات التطبيع ومقاومة التطبيع، وتحركت قوى سياسية ونقابية لتتعامل مع رفض التطبيع ومناهضته، وظهر في قاموسنا السياسي في تلك الأيام مصطلح "الهرولة نحو التطبيع".
ومن هناك ظهر لي رأي واضح وحاسم في بعض الأحيان، أدى إلى زيادة الخلاف بيني وبين الإجراءات الحكومية، كما تزامن ذلك مع حادثة أحمد الدقامسة، وردود الفعل الرسمية على الحادثة، وزيارة الراحل الحسين إلى تل أبيب، لتعزية أهالي الطالبات، كما وبعد ذلك نقل التلفزيون الأردني مراسم جنازة رابين، وهو ما آثار مشاعر الناس بشكل كبير.
وهنا لا بد من الإشارة بكل وضوح وأمانة، الى أن الراحل الحسين قد ضحى في تلك الفترة بجزء من شعبيته، نتيجة ما قام به، لكنه رحمه الله، كان مقتنعا بأن سعيه لتثبيت أركان السلام مع اسرائيل سيخرج الأردن من عنق الزجاجة سياسيا واقتصاديا، وستنحسر موجة العزلة الدولية، التي مورست على الأردن، نتيجة موقفنا الذي لم يتفهمه أحد، في ضرب بغداد وحصار العراق، وبقينا نُحاسب عليه طويلا، وخضعنا لابتزاز دولي حتى نتمكن من تجاوز تداعيات كل ذلك، فالراحل الحسين كان مقتنعا بأن ما يقوم به وإن أضعف من شعبيته مرحليا في الداخل، لكنه كان مقتنعا بأنه يحمي استقرار الأردن، وأمنها إقليميا ودوليا على المدى الطويل.
وهذا ليس تناقضا في موقفي، بين رأيي بإجراءات التطبيع، وبين رأيي في سياسة الراحل الحسين من ذلك الملف، ففي ذلك تعريف للفرق بين القائد، الذي يستشعر الخطر ويستشرف المستقبل، والمستويات الأقل منه في المسؤولية، فنحن نتعامل مع إسرائيل من وحي عداوة تاريخية، تمت تعبئتها عبر سنوات وعقود، ولا استطيع أن أُلغي تماما ملف الصور والذكريات الصعبة والمُرة لي شخصيا، ولأقاربي ولكثير من الشعب الفلسطيني، الذي هُجر قسرا في العام 1948، ومورست بحقه كل سياسات "التطفيش" في الداخل الفلسطيني، بعد حرب العام 1967، وكيف لي أن أنسى أقسى مشاهد التنكيل بشعب مسالم، لم يقرر أن يخوض حربا، ولم يكن له سوى هدف مشروع بدفع الغاصب المحتل عن أرضه.
فالملك يفكر بأسرته، التي كان تعدادها أكثر من 4 ملايين مواطن، يعيشون على أرض مستقرة، ونظامها السياسي راسخ، ولا يريد أن يطرأ أي تغيير على مستويات الأمن الاستراتيجي للأردن والأردنيين، أما أنا فرجل سياسي مستقل، أعبر عن رأيي وأضع حدودا لما أقبل به من سياسات رسمية، قد لا أستطيع التعاطي معها، لا بضميري ولا بموقفي.
في تلك الفترة، حصل توتر كبير بيني وبين حلقات ضيقة في مراكز القرار، وقد حدث نقاش حاد بيني وبين الراحل الحسين، في اجتماع حضره الأمير الحسن، وبحضور الكباريتي وكل رؤساء الحكومات السابقين، وذلك بسبب مواقفي، التي ذكرتها لك من معاهدة السلام، وحتى مناهضة التطبيع، وهي حادثة لم تحصل بين الراحل الحسين وأي رئيس حكومة سابق خدم معه، لكن الحسين فعلا يستطيع استيعاب الآخر، وهو القادر على تخفيف أي جو محتقن باستماعه الجيد لمحاوريه.

• لكن ما هو سبب النقاش الحاد، وإلى أي نتيجة وصلتم في هذا الاجتماع؟
-الاجتماع كان سياسيا، يناقش مستجدات الوضع الراهن والتقديرات المستقبلية وسبل تعزيز الاستقرار، إلى آخر تلك العناوين الداخلية.
وبدأ النقاش وقتها بقضايا مختلفة، وكانت مداخلات بعض رؤساء الحكومات بعيدة عن حدث اللحظة السياسية، وهو السلام والتطبيع، وكان للراحل الحسين كلام في هذا الموضوع، لكن لم يعقب الرؤساء على ما قاله الحسين.
فلما جاء دوري في الحديث، بدأت الحديث، وقلت رأيي بصراحة، وتوترت الأجواء داخل الاجتماع، حتى أن زيد الرفاعي كان يجلس لجانبي، وحاول تهدئتي، وأكملت اندفاعي بالحديث، وكان الجو فعلا مشحونا بالخلاف، وكان واضحا أيضا بأن هناك شخصيات من حلقات مركز القرار تزيد من غضب الراحل الحسين مني، ومن مواقفي، التي أسيء فهمها والتعامل معها.
لكن لم نتوصل لنتيجة، وبقيت ممسكا على رأيي، واستكمل الراحل الحسين الاجتماع، وغادرنا جميعا المكان. طبعا كانت في الاجتماع أيضا تفاصيل شخصية، في العتاب بيني وبين الراحل الحسين، لا أريد أن أخوض فيها هنا، فهي أمور شخصية، تتصل بعلاقتي مع الراحل الحسين التي نشأت من خلال مواقع المسؤولية، التي كنت فيها، وقربتني منه كثيرا رحمه الله.

• وهل استمرت الأجواء محتقنة ومشحونة بينك وبين الراحل الحسين طويلا؟
-لا؛ بعد ذلك الاجتماع طلب مني الأمير حسن أن أذهب معه إلى الراحل الحسين، وأصر الحسن على توضيح وجهات النظر، لكي لا يكون هناك شرخ في علاقات الحسين مع رجاله.
ذهبنا إلى قصر الندوة، واستقبلنا الراحل الحسين، وجلسنا، وعاتبته كثيرا، وقد كان متفهما لعتبي، لكنه كان أيضا عاتبا ومستغربا من بعض مواقفي.
فقلت له يا جلالة الملك، أنتم الزعماء العرب، مارستم كل أساليب التعبئة الشعبية عند العرب، بأن اسرائيل هي العدو الأوحد، وكنتم تحذرونا من مخاطر التوسع الإسرائيلي على حساب الأمة العربية ومقدراتها، وكانت خطبا تتزلزل الأرض عندما تصدح بالقول "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وربيتم الجميع على عداء إسرائيل، وكنا ندرس منذ تفتح وعينا دروسا في تاريخ الخيانة الإسرائيلية لكل العهود والمواثيق، ثم بكل بساطة، بات مطلوبا منا أن نستدير 180 درجة في علاقتنا مع هذا العدو، ونفتح صفحة السلام على مصراعيها وننسى كل ذلك التاريخ.
وتابعت قولي: إنك يا جلالة الملك قائد عظيم، وتملك فكرا استراتيجيا، وتستطيع استيعاب كل هذا التغير في العلاقة مع الأعداء، ونُقدر ما تقوم به من تضحية بشعبيتك في هذا المقام، وكله لصالح الوطن وأمنه واستقراره، لكن كيف للمواطن، أن يستوعب بـ6 أشهر، أو سنة أن دولة عدوة على مدى التاريخ، صارت صديقة، وعند هذا الواقع فبالضرورة ستكون عندنا ردود فعل عكسية وسلبية، قد تؤثر على الاستقرار الداخلي.
وسألته في ذات المداخلة: هل مظاهر السياح الإسرائيليين في عمان، والمواقع الأثرية هي مظاهر حقيقية؟! وكيف لنا أن نستطيع هضم ذلك وقبوله والتعامل معه بأريحية؟.
رد الراحل الحسين بأنه يريد إقناع العالم برغبة الأردن بالسلام الحقيقي، وأن عقلية القلعة التي تمتلكها إسرائيل يجب تحطيمها، ونريد للعالم أن يقتنعوا بالفرق بيننا وبجديتنا وبما نبذله من جهود حقيقية على هذا الطريق، وبين عدم جدية الإسرائيليين ومماطلتهم ومراوغتهم بالمفاوضات، وإفشال جهود السلام.

• لكنك واصلت خطك المعارِض للسياسات الرسمية، وعوقبت بأنك لم تدخل مجلس الأعيان الذي تشكل بعد الانتخابات، التي جرت في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1997 زمن حكومة المجالي الثانية، ولم تشارك أنت في الانتخابات، لا ترشحا ولا انتخابا، كما قيل بأنك حرضت سياسيا على مقاطعتها إلى جانب الإسلاميين؟
-صحيح؛ فقد وقعت على بيان، إلى جانب 100 شخصية سياسية، دعونا فيه إلى مقاطعة انتخابات مجلس النواب الثالث عشر، التي جرت العام 1997، لأنها جرت بقانون الصوت الواحد، كما كانت لدينا قناعة بأن نوايا تزوير الانتخابات كانت واضحة، وأعتقد أن سبب الغضب الرسمي علينا بعد البيان كان بفعل المقاطعة الشعبية للانتخابات، والتي نجحت إلى حد ما، خاصة في المدن الكبرى.
وبعد أن انتهت الانتخابات، وأعلنت النتائج، وزاد مجلس النواب بعدا عن الثقة الشعبية وتأثيره بالرأي العام، تشكل مجلس أعيان جديد، وكنت أنا وأحمد عبيدات من رؤساء الحكومات السابقين الذين تم استثناؤنا من تشكيلته، وكان أمرا متوقعا ولم نتفاجأ به.
بعد إعلان مرض الراحل الحسين، رحمه الله، ومغادرته إلى "مايو كلينك" للعلاج، انشغلنا نحن في متابعة صحة الحسين، والاطمئنان عليه، دون أن يؤثر ذلك على فتور العلاقة السياسية معه، أو تباين المواقف، وبعد عام من تشكيل المجلس الجديد، أعاد رحمه الله تعيين أحمد عبيدات في نفس المجلس، ودخلت أنا لأول مرة في تشكيلة مجلس الأعيان العام 1998.

• وهل رأيت الراحل الملك الحسين خلال مرضه، أم أنك اكتفيت بمتابعة أخباره من خلال اتصالاتك مع الديوان الملكي هنا في عمان؟
-لا قابلته في واشنطن؛ فبعد الأنباء عن تحسن صحته في "مايو كلينك" ومغادرته للمستشفى، وخلال فترة نقاهته بعد جلسات العلاج الكيميائي، طلبت من التشريفات الملكية ترتيب موعد لي للقاء جلالته، فاقترحوا علي أن ألتقي بالراحل في واشنطن، في اليوم المقرر أن يصل فيه إليها، وأرادوا من ذلك إراحتي من السفر إلى مايو كلينك.
ذهبت إلى مكان إقامته في ضاحية من ضواحي واشنطن، وكان معي ابني نشأت، ولما دخل علينا رحمه الله، ورأيته، ورأيت كم غيّر المرض في شكله وقوته، فقد انهرت تماما، وبدأت ارتجف، وبالكاد تمالكت أعصابي، حتى لا يؤثر ذلك على معنوياته، لكني بدأت أشعر بأن الحسين سيتركنا، ومن تلك اللحظة صار الخوف يلازمني، ولم أجد علاجا لقلقي وتوتري.
فقد ارتبطنا بالراحل الكبير، وبقيت صورته في وجداننا، بأنه قائد عظيم، لا يؤثر فيه أي موقف أو ظرف، وهو بالنسبة لنا نحن من خدمنا بمعيته في مواقع كثيرة، أكثر من معلم، وله سحره الخاص، في تعامله مع الجميع، المقربين منه وحتى خصومه. ولذلك، فان صورة تأثره بالمرض كانت صورة كارثية علينا، نحن من تعودنا على ظهوره بأبهى صورة، وأقوى مواقف وأصلب شدائد، منذ تلك اللحظة، بدأت معنوياتي تضعف، حتى بلغت الانهيار، بخبر وفاته رحمه الله رحمة واسعة.

• وهل اقتصر ذلك اللقاء على سؤالك عن صحته فقط، دون أن تتحدثا بأي أمور أخرى، لها علاقة بالأردن أو لها اتصال بفتور العلاقة بينكما؟
-كعادته رحمه الله، يُنسيك بأنك عاتب عليه، أو غاضب منه، إذا ما استقبلك بتلك الابتسامة الساحرة، وطريقة ترحيبه بضيوفه، كما أنه رحمه الله لا يُشعر أحدا بضعفه أو تأثره بالمرض، ولولا ما كان ظاهرا عليه من آثار المرض، لما عرفت بأنه مريض، من طريقة حديثه معي، فقد خاض في قضايا كثيرة، تتعلق بالشأن المحلي، وأعاد رده علي بموضوع التطبيع مع اسرائيل، ورؤيته الاستراتيجية في ضرورة احراج الإسرائيليين والضغط عليهم من أجل تنفيذ مقررات السلام مع الفلسطينيين، بعد أن يُبرهن للمجتمع الدولي جدية الأطراف الأخرى بتحقيق معادلة السلام الآمن والعادل والشامل، ومراوغة الإسرائيليين.
لم أرد أن أطيل الحوار والجدال معه بذات الموضوع، تقديرا مني لوقته، ولكي لا أتعبه بالحوارات، لكني قلت له بأن الإسرائيليين ليسوا مثله، ولا يفكرون بنفس الطريقة، التي يفكر بها، وقلت له كيف لهم أن يكونوا شركاء في السلام، وما تزال حكومة نتنياهو، وقتها، تتغول على الأرض الفلسطينية، أكثر وتمارس سرطانها الاستيطاني وتصادر الأراضي في الضفة الغربية، إلى جانب الاعتداءات المستمرة على القدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية فيها، وتوقفنا بالحديث عند هذا الحد.
ثم انتقلنا في الحديث الى صحته وكيف هي مراحل العلاج، وعن معنوياته التي كانت مرتفعة جدا، وتمنيت عودته بسرعة إلى الأردن، بعد الاطمئنان على صحته، لكنه قال لي أمرا أحبطني من جديد، بعد أن كاد الحديث معه ينسينا مرضه، ومدى تأثره به صحيا، فقال لي انه وقبل يوم من لقائنا هنا، ذهب مع الملكة نور إلى واشنطن ليشارك في مسيرة ضخمة لصالح مرضى السرطان، لكنه لم يتمكن من الوصول، فقد تعب مجددا وهو في الطريق، فطلب أن يعود لمنزله، وأن تُكمل الملكة نور طريقها لتشارك بالمسيرة نيابة عنه، ليدخل رحمه الله في جولة جديدة من العلاج، فقد كان واضحا عليه بأن مرضه يتقدم وأن الشفاء يبتعد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:42 pm

سياسي يتذكر ( الحلقة السابعة عشرة )
المصري: الملك لديه قدرة فائقة على التعامل مع معادلات الداخل والخارج

الملك يصافح طاهر المصري بمناسبة التهنئة بولاية العهد في السابع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1999
محمد خير الرواشدة
عمان - يستمر رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري اليوم في وصف أهم اللحظات التاريخية في حياة الأردنيين، ويذهب إلى وصف تداعيات مرض الراحل الحسين الأخير، وتسارع الأحداث حتى لحظة وفاته، والبدء بإجراءات التحضير لجنازة القرن.
كما يصف المصري، في سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، كيف استقبلت المملكة خلال مراسم تشييع جثمان الحسين، وعلى مدى أيام العزاء، حشدا أمميا في "جنازة العصر"، من دون وقوع أي خطأ، ومن دون أن يهدد أي خطر حياة أي ملك أو زعيم أو رئيس حضر الجنازة. وزاد في وصف جنازة الراحل رحمه الله؛ بـ"القمة الدولية، التي لم يتغيب عنها سوى الذين حالت ظروفهم القاهرة دون الوصول لها".
وقبل أن يدخل المصري في وصف تلك اللحظات، بعد رحيل الحسين، التي وصفها بالمختلطة، كان قد عرج على أدائه السياسي خلال عضويته في مجلس الأعيان، وهي المرحلة التي شهدت هدوءا نسبيا على الساحة السياسية، مضيفا أن مساحات المناورة في مجلس الأعيان أقل منها في مجلس النواب، خصوصا "أن موقف الأعيان عادة ما يكون فيه توجه واضح والتزام بالخط الرسمي".
لكن ما يكشفه المصري اليوم هو موقفه من مسألة تغيير ولاية العهد في المملكة، من الأمير الحسن بن طلال، إلى الأمير عبدالله بن الحسين، معتبرا بأن هذا القرار "هو قرار الملك وهو رأس السلطات الدستورية".
وأضاف المصري "كنا ننظر في ذلك الوقت إلى أن تغيير ولاية العهد هو شأن يتعلق بالعائلة المالكة، وليس لنا الحق في التعبير عن رفضنا أو قبولنا له"، ويزيد "ما دام الدستور منح هذه الصلاحيات لجلالة الملك، ونحن ندعو وباستمرار إلى احترام الدستور وتطبيقاته، فليس لنا أي تعليق على القرار".
وأعاد المصري التذكير بأن الحسين لم يغير ولاية العهد، عبر تعديل الدستور، كما فعلت أنظمة عربية أخرى، بل إنه "أمعن أكثر في تطبيق أولويات الدستور، الذي أعطى الملك صلاحيات تسمية ابنه الأكبر وليا للعهد".
ويشرح المصري جوهر مفهوم النظام الملكي: بأنه لا يعني التفرد بالقرار، عن سابق قمع وتسلط، بل يعني بأن الملك وبموافقة شعبه وسلطاته الدستورية، يختار خليفته بموجب العقد الاجتماعي الفريد، والذي جرى التوافق عليه منذ كتابته، وهو الدستور الأردني.
وكان المصري كشف في حلقة أمس عن تفاصيل اجتماع الراحل الحسين برؤساء الحكومات السابقين في الديوان الملكي، والحديث المتوتر الذي دار بين الراحل الحسين والمصري.
وبين المصري الأسباب التي أدت لمعاقبته بعدم دخول مجلس الأعيان في العام 1997، وذلك بسبب تبنيه وقوى سياسية معارضة الدعوة لمقاطعة انتخابات مجلس النواب الثالث عشر، نتيجة الإصرار الحكومي على إجرائها، بموجب قانون الصوت الواحد، الذي عارضه محدثنا منذ أول تطبيقاته العام 1993.
اليوم يذهب المصري للبدء بأول الكلام عن مرحلة العهد الجديد، مرحلة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، بعد تسلمه سلطاته الدستورية، وكيف بدأت علاقة المصري بالملك الشاب، ليواصل في حلقة يوم غد، الحديث عن أولى مبادرات الملك في عهده، وكيف أن الأحداث الحدودية والاقليمية والدولية، شكلت سورا كبيرا وتحديا خطيرا أمام بداية عهده، وكيف تجاوز كل تلك السنوات الصعبة، لينتصر استقرار المملكة وأمنها.
وفيما يلي التفاصيل:
• وصلنا في حلقة امس، الى العودة لادخالك مجلس الاعيان العام 1998، بعد ان استثنيت كرئيس للوزراء سابق، من عضويته عند تشكيله العام 1997. هل كانت لك مواقف مثيرة للجدل في الأعيان، وبطريقة قد يكون لها أثر على ضبط انفعالاتك ومواقفك تجاه السياسات الرسمية؟
- لم يكن هناك ما يستدعي ذلك، فتلك الفترة شهدت هدوءا نسبيا على الساحة السياسية. كما أن مساحات المناورة في مجلس الأعيان أقل منها في مجلس النواب، خصوصا وأن موقف الأعيان عادة ما يكون فيه توجه واضح والتزام بالخط الرسمي، وإن أي مناورة منك في هذه الساحة قد لا يكون لها أي أثر على التصويت في الأعيان.
ثم إن طريقة طرح القضايا ومناقشة التشريعات في مجلس الأعيان غالبا ما تكون بعيدة كل البعد عن التشنج بالمواقف، أو التعصب للآراء، ففي خبرة بعض أعضاء مجلس الأعيان ما يجعل هامش الخلاف ضيقا، مع المبادئ الدستورية ومدى الالتزام بصياغة القانون من روح ونص تلك المبادئ.
لكن الأهم من ذلك كله، وعند دخولي مجلس الأعيان، فقد انشغلنا جميعا بمتابعة صحة الحسين وتطور مرضه، وهي لحظات كانت صعبة في تجربتي السياسية، ولن أنسى تفاصيلها الصعبة، وكل التزم بمشاعر مشتركة بمتابعة صحة الحسين، ومعرفة آخر أخباره مع العلاج.
فالجميع في تلك الأيام، كانت الأولوية عنده صحة الراحل الحسين وعودته، وبالكاد كنا نسمع في المجالس عن مواضيع أخرى، وإن أثير أي موضوع أو فتح أي ملف، فكان الجميع يتجنب الخلاف.
لقد كانت تلك الفترة فترة تاريخية مميزة، فقد توحدت اهتمامات الأردنيين، ولقد عاش الجميع قلق الهم المشترك، لذلك، في المحن والشدائد تبرز دائما قيم الشعب الأردني، وقيم الوحدة الوطنية، وقيم الانتماء للأرض والوطن والمسؤولية، وباعتقادي أن هذه القيم هي التي خففت علينا وطأة مرض الحسين حتى وفاته رحمه الله.

• كنت عضو مجلس اعيان في العام 1999، عندما حدث تغيير ولاية العهد، من الأمير الحسن إلى ابن الملك الأكبر، الأمير عبد الله بن الحسين؟ كيف تابعت هذا الحدث المهم يومها؟ 
-لا شك في ذلك. لكن من موقعي كعضو في مجلس الأعيان، فقد كنت بعيدا عن هذا الحدث، والتزمت بمتابعته وحسب، لكن ما أذكره جيدا، هو اننا كنا ننظر في ذلك الوقت إلى أن تغيير ولاية العهد هو شأن يتعلق بالعائلة المالكة، وليس لنا الحق في التعبير عن رفضنا أو قبولنا له، فما دام الدستور منح هذه الصلاحيات لجلالة الملك، ونحن ندعو وباستمرار إلى احترام الدستور وتطبيقاته، فليس لنا أي تعليق على القرار.
ثم إن الراحل الحسين لم يغير ولاية العهد، عبر تعديل الدستور، كما فعلت أنظمة عربية أخرى، بل إنه أمعن أكثر في تطبيق أولويات الدستور، الذي أعطى الملك صلاحيات تسمية ابنه الأكبر وليا للعهد.
وهي الفقرة (أ) من المادة 28 من الدستور، في القسم الأول من السلطة التنفيذية، الملك وحقوقه، والتي جاء فيها "تنتقل ولاية الملك من صاحب العرش إلى أكبر ابنائه سنا ثم إلى أكبر أبناء ذلك الابن الأكبر، وهكذا طبقة بعد طبقة، وإذا توفي أكبر الأبناء قبل أن ينتقل إليه الملك كانت الولاية إلى أكبر أبنائه، ولو كان للمتوفى إخوة، على أنه يجوز للملك أن يختار أحد اخوته الذكور وليا للعهد، وفي هذه الحالة تنتقل ولاية الملك من صاحب العرش إليه". وبالمناسبة هذا التعديل الدستوري جرى في نيسان (إبريل) من العام 1965، ولم يجر في العام 1999، ولم يتم تعديله مع التعديلات الدستورية الأخيرة، التي جرت العام 2011، وهو ما يؤكد بأننا دولة مؤسسات ودستور، وأن دستورنا اتخذ كل الاحتياطات اللازمة في مواجهة أي تحد سياسي خارج عن إرادة الحكم.
وهنا، إذا التزم الراحل الحسين بأولويات الدستور، في اختيار ولي العهد، فقل لي كيف لنا أن نخالف رأيه وقراره؟! فذلك حق مطلق للملك، ولا يملك أحد التأثير عليه.

• لكن ألم يكن مفاجئا لكم هذا التغيير، هل كانت لديكم معلومات عنه، هل استشار الراحل الحسين أحدا من رجاله السياسيين في الأمر، هل تسربت لكم أي إشارات عن هذا الحدث؟
-إطلاقا؛ فلقد جرى الأمر في حلقة ضيقة داخل العائلة المالكة. ومن المؤكد، أو هكذا أعتقد، بأن هناك مسؤولا أو اثنين، أو أكثر بقليل، يعرفون بالأمر، لكننا كعاملين في السلطات الدستورية، التشريعية أو التنفيذية أو القضائية، لم يكن عندنا أدنى معرفة بالأمر.
لكن إن سألتني عما أذهل المتابعين لهذا التغيير الكبير، في شكل الحكم في الأردن، سواء من تابعه من داخل الأردن، أو من تابعه في دول الإقليم والعالم، فقد أدهشت سلاسة انتقال ولاية العهد، من الأمير الحسن إلى الأمير عبدالله العالم، وذلك لأن الأمر جرى بغاية الترتيب الدستوري، ومن دون أي ارتباك، في أي مستوى من مستويات الحكم والمسؤولية في البلاد.
وهذا المعنى العملي التطبيقي لدولة المؤسسات، وهي الدولة، التي إن حدث فيها أي تغيير، فإن الإجراءات تلتزم بروح الدستور واحكامه، وتطبيق القوانين من دون أي هامش لخطأ أو سوء تقدير.

• لكن تغيير ولاية العهد فتح باب الإشاعات والأقاويل والتحليلات والتكهنات واسعا، وذلك لأهمية الحدث وغياب التوضيح والتفصيل لحقيقة القرار؟
-بالنسبة لي على الأقل، لم أجد في تغيير ولاية العهد ما يجعلني التفت لهذه الإشاعات، فما دام القرار للحسين، وما دام الأمير الحسن احترم رغبة أخيه الأكبر، وما دامت العائلة المالكة رحبت أيضا بقرار الحسين، واختياره ولي عهده، فلماذا نخوض نحن في الشأن.
هنا، حتى أوضح رأيي في الأمر بطريقة لا لبس فيها، فأنا ما يهمني هو استقرار شكل ومضمون النظام السياسي، ورأس الحكم فيه، أما من يختار الحكم ممثلا له، فهذا شأن تم ترتيبه دستوريا، وحيدت جميع السلطات عن الخوض في تفاصيل مثل هذه القرارات، وتُرك القرار للملك وحده.
وهذا هو جوهر مفهوم النظام الملكي، فهو لا يعني التفرد بالقرار، عن سابق قمع وتسلط، بل يعني بأن الملك وبموافقة شعبه وسلطاته الدستورية، يختار خليفته بموجب العقد الاجتماعي الفريد، الذي ينظم جميع العلاقات على الأرض الأردنية وهو الدستور، وبالضرورة سيكون للملك وجهة نظر، وتقدير في خدمة مصالح الشعب، واستقرار الحكم والنظام، وتلك هي كلمة السر في معادلة الأمن والاستقرار الداخلي في النظام الملكي.

• لم يكن هناك فترة طويلة بين تغيير ولاية العهد من الأمير الحسن للأمير عبدالله، وبين وفاة الراحل الحسين، وذلك حدث أدخل الأردنيين في مساحة حزن، ما زالوا يستذكرونها حتى اليوم؟
-ليس سرا أثر الراحل العظيم الحسين على مشاعر الأردنيين، فهم الذين خرجوا إلى الشوارع جماعات وأفرادا، يبحثون عن أي خبر حول صحة الحسين، وكلنا نتذكر كيف أنه، ورغم الظروف الجوية القاسية، وقف الأردنيون في اعتصام مفتوح على البوابة الرئيسية لمدينة الحسين الطبية، حيث كان الراحل الحسين دخلها بعد عودته الأخيرة من الولايات المتحدة.
بالنسبة لي كان أمرا مهما، وكان حدثا فارقا، وكانت لوعتنا نحن الذين خدمنا بمعية الراحل الحسين، لا يمكن وصفها، ولا التعبير عنها.
ما أذكره جيدا، بأن مشاعر مختلطة تنازعتني يومها، فكيف لي أن أوازن بين موقفي كسياسي مطلوب منه أن يتمالك نفسه أمام الناس، وان يتحمل أي مسؤولية لها علاقة بحدث كبير كموت الحسين، حتى وأنا خارج مواقع المسؤولية، وبين مشاعري كإنسان خدم بمعية الراحل الحسين وتعلق به، وتعلم في مدرسته، وأكاد لا أتخيل، بأن رجلا بقوته وصلابته يهده المرض، أو يكون سببا في وفاته.
قبل وفاة الحسين، رحمه الله، استدعانا رئيس الوزراء، وقتها، فايز الطراونة، حيث جمع رؤساء الحكومات السابقين، وأبلغنا بأن الحسين قد يودعنا خلال ساعات، وعرض أمامنا كل الأوراق الرسمية، للترتيبات الدستورية، لنقل الملك من الراحل الحسين، لابنه الملك عبدالله الثاني، وطلب منا تقديم فتوى دستورية، في مسألة كيف لولي العهد، أن يكون نائبا للملك، والملك في غيبوبته في المدينة الطبية. وأفتى له بها رئيس الوزراء الأسبق زيد الرفاعي دستوريا.
وخلال استعراض الطراونة للأوراق الرسمية، ووضعه لصيغة الملك عبدالله، اقترحت أن نطلق التسمية الرسمية له، وهي جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
وانطلق سباق الأحداث، وانتقل الحسين إلى رحمة الله تعالى. كنا أمام استحقاق دستوري مؤسسي، منه تتعلم دول أصول نقل الملك وسلاسة الإجراءات، وضبط ساعة الدولة على بنود وأحكام الدستور والقانون.
فما بين الساعة الثانية عشرة وخمس وأربعين دقيقة ظهرا، لحظة إعلان وفاة الراحل الحسين، وبين الساعة الثالثة عصرا، كان الملك عبدالله الثاني يقسم اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة، لتبدأ إجراءات التحضير لجنازة الراحل العظيم.

• وكيف تابعت أحداث الجنازة في ذلك اليوم؟
-لقد جرى الترتيب لجنازة الراحل الحسين، بطريقة مذهلة وفي وقت قصير، ولقد تميزت التشريفات الملكية في تحضيرها لهذا الحدث، ويكاد لم يُسجل أي خطأ في أي إجراء لاستقبال كل هذه الوفود، التي شاركت في الجنازة، وزعماء العرب والعالم الذين حضروا.
ويا لها من لحظات صعبة ومشاعر مختلطة، فقد أدخلنا الراحل الحسين التاريخ، بحراكه وهو حي، وأدخلنا التاريخ ونحن نودع جثمانه، وخلال كل تفاصيل التشييع والدفن وأيام العزاء. فكل هؤلاء الزعماء، على اختلاف مواقفهم وتضاد أفكارهم والصراع السياسي والعسكري بين دولهم، حضروا يومها، ووقفوا على أرض واحدة، تجمعهم مشاعر واحدة، هي العزاء للأردنيين بوفاة الحسين.
بداخلي شعرت بالحزن الشديد، كما شعرت أيضا بزهو الموقف، ولك أن تفصل بينهما كما تشاء، لكن هذه حقيقة مشاعري.
وإذا أردت أن أصف لك أكثر، فجزء كبير من الملوك والزعماء والرؤساء الذين حضروا جنازة الحسين، كنت قد التقيتهم سواء في الفترة التي أمضيتها سفيرا بين الأعوام 1974 وحتى 1983، بين مدريد وباريس ولندن، أو السنوات الخمس التي كنت فيها وزيرا للخارجية، أو وأنا رئيس للوزراء أو رئيس لمجلس النواب، وهم الذين تعرفت عليهم بفضل الحسين، وإذا كانوا يصافحوني فبسبب معرفتهم بأنني كنت في خدمة الحسين، وأعمل بمعيته في مواقع مختلفة، هؤلاء الملوك والرؤساء كانت تفصلنا عن رؤيتهم إجراءات بروتوكولية طويلة، إذا ما طلبنا منهم لقاء رسميا، لكنهم في أقل من 24 ساعة، كانوا موجودين في عمان لحضور جنازة الحسين.
وهم الذين جاءوا احتراما لدور الراحل الحسين، في المنطقة والعالم، واحتراما للقيم التي آمن بها الحسين، وحملها معه طيلة سنوات حكمه، واحتراما لرجل واجه كل التحديات والظروف والصعاب، وبنى دولة المؤسسات والقانون والدستور، وهي شهادة بلغنا إياها ملوك ورؤساء وزعماء دول عريقة، عندما رأوا كيف أن الحسين غادرنا وكيف أن الدستور تحكّم في مفاصل الدولة، فلم يستغرق انتقال الملك لابنه الأكبر أكثر من ثلاث ساعات، وكيف أن الأردن استقبل هذا الحشد الأممي في جنازة العصر، من دون أن يقع أي خطأ، ومن دون أن يهدد أي خطر حياة أي ملك أو زعيم أو رئيس حضر الجنازة. كانت جنازة الراحل الملك الحسين رحمه الله؛ قمة دولية، لم يتغيب عنها سوى الذين حالت ظروفهم القاهرة دون الوصول لها. 

• وبعدها متى التقيت بالملك عبدالله الثاني لأول مرة، بعد تسلمه سلطاته الدستورية، ملكا للمملكة الأردنية الهاشمية؟
-أعرف الملك عبد الله الثاني منذ كان أميرا، وقد كان عسكريا مشهودا له بالانضباط العسكري، والانخراط بالسلك العسكري، وعلومه وميادينه.
كما أنه زارني بعد تشكيل حكومتي في المنزل، العام 1991، وبارك لي بالموقع، وأبدى إعجابه بطريقة تشكيل الحكومة، التي اعتبرها تقدمية وإصلاحية، وكانت زيارة مهمة على صعيد تعرفي أكثر، وعن قرب على شخصية الأمير عبدالله وقتها.
بعد أن تسلم الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، لم التقِ به شخصيا، أو من خلال لقاء خاص، لكن عندما صافحته في حفل تسلمه سلطاته الدستورية، شكرني على تصريحات كنت أدليت بها لتلفزيون "سي إن إن"، وقد قلت فيها، بعيد أداء الملك عبدالله الثاني اليمين الدستورية، ما نصه: "سوف يفاجئكم الملك عبد الله الثاني".
ثم صار جلالة الملك يُلبي دعوات في بيوت شخصيات سياسية، وكانت تلك اللقاءات تهدف  للإجابة عن تساؤلات الملك، حول أولويات المواطن، وكان يوجه أسئلته بصراحة ووضوح، وكان واضحا بأنه يمتلك أجندة إصلاحية في القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين.
أذكر بأنني حضرت لقاءين في منزل رجائي المعشر وصالح ارشيدات، وكانت تتسم تلك اللقاءات بالحوار العميق حول مستجدات الساحة السياسية وتفاصيل المشهد الداخلي والخارجي، ورؤية الملك الجديد حيال القضايا الساخنة والأولويات الوطنية.
في واحدة من الجلسات، قدمنا ورقة حول سبل إصلاح الجهاز الإداري، ودخلنا في نقاش مع جلالته حول أهمية هذا الجهاز وضرورة تطويره وتنظيمه وتصويب كل التشوهات والاختلالات الحاصلة فيه، نتيجة الممارسات التي أدت إلى الترهل الكبير الذي أصابه، خصوصا بعد منتصف عقد التسعينيات.
كما أكدنا لجلالته الحاجة الملحة لتطوير التعليم المهني الحقيقي، ودخول هذا المجال من التعليم على خط التخصصات الجامعية، ومن هناك علينا أيضا إعادة النظر بأسس القبول في الجامعات، حتى يصبح التنافس بينها على جودة المخرجات، وهو ما يلبي حاجة السوق من الأيدي العاملة الماهرة والمتعلمة والمؤهلة والمدربة.
بالإضافة لمواضيع لها اتصال بملف المياه وأهمية الخروج باستراتيجية وطنية شمولية لمواجهة هذا المتطلب الحيوي والأساسي، وأن لا ننتظر حتى "نعطش" لنبحث عن الحل.

• وهل شعرت بأن طريقة الملك عبدالله الثاني في الإدارة والحكم مختلفة عن طريقة والده الراحل الحسين؟
-دخلنا في ذلك الوقت بحالة من الترقب والمتابعة لما سيقوم به الملك الجديد وتصريحاته، وكان لافتا بأنه يريد التغيير، وواضح بأنه يستعجل تحقيق الإصلاحات التي يريد من خلالها أن يقتنع المواطن بجدية نهج الملك الإصلاحي والشامل، وأن لا يبقى هذا الأمر في حدود الشعارات، بل ضرورة أن يتعداه ويبدأ المواطن، يلمس آثار الإصلاح الشامل بسرعة.
لكن ما لمسته بشكل كبير جدا أمرين في شخصيته، فهو كان يعمل على تذويب الحساسيات بين الأردن ودول محددة في الخليج العربي، ولا يريد أن تستمر تلك الحساسيات في التأثير على العلاقات الأردنية مع تلك الدول، وكان واضحا بأنه يحمل أجندة داخلية إصلاحية واضحة ومحددة، ولا يريد أن يكون العمل الإقليمي والعربي والدولي، على حساب تلك الأجندة ومستويات تنفيذها عبر خطة زمنية محكمة.
كما أن الملك عبدالله الثاني كان واضحا في أن أولويته في بداية عهده؛ هي أولوية اقتصادية لناحية تحسين أوضاع المواطن المعيشية، لكنه كان يعرف جيدا حجم التحديات، التي تواجهنا من قلة الموارد على أرضنا، وحتى تذبذب المساعدات الخارجية، كما أراد أن يستعمل التطوير التعليمي في الاستثمار في المورد البشري، بشكل ينعكس على سوق العمل، وهو ما اعتبره أهم محركات الاقتصاد، التي تعالج مشكلتي الفقر والبطالة. عرفنا أن الملك يريد أن تكون مرحلته إصلاحية شاملة لكل القطاعات، ولكن كنا نعلم أيضا بأن هناك قوى محافظة ستحول دون ذلك، وستعيق جهود الملك.
بالنسبة لي، كنت مقتنعا تماما بأن لكل زمان دولة ورجالا، لذلك لم أسع لتقديم نفسي، واكتفيت بالمتابعة من موقعي السياسي، حتى أكون جاهزا لأي نصيحة أو مشورة، دون أن أسجل أي رغبة بالعودة للمسؤولية.
ولا أنكر بأني كنت قلقا عليه في بدايات حكمه، فالملك عبدالله الثاني شخصية عسكرية مميزة، ولا ندري إن كانت إمكاناته الإدارية والسياسية ستساعده بمسؤولياته الجسيمة، وكان حوله مدير المخابرات سميح البطيخي، ورئيس الديوان عبد الكريم الكباريتي، ورئيس الوزراء عبد الرؤوف الروابدة، وهي شخصيات متمرسة بعملها، ولها خبرتها الطويلة سياسيا وأمنيا، لكني خشيت من قدرات هؤلاء، أو أحدهم، على احتواء الملك، وندخل في لعبة معسكرات سياسية، قد يكون لها أثر سلبي على العهد الجديد.
لكن الملك عبدالله الثاني فاجأ الجميع بسرعة فهمه للمعادلات الداخلية والخارجية، والسياسات التي يجب أن يحتاط بها، وكان ديناميكيا في تغييراته، ولم يستجب لأي ضغوط بسهولة، لكن الأحداث داهمتنا جميعا، ودخلنا في متوالية أزمات كونية أثرت على المملكة، وقد جاءت تلك الأحداث تباعا، أحداث 11 سبتمبر العام 2001 والانتفاضة الثانية في الضفة الغربية العام 2002، والاحتلال الأميركي لبغداد العام 2003، وسقوط نظام صدام حسين، وكلها ظروف ضغطت علينا وأثرت كثيرا على أولوياتنا الأمنية والسياسية.
لكن كل ذلك كان يجري وأنا بعيد عن المسؤولية، ولا أستطيع أن أكون شاهدا على تلك الفترة وقراراتها، وبقيت ألتقي الملك عبدالله الثاني كلما استدعى الأمر أن أقابله، أو أن أتقدم بنصيحة حول تقدير الموقف الفلسطيني؛ أوغيره من المواضيع، وتحليلي للمشهد السياسي محليا وإقليميا من منطلق فهمي ومتابعتي لبعض الملفات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:44 pm

سياسي يتذكر( الحلقة الثامنة عشرة )
المصري: عارضت وعبيدات وبدران أمام الملك إغلاق مكاتب حماس

أحد اللقاءات التي ضمت عددا من رؤساء الوزراء السابقين وبينهم طاهر المصري
محمد خير الرواشدة
عمان – فيما يواصل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري سرد ذكرياته السياسية، على طول مسيرته في العمل العام، التي تجاوزت الـ45 عاما متواصلة، يبدأ اليوم الكشف عن بعض التفاصيل التي واجهت الملك عبدالله الثاني في أول عهده.
ويكشف المصري في حلقة اليوم، بعضا من تفاصيل غداء سياسي، على شرف جلالة الملك في منزل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، وكيف جرى هناك حوار سياسي ساخن حول مسألة إغلاق مكاتب حماس في عمان، وإبعاد قادتها، وكيف أن بعض الجالسين خالف القرار أمام الملك.
ويؤرخ المصري منذ ذلك اللقاء الذي حرص الملك على عقده بشكل دوري في منازل رؤساء الحكومات السابقين، بأن "بعض البطانة" بدأت تؤثر في إقصاء المخالفين للرأي والقرار الرسمي، وبدأ التعامل معهم كمعارضة، وهو ما أثر على علاقة المصري وغيره من رؤساء الحكومات السابقين بالقصر.
ويقول: "قد يكون هناك من استثمر ذلك الموقف، لإبعادنا عن لقاءات جلالة الملك لاحقا، وتحديدا من قبل الرجال العاملين حول جلالته، وأذكر بأنه، بعد لقائنا في منزل بدران هذا، انقطعت سلسلة لقاءات الملك بنا لفترة طويلة".
ويلمح المصري في حلقة اليوم لتاريخ تصدع العلاقة بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين. 
ويتابع المصري كيف أن قرار إغلاق مكاتب حماس في عمان، وإبعاد قادتها العام 1999 كان سببا جديدا في توتر العلاقة بين الأجهزة الرسمية في الدولة مع الاخوان، وهي العلاقة التي ظلت متشنجة ومتوترة. 
وكان المصري وصف في حلقة أمس كيف استقبلت المملكة خلال مراسم تشييع جثمان الحسين، وعلى مدى أيام العزاء، حشدا أمميا في "جنازة العصر"، من دون وقوع أي خطأ، ومن دون أن يهدد أي خطر حياة أي ملك أو زعيم أو رئيس حضر الجنازة. وزاد في وصف جنازة الراحل رحمه الله؛ بـ"القمة الدولية، التي لم يتغيب عنها سوى الذين حالت ظروفهم القاهرة دون الوصول لها".
مستهلا الحديث عن بدء مرحلة العهد الجديد، مرحلة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، بعد تسلمه سلطاته الدستورية، وكيف بدأت علاقة المصري بالملك الشاب.
واليوم يوضح المصري بعض تفاصيل السجال الإعلامي الذي دار بينه وبين رئيس الوزراء الأسبق علي أبوالراغب، على الرغم من الشراكة السياسية التي جمعتهما في الحكومات ومجلسي النواب الحادي عشر والثاني عشر، ويؤكد بأن مواقفه لم تكن مواقف شخصية من أبوالراغب، بالقدر الذي كانت فيه تحمل النصح والمشورة لمراكز القرار، التي ابتعد عن لقائها تلك الفترة.
كما يتحدث المصري اليوم عن جوهر ومضمون مواقفه السياسية التي عبّر عنها من خلال كتابة المقالات الصحفية في وسائل الإعلام المحلية، موضحا بأنه إذا اختلف مع قرار أو موقف أو سياسة لأي حكومة، فهذا لا يعني بأنه معارِض، ويدافع بالقول: "لست من هواة نقل البنادق بين الأكتاف، وإنني موالٍ، وأنا جالس على كرسي المسؤولية، ومعارض إذا غادرتها".
 وفيما يلي التفاصيل:
• ما نزال في مرحلة تقييمك لمرحلة تسلم الملك عبدالله الثاني للحكم العام 1999. وقد قام جلالته في أول عهده بزيارة رؤساء الحكومات في منازلهم، وتناول عندهم طعام الغداء، وكانت لفتة كريمة منه، كما كانت هذه اللقاءات سياسية بامتياز؟
-صحيح؛ وفعلا كانت هذه اللقاءات فرصة ممتازة، لحوار جلالة الملك، والتعرف على طرق إدارته لشؤون البلاد، والأفكار التي يحملها. كنا وباستمرار نحاول أن نتعرف على الملك عبدالله الثاني أكثر، خلال تلك اللقاءات، كما أن المحاور والطروحات التي كان يتحدث بها كانت مقبولة، وحظيت بدعمنا جميعا، فلا أحد منا كان يختلف على خطط الإصلاح ومساراته وضرورة الإسراع بخطواته، واعتبرنا ذلك جزءا مهما في دعم العهد الجديد، وقد اجتهدنا في دعم رؤى جلالته من خلال لقاءاتنا الاجتماعية في المناسبات المختلفة، وحملنا رؤى الملك الشاب لفئات التقيناها وكانت تسأل باستمرار عن طبيعة العهد الجديد، وماذا سيحمل من التغيير.
لكن، عندما تم إغلاق مكاتب حماس في عمان وإبعاد قادتها (العام 1999)، وكنا على موعد مع جلالة الملك، على الغداء في منزل مضر بدران، ذهبنا يومها إلى هناك، وانتظرنا وصول جلالته، وبدأنا نتحدث بشؤون عامة، حتى وصلنا لجزئية إغلاق مكتب حماس. وكنا نتحدث بحضور رئيس الوزراء، وقتها،
عبد الرؤوف الروابدة، ومدير المخابرات سميح البطيخي، فدار حوار عاصف، وكنا، أنا وأحمد عبيدات، قد خالفنا الموقف الرسمي بإغلاق مكاتب حماس وإبعاد قادتها، وكان آخر المتحدثين مضر بدران وساندنا في الرأي.
كان موقفي من القرار، هو أننا تعاملنا مع حركة "فتح" في ثمانينيات القرن الماضي وكانت تلك الفترة استمرارا لاضطراب العلاقة بيننا وبينهم، واستطعنا التأثير عليها، حتى تمكنا وجئنا بأبي عمار شريكا لنا، في البحث عن الحل السياسي للقضية الفلسطينية، وكان هو، وحركة فتح وقتها، مقاومة مسلحة، وكانوا بنظر إسرائيل وحلفائها حركة إرهابية وكانت نشاطاتهم ممنوعة.
وحاولنا أن نُذكّر جلالة الملك، بأننا في الأردن نحافظ دائما على شعرة معاوية، مع الأطراف جميعا، ونحاول استثمار مواقفنا المعتدلة في الأزمات، حتى يتسنى لنا التعامل مع الجميع من دون أي آثار جانبية سلبية، عند اتخاذ المواقف الحادة، تجاه طرف دون آخر، وهو ما يحمي مصالحنا الوطنية العليا مع الجميع بالدرجة الأولى.
وأظن بأن عبيدات أخذ وعدا من جلالة الملك، بأن لا يتم إبعاد قادة حماس مباشرة، بل أن ينتظر حتى ينتهي جلالته من زيارته التفقدية إلى شمال البلاد.
باعتقادي، بأن ذلك اللقاء حمل بعض التباين في المواقف والاجتهادات، على الأقل بيننا، كمتحدثين، وجلالة الملك، ولم يكن بظننا بأن هذا الأمر غير صحي، بل على العكس، فقد كان باعتقادنا بأن الملك يستفيد دائما من تعددية آراء رجالاته، وهو ما يثري القرار السياسي، بمزيد من الحكمة والتحوط في الرد على أي موقف مناقض أو مخالف لما توصل له مركز القرار من قرارات وسياسات.
قد يكون هناك من استثمر ذلك الموقف، لإبعادنا عن لقاءات جلالة الملك لاحقا، وتحديدا من قبل الرجال العاملين حول جلالته، وأذكر بأنه، بعد لقائنا في منزل بدران هذا، انقطعت سلسلة لقاءات الملك عبدالله الثاني بنا لفترة طويلة.

• هل شكل ذلك القرار، عاملا إضافيا في توتر العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب جبهة العمل الإسلامي؟
-لاشك. فالإخوان المسلمون في الأردن وحماس قريبان من بعضهما، وهما ملتفان على مبدأ وموقف واضح، فهما يريدان مقاومة الاحتلال بكل السبل الممكنة والمتاحة، ويريدان حفظ أمن ونظام الأردن، ويرفضان الوطن البديل، وطروحات المتطرفين الإسرائيليين بشكل حاسم وقاطع، ولا يقبلان بأي حل للقضية الفلسطينية على حساب الكيان الأردني.
في ذلك الوقت، اعتبر الإسلاميون بأن قرار إغلاق مكاتب حماس في عمان، هو قرار ضدهم أيضا. طبعا كانوا هم أصلا بعيدين عن المشهد السياسي، بحكم مقاطعتهم لانتخابات مجلس النواب الثالث عشر، العام 1997، التي جرت بموجب قانون الصوت الواحد.
لذلك، يمكن اعتبار ذلك القرار سببا جديدا في توتر العلاقة بين الأجهزة الرسمية في الدولة مع الاخوان المسلمين، وهي العلاقة التي ظلت متشنجة ومتوترة، منذ عهد حكومتي، بعد أن خرج الإسلاميون من حكومة مضر بدران، ليدخلوا في مواجهة صعبة ضد حكومتي، فقد كانوا نوابا معارضين، ولهم تأثيرهم على المجلس، ولم يكن سهلا التعامل معهم. يمكنني القول هنا، بأن أول موقف يمكن تسجيله في تاريخ تصدع العلاقة بين الإخوان والدولة، هو كتاب التكليف الملكي لي بتشكيل الحكومة، والذي احتوى، كما تعلم؛ على نقد صريح وواضح من قبل الراحل الحسين لهم، إبان مشاركتهم في حكومة مضر بدران، ومحاولتهم التأثير على وزارات التربية والتعليم والأوقاف والتنمية الاجتماعية، وخطف التعليم والمساجد لصالح خطابهم السياسي.

• بعد حكومة الروابدة، جاءت حكومة علي أبوالراغب، صاحب أطول فترة بقاء في رئاسة الحكومة في عهد الملك عبدالله الثاني حتى اليوم. كيف تعاملتم معها، وكيف تقيّمون طول وقصر عمر الحكومات في تجربتنا السياسية؟
-لسنا من يقرر كيفية التعامل مع الحكومة، فأنا وقتها كنت خارج العمل السياسي، من موقع المسؤولية، وكنت ناشطا في مجالات اجتماعية وسياسية، لا تتعدى كتابة المقالات الصحفية والمشاركة في الندوات وورش العمل. وقد كان ابراهيم عزالدين وقتها رئيسا لمنتدى شومان الثقافي، وكان يدعونا باستمرار للمنتدى، كمحاضرين أو معقبين ومشاركين.
لكن ما استطيع قوله، هو أن حكومة أبوالراغب مثلت أفكار جلالة الملك عبدالله الثاني، خاصة في المجالات الاقتصادية، ولهذا السبب بقيت حكومته في السلطة والحكم أطول من أي وزارة وحكومة أخرى.
كان المأخذ على حكومات أبوالراغب أنها بالغت في إصدار القوانين المؤقتة، وذلك كنتيجة لتعطيل البرلمان لمدة عامين، بسبب الظروف السياسية التي مرت بها البلاد.
صحيح أن حكومة أبوالراغب أنجزت تشريعات جيدة، وأخذت خطوات اقتصادية جيدة، واستمر الإعجاب بالحكومة لفترة طويلة، لكن ظل المأخذ عليها هو مبالغتها في إصدار القوانين المؤقتة.
وجاء التعديل الدستوري الأخير بالتقييد على الحكومات، بإصدار القوانين المؤقتة، نتيجة التجربة التي مرت بها البلاد زمن حكومة أبوالراغب، وصار لا بد من وضع الضوابط على مثل هذه الحالات في الدستور.
لكن أقولها بصراحة، فقد حاول أبوالراغب أن يمارس صلاحياته كرئيس للحكومة، ونجح في حدوث الممارسة جزئيا، وليس في الممارسة نفسها، وهذا يُسجل له.

• كانت لك مواقف من حكومة أبوالراغب، وقد توترت العلاقات بينك وبينه، على الرغم من مشواركما السياسي النيابي الوزاري، الذي بدأ بوقت واحد تقريبا، وقد شهدت الساحة السياسية سجالات إعلامية بينكما؟
-بداية أقول: هي ليست مواقف شخصية، بل مواقف من سياسات حكومية، وقد كان أبوالراغب يتابع تصريحاتي بدقة، ويبادر للرد على أي تصريح أو مقال يصدر عني. أنا لم أهاجمه، ولم أهاجم حكومته، لأن هذا ليس من طبعي أولا، ثم لأنني لست مطلعا على تفاصيل القرارات الرسمية ذلك الوقت.
ولك أن تعود لمقالات كنت قد كتبتها في الصحف اليومية، وأعدت نشرها على موقعي الالكتروني، ومن أهم تلك المقالات، التي نشرتها زمن حكومة أبوالراغب، تلك التي جاءت تحت عنوان "هل فقدت الدولة الأردنية البوصلة"، وسجلت فيها ملاحظات نقدية عامة وليست شخصية، لكن أبوالراغب بادر بعدها للرد عليّ في مقابلة تلفزيونية، أجريت معه للتعليق على مضامين المقالة الصحفية.
كما نُشر لي لقاء صحفي في صحيفة الدستور، فنّدت فيه مخاوف الوطن البديل، ففوجئت بأن أبوالراغب يشن بعدها هجوما على المقابلة، وما جاء فيها، فبعثت له برسالة سجلت فيها استغرابي من تصريحاته حول مقابلة لم يقرأ مضمونها كاملا، ولم يجتهد في إكمال الرسالة، التي أردت أن أبعث بها لإسرائيل، والاحتلال، وليس للحكومة الأردنية ورئيسها.
وقد قلت له: "طالعت باهتمام واستغراب شديدين تصريحاتكم، التي أذاعها التلفزيون الأردني أمس، ونشرتها الصحف اليوم، ردا على مقابلة صحفية نشرت لي في جريدة الدستور قبل أيام، ولابد أن وزن وأهمية تصريحاتي وأثرها في الساحة السياسية، قد تطلب منك أن ترتب لقاء مع التلفزيون لترد عليّ". وأكدت له بأن رده جاء بالاتجاه الخطأ، فقد قدمت تحليلا حول الأوضاع في فلسطين، وشرحت من وجهة نظري مخطط حكومة شارون وأهدافها، كما فندت قوله بأني أتبنى مفهوم الوطن البديل، بغرض إثارة القلاقل في الأردن، وأنني أروج للمخطط الإسرائيلي للضغط على الأردن، وهو ما اعتبرته أمرا كبيرا وكبيرا جدا، وخاطبته بالقول "لو قرأت المقال كاملا وليس العناوين فقط، لما وصلت لهذه النتائج".
أعلم أن هذا الكلام جاء قاسيا في لغة التخاطب بين زميلين، تشاركا في السلطة التشريعية والتنفيذية، لكن في تلك الظروف كان لا بد أن يكون الكلام واضحا ومبدئيا، خصوصا وأن إساءة فهم رسالة السياسي، ستتسبب بالضرورة بمشكلة، ليس للسياسي فقط؛ بل للرأي العام الذي يلاحظ ويراقب ويتابع ويتأثر.

• توقفنا في محطة من المحطات، بعد ابتعادك عن مواقع المسؤولية؛ منذ التصويت على قانون معاهدة السلام، وشعورك برغبة مراكز القرار بإقصائك عن المواقع الأساسية، بأنك لجأت لكتابة المقالات في الصحف، ألم تكن تخشى من زيادة سخط تلك المراكز عليك؟
-لا؛ وهذا جواب أقوله مطمئنا، ومن دون تفكير، لأنه جواب حقيقي، فأنا، وإن اختلفت مع قرار أو موقف أو سياسة لأي حكومة، فهذا لا يعني بأني صرت معارضا، أسعى لتخريب الوطن، أو أني من هواة نقل البنادق بين الأكتاف، أو أني موالٍ، وأنا جالس على كرسي المسؤولية، ومعارض متى غادرتها.
كتبت تلك المقالات انطلاقا من رغبتي بتوصيل فكرة أو رسالة، أو نصيحة، حالت الظروف بيني وبين إيصالها لرأس الدولة، بشكل مباشر وصريح، وهذا واجب السياسي المُخلص والأمين على مصالح وطنه وقيادته وشعبه. كما كان عندي، ولا يزال شعور بالمسؤولية، تجاه الرد على أي مغالطة يقترفها مسؤول حكومي، سواء عبر الإعلام أو حتى في المجالس المغلقة.
وسأقولها لك بصراحة، ويمكنك العودة إلى موقعي الالكتروني على شبكة الانترنت، الذي وضعت عليه جميع مقالاتي، والمقابلات الصحفية التي أجريت معي، وخطاباتي منذ العام 1996 وحتى اليوم، وكل المحاضرات التي شاركت فيها بأوراق عمل مكتوبة، وهي تحمل ذات المضمون والمبادئ والثوابت، التي ما تغيرت منذ أول عهدي بتحمل شرف ومسؤولية العمل العام سنة 1973.
كتبت في احدى المرات، ردا على رأي سياسي، أبداه عبد الهادي المجالي، عندما كان وزيرا في حكومة عبد الكريم الكباريتي، وقد بينت له مواضع الخطأ الكبير في تصريحاته، خلال المحاضرة.
كما بعثت الرسالة، التي تحدثت عنها سابقا، لعلي أبوالراغب، عندما كان رئيسا للحكومة، وبينت له حقيقة موقفي من الدعوات الخبيثة، التي ما يزال يُطلقها اليمين الإسرائيلي المتطرف حول الوطن البديل، والتعريف بالسياسات الإسرائيلية الظالمة والمُجحفة بحق الفلسطينيين.
كما استخدمت ذات الأسلوب مع رئيس الوزراء الحالي عبدالله النسور، عندما كتب أحد كتاب الصحف اليومية، مقالا أساء فيه للوحدة الوطنية، وطلبت منه أن يأخذ إجراء ضد أي ممارسة إعلامية، قد تتسبب في حدوث فتنة لا سمح الله، وهو أمر لم نعهده في مجتمعنا، فنحن مجتمع نشأ على الوحدة الوطنية بالفطرة، وتمسك بها عن قناعة ومصلحة، وأرادها جسرا نعبر منه كل التحديات، التي واجهتنا منذ عهد تأسيس الإمارة، وحتى يومنا الذي نعيش، لذلك؛ لا أقبل المساس بمبدأ وطني بحجم الوحدة الوطنية، التي كانت وماتزال وستظل صمام أماننا واستقرارنا، وهي التي تغذي مفهوم السلم الأهلي، بكل القيم العظيمة، التي يحتاجها هذا المفهوم الاستراتيجي في علم المجتمعات.
وإن أردت التعرف أكثر على مجموعة القيم التي نشأت عليها، وتطورت في ذهني عبر مشواري السياسي وتراكم خبرتي؛ فلك أن تعود إلى خطابي الذي ألقيته في حفل التكريم الذي أقامه رئيس مجلس الأعيان عبد الرؤوف الروابدة، مشكورا في نادي الملك الحسين (بعد مغادرة رئاسة مجلس الأعيان قبل أشهر)، وهو خطاب يُلخص جملة مواقفي ومبادئي السياسية في قضايا أعتبرها ثوابت عندي، وهي: رفض الفتنة ومقاتلة مفتعليها، والوحدة الوطنية التي أعتبرها صمام أمان البلاد، ورفض كل المشاريع الإسرائيلية، التي يروجون لها على حساب الأردن، نظاما وأرضا وشعبا. وحددت بشكل لا لُبس فيه؛ وبإيمان عميق، هويتي وانتمائي، وأنني لن أساوِم على المصلحة الوطنية الأردنية، ولن أقبل تهديد وطننا ونظامنا ومكونات شعبنا، وذلك مثلث الثوابت وجوهره ونقطة ارتكازه.
تلك مسؤوليتي السياسية، التي تحملتها عن سابق تصميم ورغبة وإرادة، وعبّرت عنها في جميع المواقع التي كنت فيها، ولن أقبل أن يغمز أحد من قناة مبادئي الوطنية، وإيثاري في تقديم المصلحة الوطنية على أي مصلحة شخصية مهما غلا الثمن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:47 pm

سياسي يتذكر (الحلقة التاسعة عشرة)
المصري يتحدث عن تحديات واجهت الملك في بداية عهده


رئيسا الوزراء الأسبقين طاهر المصري وزيد الرفاعي

محمد خير الرواشدة
عمان- يواصل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري شرح أبرز التحديات التي واجهت جلالة الملك عبدالله الثاني في بداية عهده، ويستزيد في الشرح عن أخطر ما في تلك الظروف الإقليمية على المملكة.
ويؤكد المصري في حلقة اليوم من سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" التي تنشرها "الغد"، كيف أن مثلث تحديات: الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، والتي سبقها اندلاع الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية، واحتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق، شكلت "سورا كبيرا" أمام عهد الملك الجديد.
ويوضح المصري أن عهد جلالة الملك الشاب جاء في نهاية قرن، وبداية قرن جديد، وهناك تعرفنا على نوايا ومواقف الملك السياسية، ومدى انفتاحه على قضايا وأمور داخلية وخارجية.
ويضيف بأن انتقال السلطات الدستورية من الراحل الحسين بن طلال للملك عبدالله الثاني، ومن دون أي أخطاء أو تأخير أو تباطؤ، جعلت الملك نفسه يتعرف على إدارة الدولة بشكل قريب ودقيق، مشيرا إلى ما يملكه الملك من قوة ملاحظة وسرعة بديهة، سمحتا له أن يحيط بالمشهد العام، ويعرف مواطن الخلل، ومرتكزات القوة في الدولة الأردنية.
ويؤكد المصري في نفس السياق أن التحديات الإقليمية التي أثرت على المملكة في مطلع عهد الملك الشاب، شكلت العقدة التي وُضعت في طريق الإصلاح الشامل، الذي دعا إليه جلالته منذ أول يوم تسلم فيه سلطاته الدستورية ومسؤولياته.
وكان المصري كشف في حلقة أمس من "سياسي يتذكر" بعض تفاصيل غداء سياسي، على شرف جلالة الملك في منزل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، وكيف جرى هناك حوار سياسي ساخن حول مسألة إغلاق مكاتب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في عمان، وإبعاد قادتها، وكيف أن بعض الجالسين خالف القرار أمام جلالته.
كما تحدث عن أن مثل تلك اللقاءات، التي حرص الملك على عقدها بشكل دوري في منازل رؤساء الحكومات السابقين، قد انقطعت بعد ذلك الغداء، مشيرا إلى أن "بعض البطانة" بدأت تؤثر في إقصاء المخالفين للرأي والقرار الرسمي، وبدأ التعامل معهم كمعارضة، وهو ما أثر على علاقة المصري وغيره من رؤساء الحكومات السابقين بالقصر.
ويبدأ المصري اليوم لكن من دون أن يُنهي؛ شرح أسباب تراجع مساحة القرار السياسي أمام نفوذ الأمني، وهو ما جاء في سياق السعي لتقليص هوامش الخطأ، في أي قرار سياسي، أو اجتهاد في غير مكانه، قد يؤثر على ضعف الجبهة الأمنية واستقرارنا الداخلي، الذي تميزنا به.
ويؤكد المصري اليوم على انشغال مستويات القرار الرسمي في مطلع القرن الجديد والعهد الجديد، بمحاولات تحييد المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، والتي عادت تنشط من جديد بعد اندلاع مواجهات الانتفاضة الثانية في نهايات عام 2000، من تهمة الإرهاب.
ويقول المصري لقد أصبح هناك تداخل، في المفاهيم حول مقاومة الاحتلال عند الشعب الفلسطيني، والإرهاب الذي مارسه متشددون ضد مدنيين عُزل في مناطق مختلفة من العالم، وهذا أمر أشغل مستويات القرار الأردني، وكان هاجسا مهما لدينا أن لا تدخل المقاومة الفلسطينية من جديد على قائمة الإرهاب الدولي. وينتقد المصري اليوم ياسر عرفات في دعم الانتفاضة بالسلاح، مضيفا "أبو عمار أرادها أن لا تكون سلمية، أي بعكس ما كانت عليه الانتفاضة الأولى؛ انتفاضة الحجارة، وهذا خطأ ارتكبه عرفات؛ وهو عسكرة الانتفاضة إذا جاز لنا التعبير".
وحول المبادرة العربية للسلام التي أقرت بالقمة العربية في بيروت 2002، أشار المصري إلى أنها "صياغة أردنية"، مؤكدا أنه قرأ صيغتها قبل أن تُقدم، وتعطى للمملكة العربية السعودية، والتي بدورها قدمتها في تلك القمة.
وعن رأيه في مضامين المبادرة يقول المصري: بقيت المبادرة العربية للسلام وثيقة عربية تحرج الإسرائيليين، وتعري موقفهم أمام العالم، بعد أن كسر العرب حاجز الصراع، والنزاع العربي الإسرائيلي، وتقدموا بخطوة كبيرة نحو السلام.
• قبل أن نبتعد أكثر عن بداية عهد جلالة الملك عبد الله الثاني، فقد كان مطلع عهده مليئا بالتحديات الحدودية والإقليمية، وحتى العالمية، التي شكلت تحديات للمملكة في أول عهده، فقد جاءت أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ومن قبلها اندلاع الانتفاضة الثانية في فلسطين، وبعدها الاحتلال الأميركي لبغداد، كم أثرت هذه التحديات علينا أردنيا؟
-نعم؛ لقد تسلم جلالة الملك سلطاته الدستورية نهاية قرن، وبداية قرن جديد، وفي هذه الفترة، تعرفنا على نوايا ومواقف الملك السياسية، ومدى انفتاح جلالته على قضايا وأمور داخلية وخارجية. لا شك بأن انتقال السلطات الدستورية من الراحل الحسين للملك عبد الله الثاني بشكل سلس، ومن دون أي أخطاء أو تأخير أو تباطؤ، جعلت الملك نفسه يتعرف على إدارة الدولة بشكل قريب ودقيق، فهو يملك قوة ملاحظة وسرعة بديهة، سمحتا له أن يحيط بالمشهد العام، ويعرف مواطن الخلل، ومرتكزات القوة في الدولة الأردنية.
من هناك، بدأ الملك يلتقي بشخصيات سياسية ونيابية، من خلال قنوات عادية، منها السلك العسكري الذي ينتمي له أصلا وانخرط فيه بكل اهتمام وجدية، وعلاقاته الاجتماعية كذلك، التي تربطه بأشخاص من أصدقائه ومعارفه وزملائه، بالإضافة لاهتماماته الرياضية، التي كان يرعاها ويهتم بها، عندما كان رئيسا لاتحاد كرة القدم، وكان قد تعرف على شرائح واسعة من المجتمع من خلال نشاطه في هذا المجال، الذي يتصل بجماهير عريضة، نظرا لشعبية اللعبة، واهتمام الناس بها.
في تلك الأيام، كان لي اتصالات مع الملك، لكن ليس بأي صفة رسمية أو مناصبية، وكانت لقاءاتنا تأخذ أشكالا متعددة، إما من خلال الدعوات الرسمية في المناسبات العامة أو اللقاءات البروتوكولية، أو اللقاءات الشخصية، التي عادة ما كنت أطلبها إن كان عندي ما يجب أن أقوله لجلالة الملك في شؤون عامة، وقد كنت أنا وغيري من السياسيين حريصين أن نبادر في تقديم أي نصيحة لجلالة الملك في أول عهده، ونريد من تلك المبادرة أن يرتاح ضميرنا من حيث تقديم النصح، ولكي نكون فعلا داعمين للملك ورؤيته وسياساته، ولا نريد أن نكون أصحاب قول فقط.
وكان ظاهرا لي بأن روح الملك العملية، وعمله القيادي الميداني كعسكري، جعلته مُطلا بشكل جيد على المجتمع المحلي، بأدق تفاصيله، لكن ما كان يميزه بحق هو فهمه الاقتصادي والاستثماري، وكان فعلا اهتمامه الأول في الإصلاح الإداري، يهدف إلى تأهيل السوق الأردنية، وجعلها أكثر استقطابا للاستثمار، وكان موقفه واضحا بأن الإصلاح الاقتصادي بقطاعاته كلها، يجب أن يؤثر على معيشة المواطن بالدرجة الأولى، وأن ينعكس على مستويات تحسن وضعه الاجتماعي، من خلال التخفيف بشكل ملموس وواضح من أرقام الفقر والبطالة، والمحافظة على الطبقة الوسطى وحمايتها، ومن دون ذلك كانت رؤية الملك بأننا لن نكون على الطريق الصحيح.
وفعلا فقد بدأ الملك خطته الاقتصادية، وأثر بشكل واضح على بيئة الاستثمار وتشجيعها، وانفتح على القطاع الخاص، وقدمه حقا كشريك في فتح مجالات التوظيف في سوق العمل، وكان عنده تصور واضح، عن الدورة الاقتصادية الكاملة التي يجب أن تنقل المملكة من حالة اقتصادية إلى حالة اقتصادية أفضل.
لكن التحديات التي أثرت على المملكة، وهي التي ذكرتها في مطلع سؤالك، هي العقدة التي وُضعت في طريق الإصلاح الشامل، الذي دعا إليه الملك، منذ أول يوم تسلم فيه سلطاته الدستورية ومسؤولياته.
فأحداث 11 سبتمبر كانت أول التحديات وأخطرها، من حيث التداعيات، ولا شك بأن إرث الملك عبد الله الثاني من أبيه في دعم القضية الفلسطينية وتقديمها كأولوية مركزية، ظل هاجسا في عقل الملك الشاب، وهي عوامل تفاعلت في ذات الوقت. أضف لكل ذلك جبهة الحدود الشرقية وقتها، وتأزم وضع العراق، قبل وخلال وبعد احتلاله من قبل الولايات المتحدة.
لا شك بأن هذه الاحداث التي واجها جلالة الملك في أول عهده بلورت شخصية الملك، وأثرت فيها بسرعة، وانعكس ذلك على أدائه الديناميكي الذي صار لافتا، وكانت رغبة الملك وطموحه واضحين بأن يكون عهده مختلفا.
لكن وللحق أقول، أن سياسة الاقتصاد الحر ورفع القيود والخصخصة وغيرها، لم تواكبها دراسة اجتماعية وإدارية كافية، فقد دخلنا في عصر العولمة في العهد الأميركي، بدون أن نحمي أنفسنا من سلبياتها، فقد أخذناها بـ"عجرها وبجرها"، وارتُكبت الأخطاء في أولويات الخصخصة، وواكبها اتهام بالفساد، وجاء تقرير لجنة التقييم التي ترأسها عمر الرزاز، ليؤكد ذلك الأمر، ما أوقع البلاد والعباد في مشاكل واتهامات.

• إذا، كانت هناك حالة إيجابية أنتجها عهد الملك الجديد، وكان هناك سوء إدارة حكومية لأفكار الملك الشاب، ورؤيته الإصلاحية؟
-يجب علينا أولا أن نوثق التحديات والأحداث، التي تحدثنا عنها، والتي تزامنت مع بداية عهد الملك عبد الله الثاني، وشكلت سورا كبيرا أمامه. فالإرهاب، وبعقلية الأميركان المتشددين، جعلنا كلنا متهمين أمام الغرب والولايات المتحدة، وبالتالي قد تختلط الأوراق الأميركية، وتتبدل تحالفاتها في المنطقة، وكلنا نعلم بأن الملك عبد الله كان في ذات الساعة، التي تفجر فيها البرجان في سماء الولايات المتحدة، يقوم بزيارة شبه رسمية، لكنه عاد على الفور إلى عمان بعد سماعه بالخبر.
لقد كان هذا الحدث هاجسا للملك، في البحث عن الكيفية، التي تُخرجنا من هذه الصورة وتداعياتها، وأن يعرف العالم بأسره موقفنا، وبالتالي فقد كان علينا توضيح صورتنا المعتدلة والوسطية، بطريقة تلفت نظر العالم إلينا، وبأننا مختلفون وبعيدون عن كل تطرف وتشدد، واجتهدنا منذ ذلك الوقت، وبجهود جلالة الملك في رسم صورة مختلفة عن الأردن، ونجحنا في أن نكون النواة التي استقطبت كل دعوات الوسطية والاعتدال ونبذ الإرهاب والتطرف، وإعلاء قيم التسامح والتعايش الديني والانفتاح على الحضارات والثقافات، من دون أن يلغي ذلك هويتنا العربية الإسلامية.
بعد تلك الأحداث قررت الولايات المتحدة زيادة قدرات الأجهزة الأمنية لدى حلفائها، وفعلا فقد ارتقى مستوى كفاءة الأجهزة الأمنية، لكن في ظل تزايد نفوذ وكفاءة الأجهزة الأمنية، كان الجهاز الرسمي المدني وإداراته تضعفان، وهي مشكلة أخرى سنأتي على ذكرها لاحقا.
وفعلا، فقد حظيت الأجهزة الأمنية بدعم رأس الدولة، وكل ذلك في سبيل تمكين الجبهة العالمية، في مواجهة معركة الإرهاب والتطرف، وعليه كانت مساحة النفوذ الأمني تزيد على حساب مساحة القرار السياسي، ولهذا أسبابه طبعا، لأنه جاء في سياق السعي لتقليص هوامش الخطأ، في أي قرار سياسي، أو اجتهاد في غير مكانه، قد يؤثر على ضعف الجبهة الأمنية واستقرارنا الداخلي، الذي تميزنا به.
لذلك كان أول عمل قمنا به، للرد على تهمة الإرهاب والتطرف، الذي تم إلصاقه بالإسلام والمسلمين، أن انخرط الأردن، ومن واقع علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في مواجهة ومكافحة الإرهاب، وفعلا فقد اعتمدت الأجهزة الأمنية كثيرا على خبرتنا، في توفير المعلومات، والدعم اللوجستي للمهمات الخاصة في ملف الإرهاب.
لقد داهمنا الإرهاب، وكان ضروريا اتخاذ موقف منه، خلال تلك الفترة التي شهدت حضور قيادات شابة، في كل من الأردن وسورية والبحرين، وبدء نزوع مجتمعات عربية أخرى لتغيير أنظمة فيها بطريقة سلمية، وكنا نعول على هذا التغيير، بأنه سيحدث الفرق الإيجابي، في حياة الدول وطموح المجتمعات.

• وهل هذه التحديات مجتمعة، تسببت في تأخير أولوية برامج وملفات الإصلاحات الشاملة الداخلية التي أرادها الملك في مطلع عهده؟
-ما يجعلك تحزن أكثر؛ هو سوء الحظ في مثل هذه المواقف، فقد نشأت فعلا عندنا جبهة ضاغطة، تطالب بالإصلاح الداخلي، وكان لها قوة حقيقية على الأرض وفي الواقع، والأهم أن الملك نفسه كان على رأس هذه القوى السياسية، لكن الظروف والتحديات الإقليمية التي ذكرتها عادت لتبعثر أولوياتنا، وتضعنا أمام تحدي الأمن الداخلي والاستقرار السياسي والاجتماعي، وجدولة الإصلاحات مرة أخرى.
الملك، وعندما بدأ عهده، كان يسعى نحو خلق حالة توافقية على خطط وبرامج وسياسات الإصلاح، وقدم بنفسه مبادرات، مثل "على قدر أهل العزم"، و"الأردن أولا" في حينه، وهو ما يؤكد هوية عهده الإصلاحية، وبسبب كل الظروف التي طرحتها في سؤالك، بقيت الأفكار والمخرجات لتلك الأفكار، محجوزة دون أن تصل إلى مستويات التنفيذ والخروج إلى الواقع.
ومع ذلك بقيت الأبواب مفتوحة، وظلت الدعوة مستمرة ليتم تنفيذ تلك البرامج الإصلاحية، ولو ببطء وتتدرج، واليوم وباعتقادي بأنه لا مفر من اتمام هذه الإصلاحات، فقد تغير الزمن، وتغيرت المفاهيم كثيرا، وصار من أولوياتنا الوطنية استكمال برنامج الإصلاح الشامل، وفق جداوله الزمنية ومتطلباته الضرورية، ومحدداته الاجتماعية والاقتصادية.

• ونحن نتحدث عن التحديات، التي واجهت الملك عبد الله الثاني بداية عهده، فقد تزامنت  مع أحداث 11 أيلول (سبتمبر) ايضا، ومن قبلها اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والإعلان عن الدعم العربي لمضامين المبادرة العربية للسلام، وهما شكلا اولوية أردنية في حينه؟
-لا أختلف معك؛ خصوصا وأن الانتفاضة الثانية كانت تعبيرا عن رفض اقتحام رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ارئيل شارون لساحات الأقصى، وهي مسألة تدخل في صميم مسؤوليات النظام الهاشمي الأردني، التي تحملها أخلاقيا، وما زال يتمسك بها، من منطلق التزامه السياسي والتاريخي تجاه المقدسات الإسلامية والمسيحية في الأقصى والقدس الشريف. كما أن تلك الحادثة جاءت في وقت بلغت فيه الاحباطات لدى قيادات الشعب الفلسطيني ذروتها من السياسات الإسرائيلية، التي لم تتقيد بالجداول الزمنية، التي حددتها أوسلو.
ومع استمرار قادة اسرائيليين متشددين بتصدر المشهد السياسي والعسكري في إسرائيل، وتفاعل أزمة 11 سبتمبر، فقد ابتعد العالم والعرب عن الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وصار الاهتمام منصبا على مواجهة معادلة الإرهاب المركبة والمُوزعة على دول ومناطق مختلفة من العالم، وأصبح هناك تداخل، في المفاهيم حول مقاومة الاحتلال عند الشعب الفلسطيني، والإرهاب الذي مارسه متشددون ضد مدنيين عُزل في مناطق مختلفة من العالم، وهذا أمر أشغل مستويات القرار الأردني، وكان هاجسا مهما لدينا أن لا تدخل المقاومة الفلسطينية من جديد على قائمة الإرهاب الدولي.
هذه الظروف، وأضف اليها، عدم تشجيع أنظمة عربية، لأي عمل مسلح داخل الضفة الغربية وغزة، جعلت الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات محشورا في موقف سياسي محدد، وبعيد عن الاهتمام الإقليمي حيال كل ما يجري في الداخل الفلسطيني.
طبعا، هنا كانت الانتفاضة الثانية قد اندلعت وبدأت أحداثها تتفاعل، وبدأت أوضاع الفلسطينيين بالداخل تأخذ بعدا جديدا وخطيرا في نفس الوقت، خصوصا وأن انتفاضتهم جاءت في وقت تغيرت فيه الأولويات الأميركية، وبدأت شبكات التحالفات الأممية تتغير وتتبدل.
بالنسبة لياسر عرفات في ذلك الحين، فقد قدم دعما للانتفاضة، لكن من دون أي التزام رسمي؛ خصوصا في بداية تفاعلاتها، وبرأيي فقد كانت الانتفاضة الثانية ضرورية على صعيد إعادة انتباه العالم للقضية الأساسية في الشرق الأوسط.
لكن الخطأ الذي ارتكبه ابو عمار رحمه الله، كان في دعم الانتفاضة بالسلاح، وانه أرادها أن لا تكون سلمية، أي بعكس ما كانت عليه الانتفاضة الأولى؛ انتفاضة الحجارة، وهذا خطأ ارتكبه عرفات؛ وهو عسكرة الانتفاضة إذا جاز لنا التعبير.
لذلك، جاءت المبادرة العربية للسلام، من أجل تطويق احتمالات أي قرار دولي باعتبار المقاومة الفلسطينية إرهابا، وإلصاق هذه الصفة بها، وبالتالي إلحاق المزيد من الظلم بحقوق الشعب الفلسطيني.

• من صاحب فكرة المبادرة، وكيف نشأت، وكيف حصل الدعم العربي لها في القمة العربية في بيروت؟
-كانت المبادرة العربية للسلام هي صياغة أردنية، وقد قرأت صيغة المبادرة، عندما كانت مع وزير الخارجية مروان المعشر في حكومة علي ابو الراغب، والذي دخل الحكومة بعد إعادة تشكيلها، في منتصف كانون الثاني (يناير) من العام 2002، وقبل تقديمها بفترة أعطيت للمملكة العربية السعودية، وهي التي قدمتها في قمة بيروت في آذار (مارس) من العام 2002.
صحيح أن المعشر قام بجولات عربية ودولية للتعريف بالمبادرة العربية للسلام، لكننا لما ذهبنا إلى بيروت التزمنا بها ودعمناها وكأنها مقدمة من السعوديين.
في تلك الفترة، كانت لدي مهمة في جامعة الدول العربية، تحت عنوان المفوض العربي لشؤون مؤسسات المجتمع المدني العربية، فحضرت القمة واجتماعاتها المغلقة.
لم يذهب الملك عبد الله الثاني للقمة، وذهب ابو الراغب رئيسا للوفد الأردني المشارك، وكان الأردن رئيس القمة العربية في الدورة السابقة، ويجب أن نسلمها للبنان كرئيس جديد للقمة، كما اعتذرت الإمارات ومصر عن الحضور، بوفدين رئاسيين، واكتفيتا بتمثيل أقل، وعتب علينا السعوديون باعتبار أن غياب الملك عبد الله الثاني والرئيس المصري حسني مبارك وقتها، قد أضعف دعم المبادرة العربية للسلام، التي قدمتها السعودية واحتاجت لإسناد عربي لها في مهمتها تلك، لكن لاعتبارات أمنية وليست سياسية غاب الملك ومبارك.
من مفارقات تلك القمة، بأن الرئيس اللبناني أميل لحود اعترض على أن يلقي ياسر عرفات كلمة فلسطين بالقمة، عبر شاشة الفيديو من رام الله، لكن وزير خارجيتنا مروان المعشر تدخل على الفور وطوق الأمر، واستطاع اقناع لحود بأهمية إلقاء ابو عمار خطاب فلسطين، في قمة بيروت، التي ستناقش وستدعم المبادرة العربية للسلام، وتريد أن يصار إلى دعمها عربيا بعد الموافقة عليها.
كما حصل خلاف واضح بين أمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى، ووزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد، حول من يقدم مشاريع قرارات القمة العربية، وبالمناسبة ظل الاحتقان في العلاقة بين الرجلين حتى غادر عمرو موسى موقعه في الجامعة العربية.

• بالعودة للمبادرة العربية للسلام فقد تبنتها المملكة، وصارت جزءا من خطابنا السياسي فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية؟
-لقد تبنى الاردن المبادرة العربية للسلام، وآمن بها جلالة الملك عبد الله الثاني، وأصبحت في تلك الفترة هي عنوان الدبلوماسية العربية والأردنية، ولقد كان الملك مؤمنا بأن هذه المبادرة شكلت فرصة ذهبية لإسرائيل؛ فإذا قبلت التعامل معها فقد تكون هي بداية التقبل العربي لإسرائيل والاعتراف بها، والتعامل معها على هذا الأساس.
لكن ما جرى كان مختلفا، فشارون والرئيس الأميركي جورج بوش كانا بنفس الذهنية المتعصبة والمتعنتة، وبقيت المبادرة تراوح مكانها، فلا العرب قدموها والتزموا بها أمام دول صناعة القرار، ولا إسرائيل والولايات المتحدة قامتا بأي خطوة تجاه المبادرة، وبقيت الأمور على حالها.
لكن الأهم؛ بقيت المبادرة العربية للسلام وثيقة عربية تحرج الإسرائيليين، وتعري موقفهم أمام العالم، بعد أن كسر العرب حاجز الصراع، والنزاع العربي الإسرائيلي، وتقدموا بخطوة كبيرة نحو السلام، وعلى أسس عادلة تنصف الفلسطينيين، وتجعل الإسرائيليين يعيشون بسلام وطمأنينة في منطقة لم تعرف الامن والاستقرار منذ مطلع القرن الماضي.
صحيح أن المبادرة العربية جاءت لنفي صفة الإرهاب عن المقاومة الفلسطينية، وإبعاد الفلسطينيين عن هذه التهمة، وقد كانت مراوغة سياسية ناجحة وذكية، لكن باعتقادي فإن أهم أسباب ولادة المبادرة هو إعادة لفت انتباه العالم للقضية الفلسطينية، وجذب انتباه العالم لعرض عربي سخي والتعامل معه كواحد من مرجعيات القرارات الشرعية الدولية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:49 pm

(الحلقة العشرون)
المصري: موقفنا من حرب العراق شبيه بما نحن عليه اليوم من أزمة سورية

طاهر المصري في حديث مع النائب عبدالهادي المجالي

محمد خير الرواشدة
عمان - يُخصص رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري حلقة اليوم لبيان الموقف الأردني من احتلال الولايات المتحدة الأميركية للعراق والحرب في نيسان (ابريل) 2003، وينتقل بين تحليله للمشهد السياسي في حينه، وتفاصيل اجتماع رؤساء حكومات سابقين مع جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين.
ويؤكد المصري في روايته للموقف الأردني من الحرب على العراق ضمن سلسلة حلقات "سياسي يتذكر" التي تنشرها "الغد"، حجم الضغوط الأميركية والغربية التي مورست على المملكة، ومحاولات إقحام الأردن في الدخول إلى دائرة النار.
ويكشف عن تفاصيل الرسالة التي وقعتها 100 شخصية سياسية، وتصدر تلك التوقيعات، أسماء رؤساء وزراء سابقين وهم: مضر بدران وأحمد عبيدات وعبدالرؤوف الروابدة ومحدثنا طاهر المصري، على اثر الرسالة عقد جلالة الملك اجتماعا لرؤساء الحكومات السابقين، كان ساخنا لتباين مواقف الرؤساء فيه.
كما كشف المصري عن جانب من تداعيات حملة إعلامية شنتها وسائل إعلام رسمية وشبه رسمية، تفجرت في وجه الموقعين على الرسالة.
ويشير إلى ما جاء في بعض تلك الحملة من توصيفات، وكيف أن كتاب أعمدة هاجموا الرسالة واعتبروها موقفا ضد النظام، بعد أن تم تحشيد حملات تأييد قادها رؤساء بلديات وجمعيات في الصحف، بهدف شتم الموقعين.
ويؤكد المصري موقفه في الرسالة بالقول "قد أسيء فهم الرسالة بطريقة تركت هؤلاء يهاجمون أمرا لم يقرؤوه، لكنهم عُبئوا ضده، فنحن لم نقف ضد النظام بالرسالة، لكنا كنا معه وله، عبر النصيحة التي وجهناها، وعبر الهدف الذي حركنا جميعا، وهو تهدئة الشارع والتقليل من تخوفاته تجاه تدخلنا في الحرب على العراق لصالح الولايات المتحدة".
وفي التفاصيل، يكشف المصري كيف أن الحملة الإعلامية تلك جاءت بنتائج عكسية وردود فعل سلبية على مُطلقيها، بعد أن استشعرت الأجهزة الرسمية، أن احتقان الشارع الأردني، الذي سببته الحملة الأميركية على العراق، لا بد من تخفيفه، عبر اتخاذ إجراءات مناسبة.
وكان المصري قد تحدث في حلقة أمس من "سياسي يتذكر" حول ما مثلته الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، والتي سبقها اندلاع الانتفاضة الثانية في الضفة الغربية، واحتلال الولايات المتحدة للعراق، وكيف مثلت تلك التحديات "سورا كبيرا" أمام عهد الملك الجديد.
وأشار إلى أن عهد الملك الشاب جاء في نهاية قرن وبداية قرن جديد، وهناك تعرفنا على نوايا ومواقف الملك السياسية، ومدى انفتاحه على قضايا وأمور داخلية وخارجية.
وكما شرح المصري باقتضاب أسباب تراجع مساحة القرار السياسي أمام النفوذ الأمني، وهو ما جاء في سياق السعي لتقليص هوامش الخطأ، في أي قرار سياسي، أو اجتهاد في غير مكانه، قد يؤثر على ضعف الجبهة الأمنية واستقرارنا الداخلي الذي تميزنا به.
كما تحدث المصري حول انشغال مستويات القرار الرسمي في مطلع القرن والعهد الجديدين، بمحاولات تحييد المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي، والتي عادت تنشط من جديد بعد اندلاع مواجهات الانتفاضة الثانية في نهايات العام 2000 من تهمة الإرهاب.
ويقول المصري "أصبح هناك تداخل في المفاهيم حول مقاومة الاحتلال عند الشعب الفلسطيني، والإرهاب الذي مارسه متشددون ضد مدنيين عُزل في مناطق مختلفة من العالم، وهذا أمر أشغل مستويات القرار الأردني، وكان هاجسا مهما لدينا بألا تدخل المقاومة الفلسطينية من جديد على قائمة الإرهاب الدولي.
وانتقد المصري الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في دعمه للانتفاضة بالسلاح، وقال "أبوعمار أرادها أن لا تكون سلمية، وهذا خطأ ارتكبه عرفات؛ وهو عسكرة الانتفاضة إذا جاز لنا التعبير".
وعن المبادرة العربية للسلام التي أقرت في القمة العربية في بيروت، أشار المصري إلى أنها "صياغة أردنية"، مؤكدا أنه قرأ صيغتها قبل أن تُقدم، عندما كانت بحوزة وزير الخارجية مروان المعشر، حيث أعطيت للمملكة العربية السعودية، التي قدمتها في القمة العربية في آذار (مارس) 2002.
واعتبر أن مضامين المبادرة العربية للسلام وثيقة عربية أحرجت الإسرائيليين، وعرّت موقفهم أمام العالم، بعد أن كسر العرب حاجز الصراع والنزاع العربي الإسرائيلي، وتقدموا بخطوة كبيرة نحو السلام.
واليوم يروي المصري تفاصيل انعكاسات الأزمة العراقية، وحرب الولايات المتحدة على نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وحجم تأثرنا داخليا بتلك الحرب.
ويعود ليشرح موقف الموقعين على الرسالة التي وجهت لجلالة الملك عبدالله الثاني، ودعت لتجنب المشاركة بأي عمل عسكري ضد العراق، وتحمل الضغوط الدولية، والانتصار بتماسك الجبهة الداخلية، وعدم شحن الأجواء بمزيد من الاحتقانات والانقسامات.
ويضيف "كان هناك هدف واحد للموقعين على الرسالة، وهو توضيح فكرة أساسية، تُفيد بأن: الرأي العام غاضب جدا من الولايات المتحدة، خصوصا بعد إدارة ظهرها لكل التزاماتها تجاه الفلسطينيين، وها هي تنتهك حرمة العراقيين وأمنهم واستقرارهم؛ بغطاء وذريعة الحرب على الإرهاب.
وفيما يلي التفاصيل
• ..ونحن نُفصل في التحديات التي واجهت الملك عبد الله الثاني في بداية عهده، وقبل أن نبتعد كثيرا؛ كانت الحرب على العراق، وما تبعها من احتلال الولايات المتحدة لدولة عربية، وسقوط نظام صدام حسين، واستبدال الأمن النسبي هناك بالفوضى العارمة والإرهاب، كل ذلك كان يجري على أبواب حدودنا، ودخلنا في الأردن بأزمة جديدة، وكان فيها همس بالتدخل الأردني في تلك الحرب، لكن لصالح أميركا هذه المرة، وليس كموقفنا في الأزمة العراقية العام 1991؟
- تلك قصة شائكة ومعقدة. لكن يجب أن نتحدث هنا بمنتهى الصراحة والوضوح، ونعرف كيف أن السياسي يجب أن يكون في خدمة مصالح وطنه أولا؛ مهما كان موقعه أكان في المسؤولية أم في خارجها.
فعلا، كانت طبول الحرب تُقرع، ومخطئ من كان يعتقد أن الولايات المتحدة لا تريد اللعب بورقة العراق، واستخدام الحرب عليها لاعتبارات كثيرة. فإن كان الاعتبار الأميركي الأشهر هو الحرب على الإرهاب، ومصادرة الترسانة الكيماوية التي زعموا بأن نظام صدام حسين كان يمتلكها، ويهدد بها أمن المنطقة، فإن في الأمر ما هو أبعد؛ وهو تأمين سلامة إسرائيل بعد فكفكة العراق، كظهير عربي وسند يرفض فكرة وجود إسرائيل أصلا.
على أي حال، كانت الحرب، وبدأت الولايات المتحدة تتحضر، وكنا ننام ونستيقظ أمام شاشات التلفاز، حتى نعرف متى ستكون الضربة الأولى من أميركا للعراق، في تلك الفترة كان الشارع مُلتهبا، فهناك من كان يدعم النظام العراقي السابق، ومن يقف على الحياد من النظام العراقي؛ لكن ليس مقبولا بالنسبة لهم، سقوط نظام صدام حسين وتفكيك العراق على يد الولايات المتحدة. كان ممكنا أن يتقبلوا مثلا فكرة الانقلاب العسكري من الداخل، أو تنازل صدام عن السلطة، أو غير ذلك من البدائل العراقية وليس الأميركية، كما كان هناك أيضا من هم مع الأميركيين في حربهم على نظام صدام.
في تلك المرحلة تعرضنا في الأردن لضغط أميركي كبير، وأرادوا منا أن نتدخل بتضييق الخناق على العراق، بل طلبوا بصراحة أن يكون لنا دور عسكري، وكنا نتابع كيف أن الولايات المتحدة وحلفاءها في الحرب، أرادوا لنا أن نكون واجهة لمدافع معركة سقوط بغداد ونظام صدام حسين.
الموقف الرسمي من الحرب على العراق يشبه الموقف الرسمي اليوم من الأزمة السورية، فنحن نقاوم كل الضغوط التي تحاول إقحامنا في حرب ليست حربنا، وكما نحن نرفض التدخل بالشؤون الداخلية للدول العربية اليوم، فعلنا في السابق. وصحيح أن لنا حلفاء وأصدقاء، لكن الصحيح أيضا أن لنا شعبا لا بد وأن نحترم رغباته، وأن نقدر له التزامه بهويته القومية، وعدم قبوله بأن نكون سببا في التأثير السلبي على أي من دول الجوار.
وفعلا أدرنا الأزمة تلك، وخرجنا منها بأقل الأضرار، وقد آثرنا بالفعل بألا ندخل كطرف في تلك الحرب، حتى ونحن نعلم بتداعيات ذلك علينا، والتزمنا بألا نكون سببا مباشرا في الحرب على العراق والدمار الذي لحق به.
ولا بد من التنويه هنا إلى أن كلامي هذا، لا يندرج في خانة تثبيت المعلومات، بل من باب تحليل موقف الأردن في الأزمة تلك، فأنا كنت خارج السلطة، ولا أمتلك أي معلومات دقيقة يمكنني أن أسجلها للتاريخ.

•  لكنك وثلاثة رؤساء حكومات تصدرت توقيعاتكم رسالة وجهتموها للملك عبدالله الثاني، وطالبتم فيها بألا نتدخل في ضرب العراق، وحذرتم من مغبة ذلك التدخل، وأثره على تماسك الجبهة الداخلية؟
- صحيح؛ حدث ذلك، وكتبنا رسالة لجلالة الملك، ووقعها مضر بدران وأحمد عبيدات وعبدالرؤوف الروابدة وأنا، وكان هدفها واضحا، بأننا نريد أن نكون ناصحين للملك، وليس مُحذرين كما قُلت في سؤالك.
كما أن مثل هذه الرسائل وبحجم الرجالات الذين وقعوا عليها، سواء من حيث الأسماء التي ذكرتها، أو أسماء أخرى لم تذكرها ولها احترامها وتقديرها وامتدادها في الأوساط الشعبية والسياسية، فإن من شأنها تهدئة الشارع وتنظيمه، وترشيد خطابه تجاه النظام والحكومة، حتى لا يتعدى أحد على حدود التزامات الوحدة الوطنية، وأولوية تماسك الجبهة الداخلية في الخطاب أو الكلام أو الموقف السياسي، وألا يكون كل هذا الجدل والانقسام في الرأي على حساب الأمن والاستقرار الداخلي والحفاظ على السلم الأهلي الوطني.
كما أنه في تلك الأيام بالتحديد، كانت لقاءاتنا الدورية مع جلالة الملك قد انقطعت بفعل الظروف، ولم نعد نلتقيه بشكل شبه دوري، فلجأت بعض الشخصيات لفكرة الرسالة التي قد توصل الفكرة لجلالته من دون أن نشكل كموقعين، أي ضغط على برنامج أعماله الذي كان مزدحما في تلك الفترة بفعل الأحداث المتلاحقة.

•  لكن الملك اجتمع برؤساء الوزراء السابقين جميعا في الديوان الملكي بعد تلك الرسالة،  وقد كان لك ولعبيدات وبدران أيضا مداخلات في الاجتماع ذاته، كما كان للروابدة رأي في الرسالة قاله أمام الملك، وهو الذي كان في آخر اجتماع له بكم في منزل بدران على الغداء، صامتا ولم يتحدث عندما عارضتم قراره بإغلاق مكاتب حماس في عمان وإبعاد قادتها، وكان رئيسا للوزراء في ذلك الحين؟
-نعم؛ التقينا في نيسان (ابريل) 2003 مع الملك عبدالله الثاني، وقد انعقد اللقاء في بيت البركة في تمام الساعة الواحدة، وحضره رؤساء الوزراء السابقين على الترتيب: أحمد اللوزي وزيد الرفاعي ومضر بدران وأحمد عبيدات وأنا وعبد السلام المجالي وعبدالكريم الكباريتي وفايز الطراونة وعبدالرؤوف الروابدة، وكان رئيس الوزراء علي أبو الراغب حاضرا، بالإضافة لمدير المخابرات في وقتها سعد خير، ووزير البلاط فيصل الفايز، وكان يجلس مدير الإعلام أمجد العضايلة، وهو سفيرنا اليوم في تركيا، وسيما بحوث لتسجيل محضر الاجتماع.
وقد كان اجتماعا ساخنا، فنحن وبعد أن وقعنا على الرسالة، تفجرت في وجهنا حملة إعلامية في وسائل الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، وقد وُصفنا فيها بأقذع التوصيفات، وقد تفلت علينا كتاب التدخل السريع، مهاجمين موقفنا من الرسالة واعتبروه موقفا ضد النظام، وتم تحشيد حملات تأييد قادها رؤساء بلديات وجمعيات في الصحف، تشتمنا وتهتف للنظام، وقد أسيء فهم الرسالة بطريقة تركت هؤلاء يهاجمون أمرا لم يقرؤوه، لكنهم عُبئوا ضده، فنحن لم نقف ضد النظام بالرسالة، لكنا كنا معه وله، عبر النصيحة التي وجهناها، وعبر الهدف الذي حركنا جميعا وهو تهدئة الشارع والتقليل من تخوفاته تجاه تدخلنا في الحرب على العراق لصالح الولايات المتحدة.

• وهل شرحتم موقفكم هذا للملك، وقد تم تسريب مواقف تحدثتم بها أمام جلالته في ذلك الاجتماع، لكن لم يأتِ الإعلام على ذكرها أو توثيقها، لا بشكل رسمي عبر الخبر الرسمي الذي تبثه وكالة الأنباء الأردنية (بترا) عادة، ولا من خلال التسريبات الإعلامية المقصودة بنقل بعض ما دار في اللقاء الساخن؟
-لا أذكر تماما ماذا كُتب عن اللقاء في وسائل الإعلام المحلية أو الأجنبية، لكن ما أذكره فعلا أن جلالة الملك، قد تحدث في البداية بشكل عام عن الأوضاع المحلية والإقليمية، وبين للحاضرين حجم الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة على الأردن، ومطالبها التي لا تنتهي بضرورة تقديم تسهيلات لهم في حربهم على العراق، وهو أمر رفضه جلالته، واعتبر أن لا طاقة لنا بذلك، وقال إنه نجح في تخفيف حجم تلك المطالب الأميركية من الأردن، وبحدود أن لا يكون لنا أكثر من دور في تقديم التسهيلات للجيش الأميركي، لكن من دون أن تنطلق العمليات العسكرية ضد العراق من الأرض الأردنية.
بعد أن أوضح الملك حقيقة الموقف الأردني، من كل هذه الأحداث في المنطقة والحرب الأميركية وحلفائها على العراق، ومقدار تحملنا للضغوط الدولية علينا، تحدث الروابدة، وكنت أنا سادس المتحدثين، وعبيدات السابع، وبدران الأخير، وكنا نحن الموقعين طبعا على الرسالة.
أما البقية فقد كان واضحا تأييدهم وتفهمهم للسياسات الحكومية ضد العراق، لكن اللوزي كان أكثرهم حيادية، أما الكباريتي فقد قدم رأيا متصلا برأيه من العراق، منذ أن كان وزيرا للخارجية في حكومة زيد بن شاكر الأخيرة، ورئيسا للوزراء بعدها مباشرة، وهاجم النظام العراقي وتاريخه القمعي، كما قدم الرفاعي دعمه للموقف الرسمي في مداخلته، أما الروابدة والطراونة والمجالي فقد كانوا الأكثر توازنا بينهم.
كان واضحا أن سبب اللقاء هو الرسالة المرفوعة لجلالة الملك، لكن الملك استوعب كل الحملات الإعلامية ضدنا قبل أن يلتقينا، وذلك من خلال حوار صحفي كان قد أجراه مع وكالة الأنباء الأردنية (بترا)، وتحدث فيه عن قيم تعددية الآراء، وضرورة الخروج بالنتائج عبر حوار ديمقراطي، يتفهم فيه الجميع آراء بعضهم، وقد كان واضحا بأن جلالته يريد أن يخفف من حدة الانقسامات في المواقف السياسية، وتخفيف أجواء الاحتقان التي تسببت به الحملات الإعلامية التي أساءت لثوابت أردنية، وتقاليد احترام خطاب الآخر ونصيحته.
المهم أن الحملة الإعلامية ضدنا جاءت بردود فعل سلبية على مُطلقيها، وفعلا استشعرت الأجهزة الرسمية بان احتقان الشارع الأردني الذي سببته الحملة الأميركية على العراق، لا بد من تخفيفه، عبر اتخاذ بعض الإجراءات المناسبة.
فبعد حوار الملك مع "بترا"، جاء في أخبار الثامنة مساء أن رئيس الوزراء علي أبو الراغب استدعى السفير الأميركي إدوارد غنيم، واحتج على وقوع قتلى وجرحى مدنيين نتيجة القصف الأميركي على بغداد.
وهو أمر قد يكون بفعل تداعيات الرسالة، وفشل الحملة الإعلامية ضد موقعي الرسالة، والأهم من ذلك أن هذه السياسات الرسمية انسجمت مع رغبات الشارع وأثرت في الرأي العام، واستطعنا من خلالها تخفيف حدة الاحتقان والتناقض بين موقفي الحكومة والمؤسسات الحزبية والنقابية وحتى الشعبية، خلال الحرب على العراق والتي أدت إلى سقوط نظام صدام حسين.

•  قد نحتاج إلى تفصيل أكثر عن الاجتماع وماذا قلتم للملك، وهل أوضحتم مواقفكم في الرسالة في جزئية الحرب الأميركية على العراق، خصوصا وأنك في إجابتك السابقة عرجت بعمومية واختصار عندما وصفت مواقف الرؤساء السابقين باستثنائك وبدران وعبيدات؟
- كان هناك هدف واحد للموقعين على الرسالة، وهو توضيح فكرة أساسية، تُفيد: بأن الرأي العام غاضب جدا من الولايات المتحدة، خصوصا بعد إدارة ظهرها لكل التزاماتها تجاه الفلسطينيين، وها هي تنتهك حرمة العراقيين وأمنهم واستقرارهم بغطاء وذريعة الحرب على الإرهاب.
وقلنا إنه لا بد من مراعاة ذلك، ولا يمكن تجاهل الأمر، ويمكننا أن نفعل ذلك، ومن دون أن نضر بمصالح الأردن مع الولايات المتحدة، أو غيرها من الدول الحليفة، فقد أجمعنا على أن حماية النظام واستقراره ومصالح الدولة العليا أهم من التحالفات، لأن الجبهة الداخلية الواحدة والقوية والمتماسكة خط الدفاع الأول والأخير عن مصالحنا، لذلك لا بد من مراعاة مشاعر الرأي العام ضد أميركا، وانحيازها للعراق أرضا وشعبا بالدرجة الأهم، كما أنه من الممكن استخدام مثل وسائل الضغط الشعبية هذه في مواجهة الضغوط الأميركية التي كانت تريد أن تدفعنا نحو قرص النار.
بدأ الحديث الروابدة؛ وتحدث بشكل جيد وأظهر مشاعر الناس، وألمح بشكل بعيد لحملة التشويه التي تعرض لها الموقعون على الرسالة.
بالنسبة لي بعد أن شكرت الملك على اللقاء، تمنيت عليه أن يظل يلتقي بنا، فقد انقطعت لقاءاتنا به منذ فترة، وهي لقاءات كانت مهمة ومفيدة لنا جميعا، ثم شرحت لجلالته مدى غضب الناس، وأن كثيرا من الغضب ليس منصبا على السياسات الأردنية، بل على السياسات الأميركية والوضع العربي العاجز عن التعامل مع انحيازها لإسرائيل، فلم نبتعد عن مشاهد القتل الذي مارسه شارون ضد الفلسطينيين، حتى عادت لنا مشاهد قتل الجيش الأميركي لأشقائنا العراقيين، وتحدثت لجلالته بأننا صرنا خبراء بمخالفة أميركا لوعودها، وأن البرنامج العسكري للولايات المتحدة في العراق قد ينجح ويسقط نظام صدام حسين في النهاية، أما البرنامج السياسي للأميركيين فهو متغير وغير واضح، وهو ما قد يؤثر علينا بشكل سلبي في المستقبل.
في مداخلتي حاولت أن أبين حجم التناقض الواضح بين ما تقوله حكومتنا وما يعرفه الناس، وبالتحديد حول حقيقة الوجود الأميركي في الأردن، وهو ما يؤثر على مصداقية الحكومة، فالناس ترى وتعرف وتسمع، وهي مقتنعة بوجود أعداد كبيرة من القوات الأميركية.
ثم هاجمت الحكومة على افتعالها للحملة الإعلامية ضد موقعي الرسالة، واستغربت أمام الملك كيف لنا أن نوصف بأننا حاقدون ومزايدون، وقلت إن حديث الملك لـ"بترا" هو حديث مُتقدم، ولكنه جاء في مرحلة متأخرة، وليس منذ بداية الأزمة، وظهر الحديث وكأنه جاء بضغط من الشارع، وهو ما لا نراه من صالح النظام، فالمبادرة دائما يجب أن تكون من صاحب السلطات الدستورية ووليها، صحيح أن تصريحات الملك تسببت بتهدئة الانقسامات في المواقف السياسية حيال الحرب على العراق، لكننا كنا نتمنى أن تكون في بداية الأزمة وقبل تفاعلاتها السلبية.
أما عبيدات فقد تحدث بكلام رائع وواضح، ووضع النقاط على الحروف، وقدم كلاما موضوعيا من منطلق خبرته السياسية والأمنية، متحدثا عن عمق بعض الشعارات التي هتف بها متظاهرون في شمال المملكة على خلفية تشييع جثامين أربعة طلاب كانوا يدرسون في العراق، واستشهدوا بفعل القصف الأميركي، مستعرضا أهمية الوقوف جيدا والتحليل بتمعن لتداعيات تلك الأحداث التي تنشأ تحت تأثير اللحظة العاطفية.
وهاجم عبيدات بشكل قوي وساخر تلك الحملة التي تعرض لها الموقعون على الرسالة، وقال: إنهم لا يزايدون علينا في ولائنا للملك وللبلد، لكنهم لا يمثلون أحدا، وتساءل عن رؤساء البلديات الذين ينشرون الإعلانات ضدنا، وقال: إنهم معينون من الحكومة ويأتمرون بأمرها، مشددا على أن الأموال التي تصرف لإعلانات هذه الحملات، يجب أن تذهب لصالح تحسين واقع البلديات، وليس لصالح حملات التهجم على أصحاب رأي ووجهة نظر، كما حمل مسؤولية الحملة الإعلامية للمخابرات وليس للحكومة.
وتحدث عبيدات أيضا عن ضرورة أن تأخذ الحكومات موقفا أخلاقيا، أكثر من أن تأخذ موقفا سياسيا بحتا في مثل هذه الأزمات، خصوصا بعد اهتزاز مصداقية الشارع العربي بأنظمته الحاكمة.
أما مضر بدران فكان آخر المتحدثين، وكان غاضبا، وظهر الغضب على وجهه ونبرة صوته، وبدأ بالقول: إنه لأول مرة في حياته يوقع على عريضة أو رسالة، لكنه ما كان ليوقعها لو أن لقاءات الملك برجالات الحكم ما تزال تنعقد، وقال للملك: أنا لم أرك منذ سنتين.
وانتقد بدران الحملة على موقعي الرسالة، وقال: وصفنا بكل الأوصاف؛ حرس قديم وأصحاب دكاكين، حاقدين، لقد أصبح الواحد منا كرئيس سابق للوزراء متهم أمام الشارع.
لكن بدران أوضح في تلك الجلسة موقفا تاريخيا مهما؛ بقوله إنه كان يعرف ضعف قدرة نظام صدام حسين الدفاعية على التصدي وجيشه للعدوان، وتحمل القصف الأميركي ودول التحالف على بغداد العام 1991، لكنه ومع علمه الأكيد بذلك، كان يجلس تحت قبة البرلمان ويقدم خطابا سياسيا عاطفيا، ليُرضي به مشاعر الناس المُتلهفة للصمود بوجه حرب أميركا وحلفائها على دولة عربية شقيقة، فالمواطن الأردني لا يقبل فكرة انهيار العراق، وأنه تحمل آثام تفاؤله السياسي المُفرط، لكنه التزم بمشاعر الناس، ولم يجعلهم يثورون على سياسات نظامهم وأجهزة دولتهم، مؤكدا أن الموقف متشابه لكن السياسات اختلفت، وهو ما قد يكون خطرا يهددنا جميعا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:51 pm

سياسي يتذكر (الحلقة الواحدة العشرون)
المصري: تفجيرات عمان كشفت حقيقة التلاحم الشعبي الأردني


آثار التفجير الإرهابي الذي ضرب حفل زفاف في فندق "راديسون ساس" العام 2005-(أرشيفية)
محمد خير الرواشدة
عمان- يواصل رئيس الوزراء الأسبق طاهر المصري اليوم، الحديث الذي بدأه أمس، عن الاحتلال الاميركي للعراق، وتداعيات ما بعد معركة سقوط بغداد ونظام صدام حسين، وكيف أن تلك الحرب استبدلت الأمن النسبي بالفوضى العارمة، التي وجد فيها الإرهاب حواضن وبيئات خصبة.
ويصل المصري، في حلقة اليوم من سلسلة "سياسي يتذكر"، لتداعيات حرب العراق، واستهداف الإرهاب للأردن، ويتوقف عند محطة تفجيرات عمان التي سقط ضحيتها 62 شهيدا، وأكثر من 200 جريح، كما فقد المصري في تلك التفجيرات صديق العائلة المخرج السينمائي العالمي مصطفى العقاد، وعددا من افراد اسرته، الذين جاءوا من لوس انجلوس للمشاركة في حفل زفاف ابنة شقيق المصري، كما توفي في الأحداث خطيب ابنة شقيقة المصري مصعب خرما.
ويستزيد في حديثه عن التغييرات التي لحقت تفجيرات فنادق عمان، وكيف كان لرجال تلك المرحلة الأثر في زيادة مساحات الاستقطاب السياسي، الذي أدخل البلاد في حالة الاصطفافات السياسية والاقتصادية والإدارية الخطيرة.
ويصف المصري الأجواء العامة للبلاد بالقول: "قد أعطي الطابع الأمني أولوية، وصلاحيات أوسع، وقد كان ذلك على حساب الطابع السياسي لمؤسساتنا الرسمية، وهي صلاحيات واسعة، وتمت ممارستها بشكل خلق حالة من الاستقطاب. وهي استقطابات ليس لها أي محتوى سياسي، لأنها لم تكن استقطابا سياسيا أصلا".
وينتقد المصري الخلافات في مراكز القرار، التي أدخلت البلاد في "حالة ضبابية"، منذ العام 2005 وحتى العام 2008، وكان لها أن عطلت وأخرت برامج الإصلاح، وتحديدا الإصلاح الاقتصادي.
ويؤكد بأن ظلال تلك الفترة "ما تزال حاضرة"، وهي ما أوصلتنا في نهاية المطاف للحالة التي نعيشها من تراجع الثقة الشعبية، بكفاءة إدارات أجهزة الدولة.
وكان المصري تحدث في حلقة أمس عن الموقف الأردني من الاحتلال الأميركي للعراق والحرب في نيسان (ابريل) 2003، وقدم تحليله للمشهد السياسي حينه، وتفاصيل اجتماع رؤساء حكومات سابقين مع الملك عبدالله الثاني ابن الحسين.
كما بين المصري في روايته للموقف الأردني من الحرب على العراق حجم الضغوط الأميركية والغربية التي مورست على المملكة، ومحاولات إقحام الأردن في الدخول إلى دائرة النار.
اليوم يشخص المصري الحالة السياسية لمرحلة الاستقطابات الخطيرة، ويلفت إلى أننا قد نكون ما نزال نعيش آثارها، التي صادرت في السابق مثلا؛ وليس حصرا، فرصة التوافق على مخرجات لجنة الأجندة الوطنية، التي جُمدت في الأدراج، واعتقد أن توصياتها صارت نسيا منسيا.
كما يحمل رجال ذات الفترة أسباب تعطيل مسارات الإصلاح جميعها، والعبث بسياسات الحكومات، وكان لما قاموا به، آثار خطيرة، قد نكون بحاجة لوقت طويل حتى نتمكن من معالجتها؛ ووصف تلك الاستقطابات؛ بأنها من "أخطر حالات الاستقطاب، التي مرت على البلاد منذ نشأة الإمارة وتاريخ تأسيس المملكة".
وفيما يلي التفاصيل:
• بعد ما قدمته في الحلقة الماضية، عن حجم التباين في مواقف رجالات الدولة من الحرب على العراق، وكيف أن جلالة الملك بادر في عقد اجتماع، لوضع حد لكل تلك الانقسامات في الشارع والتجاذبات السياسية التي كانت لها ظلال ثقيلة؛ نتحدث اليوم عن ذيول وتداعيات الحرب على العراق، واحتلال الولايات المتحدة لها، فبعد أن ذهب نظام صدام حسين وجاء مكانه الإرهاب وحكم الطوائف، وهو ما أثر علينا كثيرا، حتى اكتوينا جميعا بالحادثة المؤلمة، بتفجيرات الفنادق الثلاثة العام 2005، وما ترتب عليها من إجراءات داخلية؟
-قد يكون قدرنا أن تظل حدودنا متوترة، فمن الحدود الغربية إلى الشرقية إلى الحدود الشمالية اليوم، كلها حدود مضطربة، وأخطرها جبهتا الشمال والشرق، اللتان تمترس حولهما الإرهاب ومتطرفوه، وصاروا يهددون أمن الجميع، وأقول: يهددون أمن الجميع، فلن نسلم من تداعيات هذا التهديد الخطر، الذي إن لم تكن معه فأنت ضده، وهذه عقيدة التطرف والتعصب والتشدد.
لقد كان واضحا بالنسبة لنا جميعا بأن بديل نظام صدام حسين هو الفوضى والإرهاب، ولا جديد في الأمر، فالقوى السياسية البديلة لصدام ونظامه، غير موجودة وغير مهيأة لتعبئة الفراغ؛ فلابد أن تتسلل الفوضى والإرهاب، وقد تكون المقاربة بين الأزمة السورية اليوم والعراقية، قد تكون فيها تناغم من حيث نشوء حواضن وبيئات للخلايا الإرهابية في دول فقدت أنظمتها السيطرة على أجزاء من المدن والمحافظات.
لكن في العراق بعد سقوط بغداد وسقوط نظام صدام حسين، فقد انتشرت القاعدة في مناطق من العراق، والعراقيون الشيعة لهم حكمهم وقادتهم، والأكراد ينزعون للاستقلال، والسنة محاصرون بين الاقصاء عن القرار وبين القاعدة وفقر الموارد، والحكومة المركزية هناك أتخمها الفساد، وداهمتها التفجيرات، وأمام هذا المشهد كان الله في عون المواطن العراقي، الذي يتحمل كل هذه التناقضات، التي تعبث بأمنه وحياته وكرامته ولقمة عيش أهل بيته.
لقد كان تهديد القاعدة لنا أمرا واضحا، وهي جهة لا تخفي عداءها لنا، ونحن اجتهدنا في مكافحتها داخليا وخارجيا، ونعتبر أن من أولوياتنا مكافحة الإرهاب والتطرف والتعصب، ولعل هذه مسألة في صميم أمننا القومي الاستراتيجي.
وفعلا ظلت اجهزتنا الأمنية متيقظة لكل تحركاته القاعدة، وكان لجهازنا الأمني فضل في حفظ أمن الوطن وسلامة أبنائه، ومقاومة كل محاولات هذه الفئة المجرمة باختراق الأمن الأردني، ممن حاولوا استهدافه مرارا وتكرارا، وما يزالون يحاولون، وبالمناسبة فالأجهزة الأمنية تستعين على قضاء مهامها بالكتمان، ونكاد ما نعرفه عن جهود تبذلها تلك الأجهزة، لا يتعدى واحدا بالمائة من حقيقة عملها الدؤوب والموصول.
لكن القدر سمح لفئة ضالة من هؤلاء المجرمين، أن يتسللوا ويدخلوا أحزمتهم الناسفة، ويتربعوا في صدر أفراح وصالات فيها بشر كثيرون، وكم هو مشهد بشع وعمل جبان، أن تقتل شخصا لا تعرفه، ولا يوجد لك علاقة به أو معه، أو لا تعرف إن كان هذا الإنسان الذي تهم بقتله هو انسان طيب أو شرير، وهذا هو القتل العشوائي الجبان. وهذه هي تفجيرات الإرهاب، التي تأخذ الناس حصادا دون سابق ذنب أو إنذار.
لقد كان لي في تفجيرات الفنادق الثلاثة محطة مؤلمة، فعدد الضحايا الذي بلغ 62 شهيدا وجرحى تجاوز تعدادهم الـ200 جريح، ومن بين هؤلاء جميعا فقد فقدت من بين ضحاياها صديق عزيز لي ولعائلتي وعدد من أفراد أسرته.
فقد راح ضحية هذا العمل الغادر والجبان مصطفى العقاد، المخرج السينمائي الشهير، والذي جاء مع عائلته من لوس انجلوس، لحضور حفل زواج ابنة اخي زاهي، وقد كان حفل الزفاف سيقام في العقبة، في اليوم التالي لهذا الحدث المؤلم.
كما كان في نفس الفندق ضيوف، وكان من بينهم خطيب ابنة اختي، المرحوم مصعب خرما، وعندما سمعت الخبر، وذهبت فورا للفندق، صدمت عندما وصلت، فحجم الدمار فاق الخيال والتصور، ووقفت متسمرا مكاني، فنحن في الأردن لسنا معتادين على مثل هذه المشاهد، وقد لا نشاهدها إلا في أفلام (الآكشن) الغربية والأميركية، فأن تنتقل تلك المشاهد إلينا! فقد كان أمرا صادما.
في تلك الأحداث، توفي مصطفى العقاد وابنته، ونقل بموكب رسمي، بأمر من جلالة الملك إلى دمشق، ورافق الجثمان إلى المدفن في مدينة حلب، مسقط رأس العقاد؛ وزير الثقافة في حكومة عدنان بدران في حينه أمين محمود.
هذا الجانب المؤلم والمؤسف من التفجيرات، لكن الجانب الحقيقي والصادق في مثل هذه الأحداث، هو حقيقة التلاحم الشعبي عندنا، فالشعب الأردني، بشتى اصوله ومنابته وبأقلياته وبالمقيمين بينه، دائما يكشف عن معدنه الثمين في الأزمات والكروب والشدائد، فقد كان حجم التكاتف والتضامن مع الحدث، نابعا من قلب حقيقي، وبقي هذا التكاتف بنفس القوة والوتيرة والتأثير معنا في كل المحن والشدائد.
من جهة أخرى، فقد كان لتفجيرات عمان ما بعدها، من تأثيرات على الحياة السياسية، فما أن هدأ دخان التفجيرات؛ حتى كان واضحا، بأن التغيير صار ضروريا في بعض السياسات والمراكز، التي لها تأثير مباشر على قرار تغيير حكومة عدنان بدران، وتغيير مدير المخابرات سميح عصفورة.
ويمكنني القول بأن هذه الأزمة، هي الأزمة الأولى بحجمها وعمقها وأثرها، التي واجهت جلالة الملك عبد الله الثاني على المستوى الداخلي، بعد تسلمه مسؤولياته الدستورية في الحكم، وقد كان لها تداعياتها علينا جميعا.

• وهل تعتقد بأن المسؤولية يتحملها مدير المخابرات، في حينه، سميح عصفورة، ورئيس الوزراء عدنان بدران، اللذان خرجا من المسؤولية بعيد التفجيرات، ودخل على مراكز القرار رجالات كان لها أثر خطير على زيادة مساحات الاستقطاب السياسي، الذي أخذ أشكالا سلبية عديدة؟
-قطعا لا؛ لكن ضعف تلك المرحلة انسحب على أداء أجهزة الدولة، وتراجع كفاءتها، فحكومة بدران أثارت جدلا واسعا حول طريقة تشكيلها وتكوينها، بالإضافة لمفاجأة تكليف عدنان بدران، شقيق مضر بدران، برئاسة الحكومة.
فعدنان لم يكن في حلقات الحراك السياسي والوزاري، وكان مفاجئا لنا جميعا، أن يختاره الملك عبد الله الثاني، لكن أيضا استطيع القول، بأنه منذ تلك الحكومة، وقبلها حكومة فيصل الفايز، فقد ظهر لنا جميعا نمط جديد، في اختيار الملك لشخصيات رؤساء الحكومات.
في حكومة بدران، كان هناك انطباع لدى الرأي العام، بضعف قدرة هذه الحكومة، والطريقة التي تعامل النواب معها، هي طريقة بدأت تخرج عن الحدود المعهودة في العلاقة السياسية التي تحكم السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهو ما كان له آثار كبيرة على مستوى الثقة بالسلطة التنفيذية وأعضائها. لم أكن أحب يوما أن أرى أن هناك مساسا بهيبة الحكومات ومجالس النواب، ولا بد من إعادة الحضور الإيجابي للسلطات الدستورية.

• نريد أن ندخل في التفاصيل أكثر حول تداعيات تفجيرات عمان، وكيف تأثرت الحياة السياسية بالوضع الأمني الجديد، الذي كان على حساب مساحة القرار السياسي؛ كما وصفته في حلقات سابقة؟
-لقد تغيرت حكومة بدران، وجاء معروف البخيت خلفا له، وهو عسكري متقاعد وسفير في تركيا وإسرائيل، تزامن ذلك مع تغيير مدير المخابرات سميح عصفورة، وجاء محمد الذهبي، ثم تم تعيين باسم عوض الله رئيسا للديوان الملكي.
هذا من حيث الأسماء والشخصيات، وهي التي سنأتي على ذكرها لاحقا.
أما على صعيد الجو العام، فقد أعطي الطابع الأمني أولوية، وصلاحيات أوسع، وقد كان ذلك على حساب الطابع السياسي لمؤسساتنا الرسمية، وهي صلاحيات واسعة، وتمت ممارستها بشكل خلق حالة من الاستقطاب. وهي استقطابات ليس لها أي محتوى سياسي، لأنها لم تكن استقطابا سياسيا أصلا.
ودخلت البلاد في حالة ضبابية، منذ العام 2005 وحتى العام 2008، وكان للحالة الضبابية تلك أن عطلت وأخرت برامج الإصلاح، وتحديدا الإصلاح الاقتصادي، وهذا لا يعني أن برامج الإصلاح السياسي لم تتجمد وتتعطل.
ثم إن الاستقطابات تلك، بين طرفين، تسببت في اصطفافات غير معهودة، حيث لم يكن معروفا لدينا، أو مسموعا عندنا في الزمن السابق، بأن الاصطفافات تكون بين رئيس الديوان ومدير مؤسسة أمنية مثلا، فعلى شدة الخلافات التي كانت تنشأ بين رجالات الدولة في مواقع مختلفة، لم تصل الأمور لهذا المستوى غير المعهود من وضوح الحرب وأدواتها ورجالها.
وهذا الاستقطاب، الذي قد نكون ما نزال نعيش آثاره، قد صادر مثلا؛ وليس حصرا، فرصة التوافق على مخرجات لجنة الأجندة الوطنية، التي جُمدت في الأدراج، واعتقد أن توصياتها صارت نسيا منسيا. وهم؛ باستقطاباتهم تلك، عطلوا مسارات الإصلاح جميعها، وعاثوا بسياسات حكوماتنا تخريبا، وكان لما قاموا به، آثار خطيرة، قد نكون بحاجة لوقت طويل حتى نتمكن من معالجتها. وأستطيع أن أقول بأنها من أخطر حالات الاستقطاب، التي مرت على البلاد منذ نشأة الإمارة وتاريخ تأسيس المملكة.

• هنا؛ كيف تقرأ الخلافات بين رجالات مراكز القرار وقتها؟
-الخلاف كان واضحا، بين رئيس الديوان الملكي باسم عوض الله ومدير المخابرات العامة محمد الذهبي، وقد كان خلافا طاحنا ومؤذيا.
فالمشاحنات كانت بين رجلين، يحظيان بمراكز قوة وقرار، ويتمتعان بثقة ودعم جلالة الملك، وهو ما أثر بشكل كبير على حركة الدولة، بشكل عام، وعلى مفهوم الصلاحيات، وأصبح هناك عدم وضوح في موضوع المرجعية؛ إلى أن أصبح الضرر من هذا التنافس واضحا، وكان لابد من اتخاذ إجراء ما.
فقد انقسم المجتمع السياسي والاقتصادي والإداري، وأصبحنا ضائعين وحائرين، فلم نعد نعرف إلى أين تسير الأمور، ومن يقرر سياسة الدولة في تلك القطاعات، وما أسباب وقوع ضحايا سياسيين نتيجة لهذه المشاحنات.
هناك، شعرت بأن علي أن ابتعد عن بعض مجريات الأمور، لشعوري بأن النوايا تجاهي؛ من أطراف هذه المشاحنات، لم تكن صافية، وليست على حقيقتها.
وبسبب التزامي بمسار وأخلاق سياسية، لا أقبل أن تتغير، كان هناك محاولات لتوريطي بمواقف، أنا بعيد كل البعد عنها، خاصة فيما يتعلق بجانب الانتماء الوطني، والالتزام بالوحدة الوطنية.
واستطعت أن أبتعد؛ ولم تنجح تلك المحاولات معي، لأني متمسك بما أؤمن به. ومرت تلك الحقبة بسلام على المستوى الشخصي، لكن ببعض الأضرار، التي استطعت تلافي جزء منها.

• برأيك، ما هي أخطر ممارسات تلك المرحلة؟
-الكل يعرف ويُدرك، بأن ما جرى في الانتخابات النيابية العام 2007، والاتهام الصريح بتزوير النتائج، وما حدث في ذلك العام، بين الدولة وأجهزتها وجماعة الاخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي في الانتخابات البلدية والنيابية، وتبعات المواقف السياسية التي واكبت تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق، والموقف السياسي الأردني من هذا الاحتلال، ومسألة الاتهام بوجود قوات أميركية على الأرض الأردنية، وتزايد الحديث عن شبهات الفساد في مؤسسات رسمية، كلها قضايا جعلتني مقتنعا بأني في الجانب الصحيح. في تلك المرحلة بقيت قنوات الاتصال معي من قبل مراكز قرار تُفتح وتُغلق، حسب ظروف ليس لي يد فيها.
لكني كنت أشعر بأن لهذه الاستقطابات تداعيات، قد توصلنا في نهاية المطاف للحالة التي نعيشها من تراجع الثقة الشعبية، بكفاءة إدارات أجهزة الدولة.

• لكنك كنت عضوا في مجلس الأعيان، الذي دخلت به مع رؤساء وزراء سابقين، كان أبرزهم رئيس مجلس الأعيان الأسبق، الذي دخل عضوا، أحمد اللوزي، ورئيس الوزراء الجدلي عبد الكريم الكباريتي وفايز الطراونة العام 2005؟
-صحيح، فقد كان معنا احمد اللوزي، وكان مجلسا مميزا، وكان لأعضائه دور متقدم في الإصلاح التشريعي، وربطه بمسار الإصلاح الشامل.
لكني بقيت مستمرا في برنامجي الاجتماعي، وازدادت في تلك الفترة علاقاتي واحتكاكي وتفاعلي مع المجتمع بكافة أطيافه، ولم أشعر بأني قد خسرت من حضوري.
لقد كان لمشواري السياسي في الاعوام الخمسة والعشرين الأخيرة، في مجالس النواب والأعيان، ما أكسبني انطباعا وصفة؛ لن أخيب ظن من كونها عني، فقد أصبح الجميع يعرف حقيقة تكويني الفكري، ومدى التزامي بالمبادئ، التي أعلن عنها واتمسك بها.
وباعتقادي فإن هذا الانطباع هو الذي يُقرر متى تتم الاستعانة بي، ومتى أدخل المسؤولية ومتى أخرج منها.
وقد كان هذا واضحا بالنسبة لي، منذ عدم تعييني في مجلس الأعيان العام 1997 أنا وأحمد عبيدات، من قبل الراحل الحسين، قبل أن يُعيد النظر رحمه الله ويعيدنا للمجلس بعد عام من تشكيله، لكن بظروف مختلفة، كما لم أعين في مجلس الأعيان، الذي شُكل بعدها، وعدت في الدورة التي تلتها، إلى أن صرت رئيسا لمجلس الأعيان نهاية العام 2009.

• وهل تعتبر وجودك في رئاسة مجلس الأعيان كان استخداما لك في ظرف معين، وخروجك من الموقع يعني انتهاء ذلك الظرف؟
-لا أعرف. لكن قد أكون بحكم التقاليد السياسية المتبعة، الشخص المناسب لخلافة زيد الرفاعي في الموقع، من بين رؤساء الحكومات السابقين، وحسب الأقدمية، فالأقدم مني من الرؤساء الأحياء، أمد الله في عمرهم، هم أحمد اللوزي وزيد الرفاعي ومضر بدران وأحمد عبيدات، وهم ليسوا أعضاء في المجلس، وقد لا يتعدى السبب تلك الفكرة.
لكن بطبيعة الحال، لم أكن في المطبخ السياسي خلال تلك فترة، وقد دخل على المناصب والمواقع الرسمية وجوه جديدة، اختارها جلالة الملك عبد الله الثاني، بناء على معايير جديدة. وأظن أن جلالته أراد أن يُغير من نوعية القيادة، ويخفف من تواجد ما بات يسمى بالحرس القديم، باعتبار أن هذه هي المملكة الرابعة، وهي مختلفة عن سابقاتها، ولقد عرفنا جيدا توجهات وآراء جلالة الملك، وهي قد تكون مختلفة عن السابق، لكن هذا الأمر طبيعي، وهو مقبول، وعلينا أن نحترم هذه الحقيقة، وهذا التوجه الجديد.

• أخذتنا لقضية حجم التغييرات المتلاحقة في المواقع السياسية والاقتصادية، وهل أثر ذلك على القرار السياسي والاقتصادي، وهل ذلك أمر صحي؟
-الاحتلال الأميركي للعراق غير شكل الخريطة السياسية في المنطقة، وتركنا نواجه استحقاقات جديدة، لم نكن بصورتها ولسنا براضين عنها.
أما في الجانب الاقتصادي، فقد تبنت الدولة مفهوم اقتصاد السوق الحر، وكان على رأس هذه المفاهيم الاقتصادية: دعم القطاع الخاص، ودعم مفهوم الشريك الاستراتيجي، ذلك لأن النظام آمن بأهمية الاستثمار وضرورة جلبه، وأهمية إعطائه الحوافز، فكان أن بدأ التفكير ببيع الأصول الرئيسية للدولة، والتي لها علاقة وثيقة بمفهوم السيادة.
وتم بيع تلك الأصول بسرعة، وبدون دراسة الأثر الاجتماعي، كما أجريت الانتخابات النيابية في تلك الفترة، وبموجب نفس قانون الصوت الواحد، الذي أثر على البنية الاجتماعية والسياسية، ما زاد من وقع الأزمة سياسيا، وما سبقها اقتصاديا، وتأثرت أحوال الناس، ولم يتحسن الوضع المالي للمملكة.
فاشتبكت الأساسيات الثلاثة؛ وهي الوضع الاقتصادي بعد بيع أصول الدولة، والوضع السياسي نتيجة الظروف الإقليمية في فلسطين وانتفاضتها والعراق واحتلالها، وكلها عوامل أثرت على البيئة الاجتماعية للمواطن، وبدا مفهوم عدم الرضا عن السياسات والقرارات، يسري بين الناس، وزاد هذا الشعور بعدم الرضا عند المواطن؛ التغيير السريع للحكومات والوزراء وعدم الاستقرار في أكثر من مستوى من مستويات السلطات الدستورية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
ابراهيم الشنطي
Admin
avatar

عدد المساهمات : 43175
تاريخ التسجيل : 28/01/2013
العمر : 71
الموقع : الاردن

مُساهمةموضوع: رد: طاهر المصري   الأربعاء 04 مارس 2015, 9:53 pm

سياسي يتذكر (الحلقة الأخيرة)
المصري: لم أؤمن بغير الصراحة والوضوح مع صاحب القرار (فيديو)

طاهر المصري وعبد الهادي المجالي وفايز الطراونة في احدى جلسات مجلس الامة المشتركة

محمد خير الرواشدة
عمان- يختتم رئيس الوزراء الاسبق طاهر المصري سلسلة حلقات "سياسي يتذكر"، التي كانت "الغد" بدأت بنشرها في العشرين من نيسان (إبريل) الماضي، وتسدل الستارة على آخر حلقاتها مع المصري اليوم.
وتنشر "الغد" بالتزامن مع الحلقة الأخيرة من "سياسي يتذكر" مع المصري، تسجيلا فيديويا يُلخص فيه أبرز المحطات خلال مشوار حياته، ويجدد فيه التأكيد على ثبات مواقفه من القضايا، التي كانت مثار جدال ونقاش طيلة أيام نشر الحلقات.
كما يبين المصري في الفيديو جانبا من مشروعه في كتابة مذكراته، التي سيتوسع فيها بشرح مواقف مرت خلال مشواره السياسي، ويكشف فيها المزيد من التفاصيل السياسية، التي تتعلق بمواقع عامة اختبرها.
كما يرد المصري على بعض الانتقادات التي وجهت له على بعض المضامين، التي جاء على ذكرها خلال أيام نشر الحلقات، ويفند بعض المواقف التي أُخذت عليه.
واليوم يصل المصري في نهاية حديثه الى بدايات الربيع العربي، وما أبرز مضامين الفرق الكبير، بين الربيع العربي والربيع الأردني، وما متطلبات الخروج من تداعيات الربيع العربي، عبر تقديم وجبة إصلاحات حقيقية، تسبق مطالب الشارع وتعبر عن تطلعاته.
وكان المصري تحدث في الحلقة السابقة عن تداعيات حرب العراق، واستهداف الإرهاب للأردن. وتحدث كذلك عن التغييرات التي لحقت تفجيرات فنادق عمان، وكيف كان لرجال تلك المرحلة الأثر في زيادة مساحات الاستقطاب السياسي.
وقدم المصري وصفا للأجواء العامة للبلاد بالقول: "قد أعطي الطابع الأمني أولوية، وصلاحيات أوسع، وقد كان ذلك على حساب الطابع السياسي لمؤسساتنا الرسمية، وهي صلاحيات واسعة، وتمت ممارستها بشكل خلق حالة من الاستقطاب. وهي استقطابات ليس لها أي محتوى سياسي، لأنها لم تكن استقطابا سياسيا أصلا".
واليوم يستزيد المصري في توضيح موقفه من قانون المطبوعات والنشر، الذي كان للمصري موقف من المادة 23 منه، وهو رئيس لمجلس الأعيان، وأرجأ مناقشة القانون لدورة لاحقة، حتى لا تتأثر سمعة الحريات بالأردن، خصوصا بعد إقرار التعديلات الدستورية، وحتى لا يكون إقرار ذلك القانون مأخذا على الإصلاحات.
ويتناول اليوم مرحلة توليه رئاسة لجنة الحوار الوطني، وكيف توصلت لمعادلة توافقية على أهم ملامح الإصلاحات المطلوبة، وأبرز التوصيات على قانوني الانتخاب والأحزاب.
وفيما يلي التفاصيل:
• كنت اختتمت الحلقة السابقة، بالحديث عن "مفهوم عدم الرضا عن السياسات والقرارات، الذي صار يسري بين الناس، وعبأ هذا الشعور بعدم الرضا عند المواطن؛ التغيير السريع للحكومات والوزراء، وعدم الاستقرار في أكثر من مستوى من مستويات السلطات الدستورية"، هل تُنظر بهذا الرأي لانطلاق بداية مرحلة ما بات يُسمى بـ"الربيع العربي"؟
-التغييرات السريعة في مستويات القرار، والقرارات والسياسات الارتجالية، من قبل بعض المسؤولين، الذين تنقصهم الخبرة والمعرفة، والملاحظات الكثيرة، التي صار يبديها المجتمع علنا، وهي ملاحظات تأتي مشبعة بعبارات عدم الثقة وعدم الرضا، كلها أجواء كانت موجودة، وعندما جاء الربيع العربي، وجد أرضا خصبة، ووجد فيه الناس حاجة لتنفيس الضغط، الذي يعانون منه.
طبعا، في الأردن قد لا تكون هذه الأجواء، أو هذا التحليل، مطابقا، لكن في دول الربيع العربي في مصر وتونس واليمن، قد يكون مطابقا تماما.
لكن عندنا، قد نكون تأثرنا بمعركة الإعلام والحرية، وكانت تأخذ تأثيرها الشديد في المجتمع الأردني، وبعضها كان سلبيا، وهذا فيما يتعلق بالأخبار، التي تذاع مشوهة، وفي ممارسة اغتيال الشخصيات وتشويه الحقائق، وهذا طبعا إجرام بحق الوطن.
أما فيما يتعلق بالشق الإيجابي، فقد استفدنا من أجواء الربيع العربي، على مستوى الحريات الإعلامية، من خلال قدرة الإعلام على كشف المعلومات وارتفاع سقف الحريات نسبيا.
لقد دخلنا في الأردن إلى مربع من الخلافات الحادة، حيال التشريعات الإعلامية، التي تتقدم بها الحكومات المختلفة، إلى أن كان هناك خلاف بين جهات مدنية ورسمية، فالأخيرة تريد أن تبقي القبضة الأمنية على الإعلام، ولا تريد الدخول في تطور مفهوم عصر المعلومات، والأخرى تريد ان تفتح الآفاق للإعلام ووسائله، وثالثة تريد أن يتأقلم الإعلام مع واقعه، وكان هذا الصراع يدفع برأي الأمني للمقدمة، فيما يدفع مرات اخرى رأي السياسي للمقدمة، ولذلك لما جاءت أفكار لجان الأردن أولا، والاجندة الوطنية، وكلنا الأردن، ولجنة الأقاليم ولجنة النزاهة الوطنية، وأخيرا لجنة الحوار الوطني، كان مطلوبا منها صناعة التوافق.
لكن كانت هناك قناعة من قبل أعضاء هذه اللجان، ومن قبل الشارع بأن هذه اللجان هي فقط لامتصاص الآخر، واستيعابه لكن من دون تنفيذ رغباته.
وتأكيدا لذلك، ففي الغالبية العظمى لهذه اللجان الملكية، لم يتم الأخذ بمقترحاتها، بل إن واحدة من هذه اللجان؛ وأظنها لجان كلنا الأردن، توقفت قبل أن تنتهي من أعمالها، ورُفعت جلساتها بشكل سريع، وتم إغلاق الملف من دون نتائج.

• لكنك وفي ظل هذه الاحباطات، عدت رئيسا لمجلس الأعيان، ورئيسا للجنة الحوار الوطني في فترة صعبة ومعقدة، وكان لك أيضا مواقفك من داخل هذه المؤسسة؟
-لقد جئت رئيسا لمجلس الأعيان بعد قرار سياسي، بتغيير رئيس مجلس الأعيان، وكنت مرشحا لهذا المنصب، بحكم التقاليد السياسية، وأيضا الجغرافية؛ إذا أردت اعتبارها كذلك، لكن بناء على ما ذكرته لك سابقا، فقد كان النظام يعلم جيدا طبيعة تكويني الفكري ومواقفي الثابتة من الإصلاح، وتوجهاتي الصادقة في هذا الاتجاه، وأنا بقناعتي الراسخة بأن هذه الأفكار كلها هي التي تخدم النظام، واستقرار البلاد، وتدعم مسيرتنا نحو التقدم.
لم اتفاجأ بتعييني رئيسا لمجلس الأعيان، فأنا لم أعين بالظلام، لكني أرسلت كتاب شكري لجلالة الملك على ثقته الغالية، وحددت له بوضوح مفاهيمي للتشريع ومدى التزامي بالأهداف الإصلاحية، التي ينادي بها جلالته، وقد كنت واضحا في كل مرة أُكلف فيها بمسؤولية، فقد كنت أذكر بقناعاتي في العمل العام، وخدمة النظام السياسي من منطلق الإصلاح الشامل المتدرج والمتطور والمستمر.
حتى إني أعدت التذكير بهذه القناعة أمام جلالة الملك، في احتفال عيد الاستقلال، كما أضفت مفاهيم واضحة عن الإصلاح، وأهمية معالجة الاختلالات، وحذرت من الخطر القادم على الإقليم، وأهمية تحصين وضعنا الداخلي بالإصلاح والتحديث والتطوير، وكنت ألقي هذا الخطاب أمام الملك ورجالات الدولة، ولم أكن لأغير مواقفي، بين ما أقوله والتزم به أمام الملك، وبين ما أقوله في الاجتماعات المغلقة، لأني لا أؤمن بغير الصراحة والوضوح مع صاحب القرار ورأس الدولة، فالمسألة لا تحتمل الخداع أو التضليل، لأن كل مسائلنا هي قضايا بحجم الهم الوطني، والتحديات التي تحيط بنا.
وفعلا بدأت الأحداث في تونس، وكما هو معروف، كانت أهمية الحدث في تونس لغالبية الناس، أن حكم زين العابدين بن علي، وإن كان حكما بوليسيا بامتياز، إلا أنه أدى إلى وضع اقتصادي جيد، وضبط الأمور الداخلية بنجاح، ولم تكن هناك أي مؤشرات ظاهرة على السطح بأن الشعب غير راض عن حاكم بلاده، أو أن لديه هذا الحجم الكامن من الغضب، الذي انفجر فجأة وأدى إلى النتيجة التي نعرفها جميعا.
وبعد أيام من انفجار الأوضاع في تونس، انفجرت الأوضاع في مصر، وكانت هذه مفاجأة جديدة، صحيح أننا نعرف حجم الوضع السياسي المتأزم في مصر، لكن المفاجأة كانت بتسارع الأحداث هناك، وانتصار الثورة المصرية ضد حكم مبارك.
في تلك الأثناء، ومع تفاعل الأحداث في مصر؛ اجتمعنا في لقاء رسمي مع جلالة الملك، وكان بحضور شخصيات سياسية وأمنية رفيعة، وكانت وجهة نظري، التي قلتها صراحة ومن دون أي مواربة أو تردد، بأن الله أعطانا فرصة لنتعظ مما حدث في تونس، وكرر الفرصة لنا، لنتعلم مما حدث في مصر، وقلت إنه، وبتقديري، فإن هناك جهات دولية ودول قرار؛ تعمل على سحب (الفيش) من بعض الأنظمة العربية لأنها تريد تغييرها، وهي مسألة قد تهددنا جميعا.
وذكرت في ذات الاجتماع ما حدث في تجربة سابقة، عندما قام رئيس الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف بزيارة الدول الاشتراكية، وكان يسحب الثقة من كل نظام يزوره، لينهار الاتحاد السوفياتي بالنتيجة، ولم تمض أسابيع، حتى سقطت كل الأنظمة الاشتراكية، وهذا ممكن، أن يحدث أيضا في العالم العربي.
وقلت: نحن في الأردن لدينا فرصة؛ لأن الشارع لا يطالب إلا بالإصلاح، وأن الكل يُجمع على شرعية النظام الملكي، وعلينا أن ندرس الأحداث بعناية وعمق ونستخلص العبر، ونقدم للشعب برنامجا استراتيجيا بعيد المدى، بحيث أن نسبق تطلعات المواطن، ونقدم له ما هو متقدم على مطالبه، لأن الشارع يريد إصلاحا وتغييرا، لكن التغيير الذي يريده الشارع، ليس تغيير اشخاص، بل تغيير النهج والسياسات، وربما بعض الأشخاص، وكان رجال الدولة موجودين في اللقاء، وكان من بينهم رئيس الوزراء وقتها سمير الرفاعي، وقلت رأيي بصراحة؛ وشرحت موقفي في موضوع الفرق بين الربيع العربي والربيع الأردني، لأننا في الأحداث التي مرت على المنطقة، منذ منتصف القرن الماضي، فقد كان لنا خصوصية عن باقي دول الجوار والمحيط، وكان لنا مزايا عنهم أيضا؛ وأهمها حقيقة الوحدة الوطنية بيننا جميعا، وجوهر الحفاظ على سلمنا الأهلي هو عقيدة لدى المواطن ولدى المؤسسات الرسمية. حتى عندما كُلفت برئاسة لجنة الحوار الوطني، كان هذا ما يدور في ذهني.

• ومع كل ذلك كنت في رئاسة مجلس الأعيان، تواجه ضغوطا سعت لتحجيم برنامجك في الإصلاح، وقد كان ذلك واضحا في بعض التشريعات، والمماحكات التي جرت حول قانون المطبوعات والنشر مثلا؟
-في موضوع التشريعات، بذلنا جهدا كبيرا في جعل التشريعات تتناسب مع الحقبة الجديدة في سياق الربيع العربي. وقد قام مجلس الأعيان بدوره المحمود، ونجحنا في بعض الأحيان، ولم ننجح في أحيان أخرى، وكان لهذا ظروفه الموضوعية والسياسية أيضا.
ومن المواقف التي استطاع مجلس الأعيان أن يؤثر فيها بشكل إيجابي داعم للإصلاحات المنشودة، ما جرى حول قانون المطبوعات والنشر، فقد كان لمجلس الأعيان موقف تشريعي داعم للحريات، وقد كان هناك جدال عميق حول المادة 23 من القانون، والتي كانت عنوانا أو مفهوما لمصادرة الحريات، وكان لنا موقف واضح من هذا التشريع، وهو بأنه لا يليق بدولة ديمقراطية، أن يُقر فيها مثل هذا التشريع، خصوصا وأن القانون سيصادق عليه بعد يوم واحد من إقرار التعديلات الدستورية، وقد جاءنا القانون من مجلس النواب، وكنا في اليوم الأخير من أيام الدورة الاستثنائية، فخشينا أن تتأثر سمعة الإصلاحات التي يريدها جلالة الملك ويطالب بها الشارع، وأن يكون هذا القانون مأخذا كبيرا على مجمل العملية الإصلاحية، خصوصا وأن من يريد أن ينتقد سياسة ما فما عليه إلا أن يأخذ الجزء ويترك الكل، وبالتالي ينتصر الانطباع بأننا دولة ترفض الإصلاح.
بعد التشاور مع العديد من الزملاء الأعيان، كان اجماع الحاضرين منهم بأن تمرير المادة المذكورة في القانون، سيوقع ضررا كبيرا بصورة وسمعة الأردن، وستقوم مؤسسات دولية باعتبار القانون مأخذا على الحريات.
قررت بعد دراسة كل هذه الظروف السياسية، بأن من الأفضل للمصلحة العامة وسمعة التعديلات الدستورية، التي أقرت، وأيضا لقناعاتنا في المجلس بأن المادة تقيد حرية الكلام، وخاصة أننا نعتبر مكان وجودها ليس في قانون المطبوعات والنشر، بل في قانون العقوبات، قررت أن لا نبحث هذا القانون في آخر جلسة لنا، في الدورة الاستثنائية، وتأجيله لوقت لاحق، وقد أغضب هذا القرار بعض الجهات، وحسب الأمر بمجمله نقطة ضدي، وليس لصالحي.

• لكن الملك اجتمع بالأعيان، واستمع لوجهة نظركم في اليوم التالي لهذه الجلسة؟
-صحيح؛ ففي اليوم التالي من آخر أيام الدورة الاستثنائية، وكان يوم خميس، اجتمع جلالة الملك في الديوان الملكي، صباح يوم الجمعة مع مجلس الأعيان، وشرحنا له الأسباب والموقف من المادة المذكورة في قانون المطبوعات والنشر. وقد أيد جلالته وجهة نظرنا، ووافق على أن المكان المناسب لها هو قانون العقوبات، وتم ذلك في الدورة العادية التي تلتها، وأصبح مجلس الأعيان محط أنظار الإعلام المحلي، والمؤسسات ومنظمات الإعلام بعد انتصاره لحرية الحق في التعبير.

• خلال رئاستك لمجلس الأعيان، كلفت برئاسة لجنة الحوار الوطني، وكان لك تجربة أخرى مع توصيات لجنة، لم يؤخذ بتوصياتها، مع أنك قبلت برئاستها بتكليف من رئيس الحكومة وقتها معروف البخيت وليس الملك؟
-فعلا، صدر قرار مجلس الوزراء باختياري رئيسا للجنة الحوار الوطني، ثم قمت بتأليفها بعدد مفتوح وأجندة محددة.
اتصل بي رئيس الوزراء معروف البخيت، وقال لي، بأنه تم اختياري لأسباب تتعلق بي وبشخصيتي. وعندما جلست مع البخيت، اقتنعت بأننا سنقوم بعمل مهم على المستوى الوطني، وانه سيكون لي مطلق الحرية في اختيار الأعضاء، الذين بذلت جهدا في اختيارهم.
صحيح أن لي اعتبارات في المجتمع السياسي، وهي اعتبارات مهمة، لكني لم أتأثر بها، إذا كانت الخدمة وطنية وجادة وصادقة، لذلك لم اتوقف عند بروتوكول اختياري، وأنا رئيس لمجلس الأعيان، من قبل رئيس الحكومة، لأكون رئيسا للجنة.
كما أن اختياري لمهمة رئاسة لجنة الحوار الوطني، كان لصفتي الشخصية، وليس السياسية كرئيس لمجلس الأعيان.
وهو موقف مخالف لموقفي من عضوية لجنة الأجندة الوطنية، برئاسة مروان المعشر، فقد سمعت اسمي في عضوية اللجنة عبر المذياع، وأنا جالس في سيارتي. واتصلت فورا بسمير الرفاعي، وكان وزيرا للبلاط، واعترضت على تجاوز البروتوكول السياسي، في رئاسة اللجنة من قبل مروان، وهو يحمل لقب معالي، وأنا عضو فيها وأحمل لقب دولة.
لكن في لجنة الحوار الوطني كان الظرف مختلفا، والمسؤولية كبيرة، وقد دعم الملك جهدنا في رسالته، التي وجهها لنا مع بدء اجتماعاتنا، ولقد استفدت كثيرا من العمل في اللجنة وقدمنا أفكارا ممتازة.

• اللجنة قاطعها الإسلاميون، ولم تأخذ بها الدولة، فما قيمة التوافق عليها إذن؟
-لقد كانت لجنة الحوار الوطني تجربة مهمة، في جمع مكونات المجتمع السياسي، على أهداف وأفكار مشتركة، للسير على برنامج وخطة ومسار إصلاحي متكامل ومُتوافق عليه.
لقد صدرت وثيقة لجنة الحوار الوطني في ظل أجواء توافقية، بين نحو 50 شخصا، يمثلون اللون السياسي الكامل للشارع الأردني، ولقد كان التوافق مهما في تلك المرحلة، وكان يجب أن يكون عنوانا رئيسا في الحياة السياسية، خصوصا وأن مخرجات اللجنة كانت محط توافق في وقت استعصت فيه كل محاولات التفاهم والتوافق بين كل مكونات الحياة السياسية الأردنية.
ويزعم أعضاء اللجنة، بتشكيلتها وتوجهاتها، بأنهم استطاعوا امتصاص وتهدئة الشارع الأردني، خلال فترة كانت مزعجة، من حيث فوضى الحراكات في الشارع، وفوضى المطالبات الإصلاحية، التي بدأت تتعارض فيما بينها، فبعد أن دخلنا في حالة فوضى من المطالب كان من شأن توصيات لجنة الحوار الوطني أن تكون عنوانا جامعا ومقبولا للجميع، وعندها قد ندخل جميعنا العملية السياسية متوافقين على العناوين، ومن ثم ومن خلال المشاركة باستطاعتنا التطوير شيئا فشيئا.
لم تكن اجتماعات ومخاضات لجنة الحوار الوطني أمرا ترفيا أو فائضا عن الحاجة؛ بل على العكس كان عملا وطنيا يدخل في صلب الأمن الوطني الأردني، فلم تتوقف الأمور عند الحراكات في الشارع الأردني ومطالبها التي بدأت "تخزق" السقوف، بل ايضا كانت التحركات في الإقليم تنذر بمخاطر كثيرة، إن لم تؤثر علينا مباشرة، فقد تصيبنا بأضرار غير مباشرة، كتداعيات استقبال اللاجئين السوريين، والتهديد الأمني على الحدود الشمالية، وتباطؤ مسار الحل السياسي للقضية الفلسطينية، واستمرار فوضى العراق، وتأثر حدودنا الشرقية أيضا.
لقد حاولت لجنة الحوار الوطني وضغطت باتجاه مشاركة جماعة الإخوان المسلمين في أعمال اللجنة، والمشاركة في صياغة الأفكار والمبادئ والتوصيات، وكنا نريد من مشاركتهم مساعدتنا على تهدئة الشارع، وترشيد خطابه السياسي، لكنهم، وبعد موافقتي على وضع جدول اعمال يراعي ويلبي مطالبهم؛ اعتذروا مرة أخرى، وتخلفوا عن المشاركة، وهذا قرارهم طبعا، لكن الأمر لم يؤثر علينا وأكاد أجزم بأننا اقتربنا من تطلعات جميع القوى السياسية والشعبية في مخرجات لجنة الحوار، وبظني لو تم التعامل معها بجدية لكانت الحياة السياسية في الأردن حققت تقدما أكثر من التقدم الحاصل اليوم.
بالنسبة للحكومة؛ فقد أضاعت حكومة عون الخصاونة، وقتها، فرصة الأخذ بتوصيات لجنة توافقت على خريطة طريق للإصلاحات المطلوبة، وهي خريطة توافقية، من شأنها أن تؤثر على حياتنا السياسية وتطورها، وتترك الانطباع الإيجابي في تغيير نهج السياسات الرسمية في التعامل مع القوانين الإصلاحية.
لكن بالأخير لم يؤثر إهمال توصيات لجنة الحوار الوطني علينا كأشخاص، بل أثرت على الثقة في التعامل مع مثل هذه الأفكار، واللجان والمبادرات ومخرجاتها، حتى صارت هناك قناعة لدى الجميع، بأننا نعمل في مثل هذه المجالات، ليبقى عملنا محمولا على رفوف المكتبات، وفي أدراج المكاتب.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://shanti.jordanforum.net
 
طاهر المصري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشنطي :: اردننا الغالي :: شخصيات اردنيه-
انتقل الى: